الفوائد الجُلة في مسألة اشتباه القبلة
للفقيه قاسم ابن قطلوبغا الحنفي
توفي في سنة (879 هـ)
تحقيق:
عبد العظيم فايزولويف
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
جارٍ تحميل الكتاب…
الفوائد الجُلة في مسألة اشتباه القبلة
للفقيه قاسم ابن قطلوبغا الحنفي
توفي في سنة (879 هـ)
تحقيق:
عبد العظيم فايزولويف
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
الفوائد الجُلة في مسألة اشتباه القبلة
بعد البسملة والحمدلة:
أما بعد:
فقد قال في كتاب الوقاية، فيمن اشتبهت عليه القبلة: وإن شَرع بلا تحرّي لم تجز [وإن أصاب]. وقال في شرحها: لأنّ قبلته جهة تحريه، ولم يوجد. وقال في البداية مختصر الوقاية: ولم يعد مخطئ [تحرّي بل مصيب لم يتحرّ، وقال صاحب الهداية في كتابه مختارات] النوازل: لو صلَّى بلا تحرِّ، لا يجوز؛ لترك الواجب عليه، وهو التحرّي وإن أصاب وفيه خلاف أبي يوسف ا. انتهى بالحروف من كل منها.
قلت: المفهوم من هذه العباراتِ ما هو الظاهرُ منها. وهو أنّ مَن اشتبهت عليه القبلة فصلّى بغير تحري، ثمَّ عَلِمَ بعد الفراغ أنّه أصابَ القبلة لم تجز صلاته، وعليه الإعادة.
قيل: هذه العباراتُ. إنّما هي فيما إذا شرعَ بلا تحرّ ثم علمَ في أثناء صلاته: أنّه أصاب؛ لأنّ صاحب الوقاية قال: قبل ذلك: فإن جَهلها وعُدِمَ مَن يسأله تحرّى، ولم يعد إن أخطأ، وإن علمَ به مصلِّياً أو تحوَّل رأيه إلى أخرى استدار، وإن شرع بلا تحرّألخ؛ ولأنّه قال في الكافي: وإن شرع بلا تحرٍّ، ثمَّ علمَ أنّه أصاب.
قال أبو يوسف ا: يمضي فيها. وقالا ب: يستأنف.
وقال في الاختيار وكثير من المصنّفات: مَن صلَّى بغير اجتهاد، ثمَّ علمَ بعد الفراغ أنّه أصاب فلا إعادة عليه لوجود التوجه إلى القبلة، إذ التحري فَرض هو وسيلة. فإذا حصل المقصود به فلا يضر عدمه، كالسعي إلى الجمعة.
قلتُ: ليس في عبارة الوقايةدلالة على هذا المراد بوجهٍ من وجوه الدلالات، [ولو كان فُرض هذه المسألة فيمن علمَ بالإصابةِ والخطأ في أثناء الصلاة، للزمَ التكرار في بعض نظر، حيث قال:
وإن علمَ به مصلِّياً أو تحوَّل رأيه إلى أخرى استدار، وهو بعيد من مثل برهان الشريعة، وإن قيل: إن قوله يصيب، لم يتحرّ [مسألة برأسها فليكن قوله وإن شرع بلا تحر] مسألة] برأسها أيضاً، وإن كان تقدم قوله وإن تحول رأيه استدار دليلاً على أن قوله أنه فيمن علم بحاله في أثناء صلاته، فليكن تأخيره في عبارة النقايةدليلاً على خلافه، وبالجملة فليس هذا الاستدلال بظاهر.
وأما ما كان في الكافي فهي مسألة أخرى لا دلالة فيها على أن لا [خلاف فيه عندنا، إلا هي]. وهي نفسها قد اختلف الوضع فيها فذكرها في المختصر كما في الكافي. وذكرها في الإيضاح كما في المجمع، وهي: أنه لو تحرّى وعدل عن جهة تحريه. [فما قاله] صاحب المجمع: [وما في المختصر فرع على ما في الإيضاح؛ لأنّ هذه تستلزم تلك. وتلك] لا تستلزم هذه فلا [يدل على أنه] ليس في المذهب غيرها.
وأما ما في الاختيارمن التصريح بخلاف ما في الوقاية، وإن [ذكر في] كتب ظاهر الرواية، لكن دليله المذكور مشكل بالنظر إلى دليل قولهما [في خلافة أبي يوسف ا على ما بنينه حيث أستدل به وله و أبطل بدليل قولهما] وصورة الخلافيّة: ما إذا تحرى وعدل عن جهة تحريه أو شرع بلا تحرّ ثم علم في أثناء صلاته أنه أصاب.
قال أبو يوسف ا: يمضي. وقالا ب: يستأنف.
قال شارح المجمع: في هذه الصورة لأبي يوسف ا: أنه أتى بما وجب عليه وهو: استقبال القبلة فيجوز فأفاد هذا أن المقصود هو الاستقبال القبلة، وقد وجد، وإذا حَصل المقصود فلا يضر عدم ما هو وسيلة إليه.
واستدل لهما: أنه مأمور بالتحري [لا بالإصابة؛ لأنها ليست في وسعه، فلم يأتِ بما أمر به، فلم يخرج عن العهدة. ففي قوله: إنه مأمور بالتحري إلى آخره]. افادة: [أن المفروض لا بالإصابة لأنها ليست في وسعه فلم يأت بما أمر فلم يخرج عن العهدة وفي قوله أنه مأمور بالتحري .. الخ] أن المفروض في حالة الاشتباه التحري ولم يأت به. ومن كان كذلك، لم يخرج عن العهدة، ومن لم يخرج عن العهدة تلزمه الإعادة للخروج عن العهدة.
وفي قوله: لا بالإصابة افادة أن ما أتى به في هذه الحالة ليس هو المفروض عليه، فلا يكفيه [في الخروج] عن العهدة. وفيه: [نفي لقول] أبي يوسف ا: أنه أتى بما وجب عليه.
وهذا إطناب مني في هذا المقام، وإلا فلا يخفى هذا على محصل. ونحو هذا ما ذكره الزوزني في شرح بيت المنظومةحيث قال: ولهما أن شرط انعقاد ما أتى به [جزءً لفرض] الوقت قد فات فلا ينعقد جزءً له، لاستحالة وجود المشروط بدون شرطه فكيف يبني عليه ويتمه فرضاً.
وهذا لأن التوجه إلى جهة يقع إليها تحريه شرط وقوع ما أتى به جزء الفرض الوقت، لانعقاد الإجماع على وجوب التوجه إلى ما يقع تحريه إليه. انتهى. فنقول في مسألتنا: شرط انعقاد ما أتى به فرض الوقت قد فات، فلا ينعقد ما أتى به فرضاً. إلخ. إن شرط جزء الصلاة شرط كلها، إلا أنه إنما ذكره في صورة ما إذا علمها بالإصابة في أثناء صلاته.
وقال شيخنا العلاّمة كمال الدين في شرحه للهداية فيما ذكر في الاختياروغيره: إنه مشكل على قولهما فيما إذا علم بالإصابة في أثناء الصلاة، حيث قالا ب: يستأنف؛ لأن تعليلهما في [هذه الخلافيّة] هو: أن القبلة في حقه جهة التحري وقد تركها يقتضي الفساد مطلقاً في صورة ترك التحري؛ لأن ترك جهة التحري يُصدّق مع ترك التحري وتعليلهم في تلك، بأن ما فرض لغيره يشترط مجرّد حصوله كالسعي يقتضي الصحة في هذه. انتهى.
قلت: لكن الأقوى دليل الخلافيّة للتصريح فيه، بأن الإصابة ليست بفرض حالة الاشتباه ... إلخ. وما يقال: من أن من تحرى وعدل عن جهة تحريه، ففي اعتقاده: أنه صلى إلى غير القبلة.
ومن كان كذلك لم تجز صلاته، بخلاف من شك، ولم يتحر وصلّى، فإنه لم يجزم بأنه إلى غير القبلة، لكن لا يحكم بالجواز ابتداء لابتناء أمره على الشك، وإذا ظهر الخطأ أو الصواب تيقن ثبت حكمه، ويبطل حكم الشك.
يقال عليه: إن الحكم إن كان تابعاً لما عنده فقط من غير أن يكون لظهور صوابه أثر فيظهر فيلزم أن ما أداه بالشك لا يصح؛ لأن الفرض ثابت في ذمته بيقين، فلا يسقط بالشك [على أن عبارتهم تقتضي، تأثر ظهور صوابه وخطئه فيما إذا شرع بالشك،] وأتم، ثم ظهر صوابه حيث صرّح في الاختياربأنه لا إعادة عليه لوجود التوجه ونحو ذلك.
وصرّح في البدائع أيضاً: أنه لو ظهر صوابه خطوه بعد الفراغ أعاد، وصرّحوا فيما إذا شرع بلا تحرّ، [ثم ظهر] في أثناء الصلاة: أنه أصاب تلزم الإعادة؛ لأنه قوى حاله. وبناء القوي على الضعيف لا يجوز، ولم يقتصروا في هذه المسائل على ما في خاطر المصلّي مع النظر فيٍ عدم كونه مستقبلا القبلة موجود في صورة الشك.
ولا مخلص إلا بادعاء: أنّ الحكم ما يتبع ما عنده، غير أنه إن كان عن دليل شرعي، فلا تأثير لظهور صوابه وخطئه فيما مضى [مبنياً على ذلك]، وإن لم يكن عن دليل أثَّر، وها أنا باسطٌ يدا الضراعة والمسكنة إلى أستاذي وإخواني الفضلاء في الوقوف على هذه الرُّقوم، وتحريرها إسعافاً لي، واغتنام أجر ودعاء، وهو سبحانه أ حسبي، ونعم الوكيل.
وهذه صورة ما كتبه الشيخ الإمام العالم العلاّمة كمال الدين ابن الهمام:
الحمد لله الفتاح العليم، وصلَّى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله، النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
لا ريب في أن مؤدى اللفظ المنقول من المواضع الثلاثة: لزوم الإعادة عند عدم التحري في الاشتباه بعد تبين الإصابة أعم من كون ذلك في الصلاة أو بعدها. وفهم ذلك فهم مدلولِ اللفظ قطعاً، لا ينسب لفاهمه تقصير فضلا عن تخطئته.
وإنما الذي ينسب إليهم التقصير إن لم يعن بهم المسطرون لهذا الحكم في الكتب، على أنه المذهب، فإنّهم يصدد التضعيف في مذهب أبي حنيفة ا. فكل ما أطلقوه من الأحكام ساكتين عن إفادة أنها اختيارت المشايخ على خلاف قول أهل المذهب - أعني: الثلاثة - لم يفهم منه إلا أنه بيان لمذهبهم، ولا شك أن كلام أهل المذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ي المنقول من لفظ محمّد ا في هذه المسألة عدم الإعادة عند ظهور الإصابة بعد الفراغ، كما هو المذكور في الأصلوغيره من غير حكاية الخلاف. وقد عرف [قول محمد ا لهم]: إنه ما لم يحك فيه خلافاً، فهو قولهم جميعاً.
قال الحاكم أبو الفضل في الكافيالذي هو مجموع كلام محمد ا في جميع كتبه على ما ذكره في أوّله ولو كان حين انتهى إلى موضع الصلاة شكّ فلم يدر أين القبلة، فلم يتحرّ حتى صلّى إلى بعض تلك الوجوه بغير تحر ولا أكبر رأي فعليه أن يعيد صلاته إلا أن يعلم أنه صلى إلى القبلة، إلا أن ذلك إنما كان بعد دخوله في صلاته، لم تجز تلك الصلاة حتى يستقبلها بتكبير مستقبل؛ لأن الواجب كان عليه أن يتحرى، ثم يفتتح.
فهذا نص محمد ا في الأصلالذي هو شرح المبسوط، عَدَمُ الإعادةِ من غير خلافٍ. فإطلاق بعض المصنفين: لزوم الإعادة إفادة لغير ما تم بصدده من إفادة مذهب أبي حنيفة وأصحابه ي، فأمر دائر بين أمور.
إمّا قصدهم لمؤدي ظاهر عبارتهم، فنحكم عليهم بالخطأ، إذ ليس ذلك قول أهل المذهب المقتدى بهم.
وإما إرادتهم كون ذلك فيما إذا ظهر الخطأ في الصلاة، فنحكم بخطئهم بالتعبير إذا كان لفظهم أعم من مرادهم، فيوقع في التجهيل لا التعليم.
وإما اطلاعهم على بعض رواياتٍ عنهم في ذلك، فنحكم عليهم بأخف من ذلك الخطأ، فإنّ إطلاق ذلك من غير بيان: أنها شذوذ من الروايات اختاروها وتركوا المعروف عنهم يعطي أنه المذهب المعروف، والفرض أن الظاهر المعروف عنهم خلاف ذلك، فكان الواجب بيان كون ذلك خلاف الظاهر لا إرساله هكذا في مقام كتابة مذهب الأئمة.
وأما مقام الاستدلال على لزوم الإعادة في ظهور الخطأ في الصلاة دون ما بعدها مع لزومها بعد ظهور الصواب في صورة التحري، ثم العدول من جهته شيء آخر. وقد استودعناه في موضع آخر. والله الموفق. قال ذلك وكتبه محمد بن همام الدين:
والله أعلم بالصواب.
وهذه صورة ما كتبه المرحوم الشيخ العلاّمة يحيى بن محمد الأقصرائي الحنفي::
الحمد لله رب العالمين، الميسر لكل عسير، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
ظاهر عبارة الكتب الثلاثة:
الإطلاق، ومفهومه عدم الصحة، ولزوم الإعادة عند وجود الاشتباه. وعدم التحري عند الشروع ظهر إصابة الشّارع في الصلاة حال كونه فيها، أو بعد الفراغ منها، أو لم يظهر. وإن كان ذلك مخالفاً لما ذكره صاحب الاختيار، والبعض ممن تقدمه من عدم الإعادة عند العلم بالإصابة بعد الفراغ.
ففيه اختلاف الروايتين، [ويكون مختار صاحب الوقاية، ومن أطلق أحد الروايتين] وما ذكره من الاشكالات والمنقول والأبحاث فيها، فأفاد وأجاد في ذلك. والله سبحانه وتعالى أعلم. قاله يحيى بن محمد الأقصرائي الحنفي.