لب لباب المناسك
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
لب لباب المناسك
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
ربِّ زِدْنِي عِلْماً يا كريم
الحمدُ للهِ الذي أحسَنَ [ ... ] المشاعر والمناسك، والصَّلاةُ والسَّلامُ على محمد الهادي [المهدي] (2) لكلِّ سالك عن المهالك، وعلى آله وصحبه وتابعيه وحزبه من كل ناصح وناسِكِ. أما بعد: فيقولُ المُلَتَجِى إلى حَرَمِ رَبِّه الباري عليُّ بنُ سُلطانِ محمَّدٍ القارِيُّ: إِنَّ هذا لب لبابِ المَناسكِ وحبُّ عُبابِ المَسالكِ، نافعاً لكُلِّ ناسك، ورافعاً لكُلِّ سالكِ. الحج فَرضُ بالكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمَّة فِي العُمرِ مَرَّةً بِالفَورِ، على كلِّ مُسلمٍ بالغ عاقل حُرِّ مُستطيع، يملِكُ الزَّادَ وتَمَكَّنَ الرَّاحلة في سبيله ذاهباً وآيبا، بنَفَقَتِهِ بِفصلٌٍ عمَّا لا بُدَّ منه، وعن نَفَقَةِ عِياله إلى حينِ عَوْدِهِ، وَقَضاءِ دُيونِهِ وَقتَ خُروجِ بَلَدِهِ، سلامة بدَيْه وأَمْنِ طريقه، ووجودِ المَحْرَمِ أو الزَّوجِ مَعَ المَرأَةِ، إذا كانت على مسافة السفرة، وعدم كونها في العدَّةِ.
وفرائضه: الإحرام بالنِّيّة والتَّلبية، أو ما يقومُ مَقامَها من الذِّكرِ، وتقليد الهَدْيِ، والوقوف بعرفة في وقته، وطوافُ الزيارة في زمانه بالنية، والترتيب المذكور.
والأوَّلُ شَرْطٌ، والمُتوسطان رُكنان، وحُكمُ الفرائضِ له لا يصِحُ الحَجُّ إلا بها، ولا ينجبر بدم، ولا يخرج من الإحرام بالكلية ما بقي عليه شيء منها. وواجباته الإحرام من الميقات، والسعي بينَ الصَّفا والمروة، واستدامة الوُقوفِ بعَرَفَةَ إلى الغُروبِ لمَن وقَفَ نهاراً، ووُقوفُ جُزء من اللَّيْلِ، ومُتابعَةُ الإمام في الإفاضة، وتأخيرُ الصَّلاةِ إلى مُزْدَلِفَةً، وأداؤهما في وقتِ العِشاء بها، والوقوفُ بعدَ الفَجْرِ منها، ورمي الجِمارِ في أوقاته، وكُونُ الرَّمي الأَوَّلِ قبل الحلق، والحلق أو التقصير، وكونه في أَيَّامِ النَّحرِ وفي الحرم، وطوافُ الزِّيارةِ في أَيَّامِ النَّحرِ، وما زاد على أكثره، والطَّوافُ من وراء الحطيم، والطَّهارة في الطُّوافِ، والتَّيَامُنُ فيه، وسَترُ العَورَةِ، وطهارة ما يستر به عَورَتَه من ثَوبِه، والمَشي فيه، وركعتا الطَّوافِ، وطوافُ الصَّدِرِ للآفاقي، ورَمْيُ القارِنِ والمُتمَتِّعِ قبلَ الذَّبح، والهَدْي عليهما، وذبحهما قبل الحلق، وفي أيامِ النَّحرِ.
ومن الواجبات تركُ المحظورات في الإحرام، وهي الرَّفَثُ، والفُسوقُ، والجدال، والجماعُ ودواعيه بشهوة، وأخذُ الشَّعر مُطلقاً، وحَلْقُ الرَّأْسِ وتقصيره، والشَّارِبِ، والإبط، والعانة، والرقبة، ومَوضِعِ المَحاجِمِ، وقصُّ اللحيةِ، وقَلْمُ الأَظافِرِ، ولُبْسُ المَخيط، كالقميص والسَّراويل والعمامةِ والقَلَنْسُوَةِ والبُرقُعِ والبُرْنسِ والطَّيلُسانِ والقباءِ والعباءة، ولُبْسُ الخُفَّينِ والجَوْرَبَينِ، وكل ما يسترُ الكَعْبَ الذي عندَ مَعقِدِ شِراكِ النَّعَلِ، ولُبْسُ ثوبٍ مَصبوغ بوَرْس وزَعفران، إلا أن يكونَ غَسيلاً لا يُنفَضُ، وتغطية الرأس والوجه، والتَّطيُّبُ والتَّدَهُنُ، وأكلُ الطَّيِّبِ ورَبطه بطَرَفِ ثَوبِه، وقتلُ صَيد البرّ، وأخذه ودَوامُ إمساكه في يده، والإشارَةُ إليه، والدَّلالة والإعانة عليه، وتنفيرُه وكَسْرُ بَيضه وشَيِّه، ونَتفُ، ريشه، وكَسرُ قَوائِمه، وجَناحِه، وحَلْبُه وبيعه وشِرَاؤُه، وأكله، وقتلُ القَمْلَةِ ورميها، ودفعها لغَيرِه، والأمر بقتلها، والإشارة إليها، وإلقاءُ ثَوبِه في الشَّمس، وغسله لهلاكها، وخَضْبُ رأسه ولحيته، أو عُضوا آخرَ بالحِنَّاءِ، وغَسلُهما بالخِطْمِي والوَسِمَةِ، وتلبيدُ شَعرِه بثَخين غيرِ نابع، وقطعُ شَجَرِ الحَرَمِ، وقَلعُه ورعيه إلا الإِذْخِرَ.
وحكمُ الواجباتِ: لزوم الجزاء بتركِ كل واحد منها كما سيأتي في محالها، وجواز الحج سواء تركه عَمْداً أو سَهْواً، لكنَّ العامِدَ آثِم دونَ الجَاهِلِ والناهي والخاطي والناسي. ويُستثنى من هذا ترك ركعتي الطواف، وتركُ تأخير المغرب إلى العشاء، ولو بغير عذر، وتركُ كل واجب آخر بعُذر، وأمَّا ارتكاب مَحظور بعُذرٍ فليس مُسقِطاً للجزاء في الجملة كما سيجيء بيانه.
وسُنَتُه: طَوافُ القُدوم للآفاقِيّ المُفرِدِ بالحج، والقارن، والابتداء من الحجر الأسود، وخُطبَةُ الإمامِ سابع ذي الحِجَّةِ بمكَّةَ، وفِي عَرَفَةَ بِنَمِرَةَ، وثاني النَّحِرِ بمنى، والخروج من مكة إلى عَرَفَةَ يوم التروية، والبَيَتوتَةُ بِمِنَى ليلةَ عَرَفَةَ، والدَّفْعُ منه إلى عرفة بعد طلوع الشمس، والغُسل بعرفة، والبيتوته بمزدلفة، والبيتُونَةُ بينى ليالي أَيَّامِ الرَّمي، والنزول بالمُحَصَّبِ.
وحكمها الإساءة بتركها، وعَدَمُ لزوم شيء فيها.
ومُستحبَّاتُه كثيرةُ: منها العَجُ والثَّجُ في الحج، والغُسْلُ لدخول مكَّةَ للآفاقِيِّ، ولمُزدَلِفَةَ، والتزولُ بقُربِ جبلِ الرَّحمةِ، والجَمعُ بينَ الصَّلاتَينِ بِشُروطِه في مسجدِ نَمِرَةَ، والإكثار من الدُّعاءِ والتَّلبية، والوقوف خلف الإمامِ وبقربه، والوقوفُ بالمَشعَرِ الحرام، وأداء الصلاتين به، ورَمْيُ جَمرة العقبة بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ في اليومِ الأَوَّلِ، وطوافُ الزيارة أول أيام النحر.
وحُكمُها حُصول الأجر في الفعل، وفَوتُه بالتَّركِ.
و محرمانه: جميع محظوراته، وترك واجِباتِه، ويترتب على إتيان واجباتها واجتناب محظوراتها الثواب وعلى مُباشرة محظوراتها وتَركِ واجِباتِها العِقابُ.
و مُفسِده: الجِماعُ قبلَ الوُقوفِ.
ومُبْطِلُه: الارتداد.
ومكروهاته: كثيرة أيضاً: منها خُطبة الإمامِ بعَرَفَةَ قبلَ الزَّوالِ، وتأخيرُ الوقوف بعد الجمعِ بينَ الصَّلاتَين، وتقديمُ الدَّفع من عَرَفَةَ على الإمامِ، وتأخيره عنه، والرَّمْيُ بحَصَى الجِمارِ والمَسجِدِ وبحَجَرٍ كبير، والاقتصار على حَلْقِ الربع عندَ التَّحلُّلِ، والمبيتُ بغيرِ منى ليلةَ عَرَفَةَ، وكذا ليالي أَيَّامِ الرَّمْي. وتركُ كل واجب مكروه تحريمي، وتركُ كلّ سنَّةٍ مكروه تنزيهي، وحُكمُ الآخر دخولُ النَّقص في العَمَلِ، وخَوفُ العِقابِ، وعَدَمُ وجوب الجزاء، وتحقق العتاب. و مباحات الإحرام: الغُسْلُ، والغَمْسُ في الماء، ودُخُولُ الحَمَّامِ، وغَسل الثَّوبِ، ولبس الخاتم، وتقلد السَّيفِ، والقتال، وشَدُّ الهِمْيان، والمِنْطَقَةِ، والسلاح، والاستظلالُ بيت ومحمل، وعَمَّارِيَّة، وفُسطاط، وثوب،
وغيرها، والاكتحال بما لا طيب فيه، والنظر في المرآة، والسواك. ونَزْعُ الضّرس والظُّفْرِ المكسور، والفَصْدُ والحجامة بلا إزالة شعر، وقلعُ الشَّعرِ النَّابتِ في العَينِ، وجَبرُ المكسور، وتعصيبه بخِرقةٍ، ولُبْسُ الخزّ والبَزّ والثَّوبِ الهَرَوِيِّ والمَرَوِيٌّ، والقَصَبِ والبُرْدِ المُلوَّنِ كَالعَدَني، والتَّوَشُحُ بالقميص، والارتداء به، والاتزار به وبالسراويل، والتَّحَزُّمُ بالعمامة، وغَرزُ طَرَفَي رِدائِه، وإلقاء القَبَاءِ والعَبَاءِ والفَرْوَةِ ونحوها عليه بلا إدخال منكبيه، ووَضعُ خَدَّه على وسادة، ووَضعُ يده أو يد غيره على رأسه، أو أنفه. ولبسُ المَداسِ، والجُمْجَم، والمِعْكَبِ، والشمسد، والصَّدَلَة (8)، وتغطية اللحية مما دونَ الزَّقَنِ، وأُذنيه وقفاه وفاه ويديه، وسائر بدنه سوى الرَّأْسِ والوَجْهِ، والحمل على رأسه أجلَّةٌ (9)، أو عدلاً، أو جو القا (10)، أو طبقاً، أو نحو ذلك، بخلاف حمل النياب، ولكل ما اصطادَه حَلالٌ.
وأكل طعامٍ فيه طيبٌ إِنْ مسَّه النَّارُ أو تغير، والسَّمنُ والزَّيتُ والشَّيْرَجُ، وكلُّ دهن لا طيب فيه، والشَّحم، ودهنُ جُرح أو شقاق، وقطع شجرِ الحِلِّ وحَشيشِه رَطباً ويابساً، وإنشادُ الشُّعرِ، والتَّزوُّجُ والتَّزويجُ، وذَبَحُ الإِبلِ والبَقَرِ والغَنَمِ والدَّجاحِ والبَطَّ الأهلي، وقتل الحيَّةِ والعَقْرَبِ والذُّبابِ والبَرغُوثِ والبعوض ونحوه، وحَكَ رأسه برفق، وجسده ولو بشدَّة، أو خُروج دم، والجلوس في دُكَّانِ عَطَّارِ لا لاشتمامِ رائحة. وأمَّا مَكروهاته: فإزالةُ التَّفَثِ، وغَسلُ الرَّأْس واللحية بالسدر ونحوه، ومَشطُ شَعرِه وحَتَّه إِنْ أفضَى إلى قتل الهوام، أو إزالة الشَّعرِ، وَعَقدُ الطَّيلَسانِ على عُنُقِه، وإلقاءُ القَبَاءِ والعَبَاءِ ونحوِهِما على منكبيه من غيرِ إدخال يديه في كُمِّيه، وعَقدُ الإزار والرداء، وأن يخله بخلالٍ، وشدهما بنحو حبل.
ولُبْسُ الثّوبِ المُبخّرِ، وشَمُّ الطَّيبِ، ومَسه إِنْ لم يلتَزِقُ، وَشَمُّ الرَّيحانِ والثَّمَارِ الطَّيِّبة، وكل نبات له رائحة طيبة، والجلوس في نحوِ دُكَّانِ عَطَارٍ لاشتِمامِ الرَّائحةِ، والتَّزَيُّن، وتعصيب شيءٍ من جسَدِه، والدخول تحتَ أستار الكعبة إِنْ أَصابَ رأسَه أو وجهه، وتغطية أنفه أو ذقنه أو عارِضه بثوب، وأكل طعامٍ يُوجَدُ فيه رائحةُ الطَّيِّبِ، وكَبُّ وجهه على وسادةٍ، بخِلافِ وَضْع خَدَّيه
والميقاتُ الزَّمانيُّ للحَجِّ شَوَّالٌ وذو القعدَةِ وعَشَرَةُ أَيَّامٍ من ذي الحِجَّةِ. والميقات المكانيُّ للآفاقِيّ مُطلَقاً ذو الحُليفة لأهلِ المَدينةِ، والجُحْفَةُ وهي بالقُربِ من رابغ لأهلِ مِصْرِ، ويَلَمْلَمَ لأهلِ اليَمَنِ، وذاتُ عِرْقٍ لأهلِ العِراقِ، والقَرْنُ لأهلِ نَجْدٍ، وهي وما حاذاها لأهلِهِنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهن ولأهل الميقاتِ ومن دونهم الحِلُّ مُطلَقاً، ولأهلِ الحَرَمِ للحَجِّ الحَرَمُ، والعُمرةِ الحِلُّ.
وأنواع الإحرام بالحج ثلاثة: الإفراد: وهو عام للمَكِّيُّ والآفاقي، وهو الأفضَلُ عند مالك والشَّافِعِيّ، وقرانُ بشُروطه، وهو الأفضَلُ عندَنا، وتمتُّع بشَرائِطِه، وهو الأفضَلُ عِندَ أَحمدَ بنِ حَنْبَلٍ.
فصل
في صِفَة الإفراد
إذا أرادَ أن يُحرِمَ مُطلَقاً يُستَحَبُّ أن يقُصَّ شعرَه، ويُقلَّمَ أظفاره، وينتف أو يحلق إبطيه، ويحلق عانته، ويُجامِعَ أهله إنْ كانت معه، ويتجَرَّدُ من لُبْسِ المَخيط، ويستاكُ ويغتَسِلُ لإحرام أو يتوضَّأُ، والغُسْلُ أفضَلُ، والوضوء يقومُ مَقامَه في أصلِ السُّنَّةِ، لا في حقٌّ الفَضيلةِ، ويُسَبِّحُ رأسه ولحيته عقيب الغُسْلِ، ويدَّهِنُ ويتطَيِّبُ، ويلبَسُ إزاراً ورداءً جديدين أو غسيلين، ويُصلِّي في غيرِ وَقتٍ مكروه ركعتين ينوي بهما سُنَّةَ الإحرام، يقرأ فيهما (الكافرون) و (الإخلاص).
وإذا سلَّمَ وهو جالس في مكانه يقول بلِسانِهِ مُطابِقاً لجَنانِه: اللَّهُمَّ إِنِّي أُريدُ الحَجَّ فيسره لي، وتقبله مني، نويت الحج وأحرَمْتُ به الله تعالى، ثمَّ يُلبي: لبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبّيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، ويُصلي على النبي، ثم يدعُو بما شاءَ.
والتلبية مرَّةً فرضٌ، وتكرارها سنة، وعند تغير الحالاتِ مُستَحَبُّ، والإكثار منها مُطلَقاً مَندوبٌ، ويُستَحَبُّ تكرارُها كلَّ مرَّةٍ ثلاثاً ولاء، وإِنْ زادَ على التَّلْبِيةِ المَسنونة حَسَنُ، ويُستَحَبُّ إكثارُها قائماً، وقاعِداً، راكباً ونازلاً، واقفاً وسائِراً، طاهِراً ومُحدثاً، جُنُباً وحائِضاً، وكلَّما عَلا شَرَفاً، أو هَبَطَ وادِياً، وعندَ إقبالِ اللَّيلِ والنَّهارِ، وفي الدُّخولِ بالأسحار، وبعد كل صلاةٍ فَرْضاً أو نَفْلاً، وعند كلِّ رُكوبٍ ونُزولِ، ولقاء بعضهم بعضاً، وإذا استيقظ من النوم، أو فَرَغَ من الأكل، أو استَعْطَفَ راحلته). ولا يمشي أحد على تلبية غيره، ولا يُلبي فِي الطَّوافِ إِلا سِرَّاً، وكلُّ ذِكرٍ يُقصَدُ تعظيمُ اللهِ سُبحانَه يقومُ مَقامَ التَّلبية، كالتسبيح والتَّحميد والتهليلِ والتَّمجيد، وكذا تقليدُ الهَدْيِ، وهو أن يربط في عُنُقِ بَدَنَةٍ أو بَقَرَةٍ قطعة نَعْلٍ أو لحاء شجرةٍ ونحوها، ويسوقها ويتوجه معها ناوِياً للإحرام".
ويطوفُ الآفاقِيُّ طواف القدوم، يرمُلُ في الثَّلَاثَةِ الأُولِ، مُضطَبِعاً فِي الكُلِّ، ويُقدِّمُ السَّعي، وإنْ شاءَ ثَمَّ يطوفُ ما بدا له، والأفضَلُ للمَكِّيُّ أَن يُؤَخِّرَ سَعْيَ الحج. وإذا أراد أن يذهَبَ إلى عَرَفَةَ فَيُستَحَبُّ له أن يطوفَ وَداعاً، والأفضَلُ أن يخرُجَ من مكَّةَ يومَ التّروية بعدَ طُلوعِ الشَّمس، ويُصلِّي خمسَ صَلَوَاتٍ بِمِنّى، ومَسجِدُ الخيفِ أفضَلُ، ويبيتُ بها، ثمَّ يَخْرُجُ إلى عَرَفَةَ بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ، وَيَنزِلُ قُرْبَ مَسجِدِ نَمِرَةَ، أو في منازلِ عَرَفَةَ بعيداً عن الطَّريقِ قريباً إلى النَّاسِ، ويتفَرَّغُ قبلَ الزَّوالِ عن سائر الأشغال، ويغتسِلُ ويُصلِّي الظُّهَرَ مُنْفَرِداً أو جماعةً إِنْ لم يَكُنْ فِي مَسجِدِ نَمِرَةَ مع الإمامِ بشروطه، وإلا فيجمَعُ بينَ الصَّلاتَينِ.
ثم يشتغل بالذَّكرِ والدُّعاء واللاوةِ والثَّناء والتَّلبية والاستغفار والتصلية، راكباً أو واقفاً، أو قاعِداً أو مُضجَعِاً، ويُكثِرُ من قَولِ: لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمدُ يُحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، فإنَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: هو أفضَلُ ما قُلتُ أنا والنَّبيِّونَ قبلي، إلى أن يدخُل وقتُ العَصْرِ فيُصلِّي العصر، وهكذا إلى أن تغيبَ الشَّمس.
فيتوجه إلى مُزدَلِفَةً من غير أن يُصلِّيَ المَعْرِبَ فِي عَرَفَةَ أَو فِي الطَّرِيقِ، فيُؤَذِّنُ ويُقيم، فيُصلِّي المَغرِبَ بها أداءً لا قضاء، ثمَّ العِشاء، فيُصلِّي سنَّةَ المغرب والعشاء والوِتر، ويَبِيتُ إن قدر، ويلقط الحصى منها سبعاً أو سبعين، ويُصَلِّي الفَجْرَ فيها بغَلَس، ويقفُ ويدعو ويُلبي؛ لقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198].
ثمَّ يَتَوَجَّهُ إلى مِنَى، ويرمي جمرة العقبة سبعاً من أسفل الوادي، ويقطَعُ التلبية بأوَّلِ رَمْي، ثمَّ يَذْبَحُ إِنْ شاءَ، ثمَّ يحلق أو يُقَصِّرُ، والأَوَّلُ هو الأفضَلُ، وحَلَّ له كُلُّ شيءٍ إلا النِّساء.
ثمَّ يَنزِلُ نَهاراً أو ليلا في أَيَّامِ النَّحْرِ، وأَوَّلُها أَفضَلُها إلى مكَّةَ، ويدخُلُ من بابِ السَّلامِ على الأحَب بآدابِ دخوله، فيطوفُ طواف الفَرْضِ باضطباع قبيل الشروع فيه إن لم يكن لابساً، ويرمُلُ مُطلَقاً إلا إذا فَعَلَهما في طوافِ قبلَ سَعْيِ مُتَقَدِّم على الوقوف، وينوي مُتقَدِّماً على الرُّكنِ الأعظَمِ من غيرِ رفعِ يد.
ثُمَّ يستقبل الحَجَرَ ويستَلِمُه، ويُقبلُه غير مُؤذِ، ويَضَعُ جبينه أيضاً في رواية عليه، مكبراً مُهللاً جامعاً مُصلَّياً، وعندَ الزّحامِ يُشيرُ إليه بيديه على هيئة الواضع.
ثُمَّ يُقبلُهما، ويستَلِمُ الرُّكن اليماني أيضاً، ويحتاط في المُرورِ أن لا ينصَرِفَ عن هيئة الطَّائفين، وأن لا يمُرَّ على الشَّاذَرْوانِ.
ثم يدعو في المُلتَزَمِ، فيُصلِّي رَكعتي الطَّوافِ في غير وقتِ الكَراهة، ويدعُو بدعاء آدم عليه السلام، ويشرَبُ من ماء زمزَمَ، ويتضَلَّعُ منها إِنْ تيسَّرَ، ثُمَّ يُعِيدُ استلام الحَجَرِ، فيخرج من بابِ الصَّفا بآدابِ الخُروج، مُتوَجِّهاً إلى الصَّفا، وإذا دَنا قالَ: أَبدَأُ بما بدأ الله به، وقرأَ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابر الله الآية [البقرة: 158].
ثمَّ صَعِدَ الصَّفا، يقفُ مُستقبلاً، ويرفَعُ يديه كما في الدُّعاء، ويقولُ: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الحمد لله على ما هدانا، الحمد لله على ما أَوْلانا، لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، لا إله إلا الله وحدَه، صَدَقَ وعَدَه، ونصَرَ عبدَه، وَأَعَزَّ جُندَه، وَهَزَمَ الأحزاب وحده، لا إلهَ إلا الله ولا نعبد إلا إيَّاه مُخلِصين له الدِّينَ ولو كَرِهَ الكافرون.
اللَّهُمَّ إِنِّي أسألُكَ كما هَدَيتَني للإسلام أن لا تنزعه منِّي حتّى تتوفَّاني وأنا مسلم.
اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجَّاً مبروراً، وسعياً مَشكُوراً، وذَنْباً مَعْفُوراً، رَبَّنَا آتِنا في الدُّنيا حسنة، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذابَ النَّارِ، ربَّنا تقبل منا إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم، وتُبْ علينا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وسلم على سيدنا محمد وآله وصَحْبِه أجمعين، واغفر لنا ولوالدينا ولسائر المسلمين، وسلامٌ على المُرسَلين، والحمدُ للهِ ربِّ العالَمين. ثمَّ ينزِلُ ويدعُو بما شاءَ، أو يشتَغِلُ بالذَّكرِ والثَّناءِ، ويمشي على هَيئَتِه حَتَّى إذا حاذَى الميلين الأوليين سعى مُسرِعاً إلى الميلينِ الأخيرين. ثم يمشي على راحِلَتِه إلى أن يصعد المروة، فيَنحَرِفَ إلى يمينه قليلاً ليصير مُستقبلاً.
ثم يدعو كما سبق، وهذا شَوْطٌ من السَّبعة، والعَودُ إلى الصَّفَا شَوطُ آخرُ.
ثمَّ يعود إلى مِنَى، ويُسَنُّ المَبيتُ في لياليها.
ثمَّ بعدَ الزَّوالِ بعد صلاة الظهر أو قبلها يرمي الجَمَراتِ الثَّلاثَ، فيبدأ بالأولى، وهي التي تلي مسجد الخيف، ويرميها بسبع حصيات من أي طرفٍ كانَ، والاستقبال أفضَلُ.
ثمَّ يتقَدَّمُ عليها، ويقفُ مُستقبلاً رافعاً يديه، مُكثِراً من الصَّلاةِ على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ومن الاستغفار، وسائرِ الدَّعواتِ، ويُطيلُ فيها بقدرِ الوُسْع والطَّاقة، فيتوجه إلى الجَمْرَةِ الثَّانية، ويفعَلُ فيها كذلك.
ثم يرمي الجمرة الأخيرة، ولا يقفُ بعدها للدُّعاءِ.
ثمَّ اليومُ الثَّالثُ كذلك، وكذا الرَّابِعُ إِنْ أَقامَ، وهو الأفضَلُ.
ثمَّ يَنزِلُ فِي المُحَصَّبِ ولو ساعةً، أو يقف لحظة.
ثم يدعو لأهل المعلى.
ثمَّ يدخُلُ مكَّةَ ويسعى إن لم يُقَدِّمه، وحَلَّ له الجماع عندنا بالفراغ من الطَّوافِ، وعند الشافعي بعد السعي، لكن لا يأتي عندنا بعُمرَةٍ قبل أداء السعي، وكذا بعده في أيام التشريق، ويُراعي تكبيرات التشريق بعد كل فرض من الصَّلاةِ مِن فَجْرِ عَرَفَةَ إِلى عَصْرِ آخرِ أَيَّامِ التَّشريق.
فصل الطواف أنواع:
طواف القدوم: وهو بنيَّة للآفاقِيِّ المُفرِدِ على الحج، وللقارِنِ، وأَوَّلُ وَقتِه حين دخول مكة، وآخِرُه وُقوفه بعَرَفَةَ، ولا اضطباع ولا رَمَلَ ولا سعي له، إلا إذا أرادَ تقديمَ سَعْيِ الحج. وطواف الزيارة: وهو رُكن لا يتم الحج إلا به، وأول وفيه طلوع فجر يوم النحر، ولا آخر له في هذه الحالاتِ إلا أنه يبقى مُحرِماً في حقٌّ النِّساء، ويجب. فعله في أَيَّامِ النَّحْرِ.
وطوافُ الصدر: وهو يجب على الآفاقي، وأول وقته بعد طواف الزيارة، إلا أنَّه يُستَحَبُّ تأخيره إلى وقتِ الخُروج، ولا رَمَلَ ولا اضطباع، ولا يسعى له. وطوافُ العُمرة: وهو رُكن، وفيه يُسَنُّ اضطباع ورمل، ويجِبُ سعي لها وطوافٌ.
وطوافُ النَّدْرِ: وهو واجِبٌ.
وطواف تحيَّة المسجد: وهو مُستَحَبُّ، إلا إذا كانَ مُعْتَمِراً أو مُفرِداً آفاقياً
فَطَوافُهُما يقومُ مَقامَه.
السَّابِعُ: طوافُ التَّطوُّعِ: ويلزَمُ بالشروعِ فيه كالصَّلاةِ والصَّومِ، ولا يُكرَهُ
في وقت.
***
فَصل
يُشترط لصِحَّةِ الطَّوافِ: الإسلام، وأصلُ النّيّة، والوَقتُ لطَوافِ الزِّيارة، وكونُه بالبيت وفي المسجدِ ولو على سطحِه، وإتيان أكثَرِه، قيل: والابتداء من الحَجَرِ، وقيل: إنَّه واجب.
فَصل
ويجِبُ في الطَّوافِ: الطَّهارةُ عن الحَدَثَين، قيل: وعن النَّجاسةِ الحقيقية، والأكثر على أنَّه سنّةٌ، قيل: وقَدرُ ما يستر به عورته من الثّوبِ، والمَشي فيه للقادِرِ، وسَترُ العَورَةِ، والتّيامُنُ، والطَّوافُ وراءَ الحَطيم.
***
فَصل
ويُسَنُّ في الطَّوافِ اسلامُ الحَجَرِ، والاضطباع في الأشواط كلها، والرَّمَلُ في الثلاثةِ الأُولِ، وكلاهما في كلِّ طَوافِ بعدَه سَعيٌّ، والمشي على هيئته في الباقي، والاستلام بعدَ الطَّوافِ إِنْ قَصَدَ السَّعي، والابتداء من الحجرِ على الصحيح، واستقبالُ الحَجَرِ في ابتدائِه، ورَفعُ اليَدَينِ عندَ التَّكبيرِ حِذاءَه، والطَّهارةُ عن النَّجاسَةِ الحقيقيّة، والمُوالاة بين الأشواط.
فصلٌ
ويُستَحَبُّ استِلامُ الرُّكنِ اليَماني، وابتداءُ الطَّوافِ بِحَيثُ يَمُرُّ جَميعُ البَدَنِ على الحَجَرِ، وتقبيله، ووَضْعُ الوَجهِ عليه، وإتيانُ الأدعية المأثورة، والإخفاء فيها، وتركُ كلامِ الدُّنيا، وكلُّ عَمَلٍ يُنافي الخُشوع والتَّقَرُّبَ إلى البيتِ، لَكِنْ وراءَ الشَّاذَرُوانِ، وصَونُ النَّظَرِ عمَّا يشغله، والسَّلامُ، والإفتاء والاستفتاء، وقراءةُ القُرآنِ، وإنشادُ شِعرِ محمود، والخروج منه لحاجة، والشرب والطواف في نعل وخُفْ طَاهِرين، والطواف راكباً أو محمولاً لعُذرِ. ويحرم الطواف جُنُباً، أو حائِضا، ونُفَساءَ، أو مُحدثاً، أو عُرياناً، أو راكباً أو محمولاً أو زَحْفاً بلا عُذر، أو مَنكُوسا أو مَعَكُوساً، أو داخِلَ الحِجْرِ، وتركُ شيء منه، ولو نَفْلاً.
ولا مُفْسِدَ للطَّوافِ.
وتُبطله الرّدّة.
ويُكره له: الكلامُ الفُضولُ والبَيعُ والشَّراءُ، وإنشادُ شِعرٍ يَعرَى عَن حَمدٍ وثَناءٍ، وما في معناهما لا مُطلَقاً، ورَفعُ الصَّوتِ ولو بالقُرآنِ والذَّكرِ والدُّعاءِ، وتَركُ جميع سُنَنِه، والجمع بينَ أُسبوعين أو أكثَرَ من غَيرِ صَلاةِ بينَهُما إِلا لِعُذرِ كرَاهَةِ الوَقتِ، ورفع اليدين عند نيَّةِ الطَّوافِ إذا لم يكُنْ في مُحاذاة الحَجَرِ، والطَّوافُ حالة الخطبة، وإقامة المكتوبة للإمام المُوافق، والأكل، وقيل: الشُّربُ، والطَّوافُ حاقِناه.
فَضْلُ
يُشترط لصِحَّةِ السَّعي كَينونَتُه بينَ الصَّفا والمروةِ سَبْعاً أو أكثره، وكونه بعد طواف صحيح أو أكثره، مسبوقاً بإحرام، والبدء بالصَّفا، ووقوعه في وقته، وهو أشهرُ الحج إن قدَّمه، ويجب تكميل عددِ السَّبْعِ والمَشي فيه، وقطعُ جَميعِ المَسافة بينهما. ويُسَنُ المُوالاة بينه وبينَ الطَّوافِ، وبين أشواطه، والطَّهارة، وتعيين النية، والذكر، والدعاء، والخشوع والخضوع، وطول القيام عليهما، وتكرارِ الذَّكرِ الوارِدِ ثلاثاً، وأداء ركعتين بعد الفراغ منه في المسجد. ويُباحُ له الكلام، والأكل والشرب، والخُروجُ منه لأداء مكتوبة، أو صلاة جنازة، ونحوهما.
ويُكرَهُ له البيع والشّراءُ، والكلام الفضول، أو الشُّغل عن الحُضورِ، وتَركُ جميعِ سُننه، ومُستَحَباتِه، وتأخيره عن وَقتِه.
فصلٌ
إذا كانَ مُفرِداً بالحج فلا يتحَلَّلُ بعد طواف القدوم والسعي، ويُلَبِّي في غيرِ الطَّوافِ، ولا يعتَمِرُ حتَّى يفرغ عن جميع أفعال الحج. وأمَّا إذا كانَ مُتمتعاً بأن نوى العُمرَةَ في إحرامه أو لا، ووقع أكثر طوافِه في أشهر الحج؛ فإِنَّه يطوفُ طوافَ العُمرَةِ، ويقطَعُ التَّلبية عندَ الشُّروعِ فيه، ويسعى لها.
ثمَّ يَتَحَلَّلُ بالحَلْقِ أو التَّقصير، إلا إذا ساقَ الهَدْيَ، ثُمَّ يُقيمُ ولا يعتَمِرُ، ولا يخرُجُ إلى الآفاق، ثمَّ يُحرِمُ بالحج، ويفعَلُ أفعاله.
وأما إذا كانَ قارِناً بأن نوى الحجّ والعُمرَةَ جميعاً؛ فإِنَّه يطوفُ أَوَّلاً للعُمرَةِ، ويسعى لها، ثم يطوفُ للقدوم، ويُقدِّمُ سعي الحجّ إِنْ شاءَ، وهو أفضَلُ، ولا يخرُجُ من الإحرام حتّى يفعَلَ أفعال الحج.
والقرانُ والتَّمَتُّعُ مَخصوصانِ للآفاقي، وعليهما دَمُ شُكرِ، فيجب أن يذبحا بين الرمي والحلق في أيام النحر، في أرض الحرم، فإِنْ عَجَزا صاما ثلاثة أيام، الأفضل أن يكونَ آخِرُها يومَ عَرَفَةَ، وبسبعة إذا رجَعَ إلى أهله، أو إلى مكَّةَ بعدَ أَيَّامِ التَّشريق.
فَصْلٌ
يُشترط في صِحَّةِ الوُقوفِ: الإسلام، والإحرام بحج صحيح غير فائت ولا فاسد، وكونه في المَكانِ المَعروفِ بعَرَفَةَ، ولو ساعةً، وهي كلُّها مَوقِفٌ، إلا بطن عرنة، وفي زمانه، وهو من زوال الشمس في يومه إلى طلوع الصبح الصَّادِقِ من يومِ النَّحِرِ.
ويجب من الوقوف إلى الغُروبِ، ووقوفُ جُزء من الليل.
ويُسَنُ الغُسلُ، والخُطبةُ، وكونُها بعدَ الزَّوالِ قبلَ الصَّلاةِ، والجمعُ بينَ الصَّلاتَينِ بشروطه، والتوجه إلى المَوقِفِ بعده بلا تأخير، والدفعُ معَ الإمامِ، والإضافة في الحالِ بعدَ وُقوفِ جُزْء من اللَّيل.
ويُستَحَبُّ الإكثار من التلبية، والذكرِ والدُّعاءِ والاستغفار، والصَّلاةِ على النَّبيِّ، والتَّضَرُّع والخضوع والخشوع، وتقوية الرجاء، والوقوف بقُربِ الإمام، وخلفه، وكونه راكباً، ومعَ النَّاسِ، ومُستقبلاً، والنِّيةُ، ورفعُ اليَدَينِ للدُّعاءِ، وتكرارُ الدُّعاءِ ثلاثاً، وافتتاحه وخَتمه بالتَّحميدِ والثَّناءِ والصَّلاةِ على سيّد الأنبياء، والطَّهارَةُ ظاهِراً وباطناً، والصَّومُ إنْ كانَ من الأقوياء، والبروز للشَّمس إلا لعُذر، والإكثار من أعمال الخيرِ، وَتَرْكُ المُخاصَمَةِ فِي الشَّرِّ. ويُكرَهُ تركُ جميع شتيه، والنزول على الطريق، والوقوف معَ الغَفْلَةِ، وأداء المغرب قبل وصولِ مُزدَلِفَةَ، والإسراعُ إِنْ أدَّى إلى الإيذاء، وأما الدفع قبل الغُروبِ؛ فحرام.
فصلٌ
يُستَحَبُّ أن يدخُلَ مُزدَلِفَةً ماشياً، ويغتسل لدخولِها إِنْ تَيَسَّرَ، وينزِلَ بِقُربِ المَشعَرِ الحرام عن يمين الطريق أو يساره، وأن يُعَجِّل في الجمع بينَ الصَّلاتَين، ويُصَلِّي بجماعة. ويُشترط لهذا الجمع الإحرام، وتقديمُ الوُقوفِ، والزَّمانُ والمَكانُ، والوَقتُ، لا الجماعةُ، ويجب هذا الجمعِ بخِلافِ جَمْعِ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ أَو مُسْتَحَبُّ.
ويُسَنُ البَيتُونَةُ بها، ويُندَبُ إحياء تلك الليلة بالتلاوةِ والذَّكرِ والثَّناءِ والتَّلْبِيةِ والدُّعاءِ، وأن يسأل الله إرضاء الخُصومِ؛ فَإِنَّ الإِجابةً مَوعُودَةٌ فيها.
ويجب الوقوفُ ساعةً، وأوَّلُ وَقتِه طُلوعُ الفَجرِ الثاني من يومِ النَّحْرِ، وآخِرُه طلوع الشَّمس، ويُسَنُّ امتدادُ الوُقوفِ إلى الإسفارِ جداً، ويُكرَهُ إِلى طُلُوعِ الشَّمْسِ. ومُزدَلِفَةُ كلُّها موقف إلا وادي مُحَشر، فإذا بلغه أسرع قَدْرَ رَمَيَةِ حَجَرٍ إنْ كانَ ماشياً، وحَرَّكَ دابَّتَه إِنْ كَانَ رَاكِباً.
ويُستَحَبُّ أخذُ سبع حصياتٍ مثل الباقلاء، أو النَّواةِ، من المُزدَلِفَةِ يرمي بها جمرة العقبة، وقيل يلتقط سبعين، ويُندَبُ غَسلها، ويُكرَهُ أَخذها من الجَمَراتِ، والمسجد، ومكان نجس، وكذا كَسْرُ الحِجاراتِ.
***
فَصْلٌ
اول وقتِ الرَّمي صحة في اليوم الأول طلوع الصبح، واستحباباً طلوع الشمس، وجوازاً بعد الزوال، وكراهة الليل كله.
وفي اليوم الثاني والثالث بعد الزوال، ويُكرَهُ في اللَّيلِ، فلو أخَّرَه في الكُلِّ لِزِمَه الدَّمُ والقَضاءُ، ويفوتُ القَضاءُ بِغُروبِ الشَّمس من الرابع، وفي اليوم الرابع من الفَجْرِ إلى الغُروبِ جَوازاً، ويُسَنُّ بعدَ الزَّوالِ.
ويُشتَرَطُ الرَّمي دونَ الوَضْعِ والطَّرحِ، وتفريق الرميات، ووقوع الحصى يفعله عندَ القُدرَةِ في الجَمرَةِ أو قريباً منها نحو ثلاثة أذرع، والوقت للأداء والقضاء، وإتمامُ العَدَدِ أو أكثَرِه، والترتيب، والأكثَرُ على أنَّه سُنَّةٌ كالمُوالاةِ، ويجب تقديمه على الحَلْقِ، والقضاء في الوَقتِ.
فَصْلٌ
يختَصُّ حَلقُ الحاج بالأيام الثلاثة، وبالحرم كالمعتمر للتضمين لا للتحلل ممَّا سوَى الجماع، وأوَّلُ وقتِه كالرَّمي، ويجِبُ التّرتيب بينَهما، وكذا أَوَّلُ وقتِ طوافِ الزِّيارةِ، لَكِنْ يَجِبُ فِعلُهُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، ويُسَنُّ التَّرتيب بينه وبينَ ما قبلهما.
فصلٌ
يجب طواف الوداع على الحاج الآفاقِيِّ مُطلَقاً، إلا إذا نَوَى الاستيطان بمَكَّةَ، أو بما حَوْلَها قبلَ حِلَّ النَّفْرِ الأَوَّلِ.
وشَرطُ صِحَتِه أصل نيّة الطَّوافِ، وإتيانُ أكثَرِه، وكُونُه بعدَ طَوافِ الإفاضة، ولا آخر له، ويُستَحَبّ أن يُؤَخِّرَه إِلى قُربِ السَّفَرِ، ولو تركه وخرَجَ؛ يجب عليه العَوْدُ ما لم يُجاوِز الميقات، فإذا جاوَزَ يجبُ الدَّمُ، ويسقط بعُذرِ الحيض عندَ الخُروج.
فصلٌ
يُشترط لصحةِ القِرانِ أن يُحرِمَ بالحج قبل طوافِ العُمرة، وقبل إفسادِ العُمرَةِ، وأن يُطافَ للعُمرة قبل الوقوفِ، وأن يصونَهما عن الفَسادِ، وأن يقع طوافه في أشهر الحج، وأن يكون آفاقِيَّاً ولو حُكْماً، وأن لا يفوته الحج لا عدم الإلمام، ولا من الميقات، ولا تقديم إحرامِ العُمرة على الحج.
***
فصلٌ
يُشتَرَطُ لصِحَّةِ التَّمَتُّع أن يطوف للعُمرة في أشهر الحج قبل إحرامه للحَجِّ، وأن يُقَدِّمَ إحرامَ العُمرة على الحج، وأن لا يُفسِدَ عُمرَتَه ولا حجَّه، وأن لا يُلم بأهله إلماماً صحيحاً، وأن يكونا في سَفَرٍ واحدٍ، وفي سنة واحدة، وأن يكون آفاقياً، وأن لا يدخُلَ عليه أشهر الحج وهو حَلالٌ بمَكَّةَ بعد اعتمارِه، لا إحرامُ العُمرة من الميقات، ولا إحرام الحج من الحرَمِ، ولا أن يُحرِمَ بالعُمرة في أشهر الحج، ولا أن يكونَ النُّسُكانِ عن شخص واحد.
ويجب على كلِّ من القارِنِ والمُتَمتُّع دَمُ شكرٍ، ويُستَحَبُّ أن يتصَدَّقَ بِالثَّلكِ، ويُطعِمَ الثُّلُثَ، ويدَّخِرَ الثَّلَثَ، ويُشترَطُ لوُجوبِه القُدرَةُ عليه، وصِحَّةُ القِرانِ والتَّمتُّعِ، والعقل والبلوغ والحرّيةُ، ويختص بأرض الحرَمِ وأَيَّامِ النَّحْرِ، ولا آخِرَ له في حقٌّ السقوطِ، ويُسَنُّ بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ.
ويجب أن يكونَ بينَ الرَّمْيِ والحلق، وإذا عَجَزَ عَن الهَدْيِ وَجَبَ الصِّيَامُ عَشَرَةَ أيام كما قدَّمناه، ويُشترط للقارن أن يصومَ الثَّلاثَةَ بعد الإحرامِ بهما، وللمتمتُّعِ بعدَ إحرامِ العُمرة، وأن يكون في أشهُرِ الحج، وأن يقع قبل يومِ النَّحرِ، وأن ينوِيَ من اللَّيلِ، وأن يستمِرَّ عَجِزُه إلى الحلق وأَيَّامِ النَّحْرِ.
ويُستَحَبُّ صَومُ الثَّلاثةِ مُتواليةً آخرُها يومُ عَرَفَةَ، وكذا يُستَحَبُّ التَّابِعُ في السَّبعة، ويُشترط في صحتِها النّبييتُ، وتقديمُ الثَّلاثةِ، وأن يصوم بعدَ أَيَّامِ التَّشريقِ، ويجوز أداؤها في مكَّةَ، والأفضَلُ عند أهلِه.
ولا تمتُّع ولا قِرانَ للمَكِّيّ، والمُتمَتَّعُ الذي يسوقُ الهَدْيَ أَفضَلُ، والسوقُ أحبُّ من القَوْدِ، ويُقَدِّدُ البَدَنَةَ بمَزادة أو نعل أو قشر شجرة، والتَّقليد أولى من التَّجليل، والجَمعُ بينهما أكمل. ويجوز الإشعار، وقيل: يُكرَه، وقيل: يُسَنُّ، وهو أن يُطعَنَ بِالرُّمْحِ أَسفلُ سِنامِ
البَدَنِةِ من قِبَلِ اليَسَارِ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ، ثمَّ يُلَطَّخُ بذلك الدَّمِ أسنامُها. فيُقيمُ مُحرِماً بعدَ عُمرَتِه، ولو حَلَقَ لِزِمَه دمٌ، وإن بدا له أن لا يحُجَّ صَنَعَ بِهَدْيِه ما شاء (6) ولا شيء عليه، ولو رَجَعَ إلى غير أهله من الآفاق، يكونُ مُتمتعاً وعليه هَدْيانِ: هَدْيُّ التَّمَتُّعِ، وَهَدْيُ الحلقِ قبلَ الوَقتِ.
وأَمَّا المُتمَتَّعُ الذي لم يسُقِ الهَدْيَ إذا دَخَلَ مكَّةَ طَافَ وسعى وحَلَقَ، وإنْ أقامَ حَراماً جاز، فإذا كانَ يومُ التَّروِيةِ أحرم بالحج، وقبله أفضَلُ، فإنْ كانَ ساق الهدي يصيرُ مُحرِماً بإحرامين، وإلا فيإحرامٍ واحدٍ، والأفضل أن يُحرم من المسجد، أو من مكة.
ويجب كونه من الحرم، إلا إذا خرج إلى الحِل لحاجة، ولو أراد تقديم السَّعي تنفّلَ بطواف، واضطبَعَ ورمَلَ فيه، ثمَّ سعى بعده، ثم راح إلى عرفات.
فَصْلٌ
الجناياتُ في وُجوبِ الجزاء يستوي فيه العَمْدُ والخطأ، والابتداء والإعادة، والتَّذَكُرُ والنِّسيانُ والعِلمُ والجَهلُ، والطَّوعُ والكُرْهُ، والنَّومُ واليَقَظَةُ، والسُّكرُ والصَّحو، والإغماء، والإفاقَةُ، والعُذرُ وغَيرُه، والعُسر واليسر، بمباشرته أو بفعل غيره، بأمره أو بغيرِ أمره، لكن إذا جَنَى عَمْداً بلا عُذْرِ يجب الإجزاء والإثم والتّوبة، وإلا فعليه الجزاء فقط.
وأنواعها سبعة:
الأوّلُ: اللُّبْسُ: إذا لبِسَ الرَّجلُ على الوجهِ المُعتادِ يوماً كاملاً أو ليلةً كاملةً فعليه دم، وفي أقل منه صَدَقَةٌ، ولو ساعةً، وفي أقل منها قبضةٌ من بر، ولو لبسه أياماً فعليه دم واحدٌ، وإنْ أراقَ لذلك ثمَّ تركه عليه يوماً آخَرَ فعليه دَم آخَرُ، ولو لبِسَ يوماً ثمَّ نَزَعَه ثُمَّ لبسَه، فإِنْ كانَ نَزَعَه على عَزمِ التَّركِ فعليه كفَّارَةُ أُخرَى وإلا فلا.
ولو جَمَعَ أنواع اللباس، وليسَ يوماً أو أياماً؛ فعليه دم واحِدٌ، ولو اضطر إلى لبس ثوب فلبِسَ ثَوبَين، فإنْ لبِسَهُما على موضع الضَّرورة فعليه كفَّارةٌ واحدةٌ يتخيّر
فيها، وإن لبِسَهُما على موضع الضَّرورة وغيرها فعليه كفَّارَةُ الضَّرورةُ يتخيَّر، وكفَّارةُ الاختيار يتحيَّمُ. ولو كانَ به حُمَّى غِبٌ فلبس المخيط يوماً وينزِعُه يوماً، أو كانَ به ضرورةٌ أُخرَى يلبسُ في النَّهارِ وينزع في اللَّيلِ للاستغناء عنه، أو فَعَلَ بالعكس لبرد أو غيره، أو لم ينزغ ولو مع الاستغناء عنه، والعلة لازمة، فما دامَ العُدْرُ فاللُّبسُ مُتَّحِدٌ في جميعِ ذلك، وعليه كفارة واحدة يتخيَّر، فإنْ زالَ العُذرُ الذي لأجله لبِسَ بيقين فنَزَعَ أو لم ينزع وحَدَثَ عُذر آخَرُ فليسَ أو لم يحدث عُذرٌ ولكِنْ دامَ على اللُّبْسِ؛ فعليه كفَّارَةٌ أُخرَى. ولو زَرَّ الطَّيْلَسان يوماً فعليه دم، ولو ألقى القَبَاءَ على مَنكِبَيه وزَرَّه يوماً فعليه دم، وكذا لو لم يزره لكنْ أدخَلَ يديه في كُمّيه، ولم يجِدْ إِلا سُروالاً فَلَبِسَه من غير فتق؛ جاز، وعليه دَم.
ولو غطى جميع رأسه أو وجهه يوماً فعليه دم، وفي أقل من يوم، أو من الربع صدقة، والربع كالكل، ولو حمل على رأسه ما يقصد به التَّعْطِيَةَ يلزَمُه الجزاء، وإلا فلا شيء عليه.
ولو غَطَّى رأسه بطين لزمه الجزاء، وإِنْ خَضَبَه بالحِنَّاءِ فعليه فِديةٌ للتَّغطية وفِديةٌ للتَّطيِّبِ، وإنْ كانَ الحِنَّاءُ مائعاً فلا شيء عليه للتّغطية، ولو لبَّدَ رأسَه فعليه الجَزاء، ولو عصَبَ سِوَى الرَّأْسِ والوَجهِ جازَ، وليسَ للمرأةِ أن تُغَطَّيَ وجهَها، فإِنْ فَعَلَت يوماً فعليها دَم، وإِنْ لَبِسَ الخُفَّينِ قبلَ القَطْعِ يوماً فعليه دَم.
الثاني الطَّيبُ: وهو ما يتطيَّبُ به، ويكون له رائحةٌ مُستَلَنَّةٌ، كالمِسكِ والكافور والعَنبَرِ والعُودِ وأمثالها، فإذا تطَيِّبَ عُضواً كاملاً عليه دم، وفي أقله صَدَقَةٌ، ثمَّ إِنْ كانَ الطَّيبُ قليلاً فالعِبرَةُ بالعُضْوِ، وإنْ كانَ كثيراً فالعبرة بالطَّيبِ، والكثير ككفّين من ماء الورد، وكفَّ من المِسكِ، والقليل ككَفٌ من ماء الورد، ولو طيب جميع أعضائه في مجلس واحدٍ فعليه دَم، وإنْ كانَ في مجالس فلكُلِّ كفَّارة، وتُجمَعُ مواضع مُتفرّقةٍ.
ويُكرَهُ شَمُّ الطَّيبِ، وإنِ اكتحَلَ بِكُحْلٍ مُطيَّبٍ مِراراً كثيرةً؛ فعليه دم، وإلا فصَدَقَةٌ، ولو أكل طيباً كثيراً وهو ما يلتزقُ من أكثر فيه يجبُّ الدَّمُ، وإلا فصَدَقَةٌ، أَمَّا إذا خُلِطَ بِطَعَامٍ طُبِخَ فلا شيء عليه، إلا أنَّه يُكرَهُ إِنْ وَجَدَ رِيحَه، وإِنْ خُلِطَ بِمَا يُؤْكَلُ بلا طبخ فالعبرة بالغَلَبَةِ، فإنْ كانَ الطَّيبُ غالباً ففيه الدَّمُ، وإلا فصَدَقةٌ، إلا أن يشرَبَ مراراً فعليه الدَّمُ.
ولو تَداوَى بما فيه طيب فالتَصَقَ على جراحتِه تصدَّقَ، إلا أن يفعل ذلك مراراً فيلزَمُه دم، ثمَّ ما دامَ الجُرحُ باقياً فعليه كفَّارةٌ واحدةٌ، وإنْ تكرَّرَ عليه الدَّواء. ولا يُشترط بقاءُ الطَّيِّبِ فِي البَدَنِ زَماناً لوجوبِ الجَزاءِ، بِخِلَافِ التَّوبِ؛ فَإِنَّهِ إِنْ
أصابه فحكه لا شيء عليه، وإنْ مَكَثَ عليه يوماً فعليه دم، وإلا فصَدَقةُ. ويُشترط في الثّوبِ الطَّيبُ الكثير للزومِ الدَّم، فلو كانَ الطَّيِّبُ في ثوبِه شِبْراً في شِبْرٍ يُعَدُّ قليلاً، فإنْ مَكَثَ عليه يوماً فعليه صَدَقَةٌ، وأقل منه فَقَبْضَةٌ، ولو لبِسَ مصبوغاً بنحو عُصفُرٍ مُشبعاً يوماً فعليه دَم، وإلا فصدقةٌ.
أُجمِرَ فيه فعَلِقَ بثَوبِه رائحةٌ فلا شيء عليه، ولو أُجمِرَ ثَوبُه فَعَلِقَ به كثير فعليه دم، وإلا فصَدَقةٌ، والمَرجِعُ في الكثيرِ العُرفُ، وإلا فرَأْيُّ المُبتَلَى به.
ولو رَبَطَ طيباً كثيراً في طَرَفِ ثوبِه لِزِمَه دم ولو قليلاً فصَدَقةٌ.
ولو خَضَبَ رأسه أو لحيَّتَه بحِنَّاءِ فعليه دمٌ إنْ كَانَ مَائِعاً، وإِنْ كَانَ ثَحْيناً لبَّدَ رأسَه فَدَمانِ، إِنْ دامَ يوماً، وإلا فدَمُ للطَّيبِ، وصدقةٌ للتَّعْطِية.
ولو غَسَلَ رأسه بالخِطْمِي فدَم، ولو لبَّدَ رأسه به فدَمانِ، ولو غَسَلَ رأسه بأسنان فيه طيب؛ فإنْ كانَ مَن رآه سماه طيباً فعليه دم، وإلا فعليه صَدَقَةٌ، ولو ادَّهَنَ بدهن مُطَيَّبٍ عُضواً كاملاً فدَمٌ، وفي الأقل صَدَقَةٌ، ولو ادَّهَنَ بِدُهن غيرِ مُطَيَّبٍ على وجهِ التّطيب وأكثر منه فدَمٌ، وإنِ اسْتَقَلَّ منه صَدَقَةٌ.
الثَّالثُ: إزالةُ الشَّعرِ والظُّفْرِ: إِذا حَلَقَ رأسه أو ربعه فعليه دم، وفي الأقل صدقةٌ،
وكذا حكم لحيته، ويجمعُ المُتفرِّقَ منهما.
ولو حَلَقَ كلَّ بدَنِه في مجلس واحدٍ فدَم، وإلا فلكل مجلس موجِبه.
ولو حَلَقَ رأسه فأراقَ دَماً ثمَّ حَلَقَ لحيته لزِمَه دم آخرُ.
ولو حَلَقَ الرَّقبة كلَّها فدم وإلا فصَدَقةُ.
وأخذُ الشَّارِبِ وحَلقُه مُوجِبٌ ِللصَّدَقة، ولو حَلَقَ مواضِعَ المَحاجِمِ فعليه دم. ولو حلق إبطاً أو نتفه فعليه دَم، وفي أقل من إبط صدقةٌ، ولو حَلَقَ الصَّدرَ أو الساق أو الركبة أو الفَخِذَ أو العَضُدَ أو السَّاعِدَ فعليه دَم، وفي الأقلّ صَدَقَةٌ.
والتقصير كالحلق.
وإذا حَلَقَ مُحرِم رأسَ مُحرِم أو حلالٍ فعليه صَدَقَةٌ.
وإذا قصَّ أظفاره جميعاً في مجلس فعليه دَم، وإلا فلكل يد ورجل دم وفي أقل منهما لكلّ ظفر نصف صاع، إلا أن يبلُغَ دَماً فَيُنقِصُ ما شاءَ. ولو انكسَرَ ظُفَرُه فَقَطَعها لا شيء عليه.
وما ذُكِرَ من تحتُّمِ الدَّمِ في الأنواعِ الثَّلَاثَةِ إِنَّمَا هُنَّ فِي حالةِ الاختيار، وأمَّا في الأعذار فهو مُخيَّر بين صيام ثلاثة أيام، وبينَ التَّصَدُّق على ستَّةِ مساكين، لكل نصف صاع من بُر، وبينَ الدَّمِ، وما ذُكِرَ من لزومِ الصَّدقة، ففي العُدْرِ يُخَيَّرُ بينَ الصَّدَقَةِ بنصفِ صاعٍ وبينَ صَومِ يومٍ
الرابع: الجماعُ ودواعيه: الجِماعُ مُفسِدٌ للحج والعُمرة، ولو من الصَّبِيِّ والمَجنونِ بشرط أن يكون في أحد السبيلين من الآدمي بلا حائل حاجز بين الفرجين عن الحرارة، وأن يكون قبلَ الوُقوفِ بعَرَفَةَ في الحج، وقبل أكثرِ الطَّوافِ في العُمرَةِ.
ولو أحرَمَ مُجامِعاً فسَدَ، ولو جامَعَ مِراراً قبل الوقوفِ في مجلس واحدٍ فعليه دم، ولو تعدَّدَ الجِماعُ بقَصْدِ رَفْضِ الفاسد فعليه دَمٌ، ويمضي في حَجِّه حَتْماً وعليه قضاؤه من قابل، ولا عُمرة عليه إن كان مفرداً.
فإنْ كانَ قارِناً وجامَعَ قبل طوافِ العُمرَةِ فعليه شاتانِ وقَضاؤُهُما، وإِنْ جَامَعَ بعد أكثَرِ طَوافِ عُمرَتِه قبلَ الوُقوفِ فَسَدَ حجه دونَ عُمرته، وعليه دَمٌ لفَسادِ الحج
ودَمٌ للجماع في إحرامِ العُمرَةِ، وعليه قضاء الحج فقط.
ولا يجب الافتراقُ في قضائه بينَ الرَّجُلِ والمَرأَةِ، إلا إذا خافَ المُواقعَةَ
فيُستَحَبُّ أن يفترقا من حين الإحرام.
فإِنْ جامَعَ بعدَ الوُقوفِ قبلَ الحَلْقِ فعليه شاةٌ، ولو جَامَعَ فيما دونَ الفَرْجِ أو باشر أو عائق أو قبل أو لمَسَ بشَهوةٍ أَنْزَلَ أو لم يُنزِلْ فعليه دَم قبلَ الوُقوفِ أو بعده، ولا يفسُدُ حَجه وعُمرَتُه بشيءٍ من الدَّواعي.
الخامِسُ الجِناياتُ في أفعال الحج: فلو طافَ للزِّيارةِ جُنُباً أو حائِضاً أو نُفَساءَ، كله أو أكثره فعليه بَدَنةٌ، ويتحَلَّل به، وعليه أن يُعيده طاهِراً حتماً، فإنْ أعادَه سَقَطَ عنه البَدَنةُ، ولو رجَعَ إلى أهلِهِ وَجَبَ عليه العَوْدُ لإعادته، ثمَّ إِنْ جاوز الوقتَ يعود بإحرامٍ جديد، ولو لم يفسد، وبعَثَ بدَنَةً أجزاهُ.
ولو طاف أقله جُنُباً، فعليه لكُلِّ شَوطٍ صَدَقَةٌ إِنْ لم يُعِدْ، ولو تَرَكَ الطَّواف كلَّه أو ترَكَ أكثَرَه فعليه حَتْماً أن يعود بذلك الإحرام ويطوفه، ولا يُجزِئُ عنه البَدَنةُ أصلاً. ولو طافَ للزيارة كلَّه أو أكثرَه مُحدِثاً فعليه شاةٌ، وعليه الإعادة استحباباً على الأصح، فإنْ أعادَ سَقَطَ الدَّمُ ولا شيء عليه للتَّأخير على الأرجح، ولو طافَ الأقل مُحدِثاً فعليه صَدَقَةٌ لكُلِّ شَوْطِ اتَّفاقاً، ولو تَرَكَ من طوافِ الزِّيارة أقله أو واجباً من واجِباتِ الطَّوافِ فعليه دَمٌ يسقُطُ بإعادته.
ولو أخَّرَ طَوافَ الزِّيارة عن أَيَّامِ النَّحْرِ فعليه دَم، وبتأخير أقله صَدَقَةٌ لكلِّ شَوطٍ. ولا شيء على الحائض لتأخيرِ الطَّوافِ، ولو طافَت للزِّيارةِ حَالَ حَيضِها صَحَ ولزِمَها بَدَنةٌ، وعليها أن تُعيدَه، طاهِرةً، فَإِنْ أَعادَتْهُ سَقَطَ مَا وَجَبَ. ومَن تَرَكَ طَوافَ الصَّدرِ فعليه شاةٌ، وإن ترك ثلاثة أشواط منه فلكل شَوطٍ صَدَقَةٌ.
ولو طافَه جُنُباً فعليه دَم، أو مُحدِثاً فعليه صَدَقَةٌ، لكُلِّ شَوط.
ولو طاف للقدوم جُنُباً فعليه دم على الصحيح، ولو طافه محدثاً فعليه صَدَقَةٌ لكُلِّ شَوط.
ولو أعادَ طَاهِراً في المسألتينِ سَقَطَ عنه الجزاء، وكذا حُكمُ كُلِّ طوافِ تطوع. ولو طافَ جُنُباً أو حائِضاً أو نُفَساءَ للعُمرة ولو شَوْطاً فعليه شاةٌ، وإِنْ أَعادَ سَقَطَ عنه الدَّمُ، ولو طافَ فرضاً أو نفلاً على وَجهِ يُوجِبُ النُّقصان فعليه الجزاء، وإنْ أعادَه سقَطَ عنه الجزاء في الوجوه كلها، والإعادة أفضل من أداء الجزاء، ولو رَجَعَ إلى أهلِهِ فعليه العود أو الجزاء، وبعثه أفضَلُ من عَودِه.
ولو ترَكَ السَّعي كلَّه أو أكثرَه بلا عُذرِ فعليه دَم، وفي الأقل لكُلِّ شَوطٍ صَدَقَةٌ. وإنْ سعَى راكباً كله أو أكثرَه بلا عُذر فعليه دَم، وفي الأقل صدقة، ولو ترَكَ الوُقوفَ بِمُزدَلِفَة بلا عُذرِ يجب دم.
ولو أخَّرَ القارِنُ أو المُتمتِّعُ الذَّبح عن أَيَّامِ النَّحْرِ فعليه دم. ولو حَلَقَ المُفرِدُ أو غيره في الحِلِّ، أو أَخَرَه عن أَيَّامِ النَّحْرِ فعليه دم، وكذا لو خلَقَ قبلَ الرَّمْي، أو القارِنُ والمُتمع قبل الذبح، أو ذبحا قبل الرمي فعليه دَم. ولو ذبح شيئاً من الدماء الواجبة في الحج والعُمرة خارجَ الحَرَمِ لِزِمَه ذبح آخَرُ في الحرم.
ولو قدَّمَ الطَّواف على الحَلْقِ والرَّمْي يُكرَه، ولو تَرَكَ رَمْي يوم كله أو أكثره فعليه دم، وإنْ ترَكَ الأقل أو أخَرَه عن وقتِ أدائه فعليه لكُلِّ حَصاةٍ صَدَقَةٌ، ولو ترَكَ رَمْيَ الأَيَّامِ كلّها فعليه دَمُ واحِدٌ.
النَّوعُ السَّادِسُ: الصيد وما يتعلق به: وهو المُتَمَنِّعُ المُتوحِّشُ من النَّاسِ في أصل الخلقة، والعبرة في البري والبحري التوالد، والبحرِيُّ حَلال صيده مطلقاً، والبرِّيُّ حَرام على المُحرِمِ دونَ الحلال إلا في الحَرَمِ غير ما استثناه الشَّارِعُ من الصَّائلِ والذِّئب أو الكَلبِ والحِدَأَةِ والغُرَابِ الذي يأكُلُ الجِيفَ. فإذا قتل المُحرِمُ صَيداً فعليه الجزاء، وهو قيمته بقول ذوي عدل لهما بصارة بقيمة الصيودِ في مقتله أو أقرب مكانٍ إليه، فإنْ بلَغَت هَدْياً اشتراه بها، وذبَحَ أو اشترى بها طَعاماً فتصدق به، لكل مسكين نصف صاع، أو صام عن كل نصف صاع يوماً. فلو قَتَلَ ظَبيةً حاملاً فعليه قيمَتُها حامِلاً. وإنْ ضَرَبَ بطنَها فألقَتْ جَنيناً ميتاً فعاشت ففيها ما نقص، وفي الجنين قيمته حيّاً، ولو ماتتْ أيضاً فعليه قيمتها جميعاً. ولو جَرَحَ صَيداً فعليه ما نقص من قيمته، فإنْ بَرِئَ ولم يبقَ له أثرٌ لم يضمَنْ شيئاً، وإِنْ بقيَ ضَمِنَ النُّقصان، وإنْ لم يعلَمْ أَنَّه مات أو برِئَ أو لا، فعليه الضَّمانُ، فإِنْ غابَ عنه فوجَدَه ميتاً؛ إنْ ماتَ بسببه ضَمِنَ، وإِنْ مَاتَ بسَبَبٍ آخرَ فعليه ضَمَانُ الجُرح، وإنْ لم يعلَمْ شيئاً وجَبَ الضَّمانُ. ولو جرَحَه مُستَهلِكاً بأن قطَعَ قوائمه، أو نَتَف ريش طائر، أو كَسَرَ جَناحَه فَخَرَجَ عن حيز الامتناع فعليه قيمة كاملة، فإنْ جَرَحَه فأدَّى الجزاء، ثمَّ قتله لزِمَه جزاء آخَرُ، وإن لم يُؤَدِّ حَتَّى قتله فجَزاء واحِدٌ، ولو جَزَّ صُوفَه أو حلَبَه فعليه قيمتهما.
ولو ضَرَبَه فَمَرِضَ فانتَقَصَتْ قيمته أو ازدادَتْ ثمَّ مات فعليه أكثر القيمتَين من قيمته وقت الجُرْحِ، أو وَقْتَ المَوتِ، ولوقيد صيد مملوكاً فعليه قيمته للفقراء وقيمة لمالكه.
ولو نَفَّرَ صيداً ففَرَّ فمات أو أخذه سبع أو انصدَمَ بشَجَرٍ أو حجَرٍ فمات؛ ضَمِنَه، وإن لم يمُتْ كانَ في عُهدَتِه حتَّى يعود إلى عادته في السكون، فإِنْ هَلَكَ بعد السكون؛ فلا شيء عليه.
ولو نَفَّرَه فقَتَلَ صَيداً آخَرَ ضَمِنَهُما، ولو رَمى سَهْماً إلى صيد فأصابه وأنفَذَه إلى آخر فقتَلَهُما؛ فعليه جزاؤُهما، ولو رَكِبَ دابَّةٌ أو ساقها أو قادَها فتلف صيد بحركَتِها أو عَضُها أو ذنَبِها أو رَوثِها أو بَولِها؛ ضَمِنَه.
وإذا اشترَكَ جَماعةٌ مُحرِمُونَ في قتل صيد في الحل أو الحرمِ فقتلوه بضربة؛ فعلى كلّ جزاء كامل، ولو كانوا قارنين؛ فعلى كل جزاءانِ، ولو كانُوا محلين في صيد الحَرَمِ؛ فعليهم جزاء واحدٌ.
ولو جَرَحَه حلالٌ صيد الحرمِ غَيْرَ مُهلك، فجَرَحَه حلالٌ آخرُ مثلُه وماتَ منهما؛ فعلى الأوَّلِ ما نقصه حي وهو صحيح، وعلى الثَّاني ما نقصه جُرحُه وهو جريح، وما بقي قيمته فعليهما نصفان.
ولو كسَرَ بيضَ نَعامةٍ أو نحوها فعليه قيمةُ البَيضِ ما لم يفسُدْ، وإِنْ خَرَجَ منها فَرخُ ميت فعليه قيمة الفرخ حيَّاً، ولا شيء في البيض، ولو نفَرَ صَيداً عن بيض ففَسَدَت ضَمِنَ، ولو أَخَذَ المُحرِمُ صَيداً لم يملكه، ووَجَبَ عليه إرساله مطلقاً، ولو لم يُرسله حتَّى هَلَكَ وهو مُحرِمٌ أو حلال فعليه الجَزاء، ولو أرسلَه مُحرِم آخَرُ من يديه فلا شيء على المُرسل.
وإن قتله فعلى كلّ واحدٍ منهما جزاء كامل، وللآخِذِ أن يرجع بما ضَمِنَ على القاتلِ إِنْ كَفَّرَ بالمال، ولو أخَذَ صَيداً في الحل وهو حَلالٌ ثُمَّ أَحَرَمَ مَلَكَه، فإِنْ كَانَ فِي يده لزِمَ إرساله على وجه لا يضيعُ ملكه بأن يُخلّيه في بيته، وإنْ لم يُرسله حتَّى مَاتَ في يده لزمه الجزاء.
وإنْ أرسَلَه إنسان من يده ضَمِنَ قيمته له، وإنْ وجَدَه بعدما حلَّ في يد أحدٍ فله أن ينزِعَه منه، ولو اشترى صيداً لزمه إرساله، ولو أرسله في جرف البلد لا يبرأُ. ولو أخَذَ صيد الحرمِ فأرسله في الحِلِّ فقتله رجلٌ فعلى الآخِذِ الجَزاءُ، ولو لم يُقتل فلا يبرأُ أيضاً من الضَّمَانِ حتَّى يعلَمَ وُصوله إلى الحَرَمِ آمناً.
ويحرم على المُحرِمِ الدَّلالة على الصّيدِ، والإشارة إليه، لكِنْ يُشترط لوجوبِ الجزاء عليه أن لا يعلَمَ المدلول به، وأن يُصَدِّقَه، وأن لا ينفَلِتَ الصَّيد، وأن يَتَّصِلَ بها القتل، وأن يبقَى الدَّالُ مُحرِماً إلى أن يقتله، فإذا قتَلَه فعلى كلِّ واحدٍ منهما جَزاءُ كَامِلٌ إذا كانا مُحرِمين.
ولو أمَرَ مُحرِمٌ مُحرِماً بقَتلِ صَيد فأمر المأمور ثالثاً فقتله فالجزاء على الأمر الثاني والقاتل دونَ الآمِرِ الأَوَّلِ، ولو دَلَّ الأَوَّلُ وأمَرَ، وأمَرَ الثَّاني ثالثاً فقتله؛ فالجزاء على كل من الثلاثة، وكذا لو أرسَلَ مُحرِمٌ مُحرِماً إلى مُحرِمٍ يدلُّ على صيدٍ فَذَهَبَ فقتله.
ولو قال مُحرِم خلفَ هذا الحائط صَيدٌ، فإذا خلفه صيودٌ كثيرةٌ، فقتلها؛ كلُّ واحد جزاء على الدّالّ.
ولو استعار آلةً لقتلِ الصَّيدِ فذبَحَه به، إنْ كانَ لا يَجِدُ سِواها فعلى المُعِيرِ الجَزاءُ، وبطَلَ بيعُ المُحرِمِ الصَّيدَ حَيَّاً أو مذبوحاً في الحِل والحرم، ولا بيع الحلال في الحرمِ ولا شراؤهما من مُحرِم ولا حلال.
ولو هَلَكَ الصَّيدُ في يدِ المُشتري؛ فإنْ كانا مُحرِمين أو حلالين في الحَرَمِ لزمهما الجزاء، وإن كانا في الحِل فعلى المُحرِمِ منهما يضمَنُ المُشتَرِي للبائع أيضاً، ولو وهَبَه لمُحرِم فهَلَكَ عندَه فعلى الموهوب له جزاء الصَّيدِ وضَمان لصاحبه، ولو أكله فعليه جزاء ثالث، وعلى الواهِبِ جَزاءُ واحِدٌ.
ولو أخرَجَ صَيداً من الحرَمِ فباعَه في الحِلِّ من مُحرِمٍ أو حلالٍ فالبيع باطِلٌ، وكذا لو أدخَلَ صَيدَ الحِلِّ الحَرَمَ ثمَّ أخرَجَه وباعَه، ولو قتل جَرادةً في الإحرام أو الحرَمِ تَصَدَّقَ بشيء، وتَمرةٌ خيرٌ من جَرادة، وكذا بقتل قَمْلَةٍ له تصَدَّقَ بكسرة، وفي الزَّائِدِ على الثَّلاثِ نِصف صاع، وإلقاءُ القَملَةِ كَقَتلِها. وذَبِيحَةُ المُحرِمِ الصَّيدَ ميتةٌ، وكذا ذبح الحلالِ صيدَ الحَرَمِ، فَإِنْ أَكَلَ المُحرِمُ الذَّبح منه فعليه قيمة ما أكل، ولو أكل الحلالُ ممَّا ذبحه في الحَرَم بعدَ الصَّمَانِ لا شيء عليه للأكل، ويجوز للمُحرِم أكل ما اصطاده الحلال في حِلٌّ ولو للمُحرِمِ، وذبحه إن لم يدل عليه مُحرِم.
قطعُ شَجَرِ الحَرَمِ وقَلعُه إذا نبَتَ بنفسه وهو من جنس ما يُنبتُه النَّاسُ كأُمّ غَيْلان، مملوكاً كان أو غير مملوك، إلا اليابس والإِذْخِرَ، فلو قلَعَ شَجَراً أو حشيشاً؛ فعليه قيمته يتصدَّقُ به لكل مسكين نصف صاع، أو يشتري به هَدْياً، وتصدَّقَ بلحمه، ولو على نفسه، ولا يُجزِتُه الصَّومُ إلا أن يكونَ مُحرِماً، وإنْ كانَ مملوكاً فعليه قيمته، والعبرة بأصلِ الشَّجرةِ دونَ غُصنِها، ويحرُمُ قَطعُ الشَّوكِ بلا ضَمان.
فَصْلٌ
حيثُ أُطلِقَ الدَّمُ فأقله الشَّاةُ، ويُشترط في جَوازِ الهَدْيِ أَن يكونَ ثَنِياً أو جَذَعاً عظيماً من الضَّأن، وسالماً من العيب، وأن يكون من جِنْسِ النَّعَمِ، وأن يُذبَحَ بعدَ الجناية في الحرمِ مقروناً بالنِّيةِ والتّسمية، وأن لا يتصَدَّقَ به على عَنِيٌّ ونحوه ممَّا لا يجوزُ التَّصدق عليه، وأن لا يستهلكه بعدَ الذَّبحِ في الكفَّارِةِ، وأن لا يشترِكَ مَن يُرِيدُه لغَيرِه قُربةً فيما يُتَصَوَّرُ فيه الاشتراك كالبَدَنِةِ
وما على المفردِ جزاء في الجنايات، فعلى القارِنِ والمُتمتع الذي لم يتحلل جزاءانِ فيما يتعلق بالإحرامين إلا في مُجاوَزَة الميقات.
وإذا أكرَه مُحرِم مُحرِماً على قتل صيد؛ فعلى كل جزاء كامِلٌ، وَإِنْ أَكَرَهَ حلالٌ مُحرِماً؛ فالجزاء على المُحرِم، وإنْ أكرَهَ مُحرِمٌ حَلالاً إِنْ كَانَ فِي صَيدِ الحرم؛ فعلى المُحرِم جزاء كامل وعلى الحلال نصفه، وإن كان في صيد الحل؛ فالجزاء على المحرم.
ومَن نى رَفْضَ الإحرامِ زاعما أنَّه يخرُجُ منه بهذا القَصْدِ وارتكَبَ الجنايات؛ فعليه دَم واحِدٌ، ولا يخرج عن الإحرام.
***
فصلٌ
الإحصار في الحج
هو المَنعُ عن الوقوفِ والطَّوافِ بعد الإحرام، وفي العُمرَةِ عن الطَّوافِ بعدو أو سبع أو حبس أو كسر أو مرض مانع، أو بصوت محرم أو زوج للمرأة بشرطِ مَسافةِ سَفَرٍ، وعدمُهما ابتداءً، أو بطلاق لها فيه عدة، وبهلاكِ نفقَةٍ وراحلة، وعجز عن مَشي، وضَلالةُ الطَّريقِ. فإذا أحصيرَ المُحرِمُ بحَج أو عُمرَةِ وأرادَ التَّحلل، يجب عليه أن يبعث بهذي أو ثمنه، فيُذبَحُ عنه في الحرم، ويجب أن يُواعِدَه يوماً يُذبَحُ فيه ليعلم وقتَ إحلاله. والقارِنُ يبعث بهديين، وإذا بَعَثَ الهَدْي فله أن يرجع، وإذا عَلِمَ أَنَّه ذُبِحَ هَدْيه في الحرمِ وأراد أن يتحلل يفعل أدنى ما يحظره الإحرام، ولا يجب عليه الحلق والتقصير، بل يُسَنُّ، ولو ظَنَّ أَنَّه ذُبِحَ فَظَهَرَ خِلافُه لزِمَه ما ارتكبه، وإنْ تعذَّرَ البَعثُ بِقِيَ مُحرِماً، ولا يفيد أيضاً اشتراط الإحلال عند الإحرام شيئاً.
وإذا زالَ الإحصارُ بعدَ البَعْثِ، ويُمكِنه إدراكُ الهَدْيِ والحَجِّ لِزِمَهُ التَّوجُّه، ولا يجوز له التَّحَلُّل، ويفعلُ بهَدْيِه ما شاءَ، وإنْ لم يُمكنه إدراك أحدهما فلا يلزَمُ التَّوجه، ثمَّ إِنْ حَلَّ المُحصَرُ بالذَّبحِ؛ فإنْ كانَ إحرامه للحَجِّ؛ فعليه قَضاءُ حَجَّةٍ وعُمرةٍ، وإِنْ كَانَ قارناً؛ فعليه قَضاءُ حَجٌ وعُمرَتَينِ، وَإِنْ كَانَ مُعتَمِراً؛ فعليه عُمَرَةٌ.
وتجبُ نيَّةُ القَضاءِ إذا قضى بعد تحوُّلِ السَّنةِ في النفل.
***
فصلٌ
من فاته الوَقْتُ بعَرَفَةَ فعليه أن يتحلَّل بأفعالِ العُمرةِ صُورةً، يطوفُ ويسعى ثمَّ يحلق أو يُقَصِّرُ إنْ كانَ مُفرداً، وعليه قضاء الحج من قابل، وإنْ كانَ قارِنا فإن كان قد طافَ العُمرته، وإلا كالمُفرِدِ، وإلا فيطوفُ العُمرة ويسعى لها، ثمَّ يطوفُ لفَواتِ الحج ويسعى له ويحلِقُ.
فصلٌ
إذا ماتَ مَن عليه الحج، فإنْ أوصى بالإحجاج عنه يُحَجُّ عنه، ويسقُطُ الفَرْضُ، وإِنْ لم يُوصِ أَثِمَ، وإنْ تبرَّعَ عنه الوَرَثَةُ؛ يُجزِتُه إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى
ومن عليه الحج وعَجَزَ عن الأداءِ بنفسِه عَجْزاً يستمر إلى المَوتِ، وقد فرط في التَّأخير بأن لم يخرج إلى الحج في عامه؛ يجب عليه الإحجاجُ بِشَرطِ الأمرِ وعَدَمِ اشتراط الأُجرة، وأن يحُجَّ بمالِ المَحجوج عنه من وطَنِه إِنِ اتَّسَعَ الثَّلُثُ، وإلا فمنَ حَيثُ يبلغ، وأن ينوِيَ المَأمورُ عن الآمر في إحرامه.
وأن يُحرِمَ من الميقاتِ ليقَعَ حجه آفاقياً، وأن يحُجَّ المأمور بنفسه دونَ أمرِه لغَيره، وأن لا يُفسِدَ حجّه، وأن لا يُخالِفَ فيما أمره، وأن يُحرِمَ بحجةٍ واحدةٍ لواحد، وأن لا يفوته الحج، وأن يحُجَّ عنه الذي عينه، والأفضل أن يكونَ المَأمور قد حَجَّ عن نفسه، وإلا فيُكرَهُ كراهة تحريم إِنْ وَجَبَ عليه.
ولو أحَجَّ رجُلاً بحَجٌ ثُمَّ يقيمُ بمكَّةَ جازَ، والأفضل أن يعود إليه، ويُنفِقُ المأمورُ من مالِ الآمر على نفسه ما يحتاجُ إليه من طَعام وإدام وشراب وثياب، ومركوبٍ وثَوبَي إحرام واستئجار محملٍ، ومنزلٍ وقِرْبةٍ ونحوها، وما يغسِلُ به ثيابه بالمَعروفِ في ذلك كله، لا دهن السراج، وما يتَدَهَنُ به أو يتداوى، وأُجرةَ الحَلّاقِ أو الحجَّامِ، إِلا أَن يُؤْذَنَ له، وله أن يخلط دراهِمَ النّفقة معَ الرُّفقة، ويُودِعَ المال، ولا يدعو إلى طعامه، ولا يتصَدَّقُ، ولا يُقرضُ، ولا يصرفُ الدَّنانير إلا لحاجة، ولا يشتري ماءً للوضوء، ولا لغُسل الجنابة، بل يتيمَّمُ إلا إذا وسِعَ الأمرُ عليه، ولا يُنفِقُ على مَن يخدمه، إلا إذا كانَ ممَّن لا يخدِمُ نفسه.
ويُنفِقُ نفقةَ وَسَط ذاهِباً وجائِياً إلى بلد الميِّتِ في طريق مُعتادٍ للحاج ومع انتظار للقافلة في مكان، ولو أقامَ أكثر من خمسةَ عَشَرَ.
ولو تعجل إلى مكة فهي في ماله إلى أن يدخُلَ عَشر ذي الحِجَّةِ، ثمَّ ما فضَلَ من الزَّادِ والأمتعة بعدَ رُجوعه يرُدُّه على الورثة، أو الوَصِيُّ، إِلا إِنْ تَبَرَّعَ الوَرَثَةُ، أو أَوْصَى له به الميِّتُ.
وينبغي للأمر أن يُفوِّضَ الأمر إلى المأمور، فيقولُ: حُجَّ عَنِّي كيفَ شِئتَ مُفرِداً أو قارناً أو مُتَمَتِّعَاً، وكذلك أن تَهبَ الفَضْلَ من نفسك وتقبضه لنفسك، فيهبه من نفسه، وإن كان مريضاً فليَقُلْ: الباقي لك وصيةٌ والدماء على المأمور إلا دم الإحصار، وأصلُ حَج المأمورِ بطريقِ الفَرْضِ يقع عن الأمر، وقيل: عن المأمور نفلاً، وللآمر ثوابُ النَّفقة، كما في حَجِّ النَّفْلِ عن الغيرِ اتّفاقاً، لكن يسقُطُ الفَرْضُ عن الأمر إجماعاً.
فَصل
العُمرَةُ سَنَةٌ مُؤكَّدةٌ، وحُكمُها حُكمُ الحجّ، إلا أَنَّه ليس لها وقتٌ مُعيَّنٌ، لَكِنْ يُكره إنشاؤها في يومِ عَرَفَةَ، وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وإنَّها لا تفوتُ.
ولا يجبُ بإفسادِها بَدَنَةٌ بل شاة، وكذا طوافها بنحو الجناية. وليس لها طواف قدوم، ولا طوافٌ صَدْرٍ. ويقطعُ التَّلبية بالشروع في طَوافِها. وأن ميقاتها الحِلُّ مُطلَقاً. وفَرضُها الإحرامُ والطَّوافُ. وواجبها السَّعي، والحلق أو التقصير. وأفضَلُ أوقاتِها رَمَضانُ، فَعُمَرَةٌ فِيهِ تَعدِلُ حَجَّةٌ. ويُستَحَبُّ الإكثار منها. وأفضل مواقيتها لمن بمكَّةَ التَّنعيم، ثمَّ الجِعْرانَةُ.
ويُكرَهُ فِعلها في أشهر الحج لمن بمكَّةَ إذا كان قصده أن يحُجَّ في تلك السَّنةِ.
فصلٌ
إذا قال: عليَّ حَجَّةٌ أو عُمرَةٌ، فيحج قدر ما عاش، وتجِبُ الوَصِيَّةُ بالبقيَّةِ،
متواليةً أو متراخية.
ولو قال: عليَّ عَشرُ حِجَج في هذه السَّنةِ، لِزِمَهُ العَشْرُ في عَشْرِ سنينَ. ولو قال: عليَّ أن أحُجَّ في سنةِ كذا فحَجَّ قبلَها؛ جازَ.
ولو قال: عليَّ أن أحُجَّ على جملٍ فُلانٍ؛ لِزِمَه، ولغَتِ الزِّيادة.
ولو قال: عليَّ حَجَّةُ الإسلام مرَّتَينِ، لا يلزَمُه شيءٌ زائد، وإذا قالَ عليَّ المشي إلى بيت الله، أو مكةَ، أو زيارة الكعبة، أو قال: عليَّ إحرام؛ فعليه حَجَّةٌ، أو عُمرَةٌ ماشياً، والبيان إليه.
ولو قال: عليَّ المَشي أو الذهابُ ونحوهما إلى الحرمِ أو المسجد الحرام، أو مقام إبراهيم أو الحجرِ الأسود أو أستار الكعبة ونحوها؛ لا يلزَمُه شيء. ومَن حَلَفَ أن يُحِجَّ فلاناً على عُنُقِه ونحوه لا شيء عليه، ومَن جَعَلَ على نفسه أن يحُجَّ ماشياً؛ فإنَّه لا يركب حتى يطوف طواف الزيارة، وفي العُمرة حتّى يحلق، والابتداء من بيته.
ولو رَكِبَ في أكثرِ الطَّريقِ بعُذرِ أو بغيره؛ فعليه دَم، وفي الأقل تصدَّقَ بِقَدْرِه من قيمةِ الشَّاةِ.
ولو نَذَرَ أَن يُصَلِّي في مكانٍ فصلَّى في غيره ولو دُونَه في القَصدِ؛ أَجزَاً. والمَسجِد الحرام أفضل، ثمَّ مسجِدُ النَّبيِّ عليه السَّلامُ، ثمَّ مسجِدُ القُدسِ، ثمَّ مسجِد قباءَ، ثمَّ الجامِعُ، ثمَّ مسجِدُ الحي.
فصلٌ
يُستَحَبُّ لقاصِدِ مكَّةَ [ ... ] أن يُهدِيَ هَدْياً، ومَن ساقَ بدَنَةَ واجبٍ وتطوع لا يحِلُّ الانتفاع بشعرها أو لبنها، وإن اضطر إلى الرُّكوبِ أو حمل المتاعِ ضَمِنَ هذا بعض ركوبه وحمله، وتصدَّقَ به على الفُقَراءِ، ويُنضَحُ ضَرْعُها بالماء البارِدِ لَقَطْعِ لبَنِها إِنْ قَرُبَ ذَبحها، وإلا حلَبَها وتصَدَّقَ به، وأن يصرِفَ لنفسه ضِمنَ قيمته. وإذا عَطَبَ هَدْيَ التَّطوُّع في الطَّريقِ؛ نحَرَه وصَبَغَ قِلادَتَها بِدَمِها وضَرَبَ بها صَفْحةً سنامها ليأكُلَ الفُقَراءُ فقط، ولم يأكل منه هو ولا غيره من الأغنياء، فإنْ أَكَلَ أو أطْعَمَ غَنِيَّاً ضَمِنَ، ولا يلزَمُه عِوَضُه، بخِلافِ ما إذا عَطَبَ هَدْيَ الوَاجِبِ فَإِنَّه يجبُ عليه أن يُقيمَ غَيْرَها مُقامَها، وصَنَعَ بِالأَوَّلِ ما شاءَ.
وكذا إذا أصابَ عَيب مانع فلا يجوز مقطوعُ الأذُنِ أكثر، ولا مقطوعُ الذَّنبِ أو الأنف أو الألية، والتي يبسَ ضَرْعُها، أو ذهَبَ ضَوء إحدى عينيها، والعجفاء التي لا مةً لها، والعَرْجاءُ التي يمنعُ عَرَجُها من المشي، والمريضةُ التي لا تعتلفُ، وكذا التي لا أسنان لها، والجلالة، ويجوزُ الحسباءُ وهي التي لا قَرْنَ لها، والمجنونة والخصِيُّ،
والتي شُقَّت أذُنُها، أو ثُقِبَت، والحَوْلاءُ والجَرْباءُ إِنْ كانَت سمينةً، والحامِلُ ولا يضُرُّ إصابةُ العَيبِ عندَ إرادةِ الذَّبْح بالاضطرابِ، وانقلابِ السِّكِّينِ، ولا يجوز إلا الثَّنِيُّ، وهو من الإبلِ ما طَعَنَ في السَّادسة، ومن البَقَرِ ما طَعَنَ فِي الثَّالِثَةِ، ومن الغَنَمِ ما طَعَنَ في الثَّانية، إلا أنَّه يجوزُ الجَذَعُ من الضَّأن، وهو ما أتى عليه أكثر الحولِ، إلا إِذَا كَانَ عَظيمَ الجُنَّةِ والذَّكَرُ من المَعزِ والضَّأْنِ أَفضَلُ، والأُنثى من الإبلِ والبَقَرَةِ. ولو نَذَرَ هَدْياً يلزَمُه ما يُجزِتُه في الأُضْحِيَةِ، وأدناه شاةٌ، ويختص ذَبحه بالحرَمِ، ولو نذَرَ جَزُوراً أو بقراً أو بدَنَةٌ من غير لفظِ الهَدْيِ لزِمَه، ولا يختَصُّ ذَبحه بالحرَمِ، والبَدَنةُ شاملة للبعير والبقر والجزور خاصة بالإبل.
ولو نذر شيئاً ممَّا سِوَى النَّعَمِ مما يُنقَلُ جازَ إهداءُ عَينه أو قيمته إلى مكَّةَ، ولو تصَدَّقَ في غير مكَّةَ جازَ، وإِنْ كانَ مما لا يُنقَلُ؛ تَعَيَّنَ قيمته.
فصلٌ
الحج أفضَلُ الأعمالِ لله بعدَ الصَّلاةِ والصَّومِ والزَّكَاةِ، وإذا حَجَّ عن فَرضِه؛ فالصَّدَقةُ أَفضَلُ، وقيل: الحج.
ولوقفة الحج مزية على غيرها بسبعين درجة، والحج يهدمُ الصَّغائر، واختلف في المظالم والكبائر.
والحج بالمال الحرام يُسقط الفَرضَ ولا يُقبل، ويكون عاصياً بفعله، والمُحرم كالحلال إذا مات.
والمُجاوَرَةُ بالحرمين الشريفين لا تُكرَهُ، وقيلَ: تُكرَهُ، والمُجاوَرَةُ بِمَكَّةَ أَفضَلُ عند الجمهور، والمَوتُ بالمدينة أفضَلُ اتفاقاً.
ولا بأس بإخراج تُرابِ الحَرَمِ.
ويُستَحَبُّ حملُ مَاءِ زَمْزَمَ إِلى بلادِه للتَّبَرُّكِ.
ويُكرَهُ إجارة بيوتِ مكَّةَ في المَوسِمِ، ويُكرَهُ بيع أراضيها لا بناؤُها، والفتوى على جوازه.
وحكم لقطة الحرم كغيره.
ومَن جَنَى في غيرِ الحَرَمِ بأن ارتَدَّ أو قتل ونحوَهما؛ فلإزالته لا يُتَعَرَّضُ له، ولكن لا يُباع ولا يُؤاكل ولا يُجالَسُ ولا يُؤذَى إلى أن يخرج منه، فيُقتَصُّ منه، وإن فعل شيئاً من ذلك في الحرم فيُقام عليه الحد.
ومَن دَخَلَ الحرَمَ مُكابراً مُقاتِلاً قُتِلَ فيه، ولا بأس بدخول أهل الذَّمَّةِ المسجد الحرام.
وأمر كسوة الكعبة إلى السُّلطانِ، إِنْ شاءَ باعَها وصَرَفَ ثمنها في مصالح البيتِ، وإنْ شاءَ ملَّكها لأحدٍ، وإنْ شاءَ فَرَّقَها على الفقراء، ولا بأس بالشراء منهم. ولا يجوزُ أخذُ شيءٍ من طيب الكعبة وشَمعِها وزيتها للتَّبَرُّكِ.
فصلٌ
ويُستَحَبُّ الإكثار من شرب ماءِ زَمزَمَ مُستقبلاً داعِياً: اللَّهُمَّ إِنِّي أسألُكَ رِزْقاً واسعاً، وعِلْماً نافعاً، وشفاء من كل داء.
والنَّظرُ في زَمْزَمَ عبادةٌ، ويجوز استعماله للتَّبَرُّكِ، ويُكرَهُ الاستنجاء به، ولا يُستَعمَلُ إلا على شيءٍ طَاهِرٍ.
ويُستَحَبُّ دُخول البيتِ المُكرَّمِ بشرط عدمِ الإيذاء، وكذا الصَّلاةُ فيه، والدُّعاءُ خاضعاً خاشعاً، مُعظَّماً مُستَجيباً، غير رافع رأسه إلى السَّقفِ، ولا مُتَوَجِّه إلى ما هنا مما يتعلق بالبناء.
وكان ابنُ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهُما إِذا دَخَلَها مَشَى قِبَلَ وجهه حتّى يكونَ بينه وبين الجِدارِ المُقابل نحواً من ثلاثة أذرُعٍ، يُصَلِّي ويقصد به مُصَلَّى النَّبِيِّ صل الله، وبعدَ الصَّلاةِ وَضَعَ خَدَّه على الجدارِ وأتى بالتسبيح والتحميدِ والصَّلاةِ والاستغفار.
ثم يأتي الأركان والجوانب ويدعو ما شاءَ، ويقولُ: رَبِّي أَدْخِلْنِي مُدخَلَ صدق وأخرجني مُخرَجَ صِدْقٍ اللَّهُمَّ يا رب البيت العتيق أعتق رقابنا ورقابَ آبائنا وأمهاتنا وأقاربنا وأحبابنا وأصحابنا من النَّارِ.
اللَّهُمَّ كما أدخلتني بيتك فأدخِلْني جنَّتَكَ، ويا خَفِيَّ الألطافِ أَمَّنَّا ممَّا نخافُ. والحِجْرُ من البيتِ على خلافٍ في مقداره.
والدُّعاءُ مُستَجابٌ تحت الميزابِ، ويُسمَّى مُصلَّى الأخيار، كما أنَّ ماءَ زمزم شُربُ الأبرار.
ومن المواضع المُتبركةِ: تلقاءَ الحَجَرِ الأسود على حاشية المطاف، وقُربُ الرُّكنِ العِراقي، وعند باب الكعبة، وفي الحضرة المشهورة بمقامِ جبريل، والمعجنة، وبين الركنين، وعند الركنِ الشَّامي، بحيث يكون بابُ
العُمرَةِ خلف ظهره، ومُصلَّى آدم عليه السّلامُ، وهو جانبُ الرُّكنِ اليَماني ويُستَحَبُّ زيارة بيتِ خديجة رضي الله عنها، ومولد النبي صلى الله عليه وسلم، ودار أبي بكر، ومَولدِ عليَّ رَضِيَ الله عنهما، ودار الأرقم، وغارِ ثور، وجبَلِ حِراءَ، ومسجِدِ الرَّايَةِ، و مسجِدِ الغَنَمِ، ومسجِدِ الجِنِّ، ومسجد الشجرة مقابله، ومسجد بأجياد، ومسجد على جبل أبي قبيس، ومسجد بذي طُوَى، ومسجدِ العَقَبَةِ بِقُربِ مِنَى، ومَسجِدِ الجِعْرانَةِ، ومسجد عائشة رضِيَ الله عنها بالتَّنعيمِ، ومسجدِ الكبش بمنى، ومسجد عن يمين الموقفِ بعرفات، ومسجِدِ الخيفِ، وغارِ المُرسَلاتِ بقريه.
ويُستَحَبُّ زِيارة أهلِ المُعَلاً، وينوي مَن دُفِنَ به من الصحابة والتابعين والأولياء الصالحين، ولا يُعرَفُ بمَكَّةَ قَبرُ صحابي، إلا أنَّه رأى بعضُ الصَّالحين في المنام قبر خديجة الكبرى رضي الله تعالى عنها قُرْبَ فُضَيل بن عياض، وسُفيان بن عُيَيْنَةَ والقَبرُ المَنسوب لابنِ عُمَرَ غير صحيح، وكذا المنسوب لابنِ الزُّبَيرِ، ولابن أبي بكر رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ثمَّ ليَخْتِمُ حجّه بزيارة خاتمِ المُرسَلين، ليكونَ النُّسُكُ بِخِتَامِهِ مِسكاً، وإِنْ كَانَ قد زارَه وجَعَلَه ذَريعَةً ووَسيلةً إلى الله فقد حَصَلَ له الخيرُ، وتمَّ الأمرُ، وبها كَمُل دينُ صاحبها، [ ... ] عن مُقتَضَى كلمة: لا إلهَ إلا الله محمَّدٌ رسولُ اللهِ، أحيانا الله تعالى عليها، وأماتنا لديها، ووَهَبَنا إليها، آمين يا ربَّ العالمين.
وقد أفرَدْتُ رسالةً في الزّيارةِ النَّبِوِيَّةِ المُسمَّاةُ: «الدُّرَّةُ المُضيئة»، حامِداً
مُفَوِّضاً مُصَلِّياً ومُسلّماً أوَّلاً وآخِرَاً، وباطِناً وظاهِراً.
***