الجزء 1 · صفحة 27
منح الروض الأزهر
في شرح الفقه الأكبر
[مقدمة الشيخ علي القاري]
{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [قرآن الكريم]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله واجب الوجود، ذي الكرم والفضل والجود، الأول القديم بلا ابتداء، والآخر الكريم بلا انتهاء، لم يزل ولا يزال صاحب نعوت الكمال، من صفات الجلال والجمال، المنزه عن سمات النقصان والحدوث والزوال؛ والصلاة والسلام على أكمل مظاهر الحق، في مرأى الخلق، نبي الرحمة، وشفيع الأمة، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى أتباعه وأشياعه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول أفقر العباد إلى بر ربه الباري ((علي بن سلطان محمد القاري))، عاملهما الله بلطفه الخفي، وكرمه الوفي:
اعلم أن علم التوحيد الذي هو أساس بناء التأييد، أشرف العلوم تبعا للمعلوم، لكن بشرط أن لا يخرج من مدلول الكتاب والسنة وإجماع العدول، ولا يدخل فيه مداخل مجردة لأدلة العقول، كما وقع فيه أهل البدعة، فتركوا طريق الجادة، التي عليها أهل السنة والجماعة، كما أخبر
الجزء 1 · صفحة 28
به الصادق، وفق الواقع المطابق وغيره: على ما رواه الترمذي أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((إن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفرق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا أعليه وأصحابي)) (¬1).
وفي رواية أحمد وأبي داود عن معاوية رضي الله عنه: ((ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة))، يعني أكثر أهل الملة، فإن أمته عليه الصلاة والسلام لا تجتمع على الضلالة، على ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام. وفي رواية: ((عليكم بالسواد الأعظم)). وعن سفيان رضي الله عنه: لو أن فقيها واحدا على رأس جبل لكان هو الجماعة، ومعناه أنه حيث قام بما قام به الجماعة، فكأنه جماعة، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل: 120]، أي وحده، وقد قيل:
¬
(¬1) إن بني إسرائيل افترقت). أخرجه: أبو داود، سنة 74 هـ؛ وأحمد (2003). ورواه الجماعة غير الشيخين، وقال الترمذي: حسن صحيح. انظر كشف الخفا (1/ 169). قال الشيخ خليل السهانفوري في بذل الجهود في حل أبي داود (18/ 117): التفرق المذموم: الواقع في أصول الدين: وأما اختلاف الأمة في فروعه فليس بمذموم بل هو من رحمة الله سبحانه؛ فإنك ترى أن الفرق المختلفة في فروع الدين كلهم يتحدون في الأصول ولا يضلل بعضهم بعضا. وأما المتفرقون في الأصول فيكفر بعضهم بعضا، ويضللون. وأما العدد فيحمل على الكثير، ولو نظر إلى جميعها من الأصول والفروع فإنها تزيد على المئات، وأما لو نظر إلى الأصول فيمكن أن يكون للتحديد، فإن الفرق المختلفة إن تشعبت شعبهم ما يزيد على هذا القدر بكثير، ولكن أصولهم يبلغون هذا العدد، فالأولى أن يقال: إن هذا العدد لا بد أن يوفى ويبلغ هذا القدر ولا ينقص منه، ولكن لو زاد على هذا العدد فلا مضايقة فيه. اهـ.
الجزء 1 · صفحة 29
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
وقد قال ابن عباس رضي الله عنه: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه، بأن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في العقبى، ثم قرأ هذه الآية: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123].
وأما ما وقع من كراهة أكثر السلف وجمع من الخلف، ومنعهم من علم الكلام وما يتبعه من المنطق وما يقربه من المرام، حتى قال الإمام أبو يوسف رحمه الله لبشر المريسي: (العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم)، وكأنه أراد بالجهل به اعتقاد عدم صحته، فإن ذلك علم نافع، أو أراد به الإعراض عنه، وترك الالتفات إلى اعتباره، فإن ذلك يصون علم الرجل وعقله، فيكون علما بهذا الاعتبار. وعنه أيضا: (من طلب العلم بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث فقد كذب). وقال الإمام الشافعي رحمه الله: (حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على كلام أهل البدعة)؛ وقال أيضا:
كل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث وإلا الفقه في الدين
العلم ما كان فيه قال حدثنا ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين
ومن كلامه أيضا: (لأن يلقى الله العبد بكل ذنب خلا الشرك، خير له من أن يلقاه بشيء من علم الكلام). وقال: (لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت مسلما يقوله). وذكر أصحابنا في الفتاوى: (أنه
الجزء 1 · صفحة 30
لو أوصى لعلماء بلده، لا يدخل المتكلمون، ولو أوصى إنسان أن يوقف من كتبه ما هو من كتب العلم، فأفتى السلف أنه يباع ما فيها من كتب الكلام). ذكر ذلك بمعناه في الفتاوى الظهيرية، وهو كلام مستحسن عند أرباب العقول، إذ كيف يرام الوصول إلى علم الأصول بغير اتباع ما جاء به الرسول.
ولله در القائل في هذا المقول:
أيها المغتدي لتطلب علما ... كل علم عبد لعلم الرسول
تطلب العلم كي تصحح أصلا ... كيف أغفلت علم أصل الأصول
وقد قال شيخ مشايخنا الجلال السيوطي: (إنه يحرم علوم الفلسفة كالمنطق، لإجماع السلف وأكثر المفسرين المعتبرين من الخلف، وممن صرح بذلك ابن الصلاح والنووي وخلق لا يحصون، وقد جمعت في تحريمه كتابا نقلت فيه نصوص الأئمة في الحط عليه. وذكر الحافظ سراج الدين القزويني من الحنفية في كتاب ألفه في تحريمه، أن الغزالي رجع إلى تحريمه بعد ثنائه عليه في أول ((المنتقى))، وجزم السلفي من أصحابنا وابن رشد من المالكية، بأن المشتغل به لا تقبل روايته). انتهى.
وقد فصل الإمام حجة الإسلام في ((إحياء العلوم)) هذا المرام حيث قال: (فإن قلت: فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم، أو هو مباح أو مندوب؟ فاعلم أن للناس في هذا غلوا وإسرافا في أطراف، فمن قائل: إنه بدعة وحرام، وإن العبد أن يلقى الله بكل ذنب سوى الشرك، خير له من أن يلقاه بالكلام. ومن قائل: إنه فرض، إما على الكفاية، وإما على الأعيان، وأنه أفضل العبادات، وأكمل القربات، فإنه تحقيق لعلم التوحيد، ونضال عن دين الله المجيد).
الجزء 1 · صفحة 31
قال: (وإلى التحريم ذهب الشافعي ومحمد ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أئمة الحديث من السلف رضي الله عنهم). وساق ألفاظا عن هؤلاء، وأنهم قالوا: (ما سكت عنه الصحابة ــ مع أنهم أعرف بالحقائق، وأفصح في ترتيب الألفاظ من سائر الخلائق ــ إلا لما يتولد منه الشر؛ ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ((هلك المتنطعون))، أي المتعمقون في البحث. واحتجوا أيضا بأن ذلك لو كان من الدين لكان أهم ما يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعلم طريقه ويثني على أربابه). ثم ذكر بقية استدلالهم.
ثم ذكر استدلال الفريق الآخر، إلى أن قال: (فإن قلت: فما المختار عندك؟) فأجاب بالتفصيل، فقال: (فيه منفعة، وفيه مضرة، فهو باعتبار منفعته في وقت الانتفاع حلال أو مندوب أو واجب كما يقتضيه الحال، وهو باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام). قال: (فأما مضرته فإثارة الشبهات وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم، وذلك مما يحصل بالابتداء، ورجوعه بالدليل المشكوك فيه وتختلف فيه الأشخاص، فهذا ضرره في اعتقاد المحق. وله ضرر في تأكيد اعتقاد المبتدعة وتثبيتها في صدورهم بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ولكن هذا الضرر بواسطة التعصب الذي يثور عن الجدل. وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق لديه ومعرفتها على ما هي عليه، وهيهات؛ فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل أكثر من الكشف والتعريف).
الجزء 1 · صفحة 32
قال: (وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا، فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة، وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخرى سوى نوع الكلام، وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود، ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور، ولكن على الندور). انتهى.
فإنما صدر هذا كله عنهم لأمور:
منها: ما فهم مما سبق في أثناء الكلام من أن سبب ذمهم عدولهم عن الأخذ بأصول الإسلام، واشتغالهم بما لا يعنيهم في مقام المرام. ومنها منازعتهم ومجادلتهم ولو كان على الحق، لانجراره غالبا إلى مخاصمتهم المؤدية إلى الأخلاق الفاسدة والأحوال الكاسدة، كما بينه حجة الإسلام الغزالي في الإحياء، فقد ذكر في ((غياث المفتي)) عن أبي يوسف: (إنه لا تجوز الصلاة خلف المتكلم وإن تكلم بحق؛ لأنه مبتدع، ولا تجوز خلف المبتدع).
وعرضت هذه الرواية على أستاذي فقال: تأويله أنه لا يكون غرضه إظهار الحق. والذي قاله أستاذي رأيته في تلخيص الزاهدي حيث قال: (وكان أبو حنيفة يكره الجدل على سبيل الحق، حتى روي عن أبي يوسف رحمه الله أنه قال: كنا جلوسا عند أبي حنيفة، إذ دخل عليه جماعة في أيديهم رجلان، فقالوا: إن أحد هذين يقول القرآن مخلوق، وهذا ينازعه ويقول هو غير مخلوق، قال: لا تصلوا خلفهما، فقلت: أما الأول فنعم؛ فإنه لا يقول بقدم القرآن، وأما الآخر فما باله لا يصلى خلفه؟
الجزء 1 · صفحة 33
فقال: إنهما يتنازعان في الدين، والمنازعة في الدين بدعة)، كذا في ((مفتاح السعادة)).
ولعل وجه ذم الآخر حيث أطلق؛ فإنه محدث إنزاله، وإنه مكتوب في مصاحفنا ومقروء بألسنتنا ومحفوظ في صدورنا.
وقال الشافعي رحمه الله: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم هو المسمى أو غير المسمى، فاشهد بأنه من أهل الكلام ولا دين له. وقال أيضا: لو علم الناس ما في هذا الكلام من الأهواء لفروا منه فرارهم من الأسد.
وقال ملك رحمه الله: لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء. فقال بعض أصحابه في تأويل ذلك: إنه أراد بأهل الأهواء أهل الكلام على أي مذهب كانوا.
ومنها: أنه يؤدي إلى الشك وإلى التردد، فيصير زنديقا بعد ما كان صديقا. فروي عن أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال: علماء الكلام زنادقة، وقال أيضا: لا يصلح صاحب الكلام أبدا، ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل. ولقد بالغ فيه حتى هجر الحارث بن أسد المحاسبي مع زهده وورعه بسبب تصنيفه كتابا في الرد على المبتدعة، وقال: ويحك ألست تحكي بدعتهم أولا، ثم ترد عليهم؟
الجزء 1 · صفحة 34
ألست تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة البدعة والتفكر في الشبه، فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث والفتنة؟.
هذا وفي كتاب الخلاصة: تعلم علم الكلام والنظر فيه والمناظرة وراء قدر الحاجة منهي عنه، وتعلم علم النجوم قدر ما يعلم به مواقيت الصلاة والقبلة لا بأس به والزيادة حرام، ثم تكلمه على الإنصاف لا يكره بلا تعنت واعتساف، وإن تكلم من يريد التعنت ويريد أن يطرحه لا يكره. قال: وسمعت القاضي الإمام (أبو زيد الدبوسي): إن أراد تخجيل الخصم يكفر؛ قال: وعندي لا يكفر، ويخشى عليه الكفر. انتهى كلام صاحب الخلاصة.
وخلاصة الكلام وسلالة المرام، أن العقائد الصحيحة وما يقويها من الأدلة الصريحة، كما تؤثر في قلوب أهل الدين وتثمر كمال الإيمان واليقين، كذلك العقائد الباطلة تؤثر في القلب وتقسيه، وتبعده عن حضور الرب وتوده وتضعف يقينه وتزلزل دينه، بل هي أقوى أسباب سوء الخاتمة، نسأل الله العفو والعافية.
ألا ترى أن الشيطان إذا أراد أن يسلب إيمان العبد بربه فإنه لا يسلبه منه إلا بإلقاء العقائد الباطلة في قلبه.
ومنها: الخوض في علم الكلام وترك العلم بأحكام الإسلام المستفادة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، حتى إن بعضهم يجتهد ثلاثين سنة ليصير كلاميا، ثم يدرس فيه ويتكلم بما يوافقه ويدفع ما ينافيه، ولو سئل عن معنى آية أو حديث أو مسئلة مهمة من الفروع المتعلقة بالطهارة والصلاة والصوم كان جاهلا عنها وساكتا فيها، مع أن جميع العقائد الثابتة
الجزء 1 · صفحة 35
موجودة في الكتاب قطعيا، وفي السنة ظنيا، ولذا قال الله تعالى: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ} [إبراهيم: 52]، أي القرآن كفاية لهم في الموعظة في أمر معاشهم ومعادهم، وقال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: 51]، أي القرآن تدوم تلاوته عليهم في كل مكان وزمان، مع علمهم بأنك أمي لا تكتب ولا تقرأ.
ومنها: أن مآل علم الكلام والجدل إلى الحيرة في الحال والضلال والشك في المآل، كما قال ابن رشد الحفيد، وهو من أعلم الناس بمذهب الفلاسفة ومقالاتهم في كتابه ((تهافت التهافت))، ومن الذي قال في الإلهيات شيئا يعتد به، وكذلك الآمدي أفضل أهل زمانه واقف في المسائل الكبار حائر.
وكذلك الغزالي انتهى آخر أمره إلى التوقف والحيرة في المسائل الكلامية، ثم أعرض عن تلك الطرق وأقبل على أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمات والبخاري على صدره.
وكذا الرازي قال في كتابه الذي صنفه في أقسام الذات:
نهاية إقدام العقول عقال ... وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
الجزء 1 · صفحة 36
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
ولقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريق القرآن. اقرأ في الإثبات: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]ــ وـ {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، واقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]ــ وـ {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] ثم قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
وكذا قال الشهرستاني رحمه الله: إنه لم يجد عن الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، حيث قال:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم
وكذا قال أبو المعالي الجويني: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به. وقال عند موته: لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، أو قال على عقيدة عجائز أهل نيسابور.
وكذا قال الخسروشاهي ــ وكان من أجل تلامذة فخر الدين الرازي ــ لبعض الفضلاء، ودخل عليه يوما: ما تعتقده؟ قال: ما يعتقده المسلمون. فقال: وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به؟ أو كما قال؟ فقال: نعم، فقال: اشكر الله على هذه النعمة، ولكني والله ما أدري ما أعتقد. وبكى حتى اخضل لحيته.
الجزء 1 · صفحة 37
وقال الخونجي عند موته: ما عرفت مما حصلته شيئا سوى أن الممكن مفتقر إلى المرجح، ثم قال: الافتقار وصف سلبي، أموت وما عرفت شيئا.
وقال آخر: أضطجع على فراشي وأضع الملحفة على وجهي وأقابل بين حجج هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجح عندي منها شيء؛ ومن يصل إلى مثل هذا الحال إن لم يتداركه الله بالرحمة والإقبال تزندق وساء له بالمآل؛ فالدواء النافع لمثل هذا المرض ما كان طبيب القلوب يتضرع به إلى علام الغيوب ويدعو بقوله: ((اللهم يا مقلب القلوب ثبتت قلبي على دينك))، وبقوله: ((اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة اهدني لما اختلفوا فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم))، وبقوله: ((لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)).
ومنها: أن القول بالرأي والعقل المجرد في الفقه والشريعة بدعة وضلالة، فأولى أن يكون ذلك في علم التوحيد، والصفات بدعة وضلالة، فقد قال فخر الإسلام علي البزودي في أصول الفقه: إنه لم يرد في الشرع دليل على أن العقل موجب، ولا يجوز أن يكون موجبا وعلة بدون الشرع، إذ العلل موضوعات الشرع، وليس إلى العباد ذلك، لأنه ينزع ــ أي يسوق ــ إلى الشركة، فمن جعله موجبا بلا دليل شرعا فقد جاوز حد العباد وتعدى عن حد الشرع على وجه العناد.
الجزء 1 · صفحة 38
ومنها: الإصغاء إلى كلام الحكماء وأتباعهم من السفهاء، حيث أعرضوا عن الآيات النازلة من السماء وخاضوا مع الجهلاء الذين يظن فيهم أنهم العقلاء والعلماء، وقد نبه الله تعالى على ذلك في كتابه حيث قال: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا} [الأنعام: 68]، أي بالتأويلات الفاسدة والتعبيرات الكاسدة {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68]، فإن معنى الآية يشملهم، إذ العبرة بعموم المبنى لا بخصوص السبب لذلك المعنى؛ والتأويلات الباطلة والتحريفات العاطلة قد تكون كفرا وقد تكون فسقا وقد تكون معصية وقد تكون خطأ، والخطأ في هذا الباب غير معفو ومرفوع، بخلاف الخطأ في اجتهاد الفروع حيث لا وزر هنالك، بل أجر يترتب على ذلك.
وبهذا تبين وجه الفرق بين اجتهاد أهل البدعة مع اختلافهم، وبين اجتهاد أهل السنة مع ائتلافهم، ويشير إليه قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: 26] {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82]، وفي الحديث: ((القرآن حجة لك أو عليك))، فهو كبحر النيل ماء للمحجوبين
الجزء 1 · صفحة 39
ودماء للمحبوبين؛ فالواجب على المسلمين أجمعين اتباع سيد المرسلين المطابق لما جاء به عقيدة سائر النبيين وعين التبيين للكتاب المبين.
وقد بين سبحانه أمره وعظم شأنه وقدره حيث أقسم بنفسه فقال: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
وأخبر أن المنافقين يريدون أن يتحاكموا إلى غيره، وأنهم إذا دعوا إلى الله: أي كتابه، ورسوله: أي حكمه، صدوا عنه صدودا: أي أعرضوا عنه إعراضا مبعودا، وأنهم يزعمون أنهم إنما أرادوا إحسانا وتوفيقا وإيقانا وتحقيقا، كما يقوله كثير من المتكلمين والمتفلسفة وغيرهم: إنما نريد أن
الجزء 1 · صفحة 40
نحسن الأشياء بالجمع بين كلام الأنبياء والحكماء، وكما يقوله كثير من المبتدعة من المتنسكة: إنما يريد الإحسان بالجمع بين الإيمان والإيقان، والتوفيق بين الشريعة والطريقة والحقيقة، ويدسون فيها دسائس مذاهبهم الباطلة، ومشاربهم العاطلة: من الحلول والاتحاد والاتصال والانفصال ودعوى الوجود المطلق، وأن الموجودات بأسرها عين الحق، ويتوهمون أنهم في مقام الجمعية، والحال أنهم في حال التفرقة وضلال الزندقة، وكما يتفوه كثير من المتملكة والمتأمرة: إنما نريد الإحسان بالسياسة الحسنة البديعة، والتوفيق بينهما وبين الشريعة.
فكل من طلب أن يحكم في شيء من أمر الدين غير ما ثبت عن النبي الأمين صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ويظن أن ذلك مستحسن في باب اليقين، وأن ذلك جامع بين ما جاء به الرسول وبين ما يخالفه من المعقول، فله نصيب من ذلك، وحرام عليه الترقي إلى ما هنالك؛ إذ ما جاء به الرسول كاف شاف كامل، تبين فيه حكم كل حق وباطل. قال الله تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42].
وهذه كانت طريقة السابقين الأولين، وهي طريقة التابعين ومن بعدهم من الأئمة المجتهدين وأكابر المفسرين وأعاظم المحدثين وعمدة الصوفية
الجزء 1 · صفحة 41
المتقدمين، كداود الطائي، والمحاسبي، والسري السقطي، ومعروف الكرخي، والجنيد البغدادي؛ والمتأخرين كأبي نجيب
الجزء 1 · صفحة 42
السهروردي صاحب عوارف المعارف، والشيخ عبد القادر الجيلاني، وأبي القاسم القشيري ... إلى أن خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، وقد آن أن نشرع في المقصود بعون الملك المعبود.
الجزء 1 · صفحة 43
بسم الله الرحمن الرحيم
.......................................................
•---------------------------------•
قال الإمام الأعظم والهمام الأفخم الأقدم قدوة الأنام، أبو حنيفة الكوفي رحمه الله في كتابه المسمى بـ ((الفقه الأكبر))، المشار به إلى أنه ينبغي أن يكون الاهتمام به هو الأكثر، لأنه مدار الإيمان، ومبنى صحة الأركان، ومعنى غاية الإحسان ونهاية العرفان، بعد البسملة المشتملة على مضمون الحمدلة، إخبارا في المبنى وإنشاء في المعنى، لله الجامع للصفات الحسنى والنعوت العليا، ولذا روى هشام عن محمد بن الحسن قال: سمعت أبا حنيفة رحمه الله يقول: اسم الله الأعظم هو الله، وبه
الجزء 1 · صفحة 44
.........................................................................
•---------------------------------•
قال الطحاوي وأكثر العارفين حتى إنه لا ذكر عندهم لصاحب مقام فوق الذكر به، وهو علم مرتجل من غير اعتبار أصل أخذ منه كما عليه الأكثرون، منهم أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، والشافعي،
الجزء 1 · صفحة 45
......................................................................
•---------------------------------•
والخليل، والزجاج، وابن كيسان، والحليمي، وإمام الحرمين، والغزالي والخطابي ... وغيرهم.
الجزء 1 · صفحة 46
أصل التوحيد ......................
•---------------------------------•
[أصل التوحيد وما يصح الإعتقاد عليه]
(أصل التوحيد)، أي هذا الكتاب أساس معرفة توحيد الحق على وجه الصواب.
حكي عن أبي حنيفة رحمه الله أن قوما من أهل الكلام أرادوا البحث معه في تقرير توحيد الربوبية، فقال لهم: أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام والمتاع وغيره بنفسها وتعود بنفسها فترسي بنفسها وتتفرغ بنفسها وترجع، كل ذلك من غير أن يدبرها أحد، فقالوا: هذا محال لا يمكن أبدا، فقال لهم: إذا كان محالا في سفينة، فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟ انتهى. وما أحسن قول العارف إبراهيم الخواص في هذا المعنى:
لقد وضح الطريق إليك حقا ... فما أحد أرادك يستدل
وكذا قول الآخر من هذا المبنى والمعنى:
لقد ظهرت فلا تخفى على أحد ... إلا على أكمه لا يعرف القمرا
ولقد أحسن أبو العتاهية في قوله:
فواعجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكة ... وتسكينة أبدا شاهد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
الجزء 1 · صفحة 47
...................................................................
•---------------------------------•
أقول: فابتداء كلامه سبحانه وتعالى في الفاتحة بالحمد لله رب العالمين، يشير إلى تقدير توحيد الربوبية المترتب عليه توحيد الألوهية المقتضي من الخلق تحقيق العبودية، وهو ما يجب على العبد أولا من معرفة الله سبحانه وتعالى. والحاصل أنه يلزم من توحيد العبودية توحيد الربوبية دون العكس في القضية لقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزمر: 38]، وقوله سبحانه حكاية عنهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3].
بل غالب سور القرآن وآياته متضمنة لنوعي التوحيد، بل القرآن من أوله إلى آخره في بيانهما وتحقيق شأنهما.
فإن القرآن:
إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري.
الجزء 1 · صفحة 48
.......................................................................
•---------------------------------•
وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي.
وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته، فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته.
وإما خبر عن إكرامه لأهل التوحيد وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في العقبى، فهو جزاء توحيده.
وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب والسلاسل والأغلال، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد.
فالقرآن كله في التوحيد وحقوق أهله وثنائهم، وفي شأن ذم الشرك وعقوق أهله وجزائهم؛ فالحمد لله رب العالمين، توحيد الرحمن الرحيم، توحيد مالك يوم الدين، توحيد إياك نعبد وإياك نستعين، توحيد اهدنا الصراط المستقيم، توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، الذي فارقوا التوحيد عنادا وجهلا وإفسادا.
وكذا السنة تأتي مبينة ومقررة لما دل عليه القرآن، فلم يحوجنا ربنا سبحانه وتعالى إلى رأي فلان وذوق فلان ووجد فلان في أصول ديننا، ولذا نجد من خالف الكتاب والسنة مختلفين مضطربين، بل قال الله
الجزء 1 · صفحة 49
وما يصح الاعتقاد عليه ........................................................
•---------------------------------•
تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، فلا نحتاج في تكميله إلى أمر خارج عن الكتاب والسنة، كما قال الله تعالى: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ} [إبراهيم: 52]، وقال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: 51]، وقال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].
وإلى هذا المعنى أشار الطحاوي بقوله في أول عقيدته: لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلمه الله عز وجل.
(وما يصح الاعتقاد عليه)، أي وما يصح اعتماد الاعتقاد عليه في هذا الباب، وهذا معنى قوله: الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها؛ وقد أعرض الإمام عن بحث الوجود اكتفاء بما هو ظاهر في مقام الشهود؛ ففي التنزيل: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم: 10] {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25]، فوجود الحق ثابت في فطرة الخلق كما يشير إليه قوله سبحانه وتعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30]، ويومئ إليه حديث: ((كل مولود يولد على فطرة الإسلام)).
الجزء 1 · صفحة 50
...........................................................................
•---------------------------------•
وإنما جاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لبيان التوحيد وتبيان التفريد، ولذا أطبقت كلمتهم وأجمعت حجتهم على كلمة: لا إله إلا الله، ولم يؤمروا بأن يأمروا أهل ملتهم بأن يقولوا: الله موجود، بل قصدوا إظهار أن غيره ليس بمعبود ردا لما توهموا وتخيلوا حيث قالو: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] و {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، على أن التوحيد يفيد الوجود مع مزيد التأييد.
ثم العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع الذي هو الأصل وإن كانت مما يستقل فيه العقل وإلا فعلم إثبات الصانع وعلمه وقدرته لا تتوقف من حيث ذاتها على الكتاب والسنة، ولكنها تتوقف عليهما من حيث الاعتداد بها؛ لأن هذه المباحث إذا لم يعتبر مطابقتها للكتاب والسنة كانت بمنزلة العلم الإلهي للفلاسفة، فحينئذ لا عبرة بها على ما ذكره المحققون؛ فمن الآيات الدالة على وجوده وظهور فضله وقدرته وحكمته وجوده قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164].
فمن أدار نظره في عجائب هذه المذكورات من خلق الأرضين
الجزء 1 · صفحة 51
...........................................................................
•---------------------------------•
والسموات، وبدائع فطرة الحيوانات والنباتات، وسائر ما اشتملت عليه الآيات الآفاقية والأنفسية كقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 12 - 14]، وقد قال الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53].
وفي كل شيء له شاهد ... يدل على أنه واحد
ألجأه ذلك إلى الحكم بأن هذه الأمور العجيبة مع هذه التراتيب المحكمة الغريبة لا يستغني كل منها عن صانع أوجده من العدم، وعن حكيم رتبه على قانون أودع فيه فنونا من الحكم، وعلى هذا درج كل العقلاء إلا من لا عبرة بمكابرته كبعض الدهرية من السفهاء.
وإنما كفر بعضهم بالإشراك حيث دعوا مع الله إلها آخر، كعبدة الأصنام وسائر الوثنيين من الأنام، وبعضهم ينسب بعض الحوادث إلى غيره تعالى، كالمجوس ينسبون الشر إلى ظلمة أهرمن وهو الشيطان،
الجزء 1 · صفحة 52
.........................................................................
•---------------------------------•
والخير إلى نور الرحمن، وكبعض الوثنيين من العوام ينسبون بعض الآثار إلى الأصنام، كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم بقوله: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود: 54]، وكالصابئين وبعض المنجمين حيث ينسبون بعض الآثار إلى الكواكب لما فيها من الأنوار، سبحانه وتعالى عما يشركون؛ وبعضهم بإنكار ما جعل الله سبحانه إنكاره كفرا، كالبعث وإحياء الموتى في دار القرار.
وهذا المقدار كاف لأولي الأبصار، ولذا أعرضنا عن المقدمات العقلية التي رتبها النظار على سبيل الاستظهار؛ ومجمله أن العالم حادث بمعنى محدث وجد بعد العدم، وهو محتاج إلى محدث موصوف بصفة القدم، وذلك المحدث الموجد هو الله سبحانه كما يشير إليه قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62]، وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الأعراف: 54]، فمن قال بقدم العالم فهو كافر.
الجزء 1 · صفحة 53
يجب أن يقول: آمنت بالله، .....................................................
•---------------------------------•
[يجب على المكلف أن يقول: آمنت بالله، وملائكته وكتبه ورسله]
ثم لما ثبت انتهاء الموجودات إلى واجب الوجود لذاته والعدم على الواجب ممتنع؛ لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه لزم كونه أزليا أبديا، فهو قديم لا أول لوجوده، وباق لا آخر لشهوده، فيرجع معنى القدم والبقاء في حقه سبحانه وتعالى إلى الصفات السلبية، وإن عدهما بعضهم في النعوت الثبوتية؛ لأن معنى البقاء في حقه سبحانه وتعالى نفي عدم لاحق في الأبد، كما أن القدم عبارة عن نفي عدم سابق في الأزل فيرجع معناهما إلى نفي العدم، ولذا قال التوربشتي في معتقده: إن الموجود والقديم من أسماء الذات.
قال الإمام الأعظم: (يجب)، أي يفرض فرضا عينيا بعد ما يحصل علميا يقينيا (أن يقول)، أي المكلف بلسانه المطابق لما في جنانه (آمنت بالله)، وفيه إشعار بأن الإقرار له اعتبار على خلاف في أنه شطر للإيمان، إلا أنه في بعض الأحيان، أو شرط لإجراء أحكام الإيمان،
الجزء 1 · صفحة 54
وملائكته، ........................................................................
•---------------------------------•
كما هو مقرر عند الأعيان، وهو المروي عن الإمام، وإليه ذهب الماتريدي، وهو الأصح عند الأشعري، ويؤيده قوله تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22].
وقال البزدوي: من صدق بقلبه وترك البيان من غير عذر لم يكن مؤمنا. وهذا مذهب المحققين من الفقهاء؛ وفي كلامه إشارة إلى عدم اشتراط لفظ أشهد، حيث لم يقل يجب أن يشهد بأني آمنت بالله، خلافا لمن شرطه من الشافعية مستدلين بقوله عليه الصلاة والسلام: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله))، مع أنه جاء في رواية أخرى: ((حتى يقولوا لا إله إلا الله))، والمعنى صدقت معترفا بوجود الله سبحانه وتعالى وتوحده في ذاته وتفرده في صفاته.
(وملائكته): بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، وأنهم معصومون ولا يعصون الله ومنزهون عن صفة الذكورية ونعت الأنوثية، وقد أنكر الله في كتابه على من قال إنهم بنات الله، حيث
الجزء 1 · صفحة 55
وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، ............................
•---------------------------------•
[الإيمان بالبعث بعد الموت]
قال: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف: 19]، وقال أيضا: {أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [الصافات:153، 154].
وذكر في جواهر الأصول أن الملائكة ليس لهم حظ من نعيم الجنان ولا من رؤية الرحمن، كذا في شرح القونوي لعمدة النسفي، وذكر أيضا أنهم أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة، أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، مسكنهم السموات، أي مسكن معظمهم، قال: وهذا قول أكثر المسلمين.
(وكتبه): أي المنزلة من عنده كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان وغيرها من غير تعيين في عددها.
(ورسله): أي جميع أنبيائه، أعم من أنه أمر بتبليغ الرسالة أم لا.
وظاهر كلام الإمام ترادف النبي والرسول كما اختاره ابن الهمام، إلا أن الجمهور على ما قدمناه من أن الرسول أخص من النبي في تحقيق المرام، ولا نعين عددا لئلا يدخل فيهم من ليس منهم أو يخرج منهم من هو منهم.
والترتيب بين الثلاثة باعتبار أن الملائكة يأتون بالكتب إلى الرسل، وإلا فالكتب أفضل من الملائكة بالإجماع فإنها كلام الله من غير نزاع.
(والبعث): أي الحياة (بعد الموت) قيد يفيد أن المراد به الإعادة بعد فناء هيئة البداية، لا بعث الأنبياء إلى الخلق وإن كان مما يجب
الجزء 1 · صفحة 56
..............................................................................
•---------------------------------•
الإيمان به أيضا، ودليله قوله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُون} [المؤمنون: 16]، وقوله سبحانه: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79] .. إلى غير ذلك من النصوص القاطعة والأدلة اللامعة.
قال في المقاصد: وبالجملة، فالإيمان بالحشر من ضروريات الدين وإنكاره كفر باليقين.
فإن قيل: هذا قول بالتناسخ وهو انتقال الروح من بدن إلى بدن فإن البدن الثاني ليس هو الأول، لما ورد في الحديث: ((إن أهل الجنة جرد مرد، وإن الجهنمي ضرسه مثل أحد))، ولأجل هذا المعنى ــ وهو أن القول بالمعاد وحشر الأجساد قول بالتناسخ ــ قال جلال الدين الرومي رحمه الله: ما من مذهب إلا وللتناسخ فه قدم راسخ.
فالجواب أنه إنما يلزم التناسخ لو لم يكن البدن الثاني مخلوقا من
الجزء 1 · صفحة 57
............................................................................
•---------------------------------•
الأجزاء الأصلية للبدن الأول وإن سمي مثل ذلك تناسخا كان نزاعا في مجرد الاسم وتحقيق الرسم، على أن التناسخ عند أهله هو رد الأرواح إلى الأشباح في الدنيا لا في الأخرى، فإنهم ينكرون الجنة والنار وسائر أمور العقبى، ولذا كفروا.
لا يقال قوله تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء: 56]، يفيد أن يكون المثاب والمعاقب باللذات الحسية والآلام الجسمية غير من عمل الطاعة وارتكب المعصية. لأنا نقول: العبرة في ذلك بالإدراك، وإنما هو الروح ولو بواسطة الآلات وهو باق بعينه، وكذا الأجزاء الأصلية من البدن، ولذا يقال لمن رؤي حال سن الصبا في الشيخوخة: إنه هو بعينه وإن بدلت الصور والهيئات، بل كثير من الأعضاء والآلات، ولا يقال لمن جنى في الشباب فعوقب في المشيب إنه عقوبة لغير الجاني، فكبر ضرس الكافر بمنزلة ورم أعضائه.
وفي شرح المواقف: الأجزاء الأصلية، هي الأجزاء الباقية من أول العمر إلى آخره. قال بعض الأفاضل: الأجزاء الأصلية هي الأجزاء الحاصلة في أول الفطرة، وهي وقت تعلق الأرواح بالأشباح.
الجزء 1 · صفحة 58
.............................................................................
•---------------------------------•
وبما ذكرنا من اعتبار الأجزاء الأصلية في الحشر سقط ما قالوا في نفي الحشر، بمعنى جمع الأجزاء أيضا، على أن الحشر أولا لا يكون إلا بجمع الأجزاء من أول العمر إلى آخره، وتحقيقا لمعنى الإعادة، كما ورد أنه سبحانه وتعالى يعيد القلفة والأجزاء المقطعة من الظفر والشعر والأجزاء المقلعة من السن وأمثال ذلك؛ ثم إنه سبحانه وتعالى يبقي ما أراده ويعدم ما أراده على ما تعلقت به المشيئة في الكمية والكيفية والهيئة.
ثم اعلم أنه سبحانه وتعالى كما يحيي العقلاء يحيي المجانين والصبيان والجن والشياطين والبهائم والحشرات والطيور للأخبار الواردة في ذلك. وأما السقط الذي لم تتم أعضاؤه هل يحشر؟ فروي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه إذا نفخ فيه الروح يحشر وإلا فلا، وهو الظاهر؛ لأن المذهب المختار عند الأبرار: هو الحشر المركب من الروح والجسد. وقول القونوي: والذي يقتضي مذهب علمائنا أنه إذا كان استبان بعض خلقه يحشر ــ وهو قول الشعبي وابن سيرين ــ مدفوع بأن هذا الحكم حكم فقهي يترتب عليه بعض الأمور الدنيوية ولا تقاس عليه الأحوال الأخروية.
الجزء 1 · صفحة 59
والقدر خيره وشره من الله تعالى، ............................................
•---------------------------------•
[الإيمان بالقضاء والقدر]
(والقدر): أي وبالقضاء والقدر (خيره وشره) أي نفعه وضره وحلوه ومره حال كونه (من الله تعالى) فلا تغيير للتقدير، فيجب الرضاء بالقضاء والقدر؛ وهو تعيين كل مخلوق بمرتبته التي توجد من حسن وقبح ونفع وضر، وما يحيط به من مكان وزمن، وما يترتب عليه من ثواب أو عقاب.
ولعل الإمام الأعظم رحمه الله عدل عن الإيمان الإجمالي المشتمل عليه كلمتا الشهادة تبعا له صلى الله عليه وسلم حيث أجاب سؤال جبرائيل عليه السلام عن الإيمان بهذا المقدار من البيان، إلا أن الإمام الأعظم رحمه الله عبر عن اليوم الآخر بمبدئه من البعث بعد الموت ليشمل حال البرزخ والموقف.
ثم رأيت في نسخة صحيحة أنه جمع بين قوله واليوم الآخر، والبعث بعد الموت؛ فتعين أن يراد حينئذ من البعث بعد الموت هو
الجزء 1 · صفحة 60
والحساب، والميزان، والجنة، والنار، حق كله.
والله تعالى واحد، لا من طريق العدد، ولكن من طريق أنه لا شريك له {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1 - 4] ....................
•---------------------------------•
الإحياء في القبر، أو أراد باليوم الآخر جميع أحوال القيامة وما بعدها من المثوبة والعقوبة، ثم خص منها البعث للحشر والنشر، فإنه أول ما فيه نزاع أهل الكفر، ولأنها تشتمل على أصول الإيمان التفصيلي، فأراد بذلك أن ينبهك في أول كتابه إجمالا على ما أراد بيانه فيه تفصيلا وإكمالا؛ كما أنه أجمل بقوله: والبعث بعد الموت أولا، ثم ذيله بقوله آخرا: (والحساب والميزان والجنة والنار حق كله) وكذا الصراط والحوض وغيرهما من مواقف القيامة على ما سيأتي بيانها ويرد برهانها.
[الله تعالى واحد، لا من طريق العدد]
ثم الإمام الأعظم أوضح معنى التوحيد بظهور المرام حيث قال: (والله تعالى واحد)، أي في ذاته (لا من طريق العدد)، أي حتى لا يتوهم أن يكون بعده أحد (ولكن من طريق أنه لا شريك له)، أي في نعته السرمدي لا في ذاته ولا في صفاته، ولا نظير له ولا شبيه له كما سيأتي في كلامه النبيه تنبيه على هذا التنزيه.
وكأنه استفاد هذا المعنى من سورة الإخلاص على صورة الاختصاص. (قل هو الله أحد)، أي متوحد في ذاته متفرد بصفاته. (الله الصمد)، أي المستغني عن كل أحد والمحتاج إليه كل أحد. (لم يلد ولم يولد)، أي ليس بمحل الحوادث ولا بحادث. (ولم يكن له كفوا أحد)، أي ليس له أحد مماثلا ومجانسا ومشابها ومؤانسا، وفيه رد على كفار مكة
الجزء 1 · صفحة 61
...........................................................................
•---------------------------------•
حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وعلى اليهود حيث قالوا: عزير ابن الله، وعلى النصارى حيث قالوا: المسيح ابن الله وأن أمه صاحبة له.
وفي التنزيل حكاية عن مؤمنين الجن: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} [الجن: 3]: أي بطريق المجاز، إذ على سبيل الحقيقة محال ذلك على الملك المتعال.
والحاصل أن صانع العالم واحد إذ لا يمكن أن يصدق مفهوم واجب الوجود إلا على ذات واحدة متصفة بنعوت متعددة كما يستفاد من قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] ببرهان التمانع.
وتقريره أنه لو أمكن إلهان لأمكن بينهما تمانع، بأن يريد أحدهما سكون زيد والآخر حركته، لأن كلا منهما في نفسه أمر ممكن، وكذا تعلق الإرادة بكل منهما ممكن في نفسه أيضا، إذ لا تضاد بين الإرادتين بل بين المرادين، فحينئذ إما أن يحصل الأمران فيجتمع الضدان أو لا، فيلزم عجز أحدهما وهو أمارة الحدوث والإمكان، لما فيه من شائبة الاحتياج، فالتعدد مستلزم لإمكان التمانع المستلزم للمحال فيكون محالا.
وهذا تفصيل ما يقال: إن أحدهما إن لم يقدر على مخالفة الآخر لزم عجزه، وإن قدر لزم عجز الآخر؛ وبما ذكرنا يندفع ما يقال إنه يجوز أن يتفقا من غير تمانع.
وأما قول العلامة التفتازاني: الآية حجة إقناعية، أي يظن في أول
الجزء 1 · صفحة 62
............................................................................
•---------------------------------•
الأمر أنها حجة ويزول ذلك عند تحقق المعرفة، والملازمة عادية على ما هو اللائق بالخطابيات، فإن العادة جارية بوجود التمانع والتغالب عند تعدد الحاكم على ما يشير إليه قوله تعالى: {وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون: 91]، فالمحققون كالغزالي وابن الهمام والبيضاوي ما قنعوا بالإقناعية وجعلوها من الحقائق القطعية، بل قيل يكفر قائلها، والمسألة مستوفاة في الكتب الكلامية.
ثم اعلم أن (لو) في هذه الآية ليست لانتفاء الثاني في الماضي بسبب انتفاء الأول كما هو أصل اللغة، بل للاستدلال بانتفاء الجزاء على انتفاء الشرط من غير دلالة على تعين زمان، فإنه قد يستعمل بهذا المعنى في بعض المبنى.
الجزء 1 · صفحة 63
لا يشبه شيئا من الأشياء من خلقه، .......................................
•---------------------------------•
[ولا يشبه الله تعالى شيء من خلقه]
(لا يشبه شيئا من الأشياء من خلقه)، أي مخلوقاته، وهذا لأنه تعالى واجب الوجود لذاته، وما سواه ممكن الوجود في حد ذاته؛ فواجب الوجود هو الصمد الغني الذي لا يفتقر إلى شيء ويحتاج كل ممكن إليه في إيجاده وإمداده؛ قال الله تعالى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38]. فإذا وجوده عين ذاته وصفاته ليست عين ذاته خلافا للفلاسفة، ولا غير ذاته كما تقول المعتزلة، ولا حادثة كما تقوله الكرامية؛ بخلاف المخلوقين فإن صفاتهم غير ذاتهم عند الكل.
والحاصل أن الفلاسفة والمعتزلة نفوا الصفات احترازا عن تعدد القدماء، وكذا الأشاعرة (¬1) حيث ذهبوا إلى نفي غيريتها وعينيتها في تحقيق الأسماء.
¬
(¬1))) الأشاعرة نفوا عينيتها وغيريتها، فلو قيل: إن صفات الله تعالى هي عين ذاته جل جلاله تعطلت ذات الله تعالى عن الصفات. ولو قيل إن الصفات غير الله تعالى لجاز أن تكون الصفات عرضا تكون وقد نزول والعياذ بالله، بل يقال: صفات الله تعالى معان قائمة بذات الله تعالى قديمة بقدمه تعالى وباقية ببقائه جل جلاله. قال الإمام في الطحاوية: ما زال بصفاته قديما قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا، ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداثه البرية استفاد اسم البارئ. بيان السنة والجماعة لأبي جعفر الطحاوي، رحمه الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 64
ولا يشبهه شيء من خلقه؛ .................................
•---------------------------------•
(ولا يشبهه شيء من خلقه)، تأكيدا لما قبله وتقرير لما قدمه وهو مستفاد من قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، أي كذاته أو صفاته، أو لأن نفي مثل المثل مستلزم لنفي المثل بطريق البرهان كما حققه بعض الأعيان، ولا نقول بزيادة (الكاف) أو (المثل)، لأن المثل المطلق هو المساوي من جميع الوجوه.
وفي شرح القونوي قال نعيم بن حماد: من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به ونفسه فقد كفر.
الجزء 1 · صفحة 65
........................................................
•---------------------------------•
وقال إسحاق بن راهويه: من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم. وقال: علامة جهم وأصحابه: دعواهم على أهل السنة والجماعة وما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة بل هم المعطلة، ولذا قال كثير من أئمة السلف: علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة المشبهة، فإنه ما من أحد من نفاة شيء من الأسماء والصفات إلا يسمي المثبت لها مشبها، حتى بعض المفسرين كعبد الجبار والزمخشري وغيرهما من المعتزلة والرافضة يسمون كل من أثبت شيئا من الصفات، أو قال برؤية الذات مشبها، والمشهور عند الجمهور
الجزء 1 · صفحة 66
لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته الذاتية والفعلية.
•---------------------------------•
من أهل السنة والجماعة أنهم لا يريدون بنفي التشبيه نفي الصفات، بل يريدون أنه سبحانه لا يشبه المخلوق في أسمائه وصفاته وأفعاله كما بينه الإمام بيانا شافيا.
شرح الصفات الذاتية وبيان مسمياتها
(لم يزل)، أي فيما مضى (ولا يزال)، أي فيما يبقى (بأسمائه)، أي منعوتا بأسمائه (وصفاته الذاتية) كالعلم والحياة والكلام، وهي قديمة بالاتفاق (والفعلية) (¬1)، أي موصوفا بصفاته الفعلية كالخلق والرزق ونحوهما؛ فمذهب الماتريدي أنها قديمة، ومذهب الأشاعرة أنها حادثة، والنزاع لفظي عند أرباب التدقيق كما يتبين عند التحقيق.
وبيانه أن واجب الوجود لذاته واجب الوجود من جميع جهاته كأسمائه وصفاته، والمعنى أنه ليست له صفة منتظرة ولا حالة متأخرة، إذ ليست ذاته محلا للأعراض، فإن ذاته كافية في حصول جميع ما له من
¬
(¬1))) الصفات الذاتية والفعلية: الصفات الذاتية ما يوصف الله تعالى بها ولا يجوز أن يتصف بضدها كالحياة والعلم والقدرة. الصفات الفعلية ما يوصف الله بها ويوصف بضدها وتجمعها صفة التكوين، مثل كونه سبحانه محييا، مميتا، رازقا مانعا. والماتريدية قالوا: إنها كلها قديمة بقدم الله تعالى، وقالت الأشاعرة هي حادثة، لأنها تكون بلفظ (كن). قال العلماء: والخلاف لفظي. قال البخاري في كتاب التوحيد ــ مما يوافق قول الماتريدية ــ من صحيحه، باب ما جاء في تخليق السموات والأرض وغيرهما من الخلائق وهو فعل الرب تبارك وتعالى وأمره فالرب بصفاته وفعله وأمره، وهو الخالق المكون غير مخلوق. وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون.
الجزء 1 · صفحة 67
أما الذاتية فالحياة والقدرة .................................................
•---------------------------------•
الصفات والحالات التي بها تتم الأعراض، ولأنه لو لم تكن ذاته كافية في حصول ذلك لكانت محتاجة إلى ظهور الغير هنالك، وكل محتاج إلى الغير فهو ممكن الوجود، وقد ثبت أنه واجب الوجود، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15]، أي غني بذاته وصفاته عن ظهور مصنوعاته، وهو حميد بنعوته وأسمائه سواء حمده أو لم يحمده أحد من سواه؛ فهو منزه عن التغير والانتقال، بل لا يزال في نعوته الفعلية منزها عن الزوال، وفي صفاته الذاتية مستغنيا عن الاستكمال، ولا يلزم من حدوث متعلقات هذه الصفات حدوث الصفات كالمخلوق والمرزوق والمسموع والمبصر وسائر الكائنات وجميع المعلومات.
(أما الذاتية)، أي الإجماعية:
(فالحياة) وهي صفة أزلية تقتضي صحة العلم لموصوفها.
(والقدرة)، أي وكذا صفة القدرة صفة أزلية تؤثر في المقدورات عند
الجزء 1 · صفحة 68
والعلم، ..........................................................................
•---------------------------------•
تعلقها بها. والمعنى أن الله تعالى حي بحياته التي هي صفته الأزلية الأبدية، وقادر بقدرته التي هي صفته الأزلية السرمدية. والمعنى أنه إذا قدر على شيء فإنما يقدر عليه بقدرته القديمة لا بالقدرة الحادثة كما توجد للأشياء الممكنة، فهو الحي القيوم، أي القائم بذاته المقيم لموجوداته، وأنه يحيي الموتى من العدم بداية، ومن بعد إماتتهم إعادة وهو على كل شيء قدير، حيث خلق الخلق وأعطاهم الحياة والقدرة والرزق. ومعنى كونه قادرا: أن يصح منه إيجاد العالم وتركه.
(والعلم)، أي من الصفات الذاتية، وهي صفة أزلية تنكشف المعلومات عند تعلقها بها، فالله تعالى عالم بجميع الموجودات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في العلويات والسفليات، وأنه تعالى يعلم الجهر والسر وما يكون أخفى منه من المغيبات، بل أحاط بكل شيء علما من الجزئيات والكليات والموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، فهو بكل شيء عليم من الذوات والصفات بعلم قديم لم يزل موصوفا به على وجه الكمال، لا بعلم حادث حاصل في ذاته بالقبول والانفعال والتغير والانتقال، تعالى الله عن ذلك شأنه وتعظم عما هناك برهانه.
قال الإمام عبد العزيز (¬1) المكي صاحب الإمام الشافعي وجليسه في
¬
(¬1))) (قال عبد العزيز): أي في كتاب (الحيدة) في المناظرة الكبرى مع القاضي ابن أبي دؤاد، وهو: عبد العزيز بن محمد بن سالم المكي المتوفى سنة 240 هـ. لكن يظهر في المناظرة التروي، والتصنع لاستحضار الحجج في مجابهة الخصم. لذا قال الذهبي: لم يصح إسناد كتاب (الحيدة) إلى عبد العزيز فكأنه وضع عليه. الميزان 2/ 639. وتمام الكلام على الكتاب في تعليق العلامة الشيخ محمد عوامة على تقريب التهذيب ص 359.
الجزء 1 · صفحة 69
............................................................................
•---------------------------------•
كتابه الذي حكى فيه مناظرته لبشر المريسي عند المأمون حين سأله عن علمه تعالى، فقال بشر: أقول: لا يجهل، فجعل يكرر السؤال عن صفة العلم تقريرا له، فقال الإمام عبد العزيز: نفي الجهر لا يكون صفة مدح، فإن هذه الأسطوانة لا تجهل، وقد مدح الله تعالى الأنبياء والملائكة والمؤمنين بالعلم لا بنفي الجهل، فمن أثبت العلم فقد نفى الجهل، ومن نفى الجهل لم يثبت العلم، وعلى الخلق أن يثبتوا ما أثبته الله تعالى لنفسه وينفوا ما نفاه ويمسكوا عما أمسك عنه.
وقد قال الله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]، وقال أيضا: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59]، وقال: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى} [الأنعام: 60]، ثم في قوله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك: 14] إيماء إلى أن من المخلوقات ما هو عالم والعلم صفة كمال، ويمتنع أن لا يكون الخالق عالما.
فهو كما قال الطحاوي: لم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم وعلم
الجزء 1 · صفحة 70
والكلام، ............................................
•---------------------------------•
ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، بل كما قال بعض المحققين من أنه سبحانه وتعالى يعلم ما كان من بدء المخلوقات وما يكون من أواخر الموجودات لقوله تعالى: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1]، وما لم يكن أن لو كان كيف كان يكون، كما قال الله تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال: 23]، وكما قال أيضا: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام: 28]، وإن كان يعلم أنهم لا يردون ولكن أخبر أنهم لو ردوا لعادوا إليه، وفي ذلك رد على الرافضة والقدرية الذين قالوا إنه لا يعلم الشيء قبل أن يخلقه ويوجده.
[صفة الكلام واختلاف العلماء فيه]
(والكلام)، أي من الصفات الذاتية، فإنه سبحانه متكلم بكلامه الذي هو صفته الأزلية المعبر عنها بالنظم المسمى بالقرآن المركب من الحروف، وذلك أن كل من يأمر وينهى ويخبر بخبر، يجد من نفسه معنى ثم يدل عليه بالعبارة أو الكتابة أو الإشارة. وهو غير العلم؛ إذ قد يخبر الإنسان عما لا يعلمه بل يعلم خلافه، وغير الإرادة؛ لأنه قد يأمر بما لا يريده كمن أمر عبده قصدا إلى إظهار عصيانه وعدم امتثاله لأوامره، ويسمى هذا الكلام نفسيا كما أخبر الله عز وجل عن هذا المرام بقوله:
الجزء 1 · صفحة 71
............................................................................
•---------------------------------•
{وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [المجادلة: 8]
وفي شعر الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وقال عمر رضي الله عنه: إني زورت في نفسي مقالة.
والدليل على ثبوت الكلام إجماع الأمة من الأئمة الأعلام وتواتر النقل عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بأن أوحى إليهم بيان الأحكام، إلا أن كلامه ليس من جنس الحروف (¬1) والأصوات، والله تعالى متكلم آمر
¬
(¬1))) (ليس من جنس الحروف): لم يصح حديث في نسبة الصوت إلى كلام الله تعالى. وقد جاء في حديث مختلف في بعض رواته وهو عبد الله بن عقيل، روى البخاري حديثه بصيغة التمريض تعليقا بغير إسناد متصل، فقال: ويذكر ... وفيه: فينادى ــ بفتح الدال ــ بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان. قال ابن حجر: لأن لفظ الصوت لا يتوقف في إثبات نسبته إلى الله تعالى فيحتاج إلى تأويل، ولا يكفي فيه مجيء الحديث من طرق مختلف فيها ولو اعتضدت 1/ 142. وانظر: إيضاح الدليل، لابن جماعة، مع التعليق لكاتب هذه التعليقات، ص ... ، والطحاوية والفقه الأكبر.
الجزء 1 · صفحة 72
..........................................................................
•---------------------------------•
ناه ومخبر، بمعنى أن كلامه صفة واحدة وتكثيره إلى الأمر والنهي والخبر باختلاف التعلقات بالعلم والقدرة وسائر الصفات فإنها واحدة، والتكثر والحدوث إنما هو في الإضافات ويكفي وجود المأمور في علم الآمر.
والحاصل أن هذا الكلام اللفظي الحادث المؤلف من الأصوات والحروف القائمة بمحالها يسمى كلام الله والقرآن على معنى أنه عبارة عن ذلك المعنى القديم كما وقع التصريح به في التلويح.
وقال القونوي في شرح العمدة: أهل السنة لا يرون تعلق وجود الأشياء بقوله تعالى: (كن) بل وجودها متعلق بإيجاده وتكوينه وهو صفته الأزلية، وهذا الكلام عبارة عن سرعة حصول المقصود بإيجاده وكمال قدرته على ذلك.
وعند الأشعري ومن تابعه: وجود الأشياء متعلق بكلامه الأزلي. وهذه الكلمة دالة عليه، كذا في شرح التأويلات.
وفي تفسير التيسير قوله تعالى: {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 47] أنه تعالى لم يرد أنه خاطبه بكلمة كن فيكون بهذا الخطاب، لأنه لو جعل خطابا حقيقة؛ فإما أن يكون خطابا للمعدوم وبه يوجد،
الجزء 1 · صفحة 73
.............................................................................
•---------------------------------•
أو خطابا للموجود بعد ما وجد؛ لا جائز أن يكون خطاب للمعدوم لأنه لا شيء فكيف يخاطب؟ ولا جائز أن يكون خطابا للموجود لأنه قد كان، فكيف يقال له كن وهو كائن؟ وإنما هو بيان أنه إذا شاء ما كونه كان.
فإن قيل: فإذا حصل الوجود بالإيجاد فما فائدة هذا الأمر؟ قلت: إظهار العظمة والقدرة، كما أنه تعالى يبعث من في القبور ببعثه، ولكن بواسطة النفخ في الصور لإظهار العظمة؛ أو يقال دلت الدلائل العقلية على أن الوجود بالإيجاد، ووردت النصوص القاطعة النقلة على أنه بهذا الأمر، فوجب القول بموجبها من غير اشتغال بطلب فائدة، كما أن في الآيات المتشابهات وجب الإيمان بها من غير اشتغال بتأويلها.
وأشار فخر الإسلام البزدوي في أصوله: أن المراد بقوله تعالى: (كن)، حقيقة التكلم بهذه الكلمة مجازا عن الإيجاد والتكوين موافقا لمذهب الأشعري مخالفا لعامة أهل السنة؛ لأن التمسك بالآية في إثبات المطلوب على هذا القول أظهر، لأنها أدل على أن المراد حقيقة التكلم، لأن الأمر فيها مكرر بخلاف سائر الآيات، فقال: وهذا عندنا، وأراد به نفسه. وأجيب بأن مذهبه غير مذهب الأشعرية، فإن عنده وجود الأشياء بخطاب (كن) لا غير، كما أن عند أهل السنة بالإيجاد لا غير. وعند البزدوي وجود الأشياء بالإيجاد والخطاب، فكان مذهبا ثالثا، والله أعلم بالصواب.
والمعنى: إذا كلم أحدا من خلقه فإنما يكلمه بكلامه القديم الذي قد
الجزء 1 · صفحة 74
............................................................................
•---------------------------------•
كتب بالحروف والكلمات الدالة عليه في اللوح المحفوظ بأمره، لا بكلام حادث، فإنما الحادث دلائل كلامه، وهي الحروف والكلمة، لا حقيقة كلامه القائم بالذات، فإن كلام الحق لا يشبه كلام الخلق كسائر الصفات، وقد قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا} [الشورى: 51]، أي بأن يوحي إليه في الرؤيا كالأنبياء عليهم السلام، أو بالإلهام كالأولياء رحمهم الله؛ ومنه الخبر: ((إن الله لينطق على لسان
الجزء 1 · صفحة 75
............................................................................
•---------------------------------•
عمر رضي الله عنه))، (أو من ووراء الحجاب) بأن يسمع كلامه ولا يراه كما وقع لموسى عليه السلام (أو يرسل رسولا)، أي ملكا كجبرائيل عليه السلام (فيوحي)، أي الرسول إلى المرسل إليه، بمعنى أنه يكلمه ويبلغه (بإذنه)، أي بأمر ربه (ما يشاء)، أي الله من إعلامه، فكلامه قائم بذاته.
خلافا للمعتزلة حيث ذهبوا إلى أنه متكلم بكلام هو قائم بغيره وليس صفة له، حيث قالوا: كلامه حروف وأصوات يخلقها في غيره كاللوح وجبرائيل عليه السلام والرسول عليه السلام؛ ومبتدعة الحنابلة قالوا:
الجزء 1 · صفحة 76
والسمع والبصر، ............................................................
•---------------------------------•
كلامه حروف وأصوات تقوم بذاته وهو قديم، وبالغ بعضهم جهلا حتى قال: الجلد والقرطاس قديمان فضلا عن الصحف، وهذا قول باطل بالضرورة ومكابرة للحس للإحساس لتقدم الباء على السين في بسم الله ونحوه.
(والسمع والبصر)، أي أنهما من الصفات الذاتية، فإنه تعالى سميع بالأصوات والحروف والكلمات بسمعه القديم الذي هو نعت له في الأزل، وبصير بالأشكال والألوان بإبصاره القديم الذي هو له صفة في الأزل، فلا يحدث له سمع بحدوث مسموع ولا بصر بحدوث مبصر؛ فهو السميع البصير يسمع ويرى، لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي غاية السر، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق في النظر، بل يرى دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء؛ فالسمع صفة تتعلق بالمسموعات؛ والبصر صفة تتعلق بالمبصرات، فيدرك إدراكا تاما لا على سبيل التخييل والتوهم، ولا على طريق تأثير حاسة ووصول هواء، ولا يلزم من قدمهما قدم المسموعات والمبصرات، كما لا يلزم من قدم العلم والقدرة قدم المعلومات والمقدورات، لأنها صفات قديمة يحدث لها تعلقات بالحوادث عند وجودها تعلقا ظاهريا، كما كان لها تعلق بها في عالم شهودها تعلقا غيبيا، فهو أخص من صفة العلم.
الجزء 1 · صفحة 77
والإرادة.
•---------------------------------•
وأما قول السيوطي في النقاية من أنهما صفتان يزيد الانكشاف بهما على الانكشاف بالعلم. فإنما يصح بالنسبة إلينا حيث يزيد العلم بهما لدينا؛ وأما بالنسبة إليه سبحانه وتعالى فصفاته كلها كاملات، كما أنه كامل في الذات فلا تقبل الزيادات.
(والإرادة)، أي من الصفات الذاتية، وهي كالمشيئة صفة تخصص أحد طرفي الشيء من الفعل والترك بالوقوع في أحد الأوقات مع استواء نسبة القدرة إلى جميع الممكنات؛ وفيما ذكر تنبيه للرد على من زعم أن المشيئة قديمة والإرادة حادثة قائمة بذات الله سبحانه وتعالى، وعلى من زعم أن معنى إرادة الله فعله أنه ليس بمكره ولا ساه ولا مغلوب.
ومعنى إرادته فعل غيره أنه أمر به، فإنه تعالى مريد بإرادته القديمة ما كان وما يكون، فلا يكون في الدنيا ولا في الأخرى صغير أو كبير، قليل أو كثير، خير أو شر، نفع أو ضر، حلو أو مر، إيمان أو كفر، عرفان أو نكر، فوز أو خسران، زيادة أو نقصان، طاعة أو عصيان، إلا بإراداته ووفق حكمته وطبق تقديره وقضائه في خليقته.
فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن؛ فهو الفعال لما يريد كما يريد، لا راد لما أراد ولا معقب لما حكم في العباد ولا مهرب عن معصيته إلا بإرادته ومعونته، ولا مكسب لعبد في طاعته إلا بتوفيقه ومشيئته، فلا حول ولا قوة إلا بالله ولا منجا ولا ملجأ منه إلا إليه، ولو اجتمع الخلق على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها مرة بدون إرادته لما قدروا على ذلك،
الجزء 1 · صفحة 78
................................................................................
•---------------------------------•
بل ولا أرادوا خلاف ما هنالك كما قال الله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30]، فهو سبحانه لم يزل موصوفا بإرادته ومريدا في الأزل وجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها فوجدت فيها كما علمها وأرادها وقدرها من غير تقدم ولا تأخر وتبدل وتغير.
وهذا لا ينافي أن يكون للعبد مشيئة لقوله: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40].
ثم من الدليل على صفة الإرادة والمشيئة قوله تعالى: {وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27]، وفي آية أخرى: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} [المائدة: 1]، وهي والمشيئة واحدة عندنا في حق الله تعالى؛ أما في جانب العباد فيفترقان؛ فلو قال رجل لامرأته أردت طلاقك لا تطلق، ولو قال لها شئت طلاقك يقع به؛ لأن الإرادة مشتقة من الرود وهو الطلب، والمشيئة عبارة عن الإيجاد، فكأنه قال: أوجدت طلاقك، وبه يقع الطلاق. كذا ذكروه.
وقال القونوني: فيه نظر إذ لو كان كذلك لما احتيج إلى النية، والحاصل أن المشيئة عبارة عن الإرادة التامة التي لا يتخلف عنها الفعل، والإرادة تطلق على التامة وعلى غير التامة، فالأولى هي المرادة في جانب الله تعالى، والثانية في جانب العباد. انتهى. وفيه نظر، فإنه على هذا كان ينبغي أن يذكر المشيئة في الصفات لا الإرادة.
فإن قيل: إن الله تعالى طلب الإيمان من فرعون وأبي جهل
الجزء 1 · صفحة 79
............................................................................
•---------------------------------•
وأمثالهما بالأمر ولم يوجد منهم الإيمان، فلو كانت الإرادة والمشيئة واحدة كما زعمتم لوجد ذلك منهم؛ لأن المشيئة هي الإيجاد.
قلنا: الطلب من الله تعالى على نوعين: طلب من المكلف على وجه الاختيار، وهو المسمى بالأمر ولا يلزم منه الوجود لتعلقه باختيار المكلف. وطلب لا تعلق له باختيار المكلف وهو المسمى بالمشيئة والإرادة والوجود من لوازمهما، إذ لو لم يكن يلزم العجز، وهو سبحانه وتعالى منزه عنه بخلاف العباد.
ثم الحكمة سواء كانت بمعنى العلم أو إحكام العمل فصفة أزلية عندنا خلافا للأشعري، حيث قال: إن أريد بها العلم فهي أزلية، وإن أريد بها الفعل فلا، إذ التكوين حادث عنده؛ قال القونوي: القدر هو العلم المفقود (¬1).
ثم اختلفت عبارات أصحابنا رحمهم الله في هذه المسألة. قال بعضهم: نقول إن جميع الموجودات والأفعال مراد الله تعالى، ولا نقول على التفصيل: إن القبائح والشرور والمعاصي من الله، كما نقول على
¬
(¬1))) قال القونوي: القدر هو العلم المفقود. قال الشيخ أكمل الدين البابرتي في شرح الطحاوية، ص 88، له: وأما العلم المفقود فيهم، فنحو العلم الذي أخفاه الله تعالى عن خلقه كالعلم بالغيب الذي استأثر بعلمه، وكعلم القضاء والقدر وقيام الساعة، كما قال الله تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65] فادعاء هذا العلم كفر وطلبه أيضا، لأنه دعوى مشاركة الله تعالى فيما استأثر به.
الجزء 1 · صفحة 80
.......................................................................
•---------------------------------•
الإجمال: إنه خالق لجميع الموجودات، ولا نقول على التفصيل: إنه خالق الجيف والقاذروات. وقال بعضهم: نقول على التفصيل: ولكن مقرونا بقرينة تليق به، فنقول: إنه أراد الكفر من الكافر كسبا له شرا قبيحا منهيا عنه، كما أراد الإيمان من المؤمن كسبا له خيرا حسنا مأمورا به، وهو اختيار الماتريدي، وبه قال الأشعري.
هذا، والمحققون من أهل السنة يقوقون: الإرادة في كتاب الله تعالى نوعان:
الأولى: إرادة قدرية كونية خلقية، وهي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، لقوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125].
والثانية: إرادة دينية أمرية شرعية، وهي المتضمنة للمحبة والرضا، كقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وأمثال ذلك، والأمر يستلزم الإرادة الثانية دون الأولى.
فالإمام الأعظم رحمه الله ذكر هذه السبعة من الصفات الذاتية، ومنها الأحدية في الذات والواحدية في الصفات والصمدية المستغنية عن الممكنات والعظمة والكبرياء على ما ورد في الأسماء والصفات.
قال البيضاوي: العظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير. أقول والعلي نقيض الدني، فهذه ألفاظ متقاربة المعنى في الأسماء الحسنى،
الجزء 1 · صفحة 81
.............................................................................
•---------------------------------•
والقول بأنها ألفاظ مترادفة صدر عن أحوال متكاثفة؛ فقد قال حجة الإسلام: ينبغي أن نعتقد تفاوتا بين معنى اللفظين، فإنه يصعب علينا وجه الفرق بين معنييهما في حق الله تعالى، ولكنا مع ذلك لا نشك في أصل الافتراق، ولذلك قال الله تعالى: ((الكبرياء ردائي والعظمة إزاري))، ففرق بينهما فرقا يدل على التفاوت، فإن كلا من الرداء والإزار زينة للإنسان، ولكن الرداء أشرف من الإزار، ولذا جعل مفتاح الصلاة لفظ الله أكبر، فهذه السبعة هي الصفات الذاتية الثبوتية.
واختلف في البقاء أنه من الصفات الثبوتية أو من النعوت السلبية؟ فبنى على الأول بعضهم وجمعها في بيت، فقال:
حياة وعلم قدرة وإرادة ... كلام وإبصار وسمع مع البقا
والأظهر أنه من النعوت السلبية، فإن المراد به نفي العدم السابق والفناء اللاحق بناء على أن ما ثبت قدمه استحال عدمه، وما يجوز عدمه ممتنع قدمه.
وأما ما وقع في متن العقائد لمولانا عمر النسفي من قوله: الحي القادر العليم السميع البصير الشائي المريد، فقد يوهم أن المشيئة والإرادة متغايرتان، وليس كذلك لما سبق الكلام على هذا المقام
الجزء 1 · صفحة 82
وأما الفعلية: ...............................................
•---------------------------------•
فإن قيل: كيف صح إطلاق الموجود والواجب والقديم ونحو ذلك مما لم يرد به الشرع؟
قلنا: بالإجماع وهو من الأدلة الشرعية.
[الصفات العلية وإختلاف الماتريدية والأشاعرة فيها]
(وأما الفعلية)، أي الصفات الفعلية، وهي التي يتوقف ظهورها على وجود الخلق. اعلم أن الحد بين صفات الذات وصفات الفعل مختلف فيه.
فعند المعتزلة: ما جرى فيه النفي والإثبات فهو من صفات الفعل، كما يقال: خلق لفلان ولدا ولم يخلق لفلان، ورزق لزيد مالا ولم يرزق لعمرو. وما لا يجري فيه النفي فهو من صفات الذات كالعلم والقدرة، فلا يقال لم يعلم كذا ولم يقدر على كذا؛ فالإرادة والكلام مما يجري فيه النفي والإثبات، قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة: 174]؛ فكانا من صفات الفعل وكان حادثين.
وأما عند الأشعرية، فالفرق بينهما أن ما يلزم من نفيه نقيضه، فهو
الجزء 1 · صفحة 83
................................................................................
•---------------------------------•
من صفات الذات، فإنك لو نفيت الحياة يلزم الموت، ولو نفيت القدرة يلزم العجز، وكذا العلم مع الجهل. وما لا يلزم من نفيه نقيضه فهو من صفات الفعل، فلو نفيت الإحياء أو الإماتة أو الخلق أو الرزق لم يلزم منه نقيضه، فعلى هذا الحد لو نفيت الإرادة لزم منه الجبر والاضطرار، ولو نفيت عنه الكلام لزم الخرس والسكوت، فثبت أنهما من صفات الذات.
وعندنا أن كل ما وصف به ولا يجوز أن يوصف بضده فهو من صفات الذات، كالقدرة والعلم والعزة والعظمة؛ وكل ما يجوز أن يوصف به وبضده فهو من صفات الفعل كالرأفة والرحمة والسخط والغضب.
ثم شبهة الأشاعرة والمعتزلة في ذلك أن التكوين لو كان أزليا لتعلق بوجود المكون به في الأزل، ولو تعلق بوجوده في الأزل لوجب وجود المكون في الأزل، لأن القول بالتكوين ولا مكون كالقول بالضرب ولا مضروب وأنه محال، فلا بد أن يكون التكوين حادثا.
والجواب: أن التكوين إن حدث بالتكوين فهو تكوين محتاج إلى تكوين فيؤدي إلى التسلسل وهو باطل، أو ينتهي إلى تكوين قديم وهو الذي ندعيه، أو لا بتكوين أحد ففيه تعطيل الصانع.
والحاصل أنا نقول: التكوين قديم والمتعلق به هو المكون وهو حادث، كما أن العلم قديم وبعض المعلومات حادث، على أن التكوين في الأزل لم يكن ليكون العالم به في الأزل به ليكون وقت وجوده، فتكوينه باق أبدا، فيتعلق وجود كل موجود بتكوينه الأزلي بخلاف الضرب
الجزء 1 · صفحة 84
فالتخليق والترزيق والإنشاء والإبداع والصنع، وغير ذلك من صفات الفعل
•---------------------------------•
لأنه عرض، فلا يتصور بقاؤه إلى وقت وجود المضروب، ثم نقول لهم: هل تعلق وجود العالم بذاته أو بصفة من صفاته أم لا؟ فإن قالوا: لا، عطلوه، وإن قالوا: نعم، قلنا، فما تعلق به أزلي أم حادث؟ فإن قالوا: حادث، فهو من العالم، وكان تعلق حدوث العالم ببعض منه لا به تعالى، وفيه تعطيله، وإن قالوا: أزلي، قلنا: هل اقتضى ذلك أزلية العالم أم لا؟ فإن قالوا: نعم، كفروا، وإن قالوا: لا، بطلت شبهتهم؛ على أن تعلق وجود العالم بخطاب كن عند الأشعري، فكان تكوينا وهو أزلي فيكون مناقضا.
(فالتخليق والترزيق) وهو خلق الأشياء ورزق الأشياء (والإنشاء)، أي الإبداء (والإبداع)، أي اختراع الأشياء (والصنع)، أي إظهاره بإظهار المصنوعات في حال الابتداء (وغير ذلك من صفات الفعل) كالإحياء والإفناء والإنبات والإنماء وتصوير الأشياء، والكل داخل تحت صفة التكوين؛ فالصفات الأزلية عندنا ثمانية، لا كما زعم الأشعري من أن الصفات الفعلية إضافات، ولا كما تفرد به بعض علماء ما وراء النهر بكون كل من الصفات الفعلية صفة حقيقية أزلية، فإن فيه تكثير القدماء جدا وإن لم تكن متغايرة؛ فالأولى أن يقال: إن مرجع الكل إلى التكوين فإنه إن تعلق بالحياة يسمى إحياء وبالموت إماتة وبالصورة تصويرا إلى غير ذلك، فالكل تكوين وإنما الخصوص بخصوصيات المتعلقات.
ثم المتبادر أن معنى التخليق والإنشاء والفعل والصنع واحد، وهو إحداث الشيء بعد أن لم يكن، سواء كان على نهج مثال سابق أو لا.
الجزء 1 · صفحة 85
.............................................................................
•---------------------------------•
والصحيح أن لها معاني متقاربة، فإن الإبداع إحداث الشيء بعد أن لم يكن لا على مثال سبق، بخلاف التخليق، فإنه أعم منه أو مقابله في التحقيق، والإنشاء يختص بأول الأشياء، والفعل كناية عن كل عمل متعد يكون في الخير والشر، والصنع عمل فيه إحكام وحسن نظام، كما أشار إليه قوله سبحانه وتعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88].
وأما الترزيق فهو إحداث رزق الشيء وجعله قوتا له.
ثم اعلم أنه لا موجود في عالم الملك والأشباح ولا في عالم الملكوت والأرواح إلا وهو حادث أحدثه الله تعالى بتخليقه وفعله وإنشائه وصنعه، وأنه تعالى خالق الإنس والجن وخلق أرزاقهما، كما قال الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ} [الروم: 40] لما أحب أن يظهر قدرته ورحمته ونعمته وحكمته ويبين للخلق معرفته، كما قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، أي ليعرفون، ولعل تخصيصهما بالذكر لأنهم باعتبار جنسهم يعرفون الله تعالى بصفتي الجلال والجمال، وفي الحديث القدسي والكلام الأنسي: ((كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف))، يعني وليترتب على المعرفة ما أراد لهم من المثوبة والقربة، لا لأنه مفتقر ومحتاج إليهم في مقام اليقين، فإن الله غني عن العالمين.
الجزء 1 · صفحة 86
................................................................................
•---------------------------------•
والتحقيق أن التكوين صفة أزلية لله تعالى لإطباق العقل والنقل على أنه خالق للعالم ومكون له، وامتناع إطلاق اسم المشتق على الشيء من غير أن يكون مأخذ الاشتقاق وصفا له قائما به، فالتكوين ثابت له أزلا وأبدا، والمكون حادث بحدوث التعلق كما في العلم والقدرة وغيرهما من الصفات القديمة التي لا يلزم من قدمها قدم متعلقاتها لكون تعلقاتها حادثة؛ ثم الإمام الأعظم رحمه الله أتى ببعض الصفات الذاتية والفعلية دون غيرها من النعوت العلية، لأن معرفة هذه الصفات الشهيرة الجلية تكفي المؤمن في معرفة وجود الله وصفاته البهية.
هذا، وقد قال فخر الإسلام علي البزدوي رحمه الله في أصول الفقه: وأما الإيمان والإسلام فإن تفسيرهما التصديق والإقرار بالله سبحانه وتعالى كما هو بصفاته وأسمائه وقبول أحكامه وشرائعه، وهو نوعان: ظاهر بنشئه بين المسلمين وثبوت حكم إسلامه تبعا لغيره من خير الأبوين وثابت بالبيان وأن يصف الله تعالى كما هو، إلا أن هذا كمال يتعذر شرطه لأن معرفة الخلق بأوصاف الحق متفاوتة في مقام التفسير وحال التعبير، وإنما شرط الكمال بما لا حرج فيه ولا محال، وهو أن يثبت التصديق والإقرار بما قلنا إجمالا وإن عجز عن بيانه وتفسيره إكمالا.
ولهذا قلنا: إن الواجب أن يستوصف المؤمن، فيقال: أهو كذا؟ أي وتفسيره الله سبحانه وتعالى يوصف بكذا ونعت كذا من الصفات الثبوتية
الجزء 1 · صفحة 87
لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته، لم يحدث له اسم ولا سفة، .............
•---------------------------------•
والسلبية والنعوت الذاتية والفعلية، فإذا قال: نعم، فقد ظهر كمال إسلامه وتبين غاية مرامه؛ وأما من استوصف فجهل فليس بمؤمن.
ولذا قال محمد رحمه الله في الجامع الكبير في صغيرة بين أبوين مسلمين: إذا لم تصف الإسلام حتى أدركت فلم تصف أنها تبين من زوجها.
[الباري جل شأنه موصوف في الأزل بصفات الذات والفعل]
(لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته)، أي موصوفا بنعوت الكمال ومعروفا بأوصاف الجلال والجمال (لم يحدث له اسم ولا صفة)، يعني أن صفات الله وأسماءه كلها أزلية لا بداية لها، وأبدية لا نهاية لها، لم يتجدد له تعالى صفة من صفاته، ولا اسم من أسمائه، لأنه سبحانه واجب الوجود لذاته الكامل في ذاته وصفاته، فلو حدث له صفة أو زال عنه نعت لكان قبل حدوث تلك الصفة وبعد زوال ذلك النعت ناقصا عن مقام الكمال، وهو في حقه سبحانه من المحال، فصفاته تعالى كلها أزلية أبدية.
وها هنا سؤال مشهور: وهو أنه قد ورد الإخبار في كلامه سبحانه بلفظ المضي كثيرا نحو قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا} [نوح: 1]، وقال موسى: {فَعَصَى فِرْعَوْنُ} [المزمل: 16]، والإخبار بلفظ المضي والحال والاستقبال لعدم الزمان، عما لم يوجد بعد كذب، والكذب عليه محال.
وله جواب مسطور، وهو أن إخباره تعالى لا يتصف أزلا بالماضي وإنما يتصف بذلك فيما لا يزال بحسب التعلقات، فيقال: قام بذات الله
الجزء 1 · صفحة 88
لم يزل عالما بعلمه، والعلم صفة في الأزل، وقادرا بقدرته، والقدرة صفة في الأزل، ومتكلما بكلامه، والكلام صفة ....................................
•---------------------------------•
تعالى إخبار عن إرسال نوح مطلقا، وذلك الإخبار موجود أزلا باق أبدا، فقبل الإرسال كانت العبارة الدالة عليه إنا نرسل، وبعد الإرسال إنا أرسلنا، فالتغيير في لفظ الخبر لا في الإخبار القائم بالذات، وهذا كما تقول في علمه تعالى إنه قائم بذاته سبحانه وتعالى أزلا العلم بأن نوحا مرسل وهذا العلم باق أبدا، فقبل وجوده علم أنه سيوجد وبعد وجوده علم بذلك العلم أنه وجد وأرسل، والتغيير في المعلوم لا في العلم.
(لم يزل عالما بعلمه)، أي بعلمه الذي هو صفته الأزلية لا بعلم لا حق يلزم منه جهل سابق، وهذا معنى قوله: (والعلم صفة في الأزل)، يعني وما ثبت قدمه استحال عدمه، فعلمه أزلي أبدي منزه عن قبول الزيادة والنقصان، بخلاف علوم أرباب العرفان.
(وقادرا بقدرته)، أي بقدرته التي هي صفته الأزلية لا بقدرة حادثة في الأمور الكونية (والقدرة صفة في الأزل)، وكذا نعته في المستقبل.
(ومتكلما بكلامه)، أي الذاتي القدسي (والكلام)، أي النفسي (صفة
الجزء 1 · صفحة 89
في الأزل، وخالقا بتخليقه، والتخليق صفة في الأزل، وفاعلا بفعله، والفعل صفة في الأزل، والفاعل هو الله تعالى، والفعل صفة في الأزل، والمفعول مخلوق، وفعل الله تعالى غير مخلوق، ........................................
•---------------------------------•
في الأزل وخالقا بتخليقه، والتخليق صفة في الأزل، وفاعلا بفعله، والفعل)، أي وفعله كما في نسخة (صفة في الأزل)، يعني إذا خلق شيئا ابتداء وفعله فعلا انتهاء، فإنما يخلقه ويفعله بفعله الذي هو صفته الأزلية، لا بفعل حادث ووصف حادث عند خلقه وفعله، إذ لا يحدث له علم ولا قدرة ولا خلق ولا فعل بحدوث المعلوم والمقدور والمخلوق والمفعول، وهذا معنى قوله: (والفاعل هو الله تعالى)، أي لا شريك له في فعله وصنعه وحكمه وأمره.
(والفعل)، أي وفعله كما في نسخة (صفة في الأزل والمفعول مخلوق)، أي حادث عند تعلق فعله سبحانه به (وفعل الله تعالى غير مخلوق)، أي ليس بحادث بل هو قديم كفاعله، إذ لا يلزم من كون المفعول مخلوقا كون الفعل مخلوقا.
وفي كلام الإمام الأعظم إيماء إلى أنه لو كان فعل الله مخلوقا لزم تعدد الخالق، وقد ثبت أن الله سبحانه خالق كل شيء، فله سبحانه التوحيد الذاتي والصفاتي والفعلي.
وأغرب ابن الهمام حيث ذهل عن هذا الكلام فقال: وليس في كلام أبي حنيفة تصريح بأن صفة التكوين قديمة زائدة على الصفات المتقدمة سوى ما أخذه المتأخرون من قوله: كان الله تعالى خالقا قبل أن يخلق ورازقا قبل أن يرزق.
الجزء 1 · صفحة 90
...........................................................................
•---------------------------------•
هذا، والأشاعرة يقولون: ليست صفة التكوين سوى صفة القدرة باعتبار تعلقها بمتعلق خاص؛ فالتخليق هو القدرة باعتبار تعلقها بالمخلوق، وكذا الترزيق ويقولون: صفات الأفعال حادثة لأنها عبارة عن تعلقات القدرة والتعلقات حادثة.
قال ابن الهمام رحمه الله تعالى: وما ذكره مشايخ الحنفية في معنى التكوين من أنها صفات تدل على تأثير لا ينفي قول الأشاعرة ولا يوجب كون صفة التكوين على فصولها صفات أخرى لا ترجع إلى القدرة المتعلقة والإرادة المتعلقة.
بل في كلام أبي حنيفة رحمه الله ما يفيد أن ذلك على ما فهم الأشاعرة من هذه الصفات على ما نقله الطحاوي عنه حيث قال: وكما كان الله تعالى بصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا، ليس منذ خلق الخلق استفاد اسم الخالق ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري، بل له معنى الربوبية ولا مربوب ومعنى الخالقية ولا مخلوق، كما أنه محيي الموتى استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم ذلك بأنه على كل شيء قدير. انتهى. وانظر: المسايرة لابن الهمام ص 87.
فقوله ذلك بأنه على كل شيء قدير تعليل وبيان لاستحقاق اسم
الجزء 1 · صفحة 91
وصفاته في الأزل غير محدثة ولا مخلوقة، فمن قال إنها مخلوقة أو محدثة، أو وقف فيها أو شك فيها فهو كافر بالله تعالى.
والقرآن كلام الله تعالى في المصاحف مكتوب، ...........................
•---------------------------------•
الخالق قبل المخلوق، فأفاد أن معنى الخالق قبل الخلق واستحقاق اسم الخالق بسبب قيام قدرته تعالى على الخلق، فاسم الخالق أزلي ولا مخلوق في الأزل لمن له قدرة الخلق في الأزل، وهذا ما يقول الأشاعرة. انتهى. وفيه أن المفهوم لا يعارض المنطوق المعلوم.
(وصفاته في الأزل غير محدثة ولا مخلوقة) هو تأكيد وتأييد: أي غير محدثة بإحداثه ولا مخلوقة بخلق غيره.
(فمن قال إنها مخلوقة أو محدثة أو وقف فيها)، أي بأن لا يحكم بأنها قديمة أو حادثة ويؤخر طلب معرفتها ولا يقول امنت بالله وصفاته على وفق مراده (أو شك فيها)، أي تردد في هذه المسألة ونحوها سواء يستوي طرفاه أو يترجح أحدهما (فهو كافر بالله تعالى)، أي ببعض صفاته، وهو مكلف بأن يكون عارفا بذاته وجميع صفاته، إلا أن الجهل والشك الموجبين للكفر مخصوصان بصفات الله المذكورة من النعوت المسطورة المشهورة، أعني الحياة والقدرة والعلم والكلام والسمع والبصر والإرادة والتخليق والترزيق.
[القرآن كلام الله غير مخلوق ولا حادث]
(والقرآن كلام الله تعالى)، أي المنعوت بالفرقان المنزل على عين الأعيان وزين الإنسان، إلا أن المراد به ههنا كلامه النفسي ونعته الأنسي، وهذا الإطلاق لأن معناه يفهم بواسطة مبناه؛ فالمعنى أن كلامه سبحانه الذي نعته المعظم شأنه (في المصاحف مكتوب)، أي بأيدينا بواسطة
الجزء 1 · صفحة 92
وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي صلى الله عليه وسلم وآله منزل، ..............................................................
•---------------------------------•
نقوش الحروف وأشكال الكلمات (وفي القلوب محفوظ)، أي نستحضره عند تصور المغيبات بألفاظه المتخيلات (وعلى الألسن مقروء)، أي بحروفه الملفوظة المسموعة كما هو ظاهر في المشاهدات، وهذا من قولهم المقروء قديم والقراءة حادثة.
فإن قيل: لو كان كلام الله تعالى حقيقة في المعنى القديم مجازا في النظم المؤلف لصح نفيه عنه بأن يقال: ليس النظم الأول المعجز المفصل إلى السور والآيات كلام الله، والإجماع على خلافه.
قلت: التحقيق أن كلام الله تعالى اسم مشترك بين الكلام النفسي القديم؛ ومعنى الإضافة كونه صفة له تعالى، وبين اللفظي الحادث المؤلف من السور والآيات؛ ومعنى الإضافة أنه مخلوق الله تعالى ليس من تأليفات المخلوقين، فلا يصح النفي أصلا ولا يكون الإعجاز والتحدي إلا في كلام الله تعالى، ويتفرع عليه قولنا: يحرم للمحدث مس القرآن وأمثاله.
(وعلى النبي صلى الله عليه وسلم وآله منزل) بالتخفيف والتشديد وهو الأولى لنزوله مدرجا ومكررا؛ والمعنى أنه نزل عليه بواسطة الحروف المفردات والمركبات في الحالات المختلفات، وهذا معنى قوله سبحانه: {مَا يَأْتِيهِمْ
الجزء 1 · صفحة 93
ولفظنا بالقرآن مخلوق، وكتابتنا له مخلوقة، وقراءتنا له مخلوقة، .......
•---------------------------------•
مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2]، أي محدث في الإنزال (¬1)، وإلا فكلامه النفسي منزه عن (¬2) الانتقال.
(ولفظنا بالقرآن مخلوق وكتابتنا له مخلوقة وقراءتنا له مخلوقة)، وهذا كالتأكيد لقوله لفظنا، ولا يبعد أن يراد بالقراءة تصور مبانيه وتقرر معانيه من غير التلفظ بما فيه، ولعله لهذا المعنى لم يقل: وحفظنا له
¬
(¬1))) (محدث في الإنزال): قال الإمام القرطبي: أي ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث يريد في النزول، وتلاوة جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ــ فإنه كان ينزل سورة بعد سورة وآية بعد آية كما كان ينزله الله تعالى عليه في وقت بعد وقت، لا أن القرآن مخلوق. اهـ. 11/ 267. وقال الصابوني: أي ما يأتيهم شيء من الوحي والقرآن من عند الله متجدد في النزول فيه عظة لهم وتذكر. اهـ. صفوة التفاسير 2/ 255.
(¬2))) فكلامه النفسي منزه عن الانتقال من مكان إلى آخر: من فم إلى أذن، من ورق إلى ورق. ومن زعم أن كلام الله تعالى حال في الأرض فهو قول بالحلول، كقول النصارى في الكلمة أنها عيسى عليه السلام، وقد حلت في الأرض والإجماع قائم على أن كلام الله تعالى مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب في المصاحف، لا أن ذات الله تعالى حال فيه، وذكر الزركشي كلاما طويلا، فقال: القرآن لفظ مشترك يطلق ويراد به المقروء، وهو صفة قديمة قائمة، بذات الله تعالى وليست من قبيل الحروف والأصوات، ويطلق ويراد به العبارات الدالة على الصفة القديمة وهي القراءة ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: 18] أي قراءته ... إلخ. انظر إظهار العقيدة السنية، ص 67. وزعمت الكرامية أن كلام الله صفته، مؤلف من الحروف والأصوات الحادثة وقائمة بذاته تعالى. عن إشارات المرام، ص 144.
الجزء 1 · صفحة 94
والقرآن غير مخلوق.
•---------------------------------•
مخلوق، وذلك لأنها كلها من أفعالنا وفعل المخلوق مخلوق.
(والقرآن)، أي كلامه النفسي ونعته القدسي (غير مخلوق)، أي ولا حال في المصاحف ولا غيرها، وذلك أن كل من يأمر وينهى ويخبر عن ما مضى يجد نفسه معنى يدل عليه بالعبارة أو يشير إليه بالكتابة أو الإشارة.
ثم اعلم أن مذهب الأشعري أنه يجوز أن يسمع الكلام النفسي، أي بطريق خرق العادة كما نبه عليه الباقلاني ومنعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني، وهو اختيار الشيخ أبي منصور الماتريدي، فمعنى قوله تعالى: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] يسمع ما يدل عليه؛ فموسى عليه الصلاة والسلام سمع صوتا دالا على كلامه سبحانه، لكن لما كان بلا واسطة الكتابة والملك بل على طريق خرق العادة خص باسم الكليم كما يدل عليه قوله تعالى: {نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ} [القصص: 30]، وسيأتي زيادة تحقيق لهذا المرام في كلام الإمام.
وقد قال الإمام الأعظم في كتابه ((الوصية)): نقر بأن القرآن كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله وصفته لا هو ولا غيره، بل هو صفته على التحقيق مكتوب في المصاحف مقروء بالألسن محفوظ في الصدور غير حال فيها، والحروف والحركات والكاغد والكتابة كلها مخلوقة لأنها أفعال العباد، وكلام الله سبحانه وتعالى غير مخلوق، لأن الكتابة والحروف والكلمات
الجزء 1 · صفحة 95
...............................................................................
•---------------------------------•
والآيات كلها آلة القرآن لحاجة العباد إليها، وكلام الله تعالى قائم بذاته ومعناه مفهوم بهذه الأشياء؛ فمن قال بأن كلام الله تعالى مخلوق فهو كافر بالله العظيم، والله تعالى معبود ولا يزال كما كان وكلامه مقروء ومكتوب ومحفوظ من غير مزايلة عنه. انتهى.
وقال فخر الإسلام: قد صح عن أبي يوسف أنه قال: ناظرت أبا حنيفة في مسألة خلق القرآن فاتفق رأيي ورأيه على أن من قال بخلق القرآن فهو كافر، وصح هذا القول أيضا عن محمد رحمه الله؛ وقد ذكر المشايخ رحمهم الله أنه قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، ولا يقال: القرآن غير مخلوق لئلا يسبق إلى الفهم أن المؤلف من الأصوات والحروف قديم، كما ذهب إليه بعض الجهلة من الحنابلة.
وأما ما في شرح العقائد من أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق، فهو كافر بالله العظيم))، فهو لا أصل له، كما بينت في تخريج أحاديثه، ثم تحقيق الخلاف بيننا وبين المعتزلة يرجع إلى إثبات الكلام النفسي ونفيه، وإلا فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف، وهم لا يقولون بحدوث الكلام النفسي، ودليلنا ما مر أنه ثبت بالإجماع وتواتر النقل عن الأنبياء عليهم السلام أنه متكلم، ولا معنى له سوى أنه متصف بالكلام ويمتنع قيام اللفظ الحادث بذاته الكريم، فتعين النفسي القديم
الجزء 1 · صفحة 96
...............................................................................
•---------------------------------•
وأما استدلالهم بأن القرآن متصف بما هو من صفات المخلوق، وسمات الحدوث من التأليف والتنظيم والنزول والتنزيل وكونه عربيا مسموعا فصيحا معجزا إلى غير ذلك، فإنما يقوم حجة على الحنابلة لا علينا، لأنا قائلون بحدوث النظم أيضا وإنما الكلام في معنى القديم؛ والمعتزلة لما لم يمكنهم إنكار كونه متكلما ذهبوا إلى أنه متكلم بمعنى موجد الأصوات والحروف في محالها وأشكال الكتابة في اللوح المحفوظ وإن لم يقرأ على اختلاف بينهم؛ وأنت خبير بأن المتحرك من قامت به الحركة لا من أوجدها. وأما إذا كان في الآية قراءتان، فإن كان لكل قراءة معنى غير الأخرى، فالله تعالى تكلم بهما جميعا وصارت القراءتان بمنزلة الآتين، وإن كانت القراءتان معناهما واحد، فالله تعالى تكلم بأحدهما ورخص بأن يقرأ بهما جميعا كما ذكره الفقيه أبو الليث.
فاعلم أن الصحابة والتابعين وغيرهم من المجتهدين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين قد أجمعوا على أن كل صفة من صفات الله تعالى لا هو ولا غيره، كذا ذكره الشارح؛ والمعنى أنها لا هو بحسب المفهوم الذهني، ولا غيره بحسب الوجود الخارجي، فإن مفهوم الصفات غير مفهوم الذات إلا أنها لا تغايرها باعتبار ظهورها في الكائنات.
والحاصل أن كلامه من صفاته وهو قديم بذاته وصفاته والقديمية مستلزمة للبقائية، لأن ما ثبت قدمه يستحيل عدمه، كما هو مستفاد من قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد: 3]، أي بلا ابتداء ولا انتهاء.
وأما (القديم) فليس من الأسماء الحسنى وإن أطلقه عليه علماء
الجزء 1 · صفحة 97
..............................................................................
•---------------------------------•
الكلام، مع أنه أنكره كثير من السلف الكرام وكذا بعض من الخلف الفخام، ومنهم ابن حزم ذهابا إلى الجزم بأن القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو المتقدم على غيره، فيقال هذا قديم للعتيق، وهذا حديث للجديد لا القدم الذي لا يسبقه العدم؛ ففي التنزيل قوله تعالى: {عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: 39]، قيل: وهو الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الجديد قيل للأول قديم، وقوله تعالى: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} [الأحقاف: 11]، أي متقدم في الزمان.
ثم لا ريب فيه أنه إذا كان مستعملا بمعنى المتقدم فمن تقدم على الحوادث كلها فهو أحق بالتقدم من غيره، لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح به، والتقدم في اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، فلا يكون من الأسماء الحسنى، وجاء الشرع باسمه (الأول)، وهو أحسن من (القديم) لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه متابع بخلاف (القديم)، إلا أنه لما كان الله سبحانه وتعالى هو الفرد الأكمل في معنى القديم المتناول للأول فأطلقه المتكلمون عليه فتأمل.
ثم (القيوم) يدل على معنى الأزلية والأبدية ما لا يدل عليه لفظ القديم، ويدل أيضا على كونه موجودا بنفسه، وهو معنى كونه واجب الوجود؛ ولهذا المبنى المشتمل على حقائق المعنى قيل: (الحي القيوم) هو الاسم الأعظم، ويؤيده ما صح عنه صلى الله عليه وسلم ((أن قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ
الجزء 1 · صفحة 98
وما ذكره الله تعالى في القرآن حكاية عن موسى وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعن فرعون وإبليس، ....................................................
•---------------------------------•
إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] أعظم آية في القرآن)).
ويقويه أن هذين الاسمين مدار الأسماء الحسنى كلها، وإليهما يرجع جميع معانيها، فإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال، فلا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته أكمل حياة وأتمها، استلزم إثباتها إثبات كل كمال يضاهيه كمال الحياة. وأما (القيوم) فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته وافتقار غيره إليه في ذاته وصفاته إيجادا وإمدادا، فإنه القائم بنفسه فلا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه، المقيم لغيره، فلا قيام لغيره إلا بإقامته، فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال على الوجه الأتم، فلا يبعد أن يكونا الاسم الأعظم، والله سبحانه أعلم.
(وما ذكره الله تعالى في القرآن)، أي المنزل والفرقان المكمل (عن موسى وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام)، أي إخبارا منهم أو حكاية عنهم (وعن فرعون وإبليس)، أي ونحوهما من الأعداء الأغبياء؛ وفي تخصيص موسى عليه الصلاة والسلام إيماء إلى أنه صاحب التكليم والكلام، وفي تقديم فرعون إشعار بأنه في مقام التلبيس أقوى من إبليس، وفيه رد على ابن العربي ومن تبعه كالجلال الدواني، وقد ألفت رسالة مستقلة في تحقيق هذه المسألة وبينت ما وقع لهم من الوهم في المواضع المشكلة وأتيت بوضوح الأدلة المستجمعة من الكتاب والسنة ونصوص الأئمة.
الجزء 1 · صفحة 99
فإن ذلك كله كلام الله تعالى إخبارا عنهم، وكلام الله تعالى غير مخلوق، وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق، والقرآن كلام الله تعالى فهو قديم لا كلامهم.
•---------------------------------•
(فإن ذلك)، أي ما ذكر من النوعين (كله) على ما في نسخة، أي جميعه (كلام الله تعالى)، أي القديم (إخبارا عنهم)، أي وفق ما قد كتب من الكلمات الدالة عليه في اللوح المحفوظ قبل خلق السماء والأرض والروح، لا بكلام حادث حصل بعد علم حادث عند سمعه من موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن فرعون وإبليس وهامان وقارون وسائر الأعداء، فإذن لا فرق بين إخبار الله تعالى عن أخبارهم وأحوالهم وأسرارهم كسورة تبت وآية القتال ونحوها، وبين إظهار الله تعالى من صفات ذاته وأفعاله وخلق مصنوعاته كآية الكرسي وسورة الإخلاص وأمثالها، وبين الآيات الآفاقية والأنفسية في كون كل منها كلامه وصفته الأقدسية الأفسية.
ومجمل الكلام قوله على ما في نسخة (وكلام الله تعالى)، أي ما ينسب إليه سبحانه (غير مخلوق)، أي ولا حادث (وكلام موسى)، أي ولو كان مع ربه (وغيره)، أي وكذا كلام غيره (من المخلوقين)، أي كسائر الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين (مخلوق)، أي حادث بعد كونه مخلوقين.
(والقرآن كلام الله تعالى)، أي بالحقيقة كما قال الطحاوي رحمه الله لا بالمجاز، كما قال غيره، لأن ما كان مجازا يصح نفيه وهنا لا يصح.
وأجيب بأن الشرع إذا ورد بإطلاقه فيما يجب اعتقاده لا يصح نفيه (فهو قديم) كذاته (لا كلامهم) فإنه حادث مثلهم، إذ النعت تابع لمنعوته، وإنما يقال: المنظوم العبراني الذي هو التوراة، والمنظوم العربي الذي
الجزء 1 · صفحة 100
..........................................................................
•---------------------------------•
هو القرآن كلامه سبحانه، لأن كلماتهما وآياتهما أدلة كلامه وعلامات مرامه، ولأن مبدأ نظمهما من الله تعالى؛ ألا ترى أنك إذا قرأت حديثا من الأحاديث قلت هذا الذي قرأته وذكرته ليس قولي بل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن مبدأ نظم ذلك القول من الرسول عليه الصلاة والسلام، ومنه قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ} [البقرة: 75]، وقوله عز وجل: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6].
واعلم أن ما جاء في كلام الإمام الأعظم وغيره من علماء الأنام من تكفير القائل بخلق القرآن، فمحمول على كفران النعمة لا كفر الخروج من الملة، بخلاف المعتزلة في هذه المسألة، بل التحقيق أن لا نزاع في هذه القضية، إذ لا خلاف لأهل السنة في حدوث الكلام اللفظي، ولا نزاع للمعتزلة في قدم الكلام النفسي لو ثبت عندهم بالدليل القطعي. وأما حديث: ((من قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر)) فغير ثابت، مع أنه من الآحاد وقابل للتأويل في بيان المراد، والقول بأن المراد بالمخلوق المختلق بمعنى المفتري.
ومع هذا لا يجوز لأحد أن يقول: القرآن اللفظي مخلوق؛ لما فيه من الإيهام المؤدي إلى الكفر، وإن كان صحيحا في نفس الأمر باعتبار بعض إطلاقات القرآن؛ فإنه يطلق على القراءة كقرآن الفجر، ويطلق على المصحف كحديث: ((لا تسافروا بالقرآن في أرض العدو)) (¬1)، ويطلق على
¬
(¬1))) (لا تسافروا بالقرآن)، البخاري، جهاد 129، مسلم، إمارة 193. قال العلماء وذلك إذا لم يكن للمسلمين شوكة، أو جاء به الأمان من أرض العدو. وذلك خشية إهانتهم للقرآن الكريم. وإلا فلا بأس به كما يفعل المسلمون اليوم بل ينقلون المصاحف إلى المسلمين المقيمين بأرض العدو.
الجزء 1 · صفحة 101
وسمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى كما قال الله تعالى: (وكلم الله موسى تكليما)، ..................................................................................
•---------------------------------•
المقروء خاصة وهو كلامه القديم. قال الله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} [النحل: 98]، أي كلام الله، فإذا ذكر مع قرينة تدل على الحدوث كتحريم مس القرآن للمحدث فهو محمول على المصحف والقراءة، فإذا ذكر مطلقا يحمل على الصفة الأزلية، فلا يجوز أن يقال: القرآن مخلوق على الإطلاق.
(وسمع موسى كلام الله تعالى كما قال الله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، أتى بالمصدر المؤكد لدفع حمل الكلام على المجاز، أي كلمه الله تكليما محققا وأوقع له سماعا مصدقا. والمعنى أن موسى عليه الصلاة والسلام سمع كلام رب الأرباب بلا واسطة إلا أنه من وراد الحجاب، ولذا قال: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] في هذا الباب. قال الشارح: وكان يسمع الكلام من باطن الغمام الذي هو كالعمود وقد يغشاه الغمام، وربما كان يسمع كلامه تعالى من باطن النار أو بإرسال جبريل أو غيره من الملائكة. انتهى.
وفي الأخيرين نظر، إذ لا يحصل بهما خصوصية له ولا مزية على غيره؛ وأما ما قبله فلعله وقع له الكلام في الأوقات المتعددة والأحوال المختلفة، وإلا فالكلام الذي وقع له أولا إنما كان كما أخبر سبحانه بأنه
الجزء 1 · صفحة 102
وقد كان الله تعالى متكلما، ولم يكن كلم موسى عليه السلام، وقد كان الله تعالى خالقا في الأزل ولم يخلق الخلق: ..............................................................
•---------------------------------•
نودي من الشجرة المباركة التي ظنها أنها نار، وإنما كانت معدن أنوار ومنبع أسرار ونتيجة أثمار وأسمار في أشجار.
(وقد كان الله تعالى متكلما)، أي في الأزل (ولم يكن كلم موسى عليه السلام)، أي والحال أنه لم يكن كلم موسى، بل ولا خلق أصل موسى وعيسى.
(وقد كان الله تعالى خالقا في الأزل ولم يخلق الخلق) جملة حالية. والمعنى أن الحق كان خالقا قبل خلق الخلق، وفي نسخة: (وكان الله خالقنا قبل أن يخلق الخلق حقيقة)، بمعنى أن هذا النعت فيه محقق لا مجاز كما قال ابن أبي شريف: إنه كان خالقا بالقوة، فإنه يوهم أنه تحت الإمكان واحتمال الوقوع واللاوقوع في الأزمان، وليس الأمر كذلك، فإنه كان خالقا متحقق الوقوع في وقت أراد فيه الشروع، فتأخر متعلق الكلام، والخلق من موسى وسائر الأنام لا يوجب نفي صحة الكلام ونفي تحقق الخلق عن الحق عند العلماء الأعلام، لأن كل شيء يكون في القوة ثم يصير إلى الفعل فهو حادث، إذ كل ممكن الوجود حادث كما صرحوا به، وأيضا فرق واضح وبون لائح بين من هو قادر على الكتابة إلا أنه يؤخرها إلى وقت الإرادة وبين الكاتب بالقوة، حيث إنه عاجز في الحالة الراهنة وتحت الاحتمال في الأزمنة الآتية.
والحاصل أنه سبحانه كما قال الطحاوي رحمه الله ليس منذ خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري، فله
الجزء 1 · صفحة 103
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] ...........................
•---------------------------------•
معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالقية ولا مخلوق؛ وكما أنه محيي الموتى ليس بعد ما أحيى استحق هذا الاسم، بل قبل إحيائهم، وكذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم، ذلك بأنه على كل شيء قدير، وإليه كل شيء فقير، وكل أمر عليه يسير.
(ليس كمثله شيء)، أي كذاته وصفاته {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] فقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] رد على المشبهة، وقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] رد على المعطلة. وقد قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه، أي ذاتا وصفة فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه، أي من صفاته الذاتية والفعلية، فقد كفر. وقال الطحاوي: ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه. ثم من جملة ما قالوا في قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] إنه إما أريد به المبالغة، أي ليس لمثله مثل لو فرض المثل كيف ولا مثل له وقد علمت بالأدلة الشرعية والعقلية استحالة قيام الحوادث بذات الله الأزلية الأبدية، فكلامه قديم وكذا صفة خلقه، وأما متعلقاتهما فحادثة في وقت تعلق الإرادة بوقوعها.
وفي نسخة: (وقد كان الله متكلما)، متأخر عن قوله: (وقد كان الله تعالى خالقا).
وعلى كل تقدير فالجملة المتعلقة بالخلق اعتراضية للإشعار بأن خلق موسى حادث في أثناء خلق الأنام، فكيف مقامه في مرام الكلام؟
الجزء 1 · صفحة 104
فلما كلم الله موسى كلمه بكلامه الذي هو له صفة في الأزل .........................
•---------------------------------•
(فلما كلم)، أي الله، كما في نسخة (موسى). والمعنى أراد تكليمه إياه (كلمه بكلامه الذي هو له صفة)، أي قديمة؛ وفي نسخة: هو صفة له؛ وفي نسخة: هو من صفاته (في الأزل)، يعني أنه كلمه بمضمون كلامه القديم الأزلي الأقدس كما نقش الكلمات الدالة عليه في اللوح المحفوظ الأنفس قبل خلق السموات والأرض والأنفس، فكلمه على وفق تلك الكلمات المسطورة، فتلك الكلمات المزبورة والكلمات التي سمعها موسى عليه السلام من الشجرة المشهورة حادثة مخلوقة، إلا أنها أدلة كلامه الذي هو صفته الأزلية الحقيقية.
وقال شارح عقيدة الطحاوي: قول الإمام الأعظم: (فلما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو من صفاته)، يعلم أنه حين جاء كلمه، لا أنه لم يزل ولا يزال أزلا وأبدا يقول يا موسى كما يفهم ذلك من قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143] ففهم منه الرد على من يقول من أصحابه إنه معنى واحد قائم بالنفس لا يتصور أن يسمع، وإنما يخلق الله الصوت في الهواء كما قاله أبو منصور الماتريدي.
وقول الإمام الأعظم: (الذي هو من صفاته)، رد على من يقول إنه حدث له وصف الكلام بعد أن لم يكن متكلما.
وبالجملة فكل ما يحتج به المعتزلة مما يدل على كلام متعلق بمشيئته وقدرته وأنه متكلم إذا شاء، وأنه يتكلم شيئا بعد شيء فهو حق يجب قبوله، وما يقول به من يقول: إن كلام الله قائم بذاته وأنه صفة له
الجزء 1 · صفحة 105
...........................................................................
•---------------------------------•
والصفة لا تقوم إلا بالموصوف فهو حق يجب قبوله والقول به، فيجب الأخذ بما في قول كل من الطائفتين من الصواب والعدول عما يرده الشرع والعقل من قول كل منهما، وهذا فصل الخطاب. وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((أعوذ بكلمات الله)) وهو عليه الصلاة والسلام لم يتعوذ بمخلوق، بل هو كقوله: ((أعوذ برضاك))، وقوله: ((أعوذ بعزة الله وقدرته)).
وكثير من متأخري الحنفية على أنه معنى واحد والتعدد والتكثر والتجزي والتبعض حاصل في الدلالات لا في المدلول، وهذه العبارات مخلوقة، وسميت كلام الله لدلالتها عليه وتأديته، فإن عبر بالعربية فهو قرآن، وإن عبر بالعبرانية فهو توراة، فاختلفت العبارات لا الكلام؛ قالوا: وتسمى هذه العبارات كلام الله مجازا، وهذا كلام فاسد، فإن لازمه أن معنى قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32]، هو معنى قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 83]، ومعنى آية الكرسي هو معنى آية المداينة، ومعنى سورة الإخلاص هو معنى سورة {تَبَّتْ يَدَا} [المسد: 1].
ثم قال: ومن قال: إن المكتوب في المصاحف عبارة عن كلام الله أو حكاية كلام الله وليس كلام الله، فقد خالف الكتاب والسنة وسلف الأمة.
الجزء 1 · صفحة 106
.........................................................................
•---------------------------------•
وكلام الطحاوي يرد قول من قال: إنه معنى واحد لا يتصور سماعه منه، وأن المسموع المنزل المقروء المكتوب ليس بكلام الله، وإنما هو عبارة عنه، فإن الطحاوي يقول: كلام الله منه بدا بلا كيفية، أي لا نعرف كيفية تكلمه به، وكذا قال غيره من السلف: ((منه بدا وإليه يعود))، وإنما قالوا: منه بدا، لأن الجهمية من المعتزلة وغيرهم كانوا يقولون: إنه خلق الكلام في محل فقدر الكلام في ذلك المحل، فقال