مرتبة الوجود ومنزلة الشهود
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
مرتبة الوجود ومنزلة الشهود
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أوجد الأشياءَ شرها وخيرها، وهو في عين أهل الحق يكون غيرها، والصَّلاة والسَّلامُ على مَن بَيَّنَ نفعها وخيرها، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحزابه السائرينَ في السُّلوكِ سَيْرَهَا.
أما بعد: فيقُولُ المُلتجئ إلى حَرَم ربِّه الباري، علي بن سُلطانِ مُحمَّدٍ القَارِي: إِنَّهُ وردَ سُؤال من صاحب حال، مضمونه: أَنَّهُ قال بعضُ جهلة المُتصوّفة للمُريد عند تلقينه كلمة التوحيد: اعتقد أن جميع الأشياء باعتبار باطنها متحِد مع الله تعالى، وباعتبار ظاهرها مغاير له وسواه.
فقلتُ: هذا كلام ظاهرُ الفَسادِ، مائل إلى وحدةِ الوُجُودِ أو الاتحادِ؛ كما هو مذهب أهل الإلحاد؛ فالتمس مني بعض الإخوان أن أُوضَحَ هذا الأمرَ وِفْقَ الإمكانِ من البيانِ. فأقُولُ ـ وبالله التوفيق، وبيدهِ أَزِمَّةُ التحقيق -: إنَّ اللَّهَ سُبحانهُ وتعالى كانَ ولم يكن قبله ولا معه شيءٌ عند أهلِ السُّنَّةِ والجماعة بإجماع العلماء خلافًا للفلاسفة وبعض الحكماء ممن يقُولُ بِقِدَمِ العالَمِ ووُجُودِ بعض الأشياء، وهو مردُود؛ لقولهِ تعالى: {اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: (62)]؛ أي: موجُودٌ مُمكن في عالم مشهود، ومن المُحالِ أن يكونَ الحادث بباطنه متحداً بالقديم المُوجِدِ، مع أنه مخالف لمذهبِ المُوحّدِ؛ فإِنَّ الإثنينية تخالِفُ الوحدة اليقينية، قالَ اللهُ تعالى: {لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ} [النحل: (51)]، فكيف بالآلهة المُتعدّدة؟!
والذي يُعرفُ من السَّاداتِ الصُّوفية أنهم يقُولُونَ: ينبغي للسالك أن ينظر حال تكلمه كلمة التوحيد عندَ لا إله النفي والفناء إلى السوى، وعند إلا الله الثبوت والبقاء إلى المولى.
وقد تقرر في علم العقائدِ: أَنَّ اللهَ سُبحانه وتعالى ليس محلاً للحوادث؛ فإنَّ الحُدُوثَ عبارة عن وجودِ لاحق لعدم سابق؛ فيكون مع القديم غير لائق.
ثم المَقصُودُ من كلمة التوحيد نفي كونِ الشيء يستحقُ العُبُودِيةَ، وإثباتُ الربوبية لمن له استحقاق الألوهية، وإلا فالكُفَّارُ كانُوا عارفين بوجودِ اللهِ، وبمُغايرتهِ لِمَا سواه، كما أخبر به سُبحانه وتعالى عنهم بقولهِ وَلَبِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الزخرف: ??]؛ أي: أوجدَ العُلُويَّاتِ والسفلياتِ من حَيِّزِ العدمِ إلى صفحة الوُجُودِ، لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: ??]، أي: [الذات] الواجبُ الوُجُودِ، المستحِقُ لصفات الجلال والكمال من الكرم والجُودِ.
ثم اعلم: أنَّ حقائق الأشياء ثابتةٌ كما قالَ أهل الحقِّ، لأنَّ في نفيها ثُبُوتُها حاصلة، خلافًا للسُّوفِسْطائية؛ حيثُ حملوها على الأمور الخيالية، ويلحق بهم الطائفةُ الوجودية؛ حيثُ رتَّبوها مما عدا خالقها على الفُضولات الاعتبارية؛ نظراً إلى جهاتها الباطنية والظاهرية؛ فتبعوا طائفة من السُّوفِسْطائية؛ حيثُ يزعمُونَ أَنَّ حقائق الأشياء تابعة لاعتقادِ المُعتقدينَ في القضية، فهم بحكم هذه المسائل خرجُوا عن الطوائف الإسلامية؛ حيثُ أنكرُوا الأُمُورَ الحسية، والأدلة الشرعية الأُنسية. ثم الإجماع على حُدوثِ العالم، وهو ما سوى [الله] ذاتاً وصفة؛ فإن الصفات لا عين الذاتِ ولا غيرها عند أهل السنة، وقد نفتِ المُعتزلة أصل الصفاتِ والأسماء تحرُّزًا من تعددِ القدماء؛ فتبين أن مقال هذا الجاهل مع أَنَّهُ ليس تحته طائل مخالف لإجماع أهل الإيمانِ؛ إذ يلزم من قولهِ قِدَمُ باطنِ الأشياء وهو واضح البطلان، وكلامه هذا قول بعض الفلاسفة: إِنَّ الأشياء قديمة بذواتها مُحدثةٌ بصفاتها، وشبية بشبهة الدهرية؛ المَدفوعة بلُزُومِ دوامِ المُمْكَنَاتِ بدوام بارئ المخلوقات، ووُجُوبِ أن لا يحصل شيء في العالم من التغيراتِ؛ فسبحانَ مَن يُغيِّرُ ولا يتغيَّرُ لا في الذات ولا في الصفات.
ثم التوحيد: في اللغة: [الحكم أو العلم بأنَّ الشيء واحد.
وفي الاصطلاح: هُوَ تجريد الذات الإلهية عن] نفي كُلِّ ما يُتصوَّرُ في الأفهام ويُخيَلُ في الأذهانِ والأوهام، وهذا معنى قول عليٌّ كَرَّم الله وجههُ لَمَّا سُئل عن التوحيد ما معناه؛ فقال: التوحيدُ أن تعلم أن ما خَطَرَ ببالِكَ، أو توهمتَهُ في خيالِكَ، أو تصوَّرَتهُ في حالٍ من أحوالِكَ؛ فالله تعالى وراء ذلكَ.
ويرجع إليهِ قولُ الجُنيدِ َقدَّسَ الله سره: التوحيد إفرادُ القِدَمِ من الحُدوثِ؛ إذ لا يخطر ببالك إلا حادث؛ فإفرادُ القِدَمِ أن لا يُحكم على الله بمُشابهة شيء من الموجوداتِ؛ لا في الذاتِ ولا في الصفاتِ؛ فإِنَّ ذاتَهُ لا تُشبه الذوات، ولا صفاته الصفات؛ قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: (11)]، ولهذا [قيل]: ومعنى كونِ اللهِ واحدا نفي الانقسام في ذاته، ونفى التشبيه والشريك عن ذاته وصفاته.
وأما ما نُقل عن بعض العارفين من أنَّ التوحيد إسقاط الإضافات؛ فهو بيان توحيد الأفعال؛ حيثُ يتعيَّن فيه أن يُسقط عن نظرهِ مُلاحظة الأسباب والآلاتِ ليتضح له أنَّ الخلق جميعًا لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا يملكون موتاً ولا حياةً ولا نُشوراً.
ثم اعلم أن مذهب أهل الإسلام أن معرفة الله تعالى واجبة على جميع الأنام لكن اختلفوا في طريقها؛ فمذهبُ الصُّوفية أن طريقها الرياضة، والتخلية، والتحلية، وتصفيةُ الطَّوِيَّةِ، لقبول التحلية، وليستفيد الوارداتِ، وشواهد تكثيرها المعرفة، التي عجز العقل عن تفسيرها.
وذهب جمهور المُتكلمين إلى أنَّ طريقها إنما هو النظر والاستدلال بالأدلَّةِ
النقلية من الكتاب والسنة المطابقة للأدلة العقلية.
وقال بعضهم: يُعرفُ بالعقلِ المُجرَّدِ الباقي على الفطرة الأصلية. وقال بعضهم: يُعرفُ الله بالله، لا بغيره؛ وهذا أشبه لمذهب الصُّوفية، وعن هذا قالُوا: إن أحداً لا يعرفُ الله حق معرفته وإن كان نبيَّاً، مُرسلاً، أو مَلَكاً مُقرَّباً؛ لقوله تعالى: وَمَا أُوتِيتُم مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: (85)]، وكقوله سبحانه وتعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ به علمًا} [طه: ???]، وقوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ} [الأنعام: (103)].
ومن هنا قال: «لا أحصي ثناء عليكَ أنتَ كما أثنيت على نفسك»، وقال: «لا تتفكروا في ذاتِ الله»، وقال: «كل الناس في ذاتِ اللهِ حَمقَى.
ومِن ثَم قال الصدِّيقُ الأكبرُ: العجز عن دَرَكِ الإدراك إدراك، ووردَ: عليكم بدين العجائز؛ فسبحانَ مَن لا يعرفه إلا هُوَ.
وهذا لا ينافي قول أبي حنيفة: نعرفُ الله حق معرفته؛ لأنه أرادَ به ما أوجب عليه من معرفة ذاته وصفاته لا كُنْه معرفته وإحاطة كمالاته. وأما قوله: ولا نعبده حقّ عبادته أي: لا يُمكننا أن نعبدَهُ حَقَّ طاعتِهِ؛ لأنَّا ضعفاء عاجزون عن كمال هذه الحالة ولو بالإرادة؛ حيثُ لا ننفك عن التقصير وإيقاع الخلل في العبادة.
ثم اعلم: أنَّ الواحد والأحد من الأسماءِ الحُسنى، وفُرِّقَ بينهما: بأن الأحد في الذات، والواحد في الصفاتِ.
فعن الزهري: أنهُ لا يُوصفُ شيء بالأحدِيَّةِ غير الله، ويُؤيده قوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحدٌ} [الإخلاص: (1)] بالعبارة الحصرية؛ فالأحدِيَّةُ تُخالف ما قاله الوجودية من تصور الكثرة الباطنية والظاهرية مع أنَّ العارفينَ باللهِ يُبطلونَ الإثنينية بالكليَّةِ، ويَقُولُونَ في التوحيد الصِّرْفِ، كما ورد عن بعض الأحرار: ليس في الدارِ غيره دَيَّارُ.
وجاء عن بعض أربابِ الشُّهُودِ سوى اللهِ والله ما في الوُجُودِ، كما ورد في حزبِ بعض مشايخنا من قوله: أستغفر الله مما سوى الله. وهذا المعنى وأمثاله مُستفاد من قوله تعالى: وَكُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: ??]، وكُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: (26)]، فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: ?? (5)]، وهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّهِرُ وَالْبَاطِنُ}
[الحديد: 3]؛ أي: الأول الأزلي، والآخرُ الأبديُّ، الظاهر بصفاته، الباطنُ في ذاته. ومُستنبط من حديثِ: «أصدقُ كلمة قالها الشاعرُ: أَلا كُلُّ شيءٍ ما خَلَا اللَّهَ باطل». ومأخوذ من قول عليّ كرَّم الله وجهَهُ: هُو مع كلِّ شيءٍ لا بمُقارنة، وغيرُ كل شيءٍ لا بمزايلة. مُشيراً إلى قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: (4)]، وقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * [ق: (16)].
وأما أرباب الكمالِ المُتجلّي عليهم بنعتِ الجلال ووصف الجمال؛ فهم جامعون بين الأحوال لا تحجبهم الكثرة عن الوحدة، والوحدة عن الكثرة، وهذا معنى قوله: «المؤمنُ مرآة المُؤمن»؛ فإنَّ هذه الطائفة يرون الخلق مرآة الحق، أو الحق مرآة الخلق، والأول أظهرُ؛ لأن الخلق هو المظهر؛ فإنه قال: كُنتُ كنزاً مخفيّاً، فتدبَّر.
ويُشير إلى الجمع بين المرتبتين قوله سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: (5)]؛ فإنَّ العبادة إشارة إلى التفرقة، كما أن الاستعانة عبارة عن الجمعية، وكذا قوله: لا إله تفرقةٌ و إلا الله جمعية؛ لأن في الأولِ مُلاحظة الكثرة، وفي الثاني مشاهدةُ الوَحدةِ.
وقد قالت الصُّوفيةُ: الجَمْعِيةُ بدُونِ التفرقة زندقة، والتفرقةُ بدُونِ الجَمْعية كُفْرٌ ومَفسقة.
وقالوا: إِنَّ المُريدَ في مقامِ المَزيد ينبغي أن يقول في باطنه عند كلمة التوحيد أولاً: لا معبود إلَّا الله، وهذه شريعةٌ، ثم يقُولُ: لا موجُودَ إلا الله، وهذهِ طريقة، ثم يقول: لا مشهود إلا الله، وهذه حقيقة، ولا يلزم منه الاستهلاك من عَينِ الأَحَدِيَّةِ ما توهمهُ الوُجُودِيةُ [من] عكس القضية.
فإذا عرفت ذلك عرفت بطلانَ ما يَعتمدُ الوُجودية على ما هنالك من نسبة القولِ الباطل الذي صدر من القلبِ الغَبِي إلى الشيخِ ابنِ عَربيّ، الله أعلم بصحة النسبة في الرواية ليحكم بكفر قائلهِ؛ بناءً على ما تقتضيه الدراية، [وهُوَ أَنه ذكر في الفتوحات المكية بالعبارة الرديَّة]، وهي قوله: سُبحانَ مَن أظهر الأشياءَ وهُو عينها، وهذا كما ترى مُخالف لجميع أربابِ النَّحَلِ والمِللِ الإسلامية، وموافق لِمَا عليه الطبيعية والدهرية، ولذا كتب العارفُ الربَّاني الشيخ علاء الدولة السمناني في حاشية هذه العبارة الدنية: أيها الشيخ لو سمعت من أحدٍ أَنَّهُ يَقُولُ: فَضْلةُ الشيخ عينه، لا تُسامحه، بل تغضبُ عليه، فكيف يسوغ لعاقل أن ينسب إلى الله تعالى هذا الهَذَيانَ؛ تُبْ إلى الله تعالى توبةً نصوحاً، لتنجو من هذه الورطة التي يستنكف منها الدهريون والطبيعيُّونَ واليونانيُّونَ والشَّكمانيُّونَ.
ثم قال: ومَن لم يُؤمن بوُجُوبِ وجوده؛ فهو كافر حقيقي، ومن لم يُؤمن بوحدانيته؛ فهُوَ مُشراً حقيقي، ومن لم يؤمن بنزاهته من جميع ما يختص بالممكن؛ فهو ظالم حقيقي؛ لأنه ينسب إليه ما لا يليقُ بكمال قدسه، والظُّلمُ: وضع الشيء في غير موضعه، ولذلك قال تعالى في محكم كتابه: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ
عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: ??]، وسبحانه وتعالى عن وصف الجاهلين. ثم نقل عن بداية أمره في مقامِ التوحيد إلى الفَرقِ؛ حيثُ كَانَ يُظهِرُ أَنَّ الحُلُولَ
كفر، والاتحاد توحيد، أنه أنشد؛ يعني: على وجه التضمين:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا ليس في المرآة شيء غيرنا قدْ سَها المُنشد إذ أنشدَهُ نحنُ رُوحانِ حلَلْنا بدَنا أثبت الشركة شركاً واضحاً كلّ مَن فرَّق فرقاً بينَنا لا أُناديه ولا أذكره إِنَّ ذِكْرِي وثنائ إِنَّ ذِكْري وثنائي يا أنا ثم قال: فلما وصلت إلى نهاية مقام التوحيد ظهرَ أَنَّهُ غَلَط محض،
فرجعت إلى الحقِّ. انتهى. كما نقله مولانا عبد الرحمن الجامي في «النفحات»، وهو في نقله من جملة الثّقاتِ.
والحاصل أنه مقام ناقص ابتلي به المنصور؛ حيثُ قال: أنا الحق، ولعل البسطامي في هذا الحال، قال: ليس في جبتي سوى الله.
نعم فرق بين قولِ المنصُورِ وقولِ فرعونَ: إِنَّ المنصُورَ غلبَ عليه مُشاهدة الحقِّ حتّى باين عن مُلاحظة الخلق، فقالَ ما قال، وأما فرعون، فقوله نشأ من غلبة رُؤية نفسه وجسمه ومطالعةِ كَثْرَةِ حَشَمهِ وخَدَمهِ، وذهلَ عن مُشاهدة خالقهِ ومُنعِمهِ وكبريائه وعظمته وبهائه، ولهذا اختلف العلماء في حقٌّ المنصُورِ، واتَّفَقُوا على كفرِ فرعون المهجور.
هذا وقد قال الإمام الرازي: إِنَّ المُجَسَّم ما عبد الله قط؛ لأنه يعبد ما تصوره في وهمه من الصورة، والله تعالى مُنَزَّه عن ذلكَ.
قلت: فالوجودي كذلك؛ فإنَّ تصوّره على وجهِ تَنَزَّهَ سُبحانهُ عمَّا هُنالِكَ، ومما يدلُّ على بطلان مذهبهِ أنه سُئل أبو حنيفة عما لو قيل: أينَ الله تعالى؟ فقالَ له: كانَ الله قبل أن يخلق الخلق، ويُقال: كانَ الله ولم يكن أين، [ولا خلق] ولا شيء، وهو خالق كل شيء.
وأما حُكْمُ النبي صلى الله عليه وسلم عند إشارة الأَمَةِ إلى السَّماءِ بكونها مؤمنة (2)، فباعتبارِ أنها يظنُّ بها أنها من عبدة الأوثان؛ فبإشارتها إلى السَّمَاءِ عَلِمَ أن معبودَها ليسَ
من الأصنام.
وأما قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهُ} [الزخرف: (84)]؛
أي: معبود فيهما ومتصرف في نفسهما وأهلهما.
وأما ما نُقل عن بعض العارفين: كانَ الله ولم يكن معه شيء، والآن على ما كانَ عليه؛ فمحمُولٌ على مُشاهدة حقيقة التوحيد، ومُلاحظة حالة التفريد؛ إذ ليس شيء مستقل في وجودِهِ ومقامِ شُهُودِهِ في نظرِ العُرفاء كالهَبَاءِ وكالسَّرابِ في الصحراء.
فتبين الفرق بين الوجودية الموحدين، وبين الوجودية الملحدين؛ حيثُ قال الأولونَ الوُجُودُ المُطلق هُوَ الحق نظراً إلى أنه الفرد الكامل، وقال الآخرُونَ الوُجُودُ المُطلق لتضمنه الخَلْقَ الشَّامِلَ، كما يُشيرُ إليه قول بعضهم: الله هُوَ الكُل، وأنتَ الجُزء؛ فإذا وصلت إلى مقامِ الحُضُورِ ونفي الشُّعُورِ صِرْتَ الكل في عالمِ الظُّهُورِ.
وقد تقرّر في علم العقائدِ من المواقفِ» و «المقاصدِ»: أَنَّهُ سُبحانه وتعالى مُنَزَّة من أن يكون كلاً أو كلياً في المشاهد.
ثم اعلم: أنَّ مَن روى عن أبي حنيفة رحمه الله: أن الله تعالى ماهية لا يعرفها إلا هُوَ؛ فقد افترى عليه؛ لأنَّ الشيخ أبا منصُورٍ الماتريدي مع كونه أعرف الناس بمذهبه لم ينسب هذا القول إليه، ونفى القول بالماهية. كذا في شرح القونوي لـ «عُمدة النسفي.
ولا يبعد أن يُراد بالماهية الحقيقة الذاتية؛ فإنها لا يعرفُها إلا هو؛ فمن ادعاها حكم على جهله بها. ثم في كتب العقائدِ: أنه لا يُقالُ: صفاتُه تحلُّ ذاته، أو تحلُّ ذاته صفاته، أو صفاته معه، أو فيه، أو مجاورة له؛ لأنَّ هذهِ الألفاظ تُستعمل في المُغايراتِ ولا تغاير هنا، بل يُقالُ: صفاته قائمة بذاته، وصفاتهُ لا هُوَ ولا غيره.
أمَّا الأول فظاهر، وأما الثاني، فلأنه لو كانت غيرَهُ لوجب أن يكون معه في الأزلِ غيرُ اللهِ تعالى وهُو كفر، ولا يجوز أن تكون بعضه؛ لأنَّ البعض [من] علاماتِ الحُدُوثِ، ولا يجوز أن تكونَ هذهِ الصَّفاتُ حادثة؛ لأن القول بحدوثها يُؤدي إلى أنَّ الله تعالى لا يكون موصوفاً بها قبل الحدوث، وإذا لم يكن موصوفاً بهذهِ الصَّفاتِ، يكونُ موصوفاً بأضدادها؛ فالله تعالى منزّه عن ذلك.
فكيف هذا الجاهلُ يقُولُ: إن الأشياء بباطنها متحد مع الله، فنقُولُ لهُ: قال الله
تعالى: {فَإِن تَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: (59)]؛ أي: كتابهِ ورسوله؛ فبيننا الكتاب والسُّنَّةُ، وقال: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُم بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُو وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} [النور: (48) - (49)]؛ فهم فيما ورد فيهما من مقتضى أهوائهم معتقدونَ، وفي مخالفِ آرائهم معرضونَ، وقد قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: (65)].
وأخبر أنَّ المُنافقينَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} [النساء: (60)]؛ أي: الشيطان وأتباعه، ويزعمون أنهم [إنما] (2) أرادوا إحساناً وتوفيقاً في اتباعه كما يَقُولُ كثير من المتكلمةِ والمُتفلسفة وغيرهم: إنما نُريد أن نحس الأشياء بتحقيقها؛ أي: ندركها ونعرفها بماهيتها وكميَّتها وكيفيتها، ولم يعرفوا أنَّ من الأشياء ما لا يُدرك كُنهُهُ وحقيقته، كما قال الله تعالى {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: (110)]، و {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ} [الأنعام: (103)]، ولذا لَمَّا قال فرعون: {وَمَارَبُّ الْعَلَمِينَ} [الشعراء: ??]، قال مُوسى: {وَرَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [الشعراء: (24)]؛ فسُئل عن الذاتِ، وأخبر عن الصفاتِ؛ لتعذُّرِ، معرفته، كما أشار إليه بقوله: «لا أُحصي ثناء عليك»، و «لا تفكرُوا في ذاتِ اللهِ وتفكرُوا في آلائِهِ»، وعدَّ العجز عن دَرَكِ الإداركِ إدراكاً، ومن هنا حديث: «لا أدري نصفُ العِلمِ، وقول الملائكة: لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا
[البقرة: ??]، وقولُ الأنبياءِ: وَلَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَامُ الْغُيُوبِ} [المائدة: (109)]. ثم هؤلاء الجهلة بعقولهم الكاسدة وآرائهم الفاسدة؛ يزعمون أنهم يُريدُونَ التوفيق بين الدلائل التي عندهم مما يُسمونها العقليَّاتِ، وهي في الحقيقة محضُ الجهليات، وبين الدلائل النقلية المنقولة عن الكتاب والسُّنَّةِ، وقد [يتفوَّهونَ] أنهم يُريدُونَ التحقيق والتدقيق بالتوفيق بين الشريعة والفلسفة، كما يقُوله كثير من المُبتدعة من المتنسكةِ والجَهَلةِ من المُتصوفة؛ حيثُ يَقُولُونَ: إِنما نُرِيدُ الإحسانَ بالجمع بينَ الإيمان والإتقان، والتوفيق بين الشريعة والحقيقة، ويدسُّونَ فيها دسائس مذاهبهم الباطلة ومشاربهم العاطلة؛ من الاتّحادِ والحُلُولِ والإلحاد والاتصال ودعوى الوُجُودِ المُطلق، وأنَّ الموجوداتِ عين الحقِّ، ويتوهمون أنهم في مقامِ الجَمْعِيَّةِ، والحال أنَّهم في عين التفرقة والزندقة، وكما يقُولُ كثير من المُلُوكِ والحُكَامِ والأُمراء إذا خالفوا في بعض أحكام الإسلام إنما نُريد الإحسان بالسياسةِ الحَسَنةِ، والتوفيق بينها وبين الشريعةِ المُستَحَسَنةِ؛ فكلُّ مَن طلب أن يحكُمَ في شيءٍ من أمرِ الدِّينِ غيرَ ما هو ظاهرُ الشرع المُبينِ فيما هنالك؛ فله نصيب من ذلك، وهو هالك.
واعلم: أنَّ نبينا صلى الله عليه وسلم قد أُوتِيَ فواتح الكَلِمِ وخواتمَهُ وجوامعَهُ ولوامعَهُ؛ فَبُعِثَ بالعلوم الكُلّية والمعارفِ الأوليَّةِ والآخِريَّةِ على أتم الوُجُوهِ، فيما يحتاجُ إليهِ السَّالك الأُمور الدينية والدنيوية والأُخرويَّة، ولكن كلَّما ابتدع شخص بِدْعةً اتسعُوا في جوابها واضطربوا في بيانِ خَطِئها وصَوابِها؛ فالعلم نقطة كثرها الجاهلون، ولذلك صارَ كلامُ الخَلَفِ كثيراً قليلُ البركة بخلاف كلام السلف؛ فإِنَّهُ [قليل كثير البركة والمنفعة، والفضل للمُتقدِّمينَ لا ما يقُولُه جهلةُ المُتكلّمينَ: إِن طريقةَ المُتقدِّمينَ أسلم، وطريقنا أحكم وأعلمُ، وكما يقُولُه مَن لم يُقدِّر قدرهم من المنتسبين إلى الفقه: إنهم لم يتفرغوا لاستنباط وضبط قواعده وأحكامه اشتغالاً منهم بغيره، والمتأخرون تفرغوا لذلك؛ فهم أفقه بما يتعلَّقُ هُنالكَ؛ فكل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف وعن علومهم، وقِلَّةِ تكلُّفهم.
فتالله ما امتاز عنهم المُتأخُرُونَ إلا بالتكلُّف والاشتغال بالأطراف التي كانت همَّةُ القومِ مُراعاة أُصُولها ومعاهدها وضبط قواعدها و شد معاقدها، وهِممُهُم مُشمّرةٌ إلى المطالب العالية، والمراتب الغالية؛ فالمتأخرون في شأن والقوم في شأن، وهو سُبحانه وتعالى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: ??]، وقد جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: ?]، ومن هنا قال الغزالي: ضيَّعتُ قِطعةً من العُمرِ العزيز في تصنيف «البسيط» و «الوسيط» و «الوجيز». ولهذا لا تجد عند جهلةِ الصُّوفية من المعرفة واليقين في جميع أُمُورِ الدِّينِ ما يُوجد عند عوام المُؤمنينَ، فضلاً عن عُلمائهم المُوفِّقِين، وذلك لأنَّ اشتمال مُقَدِّماتِهم على الحق والباطل أوجبَ المِراء والجدال، وانتشر كثرةُ القِيلِ والقَالَ، وتولَّد لهم عنها من الأقوالِ المُخالفة للشرع الصحيح، والعقل الصريح ما يضيقُ عنه المجال، واتسعَ كلامهم في أُمُورِ المُحَالِ.
إذا عرفت ذلك وتبيّن لك ما هنالك من المهالك الواقعة للسالكين في ضِيقِ المَسالكِ فاعلم: أنَّ أول ما يُؤمر به العبد علم التوحيد، الذي هو عبارةٌ عن الإيمانِ والتصديق والإقرار على وجه التحقيق؛ إما حقيقةً أو حُكْماً؛ فإِنَّ مَن صلَّى ولم يتكلَّم بالشهادتين اختلف فيه العلماء الأعلام، والصحيح عندنا أَنَّهُ يَصيرُ مُسلماً بكُلِّ ما هُو من خصائص الإسلام، ولو لم يتكلم بهما لتحقيق المَرامِ على ما ذكره العلامة علي ابن أبي العز الحنفي في شرح عقيدة الطحاوي»؛ فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخرُ ما يخرجُ به من الدنيا على وفق النظامِ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «مَن كانَ آخرُ كلامه: لا إلهَ إِلَّا الله دخل الجنة».
والعبرة بالخاتمة اللاحقة؛ لأنها مظهر القائمة السابقة، والتوحيد إما في الذاتِ بمعنى أَنَّهُ يُعبد وحده لا شريكَ لهُ، وإمَّا في الصفاتِ فإِنَّهُ لا شبيه له في صفاته الذاتية، وإما في الأفعالِ؛ فإنه الفعّالُ لِمَا يُرِيدُ، ويفعلُ اللهُ ما يشاء، وهو خالق كل شيء فاعبدوه.
وأما الجهم بن صفوانَ ومَن وافقه من نُفَاةِ الصَّفاتِ؛ حيثُ أدخلوا نفي الصِّفاتِ في مُسمَّى توحيد الذاتِ؛ لئلا يلزم تعدد الواجب من القدماء؛ فمعلوم الفسادِ بالضرورة عند العلماء، فإِنَّ إِثباتَ ذَاتٍ مُجردةٍ عن جميعِ الصِّفاتِ لا يُتصوَّرُ لها وجود في الخارج، وإنما الدهنُ قد يتصوَّرُ المُحَالَ ويتخيَّله، وهذا غايةُ التعطيل، والمذهب الحقُّ هُو الوسط بين التشبيه المُحقَّقِ والتنزيه المُطلَقِ.
قال شارح «عقيدة الطحاوي»: وهذا القولُ الذي هو ظاهر الفسادِ قد أفضى بقومٍ إلى القولِ بالحُلُولِ والاتحادِ، وهُو أقبح من كُفْرِ النصارى في الاعتقاد؛ فإنَّ النصارى خصوه بالمسيح من الكائنات، وهؤلاء عموا جميع الكائنات، ومن فروع هذا التوحيد:
أنَّ فرعون وقومه كاملوا الإيمانِ عارفونَ باللهِ تعالى على التحقيق والإيمان. ومن فروعهِ: أَنَّهُ لا فرق في التحريم والتحليل بين الأم والأخت والأجنبية، ولا فرق بين الماء والخمر، والزنا والنكاح؛ فكل من عين واحدة، بل هو العين الواحدة. ومن فروعه: أنَّ الأنبياء ضيَّقوا على الناسِ، تعالى الله عمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كبيراً، انتهى وكأنه أشار إلى أقوالٍ نُسبت إلى الشيخ ابنِ عربيٌّ مِنْ أَنَّهُ قالَ في «الفُصوص»: من ادعى الألوهية؛ فهو صادق في دعواه.
ومن أنَّهُ أباحَ المُكثَ للجنبِ والحائض في المسجد، وأَنَّهُ لا يُحرِّمُ فرجاً، وأنه يقُولُ بقدم العالم، ومن أنهُ قالَ ضِيَّقَ ابنُ أَبِي كَبْشَةَ أمرَ الدُّنيا على المُوحّدين، وأن فرعونَ خرج من الدُّنيا طَاهِراً ومُطهِّراً، وقد ذكرتُ بطلان هذا القول في رسالةٍ مُستقلَّةٍ وقَعَتْ شرحاً وطَرْحاً لرسالة جعلها الجلال الدواني تبعاً له في هذهِ المراتبِ الأداني، ومن نظر إلى كتاب «الفتوحات» رأى فيها عجائب المخلوقات.
وقد صرَّحَ في «الفُصوص»: بأن الرياضةَ إذا كملت اختلط ناسوت صاحبها بلاهوت الله. انتهى.
وهذا عين مذهب النصارى؛ حيث قالُوا: امتزجتِ الكلمة بعيسى امتزاج الماء باللبن، فاختلط ناسوته بلاهوتِ اللهِ سُبحانهُ، حَتَّى ادَّعوا أَنْهُ ابنُ الله تعالى شأنه وتعظم سُلطانه. وقال الشيخ العلامة شرفُ الدين ابن المُقري: ولهذا طائفة من العوامِ وقعوا في الفتنة من هذا الكلام، وقالوا: هذا الكلام باطن لا يعرفه إلا أهل الإلهام، ولبسوا على الناس حتى أصغى الجاهلُ إلى أقوالهم؛ مِن أنَّ كلَّ شيءٍ هُو الله، وأنَّ الخالق هو المخلوق، وأنَّ المخلوق هو الخالق، وأن الألوهية بالجَعْلِ؛ فمَنْ جَعلتَهُ إِلهكَ؛ فقد عرفته وما عرفك، وأنَّ المنفي في لا إله إلا الله هو المُثبَتُ، فجعلوا كلمة الشهادة ما لا معنى له، ولا فائدة تحته، وأشباه هذا من كلامهم ما لا يُحصى كثرةً، وهو في كتابه يأمر بعبادة الأوثان، والتنقل في الأديان بقوله: إِيَّاكَ أن تقتصر على مُعتقدٍ واحدٍ فيفوتك خير كثير، فاجعل نفسكَ هُيولى لسائِرِ المُعتقدات، فما كُتبه إلا كسُم دُسَّ في الإسلام، ومصيبة أُصيب بها كثير من الأنامِ.
وقال شيخ مشايخنا العلامةُ الجَزَريُّ: يحرم مطالعة كتبه، والنظر فيها، والاشتغال بها، ولا يلتفتُ إلى قولِ مَن قالَ: إنَّ هذا الكلامَ المُخالف لظاهرِ المِرامِ ينبغي أن يُؤوَّلَ بما يُوافق أحكام الإسلام؛ فإنهُ غَلَطٌ مِن قائلهِ، وكيفَ يُؤوَّلُ قوله: الربُّ حقٌّ والعبدُ حقٌّ، وقوله: ما عرف الله إلا المُعطّلةُ والمُجسمه، وقد قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَى} [الشورى: ??]؛ فهذا دليلُ المُعطِّلِةِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ??] دليلُ المُجسّمة. وقوله: ما عبدَ مَنْ عبد إلا الله؛ لأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: ??]، وأحسنُ ما عندي في أمر هذا الرجل: أنه لما ارتاض غلبت عليه السوداء، فقال ما قال؛ فلهذا اختلف كلامه اختلافاً كثيراً، وتناقض تناقضاً ظاهراً، فيقُولُ اليوم شيئاً وغداً بخلافه.
قلت: ويُؤيِّدُ ما نُقل عنه أَنَّهُ قالَ: مَن لم يقل بكفره فهو كافر، قال: والظائُون به خيراً أحد رجلين؛ إما أن يكون سليم الباطن لا يتحقق معنى كلامه، ويراه صوفياً ويبلغه اجتهاده وكثرة علمه فيظُنُّ به الخير، وإما أن يكونَ زِندِيقاً إباحياً حُلُولياً يعتقد وحدةَ الوُجُودِ ويأخُذُ ما يُعطيه كلامه من ذلك مُسلَّماً، ويُظهرُ الإسلام واتباع الشرع الشريف في الأحكام.
ولقد جرى بيني وبين كثير من عُلمائهم بحثُ أفضى إلى أن قلتُ: اجمعُوا بينَ قولكم وبين التكليف، وأنا أكون أول تابع لكم.
ولقد نقل الإمام عماد الدين بن كثير عن العلامة تقي الدين السبكي عن شيخ الإسلام ابن دقيق العيد القائل في آخر عمره: لي أربعُونَ سنةً ما تكلَّمتُ كلمة إلا وأعددت لها جواباً بين يدي الله تعالى، وقد سألتُ شيخنا سُلطان العلماء عبد العزيز بن عبدِ السَّلامِ عن ابن عربي، فقال: شيخ سوء، كذَّابٌ، يقُولُ يقدم العالم ولا يُحرم فرجاً.
قال الجَزَري: وبالجملة فالذي أقولُه وأعتقده وسمعتُ من أثقُ به من شُيوخي الذين هم حجَّةٌ بيني وبين الله تعالى: أن هذا الرجل إن صح عنه هذا الكلام الذي في كُتبه مما يُخالف الشرعَ المُطهَّرَ وقالهُ وهُو في عقله ومات وهُو مُعتقِدٌ ظَاهِرَهُ؛ فهو أنجس من اليهود والنصارى، فإنهم لا يستحلُّونَ أَن يَقُولُوا ذلكَ.
ثم إنما يُؤوَّلُ كلامُ المعصُومِ، ولو فُتِحَ باب تأويل كل كلام ظاهره الكفرُ، لم يكن في الأرض كافر، مع أنَّ هذا الرجلَ يَقُولُ في «فتوحاته»: وهذا كلام على ظاهرهِ لا يجوز تأويله، انتهى.
وقد صنف العلامة ابنُ نورِ الدِّينِ مجلداً كاملاً في الرد على ابن عربي، سماه: كشفُ الظُّلمة عن هذهِ الأمَّة. أقُولُ: والعاقل تكفيه الإشارة ولا يحتاجُ إلى تطويل العبارة، وأما ما ذكره صاحبُ «القاموس» في فتواه عند مدح ابنِ عربي: بأنَّ دعوتَهُ تحْرِقُ السبعَ الطَّباقَ، وبركته تملأُ جميع الآفاق، وأنه أفضل الخلائقِ على الإطلاق، وأن تصانيفه العليَّةَ من أعلى العُلُومِ النافعة الشرعية؛ فبناءً على حُسنِ ظنه به؛ لعدم الاطلاع على كلامه، وفهمِ مَرامه، أو لِمَوافقة مشربه، ومطابقة مذهبه.
وأما قوله: إنَّ إنكار جماعةٍ من فقهاء الظاهر العاجزين عن فهم شيء من معاني كلام الشيخ وحقائقه؛ فإنهم متى سمِعوا كلامه أنكروا وبدعوا وشنعوا؛ لعدم فهم مرامه، أليس حافظ الأُمَّةِ أبو هريرةَ رَضِي الله عنه يَقُولُ: حفظتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين من العلم؛ فبثثتُ أحدَهُما فِيكُم، وأما الآخَرُ؛ فلو بثته لقُطِعَ مني هذا البلعوم، كذا في «صحيح البخاري»، أراد به عُلوم الحقيقة التي ليست من شأن أهل الظاهرِ؛ لأنَّ ذلك خاص بما خصَّهُ الله تعالى من الصديقينَ والأدباءِ المُقربينَ؛ فهو خطأ ظاهر وغلط باهر من وجهين:
أحدهما: أن المشايخ المعتبرين قد أنكروا عليه، كما ثبت واشتهر من إنكارِ الشيخ الربَّاني علاء الدولة السمناني.
والثاني: استدلاله بالحديثِ المذكُورِ؛ فإنَّهُ لا شك في صِحَّةِ مبناه، وإنما أخطأ فيما ذكره من بيان معناه؛ لأنه يلزم منه أنه لا اله خاصه بعلم لا يجوز إفشاؤه لكونه مخالفاً لظاهرِ الشَّريعة.
وقد أجمع الفقهاء والصُّوفيةُ والعُرفاءُ: أَنَّ كلَّ حقيقةٍ تُخالف ظاهر الشريعة؛ فهي زندقة، مع أن أبا هريرة غير مشهور بهذا العلم، ولا أحد أخذ عنه من طرق المشايخ ورجال أسانيدهم، وإنما المشهور من الصَّحابة في هذا الفنّ باعتبار الحالِ الصديق الأكبرُ، وباعتبار المقال عليُّ المُرتَضَى، وقد انتهى إليهما طرقُ الصُّوفية المرضية.
والصواب في معنى الحديثِ المسطورِ: هُو أَنَّهُ سَمِعَ منه بعض أحاديث في مَذمَّةِ بني أُمَيَّةَ، وكان يخافُ على نفسهِ مِنْ يزيد وزيادةِ بعض أذيته؛ فما أظهرَ شيئاً من ذلكَ لعُذرهِ هُنالك، وذكرَهُ لبعض الخواص من أصحابه؛ لئلا يدخل تحت قوله: «مَن كَتَمَ عِلْماً أُلجِمَ بلجام من نارٍ
وقد بينت فيما بسطتُ الكلام بذكر فتاوى العلماء الأعلام في رسالتي المُسماة فرُّ العون ممن يدَّعِي إيمان فرعون وذكرتُ هُناكَ خلاصة: أن الأحوط في أمرِ الدين هو السكوت عن نَفْسِ ابنِ عربي حيثُ اختلف العلماء في أنه صديق أو زنديق، وعلى الثاني لعله مات تائباً، وتحرمُ مطالعة كتبه؛ لأنها مشحونة بما يُخالف عقائد المُسلمين في مقام الإيمان والتصديق، والله ولي التوفيق.
ثم اعلم أن القول بالحُلُولِ والاتحادِ المُوجبِ لحُصُولِ الفسادِ والإلحادِ شرٌّ من المجوس والثنوية والمانوية القائلين بالأصلين؛ النورِ والظُّلمةِ، وأَنَّ العالم صدرَ عنهما، وهُم مُتَّفقون على أن النور خيرٌ من الظُّلمةِ، وهو الإله المحمود، وأنَّ الظُّلمةَ شِرِّيرةٌ مذمومة، وهم متنازعونَ في الظلمة، هل هي قديمةٌ أو مُحدَثةٌ؛ فلم يُثبتوا بينَ مُتماثلينَ، وقد قال تعالى رداً عليهم: لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ} [النحل: (51)]، وقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: (1)].
وقد ورد: «أَنَّ الله خلق الخلق في ظُلمةِ، ثم رشّ عليهم من نوره؛ فمَن أصابه من ذلك النور فقد اهتدى، ومن أخطأ فقد ضل واعتدى».
وكذا شر من النصارى القائلين بالتثليث؛ فإنهم متفقون على أن صانع العالم واحد، ويقُولُونَ: باسم الأب والابنِ ورُوح القُدُسِ إله واحدٌ؛ فقولهم في التثليث مناقض في نفسه، وقولهم في الحُلُولِ أفسد منه بحسب أصله. وأما ما أنشدَهُ شيخُ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله الأنصاري في محض
التوحيد وصرفِ التفريدِ في كتابه منازل السائرين»؛ حيثُ قال: ما وحد الواحد من واحد إذ كُلُّ مَن وحدَهُ جاحد توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد توحيدهُ إِيَّاه توحيده ونعتُ مَن ينعته لاحد
فليس فيه إلا أنه لا يعرفُ الله ما سواه، وحاشاه أن يُريد به الاتحاد ليتشبث بهِ الاتحادي، ويُقسم باللهِ جَهْدَ أيمانه أنهُ معهُ، وهذا دأب أهل الباطن؛ أنهم يُروِّجونَ مذهبهم بانتسابه إلى بعض أهلِ الحقِّ عندَ الجُهَّالِ ممن لا تمييز له بين الأقوالِ؛ كالشيعة ينتسبون إلى الإمام جعفر الصادق، وهو بريءٌ منهُم ومُتنزّه عنهم عندَ من يعرفُ مقامَهُ ويتبيَّنُ لهُ مرامه حين يسمع كلامه، وكالملحدين يتعلَّقون بأشعار العطّارِ، والحافظ، ومير قاسم الأنوار، وأمثالهم من أرباب الأسرارِ، وكما أنا المبتدعةُ كلُّهم يستدلونَ على مُدَّعائهم بالآياتِ القرآنية وبعض الأحاديث النبوية.
والحاصل: إن القُرآنَ وكلام أهلِ العِرفان؛ كبحر النيل ماء للمحبوبين، ودماء للمحجوبين، وقد قال تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: (26)]، {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: ??] فَأَمَا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا نَشَبَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: (7)]؛ فيُفيد أنه لا يجوز تأويله إلا بما وافق تنزيله
ولقوله: «نحن نحكم بالظواهر، والله أعلم بالسرائر»، أما إذا طابق
التأويل التنزيل؛ فهو نورٌ على نور، وسرور على سرور.
هذا وقد ثبت بضرورة العقل وأدلة النقل وجود موجودين؛ أحدهما واجب، والآخرُ مُمكن أحدهما قديم، والآخرُ حادث؛ أحدهما غني عمَّا سواه، والآخر فقير إلى الله؛ أحدهما خالق، والآخرُ مخلوق، وهما متفقان في كون كل منهما شيئاً موجوداً ثابتاً.
إلا أنَّ من المعلوم أن أحدهما ليس مماثلاً للآخر في حقيقته؛ إذ لو كان كذلك لتماثلا فيما يجب ويجوز ويمتنع، وأحدهما يجبُ قِدَمُه وهُو موجُودٌ بنفسه، والآخرُ لا يجوزُ قِدَمُه ولا هو موجُودٌ إلا بغيره، فلو تماثلا لزم أن يكونَ كُلٌّ منهما واجب القِدَمِ ليس بواجب القِدم، موجُوداً بنفسه غير موجُودِ بنفسه؛ خالقا ليس بخالق، غنياً غير غني؛ فيلزم اجتماعُ الضّدين على تقدير تماثلهما؛ فعُلِمَ أن تماثلهما مُنتَفٍ بصريح العقل كما هُو مُنتفِ بنصوص النقلِ؛ فعُلِمَ بهذهِ الأدلةِ اتَّفاقهما من وجه، واختلافهما من وجه؛ فمن نفى ما اتَّفقا فيه كانَ مُعطّلاً قائلاً بالباطل، ومن جعلهما متماثلين كان
مشبهاً قائلاً بالباطل، وأما من جعلَهما مُتحِدَينِ؛ فكفر صريح ليس تحته طائل. وتحقيق ذلك: أنهما وإن اتفقا في مُسمَّى ما اتفقا فيهِ؛ فالله تعالى مُختص بوُجُودِهِ وعلمه وقدرته وسائر صفاته، والعبد لا يُشاركه في شيء من ذلك، والعبد أيضاً مُختص بوُجُوده وعلمه وقدرته، والله تعالى مُنَزَّه عن مُشاركة العبد في خصائصه؛ وإذا اتفقا في مُسمَّى الوُجُودِ والعلم والقُدرةِ؛ فهذا المُشتَركُ مُطلقٌ كليٌّ يُوجد في الأذهانِ لا في الأعيان، والوجود في الأعيانِ لا اشتراك فيه.
وهذا موضع اضطربَ فيه كثير من الحُكماء؛ حيثُ توهموا أنَّ الاتفاق في مُسمَّى هذه الأشياءِ يُوجبُ أن يكونَ الوُجُودُ الذي للرب كالوجودِ الذي للعبد، وطائفةٌ ظَنَّتْ أنَّ لفظ الوجودِ يُقالُ بالاشتركِ اللفظي، وكابروا عقولهم؛ فإنّ هذهِ الأسماء عامَّةٌ قابلة للتقسيم كما يُقالُ: الوُجُودُ ينقسم إلى واجب، ومُمْكنٍ، وقديم، وحادث، ومورد التقسيم مُشترك بينَ الأقسامِ.
وأما اللفظ المُشترك؛ كلفظ المُشتري الواقع على آخذ المتاع، والكوكب؛ فلا ينقسم معناه، ولكن يُقالُ: لفظ المُشتري يُطلق على كذا وكذا، وأمثال هذه المقالاتِ التي قد بُسِطَ الكلام عليها في مواضعها الأليق بها، فأصلُ الخطأ والغلط توهمهم أ هذه الأسماء العامةَ الكلية يكونُ مُسمَّاها المُطلقُ الكُليُّ هُو بعينه ثابتاً في هذا المُعيَّنِ، وهذا المُعيَّنُ ليس كذلكَ؛ فإنَّ ما يُوجد في الخارج لا يُوجدُ مُطلقاً كُلياً، بل لا يُوجد إلا متعيَّناً مختصاً.
وهذه الأسماء إذا سُمِّيَ الله بها كان مُسمَّاها مُستحقاً بها، فإذا سُمِّيَ بها العبد كان مسماها مختصاً به؛ فوجود الله وحياته لا يشترك فيها غيره، بل وجود هذا الموجُودِ المُعيَّن لا يشركه فيه غيره، فكيف بوُجُودِ الخالقِ؛ ألا ترى أَنَّكَ تَقولُ: هذا هو ذاكَ؛ فالمشار إليه واحد لكن بوجهين مختلفين.
ثم اعلم: أنه سُبحانهُ كما أنَّ ليسَ لَهُ مِثْلُ في الذاتِ، ليسَ لَهُ مِثْلُ فِي الصِّفاتِ، وهذا بطريق الإجمالِ مُستفاد من قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ} [الشورى: ??]؛ أي: ذاتاً وصفةً وفعلاً، وأما بطريق التفصيل؛ فكلُّ نفي يأتي في صفاتِ اللهِ إِنما هو لكمالِ ثُبُوتِ ضِدّهِ؛ كقولهِ تعالى: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: (49)]؛ أي: لكمال عدله، وقوله: لَا يَعْرُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} [سبأ: (3)]؛ أي: لكمال علمه؛ وقوله: {وَمَا مَسَّنَا مِن لُغُوبٍ} [ق: ??]؛ أي: لكمال قدرته، وقوله: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: (255)]؛ أي: لكمال حياته وقتُومِيَّتِهِ، وقوله: {لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَرُ} [الأنعام: (103)]؛ أي: لكمال جلاله وعظمته وكبريائه ومهابته.
وقوله: لَمْ يَلِدٌ} [الإخلاص: ?]؛ أي: ليسَ بحادث، وَلَمْ يُولد [الإخلاص: (4)]؛ أي: ليس محلاً للحوادثِ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: (5)]؛ أي: شبيهاً له في ذاته وصفاته، وقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِرَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا} [فاطر: (44)]؛ فنبَّهَ سُبحانه في آخرِ الآية على دليل انتفاء العَجْزِ، وهو كمالُ العِلمِ والقُدرةِ، وذلك لأنَّ النفي الصِّرْفَ لا مدح فيه.
وعكس المتكلمون وتركُوا الطريق الأمثل؛ حيثُ أتوا بالإثباتِ المُجمَلِ والنفي المُفصَّلِ، وقالوا: ليسَ بجسمٍ ولا شَبَحٍ، ولا جِنَّة ولا صُورة، ولا لحم ولا دم، ولا شخص ولا جوهر ولا عَرَضٍ، ولا بذي لون ولا طَعْمِ ولا رائحة، ولا بحِسَّةٍ ولا بذِي حرارة ولا برودة، ولا رُطُوبة ولا يُبوسة، ولا طُولِ ولا عَرْضِ ولا عُمق، ولا اجتماع ولا افتراق، ولا يتحرَّكُ ولا يسكنُ، ولا يتبعضُ، وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء، وليس بذي جهات، ولا بذي يمين، ولا شمال وأمام وخلف وفوق وتحت ولا يُحيط به مكان، ولا يجري عليه، زمان، ولا يجوز عليه المُمَاسَةُ، ولا العُزلة، ولا الحُلُولُ في الأماكن، ولا يُوصفُ بشيءٍ من صفاتِ الخَلْقِ الدَّالِةِ على حدوثهم، ولا يُوصف بأنه متناه، ولا يُوصفُ بمَساحةٍ، ولا ذهاب في الجهات، وليس بمحدود، ولا ولد ولا مولود، ولا يُحيط به الأقدارُ، ولا تحجبه الأستار ... إلى آخر ما نقله أبو الحسن الأشعري رحمه الله عن المعتزلة.
وفي هذا النفي المُجرَّدِ مع كونه أنه وَصْفُ بالمعدوم؛ لا مدح فيه، بل فيه إساءة أدب؛ فإنَّكَ لو قلت للسلطان: أنتَ لستَ بزبَّالٍ ولا كساحٍ ولا حجَّامِ ولا حائكِ؛ لأَدَّبكَ على هذا الوصفِ وإن كنتَ صادقاً، وإنما تكون مادحاً إذا أجملتَ النفي، فقلت: أنتَ لستَ مثل أحدٍ من رعيتكَ أنتَ أعلى منهم وأكمل وأشرفُ وأجل. فالصواب هو التعبير عن الحقِّ بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية، كما هو سبيل أهلِ السُّنَّةِ والجماعة، وطريقُ السادة الصوفية السنيّة، لا ما ابتدعَهُ المُعطَّلة والمعتزلة، ولا ما اخترعوه من المباني والمعاني اللغوية والعرفية.
قالَ القُونَويُّ - بعدما بحث مع المعتزلة -: أنَّهُ كيف يصح كونه مُتكلّماً بكلام يقوم بغيره؛ إذ لو صح ذلك للزم أن يكونَ ما أحدثَهُ في الجمادات والحيوانات كلاماً، فيلزم أن يكون متكلماً بكل كلام خلقه في غيره زوراً و كُفراً؛ تعالى شانه وعظم برهانه وقد اطَّرِدَ الاتحادِيَّةُ، فقالَ ابنُ عربي:
وكلُّ كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه انتهى.
وقد بلغني: أنَّ واحداً منهم سمِعَ نُباحَ كلب، فقال: لبيك، وسجد له، فهل هذا إلا كفر صريح ليس له تأويل صحيح، مع مُناقضته لقوله: «إِنَّ أحدكم إذا سمِعَ نباح كلب، أو نهيق حمارٍ؛ فليتعوَّذْ فإنَّه رأى شيطانا»؛ فهؤُلاءِ أَضَلُّ مِن كُلِّ مَن تَكلَّمَ في الكلام، وهم أصناف تسعةٌ، كما بيَّنتُ كلامَهُم في «شرح الفقه الأكبر» للإمام.
وأيضاً قد قالتِ النصارى: إنَّ عيسى نفسُ كلمةِ اللهِ واتَّحد اللاهوت بالناسوتِ؛ أي شيء من الإله بشيءٍ من الناس؛ فضلُّوا وأضلُّوا، مع أنهم صوَّروهُ وحصروهُ في مظهر العجائب ومظهر الغرائب؛ فكيف القولُ بعُمُومِ الكلام، وشُمولِ المَرامِ، واستواء الخاص والعام.
وما أحسن المثل المضرُوبَ لمُثْبتِ الصِّفاتِ من غير تشبيه ولا تعطيل باللبن الخالص السائغ للشاربين يخرجُ من بينِ فَرْثِ التعطيل ودم التشبيه؛ فالمعطل يعبد عدماً، والمُشبّه يعبد صنماً، ولا شك أن تعطيل الصفاتِ شر من تشبيهها.
ثم اعلم: أنَّ من أبى إلا تحريف الكتابِ والسُّنَّةِ وتأويلهما بما يُخالف صريح كلام الأئمة؛ فلا يشاءُ مُبطل أن يتأوَّلَ النُّصُوصَ ويُحرِّفها عن مواضعها إلا وجدَ إلى ذلك سبيلاً، وهذا الذي أفسد الدنيا والدين، وهكذا فعلتِ اليهود والنصارى في نُصُوص التوراة والإنجيل وحذَّرنا الله أن نفعل مثلهم وأبي المُبْطِلُونَ إلا أن يسلكوا سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية؛ فهل قُتلَ عُثمانُ إلا بالتأويل الفاسد.
وكذا ما جرى يومَ الجملِ وصِفِّينَ ومقتل الحسين والحرَّةِ، وهل خرجت الخوارج ورفضت الروافض، واعتزلتِ المُعتزله، وافترقت الأمَّةُ على فِرق جمَّةٍ إلا بالتأويل الفاسد على وفق مُتابَعةِ العقل الكاسدِ، ثم كيف يُفسَّرُ كتاب الله بغيرِ ما فسَّر به رسُولُ الله الذي قال في حقِّهِ: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: (44)]. وقد قال: «مَن قال في القُرآنِ برأيه فقد كفر، فكيفَ مَن تكلَّم في
ذاتِ الله وصفاته بالأهواء الردية والآراء البدعية، ولا عبرة بقولِ مَن يَقُولُ: العقل يشهد بضد ما دلّ عليه النقل، والعقل أصل النقل؛ فإذا عارضه قدَّمنا العقل، بل إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل؛ لأنَّ النقل في نفس الأمر لا يكونُ مطابقاً للعقل؛ فإنَّ العُقُولَ مُختلفة، ولذا ترى أصحابها متفرقة، ولذا قيل في المثل: العقلُ مع النقل؛ كالعامي المُقلد مع العالم المجتهد. وقد قالَ الدَّارانيُّ: كلُّ خاطر خطرَ واستقرَّ بالبال فاعرضه على ميزان الكتابِ
والسنة، فما وافقهما قبلته، وما خالفهما تركته.
فالواجب كمال التسليم ل له الله في التحكيم؛ فلا يحاكم إلى غيره، ولا يُوقفُ بتنفيذ أمره وتصديق خبره على عَرْضِهِ على قولِ إمامِ مذهبه وشيخ مشربه وأهل زمانه ومكانه، بل إذا بلغه الحديث الصحيحُ يعدُّ نفسَهُ كأَنَّهُ سمعه من رسُولِ اللهِ؛ فلا يرضى بعد تحقيق أمره إلى تقليد غيره؛ كما قال إمامنا الأعظمُ: لا يحلُّ لأحدٍ أن يَقُولَ بقولنا ما لم يعرف من أين قُلنا. أو هذا معناه
وكما قال الإمام الشافعي: إذا ثبتَ الحديثُ فاضربوا قولي على الحائط. فإذا كان هؤلاء المجتهدون في الدين، الكاملونَ في مقام اليقين في هذه المرتبة، فما بالُ مَن يُقلّد ابن عربي وغيره في كلام - هل صدر عنه أم لا ـ مما يُخالف صريح الكتاب والسنة، ويُوجب الكفرَ أو البدعة، ويترك متابعة سائر المشايخ والأئمة.
فإنْ كنتَ أيُّها الأخُ من المجتهدين؛ فاعمل بما في الكتاب والسنة من أمر الدين، وإن كنتَ من المقلدين؛ فتقلد قول العلماء العاملين والمشايخ الكاملين
المُجمع على ديانتهم وتحقيق أمانتهم وتصديق إمامتهم؛ عملاً بقوله:
«عليكم بالسواد الأعظم.
والحاصل أنه لا يثبت قدمُ الإسلام إلا على ظهرِ الاستسلام لكتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسوله؛ فقد روى البخاري عن الزهري أَنَّهُ قالَ: مِنَ اللَّهِ الرسالة، وعلى الرسُولِ البلاغ، وعلينا التسليم، وهذا كلامٌ جامع نافع، وعن جميعِ البِدَعِ مانع؛ فمن رام عِلْمَ ما حُظِرَ عنه علمه، ولم يقنع بالتسليمِ فَهُمُهُ؛ حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة وصحيح التفريد، ولم يترق إلى مقام التحقيق، بل تنزَّلَ إلى حَضيض التقليد؛ قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَنهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} [القصص: (50)]، وإنما دخل الفساد في العالم من ثلاثِ فِرَقِ؛ كما قالَ ابنُ المُبارك:
رأيتُ الذُّنُوبَ تُميتُ القُلُوبَ وقد يُورثُ الذُّل إدمانها وترك الذُّنُوبِ حياةُ القُلُوبِ وخير لنفسِكَ إحسانها وهل أفسد الدين إلا المُلُوكُ وأحبارُ سُوءٍ ورهبانها فالملوك الجبابرة يعترضون على الشريعة بالسياسات الجائرة، ويُعارضونها بها، ويُقدِّمونَها على حُكْمِ الله ورسوله الله و أحبارُ السُّوءِ هم العُلماء الخارجونَ عن الشريعة بآرائهم وأقيستهم الفاسدةِ المُتضمنة تحليل ما حرَّمَ الله ورسوله، وتحريم ما أباحه و اعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وإطلاق ما قيَّده، وتقييد ما أطلقَهُ، ونحو ذلك.
والرُّهبانُ: هم جهَلةُ المُتصوّفة، المُعترضون على حقائق الإيمان والإسلام ودقائق الشريعة، والأحكام بالأذواق والمواجيد الخيالية النفسانية، والكشوفات الباطلة الشيطانية؛ المُتضمنة شرعَ دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرع على لسان نبيه، و التعرُّض عن حقائق الإيمان بحظوظ النفس وخدع الشيطان.
فقال الأولون: إذا تعارضت السياسة والشرع؛ قدمنا السياسة حفظاً للرياسة. وقال الآخرُونَ: إذا تعارض العقل والنقل؛ قدَّمنا العقل؛ لأن العقلَ يُثبتُ النقل. وقال أصحاب الذوق: إذا تعارض الكشف وظاهر الشرع؛ قدَّمنا الكشف؛ لأن الخبر ليس كالمعاينة.
ولم يدروا أن أخبارَ اللهِ ورسولِهِ صلى الله عليه وسلم فوق مرتبةِ عَيانِ الخلق؛ فكيف بالكشف الذي هو محل اللبس، ولذا ترى الكشوف مختلفة وآثارها غير مؤتلفة؛ فكلُّ مَن قال برأيه، أو ذوقه، أو سياسته، مع وُجودِ النص، أو عارض النص بالمعقول؛ فقد ضاهى إبليس حيثُ لم يُسلَّمْ لأمرِ ربِّه، بل قالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْنَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: ??].
وقد قال تعالى: {مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: (80)]، وقالَ: {قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} [آل عمران: ??]، وقال: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: (65)]. فالدائر الحائر بين المنقُولِ والمعقولِ يَتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق
والتكذيب، والإقرار والإنكار؛ موسوساً تائهاً شاكاً زائغاً، لا مؤمناً مُصدِّقاً، ولا جَاحِداً مُكذِّباً، كما قال الطَّحاوِيُّ.
فإن قيل: كيف تتأتى الندامة والتوبةُ والمَلامةُ مع شُهُودِ الحِكْمَةِ في التقدير مع شُهُودِ القَيُّوميَّةِ والمشيئة النافذة؟
قيل: هذا هُوَ الذي أوقعَ مَن عَمِيتُ بصيرته في شُهُودِ الأمرِ على ما هُوَ عليهِ، فرأى تلك الأفعال طاعات؛ لموافقته فيها القَدَرَ والمَشيئة، وقالَ: إِنْ عصيتُ أَمرَهُ؛ فقد أطعتُ إرادته، كما قال قائلهم: أصبحتُ مُنفعلاً لِمَا يَختاره مِنِّي فَفِعْلِي كُلُّهُ طاعات وهؤلاء أعمى الخلق بصائر، وأجهلهم بالله وأحكامه الدنيوية والكونية؛ فإِنَّ الطَّاعة هي موافقةُ الأمرِ الشَّرعيّ لا مُوافقةُ القَدَرِ والمَشيئةِ، ولو كانَ مُوافقةُ القَدَرِ طاعةً لكانَ إبليس مِن أعظمِ المُطيعينَ.
والحاصل: أنَّ هذا ليس بطاعة صدرت عن إطاعة، بل انقياد للعبودية، واستسلام تحتَ أحكام الربوبية؛ كما قال تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: ??].
وزبدة الكلام في هذا المقام أن العبد إذا شَهِد عجْزَ نفسه، ونُفوذ الأقدارِ به، وكمال فَقْرِه إلى ربه، وعدم استغنائه عن عصمتِه، وحفظه طرفة عين؛ كانَ باللهِ في هذه الحال لا بنفسه في الأفعالِ؛ فوقوعُ الذَّنْبِ منه حينئذٍ كالمُحال؛ فإنَّ عليه حِصْناً حَصِيناً من مقام بي يَسمعُ، وبي يُبصرُ، وبي يبطش، وبي يَمْشِي؛ فإِذا حُجِبَ
عن هذا المشهد، وبقي بنفسه استولى عليه حُكْمُ نفسه؛ فهناكَ نُصِبَتْ عليهِ الشَّباك والأشراك، وأُرسلت عليه الصيَّادونَ.
فإذا انقشع عنهُ ضَبابُ ذلكَ الوُجُودِ الطَّبَعَيِّ، وانفتح له بابُ الشُّهُود الشرعي، بحضرة الندامة والتوبة والملامة والإنابة؛ فإنَّهُ كانَ في المعصية محجوباً بنفسه عن ربه، فلمَّا فارقَ ذلكَ الوُجُودَ صارَ في وجودِ آخر؛ فبقي بربه لا بنفسه، وإليه الإشارة في حديث: «لا يَزني الزاني وهُو مُؤمِنُ»، وسرُّ القَدَرِ عن البشر؛ ففي الإنجيل: يا بني إسرائيل! لا تقولُوا: لِمَ أَمَرَ رَبُّنا، ولكنْ قُولُوا: بم أمر ربنا؛ لأنَّ اللهَ سُبحانهُ لا يُسأل عما يفعلُ؛ لكمال عدله وحكمته، لا لمجرد قهره وقدرته؛ خلافًا لجَهْمِ وشيعته.
وقد قال الطَّحاوِيُّ: إِنَّ العِلمَ عِلمانِ: علمٌ في الخلق موجود، وعلم في الخلقِ مفقود؛ فإنكار العلم الموجُودِ كُفْرٌ، وادّعاء العلم المفقُودِ كفر، ولا يثبتُ الإيمانُ إلا بقبُولِ العلمِ الموجُودِ، وترك طلب العلم المفقود، انتهى.
ويعني بـ العلم المفقود علمَ القَدَرِ، الذي طواه الله عن أنامِه، ونهاهم عن مرامه، ويعني بـ العلم الموجود علمَ الشَّريعة؛ بأُصُولِها وفروعها، فمَن أنكر شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كان من الكافرين، وكذا من ادعى علم الغيب.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الله قال: من عَادَى لي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحربِ، وما تَقَرَّبَ إِليَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إليَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِليَّ بِالنَّوَافِلِ حتى أُحِبَّهُ؛ فإذا أَحْبَبْتُهُ كنتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ التي يَبْطِشُ بِها وَرِجْلَهُ التي يَمْشِي بها ... ».
ثم لا يلزم من خفاءِ حِكمة الله تعالى علينا عدمُها في نفس الأمرِ؛ فمن الحِكَمِ المجهولة عندنا خَلْقُ المُؤذي من الأشياء، وإيلام الأطفال والأنبياء.
ثم من علامة مرض القلبِ عُدُولُه عن الأغذية النافعة الموافقة له إلى الأغذية الضارة، وعُدُوله عن دوايه النافع إلى دوايه الضَّار، كما عليه أكثرُ الفُجَّارِ؛ حيثُ يميلون عن العُلُومِ الشَّرعية الإلهية إلى العُلُومِ الطبيعية النفسية، وقد قال: «إِنَّ مِنَ العلم جَهْلاً، وقال: «أعوذُ باللهِ من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع. ثم أنفع الأغذية غذاء الإيمان، وأنفع الأدوية دواء القُرآنِ؛ فمَنْ طَلبَ الشَّفاءَ من غير الكتابِ والسُّنَّةِ؛ فهو من أجهل الجاهلين وأضلَّ الضَّالينَ.
ثم من المُعتَقدِ المُعتَمدِ كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، كما كانَ قبل خلق الموجودات وظُهُورِ الكائناتِ.
وأما القولُ بأنه غيرُ مُتصل بالعالَمِ وغيرُ مُنفصل عنه؛ فغير مقبول، فكيفَ بالاتصال من وجه، وبالانفصال من وجه، مع أَنَّهُ يلزم منه أن يكونَ باركَ النَّسمَاتِ محلاً للخسائس والقاذورات، فكما أَنَّهُ تعالى مُنَزَّه عن أن يكونَ لَهُ مَكانٌ؛ فمُنَزَّه عن أن يكون مكاناً لغيره.
وإنما مال هذا القائل بالإلحادِ الباطل إلى مذهب الفلاسفة المُسمَّونَ عند من يُعظُّمُهم بالحكماء، وهم أسْفَهُ السُّفهاء؛ حيثُ ذهبوا إلى أنَّ الله سبحانه وجود مجرد لا ماهية له ولا حقيقة له؛ فلا يعلم الجزئيات بأعيانها، وكلُّ موجُودِ في الخارج فهو جُزئي، ولا يفعل عندهم بقدرته ومشيئته، وإنما العالم عندهم لازم له أزلاً وإن سموه مفعولاً له، فمصانعة ومصالحة للمسلمين في اللفظ، وليس عندهم بمفعول ولا مخلوق ولا مقدور عليه، وينفونَ عنه سمعه وبصرَه وسائر صفته؛ فهذا إيمانهم باللهِ سُبحانهُ.
وعن أبي حنيفة رحمه الله أَنَّهُ قال: لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذاتِ الله بشيء، بل يصفه بما وصف به نفسَه.
ثم الحذر الحذر من أن يُتوهَّمَ أنَّ مَن أخطأ في عقيدته يكون معذوراً، بل باتِّفاقِ المُسلمين يكون موزوراً، ثم تأويلها تأويلات باطلة على وجه يُوافقُ قولَ أهلِ الحق، هل يُفيده أم لا؟
ففيه خلافٌ مشهورٌ؛ فإنَّ طوائف من أهل الكلام والفقه والحديثِ يَقُولُونَ بكفرهِ وإِن كانَ مُتأولاً في نفسه.
وقال شارح «عقيدة الطحاوي»: إنَّ مذهبَ الجَهْمِ بنِ صفوان: أن الإيمانَ هُو المعرفة بالقلب فقط؛ فلازمه أنَّ فرعون وقومه كانُوا مُؤْمِنِينَ عِندَهُ؛ فَإِنهُم عرفُوا صدقَ مُوسى وهارُونَ عليهما الصَّلاة والسَّلامُ ولم يُؤمنوا بهما، ولذا قال موسى لفرعون: ولَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ [الإسراء: (102)]، وكذا أهل الكتابِ كانُوا يعرفُونَ النبي الله كما يعرفُونَ أبناءهم ولم يَكُونُوا مُؤمِنينَ بل كافرين مُعاندين، وكذا أبو طالب؛ فإنه قال:
لقَدْ عَلِمْتُ بأنَّ دينَ مُحَمَّدٍ
ن خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسيَّة لوجدتني بذاك سمحاً مبينا بل يكون إبليس مؤمناً عند الجهم؛ فإنه لم يجهل ربَّه بل هو عارف به {قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الأعراف: (14)]، {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْنَنِي} [الحجر: (39)]، {قَالَ فَبِعِزَّيْكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: ??]، والكُفْرُ عندَ الجهم هو الجهل بالرب تعالى، ولا أحدٌ أجهلَ منهُ بربه؛ فإنه جعلَهُ الوُجُودَ المُطلق وسلب عنه جميع صفاته ولا جهل أكثر من هذا؛ فيكون كافراً بشهادته على نفسه.
وكان الجَهْمُ بخُراسان وأظهر مقالتهُ هُناكَ، وتبعه عليها جمع بعد أن ترك الصَّلاةَ أربعين يومًا شكاً في ربِّه، وكان ذلك لمُناظرته قوماً من المُشركينَ يُقالُ لَهُم: السُّمَنِيَّة؛ فلاسفةُ الهند، الذين يُنكرُونَ من العُلُومِ ما سوى الحِرِّياتِ؛ قالوا له: هذا ربُّك الذي تعبده، هل يُرى أو يُشمُّ أو يُذاقُ أو يُلمس؟ فقال: لا؛ فقالوا: هو معدوم؛ فبقي أربعين يوماً لا يعبد شيئاً، ثم لما خلا قلبه من معبود تألهه؛ نقش الشيطان اعتقاداً تحتَ فِكْرِه، فقالَ: إِنَّهُ الوُجُودُ المُطلق، ونفى جميع الصفاتِ.
وقد تنازع العُلماء في الجَهْمِيَّةِ؛ هل هُم من الثنتين وسبعينَ فِرقةً أم لا؟ ثم اعلم أنَّ المُعتقَد الحقِّ: أن الجنة والنار لا تفنيان، وأدلتهما مملوء من الكتاب والسنة، وقيل: تبقى الجنة وتفنى النار. قال شارح «عقيدة الطحاوي»: وهو قول جماعة من السلف والخلفِ مذكُورٌ في كثير من كتب التفسير وغيرها، انتهى
وهذا غير مشهورٍ ولا مذكور كما لا يخفى، وعلى تقديرِ ثُبوته يكون محمولاً على طبقة مختصة بعُصاةِ المُؤمنينَ دونَ الكافرين، ومما يدلُّ على هذا التأويل إطلاقُ نقله عن ابنِ عُمَرَ وابنِ مَسْعُودٍ وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم.
ثم قال: وقد روى عبد بن حميد في تفسيره المشهورِ بسنده إلى عمرَ رَضِي الله عنه أنه قال: لو لَبِثَ أهل النارِ في النارِ كقَدْرِ رَمْلِ عَالِجٍ، لَكَانَ لَهُم على ذلكَ وَقتَ
يخرجُونَ.
وقيل: بفناء الجنة والنار، وقائله الجهم بن صفوانَ إمامُ المُعطَّلة، وأنكره عليه عامَّةُ أهلِ السُّنَّةِ وكفّروهُ بهِ، وأبو الهُذيل العلَّافُ شيخُ المعتزلة وافقَهُ على هذا.
ثم قال الشارح: فللناسِ في أَبدِيَّةِ النارِ ودوامها أقوال:
منها: أن أهلها يُعذِّبُونَ فيها إلى وقت محدود، ثم يخرجُونَ منها، ويخلُفُهم فيها قوم آخرُونَ، وهذا القول حكاه اليهود للنبي، وأكذبَهُم فيه، وقد أكذبَهُمُ اللهُ بقوله: {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَا مَا مَعْدُودَةً} [البقرة: (80)] الآية. ومنها: أنَّ أهلَها يخرجُونَ منها، وتبقى على حالها ليس فيها أحدٌ.
ومنها: أنها تفنى بنفسها؛ لأنَّها حادثةٌ، وما ثبتَ حُدُوثُه استحال بقاؤُهُ، وهذا قولُ الجَهْمِ وشيعته، ولا فرق عندَه في ذلكَ بين الجنة والنار، كما تقدَّمَ، والجواب عن شُبهته أنَّ بقاء الجنة والنارِ َليسَ لذاتهما، بل بإبقاء الله لهما.
ومنها: أنَّها تفنى حركات أهلها ويصيرونَ جماداً لا يَحسُّونَ بألم، وهذا قول: بدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء: (56)]، وقوله تعالى: {فَذُوقُوا فَلَن نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} [النبأ: (30)]، وقوله: {وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا} [فاطر: (36)]، وقوله: وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [المائدة: ??]، وقوله: لَا يُفَتَرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزخرف: (75)]؛ أي: حائرون آيسون.
ثم اعلم: أنَّ الجَهْمَ هذا هو ابن صفوانَ التّرمذي رئيس الجبريَّةِ، القائلين: بأنَّ التدبير في أفعال الخلق كلُّها الله تعالى، وهي كلُّها اضطرارية، كحركاتِ المُرتَعِشِ، والعُرُوقِ النابضة، وحركاتِ الأشجار، وإضافتها إلى الخلقِ مجاز، وهيَ على حسْبِ ما يُضافُ الشيء إلى محله دونَ ما يُضافُ إِلى مُحَصَّلِهِ.
وقابلَتْهُم المُعتزلة، فقالُوا: إِنَّ جميع الأفعال الاختيارية من جميعِ الحيوان بخلقها لا تعلق لها بخلق الله تعالى، واختلفُوا فيما بينهم: أَنَّ الله تعالى يقدر على أفعال العباد أم لا؟ وقال أهل الحقِّ: أفعال العبادِ بها صاروا مُطيعينَ وعُصَاةً، وهيَ مخلوقةٌ للَّهِ
تعالى، والحقُّ سُبحانَهُ مُنفرد بخلق المخلوقات لا خالق لها سواه. فالجَبْريَّةُ غالوا في إثباتِ القَدَرِ؛ فنفَوْا صُنعَ العبد أصلاً كما غَالَتِ المُشبِّهةُ في إثباتِ الصِّفاتِ فشبّهوا، والقدريَّةُ نُفاةُ القَدَرِ جعلوا العباد خالِقِينَ مع الله تعالى، ولهذا كانُوا مجوس هذه الأمة، بل أردى من المجوس؛ من حيثُ إِنَّ المَجُوسَ أثبتوا خالِقينَ، وهم أثبتوا خالِقِينَ، وهدى الله أهلَ السُّنَّةِ لِمَا اختلفُوا فيه من الحقِّ بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وليس هذه الرسالة موضعَ بسط الأدلة. وأما ما استدلَّ به الجَبْرِيةُ من قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن اللهَ رَمَى} [الأنفال: (17)]؛ فهو دليل عليهم؛ لأنَّه سُبحانه أثبت لرسوله رمياً بقوله: {وَإِذْ رَمَيْتَ؛ فعلِمَ: أَن المُثبتَ غير المنفي، وذلك أنَّ الرمي له ابتداء وانتهاء؛ فابتداؤه الحذف، وانتهاؤه الإصابة، وكلٌّ منهما يُسمَّى رمياً.
أو يُقال: المعنى: وما رميت خلقاً إذ رميت كسباً، ولكنَّ اللهَ رمى حيثُ خلقك وخلق أسباب الرمي لكَ وقُوَّةَ الكسب فيكَ، وهذا هو عين معنى جمع الجمع الذي عليهِ الصَّادةُ الصُّوفيةُ الرَّضِيَّةُ السُّنِيَةُ السَّنِّيّة.
وفي «العقيدة الطحاوية»: أن نبياً واحدًا أفضل من جميع الأولياء.
قال شارحها: يُشيرُ الشيخ رحمه الله إلى الرد على الاتحادية وجهلة المتصوفة، ممن يظن أنه يصل برياضته واجتهاده في عبادته وتصفية نفسه إلى ما وصلت إليه الأنبياء.
ومنهم من يقُولُ: إِنَّ الأنبياء والرُّسلَ إنما يأخُذُونَ العِلمَ بِالله مِن مِشْكاةِ خَاتَمِ الأولياء، ويدَّعِي لنفسهِ أَنَّهُ خاتم الأولياء، ويكون ذلك العلم حقيقة قولِ فرعونَ، وهو أنَّ هذا الموجُودَ المشهودَ واجب بنفسه ليسَ لهُ صانع مُباين له، لكن هذا يقُولُ: هو الله، وفرعون أظهر الإنكار بالكُليَّةِ، لكن كان فرعون في الباطن أعرف بالله منهم؛ فإِنَّهُ كان مثبتاً للصانع، وهؤلاء ظنُّوا أن الموجُودَ المخلوق هو الموجُودُ الخالقُ؛ كابن عربي وأمثاله، وهُو لَمَّا رأى أنَّ الشرعَ الظاهر لا سبيل إلى تغييره، قال: النبوَّةُ ختمت لكنَّ الولاية لم تُختم، وادَّعى من الولاية ما هو أعظم من النُّبُوَّةِ وما يكونُ للأنبياء والمرسلين، والأنبياء يستفيدون منها كما قال:
مَقامُ النُّبُوَّةِ في برزخ فويقَ الرَّسُولِ ودونَ الولي وهذا قلب للشريعةِ؛ فإنَّ الولايةَ ثابتةٌ للمُؤمنين، كما قال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: (62)]، والنبوَّةُ أخصُّ من الولاية، والرسالة أخصُّ من النبوَّة.
وقال ابنُ عَرَبيٌّ أيضاً في «فصوصه»: ولَمَّا مثل النبي صلى الله عليه وسلم النبوَّةَ بالحائط من اللبن، فرآها قد كمُلتْ إلا موضع لبنة، وكان هو موضع اللبنة.
وأما خاتم الأولياء؛ فلا بد له من هذهِ الرؤية، فيرى ما مثلَهُ بِه النبي، ويرى نفسه في الحائط موضعَ لَبنتين، ويرى نفسه تنطبع في موضع لبنتين، فيكمل الحائط، والسبب الموجب لكونه يراها لبنتين أنَّ للحائط لَبِنةً من فِضَّةٍ وَلَبِنَةٌ من ذَهَبٍ، واللبِنَةُ الفضة هي ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام كما هو آخِذٌ عن الله في السِّرِّ ما هُوَ فِي الصورة الظاهرة متبع فيه؛ لأنَّه يرى الأمر على ما هو عليه؛ فلا بُدَّ أن يراه هكذا وهو موضعُ اللبنة الذهبية في الباطن؛ فإنَّهُ يأخُذُ من المعدنِ الذي يأخذُ منه المَلَك الذي يُوحِي به إلى الرسُولِ.
قالَ: فإن فهمت ما أشرنا إليه؛ فقد حصل لك العلم النافع.
قال الشارح: فمَن ضَربَ لنفسه المَثَلَ بلَبِنةِ ذهب، وللرسُولِ بلبنةِ فِضَّةٍ، فيجعل نفسه أعلى وأفضل من الرسُولِ: تِلْكَ أَمَانِتُهُمْ} [البقرة: (111)] إن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرُمَّاهُم بِبَلِغِيهِ} [غافر: (56)].
وكيف يخفى كُفْرُ مَن هذا كلامه، وله من الكلام أمثال هذا، وفيه ما يخفى منه الكُفْر، فلهذا يحتاج إلى نقدِ جيد ليظهر زيفه؛ فإنَّ من الزَّغَلِ ما يظهرُ لكلِّ ناقد، ومنه ما لا يظهر إلا للناقد الحاذق البصير، وكُفْرُ ابن عربي وأمثاله فوقَ كُفْرِ القائلين: {لَن تُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ} [الأنعام: (124)]، ولكنَّ ابن عربي وأمثاله مُنافِقُونَ زنادقة اتحادية في الدَّرَكِ الأسفل من النارِ، والمنافقون يُعامَلونَ مُعاملةَ المُسلمينَ لإظهارهم الإسلام، كما كان يُظهرُ المُنافِقُونَ الإسلام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ويُبطنونَ الكُفْرَ وهُو يُعاملهم معاملةَ المُسلمينَ لِمَا يَظهرُ منهم، فلو أنه ظهر من أحدٍ منهم ما يُبطنه من الكفر لأجرى عليهم حُكم المُرتد، والله المستعان.
وأما قولُ بعض الجهلة: إنَّ الفقراءَ يُسلَّم إليهم حالهم؛ فكلام باطل، بل الواجب عرضُ أحوالهم وأفعالهم على الشريعة المحمدية، وعلى الكتاب والسُّنة النبوية فما وافقها، قبل، وما خالفها رُدَّ، كما ورد: «مَن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد.
فلا طريقة إلا طريقة الرسول، و لا شريعة إلا شريعته، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا عقيدة إلا عقيدته، ولا يصل أحدٌ من الخلق بعده إلى الحقِّ ولا إلى رضوانِه وجنته وكرامته إلا بمتابعة رسُولِه باطناً وظاهراً، ومَن لم يكن لهُ مُصدِّقاً فيما أخبرَ مُلتزماً لطاعتِه فيما أمرَ مِن الأُمُورِ الباطنة التي في القُلُوبِ والأعمال الظاهرة التي على الأبدان؛ لم يكن مؤمناً فضلاً عن أن يكون وليّاً، ولو طار في الهواء، وسار في الماء، وأنفقَ من الغيب، وأخرج الذهب من الغيب، ولو حصل له من الخوارق ماذا عسى أن يحصل؛ فإنَّهُ لا يكونُ مع تركه الفعل المأمُورَ وتركِ المحظُورِ إِلَّا من أهلِ الأحوالِ الشيطانِيَّةِ المُبعِدَةِ لصاحبها عن الله وبابه، المُقربة إلى سُخْطِه وعقابه.
وأمَّا مَن اعتقدَ من بعض البُلْهِ والمُوَلَّهِينَ مع تركه لمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحوالِه أَنَّهُ من أولياءِ اللهِ؛ فهو ضالّ مُبتدع مُخطى في اعتقادِه؛ فإن ذلكَ الأَبْلَه إما أن يكونَ شيطاناً زِندِيقاً، أو مُزوّراً كاذباً مُتخيّلاً، أو مجنوناً مبذُوراً، ولا يُقالُ: يُمكن أن يكون هذا متبعاً في الباطن وإن كان تاركاً للاتباع في الظاهر؛ فإنَّ هذا خطأً أيضاً، بل الواجب متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً.
والطائفةُ المَلامِيَّةُ - وهم الذين يفعلونَ ما يُلامونَ عليه، ويَقُولُونَ: نحنُ متَّبعونَ في الباطن، ويقصدونَ إخفاء أعمالهم - ضالُّونَ مُبتدعونَ مُخطئونَ في فعلهم ما يُلامون عليه، وهم عكسُ المُرائينَ زَوَّرُوا باطِلَهُم بباطل آخر، والصراط المستقيم بيِّنَ ذلك، وكذلك الذين يُصعقونَ عند سماعِ الأَنْعَامِ الحَسَنَةِ مُبتدِعونَ ضَالُّونَ، وليس للإنسان أن يستدعي ما يكون سبب زوال عقله، ولم يكن في الصحابة والتابعينَ مَن يفعل ذلك، ولو عند سماع القُرآنِ، بل كانُوا كما وصفهم الله تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال ?] وما يحصل لبعضهم عند سماع الأنغام المطربة؛ من الهَذَيانِ والتكلُّم ببعض اللغاتِ المُخالفة للسانه المعرُوفِ منه؛ فذلك شيطان يتكلَّمُ
على لسانه كما يتكلَّمُ على لسان المصروع، وذلك كُلُّه من الأحوال الشيطانية. وأمَّا مَن يتعلَّق بقصة موسى مع الخَضِر عليهما السلام في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدُنّي الذي يدَّعِيه بعضُ مَن عُدمَ التوفيق؛ فهو ملحد زنديق؛ فإن مُوسى عليه السَّلامُ لم يكن مبعوثًا إلى الخَضِرِ ولم يكن الخَضِرُ مأموراً بمتابعته، ولهذا قال له: أنتَ مُوسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، ومحمد صلى الله عليه وسلم مبعُوثُ إلى جميعِ الثقلين بل إلى جميع [أهل] الكونين، ولو كان مُوسى حَيّاً لَمَا وَسِعَه إلا اتِّباعُه، وإذا نزل عيسى إلى الأرض إنما يحكم بشريعة محمد؛ فمن ادعى أنه مع مُحمدٍ كالخَضِرِ مع مُوسى، أو جوَّزَ ذلك لأحدٍ من الأُمَّةِ؛ فَلْيُجدِّدْ إسلامه.
وأما الذين يتعبدُونَ بالرّياضاتِ والخَلَواتِ، ويتركُونَ الجُمَعَ والجَماعات فهم من الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنهُمْ يُحْسِنُونَ صُنعا} [الكهف: (104)]، وكلُّ من عَدَلَ نَ عن اتباع الكتاب والسُّنةِ إِنْ كانَ عالماً؛ فهو مغضوب عليه، وإلا فهو ضال، ولهذا شرع الله لنا أن نسأله في كلّ صلاةٍ: أن يَهدِينا الصِّراطَ المُستقيم صراط الذين أنعمتَ عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصَّالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قالَ: «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالُّونَ». وقال طائفة من السَّلفِ من انحرف من العلماء؛ ففيه شَبَةٌ من اليهود، و من انحرف من العُبَّادِ؛ ففيه شَبَةٌ من النصارى، ولهذا تجد أكثرَ المُنحرِفينَ من أهل الكلام من المُعتزلة ونحوهم فيه شَبَةٌ من اليهود، حتى إن عُلماء اليهود يقرؤونَ كُتب شيوخ المعتزلة، ويستحسنون طريقتهم، وكذا شيوخ العُبَّادِ ونحوهم فيه شبة من النصارى، ولهذا يميلون إلى نوع من الرهبانية والحُلُولِ
والاتحادِ، وسائر أنواع الفَسَادِ في الاعتقاد، والله رؤوف بالعباد.
وقد ذكرَ ابنُ المُقري صاحب الإرشاد» في متنِ «الروض»: أَنَّ مَن شكٍّ في تكفير اليهود والنصارى وطائفة ابن عربي؛ كَفَرَ.
قال شارحه الشيخ زكريا: أي: الذين ظاهر كلامهم عند غيرهم الاتحاد وغيره، وهو بحَسَبِ ما فهِمَهُ كبعضهم من ظاهر كلامهم، والحقُّ أَنَّهُم مُسلَمُونَ أخيار، وكلامهم جارٍ على اصطلاحهم كسائر الصُّوفية، وهو حقيقةٌ عندهم في مُرادِهم، وإن افتقر ـ عند غيرهم ممن لو اعتقد ظاهره كفر - إلى تأويل؛ لأنَّ اللفظ المصطلح عليه حقيقة في معناه الاصطلاحي، مجاز في غيره؛ فالمُعتَقِدُ منهُم لِمَعناهُ مُعتقد لمعنى صحيح، انتهى "
ولا يخفى أنَّ اصطلاحَهُم على تقدير وجُوده لهم؛ مُخالف لمصطلح الصوفية، فإنَّ منهم من كفّره كما قدَّمناه عن الشيخ علاء الدولة السمناني وغيره من الأكابر مع أنَّ ابنَ عربي صرَّحَ بنفسهِ أَنَّ كَلامَهُ هذا ليس فيه تأويل.
ثم هل يجوز لمسلم أن يجعلَ مُصطلحاً مخالفاً للقواعد العربية التي نزل بها القُرآنُ ووقع بها السُّنةُ؛ فتنقلب الحقيقة اللغوية المطابقة للقواعد الشرعية معاني مجازية، والاصطلاحات المُحدَثة حقيقةً عُرفية، وهل لمُسلم أن يقُول: صدق فرعون في قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: (24)]؛ فإنَّ المُراد بالرب هنا المَلِكُ، وهو كانَ سُلطان سلاطينهم، وكذا قوله: {رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ} [الأنعام: (124)]؛ مُبتدأ وخبر، مع أنَّ هذا الكلام ليسَ على مقتضى اصطلاح لهم في هذا المقام، بل إلحاد و زندقة فيما قصده من المَرَامِ.
ثم قوله: وقد نصَّ على ولاية ابن عربي جماعةٌ عارفونَ باللهِ؛ منهم ابنُ عطاء الله، والشيخ اليافعي. مدفوع بإنكار شيخ الإسلامِ عزّ الدِّينِ بن عبدِ السَّلامِ وغيره من العلماء الأعلام والمشايخ الفِخَامِ، وتصريحهم بأَنَّهُ زِنديق.
فالجمعُ بينهما: أَنَّ الأَوَّلِينَ ما تأمَّلُوا كلامَهُ ولا عرفُوا مقامه ولا حقَّقوا مَرامَه، وعلى تقدير التنزلِ في الأمرِ: بأنَّ التعارُضَ مُوجب للتساقط المقتضي لعدمِ الكُفْرِ؛ فنحن نحكم بالظاهر، والله أعلم بالسرائر.
فقول الشارح: الحق باطل بلا مرية فيه؛ إذ ليس بعد الحق إلا الضلال، وهو يُوجب تضليل أرباب الكمال، والله أعلم بالأحوال، ومن اطلع على مباحثه في «الفصوص»، و «الفتوحات المكية جزمَ أَنَّهُ لم يتكلم على مُصطلحات الصوفية، بل أوردها على قواعد العربية.
وأما قول الشارح: أَنَّهُ رُبَّما وقع عنه كلمات في حال الشكرِ والمَحْوِ؛ فمردود بأن تلك الكلمات لم تؤلّف إلا في وقتِ الشُّعُورِ والصَّحْوِ، على أن هذا الشرح والجواب ليسَ مُطابِقاً لِمَا في الكتاب؛ إذ لم يتعرض الماتنُ إلى نفس ابنِ
عربي؛ لاحتمال موته على دين النبي، وإنما قال: وطائفته ممن مشى على طريقته المُنافية لدين الله وشريعته، كما سيظهرُ من كلماته الصريحة في الارتدادِ واتفاق أتباعهم على ظاهر كلامه من الفسادِ على وجه الاعتمادِ وطريق الاعتقاد؛ بحيثُ كلُّ مَن له أدنى عقل، أو عندَهُ شَمَّةٌ من نقل عَلِمَ أَنَّ ضَررَ كُفْرِهم على المسلمين أقوى من كُفْرِ اليهود والنصارى وضُلالِ المُبتدعة أجمعين. فكلام الماتنِ هُوَ الحقُّ، والحق بأن يُتَّبَعَ أحقُّ؛ فانظر إلى ما قالَ، ولا تنظر إلى مَن قال، إن كنتَ من أهل العلم والحالِ؛ فإنَّ بعضاً من الطائفة الوجودية، ذكَرَ الاعتراضات الواردة على الكلماتِ الرديَّةِ المنسوبة إلى ابن عربي وأتباعه الدنية، ونسب إنكارها إلى العُلماءِ القِشيريَّةِ، والمشايخ القُشَيرِيَّةِ، ثم أجابَ عنها بأجوبة واهية غير مرضية؛ فها أنا أُوردها مع أجوبتها على وجهِ يُظهرُ بطلانها وحقيقتها. اعلم: أنَّ الاعتراضات على نوعين؛ نوع لا يتعلَّق بوحدةِ الوُجُودِ، وهي ثمانيةٌ،
ونوع يتعلَّق بها، وهي ثمانيةَ عَشَرَ؛ فالمجموع ستة وعشرُونَ اعتراضاً. الأول: قوله في فَصَّ آدمَ عليهِ السَّلامُ: إِنَّهُ للحقِّ سُبحانهُ بمنزلة إنسانِ العين للعين.
ومحظوره ظاهر، ومحذوره باهر؛ لأنهُ سُبحانهُ قبل إنشاء آدمَ، بل قبل إبداء العالم كان بصيراً، وكان في عالم القِدَمِ يرى الأشياءَ قبلَ ظُهُورِها من الوُجُودِ إِلى العَدمِ. ثم تعليله بقوله: فإنَّه به نظر الحقُّ إلى خلقه فرحِمَهُم؛ ليس بصحيح على إطلاقه؛ إذ خلق الملائكة والشياطين من قبل إيجاده، فلا يكون سبب الرحمة على عباده.
وأمَّا تأويله: بأنَّهُ جعل الإنسانَ علَّةً غائيةً في خلق هذه الدارِ؛ لِمَا وردَ: «لولاك لَما خلقت الأفلاك، ولا الجنة والنار فغير صحيح؛ لأنَّ أفعالَه سُبحانَهُ غَيْرُ مُعلَّلَةٍ، وإن كانت صادرةً عن حِكَمِ مُبيَّنَةٍ أو مُجملةٍ، ومع هذا فالحكمة التي بمنزلة العلة الغائية في الجملة هي المعرفة الإلهية، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: (56)]؛ أي: ليعرفون، كما فسر به ابنُ عباس وغيره، وكما ورد: كنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أن أعرف فخلقتُ الخلق لأن أعرف».
وإنما خص الجن والإنسَ بها؛ لأنهما مظهرا صفات الكمال من صِفَتِي الجمال والجلال؛ إذ الملائكة مختصون بمظهرية اللطف والجمال، كما أن الشياطين محصورون في مظهرية القهر والجلال، بخلاف الإنسان؛ فإن له قابلية كل من المظهرين في عظمة الشأن.
ومن ثم قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَنُ} [الأحزاب: ??]، وهذا معنى قوله: «إنَّ الله تعالى خلق آدم على صورته؟؛ أي: على صُورة جميع أسمائه وصفاته، وبسط
هذا الكلامِ يُخرجنا عن المَرامِ.
ثم ل لَمَّا كانَ نبينا أكمل بني آدم، بل وأفضل أفراد العالم، ورَدَ في حقه: لولاك لما خلقتُ الأفلاك» فهو إنسانُ العين، وعين الإنسانِ، وأَمَّا الله سُبحانهُ فهو عليُّ الشأن، جلِيُّ البُرهان؛ فلا يجوز تشبيه ذاته ولا صفاتِه بشيء من مخلوقاته، وقد نهى الله سبحانه عن مثل ذلك في آياته؛ حيثُ قال: {فَلَا تَضْرِ بُو اللَّهِ الْأَمْثَالُ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: (74)]، {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل: (60)].
الثاني: قوله في فَصَّ آدمَ عليه السلام أيضاً: إِنَّ الإنسان هو الحادث الأزلي والنشأة الدائم الأبدي، انتهى.
والقول بقدَمِ العالَم كُفر بإجماع العلماء؛ خلافاً للفلاسفة من الحكماء، مع التناقض الظاهر، والتعارض الباهر في كلامه؛ حيث جمع في مرامه بين الصفةِ الحُدوثِيةِ والنعتِ الأزليّة، والله سبحانه هو الأول وهو خالق كلّ شيءٍ؛ فتأمل، فإنه موضع ولل، ومحل خَلَلٍ.
وأمَّا مَن أوَّلَ قولَهُ بقوله: إنَّ الإنسان حادث بالوجود الخارجي، وأزلي بالوجود العلمي الإلهي؛ فهو غير صالح أن يكون تأويلاً؛ لقوله الأول على تخصيص المعلوم الإلهي بالإنسان ليس له وجه يكونُ المُعوَّلُ؛ فتأمل لأنَّه قال بنفسه في فَضٌ مُوسى عليه السَّلامُ عند قوله تعالى لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ} [يونس: (64)]: ليست كلمات الله سوى أعيان الموجوداتِ، فيُنسب إليه القدم من حيث ثبوتها العلمي، ويُنسب إليها الحُدوث من حيثُ وجودها الخارجي، انتهى. وهو كلامٌ لا غُبار عليه كما لا يخفى، إلا أنَّهُ لا يُطَابِقُ قولَهُ المَشْهُورَ: من أنه سُبحانهُ أوجدَ الأشياءَ وهو عينها؛ لأن المرتبة العلمية لا تقتضي المنزلة العينية، مع أنَّ كلامَهُ هذا مُناقِضُ أيضاً لِمَا قال في الفتوحات أيضاً في الباب التاسع والستين مِن أَنَّهُ سُبحانهُ لم يُوجدِ الأشياءَ في الأزل لكونه محالاً من وجهين؟ الأولُ: أَنَّهُ لا يُوجِدُ الموجُودَ؛ فإِنَّهُ تحصيل الحاصل في معرضِ الشُّهُودِ.
والثاني: أَنَّهُ سُبحانهُ مُختص بوصفِ الأزلية، فكونُ العالَم أزلياً يُناقضُ أَوَّلِيتَه، وبهذا تبين كلامُ الشيخِ الجَزَري: أنَّ ابنَ عربي كان غلب عليه السوداء، فليس كلامه على أساس البناء.
وأما الشارح القيصري لـ «الفصوص» فقد صرَّح بقِدَمِ الأرواحِ، إلا أنه فرَّقَ بينَ أزلية الأعيان الثابتة والأرواحِ المُجردة، وبينَ أزلية الحقِّ سُبحانهُ: بأن الأرواح وإن كانت أزليةً إلا أن عدمها مُقدَّم على وجُودِها بالتقدم الذاتي؛ لأنَّ وجودَها ليس منها، وأما أزلية الحقِّ فهي عبارة عن نفي الأولية الحقيقية؛ فإنَّ وجودَهُ من ذاته. وأغربَ المُلا جامي وقال بقدَمِ أرواحِ الكاملين وبحدوث أرواح الناقصين، ونسب هذا المذهب إلى الشيخ صدرِ الدِّينِ القُونويُّ، إلا أَنَّهُ لم يُعيِّن محل نقله، والمؤوِّلُ الذي طالع كتب ابن عربي من «الفصوص» و «الفتوحات» مُدَّةَ ثلاثين سنةً من الأوقاتِ صرَّحَ بأنَّه ما وجد في كلامه ما يدلُّ على قِدَمِ الأرواح والأشباح. انتهى.
ولا يخفى أنَّه منقوض بقوله: أوجد الأشياءَ وهو عينها، ومُندَفِعٌ بما سبق من نسبته إلى قِدَمِ العالَمِ في نقل أكابر العلماء، مع أنَّ هذهِ العِبَارةَ بعينها متناقضة الطرفين؛ لأنَّه يلزم من إيجاد الأشياء حدوثها، ومن قوله: وهو عينها قِدَمَها بأسرها، أو قِدَمَ أرواحها.
والحاصل: أن طوائف الإسلام من العلماء والحكماء وغيرهم من أهلِ السنة والجماعة والمعتزلة وسائر أرباب البدعة أجمعُوا على حُدوثِ الأرواح على خلاف في أن خلقها قبل الأشباح بسبعين ألف سنة، أو بسبع مئة ألفِ سنة، وإنما قال بقدَمِ العالَمِ جمع من السُّفهاء الفلسفية، وهم كفرة بإجماع عُلماءِ الأُمَّةِ الحنيفية، وقوله تعالى: {خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: (102)] يشمل
الأرواح والأشباح، وحديث: «أول ما خلق الله رُوحِي نص في هذا المعنى»
إن صح المبنى. وقد ورد في صحيح البخاري عن عائشةَ، وفي «مسند أحمد ومسلم وأبي داود عن أبي هريرة مرفوعاً: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف»، وقد قال تعالى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [الفتح: (7)]؛ أي: مُلْكاً وخَلْقاً.
هذا، وقال المؤوِّلُ: إِن الشيخ ذهب إلى حُدُوثِ العَالَمِ من الأرواحِ والأشباح، وإنما وقعَ غلط كُليٌّ من الشُّرَّاحِ.
قلتُ: فثبتَ حُرمةٌ مُطالعة كتبه؛ لأنَّ دَسَائسَ كلامه وهواجس مرامه إذا خَفِيتْ على مثل القيصري والجَامِي، فكيف بالنسبة إلى غيرهما ممن يُطالعُها وهو في مرتبة العامي. على أن الظاهر أنهما ما ذكرا هذا القول من عندهما ولا معتقدهما، بل لِمَا فَهما من كلامه على ما فهما، ولا عِبرةَ بنقل المؤوِّلِ عن شيخه والطعن فيهما؛ لأنَّه على تقديرِ صِحَّةِ نقله عن شيخه فله أقوال متعارضةٌ وأحوال متناقضةٌ، كما تفوَّهَ مرَّةً بإيمانِ فرعونَ ولُزُومِ أَنَّهُ في الجنة مع الأبرار، وصرَّح مرَّةً بِأَنَّهُ مِن جَبَابِرَةِ الكُفَّارِ، وَأَنَّهُ فِي قَعْرِ النار، وأمثال ذلك كثير في كلامه حيثُ كان مُتردِّداً في مرامه، ومتذبذباً في مقامه. الثالث: قوله في فَصِّ آدمَ أيضاً: إِنَّا ما وصفنا الحقِّ بوصف من الأوصاف إلا كُنا عينَ ذلك الوصفِ، وقد وصف الحقُّ نفسَهُ لنا؛ فمتى شَاهَدْنَاهُ شَاهَدْنا أَنفُسَنَا، ومتّى شاهَدَنا شَاهَدَ نَفْسَهُ، انتهى.
وهذا كفر صريح لا يخفى؛ لأن ذات الإنسانِ وصفته لا تكونُ عين وصفِ الله ونفسه، إلا في مذهبِ الحُلُولِ والاتحادِ ومشرب الوجودي والإباحي وأهل الإلحاد، وهذا الفساد في الاعتقادِ أخربَ العباد، وأضلَّ العِبادَ؛ حيثُ يزعمون أن الشيخ محل الاعتماد.
وأما قول المؤوّلُ: إن هذا مبني على قاعدة من قواعد أهل السنة و [الجماعة]: إِنَّ الصفات الذاتية؛ من الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام في الأفرادِ الإنسانية ليست عين ذواتهم، بل زائدة عليها، وكذا قالوا في حق الباري قياساً للغائب على الشاهد؛ فيلزم من مشاهدتنا صفاتنا مشاهدة صفاته، ومشاهدته سبحانه صفاته مشاهدة صفاتِنا؛ فصدق عليه أنَّ كلَّ
وصف وُصِفَ به سُبحانَهُ هُو صفتنا، بل نحن عين ذلك الوصف. انتهى. ولا يخفى أن مال هذا التأويل شرٌّ من ذلك القيل؛ فإنَّ صفات الحق أزلية ثابتة له بنعتِ القِدَمِ، وصفات الخلق ناقصة حادثة من العدم، فأيُّ مُناسبة بينَ الصفاتين، ثم أيُّ مُلازمة بين المُشاهِدَتَينِ، وكيف تكون صفة الحادثِ عينَ صفة القديم، فهل رجع كلامُ هذا المؤوِّلُ إلى قول شيخه الأول: سُبحانَ مَن أوجد الأشياء وهو عينها، مع أنَّ مذهبَ أَهلِ السُّنَّةِ هُو أَنَّ صفات اللهِ لا عينه ولا غيره بخلاف صفاتِ المخلوقِ؛ فإنها غيرهم.
وقد صرَّحَ العلماء الكرامُ والمشايخُ العِظامُ: أن إطلاق لفظ الحياة والعلم وغيرهما من الصِّفاتِ الثَّبوتِيَّةِ على الحقِّ والخلق ليس بمعنى واحد حقيقي، بل اشتراك اسمي بمجرد إطلاق لفظي؛ لأنَّ صفاته سُبحانه ليست حادثة ولا أعراضاً ولا
متناهية الأثر، بخلافِ صفاتِ الإنسانِ؛ فإِنَّهُ حادث وعارض ومُتناهِي الأثر؛ فشتَانَ بين القطن والكتان، ولذا قيل: ما للترابِ ورب الأرباب.
ونظير هذا ما رُوي عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عنه وغيره: أنَّ أسماء الفواكه وغيرها مما يكون في دار الدنيا ودارِ العُقْبَى، إنما هي بمجردِ المُشَابَهةِ الاسمية لا المُشاركة الحقيقية؛ لاختلافهما في الماهية والكمية والكيفية.
وقد كابر هذا المؤوّل في ردّ كلام الأكابر: بأنه يلزم من هذا الكلام جهلنا بصفاتِ المَلِكِ العَلَّام، وبأنَّ مفهوم العِلمِ والقُدرةِ في الواجب والممكنِ واحد بديهية، وأنت تعلم أنَّ أهل الحقِّ معترفون بقصور إدراكهم عن كُنْهِ ذاته وصفاته؛ حيثُ لا مُشابهة بينه وبين مخلوقاته، وقد قال تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [البقرة: (255)]، و لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ} [الأنعام: (103)]، {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: (85)]. وقد صح قوله: «لا أُحصي ثناء عليكَ أنتَ كما أثنيت على نفسك»، وقال الصدِّيقُ الأكبرُ: العجز عن دَرَكِ الإدراكِ إدراك. فحاشا مقامَهُم أن يَقيسوا
الغائب على الشاهد فيما يقتضي مرامهم.
وكأنَّ هذا المؤوّل الجاهل الغافل ما فرَّقَ بين صفاته وصفاتِ الحقِّ، ولا بين ذاته وذات الحقِّ؛ فكلامه عين كلام شيخه: سُبحانَ مَن أوجدَ الأشياء وهو عينها؛ فمشربهما من عين واحدة؛ فهما في دعوى معرفة الحق جاحد ولاحد، بل أكفر من نفاة الصفاتِ؛ كالجَهْمِيةِ والمعتزلة والفلاسفة من الحكماء؛ حيثُ أرادوا بنفيها احترازًا من تعددِ القدماء.
الرابع: قوله في فَصِّ شيث عليه السَّلامُ بعد بيان بعض العُلُومِ: إنه ليس هذا العلمُ إِلَّا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، ولم ير أحد هذا العلم من الأنبياء والرُّسل إلا من مشكاة خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ولم يره أحدٌ من الأولياء إلا من مشكاة خاتم الأولياء حتى خاتم الرسُلِ لم يرَ هذا العلم متى [ما] يراه إلا من مشكاة خاتم الأولياء؛ فالرسلُ من حيثُ ولايتهم لا يرونَ ما ذكر إلا من مشكاة خاتم الأولياء؛ فخاتمُ الرُّسُل من حيثُ ولايته بالنسبة إلى خاتم الأولياء كنسبة الرسل والأنبياء إلى خاتم الرسل. وقوله أيضاً في الفَصِّ المذكُورِ لَمَّا شبه النبيُّ صلى الله عليه وسلم جدارَ النُّبُوَّةِ المَبْنِي باللبن، وقد قال: قد تمَّ ذلك الجدارُ إلا موضعَ لبِنَةٍ، وعنى به نفسه؛ فكملت النبُوةُ بوُجُودِهِ في عالم شُهُوده، فلا بُدَّ لخاتم الأولياء من رُؤية ذلك الجدارِ مبنياً من الذهب والفضة المركبتين في الدار، وأنَّه يكون ناقصاً مكانَ لَبِنتين، أحدهما من ذهب، والأُخرى من فضة للاعتبار، وأنَّه يرى خاتم الأولياء نفسه منطبعاً مكانَ تَينِكَ اللبنتين، فيكمل به البناء، وسبب رُؤيته ذلكَ أنه تابع شرعَ خاتم الرسل في الظاهرِ، وهو موضعُ لَبِنَةِ الفضة، ولكونه يأخُذُ شرع خاتمِ الرُّسُلِ من الحقِّ بطريق الإلهام؛ كجبريل عليه السَّلامُ يكون هو موضع لبنة الذهب أيضاً.
وقوله في ذلكَ الفَصَّ أيضاً: حيثُ كانَ خاتم الأنبياء وآدم بينَ الماءِ والطين، وكذلكَ خاتم الأولياء كانَ وآدم بين الماء والطين. وقد صرَّحَ في «الفتوحات»: أنه المُراد بخاتم الأولياء، انتهى.
ولا يخفى ما فيه من أنواع الكُفْرِ الظاهرِ المفهوم عند العقل الحاذق الباهر؛ حيثُ ادَّعى علم الغيب أولاً في دعوى هذه المراتب.
ثم تقديم نفسه على أرباب المناقب، وقد أجمعوا على أنَّ الأولياء بأجمعهم لم يصلوا إلى مرتبة نبي واحدٍ؛ فهو في دعوته الكاسد، ومُدَّعاه الفاسد، لظاهر الشريعة ناقد، ولباطنها جاحد، حيثُ يزعُمُ أَنَّه يأخُذُ الشرعَ المُجدَّد في بعض الأحكام عن الحق بواسطة الإلهام، وأنه مُستغن في سَيرِ باطنه عن النبي، وأَنَّ الرُّسُلَ وخاتمهم يحتاجُونَ إليه ويأخُذُونَ الفيضَ الإلهيّ النازل لديهِ، وأنَّ الأولياء الآتين كعيسى عليه
الصَّلاة والسَّلامُ والمهدي وغيرهما من أتباعه في مرتبة الولاية المختومة عليه. وحيثُ شبه النبي الا باللبنة من المَدَرِ في جدار الشريعة الشريفة، ومثل نفسه بلَبِنَتين من الفضة والذهبِ المُركبتين من جدار الكعبة المُنيفة بمقتضى رُؤيا رآها، وأن المُرادَ باللبِنَةِ من الفضة متابعته لظاهرِ الشريعة المحمدية، وباللبنة من الذهب أخذه الفيضَ الباطني من الحضرة الأَحَدِيَّةِ، وأمثال ذلك من الكلماتِ الكُفْرِيَّةِ؛ حيثُ لا يشكُ أحدٌ من اليهود والنصارى والصَّابئينَ والحكماء الإشراقيين والشكمانيين والدهريين والطبيعيين، فضلاً عن طوائف المُسلمين من أهل السنة والجماعة، وغيرهم من المُعتزلة والخوارج والشيعة، وسائر أهل البدعة. ثم حاصل كلامِ المُؤوِّلِ الجاهل بعدما أطال الكلام فيما لا تعلُّق لهُ بالمقامِ من تعريف الوليّ والنبي والرسول، وتقسيم خاتم الأنبياء والأولياء إلى الصغير والكبير والأكبر، وأمثال هذا المرام المعلوم عند الخواص والعوام هو: أنَّ أنوار الأنبياء وأرواحهم فاضت من النور المحمدي والروح الأحمدي الذي هُوَ العقل الأول، والقلم الأكمل، وولايته مشتملة على ولاية سائر الأولياء؛ فعلى هذا مشكاة خاتم الأنبياء مُفاضةً مشكاة خاتم الأولياء، ولو أخذ خاتم الرسل من مشكاة خاتم الأولياء شيئاً من الأشياء لا يكون سبباً لتفضيل خاتم الأولياء على خاتم الرُّسُلِ والأنبياء. انتهى.
ولا يَخفَى أنَّ هذا مُصادرةٌ، وفي مقامِ الجوابِ مُكابَرَةٌ عَلَى أَنَّ الشيخ بنفسِه ذَكَرَ في «الفتوحات أنَّ خاتم الأولياءِ حسنةٌ من حسناتِ خاتم الأنبياء مُقدَّمِ الجماعة، وسيد ولد آدم يومَ القيامة في فتح بابِ الشَّفاعةِ.
ثم نسب المؤوّلُ إلى شيخه ما هو أكبر قبحاً في حقه وأظهر كفراً في نفسه؛ حيث قال: إنَّ الشيخ ذكرَ في فَصٌ شِيثَ عليه السَّلامُ: أَنَّ خاتم الرُّسُلِ والأنبياء وسائر الرسل والأصفياء يأخُذُونَ العِلمَ الخاص المُختص بالخواص من حيثية أنهم أولياء أيضاً يأخُذُونَ من مشكاة خاتم الأولياء.
فانظر هذا الكفر الصريح إن كان لك الإيمان الصحيح.
ثم ذكر المؤوّل قوله في الفص المذكور: أنه لم ير أحدٌ من الأنبياء والرُّسل هذا العلم إلا من مشكاة خاتم الرسل، ولم يره أيضاً أحد من الأولياء
إلا من مشكاة خاتم الأولياء، انتهى.
ومناقضته لكلامه الأولِ ظاهرة كما لا يخفى، إلا أن يُقالَ: إِنَّه أرادَ بالأولياءِ الولاية العامة الشاملة للأنبياء والأصفياء؛ فيصح الحصرانُ في كلامه، ويكون على وفق ما سبق من مرامه، لكنْ ذكَرَ المؤوِّلُ أنّ شيخه الملا نور الدين عبد الرحمن قال في «شرح الفصوص»: إنَّ مشكاة خاتم الأولياء وهو مشكاةُ خاتم الجامي الرسل، وإلا فلا يصح الحُصرانُ.
ثم أطال المؤوّل بما لا طائل تحته، ومن جملته قوله في فَصَّ شيثَ: إِنَّ خاتم الأولياء من وجه أنزل وأدنى، كما أنه من وجه أفضل وأعلى. ثم مثله المؤوِّلُ بموافقات عمرَ رَضِي الله عنه في بدر وغيره؛ فيلزم منه:
أنَّ عمر أفضل من النبي عليه الصَّلاة والسَّلامُ من وجه، وهذا قول لم يتفوه به مؤمن، فتدبر؛ ففي المُضمَراتِ ما قالتِ الروافض: إنّ علياً كان أعلم من محمد؛ فهذا منهم كفر.
ومثله أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم في قضية تأبير النخلِ: «أنتُم أعلمُ بأُمُورِ دُنياكُم». فأقول للمؤوّل: أيُّها الجاهل الغافل! فتكونُ عامة الناس أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم
من وجه لكونهم أعلم بالتجارة، وأقوى على حمل الحجارة، وأتقن في فن الصباغة والصناعة والحياكة والزراعة، وأصنافِ حِرَفِ الشناعة، وأنَّ المنطقيين والفلاسفة من الحكماء أفضل من سيّدِ الأنبياء وسندِ الأولياء بسبب زيادةِ الفَضَلاتِ التي تُسمَّى فضيلة عند جَهَلةِ الفُضلاء، مع أنهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جعلها علوماً غير نافعة، واستعاذ منها في المرتبة الرابعة، وقد مدح أهل الجنة بأنهم لم يعلموا العُلُومَ الدُّنيوية، وأنَّ علومهم منحصرةٌ في الأفعالِ الدِّينية والأحوالِ الأُخرويَّة؛ حيثُ قال: «أكثر أهلِ الجنةِ البُلْهُ»؛ مُقتبساً [من] مفهوم قوله تعالى في ذم الكفرة: {يَعْلَمُونَ ظَهِرَا مِنَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ} [الروم: (7)].
ومن ثَم قال: إنَّ من العلم جهلاً، وأقُولُ تبعاً له صلى الله عليه وسلم في تبيين كلامه وتعيينِ مَرامِه: إنَّ من العلم كُفْراً، والعاقل يكفيه الإشارة، ولا يحتاج إلى تطويل العبارة؛ رزقنا الله تعالى علماً نافعاً، ووفقنا عملاً رافعاً، واعتقاداً مستقيماً جامعاً مانعاً. الخامس: قوله في فَصِّ إسحاقَ عليه السَّلامُ: إِنَّ إبراهيم عليهِ السَّلامُ قال لولده: بَنَى إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَاءِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: (102)]، والحالُ أنَّ النوم من عالم الخيال؛ فكان حقه أن يُعبر الرؤيا وِفْقَ عالمِ المِثالِ؛ فإِنَّ الكبش ظهرَ بِصُورةِ ولدِ إبراهيم وفداهُ اللهُ سُبحانهُ عنه بذبح عظيم، وهذا كما تصوَّرَ اللبَنُ فِي مِنامِ نبيِّنا مُحمدٍ، وأوَّلَهُ بالدين والعلم واليقين، وكما تُصوّر البقراتُ بصورة السنوات في تعبير يُوسُفَ عليه السَّلام.
ثم قال: ولما كان الكبشُ على صُورةِ ولده كان ينبغي له أن يُعبر عنه بذبح كَبَشٍ في بدله؛ فحمله على ظاهره ووقع في اجتهاده على طرقٍ مَرجُوحة، انتهى. وهذا من غاية حمقه وقلة أدبه وعدم معرفته بمقام نبي ربِّه، ثم من أينَ لهُ هذا العلم بأن الكبش كان على صورة ولده، بل الظاهرُ من الكتابِ والسُّنَّةِ أَنَّه أُمَرَ بذبح ابنِهِ على صورته من غير أن يكونَ على صُورةِ كبش ووصفه، كما قال تعالى مخبراً عنه: بَبُنَى إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَتَأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: (102)]، فاستقر رأي النبيين على الذبح المذكور، وأقرَّهُما الله على الوجه المسطور. فكلامُ المؤوِّلِ أَنَّه كان خطأ في اجتهادِه، كما جوز للنبي صلى الله عليه وسلم الاجتهاد، وكذا
خطوه عند أصحاب الاعتقادِ وأرباب الاعتماد خطأ فاحش؛ لأن شرط خطأ النبي صلى الله عليه وسلم في اجتهاده أن لا يُقَرَّ على خطئه، بل يُنبَّهُ على خطئه قبل تحقق فعله أو بعدَ صَنيعه، وهذا قد صدق الله فعل إبراهيمَ بقوله: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات: (105)]؛ حيثُ نزَّلَ عزمَهُ موضعَ فعله، وأقامَ ذبح الكبش مقامَ ذبحه؛ لأنه كانَ الحكمة في ذلك المنامِ حُصُول الاستسلام وقطع العلاقة والمحبة الطبيعية بين الوالدية والولدية، كما هو بلية عامة في الأنامِ، مع أنَّ العلماء أجمعُوا على أنَّ منامَ الأنبياء عليهم السَّلامُ حَقٌّ، وعُدَّ من أنواع الوحي والإلهام، فحمله على الوهم مِنْ قلَّةِ الفهم.
وأغرب المؤوِّلُ حيث أجابَ عن هذا بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الكهف: (110)]، وكأنه لم يقرأ يُوحَى إِلَى} [الكهف: (110)]؛ أي: في اليقظة أو المنام، فاستدلاله ببعض الآيات، كما قيل للقَلندري: أما تُصلي؟ فقال: قال تعالى: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَوةَ} [النساء: (43)]، قيل: اقرأ ما بعده من جملة الحال، فقال: نحن من عُشَاقِ أول المقال.
ثم تمسك بقوله: «إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، وأرضى كما يرضى البشره، فتدبر؛ فإنَّ بعض الجهلة من أتباع الوجوديَّة يزعمونَ أَنَّ هذا المؤول طابق بين كلام الشيخ وبين الآياتِ القُرآنية والأحاديث النبوية؛ حيثُ
القَلَنْدَري: نسبة إلى القَلَنْدَريَّة: وهم طائفة لا يبالون بتشويش نظر الناس، ومعظم سعيهم في إبطال رسوم العادات والانطلاق من قيود المجتمع، وكل رأسمالهم هو فراغ البال وطيب القلب، ولا يبالون برسوم وأشكال الزهاد والعباد، ولا يكثرون من النوافل والطاعات، ويحرصون فقط على أداء الفرائض، وينسب إليهم حبّ الاستكثار من أسباب الدنيا، ويقنعون بطيب القلب يرون أنه يذكر الأدلة من الكتاب والسنة، ولم يفهموا أَنَّ إيرادَهُ إِيَّاهُما ليس على وجه المطابقة، بل ولا على نوع من المناسبة، كما أن المعتزلة يُثبتونَ ما ذهبوا إليه من أنواع البدعة بما يذكرُونَ في كتبهم من الكتاب والسُّنَّةِ، فصدق الله العظيم في الفرقان الكريم: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: (26)]؛ فالعلم كالنيل؛ ماء للمحبوبين، ودماء للمحجوبين، وكلُّ حزب بما لديهم فرحُونَ، وإِنَّ أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد.
وما أسخف عقول هؤلاء؛ حيثُ تركُوا مطالعة كتب التفسير والحديث والفقه ومعتقدات أئمتهم وكتب المشايخ المُجمَعِ على ديانتهم وولايتهم؛ كـ «التعرُّف» الذي لولاه لَمَا عُرِفَ التصوفُ، وككتاب «العوارف» الذي هو المعارف، و «الرسالة القشيرية» التي هي مقبولة عند جميعِ الصُّوفية، وأمثالِ ذلك من الكتب الجامعة بين العُلُومِ الظاهرة والمعارف الباطنة المستنبطة من الكتاب والسنة، وأقبلوا على هذهِ الكُفْرِياتِ، فتأمل أيُّها الغافل الجاهل؛ فإنه ليس ذلك إلا بغلبة هواك وتسويل نفسك وتزيين شيطانك، هدانا الله وهداك إلى الدين القويم، وأماتنا على سلوك الصراط المستقيم.
السادس: قوله في فَصِّ إسماعيل، وكذا في فَصَّ أيوب عليهما السَّلامُ، وكذا في «الفتوحات»: إِنَّ الكفَّارَ وإن لم يخرجُوا من النار، لكن في عاقبة الأمر يصير العذاب عذباً لهم؛ بحيثُ يتلذذونَ بالنار الجحيم والماء الحميم، كما يتلذذ أهلُ الجنة بالنعيم المقيم، انتهى.
وهذه الدعوى منه في علم الغيب من غير نقل صحيح كفر صريح مع مناقضته لقوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [المائدة: (37)]؛ أي: دائم، ومعارضته لقوله سُبحانهُ: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: (174)]، وقوله: {وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِنْ عَذَابِهَا} [فاطر: (36)]، وقوله فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} [النبأ: (30)]، وقوله: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء: (56)]؛ فإنه صريح في بطلان مذهبه؛ فإنه لو انقلبَ عذابه بعذبةٍ لَمَا كان يحتاجُ إلى تبديل الجُلُودِ المحترقة بالجلودِ المُجدَّدة لإذاقة العقوبة المخلدة المؤبدة.
و به بطل تعلُّق المؤوّل بقوله في «الفتوحات»: إِنَّ الله تعالى قال: {خَلِدِينَ فِيهَا}
[البقرة: (162)]؛ أي: في النارِ، ولم يقل: خالدين فيه؛ أي: في العذاب. انتهى. ولا يخفى بطلانُ بُرهانه، وما زعمَ أَنَّهُ ينفعه في شأنِهِ؛ فَإِنَّهُ سُبحانهُ إِذا قالَ في مواضع متعددة في كتابه: إن الكفار خالدون في النار، ونصَّ في مواضعَ أُخَر أَنَّهُ لا يُخفَّفُ العذاب عن الكفار؛ فدعوى انقلابِ العذابِ لا يصدر إلا من أهل الحجاب، الجاهل بأحكام الكتاب والغافل عن فصل الخطاب، والمائل عن صوب الصواب، مع أنَّ هذا القول، وهو تخفيفُ العذابِ وانقطاعه مُخالف لِمَا عليه الصُّوفِيةُ السَّنيَّةُ من أنَّ الحِكْمَةَ في دوامِ العقوبة وزيادة المثوبة أن لا تتعطل التجليات الأسمائية من الصفاتِ الجلالية، والنعوتِ الجمالية الأبدية التي هي غير متناهية في المراتب الكمالية؛ فمخالفته هذهِ مصادمة للأدلة النقلية والعقلية اللتين عليهما مدارُ عُلماءِ الشريعة وعُرفاء الحقيقة؛ فيكون كفراً بالإجماع من غير احتمال النزاع. ومن جملة الأدلة في تحقيق هذه المسألة: قوله تعالى: لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى [طه: (74)]؛ أي: حياةً طيبةً، وهو يُنافي القول بصيرورة العذابِ عَذْباً.
ومن جملتها الإجماع، والإجماع من أقوى الحُجَحِ في دفع النزاع إذا كان مستنده الكتاب والسنة، والدليل قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} [النساء: (115)].
ومن ثُمَّ قال: لا تجتمع أمَّتِي على الضلالة»، وهذا القولُ الذي صدر عنه - أي: عن ابن عربي - لم يسبق به أحدٌ من العوام فضلاً عن الخواص من العلماء الكرام، والمشايخ العظام.
وأما قول الرازي: إِنَّ الدليل على أنَّ الإجماع حُجَّةٌ عقلية، والأدلة العقلية لا تفيد إلا الأحكام الظنية، والأمورُ الظنية غيرُ مُعتبرة في الأحوال الاعتقادية؛ فإنما يصح إذا لم يكن الإجماعُ مُستنداً إلى الكتاب والسُّنَّةِ، ولا إلى الصحابة والمجتهدين عُلماءِ الأُمَّة؛ فلا يحل تعلُّق المؤوِّلِ به على نفي إجماع الأُمَّةِ المُطابق للكتابِ والسنة، الصادر من السلف والخلَفِ؛ فمن ادعى أن أحداً من الصحابة، أو غيرهم من الأمَّةِ ذهب إلى هذه البدعة الشنيعة، والمقالة الفظيعة؛ فعليه البيان، ولنا دفعه بالبرهان؛ فالعذابُ سَرمدي، والعقاب أبدي.
وأما ما ورد من حديث متفق على ضعفهِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده ليأتين على جهنم زمان تصفقُ أبوابها، وينبتُ في قَعْرِها الجَرْجِيرُ»؛ فلا يُقاوم النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وإجماع العلماء الدينية والمشايخ الصُّوفية، وعلى صحتِه يُحمل على أنَّ المُرادَ بها طبقةٌ مُختصةٌ بالفُجَّارِ؛ فإنهم لا يخلدون كالكفار، بل يُخرجُونَ عاقبة الأمرِ من النار.
وكذا ما ورد من الأثر عن عمرَ رَضِي الله عنه: إِنَّ أهل النار يُخرجُونَ ولو مكثوا فيها بعددِ رمل عَالج؛ فإنه مع كونه ضعيفاً، بل وعلى التنزل أن يكونَ صحيحاً أو حسناً؛ لا يصلح حمله على ظاهره المُصادمة قوله تعالى: {خَلِدِينَ فيها} [البقرة: (162)]، وقوله سبحانه: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُ جُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِجِينَ منها} [المائدة: (37)]؛ فالجواب ما سبق، أو المعنى: يُخرجُونَ من النارِ ويُدخلونَ في الزمهرير المُعد للكفار.
وأمَّا قولُ المؤوّل: إِنَّ ابن تيمية الحنبلي ذهب إلى أن الكفَّار في عاقبة الأمر يُخرجُونَ من النارِ؛ فافتراء عليه، وعلى تقدير صحة ما نُسب إليه؛ فخلافه لا يخرقُ الإجماع، بل يُحكم بكفره أيضاً من غير النزاع.
ثم اعلم: أنَّ هذا المؤوِّلَ أطالَ في دفع هذا الاعتراض ونحوه مما لا طائل تحت كلامه، ونحنُ نقتصر على بطلانِ مرامه ونترك ما أتى به من زخارف عباراته وتساويل إشاراته، مما يغرُّ الجاهل الغافل بأنَّهُ الجامع لمعرفة الكتاب والسنة، والعالم الفاضل، والحالُ أنَّ البحث في كفرِ هذا القائلِ ومَن تبعه في هذا المذهب الباطل. السابع: قوله في الفَصَّ الموسوي عليه السلام، وكذا في «الفتوحات»: إنَّ فرعون مات مؤمناً وقُبَضَ طاهراً ومُطهَّراً، وسؤاله: {وَمَارَبُّ الْعَلَمِينَ [الشعراء: (23)] من حقيقة الحق تعالى صحيح. وهذا كفر صريح كما بيَّنته في رسالةٍ مُستقلة على شرح رسالة صنفها الجلال الدَّواني وتبع فيها ابنَ عَرَبيٌّ، وخالف العلماء الربانية والمشايخ الصمدانية، مع أنَّ ابنَ عَربيٌّ عارضَ نفْسَه لكونه جزم بإيمان فرعون أولاً، ثم شك في حقه بقوله
أنَّ أهلَ النارِ أربعة طوائف من الكفَّارِ، وهم المتكبرونَ على الله كفرعون وأمثاله ممن ادعى الربوبية لنفسه ونفاها عن غيره، فقال: مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَيْهِ غَيْرِى [القصص: ??]، وقال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: (24)]، انتهى
فعلمَ أَنَّه كان من الكاذبين، أو من جملة المُذبذبينَ، ومن أغرب ما نقل المؤوِّلُ عنه أنَّه قال في «الفتوحات»: إن فضل الله أوسع من أن لا يقبل المُضطر إذا دعاه، وأيُّ اضطرار أقوى من اضطرارِ فرعونَ؛ فجعلَ إيمان اليأس من الكفَّارِ كحال الاضطرارِ للأبرار والفُجَّارِ.
وأما تأويل المؤوّلُ كشيخه قوله تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَتُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر: (84)]: بأنَّ المُرادَ به عدم النفع في الدنيا لا في دارِ العُقبى؛ فيُبطله قوله سبحانه: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْكَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَارُ} [النساء: (18)].
هذا، ولو كان إيمان اليائس من الكافر، وتوبة اليائس من الفاجر نافعاً في الآخرة؛ لما دخل أحدٌ في النارِ، ولَما خلق دار البوار، كما لا يخفى على الأبرار، على ما يُشيرُ إليه قوله تعالى: {وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ موته} [آل عمران: (159)].
الثامن: قوله في فَضٌ مُوسى عليهِ السَّلامُ: إِنَّ الملائكة العالِينَ أفضل من كل ما خلق من العناصر من غيرِ مُباشرة؛ فالإنسان في الرتبة فوق الملائكة الأرضية والسماوية، والملائكة العالونَ خير من هذا النوع الإنساني بالنص الإلهيّ: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} [ص: (75)] انتهى.
ولا يخفى أنَّ هذا ليس من موجبات تكفيره، بل من أسباب تبديعه وتنكيره؛ حيثُ خالف اعتقاد أهل السنة والجماعة من أنَّ خواص البشر، وهم الأنبياء أفضل من خواص الملائكة؛ كجبرائيل وميكائيل، بل نقلوا الإجماع على أن نبينا أفضل الخلق من غيرِ النزاع، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم على ما رواه الترمذي عن أبي هريرةَ رَضِي اللَّه عَنه مرفوعاً: «أنا أُولُ من تنشقُ الأرضُ عنه فأكُسَى حُلَّةً من حُلل الجنةِ، ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحدٌ من الخلائقِ يقومُ ذلكَ المقامَ غيري.
والحاصل: أنَّ المسألةَ ظنيةٌ، فإنكارُها بِدْعةُ أُلحقت بالكلماتِ الكفرية، وإنما لم يُلحق الغزالي والحَلِيميُّ بأهل البدعة حيثُ قالا بأفضلية جنس الملائكة على جنس البشرية؛ لأنَّ الجنس ـ من حيثُ هو مع قطع النظر عن ملاحظة أفراده إذا كان من أهل العصمة والطاعةِ والقُربة - لا شكّ أنَّهُ أفضل من جنس يغلب عليهم الكفرُ والمعصية والغفلة لا سيما مع كثرة الجنس الأول وقلة الجنس الثاني، وقد حَكَمَ الله بأنهم من المقربين العالين، وأخبر عن غيرهم بأن بعضهم في أسفل سافلين، على أنه مَن وافق اجتهاده في مسألة لأهل البدعة لا يُعدُّ من المبتدعين، وكأنَّ المؤوّل ذكرَ هذا الاعتراض حتى يُوهمَ الجُهَّال أن سائر الاعتراضات على هذا المنوال، والله أعلم بحقيقة الأحوال. التاسع: قوله في «الفتوحات»: سُبحانَ مَن أوجدَ الأَشياءَ وهو عينها. وهو كفر صريح ليس له تأويل صحيح، كما قدمناه مع تعارض طرفَي كلامه لتصحيح مرامه؛ فإنَّ المُوجَدِيَّةَ الدالة على الصفة الحدوثية، تُناقضُ العَينيَّةَ المعنوية
بالصفة القديميَّة، ولذا قال بنفسه استدراكاً لفسادِ مقوله: فهو عينُ كلِّ شيءٍ في الظهورِ ما هو عينُ الأشياء في ذواتها سُبحانه وتعالى، بل هو هو، والأشياء أشياء. لكن فيه أنه الموجُودُ الخارجي الحادثي، كيف يكون عينَ واجب الوُجُود الأزلي ولو في مرتبة الظهور، إلا أن من لم يجعل الله له نوراً فما له من نور، مع أنَّ ظُهُورَ الأشياء إنما هو لكونها مظاهرُ لتجلي الصفاتِ والأسماء.
وأمَّا ذاتُه تعالى فلا تُدركه الأبصارُ، ولا يُحيط به علم أحدٍ من العلماء الكبار، ولذا قال سيد الأبرار: «لا أُحصي ثناء عليكَ أنتَ كما أثنيت على نفسك»، وقال:
تفكرُوا في آلاءِ اللهِ، ولا تتفكرُوا في ذاتِ اللهِ تعالى.
وقال الصِّدِّيقُ الأكبرُ: العجز عن دَرَكِ الإدراكِ إدرا. وقال المُرتضى: ما خطَرَ ببالك؛ فالله وراء ذلك.
ثم اعلم: أنَّ مولانا سعدَ الدِّينِ قال في شرح المقاصد»: إنه اشتهر بين جمع
من المُتفلسفة والمتصوفة، أن حقيقة الواجب تعالى وجود مطلق. ولَمَّا أورد عليهم بأنَّ الوُجُودَ المُطلق مفهوم كلي، وليس له تحقق في الخارج
وأفراده غير متناه، والواجب موجُودٌ في الخارج، وواحد ليس له تكثير. أجابوا بأنه تعالى واحد شخصي وموجود بوُجُودِ هُو عينه، والتكثيرُ في الموجودات بواسطة الإضافات لا بواسطة تكثر الموجوداتِ؛ لأنَّ الوُجُودَ إذا نُسِبَ إلى إنسان حصل موجُودٌ، وإذا نُسِبَ إلى الفرس حصل موجود آخر، وهلم جرا.
وزعموا أنَّ هذا جواب ما يَرِدُ عليهم من جانب أهل السنة والجماعة من تصريح الشناعة؛ بأن الواجب غير موجود في الخارج، وأن وجود جميع الأشياء حتى القاذورات واجب، تعالى الله عمَّا يَقُولُ الظالَمُونَ عُلُواً كبيراً. وقال السيد الشريف في حاشية التجريد»: إنَّ جماعةً من الصُّوفية ذهبوا إلى أنه ليس في الواقع إلا ذات واحدةٌ ليس فيه تركيب أصلاً وقطعاً، وله صفات عينها، وحقيقة وجودها منزهة في حد ذاتها من شوائبِ العَدَمِ وسَمَاتِ الإمكان، ولها تقييدات بقيود اعتقاديَّةٍ، وبحسبها ترى الموجودات متمايزة، فيتوهم منه التعدد الحقيقي، وهذا خُرُوج عن طَوْر العقل؛ لأنَّ البديهة شاهدة بتعددِ الموجودات تعدُّداً حقيقياً، ودالة على أن الذواتِ والحقائق مختلفة بالحقيقة، لا باعتبار العقيدة فقط، ومَن ذهب إلى هذهِ الهذيانَاتِ يُسندُها إلى المُكاشَفاتِ والمُشاهدات، ويزعم أنه خارج عن طَوْرِ العقلِ وحِس المدركِ. انتهى.
ولا يخفى أنَّ مَن خرج كلامُه مِن طَورِ العقل، ومرامه مِن طريق النقل؛ فلا يُلتفتُ إليه ولا يُعَوَّلُ عليه، ولا عبرة بمُصطلحات لديه، وبهذا تندفعُ شُبهة أوردها خاتمة الجمعِ النقشبندي خواجه عبيد اللهِ السَّمر قندي في فقرات، التي مِن جُملة كلماته: أن خُلاصةَ العُلُومِ المُتداولة ثلاثةٌ؛ علم التفسير، والحديثِ، والفقه، وزبدتُها علم التصوف الذي عليه مدارُ التعرُّفِ، وموضع هذا العلم بحثُ الوُجُودِ، والقائلونَ بوحدةِ الوُجُودِ يدَّعونَ أنَّ في جميع المراتبِ الإلهية والكونية ليس إلا وجود ظاهر، متصوَّرٌ بالصُّورِ العلميّة. وهذا المبحثُ في غاية من الإشكال، والتخيل والتعقُلُ فيه بالخوض موجب للزندقة والضَّلال، لِمَا في أفرادِ الموجوداتِ من الكلب والخنزير وأمثال ذلكَ خسيس الحيوانات وأنواع النجاسات وأصنافِ القاذورات، مما يلزم من إطلاقِ الوُجُودِ عليها غاية القباحاتِ ونهايةُ الشَّناعاتِ، واستثناؤها خَرْمُ للقاعدة، وخلافٌ لاصطلاحِ هذه الطائفة، والواجب على الأذكياء أن يشتغلوا بتصفية المرآة الحقيقية عن النُّقوشِ الكونية؛ لتظهر عليهم الأسرارُ الصَّمدانيَّة، وتنجلي لهم الأنوار السبحانية. انتهى. ولا يخفى أنَّ كلامَهُ يُوهِمُ أنَّ الطائفة المذكورة هم الصوفية المشهورة، وليس كذلك؛ فإنَّ الصُّوفية المجمعَ عليهم من المتقدمين؛ كالمُحاسبي وداوُدَ الطائي والجنيد والمعروفِ الكَرْخِي، وكذا من المُتأخرين؛ كصاحب «التّعرف»، و «عوارف المعارف»، و «الرسالة القشيرية»، ونحو ذلك؛ فليس في كلامهم ما يُعترض على مرامهم، بل جميعها مطابقةٌ لظواهر الكتابِ والسُّنَّةِ. وقد قال سيد الطائفة: من لم يقرأ كتاب الله وسنة رسُولِ اللهِ؛ فهو خارج عن الطريقة، وغير داخل في الحقيقة.
وقال أبو سليمان الداراني: كلُّ ما يخطر ببالي فأَتَزِنُ بكِفَّتَي ميزان الكتابِ والسنة، انتهى.
ولا يخفى أنَّ هذا شأنُ الإيمان، وطريقُ الإحسانِ المُؤيَّدُ بالبرهان على وجهِ الإتقان، وأما التعلُّق بالخيالات العقلية، والتوهمات النفسية الخارجة عن الأدلة النقلية، فليس هذا إلا مذهبُ الحُكماء الفلسفية ومن تبعهم من المعتزلة والخوارج وغيرهم من الأصنافِ الردِيَّةِ؛ كالوجودية والإلحادية والحلولية والاتحادية والدهرية والمُعطَّلة والمُجسّمة، وأمثال ذلك من المشاربِ الكُفرية.
فالواجب على العبد أن يعتقد اعتقاد أهل السنة والجماعة؛ إما بطريق التقليد، وإما بطريق التحقيق والتأييد، ثم يشتغل بعلم التفسير والحديث والفقه التي هيَ العُلُومُ الشرعية، وعلم الأخلاق من التصوفِ الذي مبناه على التخلية والتحلية؛ بأن يتخلّى عن الصفاتِ الردِيَّة، ويتحلى بالأخلاقِ الرَّضيَّة، وأول تلك المنازل العليَّةِ: التوبة عن المعصية الجليَّةِ والخفيّة، والأوبةُ عن الغفلة الظاهريَّة والباطنية، طالباً من اللهِ حُسنَ الخاتمة؛ فإنها فاتحة الخيراتِ السَّرمدية، وفاتحه المبراتِ الأبدية.
ثم اعلم: أن المؤوّل قد اعترف بأنَّ شيخه تفوَّه في مصنفاته: أن واجبَ الوُجُودِ وجود مطلق، لكنه أرادَ به أَنَّه موجُودٌ بذاته، لا معلول بشيءٍ، ولا علَّةَ لَهُ، وأَنَّ وجودَه ليسَ لهُ ابتداء، ثم ادَّعى أنَّ الوجودية طائفتان؛ إحداهما مُوحّدة، والأُخرى ملحدة، وهذه الطائفةُ الخبيثة يقُولُونَ: إِنَّ الباري تعالى ليس في الخارج موجُودُ بوُجُودِ مُستقل، وشهودٌ مُتبيِّنٌ، ومتميز من عالم الأرواحِ والأشباح، بل إنه مجمُوعُ العالم، وهذا كفر صريح، وقول قبيح، وقد ذكره في الفتوحات» في عقيدة الخواص.
ثم قال: وفي بعض نُسخ الفتوحات» لا يُوجد، ولعله ذكره في رسالة مُستقلَّةٍ سماها «رسالة المعرفة» فصرَّحَ فيها: أَنَّ في هذا المقامِ زلت أقدامُ طائفة عن مجرى التحقيق، فقالوا ما لم، إلا ما نرى، فجعلت العالم هو الله، والله نفس العالم، ليس أمراً آخر، وسبب هذا المشهد كونُهم ما تحققوا به تحقق أهله، فلو تحققوا به ما قالوا بذلك، انتهى.
ولا يخفى أنَّ بين كلاميهِ تعارض ظاهر، وتناقض باهر، ولعل هذا سبب اختلافِ العُلماءِ الكُبَراء في حقه؛ حيثُ قال بعضُهم: زنديق، وقال آخرون: صِدِّيق؛ نظراً إلى كلاميه، والله أعلم بحقيقة مراميه؛ فنحنُ لا نقُولُ بكُفره؛ لأنه لا يجزم في أمره، بل نحكم بكفر من قال بما يُخالف الشريعة والطريقة، وخرج عن أطوار الحقيقة، بل وعلى تقدير أَنَّهُ تحقق منه الكفرُ، فلا يبعدُ أنَّهُ رجع إلى حق الأمر في آخرِ العُمرِ في أقواله وعند انتهاء آجاله؛ فلا يجوزُ الحُكْم بكفر أحدٍ إلا إذا ثبتَ نص قاطع على أنه مات في الكفر، وأما أتباعه في مرامه والمُطالعينَ لكلامهِ؛ فَإِنْ سلِمُوا من الاعتقادِ الفاسد والوهم الكاسد؛ فمن فضل الله وكرمه، وإن تبعوه في طريق ضلالته وسبيل جهالته؛ فمن قبيل قضاء الله وقدره، فلا حول ولا قُوَّةَ إلا باللهِ؛ فبهذا تبيَّن أن مطالعة كتبه حرام على العامة؛ لأنَّ دسائسه قد تخفى على الخاصة، كما اختاره شيخ مشايخنا
الجلال السيوطي. وأما الشيخ بعينه فأتوقف في حقه، وأُفَوضُ أَمَرَهُ إِلَى رَبِّهِ؛ فَلا أَقُولُ إِنَّهُ زِنديقٌ، كما قال به كثيرُونَ، وإن كانَ كلامه المُتعارضُ يدلُّ عليه كما تقدَّم، ولا أَقُولُ: إِنَّه صديق، كما قال به آخرُونَ، بناءً على حسن الظن به، وعدم تحققِ مَرامِه في كلامه وسماع بعض الوقائع المُشابهة بالكرامات، ومشاهدة كثرة علومه، وتغلغل فهومه في تحقيق المقاماتِ، والله أعلم بتحسين النيَّاتِ، وتزيين الطوِيَّاتِ.
ثم آل كلام المؤوِّلِ إلى اعترافه بأنَّ شيخه قال: وجود الأشياء ذاتُ الحقِّ، هكذا بالوجه المُطلَق على احتمالِ أَنَّهُ أرادَ في المنزلة الظهورية، أو في المرتبة الحقيقية بناءً على انتساب هذا القول إلى الأشعرية، من أنَّ وجودَ كلِّ شيءٍ عينه، وادعاؤهُ بأَنَّ هذا عين قول شيخه، ومَنْ عَمِيَتْ بصيرته ما فرَّق بين العين والغينِ المُشالِ؛ بزيادة النقطة الحادثة إلى الأغيار، وبالتجردِ عن هذه النقطةِ الدَّال للأبرار على أن ليس في الدارِ غيره ديار، والمُظْهِرُ لأهلِ الشُّهُودِ معنى قولهم: سوى الله، والله ما في الوُجُود، والمومئ في قول البسطامي الذي كان مُستغرقاً في بحر الشُّهُودِ ونهرِ الوُجُودِ: ليسَ في جُبَّتِي سوى الله، وما ذاك إلا لوصولهم إلى مقام الفناء وحصولهم في مرام البقاء، ووقوعهم في حالِ السُّكرِ والمَحْوِ وغَيبتهم عن نفس الشرب، وغفلتهم عن حالِ الصَّحْوِ، لكن هذه الحالة لحظة بعد لحظة، ولمحةً بعد لمحة، كالبرق الخاطف وطرفة العين، ورُبما يبقى في هذا المقامِ بعضُهم بِقُوَّةِ الجَذْبَةِ؛ فإِنَّ حُفظَ في تلك الحالة عن المعصية المُتعلّقة بالفعل أو المقالِ؛ فهُوَ من المجذوبين المحبوبين، وإلا فيُسمَّى المجذوب الأبتر، وهو مقام ناقص، وحال عاطل، كنسبة المجنُونِ إلى عالم عاقل.
وأمَّا الكُمَّل من الأنبياء والأولياء، فهم في مقامِ جمع الجمع، لا يحجبهم وجود كثرة الموجوداتِ، ولا يحجزهم شُهُودُ عينِ الذَّاتِ عن مطالعة حقائقِ المُمكناتِ، فيرون الأشياء كما هي، ويُفرِّقُونَ بينَ الأوامر والنواهي، فيعطونَ كلَّ ذِي حقٌّ حقَّهُ ويُلاحظونَ الحقِّ، ويُراعونَ خلقه، نعم إذا غلبَ شُهُودُ الحقِّ على وجودِ الخلقِ بالاستغراق المُطلق؛ فهو المُرادُ بشرطِ العِصْمة في حقٌّ الله وحق العباد، وإليه الإشارة في قوله: «لي مع الله وقت، لا يسعني فيهِ مَلَكُ مُقرَّبٌ، ولا نبي مرسل، وأرادَ» بالملكِ المُقرَّبِ: جبرائيل، وبالنبيِّ المُرسَلِ: نفسَه الأكمل، فتأمل.
وأما إذا انعكست القضيَّةُ؛ بحيثُ غلبتْ مُطالعةُ الخلق على مُشاهدة الحقِّ فهو نُقصان إضافي بالنسبة إلى الكمالِ المُطلق، ومن هنا يُقالُ: حسنات الأبرارِ سيِّئَاتُ الأحرار، ولذا قال سيد الأخيار وسند الأخبار: «وإنه ليغانُ على قلبي وأستغفر الله»، و في هذا المقامِ قال بعضُ المشايخ الكرام: أستغفر الله مما سوى الله.
وقال ابن الفارض: ولو خَطَرَتْ لِي في سواك إرادة على خاطري سهواً حكمت بردتي
وشرح هذا المعنى يطول، فلنعطف إلى بيان ما كُنَّا بصددهِ، فنقُولُ: مُعتَقَدُ
أهل الحق أنَّ الله تعالى هُوَ غيرُ وجودِ الكائنات؛ فإِنَّهُ خالق المخلوقاتِ، ومُوجِدُ الوجُوداتِ الحادثة للموجوداتِ، ولا غنى عن المُوجِدِ غيره سبحانه، كما قال: وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَأَىهُ} [محمد: ??]؛ أي: إلى إيجاده أولاً وإمداده ثانياً، ساعةً فساعة، فلا موجُودَ إلا بإيجاده ولا مشهود إلا بإمداده، بل لا موجُودَ حقاً سواه، مُوجِدٌ فلا موجُودَ مُطلقاً إلا الله، فتأمل هذا الشهُودَ في مقام الوُجُودِ، وبين المقالة الوجودية: أنَّ أعيان الموجوداتِ من السماواتِ والأرض، وما بينهما من الكائناتِ العلوية والسفلية والأشياءِ الرَّدِيَّةِ، عين الحقِّ؛ بناءً على القول بالوجودِ المُطلق. نعم؛ كون الأشياء الموجودة والمعدومة أعيان ثابتةٌ في علم الله سبحانه، وأنَّ لها وجوداً في الخارج غيرُ مُستقل بذاتها، بل كالهباء في الهواء، وكسراب بقيعة يحسبه الظمآنُ أَنَّهُ الماءُ حتّى إذا جاءَهُ لم يجده شيئاً ووجد الله عنده؛ لقوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: (4)] وَإِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ تُحيط [فصلت: (54)]، وقوله سبحانه: {وَنَحنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: (16)]، وهذا غايةُ قُرْبِ المُريد في مقامِ المزيد، فتعيّناتها تعينات علمية صورية، لا تعينات عينية حقيقية.
ثم اعلم: أنَّ أرباب المعرفة من الصُّوفية ضربوا مثالاً في بيان الوحدة الذاتية والكثرة الأسمائية والصفاتية الحسنى، والله المثل الأعلى أنَّ الأشياء على اختلافها في أكوانها وألوانها بالنسبة إلى نور الحقِّ وظُهُورِ الذاتِ المُطلق، كما إذا وقعتِ الزُّجاجات، والمِرآة في مُقابلة شمس الوُجُودِ، وهُناكَ في مُقابلها جُدُرٌ في عالم الشُّهُودِ، فلا شكّ أن نور الشمس تقعُ على تلك المجالي فينطبعَ آثَارُ الألوانِ المُختلفة في الجُدُرِ المُقابل لتلك المرايا، فتبقى في غاية من الظُّهُورِ، للانعكاس المُستفاد من ذلك النور، والحال أنَّ نور الشمس باعتبارِ وحدةِ الذاتِ مُعْرى ومبرأ من الألوانِ
المُختلفة المنطبعة في المرآة، إلا أنَّهُ لولا وجود ذاتها لم يُتصور شُهُودُ تجلياتها في مراياتها؛ فالعارفُ نظره إلى الحقِّ المُطلق، والغافل نظره إلى الخلق، وغفلته عن الحق، ولذا لما قيل للشيخ الأوحدي، وهُو مُولَعٌ بعشقِ الأمردِ الغُلامِ: أنت في أيِّ المقام؟ فقال: أنظر شمس السماء في طشتِ الماءِ، فقيل له: لولا أَنَّ لَكَ دَمَلٌ فِي القَفَا لرأيتَ الشمس في مقامه العُلا، وتنوَّرتَ بنوره الضّيا.
ثم على هذا ظُهُورِ الآثارِ المُختلفة من الواحدِ الحقيقي لتعددِ القوابل المُختلفة الاستعدادِ الخَلْقِي، كما يُشيرُ إليه قوله تعالى: {قُلْكُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} [الإسراء: (84)، ويُومى إليه قوله: كلُّ مُيَسَّرْ لِمَا خُلِقَ لهُ»، وبهذا المثالِ ظهرَ لكَ أَنَّ كونَ الحق مع جميع الخلق ليسَ من المُحَالِ؛ فافهم ولا تتوهم أن هُنا شيئاً من الإشكال أو الأشكال، والله أعلم بحقيقة الأحوال. ثم من نتائج هذا المثالِ: أَنَّ المُتحقِّقَ الوُقُوعِ هُو النورُ في جدارِ الظهورِ، والألوان المختلفة، والأكوان المؤتلفة معدومة في صورة الموجوداتِ، وموهومةٌ مُحقَّق الفناء في حد الذات، والجهة الثورية جمع، والجهة اللونية فرق، والوجود الخارجي جامع بين الجهتين، وبرزخ بين شُهُودِ الواجبِ الوُجُودِ وظُهُورِ مُمكنِ الشُّهُودِ، وهو مقامُ جمع الجمع المُعتَبر عند الكل، فتدبر وتأمل، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ} [فاطر: ??]، وقوله سُبحانه وتعالى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يبْغِيَانِ} [الرحمن: (16)]؛ فدل على أن الواجب لا يُمكن أن يصير ممكناً، كما أن المُمكن لا يتصوَّرُ أن يصير واجباً، وأما الناقص فلا يُفرِّقُ بين النور واللون، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: (42)]. وأما من غلب عليهِ شُهُودُ الحقِّ فقال: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطل، ومَن غلب عليه شُهُودُ الخلقِ يكونُ دهرياً عُنصرياً مَجوسياً جُحُودياً يهودياً وجُودياً لا شهودياً، فصح قول من قال الرب ربِّ، والعبد عبد، فلا تغلط ولا تخلط، وكذا قول من قال: ما للترابِ ورب الأرباب، وقد قال عزَّ وجلَّ: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَنُ مِمَّ خُلِقَ} [الطارق: (5)]، ومثال آخر يقرب للمثل الأول، ولله المثل الأعلى؛ فتأمل.
كما نظم بعضُهم:
رَقَّ الزُّجاج ورقتِ الخمر فتشابها وتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح وكأنما قدح ولا خمرُ وهذه حالةٌ فيها مَزلقةُ الأقدام، ومزلَّةُ الأقلام، وقد وقع هنا خَبط للمؤوّل في الإقدام على كلام غيرِ مُستقيمِ المَرامِ عند الأعلام، لدفع ما يَرِدُ على شيخه من الملام ولم يُراعِ جانبَ المَلك العلام؛ حيثُ قال: الموجُودُ الخارجي من الحيثية الجامعة بين الماهية الممكنة ومبدأ الواجب؛ فلو قيل له باعتبار اشتماله على المبدأ: إِنَّه عين؛ لا يبعد كما أن الصفات لا عين و لا غير، وهي غير، انتهى.
وظُهُورُ كُفره لا يخفى؛ فإن المُحققين، وهم أهل السنة والجماعةِ ما رضوا أن يقُولُوا في الصفات: إنها عينُ الذاتِ، بل قالوا: إنها لا عين ولا غيرُ؛ احترازًا عن تعددِ القدماء كما تعلّق به نُفاةُ الصَّفاتِ؛ كالمعتزلة وسائر أهل البدعة، فكيف يُمكنُ أن يُقالَ: المُمكنات عينُ الذاتِ من وجه وغيرها من وجه، والحال أن الموجودات من آثارِ أنوارِ الصَّفات، ولكنَّ العبد من طبيعة، مولاه، كما أن المُريد على طبيعة من ربَّاه. وأما ما مثله المؤوّل تبعاً لغيره في تصوير الوِحدة والكثرة: أنه كالواحد في مراتب الأعدادِ؛ فهو ميل إلى القولِ بالعينيةِ المُترتِّبِ عليه الاتحاد، المحكوم عليه بالإلحاد، وكذا ما نقله عن شيخه أنه قال في «الفتوحات»: من أنَّ التخلّي عندَ القوم اختيارُ الخَلْوة، والإعراضُ عن الأمور المُشغلة من الحضرة، وعندنا هو التخلّي من الوُجُود المُستفادِ؛ لأنَّ في اعتقاد العوامِ: أن وجود الغير حقٌّ، وفي نفس الأمر ليس إلا وجود الحق جل وعلا. انتهى.
ولا يخفى أن هذا أيضاً يُشير إلى وحدةِ الوُجُودِ، وهُو مُخالف لِمَا عليه أربابُ الشُّهُودِ من أن العابد غير المعبودِ، والشاهد غير المشهود، وغاية الأمر أنَّ ظُهُورَ الخلقِ يخفى أو يفنى عند نور الحقِّ، كغَيبة الكواكب الثواقب في حضرة شمس المشارق و المغارب، وكذا شمسُ الجوانب منخسفةٌ ومُنكسفةٌ عند تجلّي ربّ المشارق والمغارب؛ فكُن من الأقارب لا من الأجانب؛ كيلا يقع لك خطأ في تحقيق المراتب.
العاشر: قوله في فَصِّ نوح عليه السَّلامُ: إِنَّ التنزية عند أهل الحقائق في التوحيد عين التجريد والتقييد؛ فالمنزه إما جاهل للرب، وإمَّا غافل قليل الأدب. ثم قال: لأنَّ الحقِّ له في كلّ فردٍ من أفرادِ الخلقِ ظُهُورُ؛ فهو الظاهرُ في كلِّ مفهوم، وهو الباطن عن كلّ معلُومٍ إِلَّا من فهم من قال: إِنَّ العَالَم صُورةُ الحَقِّ وَهَوِيتُه، وهو ظاهر في كلِّ مَظهرٍ وماهية.
ثم قال: وهكذا من شبَّه وما نَزَّه؛ حيثُ جعل الحقِّ مُقيَّداً ومحدوداً، ولم يعرف كونه معبوداً، ومَن جمعَ بينَ التشبيه والتنزيه في وصفِ الحقِّ؛ فهو الذي عرف الحق من بين الخلقِ.
وقال في فَصَّ إدريس عليه السَّلامُ: إِنَّ الحَقِّ المُنزَّهَ هُوَ الخَلْقُ المُشبَّهُ. وقال في فص إسماعيل عليه السَّلام: فلا تنظر إلى الحقِّ، فتعريه عن الخلق، ولا تنظر إلى الخَلقِ فتكسوه سوى الحقِّ؛ فنزّههُ وشبهه، وقُم في مقعد الصدق، انتهى.
وحاصل كلامهِ: أَنَّهُ دَمَّ التنزية المُجرَّدَ، ولا شكّ أَنَّه قولٌ يَرِدُ، حيثُ مدحَ اللهُ سبحانه ملائكته بقوله: {وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسبِّحُونَ} [الصافات: (166)]، ولعل الاكتفاء بالتسبيح عن النقصانِ والزوالِ ظُهُورُ صفاتِ الجلالِ والجمال على وجه الكمال، ومن أسمائه الحسنى القُدُّوسُ؛ فلا لوم على المُنزّه، ولو اكتفى بالتنزيه.
نعم؛ الجمع بين التنزيه والتحميد أولى كما لا يخفى على أهل التأييد؛ لقوله تعالى حكايةً عن ملائكته: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: (30)]، ولِما ورد في الحديثِ: «سُبحانَ الله وبحمده»، على أن كلا منهما يتضمَّنُ المعنى الآخر، فتدبر؛ فإنَّه في حقيقة المعنى نظير كلمة التوحيد في المعنى؛ فإنَّ لا إله تنزيه وتمجيد، وإلا الله توحيد وتحميدٌ.
ثم تعليله المعلول خارج عن حَيّز المعقُولِ والمنقُولِ؛ إذ ماله ضلالةٌ في جعلهِ الخلقَ عين الحقِّ، وهو الكفرُ المُطلقُ، ثم تحسينه للتشبيه مناقض لتحقيق التنزيه ومُعارض لقوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ} [الشورى: (11)].
ثم قوله: الحقُّ المُنزَّهُ هُو الخَلْقُ المُشبَّه هو عين بطلان قوله الأول؛ فتأمل وتنبه، ومحمل كلامه وظاهرُ مَرامه، أنَّ تنزية الحقِّ عين تشبيهه بالخلق، ليسَ القولُ الصدق، وهو كذب وباطل؛ إذ لا مُناسبة بين العبد والرب، وبين الحادث والقديم؛ فالصواب ما ذكره سبحانه في الكتاب: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ؛ أي: في ذاته وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: ??]؛ أي: كامل في مراتب صفاته؛ ففي الجملة الأولى رد على المشبهة، وفي الأخرى إبطال للمُعطّلة، ونُفاةِ الصِّفاتِ المُكمّلة؛ فهذا الجمع بين التنزيه والتشبيه عند أرباب التحقيق وأصحاب التنبيه؛ فتأمل أيُّها النبيه، لئلا تقع فيما وقع فيه السفيه.
وأما ما ورد من الآياتِ المُتشابهة والأحاديثِ المُشكلات؛ حيث جاء فيهما
ذكر الوجه واليد والعينِ والقَدَمِ وأمثالها من الصفاتِ؛ ففيه ثلاث مذاهب بعد الإجماع على التنزيه من التشبيه:
أحدها: تفويض علمها إلى عالمها، وعليهِ جُمْهُورُ السَّلفِ وكثير من الخلف ويُؤيده قوله تعالى: {وَالرَّسِحُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبَّنَا} [آل عمران: (7)]. وثانيها: تأويلها، وإليه مالَ أكثرُ الخَلَفِ وبعضُ السَّلفِ.
وثالثها: أن لا تأويل ولا توقف، بل المذكورات كلها صفات زائدة على الذات، لا يعلم معناها من جميع الجهات، وهو مُختار إمامنا الأعظم وأحمد ابن حنبل وأتباعه؛ كابن تيمية، وهو قول ابنِ خُزيمة وغيرهم من أكابر الأمة من المحدثين، ونُسب إلى عامة السلف.
وقد وافقهم إمام أهل السنة أبو الحسن الأشعري في بعض الصفات لا في جميع المتشابهات، فإن له في الاستواء قولين؛ أحدهما: التأويل بالاستيلاء، وكذا في الوجه؛ حيثُ قال في أحدِ الوُجُوهِ: إن المُرادَ بالوجهِ الوُجُودُ، وكذا في العينِ والقَدَمِ واليمين والجَنْبِ، حيثُ قالَ مرَّةً: إنها كلَّها صفةٌ زائدة، وأُخرى اختار تأويلها، وأما اليد، فليس له فيها إلا القول بأنها من الصِّفاتِ الزائدة على الذات، ووافقه الباقلاني. ثم اعلم: أنَّ حاصل كلامِ المؤوِّلِ في دفع هذا الاعتراض: أنَّ الحقِّ سُبحانهُ لمَّا كانَ عينَ الأشياء من وجه وغيرها من وجه، فلا بُدَّ من الجَمْعِ بينَ التنزيه والتشبيه؛ بأنيعتقد التنزية للذاتِ، من حيثُ الهوية، والتشبية من حيثُ العينية، المُعبّر عنها بالمعية في قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: (4)] انتهى.
وأنت ترى أن هذا توضيح لكلامه لا تصحيح لمرامه، وأما الاستدلال بالآية وحملها على هذا التأويل؛ فخطأ فاحش؛ إذ لا يلزمُ العَينيةُ من المَعية إلا على مذهب الحُلُولية والاتحادية والوجودية؛ بخلاف مذهب أهل الحق المحققين بالمراتب الشهودية.
الحادي عشر: قوله في فَصَّ إدريس عليهِ السَّلامُ: إِنَّ أَبا سعيد الخرَّازَ، قالَ: إِنَّهُ - يعني نفسَهُ - وجهٌ مِن وُجُوهِ الحقِّ، ولسان من ألسنته؛ حيثُ لم يعرف ربَّ العبادِ إلا بأن جمعَ بينَ الأضداد.
ثم قال الخرَّازُ: هو - يعني الله سُبحانهُ - سُمِّي بأبي سعيد الخراز وغيره من أسماءِ المُحدَثاتِ، انتهى
ولا يخفى بطلانُ هذهِ الهَدَيَانَاتِ، نعم جمعَ الحَقُّ سُبحانهُ فِي الصِّفاتِ بينَ الأضداد؛ حيثُ قال: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّهِرُ وَالْبَاطِنُ} [الحديد: 3]، وهو في صورة الأضداد؛ إذ المعنى المُرادُ: هو الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، والظاهر باعتبارِ الصِّفاتِ المُقتضية لإظهارِ المصنوعات، وإبراز المُمكنات والباطن باعتبار الذات؛ حيثُ لا يعرفُ كُنهَهُ المُنزَّه عن جميع الجهاتِ، لا أنَّ أوَّلِيتَه عين آخريته، وظاهريته عين باطنيته من جهةٍ واحدةٍ فيهما، وإن كانتْ مُختلفةً بالنسبة إلينا كما أوَّلَ المؤوّلُ؛ فإِنَّ كلامه المُعلَّلِ ونسبه إلى شيخه المُستدّل؛ حيثُ قال في «الفتوحات»: هو الأول والآخرُ والظاهر والباطنُ، يريدُ الخَرَّازُ من وجه واحد لا من نِسَبٍ مختلفةٍ كما يراه أهلُ الفِكْرِ من عُلماءِ الرُّسومِ. انت انتهى.
ولا يخفى أنه عدَّ عُلماء الشريعةِ من أهل التفسير والحديث أرباب الرسوم، وجعل نفسه وأمثاله من أصحاب الحقائق والفُهوم بمجرد التخيلات في الأمر الموهوم.
وأما قولُ المؤوّلُ: إنَّه قد تقرر سابقاً أنَّه سُبحانهُ لكونه مبدأ الآثارِ والأحكام لهُ وجه خاص بالنسبة إلى كلِّ ماهية ما ليسَ إلى غيرها؛ فهو توضيح لا تصحيح؛ فإِنَّهُ عينُ القولِ بأَنَّهُ سُبحانهُ عينُ الأشياء من وجه وغيرها من وجه، فثبت أنه كُفْرٌ صريح ليس له تأويل صحيح. وأما استدلاله بحديثِ: «إذا قال الإمام: سمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ يَقُولُ: رَبَّنَا ولك الحمد»؛ فإنَّ الله قال على لسان عبدهِ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ فَمِن سوء فهمه وقلة علمه بالكتاب والسنة؛ فإنَّهُ من قبيل قولِ الخطيب إذا قرأ: {يَاتها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: (56)]، وكذا إذا قرأ القارئ آيةَ السجدة، وكذا حديث: «إِنَّ الله ينطقُ على لسان عُمرَ، وكذا سماعُ مُوسى عليهِ السَّلامُ كلامَ الربِّ من الشَّجرةِ.
الثاني عشر: قوله في فَصَّ نوح عليه السَّلام: لو جمع نوح بين التشبيه والتنزيه، ودعا قومه إليهما لأجابوه فيهما، لكنه دعاهُم جَهاراً إلى تشبيه، ثم دعاهم إسراراً إلى
التنزيه، وقال: إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا إلى التشبيهِ، وَنَهَارًا [نوح: (5)] إلى التنزيه. وهذا مع التناقُضِ من كلاميه، والتعارض بين مراميهِ كُفر ظاهر لاعتراضه على
نبي من الأنبياء.
وقد صرَّحَ العلماء بأنَّ مَن عابَ نبياً من الأنبياء؛ فقد كفر، ولادعائه علم الغيب في الإنباء والتفسير برأيهِ مُخالفاً للعلماء والأولياء من غير قاعدة عربية، أو قرينة حالية، أو مقالية على ما ادعاه من الإيماء.
ثم أقبح من ذلك فيما ترقّى عمَّا هُنالك قوله في فَضٌ إِلياس عليه السَّلامُ عند قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ وَايَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: (124)]: فيه وجهان من بيانِ المَبنى وعَيانِ المعنى: أحدهما: أنَّ رُسلُ اللهِ مُبتدأً، والله خبره، وقوله: أعلم خبر مبتدأ محذُوفٍ هُو هو.
وثانيهما: أنَّ الله مُبتدأ، و أعلم خبره، وفي الوجه الأول رسل الله يكونون الله، وفي الوجه الثاني غيره وسواه؛ فهذا هو التشبيه في التنزيه، والتنزيه في التشبيه، انتهى. وأنت ترى أنَّ هذا إلحاد في المبنى واتحاد في المعنى، ولا يخفى أن جهل هذا القائل في الإسلام أقوى من عبدة الأصنامِ؛ حيثُ قالُوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، و هَؤُلَاءِ شُفَعَؤُنَا عِندَ اللَّهِ} [يونس: ??]، وأشدُّ كفراً من النصارى؛ حيثُ قالُوا: {إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: (17)] وهو يقُولُ: بأنَّ جميعَ الرسُلِ الله مع أنَّ هذا ليس على قاعدته المبنية؛ لتصريح هذه الطائفة الرديَّةِ المُسماة بالوجوديَّة: أنَّ النصارى ما كفروا إلا لحصر الإلهية في الماهية المسيحية؛ فهم عمموا العينية حتى في الأشياء الدنية، فصدق في حقهم ما قال الله تعالى: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ} [المائدة: (13)]؛ فأَيُّ تحريف أقوى من هذا التصنيف المُشتَمل على هذا الإعراب، الذي لم يصدر مثله عن الأعراب المذمومين في الكتاب؛ فإن قطعَ رسل الله عن قوله أُوتي في غاية من الإغراب، فجمع بين تزييف المبنى وتحريف المعنى؛ فثبتَ أَنَّهُ جاهل أيضاً بالقواعد العربية التي لا تخفى على من قرأ «الآجرومية».
هذا، وقد أطال المؤوّل في هذا المقام بما لا طائل تحت شأنه؛ فأعرضنا عن بيانه وإبطال برهانه؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: (3)]، ولحديثِ: «إِنَّ مِن حُسْنِ إِسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وإنما ذكرنا هذا المقدار من الأُمور الفضيحة؛ لما ورد في الأحاديث الصحيحة من أنَّ: «الدين النصيحة». الثالث عشر: قوله في فَص نوح عليه السَّلامُ أيضاً: أَنَّه قالَ: {وَمَكَرُوا مَكْرًا كبارًا [نوح: (22)]؛ لأنَّ الدعوة إلى اللهِ مَكرُ بالمَدْعو.
ثم قال بعد أسطر: وقالُوا في مَكرهِم لَا نَذَرُنَّ الهَتَكُمْ} [نوح: (23)] ... إلخ؛ فإنهم لو تركوهم جهلوا من الحقِّ قدر ما تركُوا من هؤلاء؛ فإنَّ للحقِّ في كل معبودِ وجهاً خاصاً، يَعرفهُ مَن عرفه، ويجهلُه مَن جهلَهُ، انتهى
ولا كُفْرَ أصرحُ من هذا على ما لا يخفى، ولَمَّا عَجَزَ المؤوِّلُ عن تأويله انتقل إلى توضيح كلامه وتصحيح مرامه بما هو أصرح في حالِ كُفْره ومقامه؛ حيثُ قال: المقصود من الدعوة إلى الحقُّ مُجرد المعرفة لا أَنَّهُ سُبحانه من محل مفقود، وفي آخر موجود، والدعوة الظاهرة عبارة عن دعاء المدعو مما فيه الحق مفقود إلى ما فيه الحق موجود. ولمَّا كانَ المُرْسِلُ والمُرسَلُ إليه والرَّسُولُ والرسالة والداعي والمدعو إليه، والمدعو والدعوة تقتضي أربعة أشياء، والحال أنه بحسب التوحيد الذاتي كلُّها شيء واحد لا جرم يكونُ مُخالفاً للواقع؛ فلو فَهِمَ أحدٌ مِن جَهْلِةِ التعدُّدِ الحقيقي تكونُ الدعوة في حقيقةِ المَكْرِ الخَفِي، وقد قال تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ [آل عمران: (54)] قلتُ: فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ} [الأعراف: (99)]
ثم قال: ولو اعتقد أنَّ شيئاً من الأشياء خالٍ منه وعارٍ عنه، فتفوتُه المعرفة بالحقِّ على مقدار ما تصوّر فيه الخُلُو عنه من الخلقِ. قلت: ما شاء الله كانَ من الأشياء، ويُضل من يشاءُ ويَهدي مَن يَشَاءُ، والخطراتُ
الشيطانية ما لها حد الانتهاء، كما تقتضيه جلاليةُ الأسماء.
الرابع عشر: قوله في فَصَّ نوح عليه السَّلامُ أيضاً: أُغْرِقُوا في بحارِ العلم باللهِ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا} [نوح: (25)]، فكان الله أنصارهم، فهلكوا فيه؛ أي: في الله إلى الأبد، فلو أخرجهم إلى السيف - بكسر السين؛ أي: الساحل، سيفُ الطبيعة - لنزل بهم عن هذه الدرجة الرفيعة، انتهى
ولا يخفى أن الدنيا دار المعرفة؛ لقوله تعالى: {وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى [الإسراء: ??]، والكفَّارُ من أجلِ خَطَئهم؛ لَمَّا أُغرقوا في الماءِ وأُحرقوا بالنار يحصل لهم الإيمانُ في حال البأس (2) والإيقان في وقتِ اليأس، ولا يُسمَّى ذلك الإيمان معرفةً، ولذا قال تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام: ??]، وهذا معنى قوله: ولو أخرجهم إلى ساحل الطبيعة لنزل بهم عن هذه الدرجة
الرفيعة، لكن تسمية هذه الحالةِ رفيعة لا شكّ أنها عبارة شنيعة وإشارة فظيعة. قال المؤوِّلُ: إِنَّ قومَ نوحٍ كانُوا عالمين من حيثُ الفطرة والجبلة بحقائق الأشياء ومُسبِّحينَ كسائر أجزاء الأرض والسماءِ، لكن من غيرِ شُعُور لهم به من حيثُ التعلُّق الجسَداني وارتباطُ الهَيولاني المانع لهم من الفكرة والرؤية والساتر لهم عن المعارفِ الفطرية، لا سيّما لمَّا أُغرقوا وانقطع العلائق وتفرق العوائق تحققوا بسبب شُعُورهم للعلوم الفطرية والمعارفِ الجبليّةِ، قال تعالى: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: (47)]، فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: ??]، انتهى مقالاً، ونعوذُ بالله من الشقاوة حالاً ومالاً.
ثم رأيتُ عبارة «الشَّفا» ففيها: أنَّ الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب.
قال شارحه العلّامةُ الدَّلجيُّ: أي: حمله على خلافِ ما ورد به من المعنى المُحكَمِ كحمل بعض المتصوفة قوله تعالى في قومِ نوح: {مَمَا خَطِيئَهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} [نوح: (25)] على ما حاصله: أغرقوا في المحبة فأُدخلوا نارها مع هَذيانَاتٍ كثيرة صارفة عن ذمّهم إلى مدحهم. انتهى.
ولا يخفى أنَّ المعرفة صفةٌ مادحة، بل لازمة للمحبة.
الخامس عشر: قوله في فَضٌ إبراهيم عليهِ السَّلامُ:
فيحمدني وأحمده ويعبدُني وأعبده
والجملة الأولى وجهها ظاهر؛ لأنَّ الحمدَ بمعنى الثَّناء؛ فالله تعالى يُثني على مَن يشاء، وأمَّا الجُملةُ الثانية، فظاهرُها كُفر كما لا يخفى على أهل الصَّفا. وأما قولُ المؤوّلُ: إنَّ العبادة جاءت في اللغة بمعنى الانقياد والطاعة، انتهى
والله سبحانه أجابَ دُعاءَ المُطيع، كما أنَّ المُطيع انقاد لأمرِ المُطَاعِ. قال أبو طالب للنبي: ما أطوع لك ربَّكَ يا مُحمَّد، فقال له: «وأنتَ يا عمّي إِنْ أطعته أطاعك»، انتهى.
ولا يخفى أنَّه ما ورد: إِنَّكَ إِنْ عبدتَهُ عبدكَ؛ فإنَّهُ كفر شرعاً، ولا يُلتفتُ إلى معناه لغةً وعرفاً، وكذا لا يُقبل توجيهه المقابلة بالمشاكلة، مع أنَّ المُقابلة لا تكون إلا في الجُملة الأخيرة على ما صرَّحُوا به في علم المعاني والبيان.
هذا؛ وأيُّ لذة في هذا الكفر بظاهره واحتياجه إلى تأويل في آخره، وأي مانع كانَ لَهُ أَن يَقُولَ: ويُجيبُني وأُجيبه.
والحاصل: أنَّ تأويله لا يصدق قضاءً وحكومةً، وقد يُدين ديانةً. السادس عشر: قوله في فَصَّ هودَ عليهِ السَّلامُ: إِنَّ وجودَنا غذاء الحقِّ، وهُو غذاؤنا، انتهى ولا يخفى أنَّ الغذاء ما يكون سبباً للبقاء من مطعومات الأشياء، والله تعالى مُنزَّه عن ذلك كما قالَ: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ} [الأنعام: (14)].
وأمَّا قولُ المؤوّلُ: إِنَّ بقاء الحقِّ لمَّا كانَ سبباً لوُجُود بقاء الخلقِ؛ فلا جرمَ هُو غذاؤنا، ولما كانَ الخالقِيَّةُ والرازقيَّةُ وسائر الأسماء الأفعالية لا يُتصوَّرُ ثُبوتها من غيرِ مخلوق ومرزوق وأمثالهما، لا تقديراً ولا وجوداً؛ لا جرم نكُونُ نحنُ أسبابَ وجودِ الأسماء وبقائها؛ فنحنُ غذاؤهُ في ثُبُوتِ أفعاله وأسمائه.