[6]
[رِسَالَةٌ فِي] التَّرَاوِيحِ وَالوِتْرِ
تَأْلِيفُ
العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي
المولود سَنَة 802 هـ والمتوفى سَنة 879 هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
جارٍ تحميل الكتاب…
[6]
[رِسَالَةٌ فِي] التَّرَاوِيحِ وَالوِتْرِ
تَأْلِيفُ
العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي
المولود سَنَة 802 هـ والمتوفى سَنة 879 هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
239)
(6) [رِسَالَةٌ فِي] التَّرَاوِيحِ وَالوِتْرِ
قال رحمه الله:
قد سألني الولد العاقل محمد بدر الدين بن الأخ محمد شمس الدين بن خير الدين، عن الصلاة بعد الوتر. وذكرَ: أنه وقع الكلام في ذلك بينه وبينَ جماعةٍ من أفاضل الطلبة، ويعض المشايخ، ولم يستحضر أحدٌ منهم منقولًا. وإنمّا جوّزوا الكراهة أخذًا من قوله: " وَلْيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِهِ مِنَ اللَّيْلِ وِتْرًا" (1).
فقلتُ: قد كتب الإمام حسام الدين في التراويح، والإمام الطحاوي في الوتر. فسألني أن أكتب له ذلك.
فقلتُ: قال الإمام حسام الدين الشهيد (2) - رحمه الله تعالى -: اختلف
(1) رواه البخاري (460) عن ابن عمر قال: سأل رجل النبي ? وهو على المنبر: ما ترى في صلاة الليل؟ قال: "مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح صلّى واحدة، فأوترت له ما صلى". وإنه كان يقول: اجعلوا آخر صلاتكم وترًا، فإن النبي ? أمر به.
ورواه أحمد (2/ 20 و 102 و 143) وابن أبي شيبة (6702) والبخاري (953) ومسلم (751) وأبو داود (1438) وابن خزيمة (1082) عن عبد الله بن عمر، عن النبي ? قال: "اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترًا".
(2) قال المصنف في تاج التراجم (ص 16): عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مازه، برهان الأئمة، أبو محمد، المعروف بالحسام الشهيد، تفقه على أبيه، وصنف الفتاوى الصغرى والفتاوى الكبرى، والجامع الصغير المطول، وهو أستاذ صاحب المحيط،=
240)
المشايخ ? في التراويح، هل تُسَمَّى سُنة (1)؟
قال بعضهم: لَا. وهي من النوافل.
وقال بعضهم: تسمّى سنة. وهو الصحيح.
وانقطع الخلاف برواية الحسن، عن أبي حنيفة بأنّها سنة (2). وهذا: لأنّ النبي ? قد أقامها في بعض الليالي وتركها في البعض. وبيّنَ العذر في ترك المواظبة عليها، وهو خشية أن تكتب علينا، ثم واظبَ عليها الخلفاء الراشدون.
وقد قال ?: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاء مِنْ بَعْدِي" (3).
= ولد في صفر سنة ثلاث وثمانين وأربع مئة، واستشهد في سنة ست وثلاثين وخمس مئة، وعنه أخذ صاحب الهداية. قلت [أي: ابن قطلوبغا]: ومن مصنفاته المبسوط في الخلافيات، وقال أمير كاتب: إن جدّه هو صاحب المحيط. والله أعلم.
(1) قال أبو بكر الكاشاني في بدائع الصنائع (3/ 141): وأمّا الذي هو سنن الصّحابة، فصلاة التراويح في ليالي رمضان، والكلام في صلاة التّراويح في مواضع: في بيان وقتها، وفي بيان صفتها، وفي بيان قدرها، وفي سننها، وفي بيان أنّها إذا فاتت عن وقتها هل تقضى أم لا؟. أمّا صفتها فهي سنةٌ، كذا روى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: القيام في شهر رمضان سنةٌ لا ينبغي تركها. وكذا روي عن محمدٍ أنّه قال: التّراويح سنةٌ إلا أنّها ليست بسنّة رسول الله ?؛ لأنّ سنّة رسول الله ? ما واظب عليه ولم يتركه إلّا مرّة أو مرتين لمعنى من المعاني، ورسول الله ? ما واظب عليها بل أقامها في بعض اللّيالي، روي أنّه صلّاها لليلتين بجماعةٍ ثمّ ترك وقال: أخشى أن تكتب عليكم. لكن الصَّحابة واظبوا عليها فكانت سنّة الصّحابة.
(2) انظر المبسوط للسرخسي (2/ 145 دار الحديث).
(3) رواه الدارمي (95) والإمام أحمد (4/ 126) وأبو داود (4607) والترمذي (2676) وابن ماجه (42 و 43) وابن حبان (5) والطبراني في الكبير (18/ رقم 617 - 624=
241)
وسنِّيتها:
ما روى الحسن، عن أبي حنيفة أنّه قال: القيامُ في شهرِ رمضان سُنةٌ لَا يَنْبَغِي تركها أو ينبغي لأهل كل مسجدٍ أن يصلُّوا في مسجدهم كل ليلةٍ خمس ترويحات يؤمهم رجل يقرأُ في كلّ ركعةٍ عشر آياتٍ أو نحوها يسلّم من كل ركعتين، وكُلّما يصلي ترويحة انتظر بين الترويحتين قدر الترويحة، وينتظر بعد الخامسة قدر الترويحة، ثم يوتر بهم، فتصير عشرين ركعةً سوى الوتر. وهذا مذهب أصحابنا ?.
وقال مالك: يقومون ستًّا وثلاثين ركعةً اتباعًا لعمر وعلي. وإِنا نقول: إنّ في ذلك غير مشهور منها (1).
= و 642) والأوسط (66) ومسند الشاميين (437 و 697 و 786 و 1180 و 1379 و 2017) والبيهقي (2/ 422) عن العرباض بن سارية ?.
(1) قال الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء (1/ 121): فيمن افتتح الصلاة قائمًا ثم قعد، قال أبو حنيفة ومالك والثوري والشافعي: يجوز أن يقعد. وقال الحسن ابن حي وأبو يوسف ومحمد: يصلي قائمًا ولا يجلس في عدد قيام رمضان. قال أصحابنا والشافعي: يقومون بعشرين ركعة سوى الوتر. وقال مالك: تسع وثلاثون ركعة بالوتر، ست وثلاثون، والوتر. وقال: هذا الأمر القديم الذي لم يزل الناس عليه. عن السائب بن يزيد: أنهم كانوا يقومون في رمضان بعشرين ركعة، وأنهم كانوا يعتمدون على العصي في زمن عمر بن الخطاب. الحسن بن حي عن عمرو ابن قيس عن أبي الحسناء: أن علي بن أبي طالب أمر رجلًا أن يصلي بهم في شهر رمضان بعشرين ركعة.
وقال أبو بكر الكاشاني في بدائع الصنائع (3/ 142): فصلٌ: وأمّا قدرها: فعشرون ركعةً في عشر تسليماتٍ، في خمس ترويحاتٍ كل تسليمتين ترويحةٌ وهذا قول عامّة العلماء. =
242)
فإن زادوا ستّ عشر ركعة، فهذا على وجهين:
إنْ أرادوا الترويحات منفردين بغير جماعةٍ، ولا بأسَ به. وهو مستحبٌّ أيضًا.
وإن صلّوا بجماعةٍ [29/ أ] كَمَا هوَ مذهب مالكٍ، كُرِهَ لأنَّ النوافلَ بالجماعةِ لو كانت مستحبةً لكانت أفضل كالمكتوبات. ولو كانت أفضل لكان المجتهدون القائمون بالليل يجتمعون فيصلون جماعةً طلبًا للفضيلة. فلمّا لم يرو ذلك عن رسول الله ?، وعن الصحابة: أنّه لا فضلَ في ذلك لو ثبت الفضل ثبت لمكان التراويح، ولم يثبت ذلك.
وذكر الطحاوي ? في اختلاف العلماء: عن المعلى (1)، عن أبي يوسف أنّه قال: من قدر أن يصلّي في بيته كما يصلّي مع الإمام في شهرِ رمضان، فأَحبُّ إليَّ أن يصلِّي في البيت (2). وهذا خلافُ ظاهرِ الرواية.
= وقال مالكٌ في قولٍ: ستّةٌ وثلاثون ركعةً. وفي قولٍ: ستةٌ وعشرون ركعةً. والصّحيح قول العامّة، لما روي أن عمر ? جمع أصحاب رسول الله ? في شهر رمضان على أبيّ بن كعبٍ، فصلّى بهم في كل ليلةٍ عشرين ركعةً، ولم ينكر أحدٌ عليه فيكون إجماعًا منهم على ذلك.
(1) تحرف في المخطوط إلى: (المصلي).
(2) قال الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء (1/ 122 - 123) ونقله عنه صاحب المحيط برهان الدين مازه (2/ 182): القيام مع الناس أفضل، أو التفرد؟ روى المعلى عن أبي يوسف قال من قدر أن يصلي في بيته كما يصلي مع الإمام في رمضان فأحبُّ إليَّ أن يصلي في البيت. وكذلك قال مالك، وقال مالك: كان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس. قال مالك: وأنا أفعل ذلك، وما قام رسول الله ? إلا في بيته. وقال الشافعي: صلاة المنفرد في قيام رمضان=
243)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أحب إلي. وقال الليث: لو أن الناس في رمضان قاموا لأنفسهم ولأهليهم كلهم حتى يترك المسجد لا يقوم فيه أحد كان ينبغي أن يخرجوا من بيوتهم إلى المسجد حتى يقوموا فيه؛ لأن قيام الناس في شهر رمضان من الأمر الذي لا ينبغي تركه وهو مما سن عمر بن الخطاب للمسلمين وجمعهم عليه.
وقال الليث: فأما إذا كانت الجماعة في المسجد فلا بأس أن يقوم الرجل في بيته أو لأهل بيته، وقال أبو جعفر وكل من اختار التفرد فينبغي أن يكون ذلك على أن لا يقطع معه القيام في المساجد، فأما التفرد الذي يقطع معه القيام في المساجد فلا، وقد قال قوم إن الجماعة في ذلك أفضل منهم عيسى بن أبان وبكار بن قتيبة والمزني وأحمد بن أبي عمران واحتج ابن أبي عمران بحديث أبي ذر أن النبي ? خرج لما بقي سبع من الشهر فصلى بهم حتى مضى ثلث الليل، ثم لم يصل بهم السادسة، ثم خرج الليلة الخامسة فصلى بنا حتى مضى شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله! لو نفلتنا، فقال: إن القوم إذا صلوا مع الإمام حتى ينصرف كتب لهم قيام تلك الليلة، ثم خرج الليلة الثالثة فصلى بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح؛ يعني: السحور.
واحتج آخرون بحديث موسى بن عقبة، عن أبي النضر، عن بشر بن سعيد، عن زيد ابن ثابت أن النبي ? احتجر حجرة في المسجد من حصير، فصلى فيها رسول الله ليالي حتى اجتمع إليه ناس، ثم فقدوا صوته فظنوا أنه قد نام فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم فقال: ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم منذ الليلة حتى خشيت أن يكتب عليكم قيام الليل، ولو كتب عليكم ما قمتم به فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، فأخبر أن التطوع في البيت أفضل منه في المسجد، لا سيما مع رسول الله ? في مسجده، وقد روي عن ابن عمر وإبراهيم والقاسم وسالم ونافع إنهم كانوا ينصرفون ولا يقومون مع الناس. قال أبو جعفر: قد أجمعوا أنه لا يجوز للناس تعطيل المساجد عن قيام رمضان، وكان هذا القيام واجبًا على الكفاية فمن فعله كان أفضل ممن انفرد به كالفروض التي هي الكفاية من فعلها أسقط فرضًا وكان فعلها أفضل من تركها.
وقال محمد بن فرامرز بن عليّ في درر الحكام شرح غرر الأحكام (2/ 39):=
244)
فصلٌ
ومن ترك التراويح في الجماعة وصلّاها في البيت (1)؟
= (والجماعة فيها)؛ أي: التراويح (سنةٌ على الكفاية) حتّى لو ترك أهل مسجدٍ أساؤوا، ولو أقامها البعض فالمتخلّف تاركٌ للفضيلة ولم يكن مسيئًا إذ قد تخلّف بعض الأصحاب. وعن أبي يوسف: من قدر على أن يصلّي في بيته كما يصلّي مع الإمام فصلاته في بيته أفضل، والصّحيح أنّ للجماعة في البيت فضيلةً، وللجماعة في المسجد فضيلةٌ أخرى فهو حاز إحدى الفضيلتين، وترك الفضيلة الزّائدة، كذا في الكافي.
وقال برهان الدين مازه في المحيط (2/ 182): في نوادر هشام قال: سألت محمدًا ? عن القيام في شهر رمضان في المسجد أحب إليك أم في البيت؟ قال: إن كان عمله يقتدى به فصلاته في المسجد أحب إليّ، وقال أبو سليمان كان محمد ابن الحسين ? يصلي مع الناس التراويح ويؤم ثم يرجع، وهكذا كان يفعل أبو مطيع وخلف وشداد وإبراهيم بن يوسف ?، فمن المشايخ من قال: من صلى التراويح منفردًا كان تاركًا للسنّة، وهو مسيء، وبه كان يعني ظهير الدين المرغيناني ? لما روي عن رسول الله ? قدر ما صلى التراويح صلى بجماعة، وهكذا نقل عن الصحابة رضون الله عليهم، ومن المشايخ من قال يكون تاركًا لفضيلة، فلا بأس به، فقد صح عن ابن عمر وسالم ونافع أنهم كانوا ينصرفون، ولا يقومون، فدل عن الجماعة، وليست السنّة ولكن المشايخ على أن إقامتها بالجماعة سنّة على سبيل ثبوته حتى لو ترك أهل مسجد كلهم إقامتها بالجماعة، فقد أساؤوا وتركوا السنّة.
(1) قال الكاشاني في بدائع الصنائع (3/ 145): فصل: وأمّا سننها: فمنها الجماعة والمسجد؛ لأن النبي ? قدر ما صلى من التراويح صلى بجماعةٍ في المسجد، فكذا الصحابة ? صلّوها بجماعةٍ في المسجد فكان أداؤها بالجماعة في المسجد سنة، ثم اختلف المشايخ في كيفية سنة الجماعة والمسجد، أنها سنة عينٍ أم سنة كفايةٍ؟ قال بعضهم: إنها سنةٌ على سبيل الكفاية إذا قام بها بعض أهل المسجد في المسجد بجماعةٍ سقط عن الباقين. =
245)
اختلف المشايخ ? فيه:
منهم من قال: يكونُ تاركًا للسنة وهو مسيءٌ.
لما روي عن النبي ? أنّه قدر ما صلَّى التَّراويح صلَّى بجماعةٍ.
وهكذا نقل عن أصحابه، وعليه اتفاق فقهاء الأمصار.
ومنهم من قال: كان تاركًا للفضيلة، ولا بأس به لما روي عن عمر وسالمٍ ونافعٍ: أنّهم كانوا ينصرفون ولا يقومون.
عُلِمَ: أن الجماعة فضيلة. والصَّحيحُ: أنّ إقامتها بالجماعة سنّة على الكفاية حتى لو ترك أهل المسجد كلهم الجماعة، فقد تركوا السنة، وأساؤوا في ذلك وإن أقيمت التراويح بالجماعةِ في المسجد. فمن تخلّفَ عنها من أفراد الناس، وصلّى في بيته، فقد ترك الفضيلة، وإن لم يكن مسيئًا. وإن صلّوها بالجماعة في البيت، فقد اختلفوا فيه. والصحيح: أنّ للجماعة فضيلة، وللجماعة في المسجد فضيلة أخرى. فهنا قد حاز إحدى الفضيلتين، وترك الأخرى. وهذا في المكتوبات.
* * *
= ولو ترك أهل المسجد كلهم إقامتها في المسجد بجماعةٍ فقد أساؤوا وأثموا، ومن صلّاها في بيته وحده أو بجماعةٍ لا يكون له ثواب سنّة التّراويح لتركه ثواب سنّة الجماعة والمسجد.
وقال السرخسي في المبسوط (2/ 145): ولو صلى إنسان في بيته لا يأثم، هكذا كان يفعله ابن عمر وإبراهيم والقاسم وسالم الصواف ? أجمعين، بل الأولى أداؤها بالجماعة كما بيّنا.
246)
فصلٌ
الانتظار من كل ترويحتين قدر الترويحة مستحبٌ. كما ذكرنا من رواية الحسن، عن أبي حنيفة (1).
وهذا: لأن في ذلك تحقيق اسم الصّلاة. وهيَ: التّراويح. ولأنها مأخوذةٌ عن السلف.
وأهل الحرمين مجمعون على الانتظار بين كل ترويحتين.
أما أهل مكّة: فإنهّم يطوفون بين كل ترويحتين أسبوعًا.
وأمّا أهل [29/ ب] المدينة: فإنهم يصلون أربعًا.
ولهذا: صارت تراويح أهل مكة مع الوتر ثلاثًا وعشرين. وتراويح أهل المدينة: تسعًا وثلاثين. وهكذا أهل كل بلدٍ يسبحون أو يصلّون أو ينتظرون سكوتًا. ذلك القدر.
وأمّا الاستراحة: على خمس تسليماتٍ.
اختلف المشايخ فيه:
قال بعضهم: لا بأس به.
وقال أكثرهم: لا يستحبُّ. وهذا هو الصحيح. فإنّ الصحيح: أنه
(1) قال الكاشاني في بدائع الصنائع (3/ 157): ومنها [أي: سنن التراويح]: أن الإمام كلّما صلى ترويحةً قعد بين الترويحتين قدر ترويحةٍ يسبّح، ويهلّل ويكبّر، ويصلّي على النبي ? ويدعو وينتظر أيضًا بعد الخامسة قدر ترويحةٍ؛ لأنه متوارثٌ من السّلف، وأمّا الاستراحة بعد خمس تسليماتٍ فهل يستحبّ؟ قال بعضهم: نعم. وقال بعضهم: لا يستحبّ وهو الصحيح؛ لأنه خلاف عمل السّلف. والله الموفق.
247)
لا يستحبّ إِلّا عند تمام كل ترويحةٍ. وهي خمس ترويحاتٍ؛ لأنَّ ذلك مخالف عمل أهل الحرمين وغيرهم.
* * *
فصلٌ
وأمّا نية التراويح (1): فإنْ نوى التراويح أو سنّة الوقت أو قيام الليل في الشهر جاز كما إذا نوى الظُّهرَ، أو فرض الوقت جازَ.
فإن نوى صلاةً مطلقةً أو نوى تطوعًا فحسب. اختلف المشايخ فيه:
ذكر بعض المتقدمين: أنّ الأصحّ أنه لا يجوز؛ لأنهّا سنة. والسنة لا تتأدّى بنية التطوع أو بنية الصلاة.
كما روى الحسن، عن أبي حنيفة في ركعتي الفجر، وهذا: لأنها صلاة مخصوصة كالمكتوبات، فلا تتأدّى بمطلق النية.
وذكر أكثر المتأخرين: أنّ التراويح وسائر السنن تتأدّى بمطلق النية؛
(1) قال الكاشاني في بدائع الصنائع (3/ 146): ومنها [أي: سنن التراويح]: نيّة التراويح أو نية قيام رمضان، أو نية سنّة الوقت.
ولو نوى الصلاة مطلقًا، أو نوى التطوّع، قال بعض المشايخ: لا يجوز؛ لأنها سنة والسنة لا تتأذى بنية مطلق الصلاة، أو نية التطوع واستدلّوا بما روى الحسن عن أبي حنيفة: أن ركعتي الفجر لا تتأذى إلا بنية السنة. وقال عامّة مشايخنا: إن التراويح وسائر السنن تتأذى بمطلق النية؛ ولأنها وإن كانت سنةً لا تخرج عن كونها نافلةً، والنوافل تتأذى بمطلق النية إلّا أن الاحتياط أن ينوي التراويح، أو سنة الوقت، أو قيام رمضان احترازًا عن موضع الخلاف.
248)
لأنهّا نوافل. والنوافل تتأذى بمطلق النية. لكن واظب عليها رسول الله ?. فالاحتياط: أن ينوي التراويح أو سنة الوقت، أو قيام الليل في شهر رمضان. وفي سائر السنن ينوي السنة، أو ينوي الصلاة متابعًا لرسول الله ? ليكون أبعد عن الاختلاف. والله أعلم.
* * *
فصل وقدر القراءة في التراويح (1):
اختلف المشايخ فيه:
قال بعضهم: يقرأ كما يقرأ في المغرب؛ لأنهّا أخفّ من أخفّ المكتوبات.
(1) قال الكاشاني في بدائع الصنائع (3/ 150): ومنها [أي: سنن التراويح]: أن يقرأ في كل ركعةٍ عشر آياتٍ، كذا روى الحسن عن أبي حنيفة. وقيل: يقرأ فيها كما يقرأ في أخفّ المكتوبات وهي المغرب. وقيل: يقرأ كما يقرأ في العشاء؛ لأنها تبعٌ للعشاء. وقيل: يقرأ في كلّ ركعةٍ من عشرين إلى ثلاثين؛ لأنه روي أن عمر ? دعا بثلاثةٍ من الأئمّة فاستقرأهم، وأمر أوّلهم أن يقرأ في كلّ ركعةٍ بثلاثين آيةً، وأمر الثاني أن يقرأ في كلّ ركعةٍ خمسةً وعشرين آيةً، وأمر الثّالث أن يقرأ في كل ركعةٍ عشرين آيةً. وما قاله أبو حنيفة سنةٌ إذ السّنة أن يختم القرآن مرةً في التّراويح، وذلك فيما قاله أبو حنيفة، وما أمر به عمر فهو من باب الفضيلة، وهو أن يختم القرآن مرتين أو ثلاثًا وهذا في زمانهم. وأما في زماننا فالأفضل أن يقرأ الإمام على حسب حال القوم من الرّغبة والكسل، فيقرأ قدر ما لا يوجب تنفير القوم عن الجماعة؛ لأن تكثير الجماعة أفضل من تطويل القراءة، والأفضل تعديل القراءة في الترويحات كلّها، وإن لم يعدّل فلا بأس به، وكذا الأفضل تعديل القراءة في الرّكعتين في التسليمة الواحدة عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، وعند محمد يطوّل الأولى على الثانية كما في الفرائض.
249)
وهذا غير سديد؛ لأنه لا يقع بذلك الختم في شهر رمضان.
وقال بعضهم: يقرأ كما يقرأ في العشاء؛ لأنها تبع للعشاء في وقتها.
وقال بعضهم: يقرأ في كل ركعةٍ من عشرين إلى ثلاثين آية.
لما روي: أنَّ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ ? دَعَا ثَلَاثَةً مِنَ الأَئِمَّةِ، فَاسْتَقْرَأَهُمْ، وَأَمَرَ أَحَدَهُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثِينَ آيَةً. وَأَمَرَ الثَّانِي أَنْ يَقْرَأ [30/أ] فِي كُلِّ ركعةٍ خمسًا وعشرين آية. وأمرَ الثَّالثَ أَنْ يقرأ في كلّ ركعةِ عشرينَ آيةً.
وروى الحسن، عن أبي حنيفة: أنه يقرأُ في كل ركعةٍ عشر آياتٍ ونحوها.
فَمَا قاله عمرُ فضيلةٌ، وما قالهُ أبو حنيفة سنةٌ.
وهذا: لأنهم اتفقوا على أنّ السنة الختم مرّة.
والفضيلة: الختم مرتين.
والختم مرتين يقع بما أمرَ به عمر.
والختم مرة يقع بما أمر به أبو حنيفة.
لأنّ عدد ركعات التراويح ست مئة. وآياتُ القرآن ستة آلاف ومئتي. فيكون في كل ركعةٍ: عشر آياتٍ.
ومن المتقدمين من مشايخنا:
قال في الحاوي القدسي (1): وإن خافَ أن يثقل على القوم، لا يزيد
(1) قال صاحب كشف الظنون (1/ 627): الحاوي القدسي في الفروع للقاضي جمال الدين أحمد بن محمد بن نوح القابسي الغزنوي الحنفي، المتوفى في حدود سنة ست مئة، ذكره ابن الشحنة في هوامش الجواهر المضية قال: وإنما قيل فيه القدسي؛ =
250)
في القعدة على قدر التشهد. وفي القراءة على الفاتحة وثلاث آياتٍ قصارٍ. والإخلاصُ ونحوها.
الذي قال: إِنَّ الأصحَّ أنّ التراويح لا يجوز بمطلق النية قال: الأفضل أن يقرأ في كل ركعةٍ ثلاثين آيةً، ويختم في كل عشرٍ ختمة؛ لأنَّ كل عشرٍ من الشهر متميّزٌ مخصوصٌ. واللهُ أعلمُ.
* * *
فصلٌ
والأفضلُ: تعديل القراءة بين التسليمات.
كما روى الحسن، عن أبي حنيفة.
وجاء عن عمر.
وإن خالف فلا بأس به.
وأمّا التسليمة الواحدة؛ فإنه لا يستحب تطويل القراءة في الثانية بلا خلاف، كما في سائر الصلوات.
وإن طوّل القراءة في الأولى على الثانية لا بأس به.
وأمّا المختار: فإنه يجب أن يكون على الخلاف عند أبي حنيفة، وأبي يوسف يكون المختار التسوية بين الركعتين. كما رواه الحسن، عن أبي حنيفة.
= لأنه صنفه في القدس، نقلته من خط تلميذه حسن بن علي النحوي. انتهى. ثم رأيت في ظهر نسخة منه أن مصنفه الشيخ الإمام محمد الغزنوي والله ? أعلم. وانظر هداية العارفين (1/ 46).
251)
ويكون المختار عند محمّد: تطويل الأولى على الثّانية، كاختلافهم في قراءة الظهر والعصر. والله أعلم.
* * *
فصلٌ
إذا صلّى الإمام التراويح قاعدًا لعذرٍ أو لغير عذرٍ والقوم قيام.
الكلام في هذا الفصل في موضعين: في الجواز، وفي الاستحباب.
أما الكلام في الجواز:
اختلف المشايخ فيه.
منهم من قال: جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولم يجز عند محمّد اعتبارًا بالفرض.
وقال بعضهم: يجوز عندهم جميعًا. وهذا هو الصّحيح؛ لأنهم لو قعدوا جاز. فإذا قاموا كان أولى بالجواز. ولا كذلك الفرض.
وإنّما نشأ الخلاف بين المشايخ على قول محمّد، عن رواية أبي سليمان، كما نبين إن شاء الله تعالى.
وأمّا الاستحباب:
عن أبي حنيفة وأبي يوسف: المستحبُّ: أن يقوم القوم إِلَّا لعذرٍ؛ لأنّه جاز لهم القيام والقعود.
فالقيام أفضل لا محالة.
وعند محمّد: المستحب: أن يقوم؛ لأن هذا الاختلاف معتبرٌ حتّى منع
252)
الفرض من الجواز. وكذا منع النفل من الاستحباب.
ذكر أبو سليمان، عن محمّد، عن رجل أَمَّ قومًا في شهر رمضان جالسًا: أيقومون؟ قال؛ نعم. في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
خصَّ قول أبي حنيفة وأبي يوسف من المشايخ من قال: إنّما خصّ؛ لأنه لا يستحب عنده. وهذا هو الصّحيح. والله أعلم.
* * *
فصلٌ وإذا صلَّى التراويح قاعدًا من غير عذرٍ (1):
الكلام في هذا الفصل أيضًا في موضعين: في الجواز والاستحباب.
وأما الكلام في الجواز:
اختلف المشايخ فيه:
منهم من قال: لا يجوز.
ومنهم من قال: يجوز.
وهذا هو الصّحيح. وأجمعوا على أن ركعتي الفجر قاعدًا من غير عذرٍ لا يجوز.
(1) قال الكاشاني في بداع الصنائع (3/ 156): ويجوز التّراويح قاعدًا من غير عذرٍ؛ لأنه تطوّعٌ إلّا أنّه لا يستحبّ؛ لأنه خلاف السّنّة المتوارثة. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن من صلّى ركعتي الفجر قاعدًا من غير عذرٍ لا يجوز. وكذا لو صلّاها على الدَّابّة من غير عذرٍ وهو يقدر على النّزول، لاختصاص هذه السّنّة بزيادة توكيدٍ وترغيبٍ بتحصيلها، وترهيبٍ وتحذيرٍ على تركها فالتحقت بالواجبات كالوتر.
253)
هكذا روى الحسن، عن أبي حنيفة نصًّا.
أمّا من قال: لا يجوز.
قال: لأنّ هذا سنّة شابهت ركعتي الفجر.
وأمّا من قال: يجوز.
قال: لأنّ هذه نافلة لم يختص بزيادة تأكيد، فصارت كسائر النوافل.
والدليل عليه: رواية أبي سليمان، عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، ولم يفصلوا بين العذر وغير العذر.
وأمّا الكلام في الاستحباب:
فالصحيح: أنّه لا يستحبُّ؛ لأنه يخالف المتواتر وعمل السّلف - رحمهم الله تعالى -.
* * *
فصلٌ إذا صلّى التراويح مقتديًا بمن يصلي المكتوبة، أو وترًا، أو نافلة غير التراويح.
اختلف المشايخ فيه (1):
(1) قال الكاشاني في بدائع الصنائع (3/ 147): ولو اقتدى من يصلّي التّراويح بمن يصلّي المكتوبة أو النّافلة. قيل: يصحّ اقتداؤه ويكون مؤدّيًا التراويح. وقيل: لا يصحّ اقتداؤه به، وهو الصّحيح؛ لأنّه مكروهٌ لكونه مخالفًا لعمل السّلف. وقال (3/ 148): ولو اقتدى من يصلّي التّسليمة الأولى بمن يصلّي التّسليمة الثّانية، =
254)
منهم من بنى هذا الاختلاف على الاختلاف في النية.
من قال من المشايخ: أنّ التراويح لا تتأدّى بالنية المطلقة حتّى ينويها. يقول هنا: لا يصحُّ؛ لأنهّا لا تتأدّى إِلَّا بنيّتها، فلا تتأدّى بنية الإمام، بخلاف نيته.
ومن قال من المشايخ: أنّها تتأذى بمطلق النية.
ينبغي أن يقول هنا: أنه يصحُّ. والأصحُّ: أنه لا يصح الاقتداءُ. وعلى هذا الاختلاف: إذا لم يسلم من العِشَاءِ حتّى بَنا عليها التّراويح. والأصحُّ: أنه لا يصحُّ. وهذا أظهرُ؛ لأنه مكروهٌ. فعلى هذا الاختلاف: إذا بناها على السنة بعد العِشَاء.
والصّحيح: أنّه لا يصحُّ، وإن اقتدى في التسليمة الأولى أو الثّانية بمن يصلّي التسليمة الخامسة أو العاشرة.
اختلف المشايخ فيه: والصَّحيحُ: أنّه يصحُّ؛ لأنَّ الصَّلاةَ واحدة. ونيّة الثّانية أوِ الأولى لغوٌ.
ألَا ترى أنه لو نوى الثّالثة بعد الأولى، لم يكن إِلَّا الثَّانية.
والدّليل عليه: أنه لو اقتدى في الرّكعتين بعد الظّهر، بمن يصلّي الأربع قبل الظّهر. يجوزُ. فهذا أولى.
* * *
=قيل: لا يجوز اقتداؤه. وقيل: يجوز وهو الصّحيح؛ لأنّ الصّلاة متّحدةٌ فكان نيّة الأولى والثّانية لغوًا، ولهذا صحَّ اقتداء مصلِّي الرَّكعتين بمصلِّي الأربع قبله فكذا هذا.
255)
فَصْلٌ إذا صلَّى ترويحةً واحدةً بتسليمةٍ واحدةٍ، وقد قعد في الثّانية قدر التشهد.
اختلف المشايخ فيه (1):
(1) قال الكاشاني في بدائع الصنائع (3/ 151 - 152): ومنها [أي: سنن التراويح]: أن يصلِّي كلّ ركعتين بتسليمةٍ على حدةٍ.
ولو صلّى ترويحةً بتسليمةٍ واحدةٍ وقعد في الثّانية قدر التّشهّد، لا شكّ أنّه يجوز على أصل أصحابنا أنّ صلواتٍ كثيرةً تتأدّى بتحريمةٍ واحدةٍ بناءً على أن التّحريمة شرطٌ وليست بركنٍ عندنا خلافًا للشافعى، لكن اختلف المشايخ أنّه هل يجوز عن تسليمتين أو لا يجوز إِلَّا عن تسليمةٍ واحدةٍ؟ قال بعضهم: لا يجوز إِلَّا عن تسليمةٍ واحدةٍ؛ لأنّه خالف السّنّة المتوارثة بترك التسليمة، والتحريمة، والثنّاء، والتّعوّذ والتّسمية فلا يجوز إِلَّا عن تسليمةٍ واحدةٍ. وقال عامّتهم: إنّه يجوز عن تسليمتين وهو الصّحيح، وعلى هذا لو صلّى التّراويح كلّها بتسليمةٍ واحدةٍ وقعد في كلّ ركعتين. أنّ الصّحيح أنّه يجوز عن الكلّ؛ لأنّه قد أتى بجميع أركان الصّلاة وشرائطها؛ لأنّ تجديد التّحريمة لكلّ ركعتين ليس بشرطٍ عندنا، هذا إذا قعد على رأس الرّكعتين قدر التّشهّد، فأمّا إذا لم يقعد فسدت صلاته عند محمّدٍ، وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف يجوز، وأصل المسألةُ يصلّي التّطوّع أربع ركعاتٍ إذا لم يقعد في الثّانية قدر التّشهّد وقام وأتمّ صلاته أنّه يجوز استحسانًا عندهما، ولا يجوز عند محمّدٍ قياسًا، ثمّ إذا جاز عندهما فهل يجوز عن تسليمتين أو لا يجوز إلّا عن تسليمةٍ واحدةٍ، الأصحّ أنّه لا يجوز إِلَّا عن تسليمةٍ واحدةٍ؛ لأنّ السّنّة أن يكون الشّفع الأوّل كاملًا، وكماله بالقعدة ولم توجد والكامل لا يتأدّى بالنّاقص.
ولو صلّى ثلاث ركعاتٍ بتسليمةٍ واحدةٍ ولم يقعد في الثّانية، قال بعضهم: لا يجزئه أصلًا بناءً على أن من تنفّل بثلاث ركعاتٍ، ولم يقعد إلّا في آخرها جاز عند بعضهم؛ لأنّه لو كان فرضًا وهو المغرب جاز، فكذا النّفل، ولا يجوز عند بعضهم؛ لأنّ القعدة =
256)
قال بعضهم: لا يجزئه الأربع إلّا عن تسليمةٍ واحدةٍ.
وقال أكثرهم: يجزئهُ عن تسليمتين وهو الصّحيح؛ لأنه قد أكمل، ولم يُخِلَّ بشيءٍ إلّا أنّه جمعَ بين المتفرق واستدام التحريمة، فكان أولى بالجواز، وإنْ صلّى ستًا أو ثمانيًا أو عشرًا بتسليمةٍ واحدةٍ. وقعد على رأس كلّ ركعتين.
فعلى قول الأولين: لم يجز إِلَّا عَنْ رَكْعَتَيْنِ.
واختلف المشايخ المتأخرون فيه: قال عامّة المتأخرين: كان كلّ ركعتين عن تسليمةٍ. وهو الصّحيح؛ لأنّه قيّد كلّ شفع بالقعودِ بسائرِ الأفعال. والتسليمةُ: قطعٌ وخروجٌ، فلا يكون من تمام الصّلاة.
وفرّق بعض المتأخرين بين هذه المسألة وبين الّتي قبلها. فقال: متى
= على رأس الثّالثة في النّوافل غير مشروعةٍ بخلاف المغرب فصار كأنّه لم يقعد فيها، ولو لم يقعد فيها لم تجز النّافلة فكذا في التراويح، ثمَّ إن كان ساهيًا في الثّالثة لا يلزمه قضاء شيءٍ؛ لأنّه شرع في صلاةٍ مظنونةٍ؛ ولأنّه لا يوجب القضاء عند أصحابنا الثّلاثة، وإن كان عمدًا فعلى قول من قال بالجواز يلزمه ركعتان؛ لأنّ الرَّكعة الثّانية قد صحّت لبقاء التّحريمة، وإن لم يكملها يضّم ركعةً أخرى إليها فيلزمه القضاء، وعلى قول من قال بعدم الجواز يلزمه ركعتان عند أبي يوسف، وعند أبي حنيفة لا يلزمه شيءٌ؛ لأنّ التّحريمة قد فسدت بترك القعدة في الرّكعة الثّانية فشرع في الثّالثة بلا تحريمةٍ، وأنّه لا يوجب القضاء عند أبي حنيفة، وعلى هذا لو صلّى عشر تسليماتٍ كلّ تسليمةٍ بثلاث ركعاتٍ بقعدةٍ واحدةٍ.
ولو صلّى التراويح كلّها بتسليمةٍ واحدةٍ ولم يقعد إلّا في آخرها، قال بعضهم: يجزئه عن التّراويح كلّها. وقال بعضهم: لا يجزئه إِلَّا عن تسليمةٍ واحدةٍ، وهو الصّحيح؛ لأنّه أخلّ بكلّ شفعٍ بترك القعدة.
257)
ما عدّو ما هي مستحبّة في صلاةٍ، فكلّ ركعتين من ذلك يجريان عن تسليمةٍ، ومتى لم يكن كذلك لم يجز إلّا عن قدر المستحبّ؛ لأنّ في الزّيادة كراهة. وفي استحبابه خلافٌ.
ففي هذا اختلافٌ أيضًا.
فعلى هذا: إذا صلّى ستًا تجزئ عن ثلاثِ تسليماتٍ، عند أبي حنيفة، وعند صاحبيه عن تسليمتين.
فإن صلّى عشرًا، فعندهما تجزئ تسليمتين.
وعنده في الرِّواية الشّاذة: عن خمس تسليماتٍ.
وفي روايةِ الأصل: وَإِلَّا فلَا. عن أربعِ تسليماتٍ.
وفي رواية الجامع الصغير: عن ثلاثِ تسليماتٍ، وَإِن صَلَّى التّراويح كلها بتسليمةٍ واحدةٍ عمدًا، وقعدَ في كلّ ركعتين.
فعلى قول الأولين: جاز عن تسليمةٍ واحدةٍ.
وعلى قول عامّة المتأخرين: جازت عن الكل على قول بعض المتأخرين على الاختلاف الّذي حكينا.
والصَّحيحُ قول العامّة.
* * *
فصلٌ وإذا صلّى ترويحةً بتسليمةٍ، ولم يقعد في الرّكعة الثّانية.
فالقياس وهو قول محمّد وزفر، وهو رواية عن أبي حنيفة: أنّه تفسد
258)
صلاته، ويلزمه قضاءُ هذه التسليمة، ولا يجوز ذلك عن شيئين.
وفي الاستحسان: وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف. يجوز.
ثمّ اختلف المشايخ فيه على قولهما.
قال بعضهم: يجزئه عن تسليمةٍ واحدةٍ. وهو الصّحيح؛ لأنه أكمل الأريع بتسليمةٍ واحدةٍ فحسب. بخلاف ما إذا قعد في الثّانية؛ لأنه أكمل كلّ شفعٍ بالقعود.
وإن صلّى ثلاث ركعات بتسليمةٍ واحدةٍ، ولم يقعد في الثّانية ساهيًا، أو عامدًا، فلا شك: أن صلاته باطلة في القياس. وهو قول محمّد وزفر. وهو رواية عن أبي حنيفة. وعليه قضاء ركعتين فحسب.
وأمّا في الاستحسان وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف.
اختلف المشايخ فيه:
قال بعضهم: يجزئه عن تسليمةٍ واحدةٍ.
وقال بعضهم: لا يجزئه عن شيءٍ أصلًا.
وكذا الخلاف في غير التّراويح إذا تنفّل بثلاث ركعات، ولم يقعد إِلّا في آخرها جاز عند الأولين، ولم يجز عند الآخرين.
أما من قال: يجوزُ يقول: الفرض يجوز. بمثل هذه الصّفة. وهو المغرب. فكذا النّفل، ويجب أن يجوز، وإذا جاز النّفل جازت التّراويح؛ لأنها نافلة.
فصار هذا كما لو صلَّى الأريع بقعدةٍ واحدةٍ. وذلك: يجوز عن تسليمةٍ واحدةٍ. فكذا هذا.
وأمَّا من قال: لا يجوز؛ فإنه يقولُ: إن القعدةَ المشروعة قد
259)
تركها.
والتي فعلها في غير موضعها؛ لأنهّا لم تشرع في النّوافل في الثّالثةِ، فصار كأنّه لم يقعد فيها أصلًا، ولو لم يقعد فيها أصلًا، لا يجوز، وإذا لم يجز النفل، لم تجز التراويح؛ لأنّها نافلة بخلاف الأربع؛ لأنّ القعدة في آخرها قعدة في موضعها.
ثمّ على قول أولئك إذا جازت هذه الثّلاثة عن تسليمةٍ، هل يلزمه شيءٌ آخرَ لأجل الثّالثة إن كان ساهيًا؛ لَا لأَنّه شروعٌ في مظنونٍ وإن كان عامدًا، يلزمه ركعتان في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف؛ لأنّه قد صحّت الثّالثة حيث حكم بصحّة التحريمة حين قعد في آخر الصّلاة، ولم يكملها بضمِّ أخرى إليها، فيلزمه القضاءُ على قول هؤلاء إذا لم تجزئ الثلاث عن شيءٍ أصلًا. فيلزمه قضاء الأوليين.
وهل يلزمه قضاء الثالثة: فعلى وجهين:
إن كان ساهيًا فلا يلزمه لما قلنا، وإن كان عامدًا لزمه ركعتان في قول أبي يوسف.
وفي قول أبي حنيفة: لا يلزم؛ لأنّ التحريمة قد فسدت حتّى لم يقعد على رأس الىنية، ولم يأتِ بالرّابعة. فإذا قام إلى الثَّالثةِ فقد شرع في الثّالثة بتحريمةٍ فاسدةٍ.
وهذا موجبٌ للقضاءِ عند أبي يوسف، وعند أبي حنيفة: لا، في الصّحيح من مذهبه.
فعلى هذا: إذا صلّى التّراويح عشر تسليماتٍ، كلّ تسليمة ثلاث ركعاتٍ، ولم يقعد إلّا في آخرها.
260)
ففي القياس: وهو قول محمّد وزفر وهو رواية عن أبي حنيفة: عليهِ قضاءُ التراويح كلِّها، ولا شيءَ عليه سوى ذلك.
وفي الاستحسان: وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف على قول أولئك. جازت التراويح، ولا شيءَ عليه، إن كان قام ساهيًا، وإن قام عامدًا، فعليه أيضًا قضاء عشرين ركعة.
وعلى قول هؤلاء: عليه قضاء التراويح كلها كما في القياس، ولا شيء عليه سوى ذلك في قول أبي حنيفة كيفما كان.
وفي قول أبي يوسف: إن كانَ ساهيًا فهو كذلك. وإن كان عامدًا فعليه مع التراويح قضاء عشرين ركعة أخرى.
وإن صلّى التراويح كلها بتسليمةٍ واحدةٍ عمدًا ولم يقعد إلّا في آخرها.
ففي القياس: وهو قول محمّد وزفر روايةً عن أبي حنيفة: لم يجزِئ عن شيء، وعليه قضاء ركعتين فحسب.
وفي الاستحسان: وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف.
اختلف المشايخ فيه:
قال بعضهم: يجزئه عن التراويح كلها.
وقال بعضهم: يجزئه عن تسليمةٍ واحدةٍ كما ذكرنا من الاختلاف، فيما إذا صلّى ترويحة بتسليمةٍ ولم يقعد على رأس الرّكعتين.
وقال بعضهم: يُنظر إلى قدر المستحبّ، فكل ركعتين من المستحب تجزئ عن تسليمةٍ كما قال هذا القائل فيما إذا صلّى ستًّا أو ثمانيًا فقعد على رأس كلّ ركعتين.
261)
والصّحيح: أن قول هذا القائل فيما إذا قعد على رأس كلّ ركعتين.
أما هنا: الصّحيح ما قال بعض المشايخ: أنه يجزئ عن تسليمةٍ واحدةٍ. والله أعلم.
* * *
فصلٌ وأمّا وقت التّراويح (1):
فقد اختلف المشايخ فيه:
قال الشّيخ الإمام إسماعيل الزّاهد وجماعة: اللّيل كلّهُ إلى طلوع الفجر وقتٌ لها قبل العشاء وبعدها. وقبل الوتر وبعدها؛ لأنّها قيام اللّيل، فكان شرطها: اللّيل فحسب.
(1) قال أبو بكر الكاشاني في بدائع الصنائع (3/ 143): وأما وقتها: فقد اختلف مشايخنا فيه: قال بعضهم: وقتها ما بين العشاء والوتر، فلا تجوز قبل العشاء ولا بعد الوتر. وقال عامّتهم؛ وقتها ما بعد العشاء إلى طلوع الفجر فلا تجوز قبل العشاء؛ لأنّها تبعٌ للعشاء فلا تجوز قبلها كسنَّة العشاء. وذكر النّاطفيّ في إمامٍ صلَّى بقومٍ صلاة العشاء على غير وضوءٍ ناسيًا، ثمّ صلّى بهم إمامٌ آخر التّراويح متوضّئًا، ثمَّ علم أن الأوّل كان على غير وضوءٍ؟ أن عليهم أن يعيدوا العشاء والتّراويح جميعًا: أمّا العشاء فلا شكّ فيها.
وأمّا التّراويح؛ فلأنّها تصلّى إلى طلوع الفجر؛ لأنّ ذلك وقتها.
وقال (3/ 144): وهل يكره تأخيرها إلى نصف اللّيل؟ قال بعضهم: يكره؛ لأنّها تبعٌ للعشاء، ويكره تأخير العشاء إلى نصف اللّيل فكذا تأخيرها، والصّحيح: أنّه لا يكره؛ لأنها قيام اللّيل، وقيام اللّيل في آخر اللّيل أفضل.
262)
وقال عامّةُ مشايخ بلخ وبخارى: وقتها ما بين العشاء والوتر، ولو صلّاها قبل العشاء أو بعد الوتر، لم يؤدّها في وقتها؛ لأنّ الآثار كذا وردت. وإنّما تشيع في التّراويح الآثار.
والصّحيح: أن وقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر، حتّى لو صلّاها بعد الوتر يجوز. ولو صلّاها قبل العشاء لا يجوز؛ لأنّها نوافل سنّت بعد العشاء. فاشبهت التطوع المسنون بعد العشاء في غير شهر رمضان. والله أعلم.
* * *
فصلٌ وإذا فاتت التراويح، هل تقضى بعد وقتها بالجماعة، وغير الجماعة.
اختلف المشايخ فيه:
قال بعضهم: يقضي من الغد ما لم يدخل وقت تراويح أخرى.
وقال بعضهم: تُقْضَى ما لم يمض شهر رمضان.
وقال بعضهم: لا تُقْضَى أصلًا. وهو الصّحيح؛ لأنّها ليست بآكد من سنّة المغرب والعشاء، وتلك لا تُقْضَى وحدها عند أصحابنا، فكذلك هذه (1).
والدّليل عليه أنّها لا تُقْضَى بالجماعة: بالإجماع. ولو كانت تُقْضَى
(1) قال الكاشاني في بدائع الصنائع (3/ 158): فصلٌ: وأمّا بيان أدائها إذا فاتت عن وقتها، هل تقضى أم لا؟ فقد قيل: إنها تقضى، والصّحيح: أنها لا تقضى؛ لأنها ليست بآكد من سنّة المغرب والعشاء، وتلك لا تقضى فكذلك هذه.
263)
لقضيت كما فاتت، فإنّ قضاءها منفردًا كان مستحبًّا كسنّة المغرب إذا قضاها. والله أعلمُ.
* * *
فصلٌ وإذا شكّوا أنهم صلوا تسع تسليماتٍ أو عشرًا.
اختلف المشايخ فيه (1):
قال بعضهم: أعادوا تسليمةً واحدةً بالجماعة احتياطًا.
وإذا قال بعضهم: هل يزيدون؛ لأنّ الزيادة عن التراويح بالشك لا يجوزُ. والصَّحيحُ: أنَّهَا يُصَلّون تسليمةً أخرى فُرَادَى حَتَّى يَقع الاحتياط في فصل السّنة بإتمامها.
ويقع الاحتراز عن أداء النّافلة بالجماعة غير التّراويح. والله أعلم.
* * *
*
فصلٌ وإذا صلّى التّرويحة الواحدة إِمامًا، فكلُّ واحدٍ منهما بتسليمةٍ.
اختلف المشايخُ فيه (2):
(1) انظر رد المحتار (5/ 246) وحاشية رد المحتار (2/ 48) والبحر الرائق شرح كنز الدقائق (4/ 314).
(2) قال الكاشاني في بدائع الصنائع (3/ 153): ومنها [أي: سنن التراويح]:=
264)
قال بعضهم: لا بأسَ به.
والصحيحُ: أنّه لا يستحبُّ ذلكَ. ولكن كلّ ترويحةِ يؤدِّيها إمامٌ واحدٌ وعليه عمل أهل الحرمين وغيرهم، ويكون تبديل الإمام بمنْزلة الانتظارِ. والله أعلم.
* * *
فصلٌ الأفضل: استيعابُ أكثر اللّيل بالصّلاة، والانتظار.
وبعض مشايخنا قالوا: إذا أخّروها إلى ما بعد نصف اللّيل، لم يستحب، وشبّهها بتأخير العشاء.
والصّحيح: أنّه لا بأس به. وهو المستحب والأفضل؛ لأنّها قيام اللّيل، وقيام اللّيل في آخر اللّيل أفضل.
= أن يصلّي كلّ ترويحةٍ إمامٌ واحدٌ، وعليه عمل أهل الحرمين، وعمل السّلف، ولا يصلّي الترويحة الواحدة إمامان؛ لأنّه خلاف عمل السّلف، ويكون تبديل الإمام بمنزلة الانتظار بين التّرويحتين، وأنّه غير مستحبٌّ.
وقال (3/ 154): ولا يصلّي إمامٌ واحدٌ التّراويح في مسجدين في كلّ مسجدٍ على الكمال ولا له فعلٌ، ولا يحتسب التّالي من التراويح، وعلى القوم أن يعيدوا؛ لأنّ صلاة إمامهم نافلةٌ، وصلاتهم سنّةٌ، والسّنّة أقوى، فلم يصحّ الاقتداء؛ لأنّ السّنّة لا تتكرّر في وقتٍ واحدٍ، وما صلّى في المسجد الأوّل محسوبٌ، وليس على القوم أن يعيدوا ولا بأس لغير الإمام أن يصلّي التراويح في مسجدين؛ لأنّه اقتداء المتطوّع بمن يصلّي السّنّة، وأنه جائزٌ كما لو صلّى المكتوبة ثمَّ أدرك الجماعة ودخل فيها والله أعلم.
265)
وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي في معاني الآثار (1): باب التَّطوُّع بعد الوتر. . . ثمّ روى حديث ثمّ انتهى (2)، وقرَّه إلى السَّحر. ثمّ قال: وذهب قومٌ إلى أنَّه لا يتطوَّع بعد الوتر، وأنَّ من تطوَّع بعده فقد نقضه، وعليه أن يعيد وترًا آخر (3). ثمّ قال: وخالفهم في ذلك آخرون،. . . . . . . . . . . . .
(1) شرح معاني الآثار (1/ 340 - 341).
(2) قال: حَدَّثَنَا ربيعٌ المؤذّن قال: حَدَّثَنَا أسدٌ قال: حَدَّثَنَا أسباطٌ، عن مطرّفٍ، عن أبي إسحاق، عن عاصم بْن ضمرة، عن عليٍّ - رضى الله عنه - قال: كان رسول الله ? في أوّل اللّيل وفي وسطه وفي آخره، ثمّ ثبت له الوتر في آخره.
حَدَّثَنَا ابن مرزوقٍ قال: حَدَّثَنَا سعيد بْن عامرٍ وعفان قالا: حَدَّثَنَا شعبة، قال أبو إسحاق: أنبأني غير مرّةٍ قال: سمعت عاصم بْن ضمرة يحدَّث عن عليٍّ ?، عن النبيّ ?.
حَدَّثَنَا ربيعٌ الجيزيّ قال: حَدَّثَنَا يعقوب بْن إسحاق بْن أبي عيّادٍ قال: حَدَّثَنَا إبراهيم ابن طهمان، عن أبي إسحاق، فذكر بإسناده مثله.
حَدَّثَنَا أبو أميّة قال: حَدَّثَنَا عبيد الله بْن موسى قال: أَخْبَرَنَا إسرائيل - وقال مرّةً أخرى: أَخْبَرَنَا أبو إسرائيل -، عن السَّدِّيِّ، عن عبد خيرٍ قال: خرج علينا عليٌّ ? ونحن في المسجد، فقال: أين السّائل عن الوتر؟ فانتهينا إليه فقال: إنّ رسول الله ? كان يوتر أوّل اللّيل ثمّ بدا له فأوتر وسطه ثمَّ ثبت له الوتر في هذه السّاعة، قال: وذاك عند طلوع الفجر.
وهذا عندنا على قرب طلوع الفجر قبل أن يطلع حتّى يستوي معنى هذا الحديث، ومعنى حديث عاصم بْن ضمرة.
(3) زاد الطحاوي: واحتجّوا في ذلك بتأخير رسول الله ? الوتر إلى آخر اللّيل، وبما روي عن جماعةٍ من أصحابه من بعده أنهم كانوا يرون من تطوّع بعد وترٍ فقد نقضه.
وذكروا في ذلك ما حَدَّثَنَا أبو بكرة قال: حَدَّثَنَا مؤملٌ قال: حَدَّثَنَا حماد بْن سلمة، =
266)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عن عبد الملك بْن عميرٍ، عن موسى بْن طلحة، أن عثمان ? قال: إنِّي أوتر أوّل اللَّيل، فإذا قمت من آخر اللَّيل صفيت ركعةً فما شبّهتها إِلَّا بقلوصٍ أضمّها إلى الإبل.
حَدَّثَنَا ابن مرزوقٍ قال: حَدَّثَنَا وهبٌ قال: حَدَّثَنَا شعبة، عن عبد الملك بْن عميرٍ، فذكر بإسناده مثله.
حَدَّثَنَا أبو بكرة قال: حَدَّثَنَا أبو عامرٍ قال: حَدَّثَنَا ابن أبي ذئبٍ، عن عمران بْن بشيرٍ، عن أبيه، عن سعيد بْن المسيَّب: أن أبا بكرٍ كان يفعل ذلك.
حَدَّثَنَا ابن مرزوقٍ قال: حَدَّثَنَا وهبٌ قال: حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي هارون الغنويّ، عن حطّان بْن عبد الله قال: سمعت عليًّا - رضى الله عنه - يقول: الوتر على ثلاثة أنواعٍ: رجلٌ أوتر أول اللَّيل ثمَّ استيقظ فصلَّى ركعتين، ورجلٌ أوتر أوّل اللَّيل فاستيقظ فوصل إلى وتره ركعةً فصلّى ركعتين ركعتين ثمَّ أوتر، ورجلٌ أخّر وتره إلى آخر اللَّيل.
حَدَّثَنَا محمّد بْن بحرٍ قال: حَدَّثَنَا يزيد بْن هارون قال: حَدَّثَنَا همّامٌ، عن قتادة ومالك ابن دينارٍ، عن جلاسٍ قال: كنت جالسًا عند عمّارٍ فأتاه رجلٌ فقال له: كيف توتر؟ قال: أترضى بما أصنع؟ قال: نعم. قال: أحسب قتادة قال في حديثه: فإني أوتر بليلٍ بخمس ركعاتٍ، ثمَّ أرقد فإذا قمت من اللَّيل شفعت.
حَدَّثَنَا أبو بكرة قال: حَدَّثَنَا أبو عامرٍ قال: حَدَّثَنَا ابن أبي ذئبٍ، عن يزيد بْن عبد الله ابن قسيطٍ، عن أبي سلمة ومحمّد بْن عبد الرحمن بْن ثوبان، عن ابن عمر ? قال: من أوتر فبدا له أن يصلِّي فليشفع إليها بأخرى حتّى يوتر بعد.
حَدَّثَنَا أبو بكرة قال: حَدَّثَنَا أبو داود قال: حَدَّثَنَا زهير بْن معاوية قال: حَدَّثَنَا أبو إسحاق، عن مسروقٍ قال: قال ابن عمر ?: شيءٌ أفعله برأيي لا أرويه، ثمَّ ذكر نحو ذلك.
قال مسروقٌ: وكان أصحاب ابن مسعودٍ، يتعجّبون من صنع ابن عمر ?. حَدَّثَنَا أبو بكرة قال: حَدَّثَنَا أبو داود قال: حَدَّثَنَا حرب بْن شدّادٍ، عن يحيى بْن أبي كثيرٍ، عن أبي الحارث الغفاريِّ، عن أبي هريرة ?: أن رجلًا استفتاه عن رجلٍ أوتر أوّل اللَّيل ثمَّ نام ثمَّ قام كيف يصنع؟ قال: يتمّها عشرًا.
وقد روي عن أبي هريرة - رضى الله عنه - خلاف هذا القول. وسنذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى. . .
267)
وقالوا (1): لا بأس بالتَّطوُّع بعد الوتر، ولا يكون ذلك نقضًا (2) للوترِ (3). ثمّ
(1) في شرح معاني الآثار: فقالوا.
(2) في شرح معاني الآثار: ناقضًا.
(3) زاد الطحاوي: ورووا عن رسول الله ? في ذلك ما: حَدَّثَنَا فهدٌ، قال: حَدَّثَنَا يحيى ابن عبد الله البابلتيّ، قال: حَدَّثَنَا الأوزاعيّ قال: حَدَّثَنَا يحيى بْن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمة، عن عائشة ?: أن رسول الله ? ركع ركعتين بعد الوتر قرأ فيهما، وهو جالسٌ فلمّا أراد أن يركع قام فركع.
وقد ذكرنا مثل ذلك أيضًا، عن عائشة ? في (باب الوتر) في حديث سعد بْن هشامٍ.
حَدَّثَنَا فهدٌ قال: حَدَّثَنَا أبو غسّان قال: حَدَّثَنَا عمارة بْن زاذان، عن ثابتٍ البنانيّ، عن أنسٍ ?: أن النّبيّ ? كان يقرأ في الرَّكعتين بعد الوتر بـ {الرَّحَمَنِ} و {الْوَاقِعَةُ}.
حَدَّثَنَا ابن أبي داود قال: حَدَّثَنَا عبد الرّحمن بْن المبارك قال: حَدَّثَنَا عبد الوارث، عن أبي غالب، عن أبي أمامة: أنّ النّبيّ ? كان يصلِّيهما بعد الوتر، وهو جالسٌ يقرأ فيهما {إِذَا زُلْزِلَتِ} و {قُل يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ}.
حَدَّثَنَا فهدٌ قال: حَدَّثَنَا عبد الله بْن صالحٍ قال: حدّثني معاوية بْن صالحٍ، عن شريح ابن عبيدٍ، عن عبد الرّحمن بْن جبير بْن نفيرٍ، عن أبيه، عن ثوبان مولى رسول الله ? قال: كنّا مع رسول الله ? في سفرٍ، فقال: "إنّ هذا السّفر جهدٌ وثقلٌ، إذا أوتر أحدكم فليركع ركعتين، فإن استيقظ وإلَّا كانتا له".
فهذا رسول الله ? قد تطوّع بعد الوتر بركعتين وهو جالسٌ ولم يكن ذلك ناقضًا لوتره المتقدّم، فهذا أولى ممّا تأوّله أهل المقالة الأولى وادّعوه من معنى حديث عليٍّ: أن رسول الله ? وتره إلى السّحر. مع أن ذلك أيضًا ليس به خلافٌ عندنا لهذا، لأنّه قد يجوز أن يكون وتره ينتهي إلى السّحر ثمَّ يتطوّع بعده قبل طلوع الفجر.
فإن قال قائلٌ: يحتمل أن يكون تينك الرَّكعتان هما ركعتا الفجر، فلا يكون ذلك من صلاة اللّيل. =
268)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قيل له: لا يجوز ذلك من جهتين أما أحدهما: فلأنّ سعد بْن هشامٍ إنّما سأل عائشة ?، عن صلاة رسول الله ? باللّيل، فكان ذلك منها جوابًا لسؤاله وإخبارًا منها إيّاه، عن صلاته باللّيل كيف كانت.
والجهة الأخرى: أنّه ليس لأحدٍ أن يصلّي ركعتي الفجر جالسًا، وهو يطيق القيام؛ لأنه بذلك تارك لقيامها، وإنّما يجوز أن يصلِّي قاعدًا وهو يطيق القيام ما له أن لا يصلّيه ألبتّة، ويكون له تركه، فهو كما له تركه بكماله، يكون له ترك القيام فيه. فأمّا ما ليس له تركه فليس له ترك القيام فيه.
فثبت بذلك أنّ تينك الرّكعتين اللّتين تطوّع بهما رسول الله ? بعد الوتر كانتا من صلاة اللَّيل، وفي ذلك ما وجب به قول الّذين لم يروا بالتّطوّع في اللَّيل بعد الوتر بأسًا ولم ينقضوا به الوتر.
وقد روي عن رسول الله ? في ذلك من قوله ما يدلُّ على هذا أيضًا ما قد ذكرناه عنه في حديث ثوبان.
وقد حَدَّثَنَا عمران بْن موسى الطّائيّ وابن أبي داود قالا: حَدَّثَنَا أبو الوليد (ح). وحدَّثنا ابن أبي عمران قال: حَدَّثَنَا عليّ بْن الجعد قالا: أَخْبَرَنَا أيّوب بْن عتبة، عن قيس بْن طلقٍ، عن أبيه قال: قال رسول الله ?: "لا وتران في ليلةٍ".
حَدَّثَنَا ابن أبي داود قال: حَدَّثَنَا أبو الوليد قال: حَدَّثَنَا ملازم بْن عمرٍو قال: حدثني عبد الله بْن بدرٍ، عن قيس بْن طلقٍ، عن أبيه، عن النّبيّ ? مثله.
حَدَّثَنَا أبو أمية قال: حَدَّثَنَا أبو نعيمٍ وأبو الوليد قالا: حَدَّثَنَا ملازمٌ، عن عبد الله بْن بدرٍ، فذكر بإسناده مثله.
حَدَّثَنَا أبو بكرة قال: حَدَّثَنَا أبو داود قال: حَدَّثَنَا زائدة، عن عبد الله بْن محمّد بْن عقيلٍ، عن جابر بْن عبد الله ?: أن رسول الله ? قال لأبي بكرٍ: "متى توتر؟ " قال: أوّل اللّيل بعد العتمة، قال: "أخذت بالوثقى". ثمَّ قال لعمر: "متى توتر؟ " قال: آخر اللَّيل. قال: "أخذت بالقوّة".
حَدَّثَنَا يونس قال: حَدَّثَنَا يحيى بْن عبد الله بْن بكيرٍ قال: حدثني اللَّيث، عن ابن شهابٍ، عن ابن المسيَّب: أنّ أبا بكرٍ وعمر ? تذاكرا الوتر عند رسول الله ?، =
269)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فقال أبو بكرٍ - رضى الله عنه -: أمّا أنا فأصلِّي ثمّ أنام على وترٍ، فإذا استيقظت صلَّيت شفعًا حتّى الصّباح. فقال عمر ?: لكنّي أنام على شفعٍ، ثمَّ أوتر من آخر السّحر. فقال رسول الله ? لأبي بكرٍ ?: "حذر هذا". وقال لعمر - رضى الله عنه -: "قوي هذا".
فدلّ قول رسول الله ?: "لا وتران في ليلةٍ" على ما ذكرنا من نفي إعالة الوتر، ووافق ذلك قول أبي بكرٍ ?: أمّا أنا فأوتر أول اللّيل، فإذا استيقظت صلّيت شفعًا حتّى الصّباح. وترك رسول الله ? النّكير عليه دليلٌ على أن حكم ذلك كما كان يفعل، وأنّ الوتر لا ينقضه النّوافل الّتي يتنفّل بها بعده.
وقد روي ذلك أيضًا عن جماعةٍ من أصحاب النّبيّ ?.
حَدَّثَنَا أبو بكرة قال: حَدَّثَنَا وهب بْن جريرٍ قال: حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي جمرة قال: سألت ابن عبّاس ? عن الوتر؟ فقال: إذا أوترت أول اللّيل فلا توتر آخره، وإذا أوترت آخره فلا توتر أوّله. قال: وسألت عائذ بْن عمرٍو؟ فقال مثله.
حَدَّثَنَا ابن مرزوقٍ قال: حَدَّثَنَا أبو عامرٍ العقديّ قال: حَدَّثَنَا شعبة، عن قتادة ومالك ابن دينارٍ، أنّهما سمعا خلاسًا قال: سمعت عمّار بن ياسرٍ - وسأله رجلٌ عن الوتر؟ - فقال: أمّا أنا فأوتر ثمَّ أنام، فإن قمت، صلّيت ركعتين ركعتين.
وهذا - عندنا - معنى حديث همّامٍ، عن قتادة الّذي ذكرناه في الفصل الأوّل؛ لأنّ في ذلك، فإذا قمت شفعت.
فاحتمل ذلك أن يكون يشفع بركعةٍ كما كان ابن عمر ? يفعل، ويحتمل أن يكون يصلِّي شفعًا شفعًا.
ففي حديث شعبة ما قد بيّن أن معنى قول: "شفعت"، أي: صلّيت شفعًا شفعًا، ولم أنقض الوتر.
حَدَّثَنَا أبو بكرة قال: حَدَّثَنَا أبو داود قال: حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بْن جبيرٍ قال: ذكر عند عائشة ? نقض الوتر، فقالت: لا وتران في ليلةٍ.
حَدَّثَنَا أبو بكرة قال: حَدَّثَنَا عبد الله بْن حمران قال: حَدَّثَنَا عبد الحميد بْن جعفرٍ، عن عمران بْن أبي أنسٍ، عن عمر بْن الحكم، أن أبا هريرة - رضى الله عنه - قال: لو جئت بثلاث أبعرةٍ فأنختها، ثمَّ جئت ببعيرين فأنختهما، أليس كان يكون ذلك وترًا؟ قال: وكان =
270)
قال: وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - رحمهم الله تعالى - (1). والله أعلمُ.
* * *
= يضربه مثلا لنقض الوتر.
وهذا - عندنا - كلامٌ صحيحٌ، ومعناه: أنّ ما صلّيت بعد الوتر من الأشفاع، فهو مع الوتر الّذي أوترته وترًا.
حَدَّثَنَا يونس قال: أَخْبَرَنَا ابن وهبٍ، أن مالكًا حدَّثه، عن زيد بْن أسلم، عن أبي مرّة مولى عقيل بْن أبي طالبٍ ?، أنه سأل أبا هريرة ?: كيف كان رسول الله ? يوتر؛ فقال: إن شئت أخبرتك كيف أصنع أنا؟ قلت: أخبرني. قال: إذا صلّيت العشاء، صلّيت بعدها خمس ركعاتٍ، ثمّ أنام، فإن قمت من اللّيل، صلّيت مثنى مثنى، وإن أصبحت، أصبحت على وترٍ.
فهذا ابن عبّاسٍ ?، وعائذ بْن عمرٍو، وعمّارٌ، وأبو هريرة ?، وعائشة ?، لا يرون التطوع بعد الوتر، ينقض الوتر.
فهذا أولى - عندنا - مما روي عمّن خالفهم، إذ كان ذلك موافقًا لما روي عن رسول الله ? فعله وقوله.
والّذي روي عن الآخرين أيضًا فليس له أصلٌ في النطر، لأنهم كانوا إذا أرادوا أن يتطوَّعوا، صلّوا ركعةً، فيشفعون بها وترًا متقدِّمًا، قد قطعوا فيما بينه وبين ما شفعوا به، بكلامٍ، وعملٍ، ونومٍ، وهذا لا أصل له أيضًا في الإجماع، فيعطف عليه هذا الاختلاف.
فلما كان ذلك كذلك، وخالفه من أصحاب رسول الله ?، من ذكرنا، وروي عن رسول الله ? أيضًا خلافه، انتفى ذلك، ولم يجز العمل به.
(1) العبارة في شرح معاني الآثار: (وهذا القول الذي بيّنّا، قول أبي بكرة، وأبي يوسف، ومحمّدٍ).
271)