فضائل بيت الله الحرام
تأليف
العلامة الملا علي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
فضائل بيت الله الحرام
تأليف
العلامة الملا علي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
وأستعينُ بلُطفِه الكريم
الحمد لله الذي جَعَلَ الكعبة البيت الحرام للنَّاسِ مثابَة، وخلَقَ حَرَمَه المُحتَرَمَ أمناً عن كلِّ مخافة ومهابة، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَن صيَّر مولده بمكَّةَ المُبارَكة، ومُهاجَرَه طيبة وطابة، وعلى أتباعه وأشياعِه خُصوصاً أكابر الصَّحابة الذين هم في فيض أمطار الخير بمنزلة السَّحَابَة.
أما بعد:
فيقولُ المُتلجئ إلى بابِ ربِّه البارِي، عليُّ بنُ سُلطانِ محمَّدٍ القارِيْ: إِنَّ اللَّهَ سُبحانَه كانَ أزَلاً بذاتِه وصفاته، ولم يكن معه شيء أصلاً من مكوناته، واختُلِفَ في أوَّلِ مخلوقاتِه، من عظيم مصنوعاته، وكريم مكنوناته:
فقيل: رُوحُ نبينا المُكرَّم، الذي حَصَلَ به فتوحنا المُعظَّم؛ لحديثِ: «أَوَّلُ ما خلق الله رُوحِي وفي رواية: «نُورِي»، ومُؤدَّاهما واحدٌ في طُورِي. وقيل: القلَمُ؛ لحديثِ: «أَوَّلُ ما خلقَ اللهُ القَلَمَ قالَ له: أكتُبْ، قال: ربِّ وما أكتُبُ؟ قال: أكتُبْ مقادير كلِّ شيءٍ». رواه أحمد، والترمذي وصححه.
وقيل: العرش؛ لما ثبت في الصحيح أنَّه عليه السَّلامُ قالَ: «قدَّرَ اللهُ مقادير الخلقِ قبل أن يخلُقَ السَّماواتِ والأرضَ بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء».
ورَوَى أحمد، والترمذي وصححه، من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعاً: أنَّ الماءَ خُلِقَ قبل العرش، ويُشير إليه: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7]. ورَوَى السُّدِّيُّ بأسانيد مُتعدّدةٍ: إِنَّ اللهَ لم يخلق شيئاً ممَّا خَلَقَ اللهُ قبل الماءِ.
وجُمِعَ بأَنَّ أَوَّليَّةَ القلمِ بالنِّسبة إلى ما عدا النُّورَ النَّبوي المُحمَّديَّ، وما خلا الماء والعَرْشَ والكُرْسِيّ وقيل: الأَوَّليَّة إضافيَّةٌ؛ أي: أوَّلُ ما خَلَقَ اللهُ من الأنوارِ نوري، وكذا في البقيَّة. والصَّحيحُ: أَنَّ أَوَّليَّةَ نُورِه حقيقةٌ؛ لمَا رَوَى عبدُ الرَّزَّاقِ بسنده عن جابرِ بنِ عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ! بأبي أنتَ وأُمِّي، أخبرني عن أَوَّلِ شيءٍ خَلَقَه الله تعالى قبل الأشياء، قالَ: «يا جابِرُ! إِنَّ اللهَ تعالى خَلَقَ قبل الأشياء نور نبيّك من نُورِه، فجَعَلَ ذلك النُّورَ يدورُ بالقُدرةِ حيثُ شَاءَ اللهُ تعالى، ولم يكُن في ذلك الوقت لوح ولا قلم، ولا جنَّةٌ ولا نار، ولا ملكٌ، ولا سماء ولا أرضُ، ولا شمس ولا قمر، ولا جِن ولا إنسُ، فلمَّا أرادَ الله تعالى أن يخلُقَ الخَلْقَ قسم ذلك النُّورَ أربعة أجزاء، فخلَقَ من الجُزء الأوَّلِ القلم، ومن الثاني اللُّوحَ، ومن الثَّالِثِ العَرْشَ، ثمَّ قسمَ الجُزء الرابع أربعة أجزاء، فخَلَقَ من الأَوَّلِ حَمَلَةَ العَرْشِ، ومن الثَّاني الكُرْسِيَّ، ومن الثَّالث باقي الملائكة، ثمَّ قسمَ الجُزء الرَّابِعَ أربعة أجزاءِ، فَخَلَقَ من الأوَّلِ السَّماواتِ، ومن الثَّاني، الأرضين، ومن الثَّالِثِ الجِنَّةَ والنَّارَ، ثُمَّ قسمَ الجُزْءَ الرَّابِعَ أربعة أجزاء، فخلَقَ من الأوَّلِ نُورَ أبصارِ المُؤمنين، ومن الثَّانِي نُورَ قُلوبِهِم، وهي المعرفة بالله تعالى، ومن الثَّالث نُورَ أُنسِهم، وهوالتَّوحِيدُ: لا إلهَ إلا الله محمَّدٌ رسول الله»، الحديثَ بطوله كما رواه.
وهذا يؤيد حديث: «لولاك لما خلَقْتُ الأفلاك؛ فإنَّ إسناده وإن لم يصح في مبناه، لكِنْ لا يُشَكُ في صِدْقِ معناه، على أنه قد ورَدَ: «أتاني جبريلُ فقال: يا محمد! لولاك ما خُلِقَتِ الجنَّةُ، ولولاك ما خُلِقتُ النَّارَ. رَواهُ الدِّيلَمِيُّ، عن ابن عباس رضِيَ اللهُ تعالى عنهما
ثمَّ المُعْتَمَدُ أنَّ الماءَ خُلِقَ قبلَ سائر الأشياء، فنظَرَ اللهُ إلى بحرِ وُجودِهِ بِعَينِ كرَمِه وَجُودِه، فتَمَوَّجَ واضطَرَبَ حينَ فَرِحَ وطَرِبَ، واجتمعَ زبدةُ الزَّبَدِ المُرتفعةُ في موضع الكعبة من البقعة، وهذا معنى قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي ببَكَةَ مُبَارَكًا} [آل عمران: 96]، وارتفع من ذلك المكانِ على الشَّأْنِ نوعُ بُخارٍ كالدُّخانِ، وخُلِقَ منه السَّماوات وسائرُ العُلويات، ثمَّ دُحِيَت أرضُ الكعبة فوق الماء، وبُسِطَت بعد خلقِ السَّماءِ، وهذا معنى قوله: سُبحانَه وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنَهَا} [النازعات: 30]. ثمَّ مادَتِ الأرضُ ومالت إلى أطرافها من الطُّولِ والعَرْضِ، فَخَلَقَ اللهُ سُبحانَه
وتعالى الجبال أوتاداً؛ لئلا تميد بهم، ولتستقر من تحتهم. قيلَ: وأَوَّلُ الجبالِ خَلْقاً جبل أبي قبيس، الذي وقع في محلّ أُنسِ أصحاب أُويْس.
وفي الجُملة: مكَّةُ أُمُّ القُرى، ونُزُلُ القُرى، وكلُّ الصَّيدِ فِي جَوفِ الفَرَا.
وعن مجاهد قالَ: خَلَقَ اللهُ موضعَ البيت الحرام قبل أن يخلُقَ شيئاً من الأرضِ بألفي عامِ. رَواهُ ابنُ جماعة.
وقد قال ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله عنهما: أصل طينةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من سُرَّةِ الأَرضِ بمكة، فصار عليه السَّلامُ هوالأصل في تكوين الأنام، والكائنات تبع له ـ سواء في عالَمِ الأرواح أوالأشباح - لتَمامِ النظام.
واستُشكِلَ: بِأَنَّ تُربَةَ الشَّخص مَدفنُهُ.
أُجيبَ: بأنَّ الماء لمَّا تموَّجَ رمَى الزَّبدَ إلى النواحي من أطرافِ الأَرضِ وأكنافها، فوقعت جوهرتُه الشَّريفة، التي كانَتْ في عين الكعبة المُنيفة، إلى ما يُحاذي تُربته بالمدينةِ السَّكينة اللطيفة، فكانَ عليه السَّلامُ مكّياً مدنياً أولياً آخِرِيّاً.
والحكمة في دفنِه في ذلك؛ ليَظْهَرَ شَرَفُه فيما هُنالِك.
والحاصِلُ: أَنَّه عليه السَّلامُ مَظْهَرُ الألوهيَّة، في التَّجلياتِ المَعنوية للمراتبِ الشُّهوديَّة، من مناقب الأوَّليَّةِ والآخِريَّة، والكعبةُ مَظهَرُ الرُّبوبيَّة، في التنزُلاتِ الصُّوريَّةِ لأربابِ العُبوديّة، وكما أنَّه عليه السَّلامُ أوجده سُبحانَه رحمةً للعالمين، جعَلَ الله الكعبة مُبارَكاً وَهُدًى للعالمين.
وقد ثَبَتَ أنَّ بيت الله لا زالَ مُعظَّماً ومُكرَّما، وحرَمُه جَعَلَهُ اللهُ محترماً ومُفخَّما، من يومِ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ، فهوحرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، كما قال عليه السَّلامُ يومَ فتح مكَّةَ. رَواهُ البُخَارِيّ وغيره من الأئمة، فليغتنم الفرصة في تلك البقعة، وها أنا أُورِدُ فَضْلاً فيما ورَدَ من حقه فضلاً من الكتاب والسنة:
قال الله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةُ لِلنَّاسِ وَأَمْنا} [البقرة: 125]، فقوله: مَثَابَةً؛ أي: مرجعاً لهم.
قالَ مُجاهِدٌ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ رحمهم الله: يثوبون إليه من كل جانب وجهة،
ويقصدونَه دائماً بحَجٌ أوعُمرةٍ.
وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ: مَعاذاً ومَلجا.
وقال قتادَةُ وعكرمة: مَجْمَعاً.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ معناه: مكان فضيلةٍ ومَثوبة.
وقولُه: «أَمْناً»؛ أي: مَأْمَناً يَأْمَنون فيه من إيذاء المُشركين، فإنَّهم ما كانوا يتعرَّضُون لأهل مكة، ويقولون: هم أهل الله، ويتعرَّضونَ لمَن حوله في سكناه، كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامَنَا وَيُنَخَطَفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67].
وقال الله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَن طَهَرَا بَيْتِيَ لِلطَّابِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125].
وفي آية أخرى: {وَإِذْ بَوَأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِرْ بَيْتِيَ لِلطَّابِفِينَ وَالْقَيمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُورِ} [الحج: 26].
فأمر إبراهيم الخليل وابنه إسماعيلَ الجليل عليهما السَّلامُ أن يخدما بيته بالبناء بادئاً، وبتطهيره وتنظيفه وتنجيزه ثانياً.
والمُرادُ بالطَّائفينَ: الدَّائِرِينَ حَولَه، والزَّائرِينَ مَحَلَّه.
وبالعاكِفِينَ والقائِمينَ: المُعتكفين والمقيمين.
وبالرُّكَّعِ السُّجودِ: المُصلِّينَ.
وقيل: المُرادُ بالطَّائفينَ: المُسافرين، وبالعاكفين والقائمين: المُجاوِرين. وفيه تنبيه على أنَّ الطَّواف بالنِّسبة إلى الغُرَباءِ أَفضَلُ، كما أَنَّ الصَّلاةَ بالإضافة إلى أهلِ مكَّةَ أكمَلُ، ويُؤيَّدُه ما رَواهُ الدَّيلَمِيُّ عن أنس أَنَّه عليه السَّلامُ قالَ: «أَبْلِغُوا أهلَ مكَّةَ المُجاورين أن يُخَلُّوا بينَ الحُجَّاجِ وبينَ الطَّوافِ والحَجَرِ الأسودِ الأَسعَدِ، ومَقامِ إبراهيمَ، والصَّفِّ الأَوَّلِ، من عشرين بقين من ذي القعدة إلى يومِ الصَّدَرِ.
وفي تقديم الطَّائفين إيماء إلى أنَّ تحيَّةَ البيتِ الشَّريف هوالطَّوافُ للداخلين، ولكوْنِ الطَّوافِ مُشتَمِلاً على أداءِ الصَّلاةِ بعده، أوأنَّ كلَّ طائفٍ لا بد أن يكونَ مُصلِّياً، جعَلَ الله تعالى ستين رحمة للطَّائفين، وأربعين للمصلين، وعشرين للمعتكفين أوالمشاهدين.
? ـ فوى الخطيب عن ابن عباس مرفوعا: أنَّ الله تعالى يُنزِلُ في يوم مئة رحمة، ستين منها على الطائفين بالبيت، وعشرين على أهل مكة، وعشرين على سائر النَّاسِ.
ورَواهُ الطَّبرانيُّ عنه بلفظ: يُنزِلُ اللهُ كلَّ يومٍ عشرين ومئة رحمةٍ، ستُّونَ منها للطَّائفين، وأربعون للعاكفين حول البيت.
ورَواهُ البَيْهَقِيُّ عنه، ولفظه: ينزل كلَّ يوم مئةَ رحمة وعشرين، منها على الطَّائفين ستُون، وأربعون على المُصلَّين، وعِشرون على النَّاظِرين. ويكفي في فَضْلِ الطَّوافِ قوله تعالى: {وَلْيَطَوَفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: 29].
وقد وَرَدَ في فضلِ الطَّوافِ أحاديثُ كثيرة، وأخبارٌ شهيرة:
2 - منها: قوله عليه السَّلامُ: مَن طَافَ بالبيتِ سَبعاً، وصلَّى ركعتين، كَانَ كَعِتْقِ رقبة». رواه ابنُ مَاجَه عن ابنِ عُمَرَ.
3- ويُؤَيَّدُه: «طَوافُ سبع لا لغوفيه يعدِلُ عِتَقَ رقبة». رَواهُ عبدُ الرَّزَّاقِ عن عائشةَ َرضِيَ اللهُ تعالى عنها.
4 - ويُقوِّيه حديثُ: الطَّوافُ بالبيتِ صلاةٌ، ولكِنَّ الله أَحَلَّ فِيهِ المَنطِقَ، فَمَن نطق فلا ينطق إلا بخير». رواه الحاكِمُ وغيره عن ابنِ عباسٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما.
5 - وعَن مَولى لأبي سعيد قال: رأيتُ أبا سعيد يطوف بالبيت وهويبكي على غُلام يُقال له: طَهْمان، وهويقولُ: والله لأن أطوف بهذا البيتِ أُسبوعاً لا أقول فيه هَجْراً، وأُصلي ركعتين أحبُّ إليَّ من أن أعتِقَ طَهمانَ. رَواهُ سعيدٌ عن أبيه عن جده عن ابن منصور.
6 - ومنها: قوله عليه السَّلامُ: مَن طافَ بالبيتِ خمسينَ مَرَّةً خَرَجَ من ذُنُوبِه كيوم ولدته أمه». رَواهُ التُّرْمِذِيُّ عن ابنِ عَبَّاسٍ مرفوعاً، وقيل: إنَّه موقوف، لكنَّ حكمه مرفوع.
وقيل: المُرادُ (خمسينَ مرَّةً): خمسينَ شَوْطاً، وهوغير صحيح؛ لأنَّ الشَّوطَ لايُتعبد به، كما صرَّحَ به ابن جماعة.
والصَّوابُ: (خمسين أسبوعاً)؛ لِمَا ورَدَ في روايةِ الطَّبَرَانِي في «الأوسط»، وعبدِ الرَّزَّاقِ وغيرهما كذلك.
قالَ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: ليسَ المُرادُ أن يأتي بها متواليةً في آن واحد، وإِنَّما المُرادُ أن يُوجَدَ في صحيفة حسناته، ولوفي عُمرِه كله من ساعاتِه.
7 - ورَوَى سعيد بن منصورٍ عن سعيد بن جبيرٍ أَنَّهُ قالَ: مَن حَجَّ البيتَ وطَافَ خمسين أسبوعاً قبل أن يرجع، كانَ كما ولدته أمه.
ثمَّ قَولُه: (خَرَجَ من ذُنوبِهِ) المُراد به الصَّغائر، ويُرجَى الكبائر، بإجماع العلماء الأكابر.
8 - ومنها: ما أخرَجَه الفاكِهِيُّ والأزرقيُّ عن عَمْرِوبنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمروبن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إذا خرَجَ الزَّائِرُ يريدُ الطَّواف بالبيتِ، أقبَلَ يخوضُ في الرَّحمةِ، فإذا دخلَه غَمَرَته، ثمَّ لا يرفع قدماً ولا يضَعُها إِلَّا كَتبَ اللهُ تعالى له بكلِّ قَدَمٍ خمس مئة حسنة، وحَطَّ عنه خمس مئة سيئة، ورُفِعَت له خمس مئة درجة، فإِذا فَرَغَ من الطَّوافِ، وصلَّى ركعتينِ دُبَرَ المَقامِ، خَرَجَ من ذُنوبه كيوم ولَدَتْه أمه، وكُتِبَ له أجْرُ عشرِ رِقابٍ من ولد إسماعيل، واستقبلَه مَلَكٌ على الرُّكنِ، وقال: استَأنِفِ العمل فيما يُستقبل فقد كُفيتَ ما مَضَى، وشُفّعَ في سبعين من أهل بيته». أخرَجَه الفاكِهِيُّ والأزرقيُّ. وعنه برواية آدَمَ بن أبي إياس في كتابِ الثّوابِ بلفظ: مَن توضَّأَ فَأَسْبَغَ الوضوء، ثم أتى الرُّكنَ يستلِمُه، خاضَ في الرَّحمةِ، فإذا استلمه فقالَ: بسم الله والله أكبرُ، أَشْهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، وأشهَدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله، غمرته الرّحمةُ، فإذا طاف بالبيتِ كَتَبَ [اللهُ عزَّ وجلَّ] له بكُلِّ قدَمِ سبعين ألف حسنة، وحَطَّ عنه سبعين ألف سيئة، ورَفَعَ له سبعين ألف درجةٍ، وشُفِّعَ في سبعين من أهلِ بيته، فإذا أتى مقام إبراهيمَ فصلى ركعتين عنده إيماناً واحتساباً كُتِبَ له عِتْقُ أربعَةَ عشَرَ مُحرَّراً من ولد إسماعيل، وخرَجَ من ذُنوبه كيوم ولدته أمه.
9 - وعن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عنهما قالَ: إذا توضَّأَ الرَّجُلُ فأَحسَنَ وُضوءَه، ثمَّ خرج إلى المسجدِ فاستَلَمَ الرُّكنَ، فكبَّرَ وتشَهَّدَ وصلَّى على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، واستغفر الله تعالى للمؤمنين والمؤمنات، وذكر الله تعالى، ولم يذكر من أمرِ الدُّنيا شيئاً، كَتَبَ اللهُ بكل خطوة يخطوها سبعين ألف حسنة، وحَطَّ عنه سبعين ألف سيئة، فإذا انتهى إلى ما بينَ الرُّكنين: الرُّكنِ الأسودِ والرُّكنِ اليَماني؛ كانَ فِي خِرَافٍ من خِرَافِ الجِنَّةِ، وشُفِّعَ في أهل بيته ـ أوفي سبعين من أهل بيته، الشَّكُ من بعضِ الرُّواةِ ـ فإذا رَكَعَ ركعتينِ فأحسَنَ رُكوعَه وسُجودَه كَتَبَ الله له عدل ستّين رقبةً كلُّهم من ولد إسماعيل.
?? - وعنه أيضاً قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الكعبة محفوفة بسبعين ألفاً من الملائكة، يستغفِرونَ اللهَ لمَن طَافَ بها، ويُصلُّون عليها». رواهما الفاكهيُّ.
11 - ومنها: قوله عليه السَّلامُ: «مَن طاف بهذا البيت أسبوعاً فأحصاه كان كعتق رقبة، ولا يضَعُ قدماً ولا يرفَعُ أُخرى إلا حَطَّ الله عنه بها خَطيئة، وكتب له بها حسنةٌ». رَواهُ التَّرْمِذِيُّ وغيره عن ابنِ عُمَرَ، وحسَّنَه، وزِيدَ في رواية: «ورَفَعَ له بها درجة».
12 - ومنها: قوله عليه السَّلامُ: مَن طافَ بالبيتِ سَبْعاً وهولا يتكلم إلا بسُبحانَ اللهِ والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوَّةَ إِلا بِاللَّهِ؛ مُحِيَت عنه عشر سيئات، ورُفِعَ له عشر درجاتٍ». رواه ابن ماجه عن أبي هريرة.
13 - ومنها: قوله عليه السَّلامُ: «إِنَّ اللهَ يُباهي بالطَّائفين». رَواهُ البَيْهَقِيُّ وغيره عن عائشة.
14 - ومنها: قوله عليه السَّلامُ: «إِنَّما جُعِلَ الطَّوافُ بالبيتِ، وبينَ الصَّفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكرِ اللهِ». رواه أبوداود عن عائشة.
15 - ومنها قوله عليه السَّلامُ مَن طَافَ بالبيتِ، وسعى بينَ الصَّفا والمروة، ورَمَى الحِمارَ سبعاً، وصلَّى خلفَ المَقامِ ركعتينِ، وشَرِبَ مِن ماءِ زمزمَ غَفَرَ اللَّهُ له ذُنوبه كلَّها بالغةً ما بلَغَت». رَواهُ الدَّيلَمِيُّ وابنُ النجار، عن جابرٍ رَضِيَ الله تعالى عنه، ولفظ الدَّيلَمِيِّ: «أخرَجَه اللهُ من ذُنُوبِه كيومِ ولَدَتْه أُمُّه. والحديث وإنْ ضعَفَه الأئمَّةُ إِلَّا أَنَّه يتقَوَّى بكثرة طُرُقِه، على أنَّ الضَّعِيفَ يُعتبرُ في فضائل الأعمال.
16 - وقد رَوَى أحمد والطَّبَرَانِيُّ والبَيْهَقِيُّ وغيرهم، عن ابن عمر: مَن طاف بهذا البيت أسبوعاً يُحصيه - أي: يحفظ فيه أن لا يغلط ـ كُتِبَ له بِكُلِّ خطوة حسنة، وكُفّرت عنه سيِّئَةٌ، ورُفِعَت له درجة، وكانَ له عَدْلَ عتق رقبة. وزيد في رواية: نفيسة.
?? ـ ومنها: قوله عليه السَّلامُ: «لمَّا أسكنَ اللهُ آدَمَ الأَرضَ، وبنَى البيت، قالَ: ربِّ إِنَّكَ أعطيت كلَّ عامل أجرَه، فأعطني أجري، فأَوْحَى اللَّهُ إِلَيهِ: أَنِّي قد غَفَرْتُ لك إذا طُفْتَ به، قالَ: يا ربِّ زِدْني، قال قد غَفَرتُ لمَن طَافَ به من وَلَدِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ زِدْني، قالَ: قد غَفَرْتُ لمَن استغفَرُ وا له»، الحديث رواه ابن عساكر عن أبي سعيد.
? - ومنها: قوله عليه السَّلامُ: «إِنَّ سفينةَ نُوحٍ عليه السَّلامُ طَافَتْ بالبيت سبعاً، وصلت خلفَ المَقامِ ركعتين». رَواهُ الدَّيلَمِيُّ.
19 - ومنها: قوله عليه السَّلامُ: ائتنفُوا العَمَلَ فقد غُفِرَ لكم ما مضَى». رَواهُ الشَّيرازِيُّ في «الألقاب، وتمَّامٌ، وابنُ عَساكِرَ: عن الطرماح، قال: سمعتُ الحُسَينَ ابن علي رضي الله تعالى عنهما يقولُ: كُنَّا مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الطَّوافِ، فَأَصابَتْنَا السَّماءُ، قال ... فذكره.
قالَ ابنُ عساكِرَ: غَرِيبٌ جِداً.
قُلتُ: يُقوِّيه رواية ابن ماجه والبيهقي عنه قالَ: طُفْتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في مطَرٍ، فلما فرغنا قال ... فذَكَرَه.
?? - ويُؤَيِّدُه حديث: مَن طاف أسبوعاً في المطرِ غُفِرَ له ما سلَفَ من ذنبه»، كما ذكره الغزالي، وإن لم يجده العِراقي، فإنَّ ابنَ مَاجَه ذكر في آخرِ (كتابِ الحج) من «سُنَنِه» حديثاً بمعناه.
وهونقل حسَن، وفعل مُستَحْسَنُ، حَتَّى إِنَّ البَدرَ ابنَ جَماعة طافَ بالبيت سباحة، وكلما حاذى البيتَ غَطَسَ لتقبيله، بل قال مجاهد: إِنَّ ابنَ الزُّبير طاف سباحة.
?? - ومنها: حديث: «مَن طافَ أسبوعاً حافياً حاسِراً كان له كعتق رقبة». ذكره الغزالي، ولم يجده العِراقِيُّ.
22 ـ لكِنْ أَخْرَجَه الجَنَدِيُّ عن ابنِ َعبَّاسِ مَرْفُوعاً: «مَن طَافَ حول البيتِ سبعاً في يوم صائف شديد حرُّه، وحَسَرَ عن رأسِه، وقارَبَ بينَ خُطاه، وقلّ التفاتُه، وغَضّ بصرَه، وقل كلامه إلا بذكرِ الله تعالى، واستلم الحجر في كلِّ طوافٍ من غير أن يُؤذِيَ أحداً، كتَبَ اللهُ بكل قدَمِ يرفَعُها ويضَعُها سبعين ألف حسنة، ومحا عنه سبعينَ ألف سيئة، ورفَعَ له سبعين ألف درجةٍ، ويُعتق الله عنه سبعين ألف رقبةٍ، عن كلِّ رقبة عشرة آلاف درهم، ويُعطيه الله سبعين شفاعةً، إن شاء في أهل بيته من المسلمين، وإن شاءَ في العامَّةِ، وإن شاءَ عُجِّلت له في الدُّنيا، وإن شاءَ أُخْرَت له في الآخرة». وفي «رسالة الحسَنِ البَصرِي»، و «مَنسَكِ ابنِ الحاج» نحوه، ولا يَضُرُّ كونه ضعيفاً، لما تقدَّمَ، والله أعلَمُ.
?? - ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس: أَوَّلُ مَن طاف بالبيتِ الملائكة. وهوموقوفٌ حُكمُه مرفوع.
24 ـ ومنها: ما رَواهُ ابنُ أبي شيبة في «مُصنِّفه»، وسُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ في «جامعه»، وأبوعُبَيد في «غَريبه»، والأزرقيُّ في «تاريخه»، عن أبي العالية، عن عليٌّ كَرَّمَ اللهُ وجهَه: استكثروا من الطَّوافِ بهذا البيت قبل أن يُحال بينكم وبينه، فكأني برجُلٍ مِن الحبشة أصلَعَ أصمَعَ خَمْشِ السَّاقين قاعِدِ عليها وهي تُهدَمُ. وفي لفظ: بمسحاته يهدِمُها.
25 - ويُؤَيَّده حديث: «حُجُّوا قبل أن لا تحجُّوا». أوردَه عبدُ الرَّزَّاقِ وأبونُعَيمٍ والدَّيلَمِيُّ عن أبي هُرَيرةَ مرفوعاً.
26 - ويُقويه ما في البخاري عن قتادَة: «لا تقومُ السَّاعةُ حَتَّى لا يُحجَّ البيتُ.
?? - ويُساعده ما رواه أحمد وغيرُه: «مَن أرادَ الحج فليُعَجِّلْ، فإِنَّه قد يمرَضُ المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة».
?? - وعن عائشة مرفوعاً: «استمتعوا من هذا الحجر الأسود قبل أن يُرفَعَ؛ فإنَّه خَرَجَ من الجنَّةِ، وإنَّه لا ينبغي لشيء خرج من الجنَّةِ إلا رجع إليها قبل يوم القيامة».
29 - وعن عبد الله بن عُمَرَ رَضِي الله عنهما: هذا الحجَرُ من الجنَّةِ، فتَمَتَّعوا منه ما استطَعْتُم، فإنَّكم لا تزالون بخَيرٍ ما دام بين أظهركم، فإِنَّه يُوشِكُ أن يرجِعَ من حيثُ جاءَ. أخرجَهما الطَّبَرَانِيُّ.
30 - وعن ابن عمر مرفوعاً: «استَمْتِعُوا من هذا البيتِ؛ فإِنَّهُ هُدِمَ مَرَّتَين، ويُرفَعُ في الثالثة». أخرجه ابنُ حِبَّانَ والحاكم وصححه على شرطِ الشَّيخَينِ.
31 ـ ومنها: عن عليّ كرَّمَ اللهُ وجهَه قالَ: إِنِّي لأعلَمُ أحبَّ بقعة في الأرض إلى الله، وهي البيتُ وما حولَه رَواهُ الفاكهي
32- ومنها: عن ابن عمر: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «طَوافانِ لا يُوافِقُهما عبد مسلم إلا خرج من ذُنوبه كما ولدته أمه، طواف بعدَ الصُّبحِ يكونُ فَراغه عند طلوع الشمس، وطواف بعدَ العَصْرِ يكون فراغه عندَ غُروبِ الشَّمس، فقال رجل: يا رسولَ اللهِ! إِنْ كانَ قبله أوبعده؟ قالَ: «يلحق به». رَواهُ الفاكهي والأزرقي وغيرهما.
وفي رواية للفاكهي أيضاً: أَنَّ رَجُلاً قال لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: فلِمَ يُستحَبُّ هاتان السَّاعتانِ؟ َقالَ: «إنَّهما ساعتان لا تعدوهما الملائكة».
33- ومنها: عن ابنِ عُمَرَ: أَنَّه كان يطوف سبعة أسابيع باللَّيلِ، وخمسة بالنَّهارِ.: ذكره الأزرقي وقالَ: إنَّ آدم عليه السَّلامُ كانَ يطوفُ كذلك، ويقولُ: اللَّهُمَّ اجعَل لهذا البيتِ عُمَّاراً يعمُرونَه من ذُرِّيَّتي.
34 ـ وعن محمَّدِ بنِ فُضيل قال: رأيتُ ابنَ طارق في الطُّوافِ وقد انفرَجَ له أهلُ الطَّوافُ، وفي رِجلَيه نَعلانِ، فَحَزَروا طوافه في ذلك الزَّمانِ فإذا هويطوفُ في اليوم والليلة عشرة فراسِخَ. أخرجه ابن الجوزي.
وقالَ المُحِبُّ الطَّبِرِيُّ: ذكَرَ بعضُ أهل العلم لعددِ الطُّوافِ سبع مراتب: الأوَّلُ: خمسونَ أُسبوعاً في اليوم والليلة؛ للحديث المتقدم.
والثَّاني: أحد وعشرون. وقد قيل: سبعة أسابيع كعمرة. وقد ورد: ثلاثُ عُمَر كحجة.
الثَّالثُ: أربع عشر، وقد ورَدَ: عُمرَتانِ كحجَّةٍ، وهذا في غيرِ عُمَرَةِ رمضانَ؛ لأَنَّ العُمرة فيه كحجةٍ
الرابع: اثنا عشر أسبوعاً: خمسة بالنَّهارِ، وسبعةُ باللَّيلِ، كما تقدَّمَ عن فعل آدم، واختيار ابنِ عمرَ.
الخامس: سبعة أسابيع.
السَّادِسُ: ثلاثة أسابيع.
السابع: أسبوع واحد.
وقد غُبن من بمكة ولم يطف في يوم وليلة.
35 ـ وفي الخبر: استكثِرُوا من الطَّوافِ بالبيتِ؛ فإنَّه أقل شيءٍ تجدونه في صُحُفكم يومَ القيامة، وأغبَطُ عمل تجِدونَه. أورَدَه الغزالي، قال: ولهذا يُستحَبُّ الطَّواف ابتداءً من غيرِ حَجٌ وعُمرة.
قال العراقي: الحديثُ رَواهُ ابنُ حِبَّانَ والبَزَّارُ والحَاكِمُ، من حديث ابنِ عُمَرَ، ولفظه: استَمتِعُوا من هذا البيتِ؛ فإِنَّهُ هُدِمَ مَرَّتَينِ، ويُرفَعُ فِي الثَّالِثَةِ.
وقال الحاكم: صحيح على شرطِ الشَّيخَينِ.
36 - ورُوِيَ عن عليّ مرفوعاً: «قال تعالى: إِذا أَرَدتُ أن أُخَرِّبَ الدُّنيا بدأت ببيتي فخَرَّبْتُه، ثمَّ أُخرِّبُ الدُّنيا على أثره»، أورَدَه الغزالي، وتعقبه العراقي بأنَّه ليس له أصل.
فصل
في فضل استلام الحجر الأسود
37 ـ عن ابن عبّاسٍ رَضِي الله عنهما مَرفُوعاً: «الحجر الأسود من الجنَّةِ، وكان أشد بياضاً من الثّلج، حتى سودَتْه خَطايا أهلِ الشَّركِ». رواه أحمد وابنُ عديٌّ والبَيْهَقِيُّ
وفي رواية للطَّبَرَانِي عنه: «الحجر الأسود من حجارة الجنَّة، وما في الأرض من الجنَّةِ غيرُه، وكان أبيضَ كالماء، ولولا ما مسه من رجس الجاهلية ما مشه ذوعاهة إلا بَرِئَ».
وفي رواية ابنِ خُزَيمةَ عنه: «الحجَرُ الأسود ياقوتة بيضاء من ياقوت الجنَّةِ، وإنما سودَتْه خطايا المُشركين، يُبعَثُ يومَ القيامةِ مثلَ أُحُدٍ يَشْهَدُ لمَن استلمه وقبله من أهلِ الدُّنيا.
?? - وفي رواية ابن ماجه والبَيْهَقِيُّ عن ابنِ عَبَّاسٍ مَرفوعاً: «ليَأْتِيَنَّ هذا الحجَرُ القيامة له عينانِ يُبصِرُ بهما، ولسان ينطِقُ به يشهَدُ على مَن استلَمَه بحَقِّ.
وفي رواية الترمذي عنه مرفوعاً، وقال: حسن صحيح، نزَلَ الحَجَرُ الأَسوَدُ من الجنَّةِ، وهوأشَدُّ بياضاً من اللَّبَنِ فَسَوَّدَته خَطايا بني آدم».
وأحسَنُ ما قيل في حِكمَتِهِ: إِنَّ ذلك للاعتبار، ليُعْلَمَ أَنَّ الخَطايا إذا أَثْرَت في الحجرِ المُكرَّمِ المُعظَّم، فتأثيرها في القلبِ أَطَم، والله أعلَمُ.
39 - وعن ابنِ جُرَيج قال: أخبرني منصورُ بنُ عبدِ الرَّحْمنِ: أَنَّ أَمَّهُ أَخبَرَته أَنَّ الرُّكنَ كانَ لونُه قبل الحريق كلّونِ المَقامِ. رَواهُ عبدُ الرَّزَّاقِ.
40 ـ وعن جابر مرفوعاً: «الحجَرُ يمينُ اللهِ في الأرضِ، يُصافح بها عبادَه». رواه الخطيب وابن عساكر.
41 ـ وعن أنس مرفوعاً: «الحجَرُ يمينُ اللهِ، فمَن مَسَحَه فقد بايع الله». رَواهُ الدِّيلَمِيُّ.
42 - وعن أُبيّ رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: «الحجَرُ الأَسوَدُ نزلَ به ملك من السَّماءِ». رَواهُ الأَزرَقِيُّ.
43 - وعن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما: أَنَّه خَطَبَ عندَ بابِ الكعبة فقال: ما من أحد يجيء إلى هذا البيتِ لا ينهزه غيرُ صلاته فيه حتّى يستلِمَ الحَجَرَ إلا كُفِّرَ عن ما كان قبل ذلك. رَواهُ ابنُ أَبي شَيْبَةَ وعبدُ الرَّزَّاقِ.
44 - وعن ابنِ عباسٍ رَضِي الله عنهما قالَ: الحجَرُ الأَسوَدُيدُ اللهِ فِي الأَرضِ، فمَن مَسَّه فإِنَّما يُبايِعُ اللهَ رَواهُ ابنُ جَرِيرٍ في «تهذيبه».
45 ـ وعن خالدِ بنِ عَرْ عَرَةَ قالَ: قالَ علي بن أبي طالبٍ: سَلُونِي عمَّا شِئْتُم، ولا تسألوني إِلَّا عما ينفَعُ أويضُرُّ، فقال رجلٌ: يا أمير المُؤْمِنِينَ! مَا وَالدَّارِيَتِ ذَرِّوا؟ قالَ: وَيحكَ، ألم أقل لك: لا تسأل إلا عمَّا ينفَعُ ويضُرُّ؟ تلكَ الرِّياحُ، قال: فما فَالْحَمِلَتِ وقرا؟ قال: هي السَّحابُ، قال: فما فَالْحَرِيتِ يُسْرًا؟ قَالَ: تلك السُّفْنُ، قالَ: فما فَالْمُقَيِّمَتِ أَمْرًا} [الذاريات: 1 - 4]؟ قال: تلكَ المَلائِكَةُ، قَالَ: فما الْجَوَارِ الكنس [التكوير: 16]؟ قال: تلك الكواكِبُ، قال: فما وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوع} [الطور: 5]؟ قالَ: السَّماءُ، قال: فما وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ} [الطور: 4]؟ قال: بيتُ في السَّماءِ يُقال له: الضُّرَاحُ،، وهوبحيال الكعبة من فَوقِه، حُرمَتُه في السَّمَاءِ كَحُرمَةِ البيتِ في الأرضِ، يُصلِّي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة فلا يعودون فيه أبداً.
قال رجل: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن هذا البيت.
قالَ: هوأوَّلُ بيتٍ وُضِعَ ِللنَّاسِ، َقالَ: وما كانَتِ البُيُوتُ قبلَه؟ وقد كانَ نوح يسكُنُ البُيوتَ، ولكنَّ أَوَّلَ بيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ مُبارَكاً وَهُدًى للعالمين. قال: فأخبرني عن بنائه.
قال: أوحى الله تعالى لإبراهيم عليه السَّلام: أن ابن لي بيتاً، فضاق إبراهيم ذَرْعاً، فأرسل إليه ريحاً يقال لها: السكينة، ويقال لها: الخجوج، لها عينانِ ورأسُ، وأوحى الله تعالى إلى إبراهيمَ أن يسير إذا سارَتْ ويقيل إذا قالَتْ، فسارَتْ حَتَّى انتهت إلى موضع البيت، فتطوَّقَت عليه مثل الحجفة، فجعل إبراهيم وإسماعيل عليهما السَّلام يبنيانه كل يوم ساقاً؛ يعني عرقاً من الحائط، فإذا اشتد عليهما الحر استظلا في ظل الجبل.
فلمَّا بَلَغا مَوضِعَ الحَجَرِ، قال إبراهيم لإسماعيلَ: ابْتِني بحَجَرٍ أَضَعُه يكونُ عَلَماً للنَّاسِ، فاستقبل إسماعيل الوادِيَ وجاءَه بحَجَرٍ، فاستَصْغَرَه ورَمَى به، وقال: جِثْني بغيره، فذَهَبَ إسماعيل، وهَبَطَ جبريل على إبراهيم بالحجرِ الأسود، وجاءَ إسماعيل فقال له إبراهيم: قد جاءَني مَن لَمْ يَكِلْني فيه إلى حَجَرِكَ، فَبَنَى البيتَ وَجُعِلَ يطوفون حوله ويُصلُّون حتَّى ماتُوا وانقَرَضُوا، فتهَدَّمَ البيتُ، فَبَنَتْه العمالقة، فكانُوا يطوفُونَ به حتّى ماتوا وانقَرَضُوا فتهَدَّمَ البيتُ، فبنته قُرَيس، فلمَّا بَلَغُوا مَوضِعَ الحَجَرِ اختلَفُوا في واضِعِه، فقالوا: أوَّلُ مَن يطلُعُ من البابِ، فطلَعَ النَّبِيُّ، فقالوا: قد طَلَعَ الأمينُ فبسط ثَوبَه ووضَعَ الحجر وسطه، وأَمَرَ بُطُونَ قُرَيشِ فَأَخَذَ كُلُّ بَطنِ منهم بناحية من الثّوبِ، ووضعه بيده عليه السَّلامُ رَواهُ الحارِثُ، وابنُ رَاهِوَيهِ، والصَّابوني في المئين»، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ». ورَوَى بعضه الأَزرَقِيُّ.
46 - وعن ابنِ عُمَرَ قال: استقبَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الحجر، ثمَّ وَضَعَ شفتيه عليه يبكي طويلاً، ثم التفتَ فإذا هوبعُمر بن الخطَّابِ رَضِي الله عنه يبكي، فقال: يا عُمَرُ، هاهنا تُسكَبُ العَبَراتُ». رواه ابن ماجه، والحاكِمُ وقال: استَلَمْه، ثمَّ وَضَعَ عليه شفتيه. وصحح إسناده.
وقال القاضي عياض رحمه الله: وفي الحديثِ عنه: ما من أحدٍ يدعُوعندَ الركن الأسْوَدِ إِلا استَجابَ الله له.
47 ـ وعن عبد الله بن عمروقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ وهومُسنِدٌ ظهره إلى الكعبة: «الرُّكنُ والمَقامُ ياقوتتان من يواقيتِ الجنَّةِ، ولولا أنَّ اللهَ طَمَسَ نُورَهُما لأضاءَ ما بينَ المَشرقِ والمَغرب». رواه أحمد، والترمذي، وابنُ حِبَّانَ في (صحيحه»، وهذا لفظه.
وفي رواية لغَيرِهم: فلولا [ما] مسَّهُما من خَطايا بني آدمَ لأضاءَ ما بينَ المَغرِبِ والمَشْرِقِ وما مسَّهُما ذوعاهةٍ ولا سقيمٌ إلا شُفِيَ.
48 - وعن ابنِ عباسٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في الحجر: واللهِ ليَبعَثَنَّه اللهُ يومَ القيامةِ، له عينانِ يُبصِرُ بهما، ولسان ينطِقُ به، ويشْهَدُ على قدْرِ مَن استلمه بحقِّ». رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وحسَّنَه، وأحمد وابن حِبَّانَ، وقالا: يَشْهَدُ لمَن استَلَمَه، وقالَ ابنُ حِبَّانَ: بالحقِّ.
وفي رواية لابنِ حِبَّانَ: إِنَّ لهذا الحجرِ لساناً وشفتَينِ يَشْهَدانِ لمَن استلمه يومَ القيامة بحق.
49 ـ وعن مجاهد أنَّه قال: يأتي الحجَرُ والمَقام يوم القيامة مثل أبي قبيس، كلُّ واحدٍ منهما له عينان وشفَتانِ، يُنادِيان بأعلى أصواتهما، يشهَدانِ لمَن وافاهُما بالوَفاءِ. رَواهُ عبدُ الرَّزَّاقِ.
50 ـ وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنَّ الله تعالى يُعيد الحجر إلى ما خلقه أوَّلَ ما أخرَجَه الأزرَقِيُّ، والمعنى: في الكيفية، فلا يُنافيه ما تقدَّمَ من الكمية.
51 ـ وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍورَضِيَ اللهُ تعالى عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يأتي الرُّكنُ يومَئِذٍ أعظم من أبي قبيس، له لسان وشفَتانِ». رواه أحمد، والحاكِمُ
وزادَ: يتكلَّمُ على مَن استلمه بالنِّيّة، وهويمينُ اللهِ التي يُصافح بها خلقه».
52 ـ وعن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَسْحُ الحَجَرِ والرُّكنِ اليَماني يحُطُّ الخطايا حَطَّاً». رواه أحمد وابنُ حِبَّانَ، والترمذي بمعناه.
53 ـ وعن ابنِ عبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما أنَّه قالَ: الرُّكنُ الأَسودُ يمينُ اللهِ في الأرضِ يُصافح به عباده، والذي نفسُ ابنِ عباس بيدِه، ما مِن امْرِئٍ مُسلمٍ يسألُ اللهَ عنده شيئاً إلا أعطاهُ إِيَّاهُ. أَخْرَجَه الأزرَقِيُّ.
54 ـ وعن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّه قالَ: «الحجَرُ الأسوَدُ يمينُ اللهِ في أَرضِه، فمَن لم يُدرِك بيعةَ النَّبِيِّ فَمَسَحَ الحَجَرَ فقد بايَعَ اللَّهَ ورسولَه». رواه أبوطاهِرِ المُخلِّص في «فوائدِه». وأخرج أبوعبيد القاسم بن سلام منه الطَّرِفَ الأَوَّلَ.
55 ـ وعن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَن فَاوَضَ الحَجَرَ الأسودَ
فإِنَّما يُفاوِضُ يدَ الرَّحمنِ». رَواهُ ابنُ مَاجَه. ومعنى «فاوَضَ»: صافَحَ.
56 ـ وكان عليه السَّلامُ يُقبلُه كلَّ مَرَّةٍ ثلاثاً إن رآه خالياً. رَواهُ النَّسائيُّ.
57 ـ وكان يسجد عليه، كما رواه البزَّارُ والحاكم من حديث عمر، وصححا إسناده.
58 ـ وقبله عُمَرُ رَضِي الله عنه، ثمَّ قَالَ: إِنِّي لأعلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لا تضُرُّ ولا تنفَعُ، ولولا أني رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُقبلك لما قبلتك، ثمَّ بَكَى حَتَّى علا نشيجه، فالتفتَ إلى ورائه فرأى عليّاً رَضِي الله عنه قال: يا عليُّ، هاهنا سَكَبُ العبَراتِ، فقال علي: يا أمير المؤمنين! بل هويضُرُّ وينفَعُ، َقالَ: فكيفَ؟ قالَ: إِنَّ الله تعالى لمَّا أَخَذَ الميثاق على الذُرِّيةِ كتب عليهم كتاباً ثمَّ ألقمه هذا الحجَرَ، فهويشهَدُ للمُؤمنين بالوفاء، ويشهد على الكافرين بالجحود.
قيل: فذلك قول النَّاسِ: اللَّهُمَّ إيماناً بكَ، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بِعَهْدِكَ.
أورده الغزالي.
وقالَ العِراقي: أخرَجَه الشَّيخانِ دُونَ الزّيادةِ التي رَوَاها عليٌّ، ورواه الحاكِمُ بتلك الزيادة، وقال: ليسَ من شَرْطِ الشَّيخَينِ، وفي هذه الزيادة بحثُ لا يخفى، وقد بسطتُ عليه الكلامَ فيما نقله ابنُ الهُمامِ في «المرقاة شرح المشكاة».
فصل
فِي فَضْلِ الرُّكنِ اليَمَانِيِّ
59 ـ عن أبي هُرَيرةَ رضِيَ اللهُ تعالى عنه: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «وُكِّلَ به ـ يعني الرُّكن اليماني - سبعونَ مَلَكاً، مَن قالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أسألك العفووالعافيةَ في الدُّنيا والآخرة، ربَّنا آتنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذابَ النَّارِ، قالوا: آمين». رواه ابن ماجه بإسنادٍ ضعيف.
60 - وعن ابنِ عمرَ رَضِيَ الله تعالى عنهما قال: على الرُّكْنِ اليَمَانِي مَلَكانِ يُؤَمِّنانِ على دُعاءِ مَن مرَّ بهما، وإنَّ على الحجرِ الأسودِ ما لا يُحصَى. أخرَجَه الأَزرَقِيُّ، ومثل ذلك لا يُقال عن رأي.
61 - وعن ابنِ عبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مرَرْتُ بالرُّكن اليماني إلا وعنده ملَكُ يُنادي: آمين آمينَ، فإذا مَرَرْتُم به فقولُوا اللَّهُمَّ
ربَّنا آتنا في الدُّنيا حسنة وفي الآخرة حسنةً وقنا عذابَ النَّارِ». أخرجه ابن كثير.
62 ـ وعن عكرمة عن ابن عباس قالَ: مَن استلم الرُّكن ثم دعا استجيب له، قال: فقيل لابنِ عَبَّاسٍ: وإِنْ أسرع؟ قال: وإن كان أسرع من برقِ الخلب. رَواهُ الجَنَديُّ.
63 - وعن عطاء قال: قيل: يا رسولَ اللهِ! تُكثِرُ من استلامِ الرُّكن؟ قالَ: «ما أتيتُ عليه قط إلا وجبريل عليه السَّلامُ قائم عندَه يستغفِرُ لمَن يستلِمُه». أخرجه الأزرَقِيُّ.
64 - وقالَ الشَّعبيُّ: رأيتُ عَجَباً، كنَّا بفناء الكعبة أنا وعبد الله بن عمر، ومصعَبُ بنُ الزُّبَيرِ، وعبد الله بن الزبير، وعبد الملك بن مروان، فقالَ القَومُ بعد أن فرغوا من حديثهم: ليقم رجل رجلٌ فليأخُذ بالرُّكنِ اليَماني وليسأل الله حاجته؛ فإِنَّه يُعطَى من سعةٍ، قُمْ يا عبد الله بن الزبير؛ فإنَّك أوَّلُ مولودٍ وُلِدَ في الهجرة، فقامَ فأخذ بالركن اليماني، ثمَّ قالَ: إنَّك عظيمٌ تُرجَى لكلِّ عظيم، أسألُكَ بِحُرمَةِ وَجهِكَ، وحرمة عَرشِكَ، وحُرمة نبي الله أن لا تميتني مِن الدُّنيا حَتَّى تُؤْتِيَني الحِجَازَ، ويُسلَّمَ عليَّ بالخلافة، وجاءَ حَتَّى جَلَسَ.
فقالُوا: قُمْ يا مصعب بن الزبير، فقامَ حَتَّى أَخَذَ بِالرُّكنِ فَقالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ رَبُّ كُلِّ شيء، وإليكَ كلُّ شيءٍ، أسألك بقدرتك على كلِّ شيءٍ، أن لا تُميتَني من الدُّنيا حتَّى تُولّيني العراق، وتُزوِّجَني سُكينةَ بنتَ الحُسينِ، وجَاءَ حَتَّى جَلَسَ.
فقالوا: قُمْ يا عبد الملك بن مروان، فقامَ فأخذ بالرُّكنِ فقالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّماواتِ السَّبع، والأرضِ ذاتِ النَّباتِ بعدَ القَفْرِ، أسألك بما سألك عبادك المطيعون لأمرك، وأسألك بحُرمَةِ وَجهِكَ، وأسألك بحقك على جميع خلقك، وبحق الطائفين حول بيتك، أن لا تُميتَني حتَّى تُوَلِّيني شرق الأرضِ وغَرَبَها، ولا يُنازِ عَني أحدٌ إِلَّا أُتيتُ برأسه، ثمَّ جَاءَ فَجَلَسَ.
فقالُوا: قُمْ يا عبد الله بن عُمَرَ، فقامَ حَتَّى أخذ بالرُّكنِ، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ يا رحمن يا رحيم، أسألك برحمتك التي سبقَتْ غَضَبَك، وأسألك بقدرتك على جميعِ خَلقِك، أن لا تُميتني من الدُّنيا حتَّى تُوجِبَ لي الجنَّةَ.
قالَ الشَّعبي: فما زالَتْ عيناي من الدُّنيا حتى رأيتُ كل واحد منهم وقد أُعطِي ما سأل، وبُشِّرَ عبد الله بن عمر بالجنَّةِ.
65 ـ وعن مُجاهِدٍ قال: بلغني أنَّ بينَ الرُّكن اليماني والرُّكنِ الأسْوَدِ سبعين ألف ملك لا يُفارِقُونَه، وهم هُنالِكَ منذُ خَلَقَ الله تعالى البيت. أخرَجَه الأزرَقِيُّ.
66 ـ وفي رسالة الحسَنَ البَصرِيَّ قُدَّسَ سِرُّه قال: ما بينَ الرُّكن اليماني والحجر الأسود روضة من رياض الجنَّةِ.
67 ـ ثم استلامه عليه السَّلامُ للركن اليماني متفق عليه من حديث ابنِ عُمَرَ قالَ: لم أرَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَمَسُّ من الأركان إلا اليَمانِيَّين.
68 - ولمسلم في حديث ابنِ عبّاس: لم أرَه يستلِمُ غيرَ الرُّكنَينِ اليَمانيّين
69 - وللبخاري في تاريخه» عن ابنِ عبّاس: كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذا اسْتَلَمَ الرُّكنَ اليماني قبله.
?? - وللدارقطني والحاكم من حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبَّلَ الرُّكْنَ اليماني، ووضع خده عليه.
قال الحاكِمُ: صحيح الإسنادِ.
وقالَ العِراقي: فيه عبدُ اللهِ بنُ مُسلِمِ بنِ هُرمزَ، ضعَّفَه الجُمهورُ.
فصل
في فَضلِ المُلتَزَم
?? ـ عن ابن عباس عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: «ما بينَ الرُّكن والبابِ مُلتزم، ما يدعوبه صاحِبُ عاهة إلا برِىَ». رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ وغيره كابن عبدِ البَرِّ ونحوه
وأما ما رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ بلفظ: ما بينَ الرُّكنِ والمَقامِ، فهووَهُم في الكلامِ.
?? - وعن عَمْرِوبنِ شُعَيبٍ عن أبيه، قالَ: طُفْتُ معَ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِوبنِ العاصِ، فلما جاءَ دُبُرَ الكعبة، قلتُ: ألا تَتَعَوَّذُ؟ قال: نعوذُ باللهِ مِنَ النَّارِ، ثمَّ مَضَى حَتَّى اسْتَلَمَ الحجر وقامَ بينَ الرُّكن والبابِ، فَوَضَعَ صَدْرَه ووَجهَه وذِراعيه وكفَّيه هكذا، وبسطَهُما بَسْطاً، ثمَّ قال: هكذا رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يفعله. رواه أبوداود وابن ماجه.
وهذا الحديث صريح في الرَّدَّ على مَن يقفُ عندَ المُستجار، ويتعَوَّذُ مِنَ النَّارِ، كما صارَ شِعارُ شيعةِ الفِجَارِ، في وقوفهم عند آخرِ أشواطهم، معَ أَنَّه مُخالِفٌ لفعله عليه السّلام، وأصحابه الكرام، ومُناقِضُ للمُوالاةِ بينَ الأشواطِ إلى الاختِتامِ.
?? ـ وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ صَفوانَ قالَ: رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَينَ الرُّكنِ والبابِ واضِعاً وجهَهُ على البَيتِ. رَواهُ أحمد.
وقوله: واضعاً وجهَهُ، يحتمل أن يُريد به وَضْعَ الخد كما جاءَ في رواية، وأطلق عليه وَضْعَ الوَجهِ مجازاً، ويحتمل أن يُريد به وضعه كهيئةِ السَّاجِدِ، وعلى هذا يكونُ فِيهِ رَدُّ لَقَولِ مَن أَنكَرَه:
74 - وهومُجاهِدٌ، كانَ يقولُ: ضَعْ خدَّك على البيت ولا تسجد عليه سُجوداً تضَعُ جبهتك عليه.
75 - وعن ابن عباس قالَ: مَن الْتَزَمَ الكعبة ودعا استُجِيبَ له. أخرجه الأزرَقِيُّ
ويجوز أن يكون على عُمومه، ويجوز أن يكون محمولاً على المُلتَزَمِ، وهذا هوالظَّاهِرُ، والله أعلَمُ.
76 - وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ صَفْوانَ قالَ: لمَّا فَتَحَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ قلتُ: لألبِسَنَّ ثيابي، وكانت داري على الطَّريقِ، ولأنظُرَنَّ كيفَ يصنَعُ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فانطلَقْتُ فرأيتُ النَّبي وقد خرج من الكعبة هووأصحابه قد استَلَمُوا البيتَ من الباب إلى الحطيم، وقد وضعوا خُدودَهم على البيت، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وسطَهُم. رَواهُ أحمد وأبوداود، وهذا لفظه.
وسياق هذا يُشعِرُ بأنَّ الحَطيم هوالحِجْرُ بالكسرِ، والمشهور كما ذَكَرَ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وعز ابنُ جماعَةَ، وجماعةٌ: أَنَّه ما بينَ الرُّكنِ والبابِ، فتأويله من البابِ إلى جانب الحطيم.
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ الحِجْرَ - بالكسر - هوالمَوضِعُ الذي تحت الميزاب، وقد يُطلق عليه: الحطيم أيضاً؛ لأنَّه حُجِرَ ومُنع من البيت كله أوبعضه، أوكُسِرَ وقُطِعَ منه كذلك.
?? - فعن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّه قال: الحطيم الجدار، يعني: جدار الحِجْرِ.
?? - وقالَ: مَن طافَ فَلْيَطُف من وراءِ الحِجر، ولا تقولوا: الحطيم فكرة له هذا الاسم.
?? - وقال ابنُ جُرَيج: الحَطيمُ ما بينَ الرُّكنِ والمَقامِ وَزَمْزَمَ والحجرِ، وسُمِّيَ هذا الموضع حطيماً لأنَّ النَّاسَ كانوا يحطمون هُنالك بالأيمان، ويُستجاب فيها الدُّعاء للمظلومِ على الظَّالم، وقَلَّ مَن حلَفَ هُنالِكَ كاذباً إِلا عُجِّلت له العُقوبَةُ، وكان ذلك يحجرُ النَّاسَ عن المظالم، فلم يزَلْ ذلك كذلك حتَّى جَاءَ اللهُ بالإسلام، فأَخَّرَ اللهُ ذلك لما أرادَ إلى يوم القيامةِ. أَخرَجَه الأزرَقِيُّ وقد قيلَ: إنَّ الحطيم هوالشَّاذَرْوانُ، سُمِّي به لأَنَّ البيتَ رُفِعَ وتُرِكَ هومُنالِكَ.
?? ـ وقال ابنُ عبدِ البرِّ: إِنَّ ابنَ عَبَّاسٍ َرضِيَ اللهُ تعالى عنهما قالَ: المُلتَزَمُ والمَدْعَى والمُتعوَّذُ ما بينَ الحَجَرِ والبابِ، وكانَ جماعةٌ من السَّلَفِ منهم القاسِمُ بنُ محمَّد، وعمرُ بنُ عبد العزيز، وجَعفَرُ بنُ محمَّد، وأيُّوبُ السختياني، وحُميدٌ الطَّويلُ، يلتزمون ظَهرَ البيتِ بينَ الرُّكن اليماني والبابِ المَسدود.
81 - وقالَ عُمَرُ بنُ عبدِ العزيز: إِنَّ ذلك المُلتزم، وهذا المُتعوَّذُ. وكأنه جعل ذلك موضعَ رغبةٍ، وهذا موضع استعادة ورهبة؛ لمُناسبة الإقبال والفتح، ولملاءمة الإدبارِ والسَّدّ، وهوالآنَ مُشتَهِرُ باسم المُستَجارِ. ولا يُنافي قول هؤلاء الأكابر الأعلامِ ما تقدَّمَ من الكلامِ؛ إذ لم يثبت عنهم في أثناءِ الطَّوافِ الدُّعاءُ في ذلك المَقامِ، بل السياقُ مُشعِرٌ بِأَنَّهم كانوا يقفون أيضاً بعد الاختتام، والله أعلَمُ بحقيقة المرام.
وقال بعضُ المشايخ الكرام: قلتُ للنَّهَرَجُورِي: أجِدُ في قلبي قسوةً، وقد شاورتُ فُلاناً فأشار عليَّ بالصَّومِ، فلم تَزُل، وشاوَرْتُ آخَرَ فَأَشَارَ بِالسَّفَرِ، فلم تَزُلْ، فقالَ النَّهَرَجُورِيُّ: خَلَّطا بك، احضُرِ المُلتَزَمَ إذا نامَ النَّاسُ، وتضَرَّعُ وقل: تحيَّرتُ في أمري فخُذ بيدي، ففعَلْتُ فزالَتِ القَسْوَةُ.
***
فصل
في فضلِ المَقامِ المُنسوب إلى إبراهيم عليه السَّلامُ
82 - ثبَتَ في الصَّحِيحِ: أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى رَكَعَتَي الطَّوافِ خلفَ المَقامِ، وقرأَ: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى} [البقرة: 125].
?? - ويُروَى: أنَّ الدُّعاءَ يُستجاب خلفَ المَقامِ. ذكره ابنُ جَمَاعَةَ.
84 ـ وعنه عليه السَّلامُ: «مَن صلَّى خَلْفَ المَقامِ رَكَعَتَينِ غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه وما تأخَّرَ، وحُشِرَ يومَ القيامةِ من الآمنين». ذكره القاضي عياض في «الشفاء».
85 ـ وعن أنس: أنَّ رسولَ اللهِ عليه السَّلامُ جَعَلَ فِي الرَّكَعَتَينِ بعدَ الطَّوافِ ثَوابَ عتق رقبة.
رواه مسلم (????) من حديث جابر الطويل في الحج، ولفظه: ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام، فَقَرَأَ: وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى} [البقرة: ??5] فَجَعَلَ المَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البيتِ. قال النووي في شرح مسلم» (?/ 175): هذا دَلِيلٌ لِمَا أَجْمَعَ عليهِ العلماءُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ طَائِفٍ إِذَا فَرَغَ مِن طَوَافِهِ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَي الطَّوَافِ، واختلَفُوا: هل هما واجبتان أم سنتان؟
86 - وعن ابنِ عُمَرَ: أَنَّه طافَ وصلَّى ركعتين، فقال: هاتانِ تُكفرانِ ما أمامهما. رواهما ابن جماعة.
?? ـ وعنه عليه السَّلامُ: الرُّكنُ والمَقامُ ياقوتتانِ من يواقيتِ الجنَّةِ». رَواهُ الحاكم من حديث أنس، وصحح إسناده.
?? - ورواه الترمذي وابنُ حِبَّانَ والحاكِمُ من حديث عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو.
?? - وعن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: «لمَّا أَهْبَطَ اللهُ آدَمَ إِلى الأَرضِ طَافَ بالبيتِ سبعاً وصلَّى خَلْفَ المَقامِ رَكعتين، ثمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعلَمُ سِرِّي وَعَلَانيَتي، فاقبَلْ مَعذِرَتي، وتعلَمُ حاجَتي فأعطني سؤالي، وتعلَمُ ما في نفسي ـ وفي رواية: ما عندي فاغفِرْ لي ذُنوبي، اللَّهُمَّ إنِّي أسألك إيماناً يُباشر قلبي، ويقيناً صادِقاً حتَّى أعلَمَ أَنَّه لا يُصيبني إلا ما كتبت لي، ورِضاءً بما قَسَمْتَ لي - وفي رواية: والرِّضاءَ بما قَضَيتَه عليَّ. فأوحى الله تعالى إليه: يا آدمُ إِنَّكَ قد دَعوتَني دُعاءً أستجيب لك به، ولن يدعوبه أحدٌ من ذُرِّيتِك من بعدك إلا استجبْتُ له، وغفَرْتُ ذُنوبَه، وفَرَّجتُ هُمومه، وتجرتُ له من وراء كل تاجر، وأتته الدُّنيا وهي راغِمَةٌ، وإن كان لا يريدُها. أخرجه ابن الجوزي.
ورَواهُ الأزرَقِيُّ، وفيه: أنَّ آدم عليه السَّلامُ دَعا به في المُلتَزَمِ، ولا مَنْعَ من الجمع، والله أعلَمُ.
ويتعين عندَ المُلتزم إذا كان وقع الطواف في وقت كراهة الصَّلاة ولوفي الحرم.
90 ـ وعن عمروبنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ عن رجالٍ من الأنصارِ من أصحابِ النَّبيِّ: أَنَّ رجُلاً جاء يوم الفتح والنَّبيُّ عليه السَّلامُ في مجلس من المقامِ، فسلَّمَ عليه وقال: يا نبي الله! إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ فتَحَ اللهُ النَّبيِّ عليه السَّلامُ وللمؤمنين مكَّةَ لأُصلِّيَنَّ في بيتِ المَقدِسِ، وإِنِّي وَجَدْتُ رَجُلاً من أهلِ الشَّامِ ههنا في قُريش خفيراً مقبلاً معي ومديراً، فقال عليه السَّلامُ: «هاهنا فصل»، فعادَ الرَّجُلُ بقَولِه ثلاثَ مرَّاتٍ، كلُّ ذلك يقولُ النَّبِيُّ عليه السَّلامُ: «هاهنا فصَلِّ»، ثمَّ قَالَ الرَّابِعَ مقالته، فقالَ عليه السَّلام: «فاذْهَبْ فَصَلِّ فيه، فوالذي بعَثَ محمَّداً بالحقِّ! لوصلَّيتَ هاهنا تَقْضي عنك صلاةً في بيتِ المَقدسِ». رواه عبد الرَّزَّاقِ، وقالَ ابنُ جُرَيجِ: أُخْبِرْتُ أَنَّ ذلك الرَّجُلَ سُوَيدُ بنُ سُوَيدٍ.
?? - وعن مجاهدٍ: أَنَّ رسولَ اللهِ عليه السَّلامُ كانَ آخِذَاً بيدِ عُمَرَ، فَلَمَّا انْتَهَى إلى المقام قالوا: هذا مَقامُ أبينا إبراهيمَ؟ فقالَ لهم النَّبِيُّ عليه السَّلامُ: «نعم»، قالَ: أفلا نتَّخِذُه مُصلَّى؟ فأنزَلَ اللهُ: وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامِ إِبْرَاهِمَ مُصَلَّى} [البقرة: 125]. رَواهُ ابنُ أَبي داودَ في المَصاحِفِ».
?? - وفي رواية له عنه أيضاً قال: كانَ المَقامُ إلى لزق البيتِ، فقال عُمَرُ للنبي صلى الله عليه وسلم: لونيته من البيت ليُصلّي النَّاسُ، ففعل ذلك رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأنزلَ اللهُ: وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى
93 - وعن ابن أبي مليكة قالَ: مَوضِعُ المَقامِ هذا الذي به اليوم هوموضعه في الجاهلية، وفي عهدِ النَّبيِّ عليه السَّلامُ وأبي بكرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما، إلا أنَّ السَّيْلَ ذهَبَ به في خلافة عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه، فجُعِلَ في وجه الكعبة، حتَّى قَدِمَ عُمَرُ فردَّه بمَحضَرِ منَ النَّاسِ رَواهُ الأَزرَقِيُّ
94 ـ وعن عائشة: أنَّ المَقامَ كانَ في زمَنِ النَّبيِّ عليه السَّلامُ وزَمانِ أبي ملتصقاً بالبيت، ثمَّ أَخَرَه عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رَواهُ سُفيانُ بنُ عُيَينة في «جامِعِه.
95 ـ وعن حبيب بن أبي الأشرس قالَ: كانَ سيلُ أَمْ نَهْشَلِ قبل أن يعمَلَ عَمَرُ الرَّدم بأعلى مكَّةَ، فاحتمَلَ المَقامَ من مكانه، فلَمْ يُدْرَ أَينَ موضِعُه، فلمَّا قَدِمَ عُمَرُ سألَ: مَن يعلَمُ موضِعَه؟ فقالَ المُطَّلِبُ بنُ أَبي وَداعةَ: أنا يا أمير المؤمنين، قد كنتُ قدَّرتُه وذَرَعْتُه بمِقَاطِ وتَخوَّفتُ عليه، هذا من الحجرِ إليه، ومن الرُّكن إليه، ومن وَجهِ الكعبة، فقال: انتِ به فجاءَ به فوضَعَه مَوضِعَه وعَمِلَ عَمَلَ الرَّدم عند ذلك.
قال سفيان: فذلك الذي حدَّثنا هِشَامُ بنُ عُروة عن أبيه: أَنَّ المَقامَ كَانَ عِندَ سفع البيتِ، فأمَّا مَوضِعُه الذي هومَوضِعُه فمَوضِعُه الآنَ، وأَمَّا ما يقولُ النَّاسُ أَنَّه كانَ هُنالك موضِعُه فلا. رَواهُ الأزْرَقِيُّ.
***
فصل
في فضل الكعبة
قال الله تعالى: {جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيمَا لِلنَّاسِ} [المائدة: 97]؛ أي: قواماً لهم في أمر دينهم ودنياهم، فلا يزال في الأرض دين ما حُجَّتْ، وعندها المعاشُ والمَكاسِبُ، وزادُ المَعادِ، وبَرَكةُ العِبادِ من الزُّمَّادِ والعُبَّادِ.
وقال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَةَ مُبَارَكًا؛ أي: كثير الخير لمَن حَجَّه أواعتَمَرَه، أوعَكَفَ عنده أوطافَ حَولَه، أواستقبَلَه أوشاهَدَ مَبناه وطالع معناه، وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ}؛ أي: مُرشداً لهم في إصلاح أحوالهم، فيه وَايَتُ بَيْنَتُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} [آل عمران: ??] عطف بيان لاشتماله على آياتِ أَثَرِ قدميه الشَّريفتَينِ في الصَّخرة، وبقاؤه وحفظه معَ كثرة أعدائه.
وقيل: الآيات تزيد على ذلك، لكنَّه سُبحانَه ذكر هذا لكمالِ ظُهورِه، وطوَى ذكر غيره دلالة على تكاثره، فالتَّقدير منها ـ أو: إحداها - مقام إبراهيم. وممَّا ذُكر فيه من الآياتِ الحرِّيَّةِ والمَعنويّة: وَقعُ هيبته في القُلوبِ، وخُشوع القلب عندَه لعلامِ الغُيوبِ، وجرَيانُ الدُّموعِ لدَيْهِ توبةً من الذُّنوبِ، وامتناعُ الطَّيرِ من العُلُووالجُلُوس عليه، إلا أن يكون مريضاً فيجلس عليه مُستَشْفياً، ولولا ذلك لكانَتِ الأستار مملوءةً من قذرِهِنَّ والحجر الأسود، وحفظه، وائتِلافُ الطَّبَاعِ والسَّباعِ، وقد تَتْبَعُها في الحِلِّ، فإذا دخَلَتِ الحَرَمَ تَرَكَتْها.
والغَيثُ إذا كان ناحيةَ الرُّكن اليماني كانَ الخصبُ باليَمَنِ، وإذا كانَ ناحية الشامي كانَ بالشَّامِ، وإذا عَمَّ البيتَ كانَ الخصبُ عاماً، ولا يجيء سيل من الحِل إلى الحرَمِ، وإنَّما يخرُجُ من الحَرَمِ إلى الحِلِّ، وإذا انتَهَى سيلُ الحِل إلى الحرمِ وقَفَ ولم يدخُل فيه. ذكره ابنُ جَماعة.
وقال الله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ عَامِنَا} [آل عمران: 97]، واختَلَفَ العُلماء في معناه، حَيثُ لم يظهَرْ عُمُومُ مَبناه:
فقيل: الضَّميرُ للحرَمِ؛ أي: على حَذْفِ مُضافٍ؛ أي: حَرَمَ بيته، والمعنَى: مَن دخَلَه في عُمرَةِ القضاء مع رسول الله الله وكانَ آمِناً، يدلُّ عليه قوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ عَامِنِينَ} [الفتح: 27].
وقيل: معناه أمرُ ومَبْناهُ خَبَرٌ؛ أي: أمِّنُوا مَن دَخَلَه، ولا تتعَرَّضُوا لمَن جَنَى خارج الحرمِ والتجا إليه، وهومذهب الإمام الأعظم، وبه أُجيب عن فعل القرامط. والله أعلم.
وقيلَ: مَن دخَلَه لقَضاءِ حَجَّتِه أوعُمَرَتِهِ، مُعَظَّماً لحُرمَتِه وعِزَّتِه، عارِفاً بحَقِّه ورتبته، مُتقرِّباً إلى الله ومَثوبَتِه، كانَ آمِناً يومَ القيامةِ من عقوبته.
وعبر بعضُ الصُّوفيّةِ عن هذا القَولِ بعبارةٍ مَرْضِيَّةٍ فَقالَ: مَن دخله على الصَّفا كدخولِ الأنبياء والأولياء من أهلِ الصَّفا، وحصل على الوفاء، أمَّنَه الله تعالى العذابَ يوم اللقاء، في دار البقاء.
وقيل: الضَّمير للبيت:
96 ـ ففي حديثِ البَيْهَقِيُّ وغيره عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنهما: «مَن دَخَلَ البيتَ َخرَجَ مَعْفُوراً له، ودخَلَ في حسنة، وخرَجَ من سيئة».
وأمَّا ما توهَّمَه العامَّةُ من جَعْلِ الضَّمِيرِ إلى مَقامِ إبراهيمَ المُتعارَفِ فهوباطل؛ لعَدَمِ تصورِ الدُّخول فيه، وذلك لأنَّ هذا الحجَرَ المُشبَّكَ حَادِثُ لم يَكُنْ في وقت نزول الآية.
ثمَّ سماه الله عتيقاً في قوله تعالى: {وَلْيَطَوَفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29]؛ لأنَّ اللهَ أعتقه من الجبابِرَةِ، فلم يظهر عليه جبَّارٌ.
وقيل: لقِدَمِه، وقيل: لأنَّه كريم على الله، أولأنَّه لم يجرِ عليه مُلْكُ لأحدٍ من خَلْقِ الله، أولأنه أعتق من الغَرَقِ أَيَّامَ الطُّوفان، وقيل غير ذلك.
?? - والصحيحُ القَولُ الأول؛ لأنَّ الترمذي رواه من حديث ابن الزبير مرفوعاً، وقالَ: حَسَنٌ غريبٌ، رَواهُ الزُّهْرِيُّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مُرسَلا.
98 ـ وعن عيَّاشٍ بنِ أَبِي رَبيعَةَ رَضِي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لا تزالُ هذه الأمَّةُ بخَيرٍ ما عظموا هذه الحُرْمَةَ حقَّ تعظيمها - يعني: الكعبة والحرم ـ فإذا ضيَّعُوا ذلك هَلَكُوا». رَواهُ ابنُ مَاجَه.
99 - وعن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عنهما قالَ: إِنَّ اللهَ تعالى وجَّهَ السَّفينةَ إِلى مكَّةَ المُشرَّفة فدارَتْ بالبيت أربعين يوماً، ثم وجهها إلى الجودِيِّ فاستقرَّتْ. رواه ابن الجوزي.
100 ـ وعن أبي سعيد الخُدْرِيّ: أنَّ رسولَ اللهِ عليه السَّلامُ قَالَ: «لَيُحَجَّنَّ البيت وليُعتَمَرَن بعد خروج يأجوج ومأجوج». أخرجه البخاري).
101 ـ وعن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: وعَدَ الله تعالى هذا البيتَ أن يحُجَّه كلَّ سنةٍ ست مئة ألف، فإن نقصوا أكمَلَهُم الله بالملائكة، وإنَّ الكعبة تُحشَرُ كالعَروسِ المَزفوفةِ، مَن حَجَّها تعلَّقَ بأستارِها حتَّى تُدخِلَهم الجنة». ذكره ابن جماعة، وسيأتي الكلام عليه.
ويُقالُ: إِنَّ الكعبة منذ خلَقَها الله تعالى ما خلَتْ عن طائفة لها من جنّ أوإنس أوملك.
??? ـ وقال بعضُ السَّلَفِ: خَرَجْتُ يوماً في هاجرةٍ ذاتِ سموم، فقُلتُ: إِنْ خَلَتِ الكعبة عن طائف في حين هذا الحين، ورأيتُ المَطاف خالياً، فَدَنَوتُ فرأيتُ حيَّةٌ عظيمة رافعة رأسها تطوفُ حول الكعبة. ذكره الشَّيخُ أبوعمروبنُ الصَّلاحِ.
103 - ويُروَى: أَنَّ المَلَكَ إِذا نزَلَ إلى الأرض في بعض أُمورِ اللَّهِ، فَأَوَّلُ ما يَأْمُرُه الله تعالي به زيارة البيتِ، فيُفيضُ من تحتِ العَرْشِ مُحرِماً مُلَبِّياً حتّى يستلم الحجَرَ، ثمَّ يطوفُ بالبيت سبعاً، ويركَعُ رَكعتين، ثمَّ يَعْمِدُ لحاجته. رَواهُ عَزُّ ابنُ جَمَاعَةَ.
104 ـ وعن جابر بنِ عبدِ اللهِ، عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لمَّا عَقَرَ ثمودُ النَّاقةَ وأَخذَتْهُم الصَّيحَةُ لم يبق منهم أحد إلا أهلكته، إلا رجُلاً واحِداً كَانَ في حَرَمِ اللهِ تعالى، فمنَعَه الحرم»، فقالُوا: مَن هويا رسول الله؟ فقالَ: «أبورِغالٍ أبوثَقِيفِ، فلمَّا خَرَجَ من الحَرَمِ أصابه ما أصابَ قومه». رواه أحمد ومسلم.
105 - ويُروَى: أَنَّ أَوَّلَ مَن عاذَ بالحرَمِ الحِيانُ الصغار من الكبارِ زَمَنَ الطوفان، فلم تأكلها تعظيماً للحرم، ذكره ابن جماعة.
106 - وقد صح أنه عليه السلام دخل البيت وصلى فيه ركعتين.
??? - وأنه دعا وكبر في نواحيه.
??? - وقد رَوَى ابنُ المُنذِرِ بإسنادِ لا بأس به من حديثِ عَطاء، عن ابنِ عباس، عن النبي عليه السَّلامُ: مَن دخَلَ البيت، دخَلَ في حسنَةٍ، وخَرَجَ من سيِّئة».
109 ـ وفي رواية عن مُجاهِدٍ ذكرَها عبدُ الرَّزَّاقِ أَنَّه رُوِيَ بمعناه، وزادَ في مبناه، وأنَّه يخرُجُ معصوماً فيما بقي، ويحتمل أن يُريد بذلك العِصمَةَ من الكُفْرِ، فيكون فيه البشارة لمن دخلَه بالمَوتِ على الإسلام.
110 - وعن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّه قالَ: «مَن َدخَلَ الكعبة دخَلَ في رحمة الله تعالى، وفي حمى الله تعالى، وفي أمن الله تعالى، ومَن خَرَجَ خَرَجَ مَعْفُوراً له». ذكره الحسَنُ في رسالته».
111 ـ وعن مُوسَى بنِ عُقبَةَ قالَ: طُفْتُ معَ سالِمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ خمسةً أسابيع، كلَّما طُفْنا سبعاً دخَلَ الكعبة فصلى فيها ركعتين.
فهذا يدلُّ على جَوازِ الدُّخولِ مُكرَّراً، ولوفي وقت واحد، إذا راعى أدَبَ المُقامِ. وأما ما اشتهر على ألسنةِ العَوام: أنَّه - عليه السلام - أراد أن يدخُل ثانياً في بيت الله الحرام، فأُوحِيَ إليه أنَّ هذا ليس بيت عائشةَ، فلا أصل له عندَ العُلماء الأعلام.
112 ـ وعن أنس قال: لقِيَتِ المَلائكةُ آدم وهويطوف بالبيت، فقالت: يا آدَمُ! حجَجْتَ؟ فقالَ: نَعَمْ، فقالُوا: قد حَجَجْنا قبلك بألفي عامِ. رَواهُ ابنُ أَبي شيبة.
وقوله: بالبيت؛ البيت الذي بنته الملائكةُ، أوالبيتُ الذي بناه آدَمُ، والله تعالى أعلَمُ.
113 - وعن علي بن أبي طالب قالَ: [أقبلَ] إبراهيمُ من أَرْمِينيةَ ومَعَه السَّكينةُ تدلُّ على موضع البيتِ ليتَبَوَّاه كما تَتَبَوَّأُ العنكبوت بيتها، فحفَرَ مِن تحتِ السَّكينة، فأبدى عن قواعد، ما يُحرِّكُ القاعدَةَ منها دونَ ثلاثينَ رَجُلاً رَواهُ سُفيانُ بنُ عُيِّينَة في «جامعه»، وأبويعلى الموصلي، وعبد بن حميد، وابنُ المُنذِرِ، وابن أبي حاتم، والأزرقي، وابن عساكر.
114 ـ وعن عليّ أيضاً قال: أقبل إبراهيم والملكُ والسَّكينة والصُّردُ دليلاً، حتى تبوأ البيت كما تبوأتِ العَنكَبُوتُ بيتاً، فحفَرَ فَأَبْرَزَ عن أُسِّها أمثال خلفِ الإِبل لا يُحرِّكُ الصَّخرة إلا ثلاثينَ رَجُلاً، ثمَّ قالَ اللهُ لإبراهيمَ: قُمْ فابن لي بيتاً، قال: يا ربِّ! وأين؟ قال: سنُرِيكَ، فَبَعَثَ الله فيها سحابةً لها رأسُ تُكلَّمُ إبراهيم، فقال: يا إبراهيمُ! إِنَّ رَبَّكَ يَأمُرُكَ أن تخُطَّ قَدْرَ هذه السَّحابةِ، فَجَعَلَ ينظُرُ إليها ويأخُذُ قَدْرَها، فقال له الرّأسُ: أقد فعَلْتَ؟ [قال: نعم]، فارتَفَعَتِ السَّحابَةُ، فأبرز عن [أُسِّ] ثابِتِ مِنَ الأرض، فبناه إبراهيم عليه السَّلامُ. رَواهُ الأزرَقِيُّ.
115 - وعن عليٌّ رَضِي الله عنه أيضاً قالَ: لمَّا فَرَغَ إبراهيم من بناء البيتِ قالَ: قد فعلتُ أي ربي، فأرِنا مَناسِكَنا، وأبرز لنا معالمها، فبعَثَ اللَّهُ جبرائيل فحجَّ به. رَواهُ ابن جرير في تفسيره».
116 - وفي تفسيرِ البَغَوِيّ»: روَتِ الرُّواةُ: أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ مَوضِعَ البيتَ قبل الأرض بألفي عام، فكانَتْ زُبدةً بيضاء على الماء فدُحِيَتِ الأَرضُ مِن تحتِها، فلمَّا أهْبَطَ الله آدمَ إلى الأرضِ اسْتَوْحَشَ، فشكَى إِلى اللهِ تعالى، فأنزِلَ اللهُ البيت المعمور من ياقوتة من يواقيت الجنَّةِ له بابانِ من زُمُرُّد أخضرَ، باب شرقي وباب غربي، فَوَضَعَه على موضع البيتِ، وقال: يا آدمُ إِنِّي أهبَطتُ لك بيتاً تطوفُ به كما يُطافُ حول عرشي، وتُصلِّي عنده كما يُصلَّى عند عرشي، وأنزَلَ الحَجَرَ، وكان أبيضَ، فاسوَدَّ من لمس الحُيَّض في الجاهليّة، فتوجَّهَ آدم من أرض الهندِ إلى مكَّةَ ماشياً، وقيَّضَ الله له ملكاً يدله على البيتِ، فَحَجَّ البيتَ وأقامَ المَناسكَ، فلمَّا فَرَغَ تلقته الملائكةُ، وقالُوا: برَّ حَجك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام.
??? ـ قالَ ابنُ عبَّاس: حجّ آدَمُ أربعينَ حجّةً من الهند إلى مكَّةَ على رجليه، على ذلك إلى] أَيَّامِ الطُّوفانِ، فرفعه الله إلى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، يدخُلُه كلَّ يوم سبعون ألف ملك، ثمَّ لا يعودُونَ إليه، وبَعَثَ جبريل حتَّى خَبَّأَ الحجر الأسود في جبَل أبي قبيس صيانةً له منَ الغَرَقِ، فكانَ مَوضِعُ البيت خالياً إلى زمَنِ إبراهيم عليه السَّلامُ، ثمَّ إِنَّ الله تعالى أمر إبراهيم بعدما وُلِدَ له إسماعيل وإسحاق ببناء بيت يذكرُ فيه، فسأل الله تعالى أن يُبيِّنَ له موضعه، فبعث الله تعالى السَّكينةَ لتَدلَّه عَلى مَوضِعِ البيت، وهي رِيحٌ خَجُوج - أي: شديدةُ المَرِّ تلتوي في هبوبها - لها رأسان شبه الحية، وأمر إبراهيم أن يبني حيثُ تستقِرُّ السَّكينة، فتبعها إبراهيمُ حَتَّى أتيا مَكَّةَ، فتطَوَّقتِ السكينةُ على مَوضِعِ البيتِ كَتَطَوِّي الحَجَفة ـ بتقديم الحاء، وهي التُّرسُ والدَّرقة - هذا قول علي والحسن.
??? - ورواه الحاكم عن علي، وصححه، وابن أبي شيبة وغيرهما، وفيه: بَنَى حتَّى بَلَغَ مَوضِعَ الحَجَرِ، قال له: ائتني بحَجَرٍ أضَعُه هَاهُنَا، فَذَهَبَ إسماعيل يطوفُ، فجاء وقد نزل جبريل بالحجرِ، فوضَعَه، فقال إسماعيل: من أين هذا؟ قال: جاءَ به من لم يتكل عليَّ ولا عليك في بنائه. ثمَّ انهدَمَ فبنته العماليق، ثمَّ انْهَدَمَ فبنته جرهم، ثم انهدَمَ فبنته قُرَيس، فاختصموا فيمَن يضَعُ الحجر، فقالوا: أَوَّلُ مَن يَخْرُجُ من هذا الباب، يعنون بني شيبةَ المَعروفِ ببابِ السَّلامِ، فَخَرَجَ عليه السَّلامُ من قِبَلِ ذلك الباب، فقالوا: هذا محمد الأمين، وعرَضُوا عليه الأمرَ، فَأَمَرَ بِثَوبٍ فبسَطَه، ووضَعَ الحجر عليه، فرفعه رُؤوس القبائل جميعاً، ووضعه بيده في مكانه تعظيماً لشأنه.
??? - وقالَ ابنُ عبَّاس: بعَثَ الله تعالى سحابة على قَدْرِ الكعبة، فجعَلَتْ تسير وإبراهيم يمشي في ظلها إلى أن وافتْ به مكَّةَ، ووقَفَتْ على مَوضِعِ البيتِ، فَنُودِيَ منها: يا إبراهيم! أن ابن على ظلها ولا تَزِدْ ولا تنقض (2).
120 - وقيل: أرسل الله جبرائيل ليدله على موضع البيت، فذلك قوله تعالى: وَإِذْ بوأنا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} [الحج: (26]، فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت، فكانَ إبراهيم يبنيه وإسماعيل يُناوِلُه الحجَرَ، فذلك قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} [البقرة: ???]، يعني: أُسسه، واحدتُها: قاعدة، بمعنى الأساس، وقال الكسائي: جُدُرَ البيتِ.
121 - وقيل: إِنَّ الله تعالى أمدَّ إبراهيم وإسماعيل بسبعة أملاك يُعينونَهما على بناء البيت، فلما انتهى إبراهيم إلى موضع الحجرِ قال لإسماعيل: ائتني بحجر حسن يكون للنَّاسِ علماً، فأتاه بحَجَرٍ، فقال: ائتني بأحسن من هذا، فمَضَى إسماعيل لطلبه، فصاحَ أبوقبيس: يا إبراهيم! إنَّ لك عندي وديعةً فخُذْها، فأخذ الحجر الأسودَ فوضَعَه مكانَه.
=تقدم الحديث بتمامه في فصل: فضل استلام الحجر الأسود). وصحح الحاكم الرواية الثانية، وقال عقب الأولى: قد اتفق الشيخان على إخراج الحديث الطويل عن أيوب السختياني وكثير بن كثير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قصة بناء الكعبة أول ما بناه إبراهيم الخليل عليه السلام، وهذا غير ذاك».:قلت حديث ابن عباس قد تقدم تخريجه من البخاري بالإسناد الذي ذكره الحاكم، ولم أجده عند مسلم.
??? - ورَوَى جمعٌ من الأئمَّةِ وصححه الحاكم عن عليّ: أَنَّ جبرائيل جاءَ بالحجر الأسود قبلَ رُجوع إسماعيل، ولعل جبرائيل جاءَ به من أبي قبيس.
123 - وقيل: إِنَّ الله تعالى بنى في السَّماءِ بيتاً - وهوالبيتُ المَعمورُ – يُسمَّى الضُّرَاحُ، وأمر الملائكة أن يبنوا الكعبة في الأرض بحياله على قَدْرِه ومثاله.
124 - ورُوِيَ: أنَّ في كلِّ سماء بيتاً في حِذائه، وكذا في كل أرض في قبالة بنائه.
125 - وقيل: هوأفضَلُ البُيوتِ في عزّه وبهائه، بل من العَرْشِ فوق سَمائِه، فلله الحمد على جميل نعمائه، وجزيل آلائه. 126 - وعن أنس مرفوعاً: البيتُ المَعمورُ في السَّمَاءِ السَّابعةِ يدخُلُه كلَّ يوم سبعون ألفَ مَلَكِ، ثم لا يعودون إليه حتّى تقومَ السَّاعَةُ». رَواهُ أَحمدُ والنَّسائي والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ.
127 - وعن ابن عباس مرفوعاً: «البيتُ المَعمورُ في السَّماءِ يقال له: الضُّرَاحُ، وهوعلى مثل البيت الحرام بحياله، لوسقط لسقط عليه، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لم يرَوْه قطُّ، وإنَّ له في السَّمَاءِ حُرْمَةٌ على قَدْرِ حُرمَةِ مكة». رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ وابن مردويه.
128 ـ وعن أبي هُرَيرةَ رَضِي الله عنه مرفوعاً: «يُؤمَرُ جِبريلُ في كل غَداة يدخُلُ بحرَ النُّورِ فينغَمِسُ انغماسةً، ثمَّ يخرُجُ فينتفض انتفاضَةً فيسقُطُ منه سبعون ألف قطرة، يخلُقُ الله من كل قطرة ملَكاً، فيُؤمَرُ بهم إلى البيت المعمور، فيُصلُّونَ، ثمَّ يُؤمَرُ بهم إلى حيث شاء، فيسبحون إلى يوم القيامة». رَواهُ الدِّيلَمِيُّ
فصل
في فضل الحِجْرِ المُكرَّم
129 – عن عائشة قالت: كنتُ أُحِبُّ أن أدخُلَ البيتَ فأُصلِّيَ فيه، فأَخَذَ عليه السَّلامُ بيدي فأدخَلَنِي الحِجْرَ، وقال: صلِّي فيه إنْ أَرَدْتِ دُخول البيتِ؛ فإِنَّما هوقطعة من البيت، ولكنَّ قومَكِ اسْتَقصَرُوه حينَ بنَوا الكعبة، فأخرَجُوه منَ البيتِ». رَواهُ أحمد، وأبوداود، والتّرْمِذِيُّ، والنسائي، وهذا لفظ الترمذي، وقالَ: حَسَنٌ صحيحٌ.
130 ـ وعن عائشةَ رَضِي الله عنها قالت: قال عليه السَّلامُ: «إِنَّ قَومَكِ استَقصَرُوا من شأنِ البيتِ، وإنّي لولا حَداثةُ عَهدِهم بالشِّرْكِ أَعَدْتُ فيه ما تركوا منه، فإن بدا لقومِكِ أن يبنوه فتعالَي أُريكِ ما ترَكُوا منه»، فأراها قريباً من سبعة أذرع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأجعل لها بابَينِ مَوضُوعَينِ في الأَرْضِ شَرْقِيّاً وغَرْبيّاً، وهل تدرينَ لِمَ كانَ قَومُك رفَعُوا بابها؟ قالت فقُلتُ: لا، قالَ: «تعزُّزاً؛ لئَلَّا يدخُلَها إلا مَن أرادوه، كانَ الرَّجُلُ إِذا كرهوا أن يدخُلَها يدَعُونَه حتى يرتَقِيَ، حَتَّى إِذا كانَ يدخُلُ دفَعُوهُ فسقط». رواه ابن عساكِرَ.
131 - وعن عائشة أيضاً: أنَّه عليه السَّلامُ قالَ: «يا عائشةُ! لولا أَنَّ قومَكِ حَديثوعهد بجاهلية لأمَرْتُ بالبيتِ فهُدِمَ، فَأَدخَلْتُ فيه ما أُخرِجَ منه، والزَقْتُه بالأرضِ، وجعَلتُ له بابين باباً شَرْقيّاً وباباً غَربيّاً، فبلَغْتُ به أساس إبراهيم عليه السَّلامُ». رَواهُ النَّسائي وغيرُه عن عائشة.
وفي رواية لمُسلم والنسائي عنها بلفظ: «لولا أَنَّ النَّاسَ حديثُ عَهدهم بكُفْرِ، وليس عندي من النَّفَقَةِ ما يُقوّي على بنائه، لكُنْتُ أَدخَلْتُ فيه من الحِجْرَ خمسة أذرُعٍ، ولجَعَلتُ لها باباً يدخُلُ النَّاسُ منه، وباباً يخرُجُ منه».
وفي رواية لمُسلم بلفظ: «لولا أَنَّ قَومَكِ حَدِيثُوعهدٍ بجاهلية لأَنفَقْتُ كنزَ الكعبة في سبيل الله، ولجعَلْتُ بابَها بالأرض، ولأدخَلْتُ فيها من الحِجْر».
وفي رواية لأحمد: «وزدتُ فيها من الحِجْرِ ستة أذرع».
132 - وعن صفيَّةَ بنتِ شيبة، عن عائشةَ، قالت: أرسلت إلى شيبة أن افتح الكعبة باللَّيلِ، فقالوا: إنَّا لا نفتحها باللَّيل، فدخَلَتِ الحِجْرَ فصلَّتْ ولصِقَتْ بالكعبة، وقالت: أخبروه أنّي صلَّيتُ في الكعبة، وهومَلوم.
133 - وعن عُروة بن الزبير، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عَمْرِوبنِ العاصِ: أخبِرْني بأشد شيءٍ صنَعَه المُشرِكونَ بالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قالَ: بينما النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصلِّي في حِجْرِ الكعبة إذ أقبلَ عُقبَةُ بنُ أبي مُعَيطٍ فوضعَ ثَوبَه في عُنُقِه، فَخَنَقَه خَلْقاً شديداً، فأقبل أبوبكرٍ رَضِي الله عنه حتَّى أخذَ بمنكبه ودَفَعَه عن النَّبي الله وقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ} الآية [غافر: ??]. رواه البخارِيُّ.
ولا يبعُد أن يكونَ صَلاتُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ تحتَ الميزاب:
134 ـ فقد رَوَى سعيد بن منصورٍ عن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ قِبْلَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تحتَ الميزاب.
135 - وفي رسالةِ الحَسَنِ البَصرِيٌّ رحمه الله: أَنَّ إسماعيلَ عليه السَّلامُ شَكَى إلى ربِّه حَرَّ مكَّةَ، فأوحى الله تعالى إليه: أنّي أفتح لك باباً من الجنَّةِ في الحِجْرِ يخرُجُ عليك الرَّوحُ منه إلى يوم القيامةِ
136 - وفيها أيضاً: وسمعتُ أنَّ عُثمانَ بنَ عَفَّانَ رَضِي اللَّهُ عَنْه أَقبَلَ ذَاتَ يومٍ فقال لأصحابه: ألا تسألونَ من أينَ جِئتُ؟ قالوا: من أينَ جِئتَ يا أمير المؤمنين؟ قالَ: كنتُ قائماً على باب الجنَّةِ، وكان قائماً تحت الميزاب يدعوالله عنده.
??? - وذكرَ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: أَنَّه يُروى عنه عليه السَّلامُ أَنَّه قال: «ما من أحدٍ يدعوتحت الميزابِ إلا استجيب له» 5).
??? ـ وذكر ابن جماعة عن بعض السَّلَفِ: أَنَّ مَن صلَّى تحت الميزابِ ركعتين، ثم دعا بشيءٍ مئةَ مَرَّةٍ وهوساجد إلا استجيب له.
139 ـ وعن عطاء بن أبي رباحٍ قالَ: مَن قام تحتَ مَثْعَبِ الكعبة ـ أي: مسيلها ـ ودعا استجيب له، وخرج من ذُنوبه كيوم ولدته أمه. أَخْرَجَهُ الأَزْرَقِيُّ.
140 - ويُروى عن أبي هريرةَ، وسعيد بن جبير، وزين العابدين: أنَّهم كانوا يلتزمون ما تحت الميزاب من الكعبة.
141 ـ وقالَ ابنُ إسحاق: إِنَّ إسماعيل عليه السَّلامُ دُفِنَ معَ أُمِّه في الحِجْرِ.
142 - ويُقالُ: إِنَّ مَوضِعَ قَبرِ إسماعيل ما بين الميزاب إلى بابِ الحِجْرِ الغربي. ذكره ابن جماعة.
وفيه إشكالٌ يُمكِنُ دفعه كما لا يَخْفَى.
143 - ورُوِيَ عن ابنِ عباس قالَ: صلُّوا في مُصلَّى الأخيار، واشْرَبُوا من شراب الأبرار، قيل: وما مُصلَّى الأخيار؟ قال: تحت الميزاب، قيل: فما شراب الأبرار؟ قال: زمزم. رواه الفاكهي وغيرُه.
***
فصل
فِي فَضلِ زَمْزَمَ
ويُقال لها: بركة، ومُبارَكة، ومصونة، ومضنونة، وبَرَّة، ونافعة، وكافية، وعافية، وطَعامُ طُعم، وشفاء سقم، وشَرابُ الأبرار، وهزمة جبريل، وشقيا إسماعيل، وكانت تُسمَّى في الجاهليّة شبّاعَةَ العِيال؛ لأنَّهم كانوا يغدون بعِيالهم فيُنيخُونَ عليها فتكونُ صَبوحاً لهم.
144 ـ وقالت أم أيمن حاضِنَةُ رسولِ اللهِ: إِنَّه عليه السَّلامُ ما شَكَى جُوعاً قط ولا عَطَشاً قَطُّ، كانَ يغدوإذا أصبحَ فيشرَبُ من ماءِ زَمَزَمَ شربةً، فَرُبَّما عَرَضْنا عليه الغَداءَ فيقولُ: إِنِّي شَبعَانُ. ذكرَهُ ابنُ جَماعة.
145 ـ وفي الصَّحيح أنَّه لما قدِمَ أبوذرّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ مَكَّةَ لِيُسلِمَ أَقامَ ثَلاثِينَ بين يوم وليلة ليسَ له طَعام إلا زمزم، فسَمِنَ حتّى تكسرتْ عُكَنُ بَطنِه، ولم يجد على بطنه سُخْفَةٌ جُوع.
146 ـ وعن أبي ذرّ عنه عليه السَّلامُ قالَ: «إِنَّها مُبارَكَةٌ، إنَّها طعامُ طُعم». رواه مسلم، ورواه أبوداودَ الطَّيالسي في «مُسنَدِه» وزاد فيه: «وشِفَاءُ سقم»
147 - وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَاءُ زَمْزَمَ لما شُرِبَ له، فَإِنْ شَرِبْتَه تَسْتَشفي به شَفاك الله، وإن شربتَه مُستعيذاً أعاذك الله، وإن شربته لتقطَعَ ظَمَأكَ قطَعَه»، وكانَ ابنُ عَبَّاسٍ إِذا شَرِبَ ماءَ زمزمَ قالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أسألُك عِلْماً نافعاً، ورِزْقاً واسعاً، وشفاء من كل داء.
رَواهُ الدَّارَ قُطنِيُّ، والحاكِمُ في المُستَدرَكِ» وهذا لفظه، وعندَ الدَّارَ قُطنِيُّ بدل. قوله: «وإنْ شَرِبتَه مُستعيداً أعاذَك الله»: «وإنْ شَرِبتَه لشِبَعِك أشبَعَكَ اللهُ». وزادَ: «وهي هَزْمَةُ جبريل، وسُقيا إسماعيل.
وهَزْمَتُها ضَرْبُها برجله فنَبَعَ الماء، وهولا ينافي ما رُوِيَ عن إسماعيلَ بمثله.
148 ـ وعن عبدِ اللهِ بنِ المُؤَمَّلِ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ماءُ زمزَمَ لما شُرِبَ له». رواه أحمد، وابن ماجه، والبَيْهَقِيُّ، وقالَ: إنَّ عبدَ اللهِ بنَ المُؤَمَّلِ تفرَّدَ به وهوضَعِيفٌ.
قال ابن جماعة واقتصَرَ النَّوَوِيُّ في شرح المُهذَّبِ» على ما ذكره من هذا الوَجهِ وضَعَفَه، والأمر كما ذكر، لكن قد صَحَ من وَجهِ آخرَ لم يقف عليه النَّووِيُّ.
149 ـ وهوحديث عبدِ اللهِ بنِ المُبارَكِ أَنَّه أتى ماءَ زمزَمَ فَاسْتَقَى منه شَرْبَةً، ثم استقبل الكعبة، فقالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ ابنَ [أبي] الموالي حدَّثنا عن محمَّدِ بنِ المُنكدر، عن جابر رضي الله تعالى عنه: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: «مَاءُ زَمزم لما شُرِبَ له»، وهذا أَشْرَبُه لعطَشِ يوم ا يوم القيامةِ، ثمَّ شربَ.
أخرَجَه شيخُنا شرَفُ الدِّينِ الدمياطي، وقالَ: إنَّه على رَسْمِ الصَّحيحِ). قُلتُ: وكذا أخرَجَه شيخ مشايخنا شمسُ الدِّينِ محمَّدٌ الجَزَرِيُّ في «الحِصْنِ الحصين»، قال: فصَحَ الحديثُ والحمد الله، انتهى.
وقد ذكره ابنُ القَيِّمُ الجوزِيُّ في زادِ المَعادِ» حيثُ قال: قد ضَعَّفَ هذا الحديث طائفةٌ بعبدِ اللهِ بنِ المُؤَمَّلِ راويه عن محمَّدِ بنِ المُنكَدِرِ، وقد رُوِّينا عن عبدِ اللهِ ابنِ المُبارك رحمه الله تعالى وتبارَكَ: أَنَّهُ لَمَّا حَجَّ أَتَى رَمزَمَ فَقالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ ابنَ الموالي حدثنا عن محمَّدِ بنِ المُنكَدِرِ عن نبيِّكَ أَنَّه قال: «ماء زمزَمَ لما شُرِبَ له»، وإِنِّي أشربه لظمأ يوم القيامة، وابن أبي الموالي ثقةٌ، فالحديثُ إِذن حَسَنٌ، وقد صححه بعضُهم، وجعله بعضُهم موضوعاً، وكلا القولين فيه مُجازَفَةٌ.
وقد جَرَّبْتُ أنا وَغيري من الاستسقاء بماء زمزَمَ أموراً عجيبةً، واستَشْفَيتُ به من عدة أمراض فبرِئتُ بإذن الله تعالى، وشاهَدتُ مَن يتغذَّى به الأيامَ ذَواتِ العَدَدِ قريباً من نصفِ الشَّهرِ أوأكثر، ولا يجدُ جُوعاً، ويطوفُ معَ النَّاسِ كأحدِهم، وأخبرني أنَّه رُبَّما بقي عليه أربعين يوماً، وكان له قُوَّةٌ يُجامِعُ بها أهله ويصوم ويطوفُ مِراراً). ثمَّ قالَ ابنُ القَيِّمِ: وماء زمزَمَ سَيِّدُ المياه وأشْرَفُها، وأجلُّها قَدْراً، وأحبُّها إلى النفوس، وأغلاها ثَمَناً، وأنفَسُها عندَ النَّاسِ، وهوهَزْمَةُ جبريل، وسُقيا إسماعيل، عليهما صلوات الله الجليل الجميل.
150 ـ وثبت في الصحيح عن النبي الله قال لأبي ذَرٍّ وقد أقامَ بينَ الكعبة وأستارها أربعين ما بين يوم وليلةٍ ليس له طَعام غيرُه: «إِنَّهَا طَعامُ طُعم». وزادَ غيرُ مسلم بإسناده: «وشفاء سقم)، انتهى.
وفي مُنتَخَبِ المقاصدِ» لابنِ الرَّبيع: أنَّ حديث ماء زمزم لما شُرِبَ له، رَواهُ ابن ماجه من حديث جابر به مرفوعاً، وسنده ضعيفٌ، وقد رواه الحاكِمُ وقالَ: إِنَّه صحيح الإسنادِ، وقد صحَّحَ هذا الحديثَ ابنُ عُيينةً من المتقدمين، والدمياطي من المُتأخرين، وكذا المُنذِريُّ، وضعَّفَه النَّوَوِيُّ، انتهى.
وقال العسقلاني: رجال الحاكم موثوقون من طريق مُجاهد، إلا أنه اختُلِفَ في وَصْلِه وإرساله.
قلتُ: ويُؤيّد وصله ما جاءَ من الطُّرُقِ الموصولة كما سيأتي، على أنَّ المُرسل حُجَّةٌ عندَنا وعندَ جُمهورِ العُلماء، معَ أَنَّ الضَّعِيفَ يجوزُ به العَمَلُ
في فضائل الأعمال إجماعاً، كيف وقد اعتضد بأحاديث مرفوعة.
151 - منها: ما رَوَى المُستَغفِرِيُّ في الطَّب» عن جابر، ولفظه: «ماء زمزَمَ لما شُرِبَ له، مَن شربَ لمرض شفاه الله، أولجوعِ أَشبَعَه الله، أولحاجةٍ قضاها الله.
152 - ومنها: ما رَوَاهِ الدَّيلَمِيُّ في الفِرْدَوْسِ» عن صفيَّةَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنها: ماء زمزَمَ شفاء من كل داء.
وقالَ الزَّركشي: «ماءُ زمزَمَ لما شُرِبَ له»، رَواهُ ابنُ مَاجَه بسنَدِ جيد، والخطيبُ في التّاريخ» بسنَدِ صححه الدمياطي.
قال السيوطي: وصححه المُنذِريُّ أيضاً، وضعفه النووي، وحسنه ابنُ حجر ـ يعني العسقلاني - لورودِه من طرق عن جابر، ووروده أيضاً من حديث ابن عباس مرفوعاً، أخرجه الحاكِمُ والدَّارَ قُطنِيُّ، ومن حديث عبد الله بن عَمرومَرفُوعاً. أخرَجَه البَيْهَقِيُّ.
وعن مُعاويةَ رَضِي الله عنه موقوفاً أخرجَه الفاكِهِيُّ في «أخبارِ مكَّةَ» (4). وقال السُّيوطِيُّ في «الفَتاوَى الحديثية»: حديث: «ماءُ زمزَمَ لما شُرِبَ له أخرجه ابن ماجه من حديث جابر بإسناد جيد، ورواه الخطيب في تاريخ بغداد بإسنادٍ صحيح، وقد ألَّفَ الحافظ ابن حجر جزءاً في حديث: «ماءُ زمزم»، وحاصل ما ذكره أنَّه مُختلَفٌ فيه، فضَعَّفَه جماعةٌ، وصححه آخَرُونَ، قال: والصَّوابُ أَنَّه حسَن بشواهده.
وذكر شمسُ الدِّينِ العَلْقَمِيُّ تلميذُ السُّيوطي في شرحه على «الجامع الصَّغير»: قال شيخُنا هذا الحديث مشهورٌ على الألسنة كثيراً، واختلف الحفاظ فيه، فمنهم من صححه، ومنهم من حسَّنَه، ومنهم مَن ضعفه، والمُعْتَمَدُ الأول، وجازَفَ مَن قال: حديث: (الباذنجان لما أُكِلَ له) أَصَح منه، فإِنَّ حديثَ الباذنجان موضوع كذِبُ اتِّفاقاً، انتهى.
وقالَ الجزَرِيُّ كما نقله عنه تلميذُه الجلالُ القاينيُّ: وأما حديث الباذنجان فإِنَّه من وَضْعِ الزَّنادِقَةِ ليُوقعوا الطَّعنَ في نُبُوَّةِ مَن لا ينطِقُ عن الهوى، حيثُ كَانَ الباذنجان أضر شيء، وقد نبه على هذا ابن الجوزي في «مَوضُوعاتِه»، انتهى.
153 - وعن ابنِ عُيَيْنَةَ وجاءَه رجُلٌ فقال: يا أبا محمد! الستُم تزعُمُونَ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «ماء زمزم لما شُرِبَ له»؟ قال: بلى، قال: فإني قد شربته، لِتُحدِّثَنِي بمئتي حديثٍ، قال: اقعُدْ، فَحَدَّثَه بها.
قال: وسمعتُ ابنَ عُيِّينَةَ رحِمَهُ اللهُ يقولُ: قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه: اللَّهُمَّ إنِّي أَشْرَبُهُ لظَمَأ يوم القيامةِ. رَواهُ ابنُ عساكر.
وسُمِّيَ زمزَمَ لأَنَّه لما رأتْ هَاجَرُ نبعَ الماء من تحت قدم إسماعيل، وأراد أن يَجرِيَ قالت: بلسان القِبْطِ: زَم زَم؛ أي: قِفْ قِفْ وَالزَمْ.
154 - ورَوَى ابن ماجه والحاكِمُ عن ابنِ عَبَّاس من طريق محمدِ بنِ عبد الرحمن بن أبي بكرٍ: قالَ: كنتُ عندَ ابنِ عباس جالساً فجاءه رجل، فقال: من أين جئتَ؟ قال: من زمزمَ قالَ: فشربت منها كما ينبغي؟ قال: وكيف ينبغي؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل الكعبة واذكُرِ اسم الله وتنفس ثلاثاً من زمزم، وتَضَلَّعُ منها، فإذا فرغت فاحمد الله، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ آية ما بيننا وبين المنافقين لا يتضَلَّعون من ماء زمزَمَ»، واللفظ لابن ماجه، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ورواه الدارقطني أيضاً. ولفظ الجامع الصغير» للسيوطي: «آيةُ ما بيننا وبينَ المُنافقين أَنَّهم لا يتضَلَّعون من زمزَمَ. رَواهُ البُخارِيُّ في تاريخه» وابن ماجه والحاكِمُ عن ابنِ عباس.
155 ـ وعنه أيضاً: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «التَّضِلُّعُ من ماء زمزَمَ براءةٌ مِنَ النِّفاقِ». رَواهُ الأَزرَقِيُّ.
156 - وقال: لا يجتمع ماء زمزم ونارُ َجهَنَّمَ في جَوفِ عبد أبداً». ذكره المُحِبُّ الطَّبَرَى.
157 - ويُروى أنَّ مياه الأرضِ العَذبةَ تُرفعُ قبل يوم القيامةِ غير زمزَمَ. ذكرَه ابنُ جَماعة.
158 ـ وفي صحيح البخاري من حديثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عنهما: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم جاءَ إلى السِّقاية فاستَسْقَى، فقال العبّاسُ: يا فضل، اذهَبْ إِلى أُمِّكَ فأتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها، فقال: «اسقني»، فقال: يا رسولَ اللهِ، إِنَّهم يجعلون أيديهم فيه، قالَ: «اسقِني» فشَرِبَ منه، ثمَّ أَتى زمزَمَ وهم يسقُونَ ويَعْمَلُونَ فيها، فقال: «اعْمَلُوا فإنَّكم على عَمَلٍ صالح»، ثمَّ قَالَ: «لولا أن تُغلَبُوا لَنَزَلتُ حتَّى أضع الحبلَ على هذه»؛ يعني: عاتقه.
وفي رواية: وأشار إلى عاتقه.
وفي أُخرى: قالَ العبّاسُ: إِنَّ هذا شراب قد مُغِثَ ومُرِثَ، أفلا نسقيكَ لبَناً وعَسَلاً؟ فقالَ: «اسقُونا ممَّا تسقُونَ منه النَّاسَ». أخرَجَها الأزرَقِيُّ، ورَوَى معناها سعيد بن منصورٍ.
وفي رواية قال: «اسقُوني منَ النَّبيذ، فقالَ العَبَّاسُ: هذا شَرَابٌ مُغِثَ وَمُرِكَ وخالطته الأيدي، ووقع فيهِ الذُّبابُ، وفي البيتِ شراب هوأصفى منه، فقال: «منه فاسقني»، فسقاه منه. والنَّبيذُ الذي كانَ في سقاية العبَّاس رَضِيَ اللهُ تعالى عنه نقيعُ زبيب. ذكره ابنُ جَماعةَ، ولعلَّ الرَّوايتينِ محمولتان على القضيَّتَينِ.
159 ـ وعن عكرمة مولى ابن عباس: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يومَ طَافَ بالبيتِ أتى عباساً فقالَ: «اسقُونا»، فقال العبّاسُ: ألا نسقيكَ يا رسول الله من شراب صنعناه في البيتِ، فإنَّ هذا الشَّراب قد لوّثَته الأيدي؟ فقال عليه السَّلامُ: «اسقوني ممَّا تسقونَ النَّاسَ»، فسَقَوه، فرش بينَ عَينَيه، فدعا بماءٍ فصبَّه عليه، ثمَّ شَرِبَ، ثمَّ دعا بماءٍ أيضاً، فصبَّه عليه، ثمَّ شرِبَ، وكانَ ذلك الشَّرابُ في الأسقيةِ. رَواهُ عبدُ الرَّزَّاقِ.
160 ـ عن جابر: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَمَلَ ثلاثة أطوافٍ من الحَجَرِ إلى الحَجَرِ، وصلى ركعتين، ثمَّ عادَ إلى الحَجَرِ، ثمَّ ذهَبَ إلى زمزَمَ فَشَرِبَ منها، وصبَّ على رأسه، ثم رجع فاستَلَمَ الرُّكنَ، ثمَّ َرجَعَ إلى الصَّفا، فقالَ: «أبدَأُ بما بدأ اللهُ عزَّ وجلَّ». رواه أحمد.
قال ابن جماعة: وليس بصحيح، والمعروف في «صحيح مسلم» من حديث جابر الطَّويلِ: أنَّه عليه السَّلامُ بعد ركعتي الطوافِ رَجَعَ إلى الرُّكنِ فاستلمه، ثمَّ خرَجَ إلى الصَّفا.
161 ـ وفي حديث جابر الطويل هذا أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَكِبَ فَأَفاضَ إلى البيت فصلّى بمكَّةَ الظُّهر، فأَتَى بني عبدِ المُطَّلِبِ يسقُونَ على زمزَمَ، فَقالَ: لولا أن يغلِبَكُم النَّاسُ على سقايتكم لنَزَعْتُ منكم»، فناوَلُوه دَلواً فشَرِبَ منه. وقالَ ابنُ السَّكَنِ: إِنَّ الذي نزَعَ له الدلوالعباس بن عبد المطلب.
162 - وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه جاء إلى زمزَمَ فَنَزَعُوا له دَلْوا، فَشَرِبَ ثُمَّ مج في الدلو، ثمَّ صَبُّوه في زمزم، ثمَّ قال: «لولا أن تُغلَبُوا عليها لتَزَعْتُ بيدي». رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ وغيره.
وفي رواية لأحمدَ: أَنَّهم لمَّا نَزَعُوا الدَّلوغسَلَ منه وجهَه، وتمَضْمَضَ منه، ثمَّ أعاده فيها.
163 - وعن ابنِ جُرَيجِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَزَعَ لنفسِه دَلُوا فَشَرِبَ منه، وصَبَّ على رأسه. رواه الواقِدِيُّ.
ويُجمَعُ بينَ الرِّوايتَينِ بِالحَمْلِ عَلَى المُرَّتَينِ.
164 - وعن ابنِ عباسٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم شَرِبَ من زمزَمَ من دَلْومنها وهوقائمٌ. رَواهُ ابنُ عَدِيٌّ والخطيبُ.
165 - وعن عليٍّ رَضِي الله عنه قالَ: أَفاضَ النَّبِيُّ عليه السَّلامُ فَدَعَا بِسَجْلِ من ماء زمزم، فتوَضَّأَ ثمَّ قالَ: «انزعوا من سقايتكم، ولولا أن تُغلبوا عليها لنَزَعْتُ معكم. رَواهُ الأَزرَقِيُّ.
166 - وعن ابنِ عَبَّاسٍ قالَ: ضَعْ دلوَكَ من قِبَلِ العَينِ التي تلي البيت أوالرُّكنَ؛ فإنَّها من عُيونِ الجنَّةِ. رَواهُ ابنُ أَبي شيبة.
167 ـ وعن مَعْمَرٍ قالَ: سَقَطَ رجلٌ في زمزَمَ فمات فيها، فأمرَ ابنُ عبَّاسٍ أَن تُسَدَّ عُيونُها وتُنزَحَ، قيل له: إنَّ فيها عيناً قد غلبتنا، قالَ: إنَّها من الجنَّةِ، فأعطاهُم مطرفاً مِن خَز فحشَوه فيها، ثمَّ نُزِحَ ماؤُها، حتَّى لم يبقَ فيها نتن. رَواهُ عبدُ الرَّزَّاقِ.
168 - ويُروَى في بعض الكتُبِ المُنزَّلَةِ: زمزَمُ لا تَنْزِفُ، ولا تُدَمُّ، ولا يفد إليها امرؤٌ ويتَضَلَّعُ منها رَيَّاً ابتغاء برَكتها إلا خرجَتْ منه مِثْلَي ما شرِبَ من الدَّاءِ، وأحدَثَت له شفاء، والنَّظَرُ إليها عبادةٌ، والطُّهورُ منها يُحيطُ الخطايا، وما امتلأَ جَوفُ عبد من زمزَمَ إلا ملاهُ اللهُ عِلماً وبِرَّاً. ذكره ابنُ جَمَاعَةَ.
169 ـ وعن عبدِ اللهِ بنِ زُرَيرِ الغافقي قال: سمعتُ عليَّ بن أبي طالب رَضِي الله عنه يقولُ: بينَا عبد المُطَّلبِ نائم في الحِجْرِ أُتِي، فقيل له: احفِرْ برَّةَ، فقال: وما برَّةُ؟ ثم ذهب عنه، حتَّى إذا كانَ الغَدُ نامَ في مَضجَعِه ذلك، فأُتِيَ فقيل له: احفرِ المَصونَةَ، قال: وما المصون؟ ثُمَّ ذَهَبَ عنه، حَتَّى إِذَا كَانَ الغَد عاد فامَ في مَضجَعِه ذلك، فأُتِيَ فقيل له: احفِرْ طَيبَةَ، فقال: وما طيبة؟ ثم ذهب عنه، فلمَّا كانَ الغَدُ عادَ لمَضجَعِه فنامَ فيه، فأُتِيَ فقيل له: احفر زمزَمَ، قال: وما زَمزَمُ؟ فقال: لا تَنْزِفُ ولا تُذَمُّ، ثمَّ نعَتَ له مَوضِعَها.
فقامَ يحفِرُ حيثُ نعتَ له، فقالت له قُرَيس: ما هذا يا عبدَ المُطَّلِبِ؟ فقالَ: أُمِرْتُ بِحَفْرِ زمزم، فلمَّا كَشَفَ عنه وبصُروا بالطَّيِّ قالوا: يا عبدَ المُطَّلبِ! إِنَّ لنا حقاً فيها معك، إِنَّهَا لبئر أبينا إسماعيل، فقال: ما هي لكم، لقد خُصِصْتُ بها دونكم، قالوا: أَتُحاكِمُنا؟ قالَ: نعم، قالوا: بيننا وبينك كاهنة بني سعد بن هذيم، وكانت بأشرافِ الشَّامِ.
تحرفت في «ن» و «ج» إلى: «العاتقي»، وفي «م» إلى: «النافقي». والصواب المثبت، وهوعبد الله بن زُرَيْرِ الغافقي المِصْرِيّ، روى عن علي وعمر، وعنه أبوالخَيْر مرتَد اليزني، وأبوالفتح الهمداني، وغيرهما، توفي في خلافة عبد الملك سنة إحدى وثمانين، وقيل: سنة ثمانين. انظر: «تَهذيب التَّهْذِيب».
فرَكِبَ عبد المُطَّلِبِ فِي نَفَرٍ من بني أُمَيَّةَ، ورَكِبَ من كلِّ بطنٍ من أحياء قُريش نفر، وكانت الأرضُ إذ ذاك مَفاوِزَ فيما بينَ الحِجازِ والشَّامِ، حَتَّى إذا كانُوا بمفازة من تلك البلادِ فني ماء عبدِ المُطَّلبِ وأصحابه، حتَّى أيقنوا بالهلَكَةِ.
ثمَّ استَقَوا القَومَ، فقالُوا: ما نستطيع أن نسقيكُم، وإِنَّا نخافُ مثل الذي أصابكم، فقال عبد المُطَّلبِ لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إِلَّا تَبَع لرأيك، قال: فإنِّي أرى أن يحفِرَ كل رجل منكم حُفَرَتَه، فكلما مات رجُلٌ منكم دفعه أصحابه في حُفْرَتِه حتى يكونَ آخرُكم يدفَعُه، صاحبُه، فضَيعةُ رجُلٍ أهوَنُ من ضَيعة جميعِكم، فَفَعَلُوا، ثمَّ قالَ: واللهِ إِنَّ إلقاءَنا بأيدنا [هكذا] للموتِ لا نضرِبُ في الأرضِ ونبتغي لعلَّ اللَّهَ أَنْ يسقينا [عجز]، فقال لأصحابه: ارتحلوا، فارتحَلُوا، فلمَّا جَلَسَ على ناقتِه وانبعَثَتْ به انفجرَتْ عيون تحتَ خُفّها بماءٍ عَذْبِ، فأناخَ وأناخَ أصحابه، فشَرِبُوا واستقوا وأسقَوا، ثمَّ دعوا أصحابهم: هلموا إلى الماء، فقد سقانا الله تعالى، فجاؤُوا واستَقَوا وسقوا، ثم قالوا: يا عبد المُطَّلبِ، قد والله قضى لك، إنَّ الذي سقاك الماء بهذه الفلاةِ لهوالذي سقاك، زمزَمَ، انطلق فهي لك، فما نحنُ مخاصِمِيكَ.
أن أشربَ حتَّى أخرج منها ـ أي: من مكة ـ غيره، والذي نفسُ وَهْبٍ بيده إنَّها لفي كتابِ اللهِ برَّةٌ، وشراب الأبرار، وإنَّها لفي كتابِ اللهِ مَصونةٌ، وإِنَّها لفي كتاب الله طعامُ طعم، وشفاء سقم، والذي نفسُ وهب بيده لا يعمد إليها أَحَدٌ فيشربَ حَتَّى يَتضَلَّعَ إِلا نزَعَتْ منه داءً، وأحدَثَت له شفاء. رواه سعيد بن منصور.
??? - وعن ابن عبّاسٍ رَضِيَ الله تعالى عنهما: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الحُمَّى من فَيحِ جهنَّمَ، فأبرِدُوها بماء زمزم»، رواه أحمد، وأبوبكر بن أبي شَيْبَةَ، وابنُ حِبَّانَ في (صحيحه».
??? - وعن ابن عباس قال: كانَ أهلُ مكَّةَ لا يُسابِقُهم أحَدٌ إلا سبقوه، ولا يُصارعُهم أحد إلا صَرَعُوه، حتَّى رغبوا عن ماء زمزَمَ فأصابهم المَرَضُ في أرجلهم. أخرَجَه أبوذر الهروي
173 ـ وعن عائشةَ رَضِي الله عنها: أنَّها كانت تحمِلُ ماءَ زمزَمَ، وتُخبِرُ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَحمِلُه. رواه الترمذِيُّ.
174 ـ وعن ابنِ أبي حُسَينِ قال: بعثَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى سُهَيلِ بنِ عَمْرٍويستَهدِيه من ماء زمزَمَ، فَبَعَثَ إِليه براويتَينِ. أَخرَجَه الأَزْرَقِيُّ.
175 ـ وذكر الواقِدِيُّ أنَّ كعب الأحبارِ حمَلَ مِن ماءِ زمزَمَ اثْنَتَي عشرَةَ راويةً إلى الشام.
176 - وعن أمّ معبد قالت: مرَّ بي بخَيمَتي غُلامُ سُهَيْلٍ أُزِيهِرُ ومَعَه قُرَبَنَا مَاءٍ، فقلتُ: ما هذا؟ قالَ: إِنَّ النَّبِيَّ لا كَتَبَ إِلى مَولايَ سُهَيل يستهديهِ مَاءَ زَمَزَمَ، فأنا أُعجِّلُ السَّير لكيلا تنشف القِرَبُ. ذكره الفاكِهِيُّ في «تاريخ مكَّةَ» (?2).
??? - وعن عليّ كرَّمَ اللهُ وجهَه أَنَّه قال: خير بئرٍ في الأرضِ زمزم، وشر بئرٍ في الأرضِ بَرَهُوتُ، تجتمع فيه أرواحُ الكفَّارِ. رَواهُ عبدُ الرَّزَّاقِ.
وبَرَهُوتُ - بفتح الباء الموحدةِ والرَّاءِ: بئر عتيقة بحضرموت، لا يُستَطاعُ النُّزولُ إلى قعرِها، ومُقتَضَى المُقابلة بين البئرين: أنَّ أرواح الأبرار تجتَمِعُ في بئر زمزم. والله أعلَمُ.
فصل
في فضل السِّقاية
قال الله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجَ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ} [التوبة: 19].
??? ـ عن النعمان بن بشيرٍ رضي الله تعالى عنهما قال: كنتُ عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: ما أُبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أسقي الحاج، وقال الآخرُ: ما أُبالي أن لا أعمَلَ عَمَلاً بعد أن أُعمّر المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيلِ اللهِ أَفضَلُ ممَّا قلتُما، فزَجَرَهُم عُمَرُ وقالَ: لا ترفَعُوا أصواتكم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهويوم الجمعة، ولكن إذا صلَّيتُ دخَلْتُ فاستَفْتَيتُ رسولَ الله عليه السَّلامُ فيما اختلفتم فيه، ففعل، فأنزلَ اللهُ تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجَ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} الآية. رواه أبوداود.
??? ـ وعن عليّ قالَ: قلتُ للعبَّاسِ: سَلْ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحِجابةَ، فقال: أُعطيكم ما هوخَيرٌ لكم منها، السِّقاية لا تَرْزَؤُكُم ولا تَرْزَقُونَها. رواه ابن سعد، والبزار، وابنُ جَرِيرٍ، وصححه.
??? - وعن ابن عبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما قال: طافَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بالبيتِ ثُمَّ أتى السقاية فقالَ: «اسقُوني»، فقال له ابنُ عبَّاس: ألا نخوضُ لك سُوَيقاً؛ فإِنَّ هذا يتناول منه النَّاسُ؟ قالَ: «اسْقُوني ما شرب منه النَّاسُ». رواه البزار.
181 ـ وفي حديثِ مُسلم عن بكرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزني قالَ: كنتُ جالساً معَ ابنِ عباس عندَ الكعبة، فأتاه أعرابي فقال: ما لي أرى بني عمكُم يسقونَ العَسَلَ واللَّبَنَ، وأنتم تسقُونَ النَّبيذ؟ أمن حاجةٍ بكم، أم من بُخلِ؟ فقالَ ابنُ عبَّاس: الحمدُ اللهِ، ما بنا حاجةٌ ولا بُخل، قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم على راحِلَتِه وخلفه أسامة فاستَسْقَى، فأتيناه بإناءٍ من نبيذ، فشَرِبَ وسقى فضله أسامة، وقال: «أحسَنتُم وأجمَلتُم، كذا فاصنَعوا»، فلا نُريدُ تغيير ما أمر به رسول الله
??? ـ وعن أبي مَرْفوعاً: «أَنَّ جبريلَ لمَّا وَكزَ زَمْزَمَ بِعَقِبِهِ جَعَلَت أُمُّ إسماعيلَ تجمَعُ البطحاء، رحِمَ اللهُ هَاجَرَ لوتركتها كانت عيناً معيناً. رَواهُ النَّسَائِيُّ وغيرُه. 183 - وعن ابنِ عبّاسٍ مَرفُوعاً: خيرُ ماءٍ على وَجْهِ الْأَرْضِ مَاءُ زَمَزَمَ، وشَرُّ ماء على وَجْهِ الأَرضِ ماءً بوادي بَرَهُوتَ بقبَّةِ حضْرَمَوتَ.
184 - وعن ابن عبّاسٍ رَضِي الله عنهما: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَتى السِّقاية وقالَ: اسقُوني منها دَلواً»، ثمَّ قالَ: «لولا أَنَّ النَّاسَ يَتَّخِذونَه نُسُكاً ويغلبونكم عليه لنَزَعْتُ معكم». رواه أحمد.
@
فصل
في فَضْلِ مَواضِعَ حَوْلَ الكَعْبَةِ:
185 - عن ابنِ عباس رضِيَ اللهُ تعالى عنهما، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: أن جبرائيل عليه السَّلامُ أمّ به حينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ عند باب الكعبة مرتين، يعني الصَّلوات الخمس في يومَينِ. رَواهُ الشَّافِعِيُّ بإسنادٍ حَسَنٍ.
وأصل الحديث في الصحيح.
186 ـ وفي كتابِ الأزرقي»: أنَّ آدمَ عليه السَّلامُ طَافَ بالبَيتِ سبعاً حينَ نَزَلَ، ثمَّ صلَّى وجاه الكعبة ركعتين. الحديث.
187 ـ وفي الصَّحيح أنه عليه السَّلامُ لمَّا خَرَجَ من الكعبةِ رَكَعَ قُبُلَ البيتِ وقال: «هذه القبلة».
و (قبل البيت) بضمتين وجهه، ويُطلَقُ على جميع الجانب الذي فيه الباب،
وقد ورَدَ تفضيل وجه الكعبة على غيره من الجهات، قال تعالى: {وَلِكُلّ وِجْهَهُ هُومُوَلِهَا
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148].
??? ـ وعن ابنِ عباس أنَّه قال: البيتُ كلُّه قبلةٌ، وهذا قبلته، يعني البابَ. أخرَجَه سعيدُ بنُ مَنصورٍ.
189 ـ وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمروبن العاص قالَ: البيت كله قبلةٌ، وقبلته وجهه، فإِنْ أَخطأَكَ وجهه فقبله النبي، وقبله النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ما بين الميزابِ إلى الرُّكنِ الشَّامِي. أخْرَجَه الأزرَقِيُّ. وأراد بقبليه: قبلته بالمدينة الشريفة"، وذكرَ الأَزْرَقِيُّ في موضع آخرَ أَنَّ قولَه:
(وقبلةُ النَّبِيِّ ... ) من قول سفيانِ بنِ عُيينَةَ أحدٍ رُواة الحديثِ.
190 - وعن ابنِ عُمَرَ: البيتُ كلُّه قبلةٌ، وقبلته وجهه، فإن فاتك ذلك فعليك بقبلة النَّبيِّ عليه السَّلامُ تحتَ الميزابِه. أَخْرَجَه سعيدُ بنُ مَنصورٍ.
??? - قالَ ابنُ المُنذِرِ: وقال عمروبن عليّ عن [أبي] عاصم بإسناده [عن ابن عمر] قال: ثمَّ خَرَجَ ـ يعني النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم - من الكعبة فصلى ركعتين بين الحجر والبابِ. قال عز الدين بن جماعة: لا أدري هل هوبين الحَجَرِ ـ بفتح الحاء ـ أوالحجر ـ بكسر الحاء.
??? ـ وقال ابنُ إسحاقَ في «سيرته»: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصلِّي بينَ الرُّكَنَينِ اليَمَانِيِّين.
193 - وفي كتابِ الأزرقي»: أنَّ آدمَ عليه السَّلامُ ركع إلى جانبِ الرُّكنِ اليماني.
وقالَ الشَّيخُ عِزُ الدِّينِ ابنُ عبدِ السَّلامِ: إِنَّ الحُفْرَةَ المُلاصِقَةَ للكعبة بينَ الباب والحجر هي المكانُ الذي صلّى فيه جبرائيل عليه السَّلامُ بالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّلواتِ الخَمْسَ في اليَومَينِ حينَ فرضَها الله تعالى على أُمَّتِه.
قالَ ابنُ جَماعة: ولم أرَ ذلك لغَيرِه، وفيه بُعد؛ لأنَّ ذلك لوكان صحيحاً لنبَّهوا عليه بالكتابة في الحُفرةِ، ولَمَا اقتصروا على التنبيه على مَن أُمِرَ بِعَمَلِ المَطَافِ. انتهى. وغَرابته لا تَخْفَى؛ إذ لا يلزمُ من ثُبوتِ رِوايته التَّنبيه للنَّاسِ بكتابته، ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ على من لم يحفظ في درايته، على أنَّ مجرَّدَ الكتابة لا تُثْبِتُ شيئاً من الكتابة الأحكام، كما لوكُتِبَ الوقفُ على باب الدَّارِ) للإعلام، نعم يقال له: معجنةُ إبراهيم عليه السلام، ولا منع من الجمع في هذا المقام، والله تعالى أعلَمُ بحقيقة المرام.
فصل
في فَضْلِ النَّظر إلى الكعبة
194 ـ عن عائشةَ رَضِي الله عَنها مَرفُوعاً: «النَّظَرُ إلى الكعبة عبادة». رَواهُ أبوالشيخ.
195 - ورُوِيَ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قالَ: «النَّظَرُ إلى البيتِ الحرامِ عِبادةٌ». أخرَجَه ابن الجوزي.
196 - وعن ابن عبّاسٍ رَضِي الله عنهما قالَ: النَّظَرُ إلى الكعبة مَحضُ الإيمانِ. رَواهُ الجَنَدِيُّ.
15 ـ وفي رسالة الحسَنِ البَصري رحمه الله: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَن نظَرَ إلى البيت إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذَنبِه وما تأخَّرَ، وحُشِرَ يومَ القيامةِ من الآمنين».
??? ـ وفيها أيضاً: عنه عليه السَّلامُ مَن نظَرَ إلى البيتِ نظرةً من غيرِ طواف ولا صلاةٍ كانَ عند الله أفضل من صلاةِ سنةٍ بغير مكَّةَ صائماً وقائِماً وراكِعاً وساجداً.
199 - وعن عطاء قالَ: النَّظَرُ إلى البيت الحرام عبادة، فالنَّاظِر له بمنزلة الصَّائم القائم الدائمِ المُخبِتِ المُجاهد في سبيل الله تعالى
200 ـ وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ قالَ: مَن نظَرَ إلى الكعبة إيماناً وتصديقاً خرَجَ من ذنوبه كيوم ولدته امه. رواهما الأزرقي.
??? - وقد تقدَّمَ حديث ابنِ عباس وغيره: أَنَّ اللهَ تعالى يُنزِلُ كلَّ يومٍ وليلةٍ على البيت عشرين رحمةً للناظرين.
202 ـ وعن سعيد بنِ المُسَيَّبِ: مَن نظَرَ إلى الكعبة إيماناً وتصديقاً تتَحاتُ ذُنوبه كما تتَحاتُ الوَرَقُ عن الشَّجرِ. أَخرَجَه الجندِيُّ. ونقَلَ ابنُ الجَوزِيِّ مثله عن قول أبي السَّائبِ المَدَنِيُّ.
??? - وعن ابنِ الزُّبَيرِ: «إِنَّما سُمِّيَ البيتُ عَتيقاً لأَنَّ اللهَ تعالى أعتقه من الجبابرة، فلم يظهَرْ عليه جبَّارٌ قطُّ». رواه الترمذي والحاكم والبيهقي.
204 - وعن ابنِ عَبَّاسٍ: «أَوَّلُ بُقعةٍ وُضِعَتْ من الأَرضِ مَوضِعَ البيتِ ثُمَّ مُدَّت منها الأرضُ، وإِنَّ أَوَّلَ جَبَلٍ وضعَه الله تعالى على وجهِ الأَرضِ أبوقُبَيسٍ، ثمَّ مُدَّت منه الجبالُ». رَواهُ البَيْهَقِيُّ.
205 ـ وعن عائشة: دَثَر مكان البيت فلم يحجه هودٌ ولا صالح حتّى
بوأه الله لإبراهيمَ. رَواهُ الزبير بن بكارٍ في «النَّبِ».
206 - وعن [الوَضِينِ بنِ عطاءٍ مُرسَلاً: مَن أَكرَمَ القِبْلَةَ أَكرَمَهُ اللهُ تعالى. أَخْرَجَهُ الدَّارَ قُطنِيُّ.
??? - وعن عياش بن أبي ربيعة مرفوعاً: «لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحُرمَةَ حق تعظيمها، وإذا ضَيَّعوا ذلك هَلَكوا». رواه ابن ماجه والطبراني عن ابن عباس.
فصل
في فَضْلِ السَّعِيَ
مجموع من الملاعلى القاري
قالَ اللهُ تعالى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَارِ اللَّهِ؛ أي: من مَعالِمِ دينه التي جعَلَها لعباده يعبدونَها عندَه وَفْقَ مُرادِه.
??? - وعن أنس رضي الله تعالى عنه أَنَّه قالَ: إِنَّ الطَّوافَ بينَ الصَّفا والمروة يعدل سبعين رقبةً. رواه سعيد بن منصور، وهذا موقوف مبنى، ومرفوع معنى
??? - وعن ابنِ عُمَرَ مَرفوعاً: مَن سعَى بينَ الصَّفا والمروةِ ثَبَّتَ اللهُ قدَمَيه على الصِّراطِ يومَ تَزِلُّ فيه الأقدامُ». رَواهُ الدِّيلَمِيُّ.
واختلف في أَنَّ الصَّفا أفضَلُ أم المروةُ، فمالَ الشَّيخُ عز الدين بن عبد السلام إلى أنَّ المروة أفضَلُ من الصَّفا؛ لأنَّ نُزُورَها من الصَّفا أربعاً، ونُزُورُ الصَّفا منها ثلاثاً، وما كانَتِ العبادة فيه أكثر فهوأفضَلُ، وتبعه في ذلك الشَّيخُ شهابُ الدِّينِ القَرافِيُّ المالكي.
قالَ عِزُ الدِّينِ بنُ جَماعةِ: وفيه نظر، ولوقيل بتفضيل الصَّفا لأنَّ الله تعالى بدأ به لكان أظهر، وكذا لوقيل بتفضيل المَروَةِ لاختصاصها باستحبابِ النَّحْرِ والذَّبحِ بها في العُمرَةِ دُونَ الصَّفا لكانَ أظهرَ ممَّا قالاه، والله تعالى أعلَمُ.
وقد روي مرفوعاً من حديث أنس وابن عمر رَضِي الله عنهم ضمن حديث طويل، وقد تقدمت قطعة منه مع تخريجه مفصلاً في أول فصل: فضلِ المَقامِ المَنسوب إلى إبراهيم عليه السَّلام).
210 - ثمَّ اعْلَمْ أَنَّه رَوَى أحمد وابن ماجه - وهذا لفظه ـ عن المُطَّلِبِ بن أبي وداعة قال: رأيتُ رسول الله الله حين فرغ من سعيه جاءَ حَتَّى حاذى الرُّكنَ فصلَّى ركعتين في حاشيةِ المَطافِ، وليس بينه وبينَ الطَّائفينَ أَحَدٌ.
ورَواهُ ابنُ حبَّانَ فقال: رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصلّي حَذْوالرُّكنِ الأسودِ والرِّجالُ والنِّسَاءُ يَمُرُّونَ بين يديه، وما بينه وبينهم سُترَةٌ.
211 ـ وعنه أيضاً: أنَّه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يُصلِّي ممَّا يلي بابَ بني سَهْم، والنَّاسُ يمُرُّونَ بين يديه، وليس بينهم سُتَرَةٌ.
وفي رواية: ليس بينه وبين الكعبة سُترةٌ. أَخْرَجَه أحمد وغيره.
وباب بني سهم هوالذي يُقال له اليوم: باب العُمرة.
وقد ذكرَ ابنُ جماعةَ عن ابنِ ماجه أنَّه قال: هذا بمكَّةَ خاصَّةٌ.
يعني: جواز عدَمِ السُّترةِ مُختَصُّ بالمسجدِ الحرامِ، لَكِنْ ليس كما يزعُمُ بعضُ العوام من جواز المُرورِ بين يدي المُصلِّي مُطلَقاً في ذلك المقامِ؛ إذ الأحاديثُ الواردةُ في ذمّ المُرورِ من الأمرِ العام، نعم يُفيدُ أنَّ المُرورَ جائز فيما وراءَ مسجدِ المُصلِّي، ويستوي فيه الصَّحراء والمسجد الكبيرُ، على اختلاف في المسجدِ الصَّغير، حيثُ قال بعضُ عُلَمائِنا فيه: إِنَّه يحرُمُ بينه وبين ما انتهى بصره ناظراً إلى مسجده.
فصل
في فَضْل المسجد الحرام
??? ـ عن ابنِ عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً: «أَنَّ اللهَ تعالى يُنزِلُ على هذا المسجد مسجد مكة في كل يوم وليلة عشرين ومئة رحمة، ستين للطَّائفين، وأربعين للمُصلِّين، وعشرين للناظرينَ. رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ في «الكبير»، والحاكم في «الكنى».
??? - وعن ابنِ الزُّبَيرِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «صلاةٌ في مَسجدي هذا أفضَلُ من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجدِ الحرام أفضَلُ من مئةِ صَلاةٍ في مسجدي». رواه أحمدُ بإسنادِ على رَسْمِ الصَّحِيحِ، وابنُ حِبَّانَ في (صحيحه، وصححه ابنُ عبد البر، وقالَ: إِنَّه الحجَّةُ عندَ التَّنازُعِ.
ورُوِيَ حديثُ ابنِ الزُّبيرِ هذا موقوفاً عليه، ومَن رفعه أحفَظُ وأَثْبَتُ من جهة النَّقل كما قاله ابنُ عبدِ البر.
214 - وروى ابن ماجه معناه، لكن من حديث جابر مرفوعاً، وإسناده صحيح.
215 - ورواه ابن عبد البر من حديث جابر، وقال: أخرَجَ البزار عن أم الدَّرداءِ رَضِي الله عنها قالت: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «فَضْلُ الصَّلاةِ فِي المَسجِدِ الحرام على غيره بمئة ألف صلاة، وفي مسجدي بألف صلاة، وفي مسجدِ بيت المقدس خمس مئة صلاة». وحسنه البزار.
وقال ابنُ عبدِ البر: إنَّ هذا نص في موضع الخِلافِ قاطع له عند من أُلهِم رُشده، ولم تمِل به عَصَبيَّتُه.
وقالَ: إِنَّ مُضاعَفَةَ الصَّلاةِ بالمسجد الحرام على مسجدِ النَّبيِّ عليه الصلاة والسَّلام بمئة صلاةٍ مَذهَبُ عامَّةِ أهل الأثر.
وقال المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بعد أن حكَى خِلافَ العُلماء في مكانِ المُضاعَفَةَ، ورَبَّحَ أَنَّه مسجد الجماعةُ:
فإن قيل: قد ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أَنَّ حَسَناتِ الحَرَمِ كلها الحسنةُ بمئة ألف، فعلى هذا يكون المراد بالمسجد الحرام في حديث الاستثناء الحرم كلَّه.
قلنا: نقولُ بمُوجبِ حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما: إِنَّ حسنةَ الحَرَمِ مُطلَقاً بمئة ألفٍ، لكنَّ الصَّلاةَ في مسجدِ الجماعةِ تَزيدُ على ذلك، ولذا قالَ: «بمئة صلاة في مسجدي»، ولم يقل: حسنة، وصلاةٌ في مسجده بألفِ صلاةٍ، كلُّ صلاةٍ بعشرِ حَسَناتٍ، فتكونَ الصَّلاةُ في مسجده عليه السَّلامُ بعشرة آلافِ حَسَنةٍ، وتكونُ في المسجد الحرام بألف ألف حسنة.
وعلى هذا تكونُ حسَنةُ الحرَمِ بمئة ألف، وحسنةُ المسجد الحرام بألف ألف، إمَّا مسجد الجماعة، وإمَّا الكعبةُ، على اختِلافِ القَولَينِ، ويُلحَقُ بعضُ الحسناتِ ببعض، أويكون ذلك مُختصاً بالصَّلاةِ لخاصَّيَّةٍ فيها. واللهُ أَعْلَمُ، انتهى.
ولا يخفى أنَّ القول باختصاص الصَّلاةِ في مسجدِ الجماعةِ هوالظَّاهِرُ، ويبعُدُ حمله على الكعبة؛ لأنَّه عليه السَّلامُ عَلِمَ أَنَّ بابَهَا مُعْلَقٌ على الدَّوامِ، والنَّاسُ محرومونَ عن أداءِ الصَّلاةِ في الجماعةِ فيها سائِرَ الأَيَّامِ، والله أعلَمُ بحقيقةِ المَرامِ. قالَ ابنُ جَماعة: وما ذُكِرَ يحصُلُ بصلاةِ المُنفَرِدِ، وَتَزيدُ الحسنات بصلاة المكتوبة في الجماعات، على ما ورد به عنه عليه الصَّلاة والسَّلامُ من صحيح الروايات.
216 ـ جاءَ في الآثارِ: أَنَّ الله تعالى ينظُرُ في كل ليلة إلى أهل الأرض، وأَوَّلُ مَن ينظر إليه من أهل الأرض أهل الحرم، أهل المسجد الحرام، فمن رآه طائفاً غفَرَ له، ومَن رآه مُصلِّياً غفَرَ له، ومَن رآه مُستقبلاً غفَرَ له. أورَدَه الغَزالي، وسكت عنه العراقي.
??? - وعن عمروبن دينارٍ: أَنَّه لم يكُنْ حَولَ البيتِ حِدارٌ، حَتَّى كَانَ عُمْرُ رضِيَ الله تعالى عنه فبنى حوله حائِطاً جداره قصير، فبناه ابنُ الزُّبيرِ. رَواهُ البُخارِيُّ.
??? - وقد ثبَتَ بطُرُقٍ مُتعدّدةٍ مرفوعاً: «لا تُشَدُّ الرّحالُ إِلَّا إِلى ثلاثة مساجدَ، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى».
فصل
فِي فَضْلِ مَكَّةَ
مجموع اسم الملا على القاري
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ عَامِنَا} [إبراهيم: 35]، وفي آيةٍ أُخرَى: هَذَا بَلَدًاءَ امِنًا} [البقرة: 126]، والأوَّلُ قبل العمارة، والثاني بعدها. ??? ـ قال مُجاهدٌ وغيره من العُلماء: إنَّ الحاج إذا قدِمَ إلى مكَّةَ تلقتهُمُ الملائكة، فسلَّموا على رُكبانِ الإبل، وصافَحُوا رُكبانِ الحُمُرِ)، واعتَنقُوا المُشاةَ اعتناقاً. أورَدَه الغَزالي.
??? - وعن ابنِ عَمْرٍومَرفُوعاً: «مكة حرام، وحرام بيع رباعها، وحرام أجرُ بيوتها».
221 ـ وعنه أيضاً: مَن أكل من أُجور بيتِ مَكَّةَ شيئاً فإنَّما يَأْكُلُ ناراً. رَواهُ الدِّيلَمِيُّ ولعله محمول على أيام الموسم.
??? - وقال ابنُ إسحاقَ: حُدِّثنا أنَّ قُرَيشاً وجَدَت في الرُّكن كتاباً بالسريانية، فلم يُدرَ ما فيه، حتّى قرأه رجلٌ من اليهود، فإذا فيه: أنا الله ذوبكَةَ، خلقتُها يومَ خلقتُ السَّماواتِ والأرضَ، وصوّرتُ الشَّمسَ والقَمَرَ، وحفَفْتُها بسبعة أملاك حنفاء، ولا تزول حتّى يزول أخشَبَاها، مُبارَكةُ لأهلها في الماءِ واللَّبنِ. وأخشباها: جَبَلاها أبوقبيس وقعيقعانُ، ويُقال له: الأحمر، ومكَّةُ بينَ هذين الجبلين.
223 ـ وفي الصَّحيح: أنَّه ليس من بلد إلا سيطوه الدَّجَّالُ إِلا مَكَّةَ والمدينة، ليسَ نقب من أنقابها إِلَّا عليه الملائكةُ صافينَ يحرُسُونَها»
224 - وعن محمد بن إسحاق قال: بلَغَنَا أَنَّ اللهَ تعالى أمرَ آدَمَ لَمَّا أُهبِطَ إلى الأرض أن يسير إلى مكَّةَ، فسار فكانَ لا ينزِلُ مَنزِلاً إِلَّا فَجَّرَ اللَّهُ لَهُ مَاءً مَعيناً، حتى انتهى إلى مكة فأقام بها، ويعبد الله عند البيت ويطوف به، فلم تزل داره حتّى قبضه الله تعالى بها.
225 - ويُروى: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا استعملَ عَتَّابَ بنَ أَسِيدٍ على أهلِ مَكَّةَ بعد فتحها قال له: «أتدري على مَن استعمَلتُكَ؟ استَعمَلتُكَ على أَهْلِ اللَّهِ، فَاستَوصِ بهم خيراً». يقولها ثلاثاً.
226 - وقال ابن أبي مليكة: كانَ أهلُ مكَّةَ فيما مضى يُلقون فيقال لهم: يا أهل الله، وهذا من أهل الله.
??? - وعن عبد الله بن عدي بن الحمراء قال: رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم على راحلته بالحَزْوَرَةِ، يقولُ: «واللهِ إِنَّكِ لخيرُ أرض اللهِ، وأحبُّ أَرضِ اللَّهِ إلى اللهِ، ولولا أنِّي أُخْرِجْتُ منكِ ما خَرَجْتُ». رواه أحمد، وسعيدُ بنُ مَنصورٍ، والترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجه وابنُ حبَّانَ وهذا لفظه.
??? - وعن ابن عبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لمكَّةَ: ما أطيبكِ من بلد، وأحبَّكِ إليَّ، ولولا أنَّ قومي أخرَجُوني منكِ ما سكَنتُ غيرَكِ». رواه الترمذي وصححه، وابنُ حبَّانَ، والحاكم وصحح إسناده.
فدَلَّ على أنَّ مكَّةَ الأَمِينَة، أفضَلُ من المدينةِ السَّكِينَة.
229 ـ وأما حديث: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ أخرَجْتَني من أحب البقاع إليَّ فأسكِنِّي أحبّ البقاع إليك»، فأسكنه المدينة، أخرجه الحاكِمُ في مُستَدرَكِه»)، وفي سنده عبد الله المَقبُريُّ، وهوضعيفٌ جِدّاً، وهذا الحديثُ من مُنكَراتِه.
وقالَ ابنُ عبدِ البر: لا يختلفُ أهل العلم في نكارتِه ووَضْعِه).
230 - وقال أيضاً: والحديثُ المروي عن عمرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، عن رافع ابنِ خَديج، عن النبي أنه قال: «المدينةُ أفضَلُ من مكَّةَ»، ضعيف لا يُحتج به، وقيلَ: إنَّه موضوع.
أقولُ: وعلى تقديرِ ثُبوتِه يُحمَلُ على زمانِ حياته عليه السَّلام، أوعلى ما قبل نسخ الهجرة من بلد الله الحرام.
231 ـ وفي تفسير المَداركِ» للنَّسفي عنه عليه السَّلامُ: «مَن صبرَ على حَرِّ مكة ساعةً تباعَدَ من نارِ جهنَّمَ مئتي سنة.
وكذا أخرجه أبوالشَّيخِ عن أبي هريرة.
232 - وأخرجه العقيلي في «الضُّعَفَاءِ» عن ابنِ عباس مرفوعاً بلفظ: «مَن صبَرَ على حرّ مكَّةَ ساعةً باعَدَ اللهُ جَهَنَّمَ منه سبعين خريفا».
ورَواهُ الفاكهيُّ، ولفظه: (مَن صبَرَ على حَرِّ مكَّةَ ساعة من نهارٍ تباعَدَتِ النَّارُ عنه مسيرة مئة عام.
والمراد بالأعداد المذكورة التكثير، فلا تَنَافي، أويختلف باختلافِ الصَّابرين. ثم لا يخفى أنَّ الحديث الضعيف يُعتبرُ في فضائل الأعمال، والله أَعلَمُ بحقائق الأحوال.
233 - وعن ابنِ عباس قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَن أَدرَكَ رمضانَ بمَكَّةَ فصام وقامَ ما تيسر منه، كتَبَ الله له مئة ألف شهر، رمضانُ فيما سواها، وكتبَ اللهُ له بكل يومٍ عتق رقبة، وكلَّ ليلةٍ عتق رقبة، وكلَّ يومٍ حُمْلانَ فرس في سبيلِ اللهِ، وفي كل يوم حسنةً، وفي كل ليلة حسنة». رواه ابن ماجه.
وأخرجه الجندي، وزاد فيه: أنَّه يُكتب له بكل يوم شفاعة، وبكل ليلة شفاعة.
234 ـ وذهَبَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ إلى أنَّ صومَ يومٍ بمكَّةَ بمئة ألفٍ، وكلُّ حسنةٍ بمئة ألف. أورَدَه الغَزالي.
235 - ورَوَى الأَزرَقِيُّ وغيرُه عن ابنِ عبّاسٍ أَنَّه قال في حسناتِ الحَرَمِ: «الحسنةُ بمئة ألف.
236 ـ وعن سعيد بن جُبَيرٍ: مَن مَرِضَ يوماً بمكَّةَ كُتِبَ له من العَمَلِ الصَّالِحِالذي كانَ يَعْمَلُه في سبع سنينَ، فَإِنْ كَانَ غَرِيباً ضُوعِفَ ذلك. رَواهُ الفَاكِهِيُّ
??? - وعن ابنِ عُمَرَ مَرفُوعاً: رَمَضانُ بمكَّةَ أَفضَلُ من ألفِ رمضانَ بغَيرِمكَّةَ». أخرجه البزار.
??? - وقد وَرَدَ: أَن الله تعالى بنَى مكَّةَ على المكروهاتِ والدَّرَجاتِ»،ذكره السيوطي في جامعه الكبير».
??? - ونظيره حديث: «حُفَّتِ الجنَّةُ بالمَكارِهِ».
وقد أجمع العلماء على أنَّ مكَّةَ والمدينة أفضَلُ بقاع الأرضِ، ومكَّةُ أفضَلُ من المدينة عندَ الثَّلاثة غير المالكيَّةِ.
قالَ ابنُ عبدِ البر: إِنَّ ذلك - أي: مَذهَبَ الثَّلاثةِ - يُروَى عن عُمَرَ وعلي وابنِ مسعودٍ وأبي الدرداء وجابرِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: وهُم أولى أن يُقلدوا ممَّن جاءَ بعدهم. ونقل القاضي عياض الإجماع على أنَّ موضِعَ قبر نبينا صلى الله عليه وسلم أَفضَلُ الأَرضِ، وأَنَّ الخلاف فيما سواه.
قلت: وقد قال بعضُهم: إنَّ موضعاً ضَمَّ أعضائه صلى الله عليه وسلم أَفضَلُ من العَرشِ الأعظَمِ). والله أعلَمُ بالصَّوابِ.
***
فصل
فِي فَضْل المُعلَّى
240 - عن النَّبي الله أَنه قالَ لمَقبُرَةِ مَكَّةَ: «نعمَ المَقبُرَةُ هذه». رَواهُ الدِّيلَمِيُّ عن ابن عباس.
241 ـ وعن ابن مسعود قال: وقَفَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على الشَّنْيَّةِ ثنيَّةِ المَقبُرةِ، وليس بها يومَئِذٍ مَقبُرَةٌ، قالَ: يَبْعَثُ الله تعالى من هذه البقعة أومن هذا الحرَمِ كلَّه سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، يشفَعُ كلُّ واحدٍ منهم في سبعين ألفاً يدخُلون الجنَّةَ بغَيرِ حِسابٍ، وجوههم كالقَمَرِ ليلةَ البدرِ»، قال أبوبكرٍ: مَن هُم يا رسول الله؟ قالَ: «الغُرَباءُ».
242 - ويُروَى: أَنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ سأل الله عمَّا لأهل بقيعِ الغَرقدِ، فقالَ: لهم الجنَّةُ، فقالَ: «يا رَبِّ، ما لأهل المُعلَّى؟» قالَ: يا محمد! سألتني عن جوارِكَ، فلا تسألني عن جواري. ذكره ابن جماعة.
243 ـ وفي الخبر عن ابنِ عُمَرَ: «أنا أوَّلُ مَن تَنشَقُ عنه أهل الأرض، ثمَّ آتي أهل البقيع، فيُحشرون معي، ثم أتي أهلَ مكَّةَ فَأُحْشَرُ بينَ الحَرَمَينِ». رَواهُ التُّرْمِذِيُّ وحسَّنَه، ابنُ حِبَّانَ.
فصل
في فضل الحج والعُمرَةِ
قال الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، وفي قراءة شاذة: (وأقيموا).
وقالَ: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: 97].
وقال تعالى: {وَأَذِن فِي النَّاسِ بِالْحَج يَأْتُوكَ رِجَالًا؛ أَي: مُشَاةً {وَعَلَى كُلِّ ضامِرٍ؛ أي: وركباناً على كلّ بعير ضَعيف، يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ؛ أي: طريق بعيد؛ ليَشْهَدُوا مَنَفِعَ لَهُمْ} [الحج: 28].
قالَ مُجاهِدٌ: هي منافعُ الدُّنيا والآخرة.
وعن جمع من السَّلَفِ أَنَّهم قالوا في تفسيرها: غفر لهم ورَبِّ الكعبة. وقال ابن مسعودِ والحَسَنُ وسعيدُ بنُ جُبير في قوله تعالى: {لَأَقْعُدَنَّ هُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف: 16]؛ أي: أنه طريق مكة، والمعنى: أصُدَّنَّهم عن الحج والعُمرة.
244 ـ وعنه: من مات ولم يحُجَّ، فليَمُتْ إِن شاءَ يهودياً، وإِنْ شاءَ نصرانياً». رواه ابن عدي من حديث أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه.
245 - وللترمذي نحوه مِن حديث عليّ، وقال: غريب، وفي إسنادِه مَقالَ.
246 - وعن أبي هريرة: أنَّه سُئِلَ رسولُ اللهِ عليه السَّلامُ: أَيُّ العَمَلِ أَفضَلُ؟ قال: «إيمان بالله ورسوله»، قيلَ: ثم ماذا؟ قالَ: «الجهاد في سبيلِ اللهِ»، قيلَ: ثمَّ ماذا؟ قالَ: «حَج مبرور». رَواهُ الشَّيخانِ.
والمبرور: الذي لا يُخالِطُه إثم، وقيل: المَقبولُ، وقيل: الذي لا رياءَ فيه ولا سمعة، ولا رَفَثَ ولا فُسوقَ، ولا جدال معَ الرفقة، وقيل: الذي ليس بعده معصية.
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابنِ آدَمَ بأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ له بِطَرِيقِ الإسلام فقال له: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ؟! قال: فعصاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ له بِطَرِيقِ الهجرة فقال: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ، وإِنَّما مَثَلُ المُهَاجِرِ كَمَثَلِ الفَرَسِ فِي الطَّوَلِ؟! قال: فعصاه فهاجَرَ، قال: ثُمَّ قَعَدَ له بِطَرِيقِ الجهادِ فقال له: هوجَهْدُ النَّفْسِ والمَالِ فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ المَرْأَةُ ويُقسم المال، قال: فعصاه فجاهَدَا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَمَنْ فَعَلَ ذلك منهم فمات كان حقا على اللهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجنَّةَ، أوقُتِلَ كان حَقًّا على الله عزّ وجلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الجنَّةَ، وإِنْ غَرِقَ كَان حَقًّا على اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجنَّةَ، أووَقَصَتْهُ دابته كان حَقًّا على اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجِنَّةَ». قلت: فتفسير الأئمة المذكورين هوتخصيص من عموم المعنى في الآية للتنبيه على أمر الحج والحث على عدم التهاون فيه، وهوأمر شائع عند أئمة السلف أنهم كثيراً ما يخصون من عموم الآيات معنى بالذكر لعلة ما؛ كحال السائل أوالحث على أمر تهاون الناس فيه في زمنهم، أونحوهذا من الأسباب.
وقال الحسَنُ: هوالذي يرجعُ زاهِداً في الدُّنيا راغِباً في العُقبَى
247 ـ وعن جابر مرفوعاً: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنَّةُ»، فقيل له: ما
بر الحج؟ قالَ: «طيب الكلامِ وإطعامُ الطَّعامِ». رَواهُ أَحمدُ بسنَدٍ ليِّنٍ، ورَواهُ الحاكِمُ
مختصراً، وقال: صحيح الإسنادِ.
248 ـ وأما ما وَرَدَ من أَنَّه سُئِلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ما بر الحج؟ فقالَ: «العَجُ والتَّح؛ فرواه الترمذي واستغربه، وابن ماجه، والحاكم وصححه، والبزار، واللفظ له، من حديث أبي بكر، وقال الباقون: أيُّ الحج أفضل؟
قلتُ: وإن ثبَتَ فيُحمَلُ على أنَّهما أيضاً من جملة البِرِّ في الحج.
249 ـ وعن أبي هريرة قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «مَن حَجَّ اللَّهِ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». رَواهُ الشَّيخانِ.
الرَّفَثُ: الجِماعُ، والفُسوقُ المعاصي، كما قاله ابن عباس وغيره. فالجماع حرام في الإحرام، ولوكان حلالاً في غيره من الأيام، والفُسوقُ أقبَحُ في ذلك الزَّمانِ والمَكانِ، ومن الرَّفَثِ مُغازَلةُ النِّساءِ ومداعبتُهُنَّ، والتَّحدُّثُ بشأن الجماع ومقدماته ولوفي غَيبَتِهِنَّ.
وخَصَّ ابنُ عبَّاس بحَضْرَتِهِنَّ، وذلك لأنَّ ذلك يُهيَّجُ داعيه المحظور، والداعي إلى المحذورِ محذورٌ، وقد قالَ سُفيانُ: مَن رَفَثَ فَسَدَ حجه
250 ـ وأما الجدال فرَوَى ابنُ المُنذِرِ في تفسيره عن ابن عباس أنه قالَ: المراء والملاحاةُ حتَّى تُغضِبَ أخاك وصاحِبَك، وبه قالَ عَطَاءُ والحَسَنُ وإبراهيمُ والضَّحَّاكُ وقَتادةُ والزُّهْرِيُّ.
وعن ابنِ عُمَرَ أَنَّه السبابُ والمُنازَعةُ القَبيحةُ، فيكون من بابِ عَطْفِ الخاص على العام، ولهذا لم يُصَرِّح بذكرِه في الحديثِ. كذا ذكره ابنُ جَماعة. والظَّاهِرُ أنَّ المُرادَ بالفُسوقِ الكبائر، وبالجدال على المعنيين المذكورينِ الصَّغائِرُ، ولعل هذا هوالمَحمَلُ الحسَنُ في ترك ذكره؛ ليبقى محلاً لتكفير ذُنوبه؛ فإنَّ الإجماع على أنَّ الحجّ يُكفِّرُ الصَّغَائِرَ، ويُرجَى مغفِرَةُ الكبائر.
والحاصِلُ: أنَّ قولَه تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ} [البقرة: ???]، نفي معناه نهي، والمعنى: لا ترفتُوا ولا تفسُقُوا ولا تُجادِلُوا.
ومُطلَقُ الجِماعِ حَرامٌ في الإحرام بالإجماع، وأمَّا الفُسوقُ والحِدالُ فمَنهَيَّانِ في كلّ حالٍ وزَمان ومكان، لكنهما أقبح في حالِ الإحرام، وفي مشاعر الحرام، وأشرافِ اللَّيالي والأيام. وقيل: (لا جدال) للنَّفي فقط، ولذا قُرِئَ ما قبلَه بالرَّفعِ والنَّصبِ بخِلافِه.
251 - فقد رَوَى ابنُ المُنذِرِ أيضاً عن مُجاهد: كانَ أهل الجاهلية يجعلون أمر الحج من قبيل النَّسيء، يُحِلُّونَه عاماً ويُحرِّمونَه عاماً، فلما حجَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وقد وافق الحج في ذي الحجَّةِ، قال في خُطبته: «إِنَّ الزَّمانَ قد استَدارَ كَهَيْئَتِه يومَ خَلَقَ اللهُ السَّمواتِ والأرضَ [السنة اثنا عَشَر شهراً] منها أربعةٌ حُرُم» الحديثَ.
252 - وعن أبي هريرةَ أنَّه عليه السَّلامُ قالَ: «الحُجَّاجُ والعُمَّارُ وفَدُ اللهِ». رواه ابن ماجه.
253 - وفي رواية له عن ابنِ عُمَرَ: (سألُوه فأعطاهُم». ورَواهُ ابنُ حِبَّانَ، كذا ذكره العِراقي.
254 ـ وفي «الجامع الصَّغير» للسيوطي: «الحُجَّاجُ والعُمَّارُ وفدُ اللهِ تعالى، دَعاهُم فأجابوه، وسألوه فأعطاهُم». رَواهُ البَزَّارُ عن جابر
255 - وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: «العُمرَةُ إلى العُمرَةِ كَفَّارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنَّةُ».
256 - وعن ابنِ مسعودٍ رَضِيَ الله تعالى عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنَّهما ينفيانِ الفقر والذُّنوبَ كما ينفي الكيرُ خَبَثَ الحديدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ، وليس للحجَّةِ المبرورة ثواب إلا الجنَّةُ». رَواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ وابنُ حِبَّانَ في «صحيحِه»، وصححه الترمذي، وهذا لفظه.
257 ـ وفي رواية لابن أبي خيثَمَةَ: تابعوا بينَ الحج والعُمرَةِ؛ فإنَّ مُتابعة مابينهما تزيد في العُمرِ والرِّزْقِ».
258 ـ وفي (صحيح البخاري) من حديث عائشة قلتُ: يا رسول الله! أَلا نَعْزُوونُجاهِدُ معكم؟ فقالَ: «لَكِنَّ أَفضَلَ الجِهادِ وأجملَه حَج مبرور»، قالت عائشة: فلا أدَعُ الحج بعد إذ سمِعتُ هذا من رسول الله.
259 ـ وعن عمرِوبنِ العاصِ قالَ: لمَّا جَعَلَ اللهُ الإسلام في قلبي أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلتُ: أبسط يدَكَ لأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضتُ يدي، فقال: «مالك يا عَمرُو؟» قال: قلتُ: أشترط، قالَ: «تشترط ماذا؟» قلتُ: أَن يُغفَرَ لي، قال: «أما علِمْتَ أنَّ الإسلام يهدِمُ ما قبله، وأنَّ الهِجْرَةَ تهدِمُ ما قبلها، وأنَّ الحج يهدِمُ ما قبله». رَواهُ مُسلِمٌ.
وعن النبي: أَنَّه قال للسائل عن مشاعرِ الحج: «وأمَّا طَوافُكـ يعني للإفاضة فإنَّك تطوفُ ولا ذنب لك، ويأتيكَ مَلَكُ حتَّى َيضَعَ يَدَه بينَ كَتفَيكَ فيقولُ: اعْمَلْ لِمَا بقي، فقد غُفِرَ لك ما مضى». رواه سعيدُ بنُ مَنصورٍ.
260 - ورَوَى ابنُ حِبَّانَ في حديث طويل عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «أَنَّ الحاج إذا قضَى
آخر طواف بالبيتِ خَرَجَ من ذُنُوبِه كيوم ولدته أمه.
261 - وعن أبي مُوسَى قالَ: إنَّ الحاج يشفَعُ في أربع مئةٍ من أهل بيته، ويُبارَكُ في أربعين بعيراً إن ماتَ البَعيرُ الذي حمله، ويخرُجُ مِن ذُنُوبِه كيوم ولدَتْه أُمُّه، فقالَ رجلٌ: يا أبا مُوسَى! كنتُ أَعالِجُ الحجّ وقد ضَعُفتُ وكَبِرتُ، فهل من شيءٍ يعدِلُ الحج؟ قالَ: هل تستطيع أن تعتق سبعين رقبةً من ولَدِ إسماعيل؟ فأمَّا الحل والرَّحيلُ فما أجِدُ له عِدْلاً، أوقالَ: مِثْلاً. رَواهُ عبدُ الرَّزَّاقِ.
262 ـ وعن أبي ذر رضي الله تعالى عنه وقد مرَّ به أقوام فقال: من أينَ أقبلتم؟ قالُوا من مكَّةَ، قالَ: أَوَمِنَ البيت العتيق؟ قالُوا: نعم، قال: ما معكم تجارةٌ ولا بيع؟ قالُوا: لا، قالَ: استَقبِلُوا العَمَلَ، فأَمَّا ما سَلَفَ فقد كُفيتُموه. رَواهُ سعيدُ بنُ مَنصورٍ
263 - ورواه سعيد أيضاً، وعبدُ الرَّزَّاقِ في مُصنِّفه»: أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلى النَّبِيِّ فقال: إنّي أُريدُ الجهاد في سبيل الله، فقال: «ألا أدلك على جهادٍ لا شوكة فيه؟» قال: بلى، قالَ: «حَج البيتِ».
وفي رواية لعبدِ الرَّزَّاقِ: ألا أدُلُّكَ على جهادٍ لا قتال فيه؟» قال: بلى، قال: الحج والعُمرَةُ».
264 - ورَوَى عبدُ الرَّزَّاقِ من حديثِ عامرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قالَ رسول الله: (حِجَجٌ تَتْرَى، وعُمَرُ نسق، تدفَعُ ميتةَ السُّوءِ وعَيْلةَ الفَقرِ».
265 - ورَوَى عبدُ الرَّزَّاقِ أيضاً عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قالَ: «حجوا تستَعْنُوا». 266 ـ وعن ابن عمرو قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَجَّةٌ لمَن لم يحُجَّ خيرٌ من عشرِ غزَواتٍ، وغَزوةٌ لمَن قد حَجَّ خيرٌ من عشرِ حِجَجٍ». أخرَجَه أبوذر.
267 ـ وأخرجه أبوداودَ في «المراسيل» لكن لفظه: «خيرٌ غزوات، أوتسع، وغَزوة بعد حجةٍ خير من عشر حجات أوتسع.
268 ـ وعنه عليه السَّلامُ: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنَّة». رواه الشَّيخان.
وقالَ النَّسائيُّ: «الحجَّةُ المَبرورة»، وعندَ ابنِ عَدِي: «حجة مبرورة».
269 ـ وعن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «جِهادُ الكبير والصغيرِ والضَّعيف والمرأةِ: الحج والعُمرة». رَواهُ النَّسائيُّ.
270 ـ وعن أبي سعيد الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إنَّ الله تعالى يقول: إنَّ عبداً صححْتُ له جسمه، ووسَّعتُ عليه في المعيشة، يمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إليَّ محروم». رَواهُ ابنُ أَبي شَيْبَةَ فِي «مُصنِّفه»، وابنُ حبَّانَ في (صحيحه».
قالَ ابنُ وَضَّاحِ يُريدُ الحجَّ، وهومحمولٌ على الاستحباب عند الجمهور، وقيل: على الإيجاب، والله أعلَمُ بالصَّوابِ.
??? - وقد ثبَتَ مَرفُوعاً: «أَنَّ العُمرةَ الحج الأصغَرُ).
272 ـ وعن عُمَرَ أَنَّه قال: إذا وَضَعتُم السُّروجَ فَشُدُّوا الرحال للحَجِّ والعُمرة؛ فإنَّهما أحد الجهادَين. أَخْرَجَه عبدُ الرَّزَّاقِ.
??? - وفي صحيحِ البُخارِيٌّ قالَ عُمَرُ رَضِي اللَّه عَنه: شُدُّوا الرِّحالَ في الحج؛ فإنَّه أحد الجهادَينِ.
274 ـ وعن أبي هُرَيرةَ رَضِي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «وفدُ اللهِ ثلاثة: الغازي والحاج والمُعتَمِرُ». أخرَجَه النَّسائي وابنُ حبَّانَ في «صحيحه»، والحاكِمُ وصححه على شَرْطِ مُسلم.
275 - وزادَ ابن ماجه في بعض طُرُقِهِ: دَعاهُم فأجابوا، وسألُوا فأعطاهم».
276 ـ وفي رواية له: «وَفدُ الله إِنْ دَعَوه أجابَهم، وإن استغفروه غَفَرَ لهم».
??? - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ للحاج، ولمن استغفَرَ له الحاج». رَواهُ البَيْهَقِيُّ في «سُننه»، وصححه الحاكم.
??? - وعن عُمَرَ رَضِي الله عنه، عن النَّبيِّ عليه السَّلامُ: أَنَّه استأذنه في العمرة فأذِنَ له، وقال: «يا أُخَيَّ لا تنسَنا في دُعائِك ـ وفي لفظ: «يا أُخَيَّ أشركنا في دُعائك» - فقال عمرُ: ما أُحِبُّ أنَّ لي ما طلعت عليه الشَّمسُ لقَولِه: يا أُخَيَّ». رواه أحمد وهذا لفظه، وأبوداود، والترمذي وصححه، ورَوَى ابنُ ماجه بعضَه.
279 ـ وعنه عليه السَّلامُ: إذا لقيتَ الحاج فصافحه وسلَّم عليه، ومره أن يستغفِرَ لك قبل أن يدخُلَ بيتَه، فإِنَّه مَغفورٌ له». رواه أحمد.
??? - وعن ابن عباس قال: قال رسولُ اللهِ عليه السَّلامُ: «خمسُ دَعَواتٍ لا تُرَدُّ: دعوة الحاج حتَّى يَصدُرَ، ودعوَةُ الغازي حتَّى يرجع، ودعوة المظلوم حتَّى يُنصَرَ، ودَعوة المريض حتَّى يبرأ، ودَعوة الأخ لأخيه بظهرِ الغَيبِ، وأسرَعُ هذه الدعوات إجابة دعوة الأخ لأخيه بالغَيبِ». أَخْرَجَه المُحِبُّ الطَّبري وغيره.
??? ـ وعن أبي أمامة وواثلة بن الأسقع، قالا: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أربعة حق على الله تعالى عَونُهم: الغازي والمُتزوِّجُ والمُكاتَبُ والحاج». أخرجه الطبري.
??? - وعن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنه قال: «ما أمعَرَ حاج»، رواه الفاكهي. وهوبالعينِ المُهملةِ والرَّاءِ؛ أي: ما افتقر، وقيل: ما فني زاده. وقال جماعةٌ من أهل العلم: إنَّ معنى قوله تعالى: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203]: أنَّه يرجع مغفوراً له.
283 - وعن ابن عبّاسٍ أَنَّه قال: لويعلَمُ المُقيمون ما للحاج عليهم من الحقِّ لأتوهُم حَتَّى يُقبلوا رواحِلَهم".
284 ـ وعن الحَسَنِ أَنَّه قال: إذا خرج الحاج فشيعُوهُم، وزَوِّدُوهُم الدُّعاءَ، وإذا قَفَلُوا فالتَقُوهُم وصافِحُوهُم قبل أن يُخالِطُوا الذُّنوبَ. ذَكَرَهُما ابنُ جَمَاعَةَ. وقالَ الغَزالي: إِنَّه كانَ من سنّةِ السَّلَفِ أن يستقبلوا الحاج ويُقبِّلُوا بينَ أعْيُنَهم ويسألُوهُم عن الدُّعاءِ، ويُبادِرُوا لهم إلى ذلك قبل أن يتدَنَّسُوا بالآثامِ.
285 - وعن النَّبيِّ عليه السَّلامُ: أَنَّه قال للسَّائلِ عن خُروجه من بيتِه يَؤُمُّ البيتَ الحرام: «إنَّ له بكلِّ وَطأة تطوُّها راحلته حسنةً، وتُمحى عنه بها سيِّئَةٌ». رواه عبدُ الرَّزَّاقِ، ورَواهُ ابنُ حِبَّانَ بمعناه، إلا أنَّه قال: أوحُطَّتْ عنه بها خطيئة.
286 - وقال ابن إسحاق: لم يبعَثِ الله نبيَّاً بعد إبراهيمَ إِلَّا وقد حَجَّ البيت. ذكره ابن جماعة.
وقد تقدَّمَ أنَّ آدم عليه السَّلامُ قد حَجَّ والملائكة قبله وسائر الأنبياء عليهم السَّلام بعده.
??? - وعن زيد بن أرقم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوةً، وَأَنَّه حَجَّ بعدما هاجَرَ حجَّةً واحدةً، حجَّةَ الوداع، قال أبوإسحاق: وبمكةَ أُخرى. رواه مسلم. وأبوإسحاق: هوالسبيعي.
??? - وعن جابرٍ رضيَ الله تعالى عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَجَّ ثلاثَ حِجَجٍ، حجَّتَينِ قبل أن يُهاجِرَ، وحجَّةً بعدما هاجَرَ، قرنَ معَها عُمرةً. رَواهُ التَّرْمِذِيُّ، وهذا لفظه، وابن ماجه، والدَّارَقُطنِيُّ، والحاكم وصححه على شرط مُسلم.
وقال ابن حزم حج رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قبلَ النُّبُوَّةِ وبعدها، قبل الهجرةِ حِجَجاً وعُمَراً لا يُعرَفُ عَدَدُها. انتهى.
وهوالظَّاهِرُ كما لا يخفى، وقد ثبَتَ أنَّه عليه السَّلامُ بعد عام الفتح استعمَلَ على الحج أمير مكةَ عَتَّابَ بنَ أسيد، وفي سنة تسع أمر أبا بكرٍ أن يحُجَّ بالنَّاسِ.
289 - وعن الواقدي عن أشياخه: أن أبا بكر استعمل على الحج عمر ابن الخطاب سنة إحدى عشرة، فحَجَّ بالنَّاسِ، ثمَّ اعْتَمَرَ أبوبكرٍ في رَجَبٍ سنةَ اثنتي عشرةَ، ثمَّ حَجَّ فيها بالنَّاسِ
290 ـ وعن محمد بن سعد: أنَّ عمر استعملَ أوَّلَ سنةٍ ولي على الحج عبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوفٍ، فَحَجَّ بالنَّاسِ، ثمَّ لم يزَلْ عمرُ يحج بالنَّاسِ في خلافتِه كلها، فحَجَّ بالنَّاسِ عشر سنين، وحَج بأزواجِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في آخر حجةٍ حجها، واعتَمَرَ في خِلافتِه ثلاثَ عُمَرٍ.
??? - وأمَّا عُثمانُ بنُ عفَّانَ رَضِي الله عَنه فلمَّا بُويعَ أَمَّرَ عِبدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوفٍ على الحج سنة أربع وعشرين، وحَجَّ عثمانُ بالنَّاسِ بعد ذلك إلى سنة أربع وثلاثين، ثمَّ حُصِرَ في دارِه، وحَجَّ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسِ بالنَّاسِ
??? - وقال ابن سيرين: إِنَّ عُثمانَ كانَ أعلمهم بالمَناسكِ، وبعده ابنُ عمر. وأمَّا عليٌّ فما يُعلَمُ عدد حجّه قبل ولايته، وفي زَمَنِ وِلايته اشتَغَلَ عن الحج بما وقع في أيامه. وكانَ مُعاويةُ يستنيبُ في زمن ولايته مَن يَحجُّ، وحجَّ هوبالنَّاسِ كما قالَ القُضاعي في سنة أربع وأربعين، وسنة إحدى وخمسين وأقامَ ابنُ الزُّبيرِ الحجّ ِللنَّاسَ سنةَ ثلاث وستين قبل أن يُبايَعَ له، فلمَّا بُويعَ له حجَّ ثماني حِجَجٍ مُتوالية.
??? - وحكى القاضي عياض في كتابِ الشَّفا» عن بعض شيوخ المغرب: أنَّ قَوماً أتوه وأعلَمُوه أنَّ كُتَامَةَ قتَلُوا رجُلاً وأضرَمُوا عليه النَّارَ فلم تعمل فيه، وبقي أبيضَ البَدَنِ، فقال: لعلَّه حَجَّ ثلاثَ حِجَجٍ؟ فقالوا: نعم، فقالَ: حُدَّثتُ أَنَّ مَن حَجَّ حجَّةً أدى فرضَه، ومَن حَجَّ ثانيةً دايَنَ ربَّه، ومَن حَجَّ ثَلاثَ حِجَجٍ حَرَّمَ اللَّهُ شَعرَه وبشَرَه على النَّارِ.
294 ـ وعن قَتَادَةَ: لَمَّا أَمَرَ اللهُ إبراهيمَ أن يُؤذِّنَ في النَّاسِ بالحجِّ فَأَذَّنَ: أَيُّها النَّاسُ! إِنَّ الله بيتاً فحجُوه، فأسمعَ اللهُ نداءَه كلَّ مَن يريدُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَن يَحُجَّ إِلى يومِ القيامة. أورَدَه الغزالي.
295 ـ قال: وفي الخبرِ: أَنَّ آدمَ لمَّا قضَى مَناسِكَه لقيَتْهُ الملائكةُ فقالوا: بُرَّ حبُّكَ يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلَكَ بألفي عام".
فصل
في فضل النَّفقة للحج والعُمرَةِ
قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعُ عَلِيمٌ} [البقرة: 261].
وسبيلُ اللهِ فُسِّرَ بالحج والجهاد، مع ورودِ حديثِ:
296 - الحج جهادُ كلِّ ضعيف.
297 - عن بريدَةَ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله، الدرهم بسبع مئة ضعف». رواه أحمد وابن أبي شيبة وابنُ المُنذِرِ.
??? - ورواه سمُّويه عن أنس، ولفظه: «الحَج سبيلُ اللهِ تُضاعَفُ فيه النَّفَقةُ بسبع مئة ضعف».
??? ـ وعن أبي هريرة قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عامَ حَجَّةِ الوَداعِ بِمَكَّةَ: «الحاج
والعُمَّارُ وَفدُ اللهِ تعالى يُعطيهم ما سألوا، ويستجيب لهم فيما دَعَوا، ويُخلِفُ عليهم ما أنفَقُوا، ويُضاعِفُ لهم الدّرهَمَ ألف ألفِ دراهِمَ. رَواهُ البَيْهَقِيُّ عن أنس
??? ـ وزاد بعضُهم: والذي بعثني بالحقِّ، الدرهم الواحِدُ منها أثقل من جبَلِكُم هذا»، وأشار إلى أبي قبيس. رَواهُ الفاكهيُّ.
301 - وعن ابنِ عَمرومرفوعاً: «الحُجَّاجُ والعُمَّارُ وَفدُ اللَّهِ إِن سألُوا أُعطوا، وإن دَعوا أَجابهم، وإن أنفَقُوا أَخلَفَ لهم. رَواهُ البَيْهَقِيُّ.
302 - وعن عائشةَ َرضِيَ اللهُ تعالى عنها قالت: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إذا الحاج من بيته كانَ في حِرْنِ اللهِ، فإن ماتَ قبل أن يقضِيَ نُسُكَه وقَعَ أَجْرُه على الله، وإن بقي حتَّى يقضِيَ نسُكَه غُفِرَ له، وإنفاقُ الدّرهَمِ الواحد في ذلك الوجه يعدِلُ أربعينَ ألفاً فيما سواه». رواه المُنذِري.
303 - ورُوِي أنَّ عبدَ اللهِ بنَ المُبارَكِ رحمه الله تعالى وتبارَكَ دَخَلَ الكوفة وهويريد الحج فإذا بامرأة جالسة على مزبلة تنتفُ بطَةً، فوقع في نفسه أنَّها ميتة، فوقف وقال: يا هذه، أهذه ميتةٌ أم مذبوحةٌ؟ قالت: ميتة، وأنا أُريد أن آكلها وعيالي، فقال: إنَّ الله تعالى قد حرَّمَ الميتة وأنتِ في هذا البلد، فقالت: يا هذا انصَرِفْ عَنِّي.
فلم يَزَلْ يُراجِعُها الكلام إلى أن تعرَّفَ منزِلَها، ثُمَّ انصرَفَ فَجَعَلَ على بغل نفقةً وكسوةً، وزادَ، وجاءَ فطرَقَ البابَ، فَفَتَحَت فنزَلَ عن البَعْلِ وضَرَبَه، فَدَخَلَ البيت، ثمَّ قال للمَرأةِ: هذا البغل وما عليه من النفقة والكسوة والزَّادِ لكم.
ثم أقام حتَّى رجَعَ الحاج فجاءَه قوم يُهنَّونَه بالحج، فقال: ما حجَجْتُ السَّنةَ، فقال له بعضُهم: سُبحانَ اللهِ! أَلَمْ أُوْدِعْكَ نفَقَتي ونحن ذاهبون إلى عرفات؟ وقال الآخرُ: ألم تَسْقِني بموضع كذا وكذا؟ وقال الآخرُ: أَلَمْ تشترِ لنا كذا؟ فقال: ما أدري ما تقولون، أما أنا فلم أحُجَّ العام، فلمَّا كانَ من اللَّيلِ أُتيَ في منامه، فقيل: يا عبد الله بن المبارك، إنَّ الله تعالى قد قبل صدقتك وإنَّه بَعَثَ مَلَكاً على صُورَتِك فحَجَّ عنك.
فصل
في فَضْلِ مَن حَجَّ عن أبوَيهِ أوغيرِهما
قالَ اللهُ تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2].
304 ـ وقد ورد: «مَن كانَ في عَوْنِ أَخِيهِ كان الله في عونه».
305 - وعن ابنِ عباس قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَن حَجَّ عن أبويه، أوقضَى عنهُما مَعْرَماً، بُعِثَ يومَ القيامةِ معَ الأبرار».
306 ـ وعن جابر قالَ: قالَ رسولُ اللهِ: مَن حَجَّ عن أبيه، أوعن أُمِّه، فقد قضى عنه حَجَّه، وكانَ له فضل عشرِ حِجَجِ».
307 ـ وعن زيد بن أرقَمَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذا حَجَّ الرَّجلُ عن والديه تقبل منه ومنهما، واستَبشَرَتْ أرواحُهُما، وكُتِبَ عندَ الله بَرَّا». أَخْرَجَه الدَّارَ قُطنِيُّ.
??? - وعن ابنِ عَبَّاس قالَ: مَن حَجَّ عن ميت كُتِبَ للميتِ حجَّةٌ وللحاج سبع حجات.
وفي رواية: وللحاج براءةٌ من النَّارِ. أَخرَجَه أبوذرّ.
309 - وعن جابرٍ رَضِي الله عنه مرفوعاً: «يُدخِلُ الله بالحجة الواحدة ثلاثة الجنَّةَ: المُوصي بها، والمُنفّذ لها، ومَن حَجَّ بها عن أخيه». رواه البَيْهَقِيُّ بسند ضعيف.
310 - وعن معاذ: مَثَلُ الذي يغزوويأخُذُ أجراً مَثَلُ أمّ مُوسى تُرضِعُ ولدَها وتأخُذُ أجرَها رَواهُ ابنُ عدِيٌّ، وقالَ: مُستقيم الإسنادِ مُنكَرُ المَتنِ.
فصل
فِي فَضْلِ مَن خَرَجَ إِلى الحَقِّ أوالعُمرَةِ فَمَاتَ ومَن ماتَ بمكَّةَ أوغيرها من الحرمين
قال تعالى: {وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 100].
311 - وعن عائشة قالت: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَن مات في هذا الوجه من حاج أومُعتَمِرٍ لم يُعرَضُ ولم يُحاسب، وقيل له: ادخُلِ الجنَّةَ». رواه الدَّارَ قُطنِيُّ.
312 ـ وعن أبي هُرَيرةَ رضِيَ اللهُ تعالى عنهما قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَن خرَجَ مُجاهِداً فمات كتب الله أجره إلى يوم القيامةِ، ومَن خَرَجَ حَاجَّاً فمَاتَ كَتَبَ اللهُ أجره إلى يوم القيامةِ، ومَن خَرَجَ مُعتَمِراً فمات كتب الله أجره إلى يوم القيامة. أخرجه أبوذر.
??? - ورَواهُ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ من حديث أبي هريرة بلفظ: «مَن خَرَجَ من بيته حاجاً أومُعتَمِراً أجرَى الله له أجر الحاج المُعتمر إلى يوم القيامة».
314 ـ وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا البيتُ دِعامة الإسلام، فمَن خَرَجَ يوم هذا البيت من حاج أومُعتمر زائِراً؛ كانَ مَضموناً على اللَّهِ إِنْ قبَضَه أن يُدخِلَه الجنة، وإن رده رده بأجرٍ وغَنيمةٍ». أخرَجَه الأزرَقِيُّ.
315 ـ وعن عائشةَ َرضِيَ الله تعالى عنها قالت: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إذا
خرج الحاج من بيته كانَ في حرز الله، فإنْ ماتَ قبل أن يقضِيَ نُسُكَه وقَعَ أَجْرُه على اللَّهِ». رَواهُ المُنذِرِيُّ.
316 ـ وعن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: من مات على مرتبة من هذه المراتبِ بُعِثَ عليها يوم القيامةِ»، يعني: الغَزْووالحجّ والعُمرَةَ. أَخْرَجَه ابنُ قُتِيبَةَ. وأخرجه الحاكِمُ في «المُستدرَكِ بلفظ: مَن مات على مرتبة من هذه المراتب بُعِثَ عليها يوم القيامةِ»، رباط أوحَج أوغير ذلك.
317 ـ وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً: «مَن مَاتَ بمكة أوفي طريق مكَّةَ بُعِثَ من الآمنين».
??? - وعن سَلْمَانَ رَضِي الله عنه مَرفُوعاً: أَنَّهُ قالَ: «مَن مَاتَ في أحدِ الحَرَمَينِ استَوجَبَ شفاعتي وكانَ يومَ القيامةِ من الآمنين». ذكرَهُما ابنُ جَماعةَ.
319 ـ وعن عائشةَ: مَن مات في أحد الحرمين لم يُعرَضُ ولم يُحاسب، وقيل له: ادخُل الجنَّةَ. أخرَجَه البَيْهَقِيُّ والدَّارَ قطني.
320 ـ وفي «الصَّحيحَينِ»: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال في مُحرِم سقط من بعير بعرفة فمات: «لا تمسوه طيباً، ولا تُخمّروا رأسه؛ فإنَّه يُبعَثُ يومَ القيامةِ مُلبياً.
***
فصل
في فَضْل التلبية
قالَ اللهُ تعالى: {يَقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} [الأحقاف: 31].
321 - وعن ابنِ عبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما قالَ: سِرْنا مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة، فمَرَرْنا، بوادٍ، فقال: «أيُّ وادٍ هذا؟» قالوا: وادي الأزرق، قال: «كأني أنظر إلى موسى واضعاً أُصبعه في أُذُنِه له جؤارٌ إلى اللهِ تعالى بالتلبية ماراً [بهذا الوادي]»، ثمَّ سِرْنا الوادي حتَّى أتينا على ثَنيَّةٍ، فقالَ: «أَيُّ ثنيَّةٍ هذه؟» قالوا: هَرْشَى أولِفْتُ، فقالَ: «كأنِّي أنظُرُ إلى يونس على ناقة حمراء، خطام ناقتِه ليفٌ خُلْبَةٌ، وعليه جبَّةٌ له من صوف، ماراً بهذا الوادي ملبياً». أخرجه مسلم.
و (وادي الأزرق) هوالرَّوحاء بين المدينةِ الشَّريفة ووادي الصفراء.
وهَرْشَى كَسَكْرَى: ثنيةٌ قُربَ الجُحْفَةِ.
واللفتُ: بالكسرِ ويُفتَحُ: ثنيَّةُ جبل قديد بينَ الحَرَمَينِ.
والخُلبُ بالضَّمِّ وبضمتين: لبُّ النَّحْلَةِ وقَلْبُها.
322- وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَن أَضحَى يوماً مُلبياً مُحرِماً حتَّى غَرَبتِ الشَّمسُ غَرَبَتْ بذُنوبه، فعادَ كما ولَدَته أمه». رَواهُ أحمد وهذا لفظه، وابن ماجه.
??? - وعن سهل بن سعد قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ما من مُلَبِّ يُلبي إلا لبي ما عن يمينه وعن شماله من شجرٍ حتّى تنقَطِعَ الأَرضُ من هاهنا وهاهنا، عن يمينه وعن شماله؛ أي: من جانبِ المَشرقِ والمَغرب، والمعنى: يُوافِقُه التلبية كل رطب ويابس يسمعه في محله. أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم وهذا لفظه.
324 - وعن ابنِ عَمْرٍورضيَ اللهُ تعالى عنهما مرفوعاً: «الحجَّاجُ والعُمَّارُ وَفدُ اللهِ إِن سألُوا أُعطوا، وإنْ دَعَوا أجيبوا، وإن أنفَقُوا أَخلَفَ لهم، والذي نفس أبي قاسم بيده ما كبر مكبر على نشر، ولا أهَلَّ مُهلّ على شَرَفٍ، إلا أهل ما بينَ يديه، وكبَّرَ حتَّى ينقطعَ به مُنقَطِعُ التَّرابِ. رَواهُ البَيْهَقِيُّ.
325 - وعن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ما أَهَلَّ مُهلّ قطُّ إلا بُشِّرَ، ولا كبَّرَ مُكبّرٌ قطُّ إلا بُشِّرَ، فقيل: يا نبي الله، بالجنَّةِ؟ قال: نعم.
326 - وعن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عنهما قال في التلبية: «هي زينة الحج». أخرَجَهُما سعيد بن منصور، وأَخْرَجَ الثَّاني ابنُ المُنذِرِ.
327- وعن أبي بكرِ الصِّدِّيقِ رَضِي الله عنه: أَنَّ رسولَ اللهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ: أَيُّ الحج أفضَلُ؟ قالَ: «العَجُ والشَّجُ». رَواهُ ابنُ مَاجَه، والتَّرْمِذِيُّ، وهذا لفظه، واستدركه الحاكِمُ على الشَّيخَينِ.
??? - وعن خَلَّادِ بنِ السَّائب عن أبيه: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبرائيل فأمرني أن آمُرَ أصحابي أن يرفَعُوا أصواتهم بالتلبية». رواه مالك، والأربعةُ، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه»، والحاكِمُ والنَّسائي، وهذا لفظه، وقالَ التَّرْمِذِيُّ: حسَنٌ صحيحٌ.
وفي لفظ لأحمد وغيره: «فإنَّها من شعائرِ الحج».
??? ـ وقال أبوحازم: كانَ أصحاب رسولِ اللهِ عليه السَّلامُ لا يبلُغُونَ الرَّوحاء حتَّى تُبع حلوقهم من التلبية.
330 ـ وعن أبي بكرِ بنِ عبدِ اللهِ رحِمَهُ اللهُ قالَ: سَمِعتُ ابْنَ عَمْرَ رَضِي الله عنهما يرفَعُ صوته بالتلبية حتَّى إِنِّي لأَسْمَعُ دَوِيَّ صوته بين الجبال. رواه ابنُ المُنذِرِ.
331 - وعن ابن عمرو رضِيَ اللهُ تعالى عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: والذي نفس أبي القاسم بيده ما أهَلَّ مُهِلّ ولا كبَّرَ مُكَبِّرٌ على شَرَفٍ من الأشرافِ إِلا أهل ما بين يديه وكبر حتَّى ينقطع مبلغ التُّرابِ». رَواهُ تمَّامُ الرَّازِيُّ في «فوائدِه».