رسالة فيها أجوبة عن بعض مسائل
للإمام قاسم بن قطلوبغا الحنفي
توفي في سنة (879 هـ)
تحقيق:
جامبيل أديلبايف
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة فيها أجوبة عن بعض مسائل
للإمام قاسم بن قطلوبغا الحنفي
توفي في سنة (879 هـ)
تحقيق:
جامبيل أديلبايف
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
بسم الله الرحمان الرحيم
وبه نستعين.
[و قال الشيخ قاسم رحمة الله] () الحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الّذين اصطفى.
وبعد:
فإن الفقير إلى رحمة ربّه الغني، قاسم الحنفي يقول:
هذا ذكر جوابي عن بعض مسائل وقعت.
1) ومنها: [الجواب عن عظم ميت وقع في البئر فهل ينجسها أم لا و ما يستخرج منها]؟
الجواب: الحمد لله، رب زدني علما.
إن كان عظم خنزير، فإنّه ينجس البئر, [وإن لم يكون عليه دسم] ويجب نزح ما فيها بعد إخراجه، وإن كان عظم غير الخنزير، فإن كان عليه دم أو دسم، فإنّه ينجس البئر، وإن لم يكون عليه شيء من ذالك، لا ينجسها، والله أعلم.
2) ومنها: في رجل أصاب ثوبه من النبيذ، وصلّى فيه، هل عليه إعادة أم لا؟
الجواب: إن كان ما أصابه [مسكرا، أو نقيع زبيب قد غلا، واشتد، وقذف بالزّبد، و كان أقلّ من ربع ثوبٍ أصابه]، فلا إعادة عليه.
وإن كان قدر الربع أو أكثر فعليه الاعادة، و إن كان ما أصابه منصّف أو معتق، فالختار أبو يوسف: أن صلاته تامّة، قلّ ما أصابه أو أكثر.
و على قياس ما ذكر خُواهَر زادَة: إن كان المنصّف حلواً فصلاته تامّة، و إن كان قد غلا وإشتدّ، فحكمه حكم المسكر المتقدم.
والله أعلم.
3) و منها: إذا أصابوا في البئر فأرة متفسخة، وكانوا قبل ذالك قد طبخوا أو عجنوا من مائها هل يؤكل؟
الجواب: لا يؤكل على قول أبي حنيفة، و هو الصحيح. والله أعلم.
4) ومنها: في رجل يمسح على خرقة على جراحة بيده، سقطت الخرقة عن جراحة، وهو في الصلاة، فمضى في صلاته، هل تجزئه؟
الجواب: إن كانت [على حالة] وقت سقوط الخرقة مثل الحالة التي مسح فيها أجزأته صلاته، ولا يحتاج الى تجديد مسح.
وإن كان يقدر على المسح على جراحة بغير حرخة لم تجز صلاته. و عليه: أن يمسح الجراحة. والله أعلم.
5) ومنها: رجل أخرس، أدرك بعض صلاة الإمام و فاته بعض؟
الجواب: صلاته فاسدة عند الإمام، جائزة عند أبي يوسف، و قول أبي حنيفة هو صحيح. والله تعالى أعلم.
6) و منها: في رجل صلّى الظهر، فشكّ وهو في الصلاة أنه على غير وضوء أم لا، ما الفعل؟
الجواب: إن كان ذالك أول ما عرض له أعاد وضوءَ و الصلاة، و إن كان يعرض له كثيراً، مضى في صلاته. و ألله تعالى أعلم.
7) و منها: أنّي سُئِلتُ عما ذكر الزاهدي في "شرح القدوري": أنه إذا تعمّد ترك الواجب أو تأخيره، لم يجيب عليه سجود السّهو في شيئين. ذكرها الأستاذ فخر الإسلام البديع إذا ترك القعدة الأولى، إذا شكّ في بعض صلاته فتفكّر عمداً حتى شغله ذالك عن ركن. ثم قال قلت له كيف يجب سجود السّهو بالعمد؟ قال: ذالك سجود العزر لا سجود السَهو الجواب: أما حصره فممنوع بما ذكر في "الينابيع": أنه لو أخّر إحدى سجدتي الركعة الأولى الى آخر صلاته، أو ترك القعدة الأولى، فإنه يجب عليه سجود السهو لو كان عامداً أو ساهياً. ذكره النّاطفيُّ مستشهداً في الأجناس. إنتهى.
فوافق في ترك القعدة، و زاد تأخير السجدة.
وأما قول النّاطفيُّ في العمد، و قول البديع: أنّ هذا سجود العزر، فممّا لم نعلم له أصلاً في الرًواية، ولا وجهاً في الدّراية، ويخالفه قوله في "المحيط،" ولا يجب بتركه أو بتغييره عمدا؛ لأنّ السّجدة شرعت جابرةً، نظراً للمعذور لا للمتعمّد، ولما اتّفقوا عليه من أنّ سبب وجوبه ترك الواجب الأصليّ، أو تغييره ساهياً،، وهذا هو الّذي تعمد للفتوى والعمل.
قال أبو اللّيث رحمه الله ـ في كتاب "النّوازل": سئل أبو نصرعن مسألةٍ وردت عليه: ما تقول رحمك الله، وقعت علينا كتب أربعة: كتاب إبراهيم بن رستام، "أداب القاضي"عن الخصّاف" كتاب المجرّد"، كتاب "النّوادر"، من جهت هشام، هل يجوز لنا أن نفتي منها أو لا؟ وهذه الكتاب محمودة عندك؟
قال ما صح عن أصحابنا فذالك علمُ مجيبٌ مرغوبٌ فيه مرضيُّ به.
و أما الفتيا؛ فإنّي لا أرى لأحد أن يفتي بشيءلا يفقهه ولا يتحمّل أثقال النّاس، فإن كانت مسائل قد إشتهرت وظهرت و انجلت عن أصحابنا، رجوت أن يسع الإعتماد عليها في "النّوازل" إنتهى.
و أما ما ذكره من التفكّر، ففيه تفصيل و خلاف، وله صورة مشهورة.
أما في التفصيل فقال في" البدائع": «و إذا شكّ في شيءٍ من صلاته فتفكّرفي ذالك حتّى إستيقن: [فهو على وجهين:]
[إما إن شكّ في شيءٍ من هذه الصّلاة التّي هو فيها، فتفكّر في ذالك،] [حتى إستيقن].
وإما إن شكّ في صلاة قبل هذه الصّلاة فتفكّر في تلك، و هي في هذه [الصلاة أو في هذه الصلاة لا]
[و كل وجه على وجهين:
إمّا إن طال تفكّره، بأن كان مقدارما يمكنه أن يودّي فيه ركناً من أركان الصّلاة، كالرّكوع و السّجود، أو لم يطل، فإن لم يطل، فلا سهو عليه، سواء كان تفكّره في غير هذه الصّلاة و في هذه الصّلاة؛] لأنّه إذا لم يطل لم يوجد سبب الوجوب، وهو ترك واجب، أو تأخره، أو تغيير ركنٍ، أو واجب عن الوقته اللأصليّ، للأن القليل ممّا لا يمكن التّحرّز عنه، فكان عفوا دفعاً للحرج. وإذا طال تفكّره فإن كان تفكّره في غير هذه الصّلاة، فلا سهوا عليه، وإن كان في هذه الصلاة فكذالك في القياس، وفي اللإستحسان عليه السّهو.
وجه القياس: أنّ الموجب للسّهو يمكن النّقصان في الصّلاة و لم يوجد؛ لأنّ كلام فيما يذكر إن أدّاها فبقي مجرّد الفكر و أنّه لا يوجب السّهو كالفكر القليل. و كما لو شكّ في صلاة أخر و هو في هذه الصّلاة، ثم تذكّر أنّه أدّاها لا سهو عليه، و إن طال تفكّره. كذا هذا.
وجه الإستحسان: أنّ الفكر الطّويل في هذه الصّلاة ممّا يؤخّر الأركان عن أدائها، فيجب تمكّن النّقصان في الصّلاة، فلا بدّ من جبره بسجدتي السّهو، بخلاف الفكر القصير، وبخلام ما إذا شكّ في صلاة أخرى، وهو في هذه الصّلاة؛ لأنّ الموجب للسّجود في هذه الصّلاة سهو هذه الصّلاة لا سهو صلاة أخرى. إنتهى.
وذكر هذا في الذخيرة بزيادة بيان فقال: و إذا شكّ في صلاته، ولم يدر أثلاثاَ صلّى أم اربعاَ و تفكر في ذالك تفكراَ ثم إستيقن: أنه صلّى ثلاث ركعات، فإن لم يطالتفكره حتى لم تفكر يشتغله تفكره
عن أداء ركن بأن يصلّي و يتفكّر فليس عليه السّجود السّهو؛ لأنه لم يؤخر ركناَ، ولم يترك واجباَ، ولم يؤخر. و إن طال تفكره حتى شغله عن ركعة أو سجدة أو [يكون في] ركوع أو سجود فيطيل في تفكره و تغير حاله باتفكرفعليه سجود السهو إستحسانا.
و في القياس: لا سهو عليه؛ لأن تفكره ليس إلا طالة القيام، أو الركوع، أو السجود، و هذه الأذكار سنة، وتأخير الأركان بسبب إقامة السنة لا يوجب سجود السهو، كما لا يوجب الإساءة إذا كان عمدا.
وجه الإستحسان: أنه أخّر واجباّ، أو ركناّ ساهياّ، لا بسبب إقامة السنة، بل بسبب التفكر، و ليس التفكر من أعمال الصلاة، [فيلزمه سجود السهو كما لو زاد ركوعا أو سجودا في صلاته، بخلاف ما أذا طال الركوع أو السجود أو القيام ساهيا حيث لا يلزمه سجود السّهو؛ لأنّ تأخير حصل بفعل هو من أفعال الصلاة، و] ذالك سنة و إذا لم يكون واجبا و تأخير الركن أو الواجب شيء كان بسبب إقامة فعل من أفعال الصلاة ساهيا، لا يوجب سجدتي السهو. إنتهى.
وأمّا الإختلاف، فقال أبو نصر الصقارهذا كله إذا كان التفكير يمنعه عن التسبيح، أما إذا كان لا يمنعه عن التسبيح، بأن كان يسبح و يتفكر و يقرأ لا يلزمه سجود السّهو في الأحوال كلها.
وخالفه شمس الأئمة فقال: ما قال في كتاب: و إن شغله تفكره ليس يريد به أنه شغله التفكير عن ركن، أو واجبّ، فإن كان ذالك يوجب سجدتي السّهو بالإجماع، ولكن أراد به شغل قلبه بعد أن تكون جوارحه مشغولة بأداء الأركان على نحوما بيّنا في مسألة المتقدمة. إنتهى.
ويوافق الأول ما ذكر في غريب الرواية عن البلخي في نوادره، عن أبي حنيفة: أنّ من شكّ في صلاته فأطال تفكّره، إن كان ذالك في قيامه أو ركوعه أو سجوده [أو قومته أو قعدته الأخرة لا سهو عليه، وإن كان في جلوسه بين السّجدتين فعليه السهو؛] لأنّ له أن يطيل اللّبث في جميع ما ذكرنا الاّ في ما بين السّجدتين و القعود في الوسط الصّلاة.
و يوافق الثاني تعليل المسألة، و به تخريج الجواب عن هذه التعليل. والله أعلم.
ومنه قوله فقال: وإن كان تفكره في غير هذه الصّلاة إلخ. جعله في المحيط بعض روايات فقال: شكّ في صلاة صلاّها قبل ذالك فتفكّرذالك، [فطال تفكره] ذكر في بعض الروايات: لا سجدة عليه؛ لأنه لم يسه عن هذه الصلاة؛ لأنه لم ينس شيئا من أفعال هذه الصلاة؛ فلا تلزمه السجدة، و إن أخّر فعلا كسهو عن أمر من أمور الدنيا فتفكّر حتى أخّر ركنا أو واجبا [و في بعض الروايات: أنه يلزمه السهو؛ لأنّ هذا السّهو أخّر ركنا أو واجبا] فتمكّن النقص في صلاته، كما تمكن بالسهوفي فعل من أفعال هذه الصلاة، [بخلاف السهو في أعمال الدنيا؛ لأنه لم تجب عليه حفظها في صلوات إنما يجب عليه حفظ أعمال هذهالصلاة] [أخرى حتى إنتهى.
وهذا ترجيح بخلاف ما في البدائع و الذخيرة. و ألله أعلم.
وأما صورة المشهورة: ففي "فتاوى قاضي خان"و لو إفتتح الصلاة، ... ثم شكّ أنّه هل كبّر للإفتتاح ثم تذكّر أنّه كان كبّرإن شغله التّفكّير عن أداء شيء من الصّلاة، كان عليه السّهو وإلاّ فلا.)
و في "الذخيرة": شكّ في حال القيام أو بعده أنه هل كبّر للإفتتاح أم لا و طال تفكره فيه فعلم أنه قدكبر فبنى أو ظنّ أنّه لم يكبّر فكبّر، و قرأ و بناءً عليه، فعليه سجدتا السّهو.
و في "الظّهيرية":المصلّي إذا فرغ من القراءة وتأنّي وتفكّر أيّ سورة يقرأ أو مكث مقدار ما يودي ركنا فعليه السّهو.
و في "قاضي خان" و لو شكّ في ركوعه و سجوده [و طال تفكّره كان عليه السّهو.] و هذا يوافق ما قال شمس الإئمة.
و قد قدمنا عن غريب الرواية: و إن كان في جلوسه بين سجدتين فعليه السهو.
و في "البدائع" ثم لا فرق، بينهما إذا شكّ في خلال صلاته، فتفكّر حتّى إستيقن، و بين ما إذا شكّ في آخرها بعدما قعد قدر التّشهّد الأخرة ثم إستيقن في حقّ وجوب السّجدة؛ لأنّه أخّر الواجب و هو السّلام.
و كذا لا فرق بينه و بين ما إذا سبقه الحدث في الصّلاة، فذهب الوضوء فشكّ أنّه صلّى ثلاثا أو اربعا وشغله ذالك عن وضوئه ساعة، ثم إستيقن، فأتمّ وضوءه أو شكّ بعد وضوء قبل أن يعود الى الصّلاة، فتفكر ساعة، ثم إستيقن، حتّى يجب عليه سجود السّهو في الحالين إذ طال تفكّره؛ لأنّه في حرمة الصّلاة، و إن كان غير مؤدّ لها. و الله أعلم.
8) ومنها: مسبوق [أذا سلّم مع الإمام ساهي]،هل تبطل صلاته؟
فأجبت: أنّها لا تبطل، بل يبنى على ما مضى.
فقيل: أنّ بعض من ينسب إلى الفقه قال: إنّه تبطل صلاته، وإنّ هذا حكم الناس عنه غافلون، و أنّه قياس مسائل ذكرها.
فقلت: هذا مما لا يعرفه في هذا المذهب. و هاك نقل بما قلت قال الإمام الكرخي في "المختصر": و () إن سلّم المسبوق حين سلم الإمام ساهيا، فإنّه يبنى على صلاته، و عليه سجدتا السهو؛ لأنّه سهى و قد خرج من صلاته. و قال في "الإيضاح": و إن سلّم ـ يعني المسبوق ـ ساهيا حين سلّم الإمام، بنى على صلاته، و عليه سجود السّهو؛ [لأنه نسى] لأن سلام الساّهي لا يخرجه من صلاة؛ لأنه من جنس ما شرع في صلاة. و قال في البدائع: ثم المسبوق إنّما يتابع الإمام في السهو دون السّلام، فإن سلّم مع الإمام، فإن كان ذكرا لما عليه من القضاء، فسدت صلاته؛ لأنه سلّم عمدا، و إن لم يكون ذاكرا لم تفسد؛ لأنه سلام سهو، فلا يخرجه عن صلاة، و هل يلزمه سجود سهو لأجل سلامه ينظر: إن السلام قبل تسليم الإمام أو معه لا يلزمه؛ لأن سهوه سهو مقتد، و سهو المقتدي متعطل. و إن سلم بعد تسليم الإمام يلزمه؛ لأنّ سهوه سهو منفردٍ، فيقضي ما فاته، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته. إنتهى.
و قال في "المحيط": و لو سلم المسبوق إن كان عامدا، تفسد صلاته، و إن كان ساهيا إن سلّم مع الإمام لا يلزمه السجود؛ لأنّه مقتد به، و أن سلم بعده يلزمه؛ لأنه منفردٌ إنتهى.
و قال في "الذخيرة": المسبوق بركعة إذا سلّم مع الإمام ساهيا لا يلزمه سجود [السهو لأنّه مقتد بعد: و إن سلّم بعد الإمام كان عليه:] السهو لأنه منفرد.
و قال في "ينابيع": () يتابع الإمام و لا يسلم معه، و لو سلّم معه و إن كان ذاكراً لما عليه من القضاء، فسدت صلاته، و إن كان ناسيا لم تفسد.
و قال في "شرح مجمع" لإبن فرشته ولو سلّم مسبوق إن كان عامدا تفسد صلاته، وإن كان ساهيا إن سلم [مع لإمام] لا يلزمه السجود؛ لأنه مقتد به، و إن سلّم بعده يلزمه؛ لأنه منفرد.
فهذا نقل أرباب المذهب من الصّدر الأوّل منهم، و الى هلم جرا () على ما أجبت. ولله الحمد. فلا يلتفت الى قول لا رواية به، و لا دراية. و الله تعالى () أعلم.
و منها إذا قرأ جماعة آية السجدة و سمعها بضهم من بعض. فأجبت: بأنه يجب سجدة الواحدة على كل واحد لإتحاد مجلس. واورد علي: بأّن التداخل يكون في السبب الواحد إذا تكرر و هنا سبب مختلفة، فكان هنا كما لو أقر الإنسان بدراهم و الآخر بدنانير. و لعبده بالعتق في مجليس واحد، فإنه لا يجمع. فأجبت بأن هذه الأسباب لما إتّحد سببها، كان الثاني موكداً بخلاف ما ذكر.
يدلّ عليه قوله في "البدائع" و لو إجتمع سببا الوجوب و هما: التّلاوة و السّماع، بأن تلا آية السّجدة ثم سمعها، أو سمعها ثم تلاها، أو تكرّر أحدهما.
فالأصل: أنّ السّجدة لا تكرّر وجوبها إلاّ بأجد أمور ثلاثة:
إمّا بالختلاف المجالس: أو التّلاوة: أو السّماع.
و قولهم: روي أنّ جبريل عليه السلام كان ينزل بالوحي فيقرأ آية السجدة على رسول الله كان يسمع و يتلقّن، ثم يقرأ على الصّحابة، و كان لا يسجد إلا مرة واحدة. و الله أعلم.
9) و منها رجل معه سطل ماءٍ يشرب منه الناس () يوم الجمعة [والإمام يخطب]، [الجواب: قلت روي المعلّى، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أكره شرب ماء و الإمام يخطب [يوم الجمعة. و الله أعلم]]
10) ومنها رجل أجّر دارا من رجل بأف درهم، فحال الحول بعد ذالك بأيام يسيرة، و لكل من المؤجّر والمستأجر مال، يجب فيه الزكاة، فماذا عليها؟
الجواب: إن كان المؤجر قد قبض الأف، فزكاتها عليه، و إن لم يكون قبض فعليه بقدر ما يسكن المستأجر. و ألله أعلم.
11) و منها: رجلٌ له ثلاث مئة قد حال عليها الحول، فخلطها بخمس مئة، ثما ضاع من المال كله خمس مئة.
الجواب: يجب عليه خمسة عشر درهما و ربع نصف ثمن درهم؛ لأن الرواية أن يقسم ما ضاع على كل المال، فما اصاب الثلاث مئة يهدر. و ما اصاب الباقي يزكي و الله تعالى أعلم.
12) و منها: في رجل أخر صائم قال له آخر: أمرأته طالق إن لم يفطر، هل يسعه أن لا يفطر، و تطلق إمراة الرجل؟
الجواب: إن كان صائما عن قضاء رمضان، وسعه أن لا يفطر و إن كان صائما متطوعا فيفطر. و الله تعالى أعلم.
13) و منها: ما معنى قولهم: و يكره التقبيل الفاحش؟
الجواب: هو أن يمضع شفة المرأة. و الله تعالى أعلم.
تمت.
(2) النجدات ببيان السهو في السجدات
بسم الله الرحمان الرحيم
[الحمد الله العليم الذي لا ينسى و الصلاة و السلام على من أتى بالحنفية السمحا البيضاء مدمد أفضل الورى و على آله و صحبه و من به مقتدى آمين و بعد: فيقول الفقير الى رحمة ربه الغني قاسم بن قطلوبغا الحنفي]
قال رحمه الله تعلى ـ هذا تعليق وصفته لبيان السهو في السجدات حسب بعض الراغبين من السادات علم الله ما لم يعلم، و نفعه بما تعلم، و مسائله على قسمين:
الأول: فيما إذا علم عدد السجدات التي سهى عنها و على محلها من الصلاة.
والثاني: فيما إذا علم عددها و لم يدر محلها. إذا علمت هذا، فنقول: إذا تذكر أنه إذا ترك سجدة من الركعة الأولى من صلاة الفجر، سواء كانت السجدة الأولى أو الثانية على تقدير أوفي زعمه، فإنه يسجدها بنية القضاء. و يتشهد و يسلّم و يسجد للسهو على ما عرف، لأنه أتى بأكثر أفعال الصلاة ولا ينفلون لكن القضاء وليس الترتيب بين سجدتين بفرض، فلذا: يصح القضاء. ولو تزكر أنه ترك سجدة من الركعة الثانية سجدها وأتم كما مر. ولو تذكّر أنّه ترك سجدتي الركعة الأولى يصلى ركعة و يتشهد و يسلم و يسجد للسهو؛ لأنه لما قرأ و ركع في الأول حصل هذا الركوع في محله، ويوقف على أن يتقيد بالسجود، فلما قام و قرأ وركع وقع هذا تكرارا و لا يعتد به، و لا يفسد، لأنه من جنس الصلاة، فلما سجد يفسد به الركوع الأول، فلم يكون صلى سوى ركعة واحدة.
فلذا قلنا: يضم إليها أخرى إلى آخر ما ذكرنا، و لو تذكر أنه ترك سجدتي الركعة الثانية سجدها و أتم كما مر.
[ولوتذكّرأنه لم يسجد شيا في ركعتين سجد سجدتين ثم يقوم فيصلي ركعتين أخرى ويتم واحدا الذي قلنا]
ولو تذكّر أنه ترك سجدة من الأولى [من الصلاة الفجر] وسجد في الثانية سجد ثلاث سجدات ينوى بالأولى القضاء، ويتم، كما مر، وعكس هذه سجد سجدة، و يصلى ركعة، و يتم.
[ولو تذكّر أنه لم يسجد شيئا في الركعتين سجد سجدتين. ثم يقوم فيصلي ركعة أخرى، ويتم وجه الذي ذكرناه.]
[ولو تذكّر أنّه ترك سجدة من أول الظهر أو ثانيتها أو ثالثتها أو رابعتها سجدها وأتم، وينوى القضاء فيما سوى الرابعة].
ولو تذكّر أنه ترك من الأولى سجدة، وسجدة من الثانية سجدة و [من الثالثة سجدة] سجدهما بنية ا القضاء.
[ولو تذكّر أنه ترك أربع سجدات من كل ركعة سجدة سجد أربعا] [و لو تزكر أنه ترك سجدة من الأولى و السجدة من الثانية و سجدة من الثالثة سجد ثلاث سجدات] ينوي القضاء في ثلاث لأنهن فوائت، و القضاء لا يتأدى إلا بانية المعينة بخلاف الرابعة؛ لأنها في محلها. فعلم: أن الرابعة تتقيد بسجدة، و إن السجدة أنها تصير فائتة عن محلها إن تخلل بينها و بين محلها ركعة تامة؛ لأن ما دون الركعة يحتمل الرفض فيرتفض، وتلحق بمحلها.
ولو تذكّر أنه ترك سجدتي أولى الظهر قام فصلى ركعة، وأتم.
ولو تذكّر انه ترك سجدة أولى الظهر، وسجد من الثانية أو عكسه سجد سجدة، ثم قام فصلى ركعة.
ولو تذكّر أنه ترك سجدات الشفع الأولى، قام و صلى ركعتينوأتم.
ولو تذكّر أنه ترك سجدات الشفع الولى وواحدة
من الثانية أو واحدة من الأولى وسجدت الثانية والثالثة أو واحدة من الثانية وسجدت الأولى والثالثة سجد سجدة وصلّى ركعتين
ولو تذكّر انه ترك سجدات ثلاث ركعات صلّى ركعة وتشهد ثم صلّى ركعتين وأتم.
ولو تذكّر أنه سجد سجدة في الآخرة فقط سجد آخرى، ثم قام فصلى ركعة، وتشهد، ثم صلّى ركعتين وأتم.
وكذا لو تذكر أنه سجد في الأولى سجدة واحدة ولم يسجد فيما عداها.
وكذا لو تذكر أنه سجد في الثانية أو الثالثة.
ولو تذكر أنه ترك جميع السجدات في جميع الركعات سجد سجدتين، ثم يصلّي ركعة، ثم يتشهد، ثم يصلّي ركعتين و يتم العصر و المغرب و العشاء في هذا سواء.
القسم الثاني: لو تذكر أنه ترك سجدة من الفجر، و لم يدر محلها سجد سجدة ينوي بها ما عليه لإحتمال أنه تركها من الأولى، و يتشهد، و يسلم، و يسجد للسهو كما علم.
ولو تذكّر أنه ترك سجدتين سجد سجدتين أولا لإحتمال أنه تركها من ركعتين، ويقعد قدر التشهد لإحتمال انهما من الثانية، ثم يقوم و يصلّي ركعة لإحتمال أنهما من الأولى، ثم يتم.
وإن تذكّر أنه ترك ثلاث سجدات فيسجد ثلاث سجدات، ينوي بواحدة فقضاء ما عليه، لإحتمال أنه ترك واحدة من الأولى، و يسجدتي الثانية. و يتشهد لهذا لإحتمال، ثم يقوم ويصلّي ركعة لإحتمال أنه ترك سجدتي الأولى، وواحدة من الثانية، ثم يتشهّد، و يسلم، و يسجد للسهو. و لو تذكر أنه ترك سجدة من المغرب سجدها ينوي ما عليه.
ولو تذكر أنه ترك سجدتين، يسجد سجدتين، و يتشهّد لإحتمال أنهما من ركعتين، أو من الأخيرة، ثم يقوم فيصلّي ركعة لإحتمال أنها من ركعة غيرها.
ولو تذكر أنه ترك منها ثلاث سجدات سجد ثلاثا. ينوي بها ما عليه، و يتشهد لإحتمال أنه ترك على الولاء واحدة من الثانية، وثنتين من الثالثة، و لإحتمال أنه ترك من كل ركعة سجدة، وصلّى ركعة لإحتمال أن يكون ترك واحدة من الأولى و سجدتي الثانية، فيكون قد تقيدت الأولى بالسجدة، ووقع ركوع الثانية في غير محله، و وقع ركوع الثالثة مكررا، فيقيد الركوع الثاني بالسجود الأخيرة.
فلذا قلنا: يتشهّد ويصلّي ركعة، يحتمل أنه ترك سجود الأولى، وواحدة من الثانية، فيكون ركوع الثانية الأولى حصل في محله، و ركوع الثانية مكررا، فيقيد ركوع الأولى بالسجدة في الثانية، و لا يختلف الحال.
ولو تذكر أنه ترك أربع سجدات سجد سجدتين، ولا يقعد و يصلي ركعتين، ويقعد بينهما [لأنه أتى بسجدتين]. ويحتمل أنه أتى بهما في ركعتين فعليه سجدتان و ركعة إلا أن الركعة داخلة في ركعتين.
ولو تذكر أنه ترك خمسا سجد سجدة ينوي بها عن الركعة التي قيدها بالسجدة، ثم يصلّي ركعتين يقعد بينهما، لأنّه أتى بسجدة، فيحتمل أنها من الأولى فتتقيد بها، و لا تلغوا. فلذا يسجد سجدة، ثم يصلّي ركعتين [يقعد بينهما و يحتمل من الثانية. فيكون ركوع الأول معتدا به، و ركوع الثانية مكررا. فتتقيد الأولى بالسجدة التي في الثانية، فلم يكون صلى سوى ركعة بسجدة، فلذا يسجد سجدة، ثم يصلى ركعتين،] كما ذكرنا. و يحتمل انها من الأخيرة، فلا يختلف الحال.
ولو تذكر أنه ترك من الظّهر سجدة، سجدها. ينوي بها ما عليه لإحتمال أنها من غير الأخيرة. فلو تذكر أنه ترك سجدتين سجدهما. ينوي ما عليه لإحتمال انها من ركعتين، وإن كانتا من الأخيرة، فلا يضره النية ثم يصلي ركعة لإحتمال أنها من ركعة واحدة غير الأخيرة.
ولو تذكر أنه ترك ثلاث سجدات سجد ثلاثا. ينوي بها ما عليه لإحتمال أنها من ثلاث ركعات [أو من الثالثة] أومن واحدة و سجدتا الرابعة، ثم يقعد قدر التشهد بهذا الإحتمال، ثم يصلي ركعة لإحتمال أنه ترك واحدة من ركعة، و ثنتين من ركعة.
ولو تذكر أنه ترك أربعا سجد أربعا، [و يقعد القدر التشهد] [و يختلف الحال] [لإحتمال أنه ترك من كل ركعة سجدة، ثم يصلي ركعتين و يقعد قدر التشهد، و لا يختلف الحال] لو كان ترك سجدتي الأولى وواحدة من الثانية وواحدة و من الثالثة أو واحدة من الأولى و سجد الثانية و واحدة من الثالثة أو الرابعة أو واحدة من الأولى و سجدتي الثانية [أو الثالثة] [واحدة من الرابعة أو واحدة من الأولى و واحدة من الثانية أو الثالثة و] سجدتي الرابعة.
ولو تذكر أنه ترك خمسا سجد ثلاثا، و لا يقعد بعدها، لأن القعدة، ترددت بين السنة و البدعة. و ما كان كذالك فسبيله الترك بثباته أنه أتى بثلاث سجدات، فيحتمل أنه سجد سجدتي الركعة الأولى و سجد في الثانية سجدة واحدة أو العكس، فتكون القعدة سنة. و يحتمل انه سجد في الثلاث ركعات، فتكون القعدة بدعة، ثم يصلي ركعتين لإحتمال الأولى، و يقعد بينهما قدر التشهد لإحتمال الثاني.
و إن تذكر أنه ترك ستا سجد سجدتين، ثم يصلّي ركعتين، و يقعد قدر التشهد، ثم يصلي ركعة الثالثة و يقعد [و يتم] و يتشهد؛ لأنه أتى بسجدتين، فإن كان أتى بهما في ركعتين فعليه سجدتان و ركعتان أو في ركعة، فعليه ثلاث ركعات فيجمع بينهما.
وإن تذكر أنه ترك سبعا سجد سجدة ينوي بها ما عليه من الركعة التي سجد فيها، ثم يصلي ركعة و يقعد قدر التشهد، ثم يتم ركعتين ولا يتصور لنا: أن نترك ثمانيا؛ لأنه لا يدري محلها. و في باب فروع أخر يعرف من هذا بأدنى تأمل. ولله الموفف. تمت
(3) أحكام الفأرة إذا وقعت في الزيت و نحوه
قال رحمه الله: قد سألني بعض مشتغلينَ عن الفأرة إذا ماتت في الزيت ونحوه. فقلت: عن علمائنا رحمه الله تعالى ـ يتنجس فلا يؤكل و يراق أو ينتفع به في غير الأكل. هكذا وردت عنهم إطلاقات لم يذكر معها مفسد بمقدار. وروي عنهم: أن المائع كالماء في القلة أو الكثرة. قال شيخنا في "شرح الهداية": يعني كل مقدار لو كان ماء ينجس، فإذا كان غيّره يُنجّس. إنتهى.
وقول علمائنا في الماء: إن القليل كماء الأواني و الحياض الصغير ينجّس بمخالطة النجاسة و إن قلة تغير أو لم يتغير. و إن الماء الغدران والمصانع و الحياض الكبيرة ينجس منه على ما غلب على ظن المبتلى به وصول النجاسة إليه.
وروي أعتبار ذالك باحركة، فما تحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر فهو مما يخلص للنجاسة الى طرفه، و ما لا فلا واختلف في الحركة: بماذا هي؟
فقيل: بالغسل. و قيل: بالوضوء. و قيل: بغسل اليد. ورجح الوسط. وروي عن محمد اعتبار ذالك بالمساحة، وصحح أنها عشرفي عشر.
وروي عن أبو يوسف: أن ما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر كثير لا ينجس إلا بالتغير. قال القدوري في التقريب: قال يعقوب: في المصانع يكون فيها الجيفة، و هي لا يتحرك طرف منها بالتحريك الآخر، جاز الوضوء منها، إلا أن يرى الجيفة، و كذا الماء الجاريز و قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن رمضان في كتابه المسمى "بالينابيع": قال أبو يوسف في ساقيه الص غيرة فيها كلب ميت قد سد عرضها فتجري الماء فوقه، و تحته أنه لا باس بالوضوء من اسفل الكلب. انتهى.
وهذا إختيار لصحة دليله، وتوافق فروعه، بخلاف غيره والله أعلم.
وإذا تنجس الدهن: روي عن أبي يوسف: أنه إذا جعل في إناء ثم صب عليه الماء فإذا علا الدهن، رفع بشيء، ثم يفعل هكذا ثلاثا، فيطهر. و بهذا يفتي. فلو تعسرهذا أو لم يفعل جاز لإنتفاع به نجسا في غير الأكل، ولو بيع جاز البيع، فإن كان المشتري عالما بذالك فلا خيار له، وإلا فله الخيار. ولو إتخذ صابونا كان الصابون طاهرا على قياس قول محمد في طهارة النجس إذا استحال. و به يفتي. و هذه عبارات علمائنا رحمهم الله في ذالك، أوردةها تبركا بها، و ردا على من يستبعد ذالك، مما لا علم له.
قال شيخ الإمام العالم العلامة أبو حسن عبد الله بن الحسين الكرخي () في كتابه المسمى "بالمختصر": و ما وقع في الماء الذي يكون في الأواني مما له دم سائل، و هو مما لا يعيش في الماء، فمات فيها، فسبيله سبيل النجاسة المائية في تنجس الماء، و غسل الماء ثلاثا. [فإن كان الذي مات فيه شيئا غير الماء، فإن كان جامد، القي و ما حوله، و إن كان مائعا، نجس وأريق كله، و غسل الإناء ثلاثا،] ولا بأس أن ينتفع بالجامد الملقى و المائع من ذالك في الإستصباح به، و الإنتفاع به من غير أن يأكل ذالك أو يأكل ما يقع فيه. انتهى.
وقال الشيخ الإمام العالم العلامة أبو عبد الله محمد بن رمضان في كتابه المسمى "بالينابيع" في معرفة الأصول و التفاريع: و روي عن أبي يوسف في دهن أصابته النجاسة، بأنه يجعل في إناء، فيصب عليه ماء، [فيعلو الدهن على ماء، [فيرفعه بشيء، فإذا أفعل ذالك ثلاث مرات يطهر في المرة الثالثة.
ولو أن فأرة ماتت في السمن، إن كان السمن جامدا، يقور ما حوله، و يؤكل الباقي. و إن كان مائعا، لم يؤكل و ينتفع به في غير الأكل كالإستصباح، و دبغ الجلود و غيرها. و له أن يبيع و يبين ما فيه من العيب، فإن لم يبين ذالك، فالمشتري بالخيار: إن شاء رده على البائع و إن شاء أمسكه
والجامد ما إذا قدره بقي المقّدر على حاله، و إن لم يبق المقدر على حاله فهو مائع.
ولو أن دنا من خمر وقعت فيه فأرة، و ماتت، ثم أخرجت الفارة، و صار الخمر خلا.
قال بعضهم: يحل أكله [و قال بعضهم لا يحل أكله]، [وقال الفقه أبو الليث إن لم تفسخ يحل أكله] وإن تفسخت لا يحل. و هذا القول أصح.
وقال نصيرسألت شداد عن حوض فيه عصير مقداره عشرة في عشرة، فبال الإنسان فيه. فقال: هو كالجاري يفيده ما يفسد الماء. و قال الشيخ الإمام شمس الدين القونوي في كتابه المسمى بدرر البحار:
ولا يطهرـ يعني: أبا يوسف ما استحال بالنار و نحوها و طهره ــ يعني: محمد ـ فقوي معنى، و هو المفتى به.
وقال الإمام القدوري في كتابه المسمى بالتقريب: وذكر الطحاوي عن أصحابنا في النجساة: إذا احترقت طهرت، و لم يحك خلافا. وذكر ابن رستم الخلاف قال: يطهر عند محمد و عند يعقوب لا يطهر.
وذكر ابن شجاع، عن أبي يوسف روايتين، و ظاهر مذهب الإمام كقول محمد.
وعلي هذا الإختلاف: الخنزير إذا وقع في الملاحة فصار ملحا.
والجلالة إذا دفنت فانقلبت و صارت أرضا.
وقال في الحصر: احترق الروث فصار رماد، أو وقعت العذرة في البئر فصارت عرور كعرور الرماد حمأة، أو الحمار في المملحة فصار بمضي الزمان ملحا، طهر عند محمد خلاف ليعقوب. و على قول محمد [يعقوب] فرعوا الحكم بطهارة صابون صنع من زيت نجس. و ذكره شيخنا في" شرح الهداية" قال: وكثير من المشايخ إختاروا قول محمد، و هو المختار. إنتهى
قلت و جعله شيخ السلام ابن تيمية أصح قول العلماء، و اختاره أبو محمد بن حزم و انتصر له. و الله الموفق.
هذا وأما مذهب مالك:
فقال ابن الحاجب: و في قليل النجاسة في كثير الطعام المائع قولا. قال الشيخ خليل في شرحه: أي: و في" التأثير" قليل النجاسة فعدم التأثير كالماء. و التأثير لأن الماء له مزية بتطهير العين الباقي. و المشهور: التأثير. قال ابن دقيق العيد: و لو فرق بين ما يعسر الإحتراز عنه كروث الغارة فيعفى عنه و بين ما لا يعسر كبول ابن آدم، فينجس لما بعد. و يفهم من قوله: "قليل" أن النجاسة لو كانت كثيرة أفسدت، و إن كان الطعام و كثيرا. و أما الجامد [كالعسل و السمن الجامدين] فينجس ما مرت به خاصة قليلة أو كثيرة، فيلقى و ما حولها بطول مكثها و قصره.
قال ابن الحاجب: و في استعمال النجس لغير الأكل كالوقود، و علف، الدواب، و النحل قولان.
قال الشيخ خليل: و المشهور من القولين: الجواز. و الوقود و مقيد بغير المساجد.
قال ابن الحاجب: و في طهارة الزيت النجس و نحوه قولان.
قال الشيخ خليل: قال ابن بشير: المشهور في ذالك كله؛ لإنه لا يطهر.
و قال ابن الحاجب: و هما جاريان في كل نجاسة، تغيرت أعراضها كرماد الميتة ـ يعني: القولين المتقدمين ـ في لبن الجلالة جريان فيما ذكر. و يرجح غيره عدم الطهارة.
وأما مذهب أحمد ابن حمبل:
فقال الزركشي في "شرح الخرقي": إذا وقت النجاسة في مائع، ففي أحد الرويات: أنه ينجس قل أو أكثر. وهي إختيار عامة الأصحاب.
الثانية: حكم الماء حكم المائع [وما لا فلا]. إختارها أبو عباس.
الثالثة: ما أصله ماء كالحل و نحوه. حكمه حكم الماء، و ما لا فلا.
وقال في الزيت النجس: و يجوز الإستصباح به في أشهر الروايتين. و هي إختيار "الخرقي". و غير الثانية: لا يجوز. ومنع أحمد من دهن الجلود به، و لا يحل أكله و لا بيعه. هو المشهور المجزوم به، عند عامة الأصحاب.
وعنه رواية: أنه يجوز بيعه لكافر يعلم بنجاسته.
وخرج ابو الخطاب و غيره قولا بجواز بيعه مطلقا من رواية: الإستصباح؛ لإنه إذا إمتنع به.
وخرج أبو البركات ذالك على قول بتطهيره بالغسل؛ لأنه إذا كان كالثوب المتنجس. و هذا أصح إلا أنه بناء على ضعيف. انتهى.
فال الشيخ العلامة ابن مفلح الحنبلي في كتابه المسمى بالفروع: و لا باستحالة ذي رأي لا يطهر شيء باستحالة و النار.
وعنه: بل بقي عن الإمام أحمد رواية أخرى: أنه يطهر بالإستحالة و النار.
قال و عليها يتخرج عمل زيت لنجس صابونا. و نحوه. انتهى.
فقد علمت: أن عن الإمام مالك و أحمد كقولنا. و إنما الإختلاف في ترجيح أحد قولين.
وهنا أنا أذكر لك ما حضرني من الأدلة على محل النزاع، و الله ولي الإعانة.
روي الطحاوي في المشكل، و الحاكم في المستدك، عن أبي هريرة: قال رسول الله صل الله عليه و سلم إذا وقعت الفأرة في السمن، فإن كان جامدا فألقوها وما حولها، و إن كان ذائبا فاستصبحوا ـ أو فانتفعوا به.
قال الحاكم: صحيح على ما شرطها
وقال الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي شيب [في مصنفه]، حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن برد، عن مكحول: أن الفأرة وقعت في زيت، فسألوا النبي صل الله عليه و سلم. قال إستصبحوا به و لا تأكله و كان مكحول يقول: إذا وقعت في السمن، و كان جامد ألقي و ما حوله، و أكل ما سوى ذالك، و أن كان ذائبا ما يؤكل منه شيىء. و هذا حديث مرسل، و المرسل عندنا حجة، و كذالك عند مالك، و رواية عن أحمد. و قد بينت أرجحية القول بقبول المرسل في مقدمة شرح القدوري، و نزهة الرائض فليطلبه ثمة من أراد الوقوف عليه، و من يرد المرسل يقبله إذا جاء موصولا من طريق أخرى. و هذا كذلك.
فإن طريق الطحاوي والحاكم غير هذه، فإنها من عبد الواحد بن زياد، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صل الله عليه و سلم إدهنوا به الأرم قال أبو شيبة: و حدثنا هيثم، عن أبي بشر، عن نافع: أن جرذا أن وقع في قدر؛ لأن عمر فقال: انتفعو به. ادهنو به الأرم بحدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد: أن جرا لآل ابن عمر، فيه عشرون فرقا من سمن، أو زيادة، وقعت فيه فأرة فماتت، فأمرهم ابن عمرأن يستصبحوا به.
حدثنا زيد بن الحباب، عن حميد بن عبيد الطائي، حدثنا ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن جده أنس: أنه سئل عن فأرة تقع في الزيت، أو السمن؟ قال: إن كان جامدا أخذت و ما حولها فألقي و أكل ما بقي، و إن كان ذائبا استصبحوا به.
حدثنا عبد الله بن نمير، عن عبد الملك عن عطاء قال: إن كان جامدا فأقولها و ما يليها، و كل ما بقي، و إن كان ذائبا فاستصبح به و لا تأكله.
حدثنا هشام، عن يونس، عن ابن سرين: أن الأشعري سئل عن سمن مات فيها وزغ؟ فقال: بيعوه بيعا، و لا تبيعوه من مسلم. انتهى.
و قول الصحابي و التابعي الذي زاحم [الصحابة في الفتوى، حجة عندنا. و لهذا شاهد صحيح؛] أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن النبي صل الله علي و سلم في العجين الذي عجن بماء من آبار ثمود، أنه نهاهم عن أكله و أمرهم أن يعلفوه النواضح.
و إذا جاز الإستصباح، ودهن الجلود، جاز عندهما من وجوه الإنتفاع إلا للأكل، لخروجه بالنص. فإن قيل قد روي أبو داود، عن النبي صل الله عليه و سلم قال في فأرة وقعت في سمن: فإن كان مائعا فلا تقربوه.
قلت: قد صح الحفاظ بأن معمرا غلظ فيه عن الزهري.
قال الشيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية و أما الزيادة التي رواها أبو داود و غيره: إن كان جامدا فألقولها و ما حولها، و إن كان مائعا فلا تقربوه، فهي غلط كما بين ذالك البخاري.
و ذكره الترمذي و قالوا: غلط معمر في هذا. و مما استدل به البخاري في صحيحه: أن الزهري نفسه أفتى في المائع إذا وقعت فيه الفأرة، أو غيرها جامدا، أو مائعا، قليلا كان أو كثير. إن يلقلي النجاسة و يؤكل.
واحتج الزهري بهذا الحديث. فتبين بهذا: إن سائر أصحابه حفظوه عنه، و غلظ عليه معمر لا سيما فيما حدث به معمر للبصريين عنه فإنه غلط فيه في مواضع. انتهى.
قلت: في رواية الطحاوي و الحاكم يكون من الإختلاف على معمر، و الله أعلم.
و على التنزل: فإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما إذا أمكن، و قد أمكن بحمل القربان النهي عنه، عن الأكل. و قد أطلق القربان في لسان الشرع، و أريد به غير مطلق الدنو مما يقتضيه المقام. قال الله تعالى و لا تقربهن حتى يطهرن و لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن و إذا ثبت جوازالإنتفاع صح البيع إلا أن يقوم مانع.
وأما دليل طهارة ما استحال الى عين طهارة فهو: أن الشارع رتب وصف النجاسة على تلك الحقيقة. والحقيقة تنتفي بالنتفاء بعض أجزاء مفهومها. فبا لكل أولى. و قد روي حرب الكرماني في مسألة بإلسنده إلى أنس بن مالك: أنه سئل عن تنور شوي فيه خنزير. قال: يسجره مرة أخرى. و في رواية حتى يبيض. و قد أطنب شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في تقريره هذا و إيضاحه فقال في مسألة ملاقاة النجاسة: الظاهر الصحيح من قول العلماء، و هو أحد قولين في مذهب أبي حنيفة و مالك و أحمد.
ووجه في مذهب الشافعي: أن النجاسة إذا صارت رماد أو قصر ملا كان ذالك طاهرا، و كذالك إذا صار ملحا، أونشادرا، أو دخانا، أو فطرويا، أو غير ذالك من الأعيان الطاهرة.
وتراب القبور المنبوشة طاهرا و إن كان مستحيلا عن صديد الموتى. و قد ثبت في الصحيح: أن مسجد رسول الله صل الله عليه و سلم كان مقبرة للمشركين، و كان فيه نخل و خروب، فأمر النبي صل الله عليه وسلّم بالقبور فنبشت. و بالنخل فقطعت، و بالخروب فسويت، و لم يأمر بنقل التراب القديم الذي كان في المقبرة، و هي مقبرة المشركين. فما الظن بمقابر المسليمين.
و من ظن من الفقهاء: أنه إنما نهي عن الصلاة في المقبرة لأجل النجاسة، فظنه مخطيئ بل العلة التي بينها هوصل الله عليه و سلم إنما هي مشابهة المشركين. و ساق الأدلة. و وجهها إلى
أن قال: وقول النبي صل اله عليع و سلم جعلت لي الأرض مسجدا و جعلت تربتها طهورا. يتناول الذي عند القبور و غيره. و من قال: إن ذالك أو غيره نجس لا مستحيل عن نجاسة. فيقال له: هذا المعنى لا يوجب تحريمه لا بنص و لا قياس، فإن هذا لم يدخل في الفاظ النصوص، فإنه تراب، و إنما حرم الله الخبائث لما فيها من الخبث. و هذا المعنى منتف فيه، و قد إتفق العماء على أن الخمرإذا بدا الله بفسادها، ظهرت مع أنه إنما تغير بعض صفتها، لكن لما زال فيها من المعنى المسكر حلت. و معلوم: أن استحالة بقية الخبائث ملحا، و ترابا، و بخارا، أبلغ من استحالة الخمر، فهي أولى بالتطهير، و قد فرق من فرق بين الخمر و غيره من أصحاب الشافعي و أحمد و غيرهم: بأن الخمرة حلت بلإستحالة، و طهرت بلإستحالة، بخلاف غيرها. فيقال لهم. هذا الفرق فاسد بوجهين: أحدهما: أن هذا تسليم ما و الإستحالة تؤثر في انقلاب حكم العين، فإذا كانت تجعل الطيب خبيثا، و الخبيث طيبا. علم: أن هذا حكمها في الطرفين جميعا.
الثاني أن جميع الخبائث كذالك. إنما صارت نجسة بلإستحالة، فإن الإنسان يشرب الماء الطاهر فيستحيل بولا، ودما. و يأكل الطعام فيستحيل عذرهة. و الخنزير مخلوق من الماء و التراب، و هما الطاهران. انتهى.
وربما يودي النظر في دليل الطهارة بالستحالة إلى أن المائع إذا كان كثيراً، و كانت النجاسة الواقعة فيه بحيث تستهلك فيه أو بعضها لا بنجس، و لا يحرم. تناوله بعين ما تقدم من دليلهم: و لأن التحريم في كتاب الله تعالى و سنة رسول الله صل الله عليه و سلم تتعلق بأسماء، و لها معان. و التحليل كذالك. فإن الله تعالى أحل اللبن و العسل و الدهن و نحوها. و حرم الميتة و الدم و الخمر و الخبائث من غيرها. و النجس المستهلك في الزيت لا يتناوله لفظ التحريم، و لا معناه. و المستهلك فيه لم يثبت له اسم الخبث، بل هذا المائع الذي استهلك فيه الخبث، إنما يسمى لبنا، و عسلا، وزيتا، مثلا، و لا يسمى باسم الخبثن يكون قد تتناوله نصوص التحليل دون التحريم، فيكون طاهرا حلالا لا حراما نجاسا. و في هذا تكرير الإستدلال للتوضيح. وكذا لو شر زيتا استهلكت فبه الخمر لا يجلد ولو شرب الصبي في زمن الرضاء لبنا مغلوبا بغيره، لا يثبت حرمة الرّضاع و حينئذ إن لم يكون محل إطلاق المشائخ التنجيس والحرمة والأمر بالإراقة أوالإستصباح و البيع بالمعنى المذكور. التطهير بالطريق المذكور: [ما يكون في الآواني [بل هو اعمر من ذالك فالترجيح عندي لما قال شداد] أن المائع كالماء و إن كان مرادهم ما يكون في الأواني كما] تقتضيه عبارة الكرخي. فالقولان متوافقان، و يحمل رواية أبي داود و على تقدير الثبوت على أنها خرجت مخرج العادة.
ومثلها: مرسل مكحول، و أقوال الصّحابة والتابعين المذكورين، وهو ظاهر. وفي خصوص ما نحن فيه: ما رواه [ابن أبي شيبة]: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عمران بن أعين، عن أبي حرب بن أبي الأسواد قال: سئل ابن مسعود في فأرة وقعت في سمن فماتت. فقال: إنما حرم الله من الميتة لحمها ودمها. والفتوى الزهري المتقدمة، والكل في الماء جار على قول أبي يوسف الذي أخبرناه، كما قدمنا نقله. والله أعلم. [الله الموفق لإصابة الصواب إنّ حسبنا و نعم الوكيل]