فر العون من مدعي إيمان فرعون
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
فر العون من مدعي إيمان فرعون
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ
ربِّ زِدْنِي عِلماً يا كريم
الحمد الله الذي أسعدَ مَن سَعِدَ وهو في صُلب أبيه كمُوسى وهارُونَ، وأشقى مَن شَقِيَ وهو في بَطْنِ أُمِّه كَفِرْعَونَ وقارُونَ، والصَّلاةُ وَالسَّلامُ على مَن لو كانَ مُوسَى حيَّاً لمَا وَسِعَه إلا اتَّبَاعُه، وعلى آله وصحبه وأتباعه خيرِ الأُمَمِ إلى قيامِ السَّاعةِ. وبعد: فيقول راجي عفو ربِّه البارِي، عليُّ بنُ سُلطان محمد القاري: رأيتُ رسالةً منسوبة إلى العلامة الأكمل، والفَهَّامةِ الأجَلَّ، جَلالِ الدِّينِ محمَّدِ الدَّوَانِي سامحه الله، بما وقع له من التقصير والتّواني، حيثُ تَبِعَ فيها ما يُنسَبُ إلى العالم الرَّبَّاني، والغُوثِ الصَّمَداني، مولانا الشَّيخُ مُحيي الدِّينِ العربي، قدَّسَ اللهُ سِرَّه
الشرقي والغربي، من أنَّ فِرْعون بلا عونٍ صَحَ إيمانه وتحقق إيقانُه. وهذا باطل بالكتاب والسُّنَّةِ وإجماع الأمَّة، على ما سنملي عليك، وتلقي إليك، فخَشِيتُ أن يطَّلع عليها من لا اطلاعَ له لما لديها، فيميل بالاعتقادِ الفاسد إليها، فأحبَبتُ أن أذكُرَ كلامه، وأستَوفِي تمامه، وأبيِّنَ مَرَامَه، وأُعِيِّنَ رَضَاعَه وفِطَامَه، بأن أُدرج رسالته في ضِمْنِ رسالتي، متناً وشَرْحاً؛ ليَحصُلَ الغَرَضُ على المقصودِ بدءاً وفَتْحاً، وسميتُه: «فَرُّ العَوْنِ مِن مُدَّعِي إِيمَانِ فِرْعَونَ».
قالَ: بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ.
أقول: وهو مبدأ كل أمر حكيم، ومنشأ كل شأن عظيم.
قال: وهو الهادي إلى الصِّراطِ المُستَقيم. أقولُ: لمَّا كانَ كلّ يدَّعي أنَّه على الصراط المستقيم، والدِّينِ القَويمِ، كما قال تعالى في كلامه المكنونِ: كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53]، وإنْ كانَ بعضُهم عن الصِّراطِ لناكِبونَ، أبدَلَ اللهُ تعالى عن الصراط المستقيم في فاتحة كلامه القديم قوله: {مِرْطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ؛ أي: منَ النَّبيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ والشُّهداء والصالحين ومَن يميل إليهم، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ كاليهودِ، وَلَا الضالين كالنَّصارى الذين تركوا موافقة كتابهما، ومتابعة رسولهما، حيثُ حرَّفوا المبنى، وغيَّرُوا المَعنَى في حقهما.
والحاصِلُ أنَّ الصِّراطَ المُستقيم» هو المُوافِقُ للكتاب الحكيم، المُشار إليه بقوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، والمُطابِقُ لِما ثَبَتَ عن الرسول الكريم: «إِنَّ اللهَ لا يَجمَعُ أُمَّتي على الضَّلالَةِ، ويدُ اللَّهِ على الجماعةِ، ومَن شَدَّ شَدَّ في النَّارِ». رَواهُ التَّرْمِذِيُّ عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما.
وفي رواية لابنِ ماجه من حديث أنس: «اتَّبِعُوا السَّوادَ الأَعظَمَ؛ فَإِنَّه مَن شَذَّ شد في النار.
قالَ: الحمدُ للهِ قابل توبةِ عَبدِهِ إِذا تَابَ.
أقولُ: هو الذي يقبلُ التّوبة عن عباده ويعفو عن سَيِّئَاتِ عبادِه، وهو قابِلُ التَّوبِ لِمَن تَابَ إليه، شديدُ العِقابِ لِمَن طَغَى عليه.
لكنَّ التَّوبة لها أركان، أوَّلُها النَّدامَةُ، ومحلُّها القَلبُ، بأَنْ يَندَمَ على المعصية من حيثُ إنَّها معصيةٌ لا لسبب آخر كالنَّدامةِ على القمارِ؛ لما فيه من خسارة الدينارِ، وعلى شُرب الخمر؛ لما فيها من الخُمارِ، وقد قال تعالى في حق قابيل قاتل ها بيلَ: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ} [المائدة: 31]؛ أي: على حَمْلِهِ، أو على عَدَمِ التَّفَكَّرِ والتَّعَقُلِ في دَفْنِه، ولذا لم ينفعه النَّدَمُ في أَمرِه.
وقال: «النَّدَم توبة». رواه أحمد وغيره، والحاكم وصححه، فاللَّامُ للعَهدِ، والمُرادُ: أَنَّه مُعظَمُ أركانِ التَّوبة، وشرائطِ الأَوْبَةِ.
وبهذا يتبيَّنُ أَنَّه لو فُرِضَ نَدامَةُ فِرعَونَ على كُفْرِه لأجلِ عَذَابِ الغَرَقِ لا تكونُ
مفيدة له عند الحقِّ؛ لأنَّ إيمانه حينئذ ليس على وَجْهِ الإخلاص والصدقِ. وثانيها: الإقلاع عن المعصية، ولا بُدَّ من حصولِ القُدرةِ للعبد عليه، وتركه معَ تمكنه بالاختيار لديه، ولذا لم تُقبَل توبَةُ العِنِّينِ المُضطَرِّ إليه، وكذا إيمانُ الكافِرِ عند البأس، وتوبة الفاسق عند اليأس.
وثالثها: العَزْمُ على عَدَمِ العَوْدِ إليه، على تقديرِ القُدرَةِ عليه، ولذا لا يُقبَلُ الإيمان إلا بالغَيبِ دونَ مُشاهدة العذاب بلا ريب، كما سيأتي بيانه، ويرد برهانه. قالَ: لا سيّما ويفرح بتوبتِه، كما وَرَدَ عن سيّد الأحباب.
أقولُ: المُرادُ بسيّدِ الأحباب: حبيب ربِّ العالمين، وطَبيبُ قُلوبِ العالمين، حيثُ قال: «للهُ أَشَدُّ فَرَحاً بتوبة عبده من أحدِكُم إِذا سَقَطَ عليه بعيره
قد أضَلَّه بأرض فلاةٍ». رواه الشيخان، عن أنس.
ورَوَى ابنُ عَساكِرَ في «أماليه» عن أبي هُرَيْرَةَ: «اللَّهُ أَفَرَحُ بتوبة عبدِه من العَقِيمِ
الوالد، ومن الضَّالِّ الوَاجِدِ، ومن الظَّمَآنِ الوارِدِ».
وقد قال علَّامُ الغُيوبِ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ؛ أي: من الذُّنوبِ، وَيُحِبُّ المتطهرين} [البقرة: ???]؛ أي: من العُيوبِ، ولا شكٍّ أنَّ المُرادَ بِالتَّوبة، هي التّوبةُ الصحيحة، وألا تكون لسانية يستحقُ صاحِبُها الفَضيحة، فلا كُلُّ مَن قالَ: آمنتُ؛ صَحَ
إيمانُه، ولا كلُّ مَن قالَ: تُبتُ، ثَبَتَ إحسانه.
ثم المراد بالفرح هو الرضاء، وما يتعلق به من النواب والثناء، وإلا فهو في حقه تعالى مُحالٌ؛ لمُنافاته صفات الكمال؛ لكونه من بابِ التَّغَيرِ والانفعال. قالَ: والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِنا محمد، والآل والأصحاب.
أقولُ اللَّامُ للعَهْدِ، أو عِوَضٌ عن المُضاف إليه، أي: آلِه وأصحابه.
وفيه إشارة إلى مَذهَبِ أَهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ من الجمع بين المحبَّةِ لجميع الأحِبَّةِ، أعني محمَّداً وحِزْبَه، ورَدُّ وارد على الخَوارِجِ حيثُ يُبغِضُونَ أَكثَرَ أَهْلِ بَيتِ النُّبوَّةِ، وعلى الروافض حيثُ يرفضونَ أكثرَ الصَّحابة، فهم أهل اللعنة، ولهم اللعنة.
قال: أما بعد.
أقول: هذا في أوَّلِ الكتابِ يُسمَّى: فَصْلَ الخِطاب، وهو أن يُؤتَى بعد الخطبة، قبل الشروع في البُغية، والمُضافُ مُقَدَّرٌ مَنْوِيٌّ؛ أي: بعد الحمد الإلهي، والسَّلامِ النَّبوِيِّ.
فقد سألني مَن إِجابتُه؛ أي: إجابتي إيَّاهُ، عليَّ فَرضُ عَينٍ؛ أي: واحِبٌ عليَّ، مُتعيّن لديَّ، وفيه المُسامحة لما أُريد به من المُبالغةِ، وَمَنزِلتُه في أعلى مَنازِلِ السَّماكَينِ؛ أي: مرتبتُه في أُفِقِ مَقامِ الجَمالِ الغالب على الجلالِ، في أعلى مراتبه من
الجاه والمالِ والنَّسَبِ والحَسَبِ اللَّذين عليهما مدارُ الكَمالِ.
سُلالَةُ السَّلَفِ الطَّاهِرِ؛ أي: خُلاصَةُ المُتقدمين الأطهار، وإنما أفردَ الطَّاهِرَ نظراً للفظ: السَّلفِ على الظَّاهِرِ، والجَنابِ الفاخر، في «القاموس»:
الجَنابُ: الفِناء والرَّحلُ والنَّاحِيةُ، انتهى وهو كنايةٌ عن صاحبِ المَقامِ على وَجهِ الكَمالِ، بذكرِ المَحَلِّ وإرادة الحال، والفاخِرُ على ما في «القاموس»: الجيِّدُ من كلِّ شيءٍ، والفَخْرُ: التَّمَدُّحُ بِالخِصالِ کالافتخار، انتهى
والأظهَرُ أَنَّه فاعِل للنسبةِ، كتامِرٍ ولا بن؛ أي: ذُو الْفَخْرِ؛ أي: المُفتَخَر به، وهو في الظَّاهِرِ صفةٌ للجَنابِ، ولصاحبه في المآبِ.
ويُؤَيَّده قوله: ذو العِزَّةِ؛ أي: صاحِبُ الغَلَبَةِ والمَنَعَةِ، والدِّينِ؛ أي: وصاحِبُ الطَّاعةِ والدِّيانِةِ، رَوَّحَ اللهُ رُوحه في العالمين؛ أي: أَعطَى اللَّهُ الرَّوحَ وَالرَّاحِةَ لرُوحِه فيما بين عالمي زَمانِه؛ لعُلوِّ مَكانَتِه ومَكانِه.
وفيه إشارة إلى أنَّه حَصَلَ لمَمدوحِه الانتقال؛ أي إلى رَحمةِ اللهِ تعالى المَلِكِ المتعال، كنايةٌ عن مَوتِه قبلَ جَوابِ السُّؤالِ.
أَنِ اكتُبْ، أَنْ مَصدرِيَّةٌ محلُّها النَّصبُ على أَنَّه مفعولٌ ثانٍ لـ: سألني، أو تفسيرية؛ لأنَّ في السُّؤالِ معنَى القَولِ، أي: اكتُب كتابة تفسير وبيان، وحُجَّةٍ وبُرهان. على قوله تعالى؛ أي: حكايةً عن فِرْعَونَ عند إدراك الإغراق، على توَهمِ تدارُكِ الاستحقاق، بقوله: أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90] الآية، يحتمل الإعراباتِ الثَّلاثَ.
ولا يخفى أنَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} رأسُ الآية، فمُراده بالآية هي التي تتلوها في القراءة، وهي قوله تعالى: {الْكَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
[يونس: 91].
فَأَجَبْتُ إلى ذلك؛ أي: أَجَبْتُ السَّائِلَ إلى قَبولِ مَسؤوله، والجواب عن مَطلُوبِه ومَأْمُولِه، وكتبتُ في غابرِ الزَّمانِ؛ أي: وقد كنتُ كَتبتُ في سالفِ الزَّمانِ، وماضي الأوان والأحيانِ، حسب ما ظَهَرَ، بفتح السِّينِ، وقد تُسَكَّنُ؛ أي: مقدار ما تبين لي، وتعينَ عندي من الكلام على الآية، وما يتعلق بها من الرواية والدراية، من غير تقليد؛ أي: لأحَدٍ من الأئمَّةِ المُجتهدين، على زَعْمِ أَنَّه وَصَلَ إلى مَرتبَةِ المحققين، وإلى منزلةِ المُدَقِّقين، ومن هنا وَقَعَ في عَدَمِ الهَناءِ، وَوَجَدَ العَناءَ، وفَقَدَ الغناء؛ إذ لو تتبع كلامَ السَّلَفِ والخَلَفِ من المُفسّرين، وتبع رواياتِ المُحدثين، لما وقع تحت قول سيد الأبرار: من قال في القُرآنِ برَايِهِ فَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَه مِن النَّارِ». رَوَاهُ الترمذي. وفي رواية: مَن قال في القُرآنِ بَرَأيهِ فَأَصابَ فقد أخطا.
قالَ: ثم عَنَّ، بتشديدِ النُّونِ؛ أي: ظَهَرَ لي أشياءُ؛ أي: أُمورٌ أُخَرُ مِن فَيضِ مولى الحميد الإضافَةُ بيانيَّةٌ عندَ مَن يُجوِّزُها، وكانَ الأحْسَنُ أن يقولَ: مِن فَيضِ المولى الحميد، وهو فَعيل بمعنى الفاعِلِ أو المفعول، ولمَّا كَانَ ظَنُّ كُلَّ أَحَدٍ أَنَّه في مرتبة الانتباه، نُسِبَ إلَى أَنَّهُ مِن فَيضِ الإله، وفي الحقيقة كلِّ مِن عند الله.
فأحببتُ الزّيادةَ؛ أي: على الزيادةِ في سابقة الإفادة في الكلام العربي، كأَنَّه إشارة إلى أنَّ ما صَدَرَ عنه أولاً كانَ بلسانِ العَجَمِيٌّ؛ اليَظْهَرَ به؛ أي: بمجموع ما ذَكَرَ، الرَّدُّ على من قال بتكفير مولى العلماء؛ أي: سيدهم ورئيسهم، وتاج الأولياء؛ أي سنَدُهم ورأسُهم، والمُرادُ: عُلماءُ زَمانِه ومَشايخُ مَكانِه، مولانا الشَّيخُ مُحيي الدين العربي، وأغرَبَ الجَلالُ معَ جَلالتِهِ، أَنْ سَجَعَ بينَ العَرَبِيِّ والعَرَبِي فِي جَزَالِتِه،
والطعن في كلامه إن عطَفَ بالرفع على الرَّدّ، فلا يخفَى فَسادُه، وإِن عَطَفَ بالجر على التكفير، فيظهر كساده.
ثم قوله: وزيادةُ الكَلامِ يحتَمِلُ الجرَّ والرفع، وهو أظهَرُ، وقوله: لا فائدة فيه؛ أي: في ذلك الكلام، أو في زيادته وذكر؛ لكونها مصدراً، والجملة حال. وقوله: في مَلامِه: بدل ممَّا قبله، وفي تعليليَّة، والمَلامُ بفتح الميم مصدرُ لامه، بمعنى: الملامة، وسيأتي - إنْ شاءَ الله تعالى التيسير – تفسير ما يتعلَّق بالتكفير. فأقول وبالله التوفيق؛ لأنه بيدِه أَزِمَّةُ التَّحقيق: اعلم يا أخي، أي: في الدِّينِ؛ لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وهو خطاب عام يسْمَلُ السَّائِل وغيره. وفقني الله تعالى وإِيَّاكَ طريقَ الصَّوابِ، منصوب بنَزْعِ الخافِض؛ أي: لطريقه والوصول إلى تحقيقه، وجَنَّبَني وإِيَّاكَ عن مَسالِكِ التَّعَصُّبِ والاعتصاب؛ أي: وبَعْدَنا عن طرقِ التَّعَصُّبِ المَذهَبي التقليدي، والاسْتِدادِ على وَفْقِ الدِّينِ الوالدي والبلدي البليدي؛ لأنَّ طريقَ الصَّوابِ هو المأخوذ من الكتاب وحديث سيد أولي الألباب، وما أجمَعَ عليه الآل والأصحاب، ومَن تبعهم من علماء الأخيار، ومشايخ الأبرار.
أنَّ علماء الإسلام؛ أي: من أهل الاجتهادِ التَّام، والفتوى للأنامِ، وأهل الولاية والاحتشام؛ أي: من مشايخ العِظامِ وصُلَحاءِ الكِرامِ، قد اختلفوا في إيمانِ فِرْعَونِ مُوسى عليه السَّلام، إِنَّما أضافَ فِرْعَونَ إِلى مُوسَى؛ لأَنَّ فِرْعَونَ لِقَبُ كُلِّ مَن مَلَكَ مِصْرَ، كما أَنَّ قَيْصَرَ لَقَبُ مَلِكِ الرُّومِ، والنَّجاشِيَّ لَقَبُ مَلِكِ الحَبَشِةِ، وتُبَّعاً لِمَن مَلَكَ اليَمَنَ، وَكِسرى لِمَن مَلَكَ الفُرسَ.
ثمَّ الاختِلافُ الذي ذَكَرَه ليس له أصل أصلاً، ولا نُسِبَ هذا القول إلا لابنِ العَرَبيّ وَصْلاً وفضلاً، فهذا بهتان عظيمٌ، وسبَبٌ لحَرابِ الدِّينِ القَويمِ؛ لأنَّ الجَاهِلَ أي قوله: لا فائدة فيه».
إذا طَرَقَ سمعه قول هذا القائلِ، ظَنَّ أنَّ هذا من قَبيلِ احْتِلافِ المَسائلِ، ممَّا وَقَعَ بينَ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، وبينَ المُعتَزِلَةِ وأشباههم، أو بين الحنفيَّةِ والشَّافعيّةِ وأتباعهم، أو بينَ المُفسِّرِينَ في أقوالهم، والحالُ أنَّه ليس لذلك أثر ولا خبرٌ في كتبهم.
فمنهم؛ أي: فبَعضُ العُلماء والمشايخ على زعمه، مَن طَوَّقَه طَوْقَ الكُفرانِ؛ أي: أَلبسَ فِرْعَونَ طَوْقَ اللَّعْنَةِ والخُسران، أو نسبه إلى الكُفْرِ الذي هو ضد الإيمانِ، وأَمَّا الكُفَرَانُ فهو ضِدُّ الشُّكرِ على الإحسانِ، والطغيانِ وهو التّجاوز عن حدّ الطَّاعة، والمُبالغةُ في العِصيان، وهذا لا خلاف فيه عندَ العُلماءِ الأعيان، فمَن ادَّعى خلاف ذلك فعليه البَيَانُ.
ومنهم؛ أي: ومن العُلماءِ والمَشايخ على زَعمِه؛ إذ ليس لهم وجود في الخارج إلّا في ذهنه، نعَمْ وُجِدَ هذا القَولُ في كُتُب ابنِ العَربي، والمُعْتَمَدُ عِندَ العُلماءِ أنَّ هذا مدخول فيها من المُلحِدِ الغَبِيِّ، فلا يصح قوله.
ومنهم مَن أدخَلَ عُنُقَه؛ أي: عُنُقَ فِرْعَونَ فِي رِبْقَةِ الإيمانِ؛ أي: في قيده إلى يوم الجزاء والإحسان، ولا يخفى أنَّ هذه الغاية ليسَ لها محلّ من البَيانِ، والحق؛ هذه مُجازَفَةٌ عَظيمةٌ، وجُرأَةٌ جَسيمةٌ، حيثُ جَعَلَ نفسه أهلاً للمُحاكمة، ثمَّ حَكَمَ للقَولِ الشَّاذُ النَّادِرِ الذي ليس له أصل أصلاً في المُخاصَمَةِ بكونه الحقِّ من طَرَفَي الجدال، ومفهومه أنَّ غيرَه هو الضَّلالُ؛ لقَولِ المَلِكِ المُتعالِ: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: ??]، فهذا من الإبطال على كلامِ الجَلالِ، فلو كان من أهلِ الوِصالِ لقالَ: والظَّاهِرُ، أو الأظهَرُ في الحال.
أنَّ الآيةَ الشَّرِيفَةَ مُصَرِّحةٌ بالإيمانِ، معَ أَنَّها غير ظاهرة عند أرباب الإيقانِ وأصحابِ البَيانِ، وإنَّما يتوَهَّمُ مَن يعرى عن البُرهان؛ لاعتماده على إيمانِ اللَّسانِ، أو على مُجرَّدِ الإيمانِ معَ قَطعِ النَّظِرِ عن الشُّروطِ والأركانِ.
حتّى قالَ الشَّيخُ بنفسه في «الفُصوص»: وهذا هو الظَّاهِرُ الذي وَرَدَ به القُرآنُ. معَ مُناقَضَةِ كلامه في الفُصوص الحكميَّةِ لِما ذكره في «الفتوحاتِ المكَّيَّةِ» حيثُ قال في البابِ الثَّاني والستين: المُجرِمُونَ أربع طوائِفَ، كلُّهَا فِي النَّارِ، لا يخرُجُونَ منها، وهم المُتكبّرونَ على اللهِ كَفِرْعَونَ وأمثالِهِ ممَّن ادعى الرُّبوبيَّةَ لنَفْسِه، وكذلك نُمرُودُ وغَيْرُه، انتهى.
وهذا هو الصَّوابُ عندَ أُولي الألبابِ، والعجيب من بعض شُرَّاحِ الفُصوص»:
أَنَّه أَوَّلَ هذا الكلامَ المُطابِق للنُّصوص، ومال إلى الضَّلَالِ المُصْرِبِ فِي المَقَالِ. وقوله: من غير مانع منطوقاً ومفهوماً ممنوع لما سيأتي من الموانع ما يصير به الأمرُ معلوماً، فإنَّ لا لنَفْي حُكمِ الجِنْسِ، لا مُخالِفَ فيه من الجِنِّ والإِنسِ، والخبر محذوف، وفيه خلافٌ مَعروفٌ.
والتقدير: آمنتُ أنَّه؛ أي بأنَّه لا إلهَ إلا الذي آمنَتْ به بَنُو إسرائيل هذا التَّقديرُ إِنَّما هو هو على قراءة فَتْح الهمزة التي عليها الجمهور، وأما على قراءَةِ كَسْرِها، وهو قراءة حمزة والكسائي، فعلى إِضمارِ القَولِ تقديراً، أو على أنَّه استئنافُ بَدَلاً لـ: «آمنتُ» وتفسيراً.
ثمَّ اعْلَمْ أَوَّلاً أَنَّ البَيضاوِيَّ - بَيَّضَ الله وجهَهُ يومَ تبَيَضُ الوُجوهُ ـ ذَكَرَ مُجملاً في تفسيره» ما أجمَعَ عليه المُفَسِّرون مُفَصَّلاً، حيثُ قال: فنكَبَ فِرْعَونُ عن الإيمان أوان القبول، وبالغ فيه حينَ لا يُقبل منه الوصول، فقيل له الشَنَ؛ أي: أَتُؤمِنُ الآن وقد أَيسْتَ من نفسك بالاضطرار؟ ولم يبق لك شيء من الاختيار، وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ؛ أي: قبل ذلك مُدَّةَ عُمركَ، وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 91] الضَّالِّينَ المُضِلَّينَ عن الإيمان والدِّينِ.
وإذا عَرَفْتَ هذا فقوله: والمعنَى: صَدَّقتُ وتَيَقَّنتُ أَنَّه لا معبود بالحقِّ إلا الله الذي آمنَتْ به بَنُو إسرائيل مدفوع بأنَّه لا يلزم من قوله: آمنتُ أَنَّه صَدَّقَ وتيقّنَ؛ لقوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَنُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14].
ثمَّ قوله: والذي آمنَتْ به بَنُو إسرائيل هو المعبود بحقِّ، الذي جاءَ به مُوسَى وهارُونُ عليهما السّلام ليس لأحدٍ فيه مُناقشةٌ، ولا يتَوَهَّمُ منه مُناقَضَةٌ، وإِنَّما المُضايقَةُ في أنَّه هل إيمانُه وقَعَ عن يقين وبُرهان أو مُجرَّدُ لَقْلَقَةِ لسانٍ؟ وعلى التَّنزلِ فهو في وقتِ بأس وعيان وحالة يأس وحرمان، معَ أَنَّ إِيمَانَه هذا إِنَّما يُفيدُ التَّوحيدَ فقط، وإنَّه عن مرتبةِ دَعوَى الأُلوهِيَّةِ سَقَطَ.
وهذا القدر من الإيمانِ غيرُ مُعتبَرٍ في جميع الأديان، فإِنَّ مَن قالَ: «لا إله إلا الله ولم يضُمَّ إليه مَثَلاً شَهادَةَ: «محمَّدٌ رسولُ الله»؛ لم يكُنْ مُؤمِناً إجماعاً، فكانَ رُكنه الآخرُ: الإقرار بأنَّ مُوسى رسولُ اللهِ؛ لأنَّ المَفهوم من الآية في الجملة أنَّه آمنَ بإلهِ مُوسى، ولا يلزم منه الإيمان برسالةٍ مُوسَى كما لا يخفى، ولا من قوله: {وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ}؛ للاحتياج إلى التنصيص على الإيمانِ بالرَّسولِ المَلزومِ منه الإيمانُ بجَميعِ المُرسَلين، والمُقتضي 2 للإيمان بجَميعِ المُؤمَن به إلى يومِ الدِّينِ، على وجه اليقين.
وأما ما صححه البَغَوِيُّ، ونقَلَه إمامُ الحَرَمَينِ عن الأكثر، ونقل الحليمِيُّ الإجماع عليه؛ من أنَّ إيمانَ المُشْرِكِ يتمُّ بشَهادةِ التَّوحيد، فمعناه: أَنَّه لا يحتاجُ إلى التبري عن سائر الأديانِ ومِلَلِ الطُّغيان، لا أنَّه يتمُّ بدونِ الإِيمَانِ بالنَّبِيِّ كما فَهِمَه الشَّارِحُ الغَبِيُّ لـ «فُصوص ابنِ «العربي»، وبهذا يظهَرُ عدَمُ فائدة قوله:
فقد حَصَرَ إيمانَه في المَعبودِ بحَقِّ مَنطوقاً ومَفهُوماً؛ فَإِنَّه صَارَ بمَا ذَكَرْنا كُلُّ ركن من الإيمان لك معلوماً.
وأَمَّا قَولُه: وإنَّه قال ذلك بقَلبِه مُضْمِراً على ذلك؛ فمَردودٌ؛ لأنَّ أَمَرَ القَلْبِ
غير معلوم إلا لعالِمِ الغَيبِ على ما هنالك.
ثم قوله: ونَطَقَ بلسانه يحتاج إلى تبيانه؛ لأنه ليس بصريح في شأنه، فالاحتمال جائز في عُنوانِه. وقوله: وأما النطقُ فظاهِرُ غير ظاهر؛ لأنَّه تحت الاحتمال فلا يصلُحُ
للاستدلال.
قوله: وأما الإيمان بالقلب فيشهادَةِ الجُملَةِ الفِعليَّةِ التي هي «آمنتُ»، فيه: أنَّ الجُملة الفعليَّةَ ليس لها دَلالة على الشَّهادةِ القَليَّةِ، وكانت الجُملةُ كما قالَ: المُؤكَّدة بمضمونِ الجُملة الاسميَّةِ؛ أي: {لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِى ءَامَنَتْ بِهِ بَنُوا إسراءيل، وفيه: أَنَّها ليست مُؤكِّدَةً لها، بل مُتعلّقة بها.
وقوله: وَأَنَا، واللَّامُ المُؤكَّدة بالجملة الاسمية التي هي وأنا مِنَ الْمُسْلِمِينَ خارج عن القواعد؛ إذ لم يقُل أحدٌ بأنَّ كونَ «أنا» حال كونه مُبتداً مؤكد، ولا أنَّ لامَ التّعريف مُؤيَّد، وهذ يدلُّ على أنَّ طبعه سقيم، وفَهمَه غَيْرُ قَوِيمٍ.
ومع هذا قال: ومَن له طَبع سليمٌ، وعَقلٌ مُستقيم، يعلَمُ أَنَّ هَذا القَولَ إِنَّمَا قالَه عند استقامة عقلِه.
وفيه أنَّه لم يقُلْ أَحَدٌ أَنَّه قاله حالَ جُنونِه وإزالة فَهمه. وقوله: لا أنه حالةَ الغَرَقِ عندَ غَمَراتِ الماءِ وغشيانه، معَ عَدَمِ مُلاءَمَتِه لما قبله من بيانِهِ، مُخالِفٌ لنَصَّ كلام الحقِّ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ} [يونس: 90] قد قالَ المُحققون من المُتكلّمين: إنَّ الإيمان هو التصديقُ بالقلب، وهو كذلك، لكن لا يطَّلِعُ على التصديق إلا الرَّبُّ، ومع هذا لا ينفَعُ الإِيمَانُ عندَ المُشاهدةِ والعَيانِ. قال: وإنَّ الإقرار باللسان لإجراء الأحكامِ؛ أي: على خِلافٍ في أَنَّه شَطْرُ أو شَرْطُ عند علماء الإسلام؟ قالَ: فكيفَ مَن صَدَّقَ بجَنانِهِ ونَطَقَ بلِسانِهِ كِلاهما ممنوعانَ، واعتبارهما مَدفوعانِ لِما سَبَقَ لك بعضُ بيانه، وسيأتيك بقيَّةُ بُرهانه.
قال: وهذا معنى قولِ الشَّيخِ؛ أي: على فَرَضِ نِسبَتِهِ إِليه، وإِلَّا فهو لا شَكٍّ أَنَّه افتراء عليه، أو له تأويلٌ عَامِضٌ لدَيه، فَقَبَضَه عندَ إيمانِه يحتاج إلى تحقيق إتيانه، وقوله: قبل أن يكسب شيئاً من الآثام؛ أي: المُتعلّقة بالأنامِ، وإلا فلا يُتَصَوَّرُ منه الآثامُ القلبيَّةُ من مفاسد النِّيَّةِ ومَقاصِدِ الدَّنِيَّةِ.
قوله: فإنَّه لم يعِش بعد ذلك؛ أي: ليَظهَرَ على ظاهره شيءٌ من المعاصي هنالك، وليس الكلام في ذلك، وإنَّما هو من باب استطراد المسالك، وكذا قوله: والإسلامُ يَجُبُّ ما قبله في حقٌّ الخالقِ لا في حق الخلائق، وكأَنَّه توَهَّمَ أَنَّ إِعْراقَ فِرْعَونَ إِنَّمَا كانَ لحقوق العبادِ كإضلالِ الخَلقِ، وقتل الأنفُسِ، واسترقاق بني إسرائيل على وَجْهِ العِنادِ.
فاعلم أنَّه وَرَدَ في صَحِيحِ مُسلم عن عمرِو بنِ العاصِ مرفوعاً: «أَنَّ الإسلام يهدِمُ ما كانَ قبله، وأنَّ الهِجرَةَ تهدِمُ ما كانَ قبلها، وأنَّ الحج يهدِمُ ما كانَ قبله.
قالَ الشَّيخُ المُعتَمَدُ في المُعتقَد، الإمامُ التَّوْرِ بِشتِيّ: الإسلامُ يهدِمُ ما كانَ قبلَه مُطلَقاً، مظلمَةٌ كانت أو غيرها، صغيرة أو كبيرةً، وأمَّا الهِجْرَةُ والحج فإنَّهما لا يُكَفِّرَانِ المظالم، ولا يُقطَعُ فيهما بغُفران الكبائر التي بين العبد ومولاه، فيُحمَلُ الحديث على هَدْمِها 2 الصَّغيرةَ المُتقدِّمَةَ، ويحتمل هَدْمَها الكبائر التي لا تتعلَّق بحقوقِ العِبادِ، بشرطِ التّوبةِ، عَرَفْنا ذلك من أصولِ الدِّينِ، فَرَدَدْنا المُجْمَلَ إِلَى المُفَصَّلِ، وعليه اتَّفَاقُ الشارحين، انتهى.
وهو مطابق لإطلاق قوله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: ??]، ومُوافِقُ لقوله عزّ وجلَّ: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الصف: ??]، ومُلائِمٌ لقَولِه سُبحانه وتعالى: لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53].
وأما ما جاء من بعض الآياتِ من قوله تعالى: {يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ [الأحقاف: ??]؛ فمحمول على الخطاب العام الشَّامِل للمُؤْمِنِ والكافر، أو على أنَّ مِن زائدة، أو على أنَّها تبعيضيَّةٌ، والمراد من بعض ذُنُوبِكم: هو ما سبق، فإِنَّ الإسلام يجُبُّه، فلا يُؤاخِذُه في الآخرة، كما ذكره البيضاوي في سورة نُوحٍ عليهِ السَّلام، فهذا دلَّ على جَهْلِ الجَلالِ بما هنالك، وصَحَ قَولُه: فَإِنَّه قُدَّسَ سره لم يجهل ذلك، لتقيده بذلك.
قوله: ثم قال؛ أي: الشَّيخُ على زَعمِه، وجَعَلَه؛ أَي اللَّهُ إِيمَانَ فِرْعَونَ على تقدير صِحَّتِه، آيةً؛ أي: دَلالةً واضِحَةً وعلامة لائِحةً على عِنايتِه سُبحانَهُ لِمَن شَاءَ حتّى لا يبأسَ أَحدٌ من رَحمةِ اللهِ تعالى.
أقولُ: لو أُريدَ الدَّلالة على ذلك وتَحقَّقَ إيمانُه هُنالِكَ، لَكَانَ اللهُ أبقاه وما أهلَكَه في تلك المسالك، بل إنَّما نجا بدَنَه الهالِكَ، وألقاهُ عُرْياناً مُنفَرِداً على ساحل بحرِه؛ لكَشْفِ تَزويره، وإماطَةِ الشُّبهة في أمره، ولإظهارِ قُدرَتِهِ، وغَلَبَةِ قَضائِهِ وقَدَرِه. وبهذا ظَهَرَ وَجهُ إبرازه على الخُصوص، فبَطَلَ قول صاحبِ «شرحِ الفُصوص»:
لولا وجود إيمانِه لم يظهَرْ وَجهُ امتيازه عن أتباعه وأقرانه.
ثم فيه إشارة لطيفة، وهي أنَّ الخَلاصَ الصُّورِيَّ كَانَ في مُقابلة الإيمانِ الاضْطِرارِي؛ لأنَّ اللهَ لا يُضيعُ أَجْرَ مَن أَحسَنَ عَمَلاً؛ أي: ولو كان من الكُفَّارِ مثلاً، فإنَّ بعض أعمالهم ممَّا هو في صورة أفعالِ المُؤْمِنِينَ مِن إطعامِ الفُقَرَاءِ، وَغَوثِ الضعفاء، وصلة الأرحام، وإحسانِ الأيتام، يُجازَونَ بها في الدُّنْيا بِالنِّعَمِ الصُّورِيَّةِ، من المال والجاهِ وطُولِ العُمُرِ وكثرةِ الدُّرِّيةِ.
وقوله: أَخَذَ بصيغة الماضي والفاعل، من قوله: {يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِم} [الزمر: 53] الآية، ليس فيها ما يدلُّ على ما نحن فيه من الدلالة، فإنَّ الكلامَ في عَدَمِ صِحَّةِ إيمانِه؛ لعَدَمِ شُروط تحقق إيقانه، والآيةُ إِنَّما تدلُّ على قبول التوبة، والنهي عن القُنوط من الرحمة.
وكذا قوله: وشَيَّدَ أركانه بقوله: فـ: لَا يَأْتِسُ مِن زَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ [يوسف: ??]، وفيه أنَّ اليأس من رَحمةِ اللهِ هو أن يظُنَّ أَنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ له بعد توبته، وتحققِ أَوبَتِه، قالَ: فلو كانَ فِرْعَونُ ممَّن يبأَسُ ما بادَرَ إِلى الإِيمَانِ، فيه أَنَّ عَدَمَ قَبولِ إيمانه على تقدير تحقق أركانه؛ لأنَّه يئس من الحياة وتحقق عندَه المَمات، ورأى عذابَ الدُّنيا، بل عقابَ العُقبى أيضاً مُشاهدةً وعياناً، ولا يُعَدُّ إيمانُ اليأس حالَ البأس
إيماناً، فَعَدَمُ يَأْسِه ما نفَعَه حالَ بأسه.
قال: وهذا كلامُ صِدْقٍ، أقول لكنْ أُريد به كذب، وأُسلوبُ حَقٌّ، لكِنْ أُريد به باطل ونَصْبٌ، وما يجهَلُه إلا مَن لا يعرِفُ أساليب الكلام، ولا شكٍّ أنَّ صاحب الجهلِ المُركَبِ هو البَعيدُ من المَقامِ فِي فَهْمِ المَرامِ، حيثُ نَسَبَ الأَئِمَّةَ الأعلام، بل جميع أهل الإسلام إلى الجهل بالكلام.
قالَ: والدليل على قبولِ الإيمان قوله: {الْكَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: ??]، وفيه أنَّ الكلام في تحققِ الإيمانِ يترتب عليه القبول عندَ أرباب الإيقانِ، فَثَبِّتِ العَرْشَ ثُمَّ انْقُشُ مِن أَمثالِ أهل البيانِ، مع أنَّ الآيةَ مُصرّحةٌ على توبيخه بتأخير الإيمانِ إلى آنِ العَيانِ معَ تحققِ عصيانه وكُفْرِه في سائر ? الزَّمانِ، فلو كانَ إيمانه صحيحاً ما أتى بتوبيخه صريحاً، ولا عيره بما اجترَحَ سابقاً جريحاً، هذا ممَّا عُلِمَ من الدِّينِ بالضَّرورة، والجاهِلُ به مُرتكب للأُمورِ المَحظُورَةِ. قالَ: للقاعدة البيانية، وهي: إذا كانَ هُناكَ نفي وقُيَّدَ سُلْطَ النَّفي على القَيدِ ورَفَعَه، أقولُ ليسَتْ هذه كلَّيَّةٌ؛ إذ قد يتوَجَّهُ النَّفي على القَيدِ والمُقيَّدِ جميعاً في القَضيَّةِ، كقوله تعالى: لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ الْحَافَا [البقرة: ???]، وكقوله سُبحانَه: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ} [غافر: ??].
قال: وعلى هذا؛ أي ما ذَكَرَ من القاعدة فالهمزة للإنكار، والإنكار بمعنى هذا مثل يقال في المناظرات، ويقصد به أنك تحتاج قبل النقش أن يكون العرش ثابتاً، لأنك لو نقشت ثم سقط وتحطم يذهب نقشك هباء، وقصدوا بذلك في المناظرات والردود من يستدل بدليل ويبني عليه أحكاماً وحلالاً وحراماً ويكون دليله باطلاً لا يثبت ولا يصح.
النفي، وفيه أن الإنكار هنا للتوبيخ والتقريع؛ لما فيه من المعنى البديع؛ فإن التقدير: ءَ أَمَنْتَ الآنَ؟ أو أَتُؤمِنُ الآنَ؟ وهو وقتُ اليأس ورُؤيةِ البَأْسِ، وقد أَصرَرْتَ على عصيانك وكُفْرِك وطُغيانك قبل ذلك وكنتَ من المُفسِدين!!؛ أي: من أهلِ الفَسادِ فيما هنالك من زَمانِ قَبولِ إيمانِ السَّالكِ.
والجملة حال من الفاعل في الفعل المُقدَّرِ المَدخول عليه همزة الإنكار، المُقيَّدِ بـ: العَنَ المُعبّر عن زمانِ الإقرار، فتأمَّلْ إِن كُنتَ من الأبرارِ، يَظْهَرْ لك بطلان ما ظَهَرَ من الفُجَّارِ.
قالَ: فيكون المعنى ما عَصيتَ الآنَ، بل جَبَّ إِيمَانُكَ عِصيانَك، فيكونُ نَفياً للقيد، أرادَ بالقيدِ جُملة: {وَقَدْ عَصَيْتَ» فإنَّه حال، وظن أنه للتحويل، وهذا منه تحريف للتّنزيل، وتصحيفٌ للتَّأويل، وباطِل من جهة العربية عند أرباب التحصيل؛ فإِنَّ العِصيانَ المُقيَّدَ بِقَبْلِ ذلك، المُحقَّقِ هُنالِك كيفَ يدخُلُ النَّفي عليه؟ أم كيف يُتَصَوَّرُ تحويلُ الْكَنَ} إليه، فيحصُلُ التَّناقُضُ الصَّريح لدَيهِ.
قال: ويجوز أن يكون القيد قيداً للمنفي، والمعنى: حالة عصيانك لم تكن، بل زالت بإيمانك، وفيه أنَّ هذا جَهل آخَرُ بالكلام، وتبعد بالكلية ع مَقامِ المَرامِ، فإنَّ مال كلامه إلى أنَّه توهَّمَ أنَّ النَّفَيَ دخَلَ على «الْتَنَ» أو «عَصَيْتَ المُقيَّدِ بالقبلية، فتارةً نفى القيد، وأُخرَى نفَى المُقيَّدَ، فهو كخَبْطِ عشواء لا يدري ما في القُدَّامِ ولا ما في الوراء، وكحاطِبِ ليل لا يُفرِّقُ بين ما
فيه الغناء والعَناءِ.
فالتحقيقُ أَنَّ التَّقدير كما قدَّمنا قُبيلَ ذلكَ، وجَعَلُ الهمزة للإنكار لا يصح
هنالك، للإجماع على حصولِ الإيمانِ في ذلك المَكانِ، وإِنَّما عَدَمُ القَبولِ لحصولِ العيان، أو لفَقْدِ بعض الأركان.
قالَ: وإذا صَحَ إيمانُه عَقْلاً، فيه أنَّه لا يصِحُ الإيمانُ إلا نقلاً، وليس للعقل فيه دَخُلُ أصلاً، قال: من غيرِ مُعارِض قطعِيٌّ، فيه أنَّ المانع والنَّافِيَ لا يحتاج إلى مُعارِض ظنِّي فَضْلاً عن مُناقِض قطعِيّ، وإنَّما المُثبِتُ عليه البرهان، كما هو مَعلومٌ عند الأعيان، لا سيما وسنَدُ المَنعِ: استصحابُ الحُكمِ إلى آخرِ الزَّمانِ.
قال: حكم بما قالَ الشَّيخُ قُدَّسَ سِرُّه؛ أي: إِنْ ثبَتَ عنه أَوَّلاً، وأراد هذا المعنى ثانياً، وسلِمَ له ولم يَكفُرْ به ثالثاً، ولم يتب عنه رابعاً، قالَ: وَمَن نَحَا نَحْوَه، أرادَ نفسَه فإِنَّه ما نحا نحوَه غيرُه.
قال: بأنه؛ أي: بأنَّ ما قاله الشَّيخُ حُكم صحيح لا يأتيه الباطل من بين يديهِ ولا من خلفه، وهذا منه توهُمُ سَجع عليه رَجْعُ، وتضمين عليه تضمين، فإنَّها كلمةُ حق أراد بها باطلاً، وهو أنَّ كلامَ الشَّيخِ ومن تبعه هو الحق، وما عداه يكونُ ضَلالاً، معَ أَنَّ الآيةَ لا تصح إلا أن تكونَ صفةٌ للقُرآنِ العظيم، أو نعتاً لكلامِ الرَّسولِ الكريم، وأمَّا غيره فكلُّ أحدٍ يقبل أن يُقبَلَ قوله ويُردَّ، كما وَرَدَ مَن أحدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» 2.
قالَ: وأيضاً قال ابن هشام في «المغني»: الإنكار الإبطالي يقتضي أنَّ ما بعد الهمزة غير واقع، وأنَّ مُدَّعيه كاذِبٌ، نحو: {فَأَسْتَفْتِهِمْ أَلِرَيْكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ البنون} [الصافات: 149] 3، قلت: فيه حُجَّةٌ عليه، حيث جعل الهمزة أوَّلاً
للإنكار، مع أنَّ ما بعد الهمزة الإنكاريَّةِ للإبطال غير واقعة في الأخبار، فيُفيدُ نفي الإيمانِ عنه مع الإقرار. ثم قالَ مُتَمِّماً لكلامِ المُغني»: والإنكار التوبيخي يقتضي أنَّ ما بعده واقع، وأنَّ فاعِلَه مَلوم نحو: أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} [الصافات: 95] انتهى. والآية من قَبيلِ الثَّاني، قلتُ: هذا مُطابِقٌ للمباني والمعاني، فيكون معنى الآية: الآن آمَنتَ؟ فيه أنَّ صوابه: آمَنتَ الآنَ؟ لأنَّ الواقع هو الإيمانُ المُؤخَّرُ إلى ذلك الزَّمانِ المُلامِ عليه في كل لسانٍ.
قال: لا: الآن ما آمَنْتَ صوابه: لا ما آمَنتَ الآنَ، على مُقْتَضَى كونِ الهمزة للإنكار بمعنى الإبطال؛ إذ لم يقل به أحدٌ كما بَيَّنَّا، بل قالوا: إنَّه وبخَ على الإيمانِ الآني المُقترن بالبأس واليأسِ الزَّماني، وقد سبق له الإصرار على الكُفْرِ والكُفرانِ الطُّغياني.
وقوله: إذ ما بعد الهمزة واقع وهو العصيان، صوابه: وهو الإيمان، وهذا منه مبني على ما سبقَ لقَلَمِه من الطغيان، قال: وإلا يلزَمُ الكَذِبُ في كلامِ اللهِ، تعالى عن ذلك عُلُوّاً كبيراً؛ أي: وإن لم تكن الهمزَةُ التَّوبيخيَّةُ واقعةً على العصيان، بل على
الإيمانِ، لَزِمَ الكذِبُ في كلامه تعالى، حيث أثبت له العصيان بقوله: {وَقَدْ عَصَيْتَ في نص القُرآنِ، وهذا مناقضَةٌ ظاهِرةٌ بين كلامه، ومُدافعَةٌ بينةٌ بين دليليه، لكنَّ دَفْعَ ما توهَّمه هو أنَّ إثبات الإيمانِ المُقيَّد بالآنَ لا يُعارِضُ العِصيان فيما مَضَى مِنَ الزَّمَانِ، فلا يلزمُ الكَذِبُ في القُرآنِ، تعالى شَأنُه وتعاظَمَ بُرهانه، عن التَّخالُفِ في كلامه ولو شيئاً يسيراً، ولو كان من عند غير اللهِ لَوَجَدُوا فيه اختلافاً كثيراً.
قالَ: وأما ما قبلنا إيمانك فلا دليل عليه من الآية بإحدى الدَّلالاتِ الثَّلاثِ، أقولُ: قد تقدَّمَ لك أنَّ قَبول الإيمانِ عندَ العُلماءِ الأعيانِ مُتوقِّفٌ على شُروط وأركان، مفقودة هنا كما أشرنا إليه سابقاً، وسيأتيك بيانه التفصيلي لاحقاً.
قال: ويجوز أن تكون الهمزة من قبيل العِتابِ والتَّلطَّفِ فِي المَقالِ، كَقَولِ القائل: أتضرِبُ زَيداً وهو أخوك؟ أقول: هذا أيضاً من الإنكارِ التَّوبيخِيِّ ممَّا يكونُ ما بعده واقعاً، وفاعِلُه مَلوماً وضائعاً.
وقوله: التعطِفَه عليه، لا يصح أن يكونَ المِثالُ المذكور نظيراً للآية؛ لأنَّ الشَّربَ مُنكَرُ، والأخ معروف، بخلاف الآية؛ فإنَّ الإيمان معروف، والمنكر تأخيره إلى وقتِ اليأس مع إصراره على المعصيةِ قبل البأس، بل نظيره قولُك للسَّارِقِ المأخوذ للعقوبة، المُظهِرِ للتَّوبة: أتتوبُ الآنَ وطالما عصيت في سابقِ الزَّمانِ؟! قال: بدليل قوله تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيْنَا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44] و «لعل من الله تعالى واجبه الوقوع؛ إذ الترجي في حقه سُبحانَه مُحالٌ، أقولُ: كأَنَّه غَفَلَ عمَّا قاله المُحقِّقونَ من أنَّ معناه: باشرا أمرَ الدَّعوة على رَجَائِكُما وَطَمَعِكُما أَنَّه يُثمِرُ ولا يخيب سعيكما؛ فإنَّ الرَّاجِيَ مجتهد، والآيس مُتَكَلِّفُ، وَحاصِلُه: أَنَّ التَّرجُيَ راجع إلى المُخاطَب. قال: وهذا الكلام هو الذي نفَعَه في تلك الحالة، حيثُ تذَكَّرَ لُطفَه بعباده، فلم يَيْأَسُ من رحمة الله تعالى، فيه أنَّه لم يسمع هذا الكلام، ولا نفَعَه في ذلك المَقامِ. واعلَمْ أَنَّه ممَّا يَدُلُّ على عَدَمِ إيقانِهِ، ونَفْيِ قَبولِ إِيمَانِهِ، أَنَّهُ لَو صَحَّ إِيمَانُه لَقَبِلَه،
ولو قبله لما أهلكه، كما هو عادةُ الله فيمَن قَبِلَه، بل ولا أهلَكَ قَومَه؛ لكَونِ إيمانِه سبباً لإيمانهم ورجوعهم عن طغيانهم.
وعلى التّنزلِ في شأنه، وقبولِ إيمانِه، أمر موسى عليه السَّلامُ بتجهيزه وتكفينه، وبالصَّلاةِ عليه وتدفينه، ولو فعَلَ لبَلَغَ إلينا وما خَفِيَ علينا.
وأيضاً لم يكن يدمُّه الله في مواضِعَ من كتابه، لو صَحَ إيمانه بعدَ حِجابِه، معَ أَنَّه
قد ثبت عنه عليه السَّلامُ، وعن أصحابه الكرام، وأتباعه العِظامِ من عُلماء الأعلام، ما هو صريح في المرام. فقد أخرج ابن أبي حاتم عند قوله تعالى: {إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ} [يونس: 90] الآية، عن ابن عباس قالَ: لمَّا خرَجَ آخرُ أصحابِ موسى، ودَخَلَ آخرُ أَصحابِ فِرْعَونَ، أَوحَى الله إلى البحرِ أن أطبق عليهم، فَخَرَجَتْ أُصُبُعُ فِرْعَونَ بِلا إِلَهَ إِلا
الذي آمَنَتْ به بنو إسرائيل، قال جبريلُ: فعَرَفْتُ أَنَّ الرَّبَّ رحيمٌ، وخِفْتُ أَن تُدرِكَه
الرَّحمةُ؛ أي: الظَّاهِرِيَّةُ الحسّيّةُ المُتعلّقةُ بخَلاصِه من الغَرَقِ إلى حالته الأَوَّليَّةِ، فَإِنَّ رحمته تعالى تعُمُّ النِّعَمَ الدُّنيويَّةَ والأُخرَوِيَّةَ، وفي الحقيقةِ خَوفُ جبريل كان على بني إسرائيل، قالَ: فَرَمَسْتُه بجناحي، وقُلتُ: الآنَ وقد عَصَيتَ قبلُ؟
فلمَّا خَرَجَ مُوسى وأصحابه قالَ مَن تخلف في المدائن من قومِ فِرْعَونَ: ما غَرِقَ فِرْعَونُ ولا أصحابه، ولكنَّهم في جزائرِ البحر يتصيَّدونَ، فَأُوحِيَ إلى البَحْرِ أَن الفِظُ فِرْعَونَ عُرْياناً، فلفظه عُرْياناً، فهو قَولُه: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} [يونس: ??]؛ أي: لِمَن قالَ: إِنَّ فِرْعَونَ لم يغرَقُ، وكانَ نجاة عبرة لم يكُنْ نجاة عافية، ثمَّ أُوحِيَ إلى البَحْرِ أن الفظ ما فيك، فَلَفَظَهُم على الساحل، وكانَ البحرُ لا يلفِظُ غَريقاً، يبقَى في بطنِه حَتَّى يَأكُلَه السَّمَكُ، فليس يقبل البحرُ غَريقاً إلى يوم القيامة.
وأخرَجَ أحمد، والترمذي وحسنه، وابن جرير وابنُ المُنذِرِ، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابنُ مَردَوَيهِ، عن ابنِ عباس، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «المَّا أَعْرَقَ اللهُ عَزَّ
وجلَّ فِرْعَونَ قالَ: آمنتُ أنَّه لا إلهَ إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، قال لي جبريل: يا محمد، لو رأيتني وأنا آخِذٌ من حالِ البحرِ فأدسُّهُ في فِيْهِ مخافَةَ أَن تُدرِكَه الرَّحمةُ. وأخَطَأَ الشَّارِحُ حيث قال: وجَعلُ جبريل في فِيهِ حَالَ البحرِ لا يَضُرُّه بعد تمام الإيمان، وإنَّما يمنعه من النَّجاةِ عن الغَرَقِ، فهي الرَّحمةُ التي خافَ جبريل أن تُدرِكَه من الحقِّ؛ لأنَّه إذا نجا رُبَّما يتغير عن هذا الإيمان، وإلا فجِبريلُ لا يرضى بالكفر، فإنَّ الرّضا بالكُفْرِ كُفر، انتهى.
وهذا ظاهِرُ البطلانِ؛ فإنَّ جبريلَ كيفَ يُهينُ مَن خُتِمَ له بالإيمانِ معَ أَنَّه من المُستَغفِرين لأهل الإيقانِ؟! أم كيفَ يُتصَوَّرُ أن يكونَ إدخال الحالِ في فِيهِ سبباً للنَّجاة من الغَرَقِ في الحالِ؟! أم كيفَ يتحَقَّقُ التَّغير عن الإيمانِ لو نَجَا في المالِ؟! فما هذا إلا هَذَياناتٌ وزَنْدَقِيَّاتُ باطِلةٌ في الشَّريعةِ والطَّريقة، فإنَّه تعالى هو المُعطي، وهو المانع، وهو العاصِمُ في الحقيقة.
وأخرَجَ الطَّيالسي، والترمذي وصححه، وابنُ جَرِيرٍ، وابنُ المُنذِرِ، وابن أبي حاتم، وابنُ حِبَّانَ في صحيحه»، وأبو الشَّيخ، والحاكم وصححه، وابنُ مَردَوَيهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ «الإيمان عن ابن عباس قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «قال لي جبريل: لو رأيتني وأنا آخِذُ من حالِ البحرِ فأدسه في في فِرْعَونَ مخافةَ أَن تُدرِكَهِ الرَّحمةُ.
وفي رواية لا بنِ مَردَوَيهِ: حتَّى لا يُتابع الدُّعاءَ؛ لِما أَعلَمُ من فَضْلِ رحمة الله. قلتُ: فيه إشارة إلى عدم اعتبار إيمانِه، وإنَّما خافَ أَن يدعُوَ ويطلُبَ الخَلاصَ فيُنجِّيه الله من فضله وإحسانه، وفيه إيماء أيضاً إلى إظهارِ أَنَّ إِيمَانَه إِنَّما هو بمُجرَّدِ لسانه، فحشا فمه بالحالِ ليَمْنَعَه عن القالِ بلا تحقَّقِ البال؛ لأنَّه لو كانَ إيمانه بالقلبِ
على وجهِ الكَمالِ لكانَ حَشْرُ فمِه بالحالِ من المُحالِ، والله أَعلَمُ بالحال. وأخرَجَ الطَّبَرَانِيُّ في «الأوسط» عن أبي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قالَ لي جبريلُ: «ما كانَ على الأرضِ شيء أبغَضَ إِليَّ مِن فِرْعَونَ، فَلمَّا آمَنَ جَعَلْتُ أَحشُو فاهُ حَماةً، وأنا أَعْطُه خَشيَةَ أَن تُدرِكَه الرَّحمةُ».
وأخرج ابن جرير، والبَيْهَقِيُّ في شُعَب الإيمانِ» عن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال لي جبريلُ: لو رأيتني يا محمَّدُ وأَنا أَعْطُّ فِرْعَونَ بِإِحدَى يَدَيَّ، وأدس من الحالِ في فِيْهِ مَخافة أن تُدرِكَه رحمةُ الله فيُغفَرَ له»؛ أي: مَغفِرةً صُورِيَّةٌ كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33].
وأخرج ابنُ مَردَوَيهِ عن ابنِ عُمَرَ، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال لي جبريل: ما غَضِبَ ربُّك على أحدٍ غَضَبَه على فِرْعَونَ إذ قالَ: مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهِ غيري} [القصص: 38]، وإذ قالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24]، فلمَّا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ استَغاثَ وأقبَلتُ أحشُو فاه مَخافة أن تُدرِكَه الرَّحمةُ».
فهذا الحديثُ يُبيِّنُ أنَّ مُرادَه بقوله: ءَامَنَتْ» لم يكن إلا الاستغاثة بالخلاص، لا أنَّه كانَ مُراده الإيمانَ على وَجْهِ الإخلاص، وبهذا يزولُ الإشكال من احشاء جبريل فمه بالحالِ في تلك الحال؛ لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ مثل هذا الفعل من جبريل الأمين النَّازِلِ على المُرسلين لتحصيل إيمان الخلائق بالخالق، بعد صِحَّةِ إيمانِه، وقَبولِ إيقانِه، المُستحق لإكرامه وإحسانه.
وأخرج أبو الشَّيخ، عن أبي أمامَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «قالَ لي جبريل: ما أبغَضْتُ شيئاً من خَلْقِ اللهِ ما أَبغَضْتُ إبليسَ يومَ أُمِرَ بالسُّجودِ فأبى أن يسجدَ، وما أبغَضْتُ شيئاً أشدَّ بُغضاً من فِرْعَون، فلمَّا كانَ يومُ الغَرَقِ خِفْتُ أن يعتَصِمَ بكلمة الإخلاص - أي: بدعوةِ الخَلاصِ واستَغاثَةِ الخواص - فيَنجُو، فَأَخَذْتُ قَبضَةً من حَمَاةٍ فَضَرَبْتُ بها في فِيهِ، فَوَجَدْتُ الله عليه أشدَّ غَضباً منِّي، فأمر ميكائيل فأتاه فقالَ: الْكَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: ??] 2.
فهذا الحديثُ صَرِيحٌ على اشتِدادِ غَضَبِ اللهِ وَمَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ بعد قوله: ءَامَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِى ءَامَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90]، ولا يكون اشتدادُ الغَضَبِ إلا على الكافر بالرَّبِّ، لا على مَن خَرَجَ من الدُّنيا طاهِراً مُطَهَّراً من الأقذار، ولم يكتسب شيئاً من الأوزارِ، فتأمل هداك الله إلى طريق الأبرار، وحماك عن سبيلِ الفُجَّارِ والكُفَّارِ.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السُّدِّيّ، قالَ: بعَثَ الله إليه ميكائيل ليُعيّره
فقالَ: الكَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ. انتهى.
وهو لا يُنافي أن جبريل قال له أيضاً هذا القول، وهذه الأحاديث الصحيحة دالة على كُفْرِ فِرْعَونَ دَلالةً صريحةً، مَن أنكرها يستحِقُ التكفير والتعزير والفضيحة.
هذا، وقد قالَ القُرطُبِيُّ: وإِنَّما فعَلَ ذلك جبريل عقوبةً لِفِرْعَونَ على عِظَمِ جُرْمِه، أو لأنَّ الله تعالى أعلمه أنَّه لو نجا لا يُؤْمِنُ، ولذا قال موسى: {رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: ??]؛ أي: امتَعْهُم الإيمان كما قال ابن عباس، مع أن حُكم الرُّسل عليهم السلام استدعاه إيمان قومهم. ولا يجوز أن يدعُوَ نبيٌّ على قومه بعَدَم الإيمان إلا بإذن منَ اللهِ تعالى، وقد استَدَلَّ الماتُريدِيَّةُ بالآية على أنَّ الرِّضا بالكُفْرِ إِنَّما يكونُ كُفْراً إِذا رَضِيَ به لنَفْسِه، وأَمَّا إذا رَضِيَ بكُفْرِ غيره فلا، ذكره في «التأويلات».
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّه قال تعالى - في ذيل هذه القِصَّةِ إِشارةً إِلَى أَنَّ إِيمَانَ فِرْعَونَ كانَ حال الغصَّةِ -: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ؛ أي: لَعَنَتُه، أو سَخَطُه، أو قوله: هؤلاء في النَّارِ ولا أبالي، لَا يُؤْمِنُونَ}؛ أي: إيماناً نافعاً، وعن عذابِ النَّارِ دافِعاً، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 97]؛ أي: فيؤمنون حينئذ إيماناً لا ينفَعُهم، وعن العذابِ لا يدفعهم.
وفيه دلالة على أنَّ الكُفَّارَ كلَّهم يُؤمنون إيمان اليأس حالَ البأس، ولا يُعتبرُ ذلك الإيمان، لما سبق البيانُ، وقد نقل الإمام حافِظُ الدِّينِ النَّسفيُّ في «شرح عقيدته عن الإمام أبي حنيفة: أنَّه لا يدخُلُ النَّارَ إلا مُؤْمِنٌ، فقيل له في ذلك، فقالَ: إِنَّهم حينَ يدخُلُونَ النَّارَ لا يكونون إلا مؤمنين، وقد قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَافَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ فَلَمَّا رَأَوْا بَأَسَنَا قَالُوا ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَتُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بِأَسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ} [غافر: 83 - 185، ثمَّ قال تعالى في هذه السُّورةِ عَقيبَ هذه القضيَّةِ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ، ومعناه: فلم تكُنْ أهل قرية آمنت عندَ مُعاينة العذابِ فَنَفَعَهَا إِيمَنْهَا؛ أَي حالَ الباسِ، إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ فإِنَّه نفَعَهم في ذلك الوقت، والاستثناء منقَطِع، وتقديره: لكنَّ قومَ يونس، لَمَّا ءَامَنُوا حينَ رَأَوُا العَذَابَ عَياناً، أو دليل العَذَابِ بُرهاناً كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ
الْخِزْيِ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس: 98]، وهو وقت انقضاء آجالهم. فهذا إشارَةٌ - والله أعلَمُ - أَنَّه لو كانَ إيمانُ اليأسِ مَعَ عَدَمِ نفعِه في الآخرةِ سَبَباً لكشف العذابِ في الدُّنيا لغيرِ قومِ يُونُسَ تحويلاً: لِكُشِفَ عن فِرْعَونَ، لَكِنْ لَن تَجِدَ لسُنَّةِ اللهِ تبديلاً، وإذا عرَفْتَ هذا القال، وتبيَّنَ لك الحال من المُحالِ تبيَّنَ لَك إِبطال ما قال الجلالُ بطريق أهل الجدال.
وأمَّا قِصَّةُ قومِ يونُسَ فلا يُنافي ما قُلناه، أَمَّا أَوَّلاً: فإِنَّهَا مُفيدةٌ نفي الإيمانِ في كشف الخِزْيِ في الحياةِ الدُّنيا، مع أنَّ الاستنثاءَ مُنقَطِعُ، ثمَّ قَالَ: والتَّوبِيخُ المَأخوذُ من «الكَنَ»» لدَلالتِه لا يضرُّنا، فإنَّه كم من توبيخ القرآن في المُؤمن العاصي. قلتُ: بينهما بَوْنٌ بَيِّنٌ، وفَرْقٌ هَيِّنٌ ليّنٌ، فَإِنَّ فِرْعَون وُبَّخَ على استمرارِ كُفْرِه إِلى أوان يأسه من عُمرِه، بخِلافِ المُؤمِنِ فإِنَّه لو وُبَّخَ على عصيانِهِ لعُظْمَ على بقاء إيمانِه. قال: وكذا التكرار في ذكرِ فِرْعَونَ وذَمَّه ولَعَنِه؛ أَنَّ القُرآنَ مَشحون بذكرِ مَذَمَّةِ فِرْعَونَ في مواضِعَ مُتعدّدةٍ في قصَّةِ موسى، منها: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْنَادِ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ لَتَيْكَةِ أَوَلَيْكَ الْأَحْزَابُ إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} [ص: 12 - 14].
وقوله سبحانه: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَبُ الرَّيْسَ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَعَ كُلِّ كَذَبَ الرُّسُلَ فَحَى وَعِيدِ [ق: 12 - 14]، فهذا نص صريح، ودليل صحيح على كُفْرِ فِرْعَونَ اللَّئيم، وتخليده في عذاب الجحيم، حيثُ أَخبَرَ سُبحانَه بعدَ مَوتِه عن تكذيبه المُرسَلين، وأدرَجَه معَ المُكَذِّبين.
ثمَّ أَكَّده بقوله: كُل كَذَبَ الرُّسُلَ، فإنَّ تكذيب موسى كتكذيب الكلِّ، ثمَّ بَيَّنَ أَنَّ تحقيق الوعيدِ والعذابِ الشَّديد حاصِل وواقع بهم، وقد أبعد عن المعنى مَن حَمَلَ العقاب على عذابِ الدُّنيا، معَ أَنَّه يلزَمُ منه عذابُ الأُخرَى.
وكذا مُصرَّح بلعنه في أماكن مختلفة، منها قوله تعالى: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَهُمْ فِي اليَةِ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّلِمِينَ وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةُ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} [القصص: 39 - 42].
فهذه الآيةُ لو لم تكُنْ غيرُها في القرآنِ لكَفَتْ للدَّلالةِ والبُرهان على كُفْرِ فِرْعَونَ، المقرونِ بالطَّغيان، حيثُ لم يُفرّق بينه وبين جُنودِه في جميع ما ذُكِرَ من الشَّانِ، بل صَرَّحَ بخصوصه في آيةٍ أُخرَى حيثُ قَالَ: فَأَخَذْنَهُ وَحُودَهُ فَنَبَذْنَهُمْ فِي الْيَمَ وَهُوَ مُلِيمٌ وَهُوَ مُلِيمٌ} [الذاريات: 40]؛ أي: آتِ بما يُلامُ عليه من الكُفْرِ والعِنادِ العظيم.
قالَ: فإنَّه قال: سُبحانَه إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ} [مريم: 60] الآية، وفيه: أنه لم يثبت توبته وإيمانه، وأيضاً لم يُذَمَّ أحدٌ بعدَ التّوبة وإحسانه، قالَ: واللعنُ في القُرآنِ في حقٌّ المؤمنين في غير موضع؛ أي: مواضع كثيرة، وهو غير صحيح، بل سيئة كبيرة، نعم جاءَ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: ??]، وليس ذلك مُختَصَّاً بالمؤمنين، معَ أَنَّ البحث في لعن شخص مُعيَّن لم يكُنْ كافِراً في وجه مُبيَّن، ألا ترى أَنَّ المُحقِّقِينَ من أهلِ السُّنَّةِ والجماعة جوَّزُوا لعنَ قَتَلَةِ الحُسَينِ رضي الله عنه، ولم يُجوِّزُوا لعن يزيد بعَينِهِ؟ مع أنَّ الإمام أحمد قالَ برِدَّتِه؛ لكونه لم يعلم يقيناً أَنَّه ماتَ على كُفْرِه.
ثمَّ قوله: منها؛ أي: من الآياتِ التي فيها لَعنُ المُؤْمِنِينَ: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} [النساء: 93] الآية، وفيه أنَّه تقدَّمَ أَنَّه يجوزُ لَعْنُ الفَسَقِةِ، وَأَكَلَةِ الرِّبا، أو شَرَبَةِ الخَمْرِ، وفَعَلَةِ الزّنى، بالعُموم لا بخُصوصِ فَرْدٍ مُعيَّنٍ، لم يُعرَفْ كُفْرُه عندَ خُروجه من الدُّنيا بدليل مُبيَّنٍ، معَ أَنَّ الْآيَةَ المَذكورةَ مُؤَوَّلَةٌ عِندَ أَهْلِ السُّنَّةِ والجماعة، ومحمولةٌ على مَن قَتَلَ مُؤمِناً مُتعمّداً من حيثُ إِنَّهُ مُؤْمِنٌ، أَو اعتَقَدَ جَوازَ قتله، أو استَحَلَّه وهو مُحْسِنٌ.
وكذا في الحديثِ المُشرَّفِ على قائله أفضَلُ الصَّلواتِ وأكمل التَّحِيَّاتِ؛ يعني حيثُ قال: «لعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَه» الحديث. و «لَعَنَ اللهُ شارِبَ الخمر وبائعها». الحديث. وأمثالها، وقد عرفت ما فيهما. قال: ولا تقول أهلُ السُّنَّةِ والجَماعةِ بأنَّ المُؤْمِنَ يُخْرِجُه ذلك؛ أي: اللعنُ عن إيمانِه، قد عرَفتَ الفَرْقَ بينَ المَلعونِ بنفسه بخصوصه، وبينَ جِنسِ الملعون بوصفه.
قالَ: وفِرْعَونُ قد دَخَلَ تحت قوله: {إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ} [مريم: 60]؛ فَإِنَّ القُرآنَ ناطق بإيمانه، فيه أنَّه ما وَقَعَ توبته وإيمانه إلا حين لم يصح إيقانُه، فهو غيرُ مُعتبَر، كما قدمنا تبيانَه نَقْلاً، وبُرهانَه عَقلاً.
قال: وأما قوله: {يَأْخُذَهُ عَدُوُّلِي وَعَدُولَهُ} [طه: 39]، فإِنَّ اسم الفاعِلِ من جُملة المُشتَقِّ حقيقةً حالَ التَّلبس بالمَعنَى أو جُزْئِه الأخير، لا حالَ النُّطْقِ على الأصح عندَ الأصولين، وفي غيره مجاز، والمَجازُ لا بُدَّ له من قرينة على أنَّه مات على الكُفْرِ، فلا بُدَّ للقائلِ بالكُفْرِ من إبرازها، لنتكَلَّم عليها، معَ أَنَّ المَجازَ لا يُعارِضُ الحقيقة. قلنا: بعد تسليم المُقدِّماتِ، قد قدَّمنا الآياتِ والأحاديثَ البَيِّنَاتِ الصَّريحة على كُفِرِ فِرْعَون، فالمُتكلّم على إيمانه بقي بلا عَوْنٍ، وقد سَبَقَ أَنَّ كُفَرَه من أَوَّلِ أَمرِه تحقق، فمُدَّعي إيمانِه يحتاجُ إلى قرينة على أنه ماتَ على الإيمانِ، وخَرَجَ عُنْقُه رِيقةِ الكُفْرِ والطُّغيانِ، معَ أَنَّ قولَه: آمنتَ الآنَ المُوبَّخَ على تأخير الإيمانِ ـ أي: وَقتَ العيانِ - أقوى قرينة نطق بها القُرآنُ. ثم قال: وللقائل أن يقول: قوله: {عَدُوٌّلّي من بابِ المُشاكلة؛ لأنَّه عدو لموسى عليه السَّلامُ، وليس بعدُوٌّ الله حقيقةً، فيه أنَّ هذا غَفلةٌ عظيمةٌ، وزَلَةٌ جَسيمةٌ، سببها الجهل بالقواعدِ الشَّرعيَّةِ النَّقلية، والتَّغَلَغُلُ في المَقاصدِ الفَلسفيَّةِ العقليَّةِ.
وبيانُه أَنَّ كلَّ مَن يكون عدواً لموسى أو لغيره من الأنبياء والملائكة فهو عدو الله تعالى، كما أخبَرَ الله به في كتابه، وبيّنه في خطابه: مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ} [البقرة: 98]. قالَ البَيضاوِيُّ: أرادَ بعَداوَةِ اللهِ مُخالفته عِناداً، أو مُعاداةَ المُقربين من عباده، ووَضَعَ الظَّاهِرَ مَوضِعَ المُضمَرِ ِللدَّلالة على أنَّه تعالى عاداهُم لَكُفْرِهم، وأنَّ عداوة الملائكةِ والرُّسُلِ كُفر.
ثمَّ قال: وأما الذي احتَجَّ بقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [النساء: ??] الآية؛ يعني قوله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْكَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ [النساء: ??]، قال: فالمراد به ملائكةُ الموتِ؛ أي: على حذفِ مُضاف. قال: كما هو مُصرَّح في كُتُبِ التَّفاسير، لعله في غيرِ المَشاهير، والمعروفُ علامته، ومالهما واحِدٌ، والآيةُ لنا شاهِدٌ، ومَن أنكره فهو مُعانِدٌ؛ فَإِنَّ قولَه: تُبْتُ الْتَنَ} بعينه مثل قوله: آمنتُ الآنَ، حيثُ لا تنفَعُه التَّوبةُ والإيمانُ في ذلك الوقتِ والزَّمانِ لحُصولِ البَيانِ إِمَّا بنفسِ المَوتِ أو بملائكةِ الرَّحمنِ.
قالَ: وَلَئِنْ قُلنا: المُرادُ نفسه، فالمُرادُ أَنَّها وَصَلَتِ الرُّوحُ إِلى الغَرْغَرَةِ. قلت: وهذا هو الع هو الصحيحُ الوارد في الحديث الصحيح بالتصريح: «أَنَّ اللهَ يقبلُ توبة العبد ما لم يُغَرْغِرْ». رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، عن ابنِ عُمَرَ. قال الإمامُ مُحيي السُّنَّةِ في مَعالمِ التَّنزيل»: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ؛ أي: المعاصي، حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ؛ أَي: وَقَعَ فِي النَّزْعِ، قال إني تُبْتُ الاَنَ} [النساء: ??]، وهي حالةُ السَّوقِ حِينَ تُساقُ الرُّوحُ لا يُقبَلُ من كَافِرِ إيمان، ولا من عاصي توبةٌ، قال تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَتُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر: 485، ولذلك لم ينفع إيمانُ فِرْعَونَ حينَ أدْرَكَهُ الغَرَقُ. انتهى. وظهوره لا يخفى، فهو دليل لنا لا علينا، وإن تعلَّق به مَن حَوالَينا.
قال: وحينئذ لا يكونُ دَليلاً قطعياً بعدم قبولِ إِيمَانِ فِرْعَونَ، قلتُ: هذا مكابرةٌ ومعاندة ظاهرة، وقوله: فإنَّه ليسَ بمَعلوم أنَّه ما قالَ هذا الكلامَ إلا عندَ الغَرْغَرَةِ، قلتُ: قَولُه تعالى: الْتَنَ صريح في هذا البيان.
ثمَّ العَجَبُ من انقلاب حالِه من دَعْوَى إِثباتِ إيمانِه، إلى مَنْعِ حُصولِ كُفْرانِه، معَ أَنَّ الكُفْرَ تحقَّقَ له فيما سبق، ويكفيه الانسحاب فيما التَحَقِّ، فَمُجرَّدُ المَنعِ مَردودٌ
عند أهل الحق. قالَ: بل آيةُ: ءَامَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِى ءَامَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ} الآية؛ قرينة بأنَّه قال ذلك في غير حالِ الغَرْغَرَةِ، بشهادَةِ طُولِ الكلامِ مَعَ طُولِ المَلامِ، وَاللَّهُ لَا يُخاطِبُ جماداً، قلت: هذا الكلامُ يدلُّ على جُمودَةِ فَهمه، وجُمودَةِ طَبعه، حيثُ لم يعلَمْ أَنَّ الغَرْغَرَةَ قابلة لأنْ تكون أزمنةً قصيرة أو طويلةً.
ثمَّ قوله: «والله لا يُخاطِبُ جَماداً كلامُ مَن لا يعرِفُ الكلامَ، أَمَّا أَوَّلاً: فقد تقدَّمَ أَنَّ المُخاطِبَ إِنَّما هو جبريل وميكائيل.
وثانياً: أَنَّ اللهَ يُخاطِبُ الجَمادَ، وغيرَه، قال تعالى للسَّماءِ والأرض: انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَا} [فصلت: 11]، بل ولا تتحَرَّكُ ذرَّةٌ ولا تسكُنُ إلا بأمرِه تعالى. وثالثاً: إنَّ الميِّتَ لا يصيرُ جَماداً بالموتِ، بل كما قالَ عليٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجهَه:
النَّاسُ نِيام، فإذا ماتوا انتبهوا. وقد خاطَبَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كُفَّارَ قَلِيبِ بَدرٍ وهِم مَوتَى
بقوله: {وَقَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا} [الأعراف: 44]. وفي رواية قال عمر بن الخطَّابِ: يا رسولَ اللَّهِ! كيفَ تُكلَّمُ أجساداً لا أرواح فيها؟ فقالَ: «ما أنتم بأسمَعَ لِما أقولُ منهم، غير أنَّهم لا يستطيعون أن يردُّوا شيئاً 2. قال: وإيمانُ اليأس الذي لا ينفَعُ شَرْعاً هو الإيمان يومَ القِيامةِ، وهو سُنَّةُ اللهِ، قلتُ: إيرادُ هذا الكلام بصيغة الحصرِ يدلُّ على أَنَّه غيرُ عارف بالشَّرِيعَةِ الشَّاملِ لمعرفة الكتاب والسُّنَّةِ، بل لقواعدِ العقائدِ المُعتبرة؛ فإِنَّ إيمانَ اليأسِ المُجمَعَ عليه عندَ العُلماءِ الدِّينيّ هو الذي تقدَّمَ من أَنَّه عندَ حُضور علاماتِ المَوتِ، أو مُشاهِدَةِ العذابِ الدُّنيوي.
ثم قال: وإلا يلزم الكذِبُ في كلامه تعالى، حيثُ قَالَ: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ا مَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَنْهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ} [يونس: ??] الآية، أقولُ: قد عَرَفْتَ معنى الآية فيما سبق، ولا يلزم الكذب في الكلامِ المُطلق، والاستثناء المُحقِّقِ، مَعَ أَنَّ الاستثناءَ مُنقَطِع عند أهل الحق.
قال: وأما في الدُّنيا فإنَّه مقبول بدليل قوله تعالى: {يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} [الزمر: 53] الآية، فلم يُقيَّد وقتاً دون وقتِ، ولا شَخْصاً دُونَ شَخْصٍ، ودَخَلَ إيمان اليأس وغيره، قلتُ: الأصلُ المُعتَمَدُ والفَصِلُ المُعيَّنُ حَملُ المُطلَقِ على المُقيَّد، والمُجْمَلِ على المُبيَّنِ، معَ أَنَّ قولَه: ودخل إيمان اليأس» هو الإيمانُ
يوم القيامة، فيلزَمُ أن تنفَعَه حينَئِذٍ النَّدامةُ، وترتفع عنه المَلامَةُ، وهو مخالفة لإجماع الِملَّة، فضلاً عن اتفاقِ الأَئِمَّةِ.
قالَ: وقد تقدَّمَ قوله: {إِنَّهُ لَا يَأْيْسُ مِن زَوْجِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ} [يوسف:
87]، وما عليها من الكلام، قلتُ: وقد تقدَّمَ ما عليها من الكلام، وأنه لا دخل لها في المَقامِ، ولا يحصُلُ بها المرام.
قالَ: وقِصَّةُ أسامةَ تقتضي أنَّ إيمانَ اليأسِ مَقبولٌ شَرْعاً، قلتُ: هذا جَهل بالفرق بين الإكراه واليَأْسِ بلا اشتباهِ؛ فإنَّ الأَوَّلَ مَقبول إجماعاً، كما أنَّ الثَّاني مردود اتفاقاً، مع أنه لم يُعرَفْ أَنَّ صاحبَ أَسامَةَ كانَ مُؤمِناً سابقاً، أو أظهَرَ الإيمان عندَ السَّيفِ لاحقاً، أو كانَ في إيمانِه مُنافِقاً، فيكونُ لقوله: «هلا شَقَقْتَ قلبه» مُوافِقاً. قال: وأما قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ [النساء: 48]، فالمعنى: أنَّ اللهَ لا يغفِرُ للمُشرِكِ ما دامَ على شِرْكِه، ومات عليه، قلتُ: هذا مما أجمع عليه الأُمه، لكن يُوهِمُ إيراده الآية للجاهل بالروايةِ والدرايةِ أنَّ القائلين
بكُفْرِ فِرْعَونَ اسْتَدَلُّوا بها، وأطلَقُوا الحكم فيها، وهو باطِلٌ لا يقولُ به إلا عاطل. قال: بدليل قوله عليه السَّلامُ: «إِلا مَن أشرَكَ» ثلاثاً، لمَّا سُئِلَ حِينَ تُلِيَت آية: يَنعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} الآية، بعد أن قال: «ما أُحِبُّ أن يكون لي الدنيا وما فيها بها»؛ أي: بهذه الآيةِ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ والبَيْهَقِيُّ.
قلت: هذا أمر ليس فيه نزاع، بل قام عليه الإجماعُ، أَنَّ الْمُشْرِكَ إِذَا آمَنَ وتَابَ أمن من العِقابِ، وحصل له الثَّوابُ، لكن بشروطه المعتبرة في الباب، منها عدَمُ اليأس ورؤية العذاب، وهذا هو المُتنازَعُ فيه، فإدخال ما عداه ليس من شأنِ النّبيه. قال: وهو قريب من قوله عليه السَّلامُ: وإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، وفيه أنَّ هذا وَهُمْ مُحقَّق؛ لأنَّ المُرادَ بقَولِهِ: وإِنْ زَنَى وإِنْ سَرَقَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ ولو زَنَى ولو سَرَقَ دَخَلَ الجنَّةَ؛ لأنَّه حَصَلَ له شجرةُ الإيمانِ، ووَصَلَ إلى ثَمَرَةِ المَحبَّةِ، بخِلافِ الآية، فإِنَّه صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ: إِلا مَن أَشرَكَ» دَفْعاً لتوَهُم أَنَّ المُشرِكَ ليسَ داخلاً تحتَ النَّهي. القُنوط، فافهم الفَرْقَ لئَلَّا تَقَعَ فِي الأُغلوط. قالَ: وأما قوله: {رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ؛ يعني وما بعده وهو: {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرُوا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: ?? فدليل لنا لا علينا، قلتُ: قدَّمنا أنه دليل لنا، ويتعلَّق به مَن حَوالَينا، لكنَّ جوابه راجع إلينا، ورَدُّه سَهْل لدينا. وبيانه أنَّ مُوسى وهارون عليهما السّلامُ بعد يأسهما من فِرْعَونَ وقَومِه الأنام، دعوا عليهم بقساوَةِ قُلوبِهم، حتّى لا يُؤْمِنُوا إلا بعد رُؤيَةِ العذاب بالمعاينة، حتّى لم يحصل لهم المنفعة، ولا شَكٍّ أَنَّ دُعاءَهُمَا مُستجابٌ؛ لأنَّ كل نبي مجابٌ، وقال تعالى: {قَدْ أُجِيبَت دَعْوَتُكُمَا، قيل: كانَ أربعين سنةً بين دعائهما وإجابتهما، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {فَاسْتَقِيمَا وَلَا نَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [يونس: ??]؛ أي: الذين يستعجِلُونَ فيما يطلبون.
قالَ: فإنَّ الاستجابةَ إِنَّما هي في حَقٌّ فِرْعَونَ، فَإِنَّهُ مَا آمَنَ إِلا هو لَمَّا عَايَنَ الغَرَقَ، قلتُ: هذا حَصْرٌ باطل؛ لأنَّه لا يُحيط بعلمه عاطل، على أنه قدَّمنا أنَّ إيمان اليأس لكل كافر حاصل، وتخصيص الشَّيء بالذَّكرِ لا يلزم منه نَفْي ما عداه، مع أن استجابته في حقٌّ فِرْعَونَ كافيةٌ في المُدَّعى على ما لا يخفى.
قال: فكانَ الغَرَقُ هو العذاب الأليم في حقهم يوم القيامة، قلتُ: لا طائِلَ تحته إلا الملامةُ، قال: بل قال البيضاوِيُّ في قوله تعالى: {أَدْخِلُواءَ الَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46]: هو الغَرَقُ، مع أنهم ما آمنوا، فلا يكونُ الاستجابة لقوله: {فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: ??]، وفيه أنَّ الجواب سبق على وَجهِ الصَّوابِ، مع أنَّ هذا النَّقَلَ عن البيضاوِيِّ خَطَأَ في الكتابِ، فإنَّ عبارَتَه رحمه الله: {فَوَقَهُ اللهُ؛ أَي مُؤمِنُ آلِ فِرْعَونَ، سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا، وقيل: الضَّميرُ المُوسى، وَحَاقَ بِتَالِ فِرْعَوْنَ؛ أَي: بِفِرْعَونَ وقَومِه، واستغنى بذكرهم عن ذكره للعِلْمِ بأنَّه أولى بذلك، سُوءُ الْعَذَابِ؛ أي: الغَرَقُ، النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيَّا، عَرْضُهم على النَّارِ: إحراقهم بها. وذِكرُ الوَقتَين يحتمِلُ التَّخصيص والتأبيد، وفيه دليل على بقاء النفس وعذابِ القَبرِ، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ؛ أي: هذا ما دامَتِ الدُّنيا، فإذا قامَتِ السَّاعَةُ قيل لهم: أَدْخِلُواءَ الَ فِرْعَوْنَ}؛ أي: يا آلَ فِرْعَونَ أَشَدَّ الْعَذَابِ، عَذابَ جهَنَّمَ فإنَّه أَشَدُّ ممَّا كانُوا فيه، أو أشدَّ عذابِ جهنَّمَ، وقرأَ حمزة ونافع والكسائي ويعقوب وحَفْصُ: أَدْخِلُوا، على أمر الملائكة بإدخالهم النَّارَ. انتهى. فتأمل فيه، وانظُرْ كلامَ مُخالِفيه في اللفظ والمَعنَى.
وبه أيضاً يندفع ما قال الجلال: وأما قوله: {أَدْخِلُواءَ الَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ فلا دَلالة فيه لدخوله النَّارَ، فإِنَّ المُضافَ غيرُ المُضاف إليه، فيه أنَّ هذا ممَّا لا يحتاجُ الكلام عليه؛ لوضوحه عندَ قارِئِ العَوامِلِ، بل عندَ راعي الحَوامِلِ.
ثمَّ من الغَريبِ أَنَّه بيّنه بالمثالِ لإظهار الحال فقال: ألا تَرَى أَنَّكَ إِذا قلت: «ضربتُ غُلامَ زيد» دلَّ على أنَّ زيداً ليسَ بمَضروب، وهذا خطأ فاحِشُ؛ لأنَّه لا دَلالة على نفي ضَرْبِ زيد أصلاً، لا عَقْلاً ولا نَقْلاً، بل هو مسكوت عنه، ويُعرَفُ حُكمُه من دليل آخر يكونُ فَصْلاً.
ثمَّ كلامُ العُلماء والفُضَلاءِ ليسَ في كلِّ مُضافٍ، بل في أنَّ لفظ آل كثيراً ما يقَعُ مُقحَماً، كما في قوله تعالى: {وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ عَالُ مُوسَى وَهَالُ هَرُونَ الله
[البقرة: 248]؛ أي: أنفُسُهما على ما صَرَّحَ به البَغَوِيُّ والقاضي وغيرهما. وقدياد بال فلان هو واله، وعليه ما ورَدَ في القُرآنِ من آلِ فِرْعَون، كقوله تعالى: {وَإِذْ نَجَيْنَكُم مِّنْ عَالِ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 49]، {وَأَغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 50]، وقوله: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: ???]، إلى أن قال: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالصَّفَادِعَ وَالدَّمَ ايَتِ مُفَصَلَتِ} [الأعراف: 133]، فإِنَّه لا شكٍّ أَنَّ فِرْعَونَ مُشارِكٌ معَهم في جميع الحالات، فجُمهورُ المُفسّرين وعامَّةُ المُحققين قالُوا في قوله تعالى: وَأَغْرَقْنَا الَ فِرْعَوْنَ}، أرادَ به: فِرْعَون وقومه، واقتصر على ذِكرِهم للعلم بأنَّه كانَ أولى به، وقيل: شَخصه، كما رُوِيَ عن الحسَنِ البَصرِيٌّ أَنَّه كان يقول: اللَّهُمَّ صَلَّ على آلِ محمدٍ؛ أَي شَخصه، واستغنى بذكره عن ذكر أتباعه.
وكذا قوله: «اللَّهُمَّ صَلِّ على آلِ أبي أَوْفَى»، حينَ جَاءَه أبو أَوْفَى بِالصَّدَقَةِ امتثالاً لقوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَتَكَ سَكَنْ هُمْ} [التوبة: 103]، وزيادةً للإحسانِ إليه، حتّى أدخَلَ آلَه في الصَّلاةِ عليه.
هذا، ولم يقُلْ أَحَدٌ بأنَّ المُرادَ به: فِرْعَونُ وحدَه، حَتَّى يتوجَّهَ اعْتِرَاضُ الشَّارِحِ بِأَنَّه لو أُريدَ بآلِ فِرْعَونَ نفسُ فِرْعَونَ لم يصِحَ قَولُه: {أَدْخِلُواءَ الَ فِرْعَوْنَ بصيغةِ الجَمعِ. قال: وكذا قوله: {فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} [هود: 98]؛ أي: صيَّرَهُم وارِدينَ النَّارَ، فَإِنَّه السَّبَبُ؛ يعني: فلا يلزَمُ من دخولهم المُسبَّبِ عن إضلالِه دخوله، وفيه: أَنَّه يلزَمُ بطريقِ البرهان في الاستدلال، فإنَّ دخول المُضِلَّ أَوْلَى من دُخولِ الضَّالِّ؛ لجَمعِه بينَ الضَّلَالِةِ
والإضلال، هذا معَ أنَّ ما قبله يُنادي على عذابه قبلهم، حيثُ قال تعالى: {يَقدُمُ قَوْمَهُ [هود: ??]؛ أي: يتقَدَّمُهم يومَ القيامةِ إلى النَّارِ، كما كانَ يَقدُمُهم في الدُّنيا إلى الضَّلَالِ والبَوارِ، ثمَّ قال تعالى: {وَأَتَّبِعُوا}، أي: هو وقَومُه فِي هَذِهِ لَعْنَةَ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} [هود: 99] يُلْعَنُونَ فِي الدُّنيا والآخرة.
قال: وَلَئِنْ سُلَّمَ دُخولُ النَّارِ، فهو بسببِ ظُلمِ العِبادِ، قالَ شارِحُ «الفُصوص»: من إِضلالِه قَوماً غير محصورين، وقتله أولادَ بني إسرائيل، واسترقاقهم، وغير ذلك، وگونه إماماً داعياً إلى النَّارِ بما تقدَّمَ منه من الكُفْرِ والظُّلمِ الذي صارَ سُنَّةٌ منه لِمَن بعده، فكان ذلك أيضاً من حُقوقِ الخَلقِ، انتهى.
وسَخافته حيثُ لم يُفرِّقُ بينَ حقٌّ الخالقِ والخَلقِ لا تخفى، وقد عرَفتَ ممَّا سبَقَ أَنَّ ظُلمَ العبادِ مَعفُوٌّ عمَّن أسلم بعدَ العِنادِ، وعلى تقدير التسليم في بعض الحُقوقِ والأسباب، كيف يُتَصَوَّرُ تقدم الفاجر على الكافر في العذابِ؟
قالَ: وليس في القرآنِ، ولا في السُّنَّةِ دليلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ على التخليدِ.
قلتُ: الكتابُ والسُّنةُ مَشحونانِ من الدَّليل على تخليدِ مَن كَفَرَ فِي النَّارِ، ولا يلزَمُ تَخصيص كلَّ واحدٍ من الكفَّارِ، وقد َثبَتَ كُفَرُه سابقاً ولاحقاً بالكتاب والأخبار عندَ العُلماء الأخيار، ولا يضُرُّهم ترَدُّدُ بعضٍ مَن لا علمَ عندَه من الفُجَّارِ.
قالَ: وأما قوله تعالى: {فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} [النازعات: 25]، فإِنَّ النَّكال أتى بمعنى القيد، وأتى بمعنى العذابِ، وأيُّ قيدٍ أَعظَمُ مِن الظُّلمِ على العبادِ في الدُّنيا والغَرَقِ؟ وفي الآخِرةِ يَقْدُمُ قَوْمَهُ} [هود: ??] من الفَضيحةِ بينَ الخَلائِقِ؟ أقول: هذا كلام ساقِط الاعتبار في نَظَرِ النُّظَّارِ؛ فإِنَّ قولَه تعالى: أَخْذَهُ بمعنى: عاقبه بالوعيد، وإنَّ أخَذَهُ أليم شديد، ثم قوله للنكالِ: «أتى بمعنى: القَيدِ غيرُ سَديد؛ إذ المشهور في اللُّغةِ أنَّ النَّكْلَ بالكسرِ: قَيدُ من نار، أو القَيدُ الشَّديدُ، وجمعه أَنكال، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا} [المزمل: 12]. وتقدَّمَ أَنَّ ظُلم العبادِ مَعفُوٌّ عن الكافِرِ فلا يُعاقب عليه، لا في الدُّنيا ولا العُقبى، معَ أَنَّه لا يُعرَفُ أَنَّ الله تعالى عاقَبَ أحداً في الدُّنيا على ظلم العبادِ، لا سيما إذا أسلم وانقادَ وتَرَكَ العِنادَ.
وكذا قوله: «أتى بمعنى العَذابِ غَيْرُ مَعروف، ففي «القاموس»: نكل عنه؛ كضَرَبَ ونَصَرَ وعَلِمَ نُكُولاً: نحَّاه عمَّا قبله، والنَّكالُ والنُّكَلَةُ بالضَّمِّ والمَنْكَلِ كَمَقْعَدِ: ما نكَلْتَ به غيرك كائناً ما كانَ.
ولذا قال البيضاوِيُّ: قوله تعالى: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى؛ أَي: أَخذاً منكلاً لِمَن رآه، أو سمعه في الآخرة بالإحراق، وفي الدُّنيا بالإغراق، أو على كلمته الأُخرى، وهي هذه؛ يعني: أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24]، وكلمته الأُولى: مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرِي} [القصص: ??]، أو للتنكيل فيهما، أو لهما، ويجوز أن يكون مصدراً مُؤَكِّداً مُقدَّراً بفعله.
وفي تفسير البَغَوِيّ: قالَ الحَسَنُ وقَتَادَةَ: عاقبه اللهُ وجَعَلَه نَكَالَ الآخرةِ والأولى، في الدُّنيا في الغَرَقِ، وفي الآخرةِ بالنَّارِ.
وقال مُجاهِدٌ وجَماعةٌ من المُفَسِّرين: أرادَ بالآخرة والأولى؛ أي: كَلِمَتَي فِرْعَونَ، وكان بينهما أربعونَ سنةً، انتهى.
وقد بَدَعَ الشَّارِحُ وخابَ، وأجابَ بما خَرَجَ به عن صَوْبِ الصَّوابِ، بأنَّ المُؤاخَذَةَ على الكلمتَينِ إِنَّما هي مُؤاخذة دنيوية على كُفره السابق، انتهى. وهو مُخالِفٌ للإجماع، على أنَّ الإيمانَ اللَّاحِقَ يمحو الكُفْرَ السَّابِقَ، فَإِنَّه من حَقِّ الخالقِ، بل الصَّوابُ أنَّه يجبُّ أيضاً حقّ الخَلائِقِ.
ثم قال: وإذا عَرَفتَ ذلك عَرَفتَ أَنَّ كلامَ «الروضة» لا يكون دليلاً، فإنَّ فِرْعَونَ ما قال ذلك وحرَكَتُه حَرَكَةُ مَذبوح لما تقدَّمَ، وحاصِلُ كلامه دَفْعُ ما ذكره العلماء الكرام من صاحب «الروضة وغيره من الفقهاء العِظامِ، في سبب عدم قبولِ إيمانِ فِرْعَونَ معَ إِظهارِ الإسلامِ أَنَّه أُلجِيَ إلى الإيمانِ والإيقان، حيثُ لا قُدرَةَ له على التَّصَرُّفِ في نفسه بعد العيان، وهذا هو المعنى في عَدَمِ اعتبارِ إيمانِ اليَأس عند أرباب الإتقان.
وقد ذَكَرَ الإمامُ حُجَّةُ الإسلام: أنَّ المُحتَضِرَ حَالَ النَّزْعِ عندَ مُشاهدة ناصية مَلَكِ المَوتِ يَنكَشِفُ له ما في اللوح، فتصيرُ العُلومُ النَّظريَّةُ ضروريَّةً، انتهى وبه يظهرُ سَخافةُ عقلِ الجَلالِ حيثُ قال: مَعَ أَنَّه لا دليلَ قَطعِيٌّ على أَنَّه ما كانَ يُحسِنُ السباحة، ولا على عَدَمِها، ويقرُبُ منه ما أجابَ شارِحُ «الفُصوص» عن مفهومِ النَّصوص ممَّا لا ينبغي ذكره عند العوامِ على الخُصوص.
قالَ: وبالجملة فالآيات غيرُ ءَامَنتُ مُحْتَمِلةٌ.
وفيه: أن الآياتِ مُصرِّحةٌ غيرَ ءَامَنتُ؛ فإِنَّها مُوهِمَةٌ غيرُ مُصححةٍ، فلا يلتفت إليها، ولا يُبنى الحكم عليها.
وقوله: والشَّيءُ إذا طَرَقَه الاحتمال سقط منه الاستدلال حُجَّةٌ عليه؛ إذ جَعَلَه دليلاً لما ذَهَبَ إليه، وإلا فقد ثَبَتَ كُفْرُه ابتداءً بالإجماع، وحُكمُ الانسحابِ مُعتبر نزاع، فالمُدَّعي لإيمانه يحتاج إلى بيانه، والإتيان بدليله وبُرهانه، فإِنَّا مانِعونَ عن بلا نزاع، إيقانِه بالموانعِ، مُستَمسِكينَ بِالأَدِلَّةِ القَواطِعِ:
منها: ما سبق في أثناء ما سيق من الكلماتِ الجَوامِع.
ومنها: أنَّ مَقصودَ فِرْعَونَ بهذا الإيمانِ دَفعُ العذابِ الدُّنيوِيِّ لا نفسُ الإيقانِ، وقد فَهِمْتَ هذا أيضاً مما سبق إن كنتَ من أهلِ العِرْفانِ، وأَعْرَبَ مَن خَالَفَ النُّصوص من شُرَّاحِ «الفُصوص» حيثُ قالَ: وقد قالُوا: إِنَّ نيَّةَ التَّبَرُّدِ لا يَضُرُّ بِالنِّيةِ المُعتبَرَةِ في
الوضوء، انتهى. ولا يخفى أنَّه إنْ أرادَ أَنَّ نيَّةَ التَّبَرُّدِ كافيةٌ في النَّيَّةِ المُعتَبرةِ للصَّحَّةِ، أو المُثوبة، فهو مخالف للإجماع؛ لعَدَمِ صِحَّةِ الوُضوءِ حينَئِذٍ عندَ الشَّافعيّةِ وأتباعهم، ولعَدَمِ الثَّوابِ المُترتِّبِ على سُنِّيِّةِ النِّيةِ عند الحنفية وأشياعِهم.
وإن أرادَ أَنَّ انضمام نيَّةِ التَّبَرُّدِ لا يضره؛ فليسَ الكلامُ فيه ليُقالَ: إِنَّه يُوافِقُه أو يُنافيه، والحاصل أنَّ المانع لإيمانه يكفيه عَدَمُ تحقق إيقانِه، بخلافِ المُثبِتِ فإنَّه يحتاج إلى دليله وبرهانه.
ومنها: أنَّ عندَ اليأس وضيق الحالِ وشَتاتِ البالِ لا يُمكِنُ للعبد الاستدلال،
وهذا إنَّما هو عند جمع من الفُقَهَاءِ المُعتبرين، وبعض من فُضَلاءِ المُتكلّمين، وأمَّا الجمهور منهم، ومنهم الأشعرِيٌّ: أنَّ إيمانَ المُقلِّدِ صحيح، وفعله مع أصحابه رضي الله عنهم دليل صريح.
نعم حَكَى الأشعَرِيُّ أنَّ تارِكَ الاستدلال عاص بكلِّ حالٍ، فليسَ إيمانُ المُقدِّدِ على وجهِ الكَمالِ، ثمَّ المُقلِّدُ إنَّما هو مَن نشأ في بادية أو شاهِقِ جَبَلٍ ومَفازة، وفي
الحالِ الضَّائِعِ لم يتفَكَّرُ في العالمِ والصَّانِعِ.
وأمَّا قَولُ المُعتزلة: لا يكونُ مُؤمِناً ما لم يعرِفُ كُلَّ مسألةٍ بحُجَّةٍ عقليَّةٍ يُمكِنُ معَها دَفَعُ الشُّبَهِ النَّفسيَّةِ؛ فبطلانه يكادُ يلحق بالأمورِ الضَّروريَّة؛ لكون أكثر أهلِ الإسلام قاصرين أو مُقَصِّرين، ولم تزَلِ الصَّحابةُ وغَيرُهم من المُجتَهدِينَ يُجرونَ عليهم أحكام المُسلمين. ومنها ما رَوَى الإمام أحمد بن حنبل، عن عبدِ اللهِ بن عَمرو بن العاص، عن النَّبيِّ: أَنه ذكرَ الصَّلاةَ يوماً فقالَ: «مَن حافَظَ عليها كانت له نوراً وبُرهاناً ونَجاةً يوم القيامةِ، ومَن لم يُحافظ عليها لم تكن له نوراً، ولا بُرْهاناً، ولا نَجاةً، وكان يومَ القيامةِ مع قارُونَ وفِرْعَونَ وهامانَ وأُبيّ بنِ خَلَفٍ.
ومنها: قوله تعالى {وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَمَن وَلَقَدْ جَاءَهُم مُوسَى بِالْبَيِّنَتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَبِقِين؛ أي: فائتين عذابنا، فكلا؛ أي: من المذكورين أَخَذْنَا؛ أي: عاقبنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبَا كَقَومِ لُوطٍ، وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ تَقارُونَ، وَمِنْهُم مَنْ أَغْرَقْنَا} [العنكبوت: 40] كقَومِ نوحٍ وفِرْعَون وقومه، ولا يُعرَفُ مَنقُولاً ولا معقولاً إدخالُ مَن ماتَ على الإيمانِ، معَ مَن أصر على البطلانِ في التَّعذيبِ الدُّنيوِيِّ والأُخْرَوِيِّ سِيَّانِ.
ومنها ما عُلِمَ بالاضطرارِ مِنَ المِلَلِ أنَّه أكفَرُ الخَلْقِ، وأنكَرَ الحَقِّ، وانعَقَدَ عليه الإجماع، وامتلأ بذمه الألسنة والأسماعُ، حَتَّى كُرِهَ اسمه في الطَّباع. ومنها: أنه لم يحصل الإيمانُ لِفِرْعَونَ لكونه من الدهريَّة، فمثل هذا الاعتقادِ الفاحِشِ لا تزولُ ظُلمته إلا بنورِ الحُجَّةِ القَطعيَّة، وهو إِنَّمَا ضَمَّ ظُلمَةً إِلى ظُلمَةٍ، ولذا لم يقُلْ آمَنتُ باللهِ، وإِنَّما قالَ: ءَامَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِى ءَامَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ، فَكَأَنَّه اعتَرَفَ أنَّه لا يعرِفُ الله، إلا أَنَّهُ سَمِعَ بني إسرائيلَ أَنَّهم أقرُّوا بوجوده. وأما ما أُجيبَ بأنَّ الحَليمِيَّ نقل إجماعَ العُلماءِ على قبولِ إيمانِ الدَّهرِيِّ بإقراره وتصديقه بمُجَرَّدِ وُجودِ الصَّانع، ونقَلَه إمامُ الحَرَمَينِ عن الأكثَرِ، وَصَحَّحَهُ البَغَوِيُّ؛ فهو محمول على أنَّ الحُكمَ بالظَّاهِرِ، والله أعلَمُ بِالسَّرائِرِ.
ثم رأيتُ شارِحاً لـ «الفُصوص» تكلَّمَ في هذه المسألة مُعارِضاً للنُّصوص، آتياً بكلامٍ مُتَعارِض يظهرُ بطلانه للعُمومِ والخصوص، وهو أَنَّ المُؤاخَذَةَ على الكُفْرِ السابق كانَ قبل هذا الإيمان، فلم يجُبَّها هذا الإيمان، وإنَّما يجُبُّ ما بعده من المُؤاخَذَةِ الأُخرَوِيَّةِ، والمُؤاخَذَةُ الدُّنيويَّةُ على الكُفْرِ لا تستلزمُ المُؤاخِذَةَ الأُخِرَوِيَّةَ إِذَا آمَنَ بعدَ هذه المؤاخذة قبلَ مُعاينةِ الأُمورِ الأُخرَوِيَّةِ.
ثم قاس بعقله الكاسِدِ، بالقياس الفاسِدِ قائلاً: فإِنَّ أَسْرَ الكافر واسترقاقه مُؤاخَذَةٌ على كُفْرِه بعد الإيمان؛ إذ لا يَعْتِقُ بمُجَرَّدِ الإِيمَانِ، لَكِنْ لا يُؤاخَذُ بذلك الكُفْرِ في الآخرة. انتهى. وبطلانه لا يخفى.
ثمَّ قالَ الجَلالُ: وأَمَّا مَن يقولُ بكَونِ الشَّيخِ مُحيي الدِّينِ مِنَ المُلحِدين، فجَهله يُنادي عليه بالإلحادِ؛ أي: بالميل عن طريق الحقِّ إِلى صَوْبِ العِنادِ، قال: حيثُ تكلَّمَ فيمَن لا يصِلُ إلى كُنْهِ كلامه أساطينُ العُلَماءِ، وسلاطينُ الفُضَلاء. أقولُ: أَمَّا عُلماءُ الظَّاهِرِ فَلِعَدَمِ معرفةِ أكثرهم باصطلاحِ الصُّوفيَّةِ، وأَمَّا عُلماءُ الباطن فلأنَّ الغالب عليهم عدَمُ الاطّلاع بالقَواعِدِ العربيَّةِ، لا سيما وقد دُقِّقَتْ إِشاراتُه بعدما حُقِّقَتْ عِباراتُه.
ولذا قال: وعَجَزَت أفكارهم عن فَهُم أسرارِه قُدَّسَ سِرُّه، والعَجَبُ أَنَّه؛ أي: المُنكِرُ تكلَّم بما لا يعلَمُ حيثُ لم يعرِفِ اصطلاحهم، ومَن لم يعرف شيئاً أَنكَرَه. قلتُ: ليس فيما سبَقَ شيءٌ من مُصطلحاتِ الصُّوفيَّةِ، وإِنَّما هو مباحث في الآياتِ القُرآنيَّةِ بالاصطلاحاتِ العربية والقواعد الكلامية.
نعم أنكر عليه جمع في بعض الكلماتِ الفُصوصِيَّة، وبعض العباراتِ الفتوحيَّةِ، التي بظاهِرِها غيرُ مُطابقة للعقائدِ الحقَّيّةِ، غافلين عن الاصطلاحاتِ الصُّوفيَّةِ من الدَّلالاتِ الرَّمزيَّةِ، والإشاراتِ السِّرِّيّةِ، والعباراتِ الدَّقيقةِ الخفيَّةِ، اللهُ أَعلَمُ بما أرادَ القائِلُ بها في النِّيةِ، من المقاصدِ الدِّينية، أو المطالبِ الدُّنيويَّة الدَّنيَّةِ. قال: والشَّيخُ يعني بذلك سَعَةَ رحمة الله، وهذا القائِلُ يقولُ بِعَدَمِ سَعَةِ رحمة الله، ويُقنط عباده، ويحثهم على اليأس من رَوْحِ اللَّهِ، وَلَا يَأَيْتَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ} [يوسف: ??]، وهذا كلام نشأ من كَمَالِ ضَلَالِ الجَلالِ، حيثُ نسَبَ جُمهورَ العُلماءِ على زَعمِه إِلى أَنَّهم يُنكِرُونَ سَعَةَ رَحمةِ اللَّهِ، وَيُقَنِّطُونَ عباده ويحثُونَهم على اليأس من رحمة الله، وهذا كفر صريح على تقدير ثبوته ه، وعَدَمِ توبته منه.
وأمَّا الشَّيخُ فهو مُعتَمَدُ الأَجِلَّةِ من المشايخ السَّنيَّةِ، لا سيما السَّادَةُ النَّقشبندِيَّةُ، والقادَةُ الشَّاذِلِيَّةُ، ومُعتَقَدُ مُعظَمِ الأئمَّةِ من العلماء الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية، ومنهم أستاذنا الأعظم، وإسنادُنا الأكرَمُ، واستِنادُنا الأفخَمُ، واسِطَةُ عقدِ العلاقة البكريَّةِ، المُبدع للعَوارِفِ البكريَّةِ السَّارية على لسانه، الجارية على جَنانِه، في أزمنة العَشيَّةِ والبُكرِيَّةِ، مَولانا الشَّيخُ شَمسُ الدِّينِ محمَّدٌ البَحْرِيُّ، قدَّسَ اللهُ سِرَّه السَّرِي، المعروفُ من طريق الجُنَيدِ والسَّرِي، نفَعَنا اللهُ بِعُلومِهم في الدُّنيا، وحَشَرَنا تحتَ أعلامهم في العُقبَى، فإنَّه كانَ يُعظَّمُ الشَّيخَ في مَجالِسِه الشَّريفة، ويذكره
بمحاسنه المنيفة.
وقد صنف شيخ مشايخنا، عُمدَةُ الحُفَّاظ المُحدِّثين، وخاتمة الأئمةِ المُجتهدين، وزُبدَةُ العُلماء العاملين، جَلالُ الدِّينِ السُّيوطِيُّ رسالة سماها: تنبيه الغَبِيُّ في تنزيه ابنِ العَرَبيّ»، مُصدَّرَةً بقوله: مسألة في ابنِ العَرَبيّ وما حاله؟ وفي رَجُلٍ أمر بإحراق كُتُبِه وقالَ: إنَّه أَكْفَرُ من اليَهُودِ والنَّصَارَى ومَن ادَّعَى الله ولداً، فما يلزمه في ذلك؟
الجواب: اختَلَفَ النَّاسُ قديماً وحديثاً في ابن العربي، ففرقة تعتَقِدُ ولايته، وهي المُصيبَةُ، ومن هذه الفِرقَةِ الشَّيخُ تاج الدين بن عطاء الله، من أئمة المالكية، والشَّيخُ عَفيف الدين اليافعي، فإنَّهما بالغا في الثَّناء عليه، ووَصَفَاهُ بالمعرفة.
وفرقة تعتقدُ ضَلالَه، ومنهم طائفةٌ كثيرة من الفُقَهَاءِ.
وفرقة شكت في أمره، ومنهم الحافظ الذهبي في الميزان، وعن الشيخ عز الدين بن عبدِ السَّلامِ فيه كلامان، الحطُّ عليهِ، ووَصفه بأنَّه القُطْبُ.
قال: وقد سُئِلَ شَيخنا شيخ الإسلام بقيَّةُ المُجتهدين، شَرَفُ الدِّينِ المَناوِيُّ
عن ابن العربي، فأجابَ بما حاصِلُه إِنَّ السكوت عنه أسلَمُ، وهذا هو اللَّائِقُ بِكُلِّ ورع يخشى على نفسه. والقَولُ الفَصْلُ عندي في ابنِ العَرَبي طريقةٌ لا يرضاها فِرْقَتا أهلِ العصرِ، لا مَن يعتقده، ولا مَن يحطُّ عليه، وهي اعتقاد ولايته، وتحريمُ النَّظَرِ في كُتُبِه، فقد نُقِلَ عنه هو أنه قال: نحنُ قَومٌ يحرُمُ النَّظَرُ فِي كُتبنا.
وذلك أنَّ الصُّوفيَّةَ تواضَعُوا على ألفاظ اصطلَحُوا عليها، وأرادوا بها معاني غير المعاني المُتعارفة منها، فمَن حَمَلَ ألفاظهم على معانيها المُتعارفةِ بينَ أهلِ العلمِ كَفَرَ أو كفَّرَ. نصَّ على ذلك الغزالي في كتبه، وقالَ: إنَّه شبيه بالمُتشابه بالقُرآنِ والسُّنَّةِ، حمله على ظاهره كفَرَ، وله معنى سِوَى المُتعارَفِ منه، فمَن حَمَلَ آيَاتِ الوَجْهِ واليدِ والعَينِ والاستواء على معانيها المُتعارفةِ كَفَرَ قَطعاً.
والمُتَصَدِّي لتكفير ابنِ العربي لم يخف من سوء الحساب، وأن يُقال له:
هل ثبَتَ عندَك أَنَّه كافر؟ فإنْ قالَ: كُتُبه تدلُّ على كُفْرِهِ، أَفَأَمِنَ أَن يُقال له: هل ثَبَتَ عندك بالطَّريقِ المَقبولِ في نقل الأخبار أنَّه قال هذه الكلمة بعينها، وأنَّه قصد بها معناها المُتعارَفَ.
والأوَّلُ لا سبيل إليه؛ لعَدَمِ سندٍ يُعتَمَدُ عليه في مثل ذلك، ولا عبرة باستفاضة الآن؛ إذ على تقديرِ ثُبوتِ أصل الكتاب عنه؛ فلا بُدَّ من ثُبوتِ كلِّ كلمةٍ لاحتمال أن يُدَس في الكتاب ما ليس من كلامه من عَدُوٌّ أو مُلحِدٍ.
والثَّاني وهو أنَّه قَصَدَ بهذه الكلمة كذا لا سبيل إليه أيضاً، ومَن ادَّعَاهُ كَفَرَ؛ لأنَّه من أمور القَلبِ التي لا يطَّلِعُ عليها إلا الله.
وقد سأل بعضُ أكابرِ العُلماء بعضَ الصُّوفيَّةِ في عصره: ما حَمَلَكُم على أن اصطلحتم على هذه الألفاظ التي يُستَشْنَعُ ظَاهِرُها؟ فقال: غيرةً على طَريقِنا هذا أن يدَّعيه مَن لا يُحسِنُه، ويدخل فيه مَن ليسَ من أهله.
والمُتصَدِّي للنظرِ في كُتُبِ ابنِ العربي أو إقرائها لم ينصح نفسه ولا غيره، بل ضَرَّ نفسَه وضَرَّ المسلمين كلَّ الضَّرَرِ، لا سيما إن كانَ من القاصرين في عُلومِ الشَّرِعِ والعُلومِ الظَّاهِرِةِ، فَإِنَّه يَضِلُّ ويُضِلُّ، وعلى تقدير أن يكونَ المُقرِئُ لها عارِفاً، فليسَ من طريقةِ القَومِ إقراءُ المُريدينَ كُتبَ الصُّوفيَّةِ، ولا يُؤخَذُ هذا العِلمُ من الكُتُبِ. وما أحسَنَ قَولَ بعض العُلماء وقد سأله أن يقرأ عليه تائيَّة ابن الفارض فقال له:
دَعْ عنكَ هذا، مَن جاعَ جُوعَ القَومِ، وَسَهِرَ سَهَرَهُم، رأى ما رَأَوا.
والواجب على الشَّابٌ المُستفتي عنه: التَّوبةُ والاستغفارُ والخُضوع الله، والإنابة إليه حَذَراً من أن يكونَ آذَى وَليَّا الله، فيُؤذِنُه الله بحرب، وإن امتَنَعَ من ذلك وصَمَّمَ فتكفيه عُقوبةُ اللهِ عن عُقوبة المخلوقين، وماذا عسى ى أن يصنع فيه الحاكِمُ أو غيره. هذا جوابي في ذلك، والله أعلَمُ. انتهى وقد رأيتُ صورةَ فَتوَى شيخ الإسلام، مَلِكِ المُحدِّثين، شيخ مَشايخنا، شهاب المِلَّةِ والدِّينِ، أحمدَ بنِ حَجَرٍ العَسْقَلانيُّ نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلومِهِ ومَدَدِهِ الرَّبَّاني: ما تقول يا سيدي للشَّيخِ مُحيي الدِّينِ بنِ العَرَبِيِّ في قضيَّةِ فِرْعَونَ وإيمانِه، الذي أشار إليه في «الفُصوص» وغيرِه؟
فأجابَ الشَّيخُ:
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ اللَّهُمَّ احفَظْ لساني من الافتراء والزَّلَلِ، وجَناني من الخطأ والخَلَلِ، بحُرمَةِ نبيك محمَّد عليه السَّلام، فإذا كانَ ذلك الفعل من القَدَرِ عندَ اللهِ وقوعه في هذا المحل سلَبَ الله عن هذا العبدِ عَقْلَه ولم يُعطِه الاعتبار، وأعماه حتّى يظهر ذلك الفعل في محله، فإذا ظهَرَ بحُكم هذا الجبرِ الباطِنِ ردَّ اللهُ تعالى عَقْلَه عندَ مَوتِه واعتبر واستغفَرَ ربَّه وخَرَّ راكعاً وأنابَ، وهذا معنى قوله: «إنَّ الله تعالى إذا أرادَ إنفاذَ قَضائِه وقَدَرِه سَلَبَ عن ذَوي العُقولِ عُقولهم، حتَّى إذا مَضَى قَدَرُه فيهم رَدَّها عليهم ليَعتَبر وا. أما في حَضْرَةِ الشَّيخ نقول: هو بحر مواج، لا ساحل له، ولا يُسمع لموجه
غطيط، بل كلامه بَكْرُ صَهباء في لجةٍ عمياء، الحاتمي الذي لا نعت يضبطه، ولا مَقامَ يُعينُه، من قالَ: إنَّ له نعتاً فليس له علم به، عنده مبدأُ مَكنونه، وحسبنا الله
ونعم الوكيل، وصلَّى الله على سيدنا محمَّدٍ وآلِه وصحبه وسلَّمَ. انتهى والذي أعتقده في الشَّيخِ ما قاله العُلماء في فتاويهم، كالشيخ مجد الدِّينِ الفيروز أبادِي صاحب القاموس»، والبيضاوي، وغيرهما في حقه: الذي أعتقده وأَدينُ الله به أنَّ الشَّيخَ مُحيي الدِّينِ بن عَرَبيٌّ إمامُ أَهلِ الشَّرِيعَةِ عِلْماً وَرَسْماً،
ومُرَبِّي أهلِ الطَّريقةِ عَمَلاً وعِلْماً، وشيخُ مَشايخ أهل الحقيقة ذَوْقاً وفَهْماً. قال صاحب «القاموس: وهو الذي فسَّرَ القُرآنَ العَظيمَ في نيف وسبعين مجلداً، حتى بلغ قوله جلَّ وعلا: وَعَلَّمْنَهُ مِن لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65]،
ثم استأثرَ اللهُ بِقَبضِ رُوحِه عند هذه الكلمةِ الشّريفة، وهذا أعظَمُ بُرهان، وأتمُّ دليل وبيان، وأقوى حُجَّةٍ على أنه كامِلٌ مُوَحّد، ولا يُنكِره إلا جاهل أو جاحِدٌ معانِدٌ.
وما عليَّ إذا ما قُلتُ مُعتَمَدَي دَعِ الجَهول يظُنَّ العَدْلَ عُدوانا والله والله والله العظيم ومن أقامه حجَّةَ اللهِ بُرْهانا كل الذي قُلتُ بعض من مناقبه ما زدتُ إلا لعلي زِدْتُ نُقصانا ثم الذي أعتقده أنا أنَّ الشَّيخَ لم يُرد إثبات إيمان في فِرْعَونَ، بدليل ما سبق عنه في «الفتوحاتِ المَكَّيَّةِ»، وإِنَّما قصَدَ أَنَّ الأَدلَّةَ فِي كُفْرِه ليسَتْ قطعيَّةً، ولهذا قال في «الفُصوص»: وأمره إلى الله، وهذا ليس فيه محظورٌ يوجِبُ كُفَرَه بلا اشتباه
وغايتُه أَنَّه وَقَعَ له عُزَلَهُ قَلَمٍ، أَو تُغزَةُ قَدَمٍ، حَصَلَ له بعد الانتباه كما هو شَأنُ المَحفوظين من أولياء الله، وقد سُئِلَ سيّدُ الطَّائِفَةِ جُنَيدُ البغدادي عليه رحمة ربه الهادي: هل العارِفُ يزني؟ فأطرَقَ مَلِيا ثمَّ قَالَ: فَكانَ أَمرُ الله قَدَراً مقدوراً. مع احتمال أن لا يكون من كلامه، أو لا يكون المفهومُ الظَّاهِرُ من، مرامه، فالتسليم أسلم. والله تعالى أعلم.
فَرَغَ على يد مُؤلِّفه، المُعْتَرِفِ بالجَهلِ والتَّقصير، كما هو مُطَّلِعُ على حاله العالم بالنَّقير والقطمير، في شهر ربيع الأوَّلِ سنة سبع بعد الألفِ المُكمَّل،
والحمد لله العلي الأجل، والصَّلاة والسَّلامُ على سيدنا محمد النَّبيِّ الأكمل، وعلى آله وأصحابه الكُمَّلِ المُشبَّهين بالديل، والحمد لله وحده وكفى.
***
في ج بعد الانتهاء كتب: «وفرَغَ يدُ كاتبه الفقير إلى توفيق ربِّه الغني بقاضي ... جعله الله من أهلِ الإفادة والاستفادة، صباح يومِ السَّبتِ الثالث من شهر ذي الحجَّةِ عامَ خمس وسبعين ومئة وألف، من صحبة مَن له العِزُّ والشَّرَفُ، والحمد لله الكريمِ الرَّحيمِ على كلِّ حالٍ، والصَّلاة والسَّلامُ على سيدنا محمد حبيبِ المُتَعالِ، وعلى أولاده وأصحابه وأزواجه وجميع الآلِ، إلى يوم الحشر والمآلِ».