الجزء 1 · صفحة 5
شَمَّ الحَوَارِضُ في ذم الفوارض
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
رب زدني علماً يا كريم
الحمد لخالقِ البَرايَا، والشكر لواهب العطايا، والمَدحُ لِدَافِعِ البَلايَا والصَّلاة والسّلامُ على سَيِّدِ الأنبياءِ وسَندِ الأصفياء، وعَلى آله وأصحابه
الأتقياء، رغماً للخوارج والروافض من الأغبياء.
أما بعد:
فيقول الراجي بِرَّ رَبِّهِ البارِي، عَليُّ بنُ سُلطانِ محمد القارِيْ: إِنَّ أَول مَا يَجِبُ على العِبَادِ تحسين الاعتقاد بِطَريقِ الاعتماد؛ ليَنفَعهُم حِينَ المَعَادِ ويومَ التنادِ. ومن المعلوم عند أربَابِ العُلُوم وأصحاب الفهوم: أن مبنى العقائدِ على الأدلة القطعية، لا عَلى الحُجَحِ الظنية المفيدة في المسائلِ الفقهية الفرعية، وذلك لقوله تَعالى في ذَمّ الكفَّار: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَوْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغَهُم مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} [النجم: 28 - 30].
والآيات في هذا المعنى كثيرة، والأحاديثُ في هذا المبنى شهير والإجماع منعقد عليه، عندَ من تُوجد مَعِرفة لديه.
وإنما الخلافُ في أنَّ إيمانَ المقلدِ هَلْ هُو صحيحٌ أم لا؟
الجزء 1 · صفحة 7
فالجمهور على أنهُ يَصِحُ إلا أنه مُؤاخَذْ بتركِ ما يجب عليه، والمحققون لا يَميلُونَ إليه، حتى إمامنا الأعظمُ وهُمامنا الأفخم أوجَبَ الإيمان بمجرد العقل، ولو لم يبعث الرسل، ولم يظهر النقل، ويؤيده قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]؛ أي: ليعرفونَ، كما فسَّرهُ حَبرُ الأُمَّةِ ومقتدى الأئمة. وأما قوله سبحانه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]: فالمراد بِهِ عَذاب الدنيا دُونَ عَذابِ العُقبى، أو يجعلُ العُقل أيضاً رَسُولاً؛ لأن بِهِ إِلى مَعرفةِ الحَقِّ وصولاً، وبدونه حَتى معَ وجُودِ الرسولِ لم يكن حصولاً.
هذا، ولما كان مدار الاعتقاد على الدليل القطعي، الذي يصلح للاعتماد، ذكر إمام الأكثر في «الفقه الأكبر»: أن النبي صلى الله عليه وسلم مات على الإيمان، ووالداه ماتا على الكفر. وقد بينت المسألتين، وأوضحت المقالتين المشكلتين في محلّهما من الرسالتينِ المُستقلتين، وذكرتُ فيهما وفي غيرهما من تأليفاتي من «المرقاة شرح المشكاة»، ورسالة السَّالمة في حُسْنِ الخاتمة»، و «ضوء المعالي شرح بدء الأمالي»، و «شرح الشفا في حقوق المصطفى»؛ أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الشركِ السابق، والكفر اللاحق؛ كما هو معلوم من الكتاب والسنة، ومنعقد عليه إجماع الأمة.
فالعجب كل العجب، ممن هو مشهور بحُسنِ الأدب، أنه نقل منا ما لم يثبت عنا، وفق ما تمنى، وحسب ما تعنى، وما ذاك إلا لكونه باركاً على «الفصوص»، وتاركاً للنصوص، حيث قال تعالى: وَيَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمُ} [الحجرات: 12].
الجزء 1 · صفحة 8
وقال عزّ وجلَّ: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَا فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ} [الحجرات: 6].
وقال عزّ وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19].
وقد ورد: «كفى بالمرء إثماً أنْ يحدِّثَ بكلِّ ما سَمِعَ.
لا سيَّما إذا كان الناقل للكلام ممن اشتهر بجمع الحطام، وأكل الحرام، وأخذ مناصب الكرام، بغير استحقاق فيما بين الأنام، وعدم حيائه في ذلك المقام، وليس له قدم صادق في الأحكام، ولا عِرْقُ سابقة في الإسلام.
وكان الباعث لهم على افترائهم عليَّ، واجترائهم في نسبة ما لا يليقُ إليَّ، أني طعنتُ في بعض كلمات شيخهم ابن عربي، الذي هو كفر ظاهر عند العالم والغبي، وتوهموا أني حكمتُ بكفره؛ لقبح قوله، وحطّ قدره، ولم يفهموا الفرق بين من يُنسب كلمة الكفر إليه، وبين من يموتُ عليه، حيثُ يحتمل أن لا يكون القول عين قوله، أو مراده غير ظاهر من نقله، وعلى التنزل يحتمل أن يتوب إلى الله، ويرجع قبل الموتِ أو عنده إلى تحسين الاعتقاد بمولاه.
فصدق العلامة ابنُ المُقري من أكابر العُلماء الشافعية في كتابه «الإرشاد»: أن طائفة ابن عربي شرٌّ من اليهود والنصارى في الاعتقاد؛ لظهور فسادهم فيما بين العباد، من التعصب والعِنادِ.
وقد قال تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِنَايَتِ اللَّهِ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْكَذِبُونَ} [النحل: 105].
وفي الحديث الشريف: حاملُ القُرآنِ حامل راية الإسلام، من أكرمه؛ فقد أكرم الله، ومن أهانه؛ فعليه لعنة الله» رواه الديلمي.
الجزء 1 · صفحة 9
وأما من لم يعرف القرآن؛ لا تحقيق مبناه، ولا تدقيق معناه، ولم يعرف لفظ السنة وضبطها، وحفظ ما يتعلق بفحواه، ولا أقوال الفقهاء في بيان مُدَّعاهُ؛ فليس بعالم وإن ادعاه، فما أيسر الدعوى، وما أعسر المعنى.
وقد قال عليه السَّلامُ: «العلم ثلاثة: آيةٌ مُحكمة، وسُنةٌ قائمة، وفريضة عادلة». وما عداها إما مباحة، أو ضلالة وجهالة، فيكون من علم لا ينفع، وصاحبه ممن يُضر به ولا ينتفعُ.
هذا؛ وقد قيل للإمام أبي حنيفة: الناسُ يتكلمون فيك، وأنت لا تتكلَّمُ فيهم، فقال: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ} [المائدة: 54].
ثمَّ مِن الغريب ما وقع في القريب: أنه صدرَ عَنِّي في بعضٍ مَجالِسِ درسي ومجامع أنسي: أن سَبَّ الصحابة ليسَ كفراً بالدليل القطعي بل بالظنِّي، وإنَّما يُقتل السَّاتُ للأصحاب في مَذهَبنا سياسة للدواب، عَن قلة الآداب في هذا الباب، فتشوش خاطر بعض الحاضرينَ مِنْ الرِّجَالِ مِمنْ يُشبهُ الأعورَ الدَّجَّالَ، الذي لم يُفرقُ بينَ الحَقِّ مِن الأقوالِ، وبينَ الباطل الصادرِ عَنْ أهلِ الضلال، واغتر بما قرأ بعض المُقَدِّمَاتِ الرسميَّةِ مِنْ العلُومِ الغريبة الوهمية، ولم يُميِّز بَينَ العَقائدِ القَطعيَّة والفَوائِدِ الظنيَّة، حَيْثُ التقطَ عَقيدَته من ألسنةِ العَوامِ، أو مِنْ آبَائِهِ الَّذِينَ لَم يَكُونُوا مِنْ العُلَمَاءِ الأعلام، وقد قال تعالى في ذمّ هَوْلاءِ الذِينَ كالأَنْعَامِ، قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَاءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَرِهِم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف: ??] أي: وعلى أنوارِهِم مُهتَدُونَ: و: كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53]، ومُعتَمدُونَ.
الجزء 1 · صفحة 10
فتركَ صُحْبتنا وحضر تنا، واختارَ عَيبتنا، وغيبتنا، وكانَ الواجب عليهِ مِنْ الأَدَبِ لدَيهِ أنْ يُغْمِضَ عينَه مِنْ بَعضٍ عُيوبنا، لو تحقق شَيءٌ مِنْ ذُنُوبِنِا رعايَةً لِحفظ قلوبنا، إِذْ غايَتُه أَنَّه إِذا وقع خطأ مِنَّا والمجتهدُ قَدْ يُخطئ في مَذْهَبنا، أو انفَردنا بهذا القَوْلِ عَنْ غيرنا أو تبعنا أحداً مِنْ مَشايِخِنَا؛ فتعين عليهِ أنْ يَأْتِيَنا بنقل لديه، أو رواية وصلت إليه، أو يبحث معنا، ليظهرَ مَا عِنْدَنا فيقبلهُ مِنَّا أو يَردهُ عَلينَا، فَنَقبله أو نَدفعهُ عَنَّا، كما هُو طَريقةُ العُلَماءِ والطَّلَبَةِ مِنْ الفُضَلاءِ.
هَذا الإمام الأعظم وأصحابه في مَقَام الأفخم، كانوا يتباحثون في المسائل، ويتناقشون في الدلائل، ويتنافسون في الفضائل، فإمّا أَنْ يَرجِعَ الإِمَامُ إلى أقوالهم، أو يرجعوا إلى قوله بتحسين أحوالهم، وكذَا كَانَ حَالُ السَّلفِ مِنْ الصَّحابة والتابعينَ فِي مجالسهم الجامعينَ، يتذاكرون في العِلمِ ويتباحثونَ هنالك بالحِلمِ، بِخَلافِ الخَلَفِ حَيْثُ كَانَ خَلَفُهم على خِلافِ ذلَكَ.
ولذا لما منع الإمَامُ ولدَه حَماداً عَنْ البَحثِ في علم الكلامِ، وَأَجَابَ عَنْهُ بأَنِّي رَأَيْتُكَ تَبحَثُ في هَذا المرام، فَقَالَ: نَعَمْ إِنِّي كُنْتُ أبحثه مع صَاحِبِي وَأَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ أنْ يُخطئ في ذلك المقام، وأنتم في هذه الأيام تتباحثونَ، وَكُلُّ مَنكِم يُرِيدُ أَنَّ صَاحِبَه يقع في الكفر والملامِ، بَلْ أنتم بهذا تفرحون وتتفاخرونَ، ومِنْ أَرادَ أَنْ يُذلَّ صَاحِبَهُ ويُكفِّرَه، كَفَرَ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ صَاحِبَهُ.
ثم أغربُ مِنْ هَذَا، أَنَّه انتقلَ مِنَّا إلى بَعض إخواننا ممن يستفيضُ مِنْ عُددنا، ويفيضُ مِنْ مَدَدنا حَيثُ لم يلقَ خَيراً مِنْهُ مِنْ بَعدنا، فخرمَ شَمَّةٍ وَرْدِنا، وشائبةً وِرْدنا بعد اختيار بُعدِنا.
الجزء 1 · صفحة 11
ومِنْ اللطائف في مراتبِ الظرائف، أنْ بَعضَ طلبة العلم الشريف بحثَ مع شيخه في المحفلِ المنيفِ، وكلَّما أَتَاهُ الأُستَاذُ في دفع ما أورده عليه من الإيراد نقضه، وأجَابَ عنه بما يُناسِبُهُ مِنْ الاستنادِ، فلمَّا عَجِزَ عَنه شيخُه في الجوابِ، قالَ لهُ في مَقامِ العِتابِ: مَا أَحْسَنَ دابَكُم فِي مُرَاعَاةِ الآداب؛ أَنَّهُ إِذَا وقعَتْ زَلَّةٌ مِنْ مُعلِّمكم في فصل الخطاب، تتعلَّقونَ بحَلْقِه ولا تتخلقونَ بخُلُقِهِ، ولا تتحملونَ بعضَ غَلَطِهِ وزَلَقه، فما أحسنَ آداب الصُّوفيّةِ والمُريدينَ، حَيثُ يُصدِّقُونَ مَشايخهم ولو تَكَلَّمُوا بما يُخَالِفُ مِنْ أمُورِ الدين، فقال التلميذ: هكذا دابهم وآدابهم، وعلى هذا العُلماء وأصحَابُهم، قد عَلِمَ كلُّ أُناسٍ مَشرِبَهُم، وعَرَفَ كُلُّ طَائِفَةٍ مذهَبهم. ثُمَّ اعلم: أنْ مِنْ القَواعِدِ القطعِيَّة في العقائدِ الشرعية، أن قتل الأنبياء وطعنهم في الأشياء؛ كفر بإجماعِ العُلماء، فمَنْ قتل نبيّاً أو قتله نبي؛ فهو أشقى الأشقياء. وأمَّا قتل العلماء والأولياء وسهم على ألسنة الأغبياء؛ فليس بكفر إلا إِذَا كَانَ على وجه الاستحلال أو الاستخفاف، كما هو ظاهرُ عندَ أَربَابِ الإنصافِ دُونَ أَهلِ التعصُّبِ والاعتساف. فقاتل عثمان وعَلي رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، لم يَقلْ بِكُفْرِهِ أَحَدٌ مِن العُلماء إلا الرّوافِضُ في الثاني، والخوارج في الأول. وأما مَنْ قَذَفَ عَائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهُا؛ فَكَافِرُ بالإجماع؛ لمخالفته نص الآياتِ المُبرِيَّةِ لَهَا مِنْ غَيْرِ النزاع.
الجزء 1 · صفحة 12
وكَذَا مَنْ أَنكَرَ صُحبة أبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: كفر؛ لإنكاره مَا أَثَبَتَ اللهُ بِإِخْبَارِهِ في كتابه؛ حيثُ قال تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَحِيهِ} [التوبة: 40]، بخلافِ مَنْ أَنكَرَ صُحَبةَ عُمَرَ أَو عَلَيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، لعدم تضَمُّنه مُخالفة الكتابِ، وإِنْ كانَ صِحَّة صُحبتِهما بطريق التواتر في هذا الباب، لأنَّ إنكار كلِّ مُتواتِرِ لا يكون كفراً في معرض الخطاب. ألا ترى أن مَنْ أنكر جودَ حاتم بل وجوده، أو عدالة نوشروان وشهوده؛ لا يصيرُ كافراً في هذه الصورة؛ لأن إنكار مثل هذا أو نحوه ليسَ مِمَّا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ بالضَّرورةِ.
وأَمَّا مَنْ سبَّ أحداً مِنْ الصَّحابة، فهو فاسِقٌ ومبتدع بالإجماع إلا إذا اعتقد أنه مُبَاح، كما عليه بعضُ الشيعَةِ وأصحابهم، أو يترتب عليه ثواب، كما هو دأب كلامهم، أو اعتقد كفرَ الصَّحابة وأهل السنة في فصلِ خطابهم؛ فإنه كافر بالإجماع، ولا يُلتفتُ إلى خِلافِ مُخالفتهم في مقامِ النّزاع؛ فإذَا عَرفتَ ذلك فلا بُدَّ مِنْ تفصيل هنالك. فإذا سَبَّ أَحَدٌ أَحَداً مِنهُم، فيُنظرُ هَلْ مَعَهُ قرائنُ حَالِيَةٌ أَو قالِيَّةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِن الحفريات أم لا؟ ففي الأول كافر، وفي الثاني فَاسِقٌ، وإنما يُقتلُ عَندَ عُلمائنا بالسياسَةِ لدفعِ فَسَادِهم وشر عِنادهم. وإلا فقد قال عليه الصلاةُ والسَّلامُ في حَدِيثٍ صَحَ طرقه عندَ المحدِّثِينَ الأعلام: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله وأَن محمداً رَسُولُ الله إِلا بِإِحْدَى ثَلاثِ: التَّيِّبُ الزَّانِي، والنَّفْسُ بِالنَّفْسِ والتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ».
رواه البخاري ومسلم وأبو دَاود والترمذي والنسائيُّ عَن ابن مَسعُود.
الجزء 1 · صفحة 13
وقد أخرجه الإمام أحمد في مسندِهِ» أيضاً لكن عن أبي أُمَامَةَ بنِ سَهْلِ قال: كُنَّا مَعَ عُثْمَانَ وهُو مَحصُورٌ فِي الدَّارِ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ يَتَوعَدُونَنِي بِالقَتْلِ، قُلْنَا: يَكْفِيكَهُمُ الله يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، قَالَ: ولِمَ يَقْتُلُونَنِي؟! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُول: لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمِ إِلا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، أَوْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ، أَوْ قَتَلَ نَفْساً فَيَقْتَلُ بِهَا»، فَو اللهِ مَا أَحْبَبْتُ بِدِينِي بَدَلَا مُنْذُ هَدَانِي اللهُ، ولا
زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةِ ولا إِسْلامِ قَطُّ، ولا قَتَلْتُ نَفْساً، فَبِمَ يَقْتُلُونَنِي؟!. ففي الحديثِ حيثُ جَاءَ بصيغة الحَصرِ في العبارة دلالة بطريق الإشارة: أنه لا يُقتل أهل البدعة من الروافض والخوارج إِلا إِذَا صَارُوا مِنْ أَهْلِ البَغِي.
وكذا تاركُ الصَّلاةِ لا يُقتل خلافاً للشافعي، ولا رأيتُ له سَنَدَاً عَليهِ يُعوّل. وأما قوله عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: مَنْ تركَ الصَّلاةَ مُتعَمِّداً فقد كَفَرَ»؛ فليس على ظَاهِرِهِ عِندَ أَهلِ السُّنةِ ممن اعتبر بل مؤول بأن معناه قربَ الكُفْرِ، فإن المَعَاصِي بريد الكفر، أو جَرّه إلى كُفرهِ في عَاقِبَةِ أَمْرِهِ إِنْ لم يتداركه الله بلطفه، أو شابَهَ الكُفْرَ في تركه، أو محَمُولٌ على مُستحلَّه فيدخل في حَدٌ المرتد ونحوه.
وأما تفسير الشافعي للحَدِيثِ بأنه استحقّ عقوبة الكُفْرِ، فليس ظاهِراً في المُدَّعى؛ لأنه يحتمل استحقاق عُقوبته في الدنيا أو الأخرى، مع أنه لا يقول بكفره في العقبى، ولا يقتله بناءً على كُفْرِهِ في الدنيا.
الجزء 1 · صفحة 14
وأَمَّا مَا ذكرَهُ بَعضُهم من أن المراد بالمرتد في الحَدِيثِ الأَولِ: مَنْ بدَّل كلَّ دينه، وبالمفارق: مَنْ غَيَّرَ بَعضَ دينِهِ، فَدخل في الحَدِيثِ أَهلُ البَغي والخَوَارِجِ وَالرَوافِضِ، فتَجبُ المقاتلَةُ مَعهُم حَتى يَرجعوا إلى الحَقِّ؛ ففيه مِنْ المُعَارِضَة والمقابلَةِ، إِذِ الكلامُ في القتل لا في المُقاتلة، أما ترى أن الإجماع عَلَى عَدَمِ جواز قتل باغ بانفراده أو أنَّ خارجي أو رافضي، وحده مِنْ غير ظُهُورِ كفرٍ مِنْهُ غَيْرِ بدعتِهِ.
وكذَا مَانعُو الزكاةِ يُقاتلون، بخلاف مَنْ تركهَا بِغَيْرِ قِتالٍ؛ فَإِنَّهُ لا يُقتلُ، فَكَذَا تاركُ الصَّلاة لا يُقتلُ بَل يُحبسُ، ويُعَزِّرُ، وإِذَا كَانَ أهل قريَةٍ تركوهَا، بَل تركُوا الأذانَ الذي هُو سُنةٌ مِنْ شِعَارِها لَقوتلُوا، كما صَرَّحَ الإِمَامُ محمد مِنْ أئمتنا. فحصلت المَوافقةُ والمُطابقةُ بين هذا الحَدِيثِ الشريف وحديثِ: «أُمرتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتى يَشْهَدُوا أَنْ لا إله إلا الله، وأن محمداً رَسُول الله، ويقيمُوا الصَّلاةَ ويُؤتوا الزكاةَ، وإذا فعلوا ذلك عَصَمُوا مِنّي دمَاءَهُم وأموالَهُم إِلا بِحَقِّ الإسلام
وحِسَابُهم على الله». رَواهُ أصحابُ الكتب الستَّةِ عَن أَبِي هُرِيَرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورواه ابن جرير والطبراني في «الأوسَط» عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ولفظه: «أُمرتُ أنْ أُقاتِل الناسَ حَتى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله، فَإِذَا قَالُوها؛ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وأموالهم إلا بحقها، قيل: ومَا حَقُها؟ قالَ: «زَنيَّ بَعْدَ إِحصَانٍ، أَو كَفَرُ بعد إسلام، أو قتل نفس فتقتل بها.
الجزء 1 · صفحة 15
وأخرجَهُ مُسْلِمٌ عَن أنس رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، ولَفظهُ: «أُمرتُ أنْ أقاتِلَ المشركينَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إلهَ إلا الله، وأن محمداً عبدُهُ وَرَسُوله، وأَنْ يَسْتقبلُوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يُصَلُّوا صَلاتَنا، فإذَا فَعَلُوا ذلكَ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دماؤهم وأموالهم إلا بحقهَا، لَهُم مَا للمُسلِمينَ وعليهم مَا عَلى المُسلِمينَ». فلترجع إلى مَا نَحنُ بِصِددِهِ مِنْ إثباتِ كفرِ مَنْ سَبَّ الصَّحابة عموماً أو سَبَّ الشيخين خصوصاً، فَلا شك أنَّ أصول الأدلة ثلاثةُ؛ هي: الكِتابُ والسُنةُ وإجماع الأمة. فأما الكتابُ: فَهو خالٍ عَن هَذا الخطاب، وكَذَا الإجماعُ مَفقود في هذا الباب، فبَقِيَ الأحاديثُ، وهيَ آحَادُ الإسنادِ، ظني الدلالة في مَقَامِ الاستناد، ولهذا لم يذكر الفقهاء كفر الرافضي في كلماتِ الكفر، ولا في باب الارتدَادِ، فَإِنْ كَانَ عِندَ أحدٍ نقل قابل للاعتمادِ، فعليه بالبيان في معرض مِيدَانِ الاعتقادِ.
وإمَّا ما اشتهر على ألسنةِ العَوام من أنْ سبَّ الشَّيخَين كفر، فلم أرَ نقله صريحاً ولا روايته لا ضعيفاً ولا حَسَناً ولا صحيحاً، وعلى تقدير ثبوته وتسليم صِحَّتِهِ، فَلا يَنبَغي أن يُحمل على ظاهرِهِ؛ لاحتمالِ مَا تقدَّمَ مِنْ التأويلات في كُفْرِ تارِكِ الصَّلاةِ، إذ لو حُمِلَت الأحَادِيثُ كلُّهَا على الظَّوَاهِرِ، لأشكل ضبط القواعد وحفظ النوادر، وحيثُ يدخل فيه الاحتمال لا يصلح للاستدلال، لا سيما في قتل المسلم وتكفيره، وقد قيل: لو كان تسعَةٌ وتسعَونَ دَليلاً عَلَى كُفْرِ أحَدٍ، ودليل واحدٌ عَلى إسلامهِ، ينبغي للمفتي أنْ يَعمل بذلك الدليل الواحد؛ لأن خطأه في خَلاَصِه، خيرٌ مِنْ خَطئه في حَدِّهِ وقِصَاصِهِ. لا يقال: كيف نسبت قولَ سَب الشيخين كفر إلى العوام، مَع أنهُ مُذكور في بعض كتب الفتاوى لبعض الأعلام؟
الجزء 1 · صفحة 16
فإنَّا نقول: لم نر نقله إلا من المجهولين الذين هم في طريق التحقيق غَيرُ مَقبُولين، فلا يُعتبرُ في بَابِ الاعتقاد الذي مَدَارَهُ عَلَى مَا يَصِحُ بِهِ الاعتماد. والحاصل: أنه ليس بمنقول عَن أحدٍ مِنْ أئمتنا المتقدمين؛ كأبي حنيفة وأصحابه، وأمَّا غَيرهم فَهم رجال ونحنُ رِجَالٌ، فلا نُقلّد قولهم مِنْ غَير دَليل عقلي أو نقلي، يؤتى بهِ مِنْ طَرِيقِ ظنّي أو قطعي، مع أنهُ مُخالف للأدلة القطعية والظنية المأخوذة مِنْ الكتاب والسنة المروية التي تُفيدُ في العقائد الدينية، أو تُعتبر في القواعد الفقهية، فإنَّ ما ورد فيها إمَّا ضَعِيفٌ في سندِهِ أو مؤول في مُسَتَندِهِ، لئلا يُعَارِضَ القَواعِدَ الشرعية؛ فإنَّ القول بالتكفير مُعارض لما نصَّ عليه أبو حنيفة رحمه الله في «الفقه الأكبر»، موافقاً لما عَليه جَميعُ المتكلمينَ مِنْ أنَّ أهلَ القبلة لا يُكفَرُونَ، وعليه الأئمةُ الثلاثةُمِنْ مَالِكِ والشافعي وأحمد، و سَائِرِ أهلِ العِلمِ المُعتَمدِ فِي المُعتقد.
وقد صرَّحَ العلامة التفتازاني في شرح العقائد: بأن سَبَّ الصَّحابة بدعَةٌ وفسق.
وكذا صَرَّح أبو الشَّكور السَّالميُّ في تمهيده»: أنَّ سَبَّ الصَّحابة ليس بكفر. وقد وردَ عَنْهُ: «أن مَنْ سَبَّ الأَنبيَاءَ قُتلَ، وَمَنْ سَبَّ أَصْحَابِي جُلدَ» رواه الطبراني عن علي كرم الله وجهَهُ
ورواه أيضاً عن ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعَنةُ اللَّهِ والملائكة والنَّاسِ أَجَمعِينَ».
ثم لا وجه لتخصيص الشَّيخَينِ فيما ذُكرَ، فإنَّ حُكمَ الخَتَنَينِ كذلكَ، بَل سائرُ الصَّحَابة هنالك، كما يُستفَادُ مِنْ عُموم الأحَادِيثِ وخُصوصِها، فقد ورَدَ عَنه عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلاَمُ: مَنْ سَبٌ عَليَّاً فَقَد سَبَّني، ومَنْ سَبَّنِي فَقَد سَبَّ اللَّهَ». رَواهُ أَحَمد والحاكم عَن أُمِّ سَلَمَةَ.
الجزء 1 · صفحة 17
بل وقد بالغ صلى الله عليه وسلم وقال: مَنْ سَبَّ العَربَ فأولئكَ هُم المشركونَ». رواه البيهقي عَن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ه.
إلا أنه يَجبُ حَمله على أنه إذا أرادَ باللام الاستغراق، أو الجنس الشامل للنبي عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بالاتِّفاقِ، فَهذا تحقيقُ هذِهِ المَسألة المُشكلة عَلَى مَا ذكرَ في «المواقف» و «المقاصد» من كتب العقائد
فمَنْ اعتقدَ غَيرَ هذا؛ فليُجدِّدْ عقيدتَهُ، وليَتُبْ عَن تَعَصُّبه وحماقتِهِ، ويترك حمية جاهليته، وإلا فليمتْ غَيْظاً على حقدِهِ وحسَدِهِ وظغينته، ويُدفن في تربةِ خَباثتِهِ ونجاسةِ طينته إلى أن يتَبَيَّنَ بُطلانُ مَظنتهِ في سَاعَةِ قيامَتِهِ، يومَ تُبْلَى السَّرائِرُ، وتظهرُ الضمائر، ويتميّز الكفرُ مِنْ الإسلام والكبائرُ مِنْ الصَّغَائِرِ.
ثم مَن ادَّعى بطلانَ هَذا البيان فعَليه أن يُظهر في ميدان البرهان، إما بتقرير اللسان، وإما بتحرير البَيانِ، والله المستعان، والحق يعلو ولا يُعلى إلا البطلان. وقد ثبت عنه عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام: «إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مئةِ سَنةٍ مَنْ يُجدِّدُ لها دِينَها». رواه أبو داود والحاكم والبيهقي في «المعرفة» عَن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
الجزء 1 · صفحة 18
فوالله العظيم، وربِّ النبيِّ الكَريمِ، إني لو عرفتُ أَحَداً أعلمُ مِنِّي بالكِتَابِ والسُّنَّةِ، مِنْ جهةِ مَبناهُما أو من طريق معناهما، لقصدتُ إليهِ ولو حبوا بالوقوفِ لَدَيهِ، وهذا لا أقولُه فَخراً، بل تحدثاً بنعمة الله وشُكراً، وأستزيدُ مِنْ رَبِّي مَا يَكونُ لِي ذُخراً. نَعَمْ ورَد: حبُّ أبي بكرٍ وعُمَرَ مِنَ الإيمانِ وبُعْضُهُما كَفَرُ، وحُبُّ الأَنصَارِ مِنَ الإيمانِ وبُغضهم كفر، وحبُّ العَرب مِن الإيمان وبغضهم كفر، ومنْ سبَّ أصحابي فعَلَيهِ لَعنه الله، ومَنْ حَفِظني فيهم فأنا أحفظه يَومَ القيامةِ». رواه ابنُ عَسَاكَرَ عَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
والمراد بالكفرِ: كُفرانُ النعمة، أو كفر دونَ كُفر، أو أُريد به التغليظُ والوعيدُ والتهديد الشدِيدُ مُبالغةً في الزجرِ والنهي، كَمَا هو معروفٌ في الكتابِ والسُّنةِ. وجاء في حَدِيثٍ كادَ أَنْ يَكُونَ مُتَواتراً: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقُ وَقِتَالُهُ ـ». رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الجزء 1 · صفحة 19
وابنُ مَاجَه أيضاً عَن أبي هريرة وعَن سَعِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما. والطَّبَرَانِيُّ عَن عَبد الله بن مُغفَّلٍ، وعن عمرو بن النعمان بن مقرن. والدارقطني في «الأفراد عن جابر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. والطبراني أيضاً عن ابن مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وزادَ: وَحُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرُمَةِ دَمِهِ. فهذا الحَديثُ صَرِيحٌ في أَنَّ سَبَّ المُسْلِمِ فسقٌ، عَايْتُه أَنَّ الفسقَ لَهُ المراتبُ، كَمَا أنَّ المُسلمينَ لهم تفَاوُتٌ باختِلافِ المناقِبِ، كَمَا رَوى ابن عساكر عن البراء موقوفاً: لا تسبوا أصحَابَ رَسُولِ الله؛ فوالذي نفسي بيدِهِ لمَقامُ أَحَدِهِم مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أفضَلُ مِنْ عَمَلِ أَحَدَكُم عُمُرَه؛ فكأنه أشار إلى قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَ أُوْلَيْكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: 10].
الجزء 1 · صفحة 20
ثم اعلم: أنَّ التعصب في دين الله على وجه التشدد والتصلب ممنوع ومحظور لأنه يترتب عليه أمورٌ في كلِّ مِنها ضَررٌ ومحذورٌ، قالَ تَعَالَى: {يَنَأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [النساء: 171]، ويَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: ??]، وقال عزَّ وجلَّ: {وَلَا تُحَدِلُوا أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا ءَامَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46]. وقال سبحانه: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108].
واستدل بهذه الآية شيخُنَا المبرورُ المغفُور محمد بن أبي الحسن البكري في منع مُعَرِّف كان بمكة في مقام الحنفي، ويقولُ بالصوتِ الجلي: لعن الله الرافضَةَ من الأوبَاش، وطائفة القزلباش
وقال: هذا يكون تسبيباً لسَبِّهم طائفة أهلِ السُّنةِ والجماعةِ، كَمَا عَلَيْهِ أهلُ العِنادِ في الصناعة.
تقدم التعريف به في مقدمة هذا المجموع.
القزلباش بالتركية: Kizilba، وتعني: ذو الرؤوس الحمراء، هو لقب يطلق على أشكال متعددة من غلاة الجماعات العسكرية الشيعية التي ازدهرت في الأناضول وكردستان منذ نهاية القرن الثالث عشر الميلادي، وبعضهم أسهم في تأسيس الدولة الصفوية في إيران، ويأتي تعبير الرؤوس الحمراء» من التاج الأحمر المميز ذي الاثنا عشر ثقب، والذي يُعرف في الفارسية باسم تاج حيدر، والذي يبين انتساب معتمه إلى الأئمة الاثنا عشر وإلى حيدر الصفوي، الزعيم الروحي للحركة الصفوية.
الجزء 1 · صفحة 21
ولقد صدق الصديقي في مقامه الحقيقي، ووافقه كلام أستاذي المرحوم في علم القراءة، مولانا معين الدين بن الحافظ زين الدين من أهل زيارتكاه وهو أول من استشهد في سَبيلِ الله أيام الرافضة، وذلك أنه لما ظهر سلطانهم المسَمَّى بشاه إسماعيل، وفتح ملك العِراق بعد القال والقيل، وفشو القتال والقتيل، أرسل إلى خُراسان مكتوباً؛ فيه إظهار غلبته في هَذا الشأنِ، وكَتبَ في آخِرِهِ سَبَ بَعض الصحابة من الأكابر والأعيان.
وكان الحافظ المذكورُ خطيباً في جامعِ بلد هَرَاةَ المشهور، فأمر بقراءتِهِ فوقَ المنبر بالإملاء عند حضُورِ العُلماء والمشايخ والأُمَراءِ، ومِنْ جُمِلِتهم العَلَّامَةُ الوليُّ شيخ الإسلام الهَرَوِيُّ سِبطُ المُحقِّق الربَّاني مولانا سعد الدين التفتازاني، فلما وصل الخطيب إلى مَحلَّ السَّبِّ انتقل عنه عَلى طَريقِ الأدب، فتعصب كلابُ الأرفاضِ بهذا السبب، وقالوا: تركت المقصُودَ الأعظم، والمطلوب الأفخم، فأعِدِ الكلام ليكُونَ على وجه التمَامِ، وتوقف الخطيب في ذلك المقام، فأشار شيخ الإسلام إليه أن يقرأ ما هو مسطورٌ لَدَيهِ، لأن عندَ الإكراه لا جُناحَ عَليه، فأبى عَن السب وصمَّم على اختيار العزيمة على الرخصة الذميمة، فنزَّلوه وقتلوه وحرقوه.
ثُمَّ لمَّا جَاءَ السُّلطَانُ إِلى خُراسان، وطلب شيخ الإسلام وسائر أكابر الزمان، وأمرَ الشيخ بالسب في ذلك المكان، امتنعَ عَنه رِضًا للرحمن، فاعترضَ عَليهِ بأَنَّك أمرتَ بِهِ الخطيب سابقاً، فكيفَ تُخالف الأمر لاحقاً، فقالَ: ذاك كان فتوى، وهَذا كَمَا ترى تقوى، وأيضاً ذلك الوقت كانَ أيامَ الفتنة التامة، وهجوم الخلائق والعَامَّة، وإِنَّ اليوم " مَ تَحتَ السلطنة، التي تجب عليك فيه العدالة، وسماعُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المَقَالَةِ، وتَصحِيحُ مَا يَكُونُ العَمَلُ بِهِ أولى في هَذِهِ الحَالَةِ. فَسَأَلَهُ عَن كيفيته وتحقيق مَاهِيتِهِ
الجزء 1 · صفحة 22
وكميته، فقال له: افعل أحَدَ الشيئينِ مِنْ الأَمْرَينِ الحَسَنَينِ:
أولهما: أني أُثبتُ لك أنَّ مذهب أهل السنة والجماعة هو الحق وغيره هو البَاطِلُ المطلق، وذلك بأني أظهرُ لكَ تصانيف آبائك وأجدادكَ مِنَ المَشايخ الذين سَلَفوا في بلادك بخطوطهم، ونعمل بما في سُطورهم وفق ما في صدورهم، وإِنْ كانُوا الآن في قبورهم. وثانيهما: أَنَّكَ تُنادي عُلماء مذهَبك وفضلاء مشربك؛ فنتباحث في مجلسكَ، فمَنْ غَلبَ في الحُجَّةِ نَقلاً وعقلاً، فَيُتبع فرعاً وأصلاً.
فشاور وزراءه وأمراءه وعلماءه وفقهاءه، فقالُوا لَهُ: هَذَا عَالِمٌ كَبَيْرٌ وفَضلُه كَثِيرٌ، لا يغلبه أَحَدٌ منَّا في الكلامِ، وآباؤك وأجدَادُكَ صَنَّفوا في زمانِ السُّنَّةَ، وَكَانَ يَجِبُ التقيَّةُ في هَذِهِ القضية؛ فتبعهُم وصَارَ مِنْ أهلِ الطَّغيان والكفران، كفرعونَ حَيثُ شاوِرَ هَامَانَ، فقتله شهيداً وجَعلهُ سَعِيداًعليهم
والحاصل أن ولد الخطيب الذي هو أستاذي الأديب، كان يقولُ: إِنَّ زيادةَ التعصب والعنادِ في هَذِهِ الطائفة اللعينة، إنما وقعَتْ مِنْ تعَصُّبَاتِ الطبقة الأزبكية، حَيثُ إِذَا رَأوا شخصاً يبتدئ في غسل الأيدِي مِنْ مِرفقه أو مَسَحَ عَلى رجله، أو وضعَ حَجراً في مسجدِهِ قتلوه. فعارضوهم بأنَّ مَنْ غسَلَ رجله أو مسَحَ رقبته وأذنه قتلوه، وكلُّ مَنْ صَلَّى مرسلاً يديه قتله هؤلاء، فعارضُوهم بأنَّ مَنْ صلَّى واضِعاً يَديه قتلوه، إلى أن ازدَادَ التعصُّبُ بَينَ الطائفتين.
فَمَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ ولو مُكرهاً قتلوهُ، فَزادُوا عَليهم في القبَاحَةِ والوقَاحَةِ، بأن
أمرُوا أَهلَ السُّنة بسَبِّ الصَّحَابَةِ فَمَنِ امتنعَ عَنهُ قتلوه، واشتدَّ الأمرُ عَلى القبيلتين حت كان مَدَارُ العقيدَةِ عَلى هاتينِ المَسْأَلتين، وكفّر كلُّ واحِدٍ غيرَه مِن الطائفتين.
وأصلُ هَذا الفساد، إنما وقعَ بينَ العِبادِ بشآمةِ تركِ السُّنةِ وفعل البدعَةِ، حَيثُ
الجزء 1 · صفحة 23
اختارَ بَعضُ السَّلاطينِ والأُمراء أنْ يُذكر اسمهُ فَوقَ المنبَرِ على ألسنةِ الخُطبَاءِ، فقيل لهم: لم يتصور ذلك إلا بأن يُذكر الخلفاء الأربعة أولاً هنالكَ.
ثم أحدثَ بنو أمية سَبَّ عليّ وأتباعه في الخُطبة مُدةٌ مَعينةً، إلى أن أظهر الله سُبحانه عُمَرَ بنَ عبد العزيز، وأعزّ الله الإسلام به انتهاءً، كما أعزّ الله الإسلام بعمر ابن الخطاب ابتداءً، فأظهر غايةَ العَدَالة ونهاية الرّعَايةِ في الرعيَّة والجمالة، فأولُ مَا خطبَ عُمَرُ على هذا المنبر، حَمِدَ اللهَ سُبحانهُ وأثنى وشكر ووعظ ونصح لمن اعتبر، ثم لما وصَلَ إلى مَوضِع سَبِّ الخُطباء لخاتمِ الخُلفاء وحاتم الحُنَفَاء؛ قرأَ هَذِهِ الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَابٍ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]، أُوصيكم عِباد الله بتقوى الله.
ونزلَ عَن المنبَرِ، فصَارَ قراءةُ الآيَةِ المقرَّرَةِ سنةَ الخطباء المعتبرة.
وحَاصِلُ الكلام وتحقيق المرام: أن سَبَّ الصحابة الكرَامِ مِنْ أَكَبَرِ الكَبَائِرِ، بَل متضمن أكثرهَا عِندَ أهلِ السَّرائِرِ؛ لأنه اجتمع فيه حَقُّ الله وحَقُّ العَبدِ وحَقُّ رَسُوله أيضاً، فإِنَّهُ لا يهونُ عليه إهانةَ مَن يَكُونُ مُقرَّباً لديه ومنسُوباً إليه.
الجزء 1 · صفحة 24
وأيضاً من المُقرّر إجماعاً: أن قتل النفس أكبر الكبائر بعد الشرك بالله تعالى، وقتل المؤمنِ متعمداً إنما يَقعُ من المؤمِنِ حَالَ كَمَالِ عَضَبَه وذَهَابِ عقله وأدبهِ حَتَّى يكاد أن يكون مجنوناً، ثُمَّ لاَ شَكَ أَنْ يَكُونَ بَعد ذلكَ نَادماً ومحزوناً، ويتوب إلى الله ويتضرعُ إلى مولاه، بخلافِ الرّفضَة؛ حَيثُ يسبُّونَ فِي حال اختيارهم و وقتِ اقتدارهم ويُصَمِّمُونَ على ذلكَ ولا يَرْجِعُونَ عَمَّا صَدرَ عنهم هنالك؛ إذ لم يعتقدوا قبحه، بل يتوهّمُونَ رُجْحَهُ، ولذا قيل: ليسَ توبةٌ لأهل البدعة؛ لأن بدَعتَهُم عندهُم قُرَبَةٌ وطاعَةٌ.
وأَمَّا مَا ذكره بَعضُ المَشايخ أنهم لم يسبُّوا أصحاب النبي، وإنما سبُّوا جمعاً زعموا فيهم أنهم ظلمُوا عَليّاً كرّمَ اللهُ وجهَهُ، وأخذوا حَقَّهُ مَعَ جَعله عَليهِ الصلاةُ والسلامُ وَصِيَّه، وليسَ هَؤلاء بهَذا الوصفِ مَوجودين، ولا بهذا النعتِ مشهودين، فلا يفيد ذلك ولا يكُونُ عُذراً هنالك، كَمَا قالَ بَعضُ جَهَلَةِ الصُّوفِيةِ: إِن عَبدَة الأصنامِ إنما عَبدُوا الملكَ العَلَّام سَواءٌ عَلَمُوا هَذا المعنى أو غفلُوا عَن هَذَا المَبَنى؛ فإِن الشَّرِيعَة الغَرَّاءَ تُبطلُ هَذه الأشياء، فنحنُ نحكم بالظاهر، والله أعلم بالسرائر.
الجزء 1 · صفحة 25
ولا يخفى أن طائفة الشيعةِ وسائرَ طَوائف المُبْتَدعَةِ الشنيعة، لما لم يتبعوا الأحاديث والأخبار، وحرَّمُوا حقائقَ الأسرار، ودقائق الأنوار التي حملته العلماء الأبرار، ونقلته الفضلاء الكبَارُ عَن النبي صلى الله عليه وسلم برواية الأصحَاب والتابعينَ وأتباعهم مِن العلماءِ العَامِلِينَ والمشايخ الكاملين، بأسانيد عدول ضابطين وثقةٍ حَافظين = وقعوا فيما وقعوا مِنْ الخطأ والخَطَل وأفسدوا ما عندهُم مِنْ العِلم والعمل، واعتقدُوا مَا بَنُوه على ما طاحوا فيه مِنْ الزَّللِ، وإلا فكيفَ يُبغَضُ مَنْ كَانَ صَاحِبَ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في الغَار، ورفيقه في سَائِرِ الأسفار، وأولَ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنْ الرِّجَالِ الكَبَارِ؟!
وقد جَعله عليه الصَّلاة والسَّلامُ خليفته في مَدِينةِ الإسلامِ بنصب الإِمَامَةِ لعَامَّة الأنام، كَمَا أجمعَ عَلَيه العُلماء الأعلامُ، حَتى قال عَليٌّ كَرّمَ اللهُ وجَهَهُ فِي هَذا المَقَامِ: قد رضيه لديننا، أفَلا نَرضَاهُ لدُنيانا.
فإن لم يكن هَذا الأمرُ منه عليه الصَّلاة والسَّلامُ صَريحاً في الوصية، فأقلُّ مَا يكونُ جَعلُه إشارَةً إلى القضية، مع أن من المعقول المقرَّرِ عِندَ أَربَابِ العَقل المُعتبر أنَّ الصَّحَابَةَ الذينَ فَدُوا أنفسهم وأموالهم في الإيمان بالله ومحبةِ رَسُولِ الله، لم يكونوا مجمعين على الضَّلالة بتركِ الحَقِّ الواضح لعليٌّ رِعَايَةٌ لأَبي بكرٍ، مَعَ عُلُوِّ نَسَبٍ عَلِيٌّ وكثرة قومه وقبيلته وشجاعته وشَوكته، وقِلَّةِ قوم أبي بكرٍ وأَهلِ حَميته.
وأيضاً: فقد ورَدَ النصُّ القطعِيُّ - ولو كان مُجملاً ـ في رضى الله تعالى عن الصَّحَابةِ كُمَّلاً بقولِهِ: وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100].
الجزء 1 · صفحة 26
وأجمع المفسّرونَ على أنَّ أبا بكرٍ مِنْ السابقينَ الأولينَ، وَكَذَا عَليٌّ وخَديجة وزيد وبلالٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم أَجْمَعِينَ.
فبأي دليل مِنَ الكِتابِ أو السنة أو إجماع الأمة يستحق أبا بكر الصديق رَضِيَ اللهُ عَنْهُ شيئاً مِنْ المَلامَةِ والمذمَّةِ؟! وإنما الحكمة في ذلكَ أَنَّ لَعنَةَ لاعنيه ترجع إليهم، وتكون سبباً لغَضَبِ اللهِ عليهم، وموجباً له في زيادة الدرجَاتِ العالية والمقامَاتِ الغَالِيةِ، كَمَا أَن مُسابقته في الإِيمَانِ صَارَتْ بَاعثاً لمشارَكَتِهِ في ثوابِ إسلام أهل الإتقان.
وبهذا الذي قرَّرناه، وفي هَذا المَقَام حرَّرناهُ، تَبَيَّنَ أَنَّ خُراسان ليست بدارِ الحَربِ، كَمَا تَوهِمَهُ بَعضُ الفُقهاءِ، بَل دارُ البِدْعَة، كَمَا هُو ظَاهِرُ عندَ العُلماء، وتوضيحه: أن أكثرَ سُكَّانه على مَذهَبِ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ، وغالبهم الحنفية وفيهم بَعضُ الشافعية، وأما العسكرية؛ فجماعَةٌ مَعدُودَة وشِرذمةٌ قليلةٌ، يَدَّعون أنهم الشَّيعَة ولا يتحاشونَ عن الشنيعة.
وقد صَرَّحَ علماء الكلامية بأنَّ الشَّيعة من الطوائف الإسلامية، نَعَمْ فيهم طوائف، فَمنهم مَن يُحبُّ ولا يسبُّ، وإنما يُفضّلُ عَليَّاً عَلى البقية. ومنهم مَنْ لاَ يُحِبُّ ولا يسُبُّ زعماً منه أنهُ عَلى الطريقة النقِيَّةِ. ومنهم مَنْ يَسُبُّ ولا يَستَحلُّ السَّبَّ، وإِنما يشتمُ عِندَ الغَضَبِ. ومنهم من يستحل وسيحُ ولا يبالي من العنب.
ومنهم مَنْ يَعُدُّ السَّبَّ قُربةً وطاعَةً، ويجعله وظيفةً وصناعةً.
ولقد سمعتُ عَن سَيِّدي وسَندي في عِلم التفسير، الشيخ عطية المكي السلمي: أن خارجياً ممن يزعُمُ أَنه مِنْ الفُضلاء والعُلماءِ، كَانَ وِرْدهُ سَبَّ عليٌّ كرم الله وجهَهُ أَلفَ مَرَّةٍ، بَينَ صَلاةِ الصُّبح وصَلاةِ العشاء، فسُبحانَ مَنْ خَلَقَ في مُلكهِ مَا يَشَاءُ.
الجزء 1 · صفحة 27
وقد وردَ: «لا تسبوا الشيطانَ، وتعوذوا بالله من شره، وفيه تنبيه نبيه عَلَى الترقي مِنْ حَالِ التفرقة المُعَبَّر عنها بالإثنية إلى مَقامِ التوحيد الصرف والجمعية، والحمد الله عَلى مَا أعطاني من التوفيق والقُدرَةِ عَلَى الهجرة مِنْ دَار البدعة إلى خير ديار السُّنةِ، التي هي مهبط الوحي وظهور النبوة، وأثبتني على الإقامة مِنْ غَير حَولٍ مِنِّي ولا قوة.
هَذا أَكَرَهُ رُؤيَةَ هَذِهِ الطائفة الرديَّةِ خُصُوصاً عند طوافِ الكعبة الشريفة ومع العَليةِ، مَع أنهم كالمُنَافِقِينَ في مَقام التقيَّةِ، والتسَتُّرِ فِيمَا بَينَ الجَمَاعَةِ الشافعِيةِ النقيَّةِ حتى تسموا الشَّافضيَّة، وبهذا المُوجبِ اشتبه حال بعض الشافعية عند سادة الحنفية؛ لكنَّ الفرقَ أنَّ الشافعية يقبضون أصابعهم ويُشيرونَ بالمُسَبِّحِةِ عِندَ التشهد، كَمَا هُو المُعتمدُ في مَذَهبَنا، بخلافِ الشيعَةِ، فإنهم تركوا هذه السنةَ مِن سُننِ الشريعة مخالفةً لمِذَاهِب أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ البديعة المنيعة.
ومن علاماتهم في الطواف: أنهم يُوسوسون في ابتدائِهِ، ويحرفونَ عَن الكعبة حَالَ إنشائه، ثم في الشوط السابع قبل انتهائه يقفُونَ مُنحرفين في المستجار، فنعوذُ بالله من حال أهل النار. هذا؛ وإذا تبيَّن أنَّ خُرَاسَانَ مِنْ دَارِ البدعة لا مِنْ دَارِ الحَربِ، ظهر بطلان تقدمت ترجمته في مقدمة هذا المجموع.
ما يفعله الأزبك في حقهم مِنْ قتلِ العَام وعدم التمييز بينَ الأَنامِ، وسبي نسائهم وذراريهم في تلك الأيام، إلى أن وقع النَّاسُ في كفر ظاهر من استحلال فروجهنَّ واستخدام أولادهن.
الجزء 1 · صفحة 28
وأغرب من هذا: أنهم فعلوا مثلَ هَذَا في بلادِ أهلِ السُّنَّةِ، مثل تاشکند وغيره، مقام العلماء والسّادَةِ، حَتى بَاعُوا في سُوقٍ بُخارى بنتَ الأمير سيفي الذي كانَ سَيِّداً ومُفتياً وصالحاً مُتقيّاً بَعْدَ حُكمِ سُلطانهم بقتلِ عَامَّةِ البَلَدِ، حَتى النساء والأطفَالِ والعُلماء والمشايخ والسَّادَاتِ وأربَابِ الأحوال، لذَنبِ وقعَ مِن بَعضِ العَسَاكر الجُهَّالِ؛ فإنا لله وإنا إليه رَاجِعُونَ، كيف يدَّعونَ الإسلام ويفعَلُونَ هَذِهِ الذنوبَ العِظام. وقد ذكر ابنُ الهُمام: أنَّ من فتح قلعةٌ مِنْ بلاد أهلِ الكُفْرِ، وكانوا ألوفاً مُجتمعة، ويُقال: إن فيهم واحِداً مبهماً مِنْ أهل الذمة؛ لا يَجُوز قتلهم على وجهِ العُمومِ. وأغربُ مِنْ هَذَا أَن بَعْضَ العَوام يُسمُّونَ سُلطانهم عادلاً، وقد صَرَّحَ عُلماؤنا مِنْ قبل هَذا الزمان: أن مِنْ قالَ: سلطان زماننا عادل؛ فهو كَافِرُ، نَعَمْ عَادِلٌ عَنِ الحَقِّ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1]، وقد ظهر الفساد في البر والبحر بما يعملون، لكن قد وردَ: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وهُمْ ظَاهِرُونَ» رواه الشيخان عن المغيرة
ثُمَّ إِنِّي لم أقل بكفر الطائفة الأزبكية، كما قال به بعض العلماء الحنفية، فإنهم - وإن فعلوا مَا فَعَلوا - لم يُعرفُ مِنْ بواطنهم أنهم مِنْ المُستبيحِينَ لِذلكَ، أَو مِنْ المُستقبحِينَ لِمَا هنالك، فالسكوتُ عَنهم أيضاً أسلم، والله سبحانه أعلم. فإن قلتَ: هَل مَعَكَ دَليلٌ ظني من الكتابِ والسُّنَّةِ عَلَى كُفِرِ الرَّفضةِ؟
قلتُ: نَعَمْ، أَمَّا الكتاب؛ فَمنه: قوله تَعَالَى: {تُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاهُ عَلَى الكفار ... الآية [الفتح: 29]؛ فإنه يُشيرُ إلى تكفيرهم مِنْ وجَهَيْنِ:
الجزء 1 · صفحة 29
أحَدُهما: أنَّ الله سبحانه وتعالى بين أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأتباعه وأحبابه، مذكورون في الكتب السَّالفة مِنْ التوراة والإنجيل بما بَيَّنَهُ مِنْ طَريقِ التمثيل، ثُمَّ ذَكَرَ وعْدَهُم بأن لهم مغفرةً وأجراً عَظيماً في العُقبَى لِمَا أَصَابهم مِن المَحَنِ والبلوى في محبة المولى وطريق المُصطفى في الدنيا، فمَنْ أبغضهم يكونُ شَرّاً مِن اليهودِ والنَّصارى؛ لأنهم قائلون بأن أفضل الخلقِ أصحابُ مُوسى وعيسى عليهما السَّلامُ، ولا شك أن الخلفاء الأربعةَ هُم السَّابقونَ الأولونَ مِنْ المُهاجرين، وقد قال الله في حَقَّهم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100]، ثُمَّ قوله سُبحانَه في الآية السابقة: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ مِنْهُم} [الفتح: ??] بلفظ مِنْ ليس لإخراج بعضهم - كَمَا زَعَمَ الرَّفَضةُ - فإِنَّ مِنْ لِلبَيانِ لا للتبعيض المُنافِي لمقامِ المِنَّةِ. وثانيهما: أنه فُسِّر قوله: {وَالَّذِينَ مَعَهُ بأبي بكر الصديق، الذي رزق التوفيق بكونه معه في الدار والغار، وفي سائر الأسفار إلى أن دُفنَ مَعَهُ فِي بَرِزْخِ دارِ القرارِ، وقد قال سيّد الأبرار: «إِنَّهُ يُحشُرُ أبو بكرٍ في اليَمينِ وعُمرُ في اليسار، وهكذا يَدخلُ مَعَهُما في الجنَّة بإذن الملكِ الغَفَّار.
وفُسر: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ بعمر بن الخطاب الفاروق، المبالغ في الفَرْق بينَ الخطأ والصواب المُبيَّن لقبه في الكتاب، حَيثُ قتل المنافق الذي ما رَضي بحُكمِ النبي عليه الصلاةُ والسلامُ عليه لليهودي في فَصْلِ الخِطابِ.
وفُسر: رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} بعُثمان بن عَفّان، الذي استحيا مِنْهُ مَلائكة الرحمَنِ، والذِي رُزْقَ الحَظَّ بالسُّرورَين، في تلقيبه بذِي النُّورين، حَتَّى مِنْ كَمَالِ رَحمته على رحمه جرى له ما جرى من أنواع البلوى.
الجزء 1 · صفحة 30
وفُسر: تَرَبَّهُمْ رُكَعًا سُجَّدًا بعليّ المُرتَضى، وابنِ عَمَّ المُصطفى، وزَوجِ البتول الزهراء؛ لكثرة ركوعه وخشوعه، ولإطالة سُجودِهِ مَعَ كَمَالِ كَرَمِهِ وجُودِهِ، حَتَّى جَادَ في حَالِ ركوعه، وفي مقامِ شُهوده كَمَا يُشير إليه قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوْةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55]، والتعبير بصيغة الجمع: إمَّا تَعظيماً لشأنه وحاله، أو تنبيهاً على أن المراد هُو مَع أمثاله في تحسينِ أقواله وتزيين أفعاله وأحوالِهِ.
والمقصود أنَّ قولَه سبحانه: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ إشعاراً بأنه كان شديداً على الكفَّار الأولين؛ فكذا على الكفَّار الآخرين، فإن شِدَّة الرّفضة في حَقِّهِ مِنْ الأَمرِ الظَّاهِرِ الذي لا يُنكره إلا المُعَاندُ المُكابرُ، حَتَّى يقول أحدهم: مَا أُحبُّ عُمُري لتجنيسه بعُمَري، ويقوِّي هَذَا المَعنَى مَا رَتَّبَهُ سُبحانَهُ عَلى جهة التمثيل مِنْ تعليل المبنى بقوله: ليَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح: 29]؛ ففيه إيماء إلى أنه لا يغيظُ بهم إلا الكفَّار ومَنْ في معناهُم مِنْ الفُجَّار.
ويؤكِّدُ هَذَا التحقيق ما ورد في حَقٌّ الصديق: «أبى الله والمسلمون إلا أبا بكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ»، وذلكَ عِندَ منصبِ الإِمَامةِ المشير إلى صحة الخلافة، فمن أباه بعد أن النبي اجتباه، لا يكونُ دَاخِلاً في أهل الإسلام، ويكون خارجاً عن مقام الإكرام، وهذا كَانَ سَبَبَ إجماعِ الصَّحَابَةِ عَلى خلافته، وعدم الالتفاتِ إلى مَنْ توقَّفَ طاعتِه حَيثُ قالوا: رَضِيَهُ عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام لِديننا، أَفَلَا نَرِضَاهُ لِدُنْيَانا؟! وقد صح أيضاً عن عليٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هذِهِ المقالة في تلك الحالة.
الجزء 1 · صفحة 31
ومنه قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِمْ ... إلى قوله: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُ و الدَّارَ [الحشر: ?-?] إلى أن قال: {وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ... الآية [الحشر: 10]؛ فإن الله تعالى قسم الفيء المأخوذ من الكفار بين ثلاثِ طوائف من المؤمِنينَ الأبْرَارِ، وبدأ بالمهاجرين والأنصارِ، ثُمَّ ختم بِمَنْ بَعدَهُم مِن التابعين، ومَنْ بَعدهُم مِنْ سَائِرِ المُؤمِنين أجمعين إلى الدين، بوصف أنهم: يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَ لِلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا} [الحشر: 10].
فخرج هؤلاء الطائفة من بين المؤمنين؛ لأنهم لم يستغفروا للسابقينَ المُوقِنِين، بَلْ جَعَلُوا غِلَّهُم في قلوبهم حَتى عَكسُوا القَضِيَّةَ، وبدَّلُوا طلب المغفرة والرحمةِ بالسَّبِّ والمذمةِ، بَل بَنُوا مَدَارَ مَذهَبهم عَلَى اللعِنَةِ، ومَا أَحسَنَ قول بعض أهل الفِطنة: لعنةُ الله عَلى مَذهَبٍ مَدَارُه عَلَى اللَّعنةِ والطَّعنةِ، مَع أَنَّ لعنهم يرجع إليهم في العاقبة، ويكُون سَبَبَ زيَادَةِ الرحمة للصَّحَابَة، كَمَا رَواهُ ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قَالَ: قيل لعائشة: إِنَّ ناساً يتناولون أصحَابَ رَسُولِ اللهِ؛ حَتى إنهم يتناولُونَ أبا بكر وعُمرَ، فقالت: أتعجبُونَ مِن هَذا؟! إنما قطعَ عَنهُم العَملُ؛ فأحبَّ اللَّهُ أَنْ لا يقطعَ عَنهُم الأجر.
وأما الدليلُ مِنْ طريقِ السُّنَّةِ عَلى كُفرهم في مقام العِناد، فقد ورد في أخبار الآحَادِ مَا يصلحُ في الجملة للاستنادِ، بالاعتماد، ولو كَانَ بِغَالِب الظنِّ فِي بَابِ سبق تخريجه قريباً.
الجزء 1 · صفحة 32
الاعتقادِ؛ لأن أصلَ هَذهِ المَسألةِ مِن تَفضِيل الصَّحابة، بل تفصيل تفضيل الأنبياء على بعضهم، وتفضيل الملائكة على البشر ونحوه، مِنْ بَحثِ الإِمَامَةِ والخلافة، كلُّها مِنْ الظنيات الفرعيَّاتِ المُناسب ذكرها في المسائل الفقهيات، لأن مدار الاعتقادِ على الدلائلِ القَطعيات؛ إذ مِنْ المعلوم أنه لو وُجد شخص ولم يعلم تفصِيلَ هَذِهِ الحالات، لم يُحكم بكفره ولا بنقصه في مقام الديانات، ولقد أخطأ خطأ فاحشاً مَنْ
عَدَّ مثلَ هَذِهِ الأمور المذكورة مما علم من الدين بالضرورة.
فَمِنها: ما ورد عن عليٌّ كَرَّمَ اللهُ وجهَهُ، قالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: سَيَأْتِي قَومٌ لَهُمُ نَبر - أي: لقب - يُقال لهم: الرافضة؛ إن لقيتهم فاقتلهم؛ فإنهم مُشركونَ»، قلتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا العلامة؟ قال: «يُقرضونك بما ليس فيك، ويطعنونَ عَلَى أَصْحَابِي وَيَسْتَمُونَهم». رَوَاهُ
ابن أبي عَاصِمِ في السنة» وابن شاهين.
الجزء 1 · صفحة 33
فهَذَا الحَدِيث يَدُلُّ على أَن بَاغِضَ عَليٍّ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ كَلُّهم رَفضَةٌ، وَإِن اختصَّ بَاغِضُ عَليَّ بالخَوارِج لخروجهم عَلى عَليَّ وقت الفتنة، وذلك لأن الرَّفْضَ بمعنى التركِ لغةً، ثُمَّ نُقل إلى تركِ مَحَبةِ الصَّحَابَةِ، فلا وجه لتخصيص سَب الشيخين كفر، إلا لِكُونِهما زيَادَةٌ في الفَضِيلةِ بناءً على قول جمهور أهلِ السُّنَّةِ: إن أبا بكرٍ أفضَلُ، وقيل: عُمَر، وهم المُسمَّى بالفاروقية، وقيل: عَبَّاسُ، وهم طائفةٌ مِنْ العَبَّاسِيَّة، يقال لهم: الراوندية، وقيل: عَليّ، وهُم الإمَامِيَّةُ، وقالَ بَعضُ المتكلمين بالسوية، ومال بعضُهم إلى التوقف في القضيَّة، إذ الفضيلة إن كانت بمعنى أكثرية المثوبَةِ؛ فهي غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لنا، وإن كانتْ بمعنى أكثرية العلم والحلم؛ فالأدلة فيه مُتعَارِضَةٌ عندنا. واختلف هل عُثمانُ أفضَلُ أم عَليّ؟ ومَالَ الأكثر إلى الأول، وجمع إلى الثاني والقولان مرويان عن إمامنا الأعظم، والله سبحانه أعلم.
هذا؛ وقد ذكرَهُ الكردري في «مَناقِب أبي حَنِيفَةَ» وقال: إِنَّ مَنْ اعترفَ بِالخلافَةِ والفَضيلةِ للخلفاء، وقالَ: أَحبُّ عَلياً أكثرَ؛ لا يُؤاخذ به إِن شاءَ الله تعالى؛ لِقولهِ عَلَيْهِ
السَّلامُ: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تُؤَاخِذْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ». وأغربُ مِنْ هَذَا كله قول طائفة - منهُم ابنُ عَبدِ البَرِّ المالكي -: إِنَّ مَنْ توفي مِنْ الصَّحَابة حَال حَيَاته أفضَلُ مِمنْ بَقِي بعد مماته.
ولعله محمول على مَا عَدا العشرة المبشرة، وممن كمل في صِفَاتِهِ وأمن الفتنة في وقت وفاته. وقالَ بَعضُ المَشايخ: إِنَّ عَلياً في آخر أمره وانتهاء عمره، صَارَ أفضل من أبي
الجزء 1 · صفحة 34
بَكرٍ وغَيرهِ؛ لزيادة المكاسب العلمية والمراتب العملية. فهَذا الاختلافُ بَيْنَ هَذِهِ الطَّوائف الإسلامية دَليلٌ صَرِيحٌ عَلى أَن مَسْأَلةَ التفضيل لَيسَتْ مِنْ الأُمور القطعية؛ لأن الأحَادِيثَ المَروية ـ مع كونها ظنية - متعارضةٌ مَانِعَةٌ مِنْ كَونها من الأمُورِ اليقينية، على أنه لَيسَ فِيهَا تَصريح بأنَّ الأَفضَلِيةَ من أي الحيثية، ليعلم أنه بِمَعْنَى الأكثر ثواباً عِندَ اللهِ في العُقبى، أو بِمَعْنَى الأَعلَميَّة مآباً عِندَ الخلقِ في الدنيا، فتركُ الغَور في هذه المبحثِ هو الأولى؛ لأن المدارَ عَلى طَاعَةِ المولى؛ ولقولِه تَعَالَى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا
كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134] أي: بَل تُسْأَلُونَ عَن تَحسِينِ أعمالِكُم وتزيين أحوالكم. ولقوله عليه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «إِنَّ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ». فقد حُكي: أَنَّ بَعضَ الصُّوفية لما سمع هذا الحديث قال: كفاني.
وهو نظيرُ صحابي قرأ عَلَيه و قولَه َتعَالَى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ, وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: ?-?]، فقال: حسبي. وقد ورد عنه أنه قَالَ: «إني أعلم آيةً لو عمل بها جَمِيعُ الخلق لكفتهم: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: ? - ?، وذلك لأنَّ من اتقى الله عَلَّمَهُ اللهُ مَا يَأْمره وينهاه، كما يُشير إليه قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ} [البقرة: ???]، وقوله: وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [البقرة: ???].
وقد وردَ: مَنْ عَمِلَ بما عَلِمَ ورَّتْهُ اللهُ عِلمَ مَا لم يعلم» 3.
الجزء 1 · صفحة 35
ورُويَ: «مَا اتَّخذ الله وليّاً جَاهِلاً ولو اتَّخِذَهُ لَعَلَّمَهُ»؟؛ أي: بالعِلمِ الكَسِبي، أو العِلم اللدُنّي الوهبي، كَمَا يُشيرُ إليه قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى
وَانَهُمْ تَقْوَنَهُمْ} [محمد: 17].
وعَن زُفَر: أنَّ الإمامَ سُئلَ عَن عَليٍّ ومَعاوية وقتلى صِفِّينَ، فقال: إذا قدِمتُ
على الله يَسألني عَمَّا كلَّفني، ولا يسألني عَنْ أُمورِهم.
ورُوي أنه قال: تلكَ دماءُ طَهَّرَ اللهُ مِنْها سِنانَنا أَفَلَا نُطَهِّرُ مِنها لِسَاننا؟! وفي رواية قرأ تلك الآية.
وإنما بَيَّنتُ هَذِهِ المسألةَ المُعضلة، لما فيها من العوارض المشكلة، المحتاجَةِ إلى الأقوال المفصلة.
ومما يَدُلُّ عَلَى عَدَم قطع الأفضَلِية مَا صَدرَ عَن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الشُّورَى، حَيثُ جَعَلَ الأمر لأحَدٍ مِنْ الستة، فإنه لو كانَ أفضلية عثمان أو علي قطعياً، لكان تعيَّن للخلافة بالأولوية، مع أنه يجوز صحة الخلافة بشرائطها الشرعية في المفضولِ إجماعاً، خلافاً لِطَائفة الشيعة في أكاذيبهم الشنيعة.
ومنها: مَا رُويَ عَن عَليَّ أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عليُّ! ألا أدلُكَ على عمل إذا فعلتَهُ كُنتَ مِن أهل الجنة - وإِنَّكَ مِن أهل الجنة - إِنَّهُ سَيَكونُ بَعدِي أقوام يُقال لهم: الرَّافضَةُ، فإن أدركتهم فاقتلهم؛ فإنهم مشركونَ»، وقال عَليٌّ: سَيَكونُ بَعْدَنا أقوام ينتحلونَ مُودتنا يكونُونَ عَلينا بارقة، وآية ذلك أنهم يَسبُّونَ أبا بكر وعمر. رواه خثيمة بن سليمان الأطرابلسي في «فضائل الصحابة»، واللالكائي في «السنة».
الجزء 1 · صفحة 36
وفي رواية له عنه أيضاً: يكونُ في آخر الزَّمَانِ قوم لهم نَبِّزُ، يُسمَّونَ الرَّافِضِةَ، يرفضُونَ الإسلام، فاقتلوهم؛ فإنهم مُشركُونَ؛ أي: كالمشركين في الخروج عن کمالِ دِينِ المُسلِمينَ، أو أُطلق ويُرَاد بِهِ التأكيد للزجر، والمبالغة في التهديد والوعيد، وكذا قوله: «يرفضُونَ الإسلام»؛ أي: بَعض مَا يَجِبُ عَلَيْهِم مِنَ الأحكام.
ومنها ما رُويَ عَن عَليّ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ لَهُ: «إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَكُون مِن أهل الجَنَّةِ، فإنَّ قوماً ينتحلُونَ حُبَّكَ يَقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، لهم نبز، يُقال لهم: الرافضة، فإن أدركتَهُم فَجاهِدهُم؛ فإنهم مشركونَ». رواه ابن بشران والحاكم في «الكنى».
فَهَذِهِ الأَحَادِيثُ وإن كانت أسانيدُهَا ضَعيفةً، لكن يتقوى بعضُها ببعض، فترتقي إلى دَرجَةِ الحَسَنِ الذِي يَصِحُ الاستدلال بِهِ في الأمُورِ الظنيَّة الفقهية، فيُقتل السَّاتُ للصَّحَابَةِ مِنْ الطائفة الخَارِجَةِ أو الرَّافِضَةِ.
وإنما قلنا بطريق السياسة العرفية الفرعية، لا بِطَرِيقِ الأَصَالِةِ مِنْ الأُمورِ الشرعية؛ لِيلاً يُخَالِفُ القواعد الكليَّةَ الثابتة منَ الكِتاب والسنة النبوية، أنه لا يُقتل امرؤ مُسلم إلا بإحدى ثلاث: قتل النفس بالنفس، وزنًا بإحصان، وارتداد. والسَّيَاسَةُ واردَةٌ في الأخبَارِ ومشاهير الآثارِ، ومن جملتها تَغرِيبُ العام للزاني، وقطع يد النباش وأمثالهما، ومنها قتل تارك الصَّلاةِ في مذهب الشَّافِعِية، فاندفع اعترَاضَهُم عَلى السَّادَةِ الحنفية في قتل الرَّفضَةِ، حَيثُ وهموا أنهم ليسَ لَهُم دَليلٌ في ذلك، ولم يُحققوا ما قدَّمنا هنالكَ.
الجزء 1 · صفحة 37
ويُؤخذُ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ أَيضاً: جَوازُ مقاتلة الأرفَاضِ، ويُؤيَّدهُ مُقاتلةُ عَليَّ للخوارج في حَالِ الإعراض، إلا أنه يُعَامَلُ مَعَهم مثلَ مُعَامِلَةٍ عَلَيٌّ مَع أَمْثَالِهِم مِنْ عدم سَبي نِسَائهم وذراريهم، وعدم التعرض لأفرادِهم بَعدَ فَراغ قتالهم ودخولهم في الإطاعة، كَمَا حقَّقتُ هَذِهِ الأمُورَ جَميعَها في مَحالَّها المُفصَّلَةِ فِي بَيانِ أحوالهم. ومنها: عَن عَلي قال: قال لي النبي: أنتَ وشيعتُكَ في الجَنَّة، وسَيَأْتي قوم لَهُم نبز يُقَال لَهُم: الرافضة، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإنهم مشركونَ». رواه أبو نعيم في «الحلية»، والخَطِيبُ، وابن الجوزي في «الواهيات»، وفيه: محمد بن جُحادة، ثقة غالٍ في التشيع، روى له الشيخان. ولا شبهة أن شيعته كلُّ مَنْ شايعه في سنته، وتابعه في طريقته وسيرته، المُطابقة لما هِيَ عَليه النبيُّ عليه السلام وأصحابه في ظَاهِره وسريرته، ويُقويه قَولُه تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ ينتهم بما كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159].
ويُؤيده: مَا رَواه الدِّينَوريُّ عَن المدائني قَالَ: نَظَرَ عَليُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ إِلى قومٍ ببابه، فقال لقُنبر: يا قنبر! من هؤلاء؟ قَالَ: هَؤلاء شيعتكَ، قَالَ: وما لي لا أرى فيهم سيماءَ الشَّيعَةِ؟ قال: وما سيماء الشيعة؟ قال: خَمْصُ البُطُونِ مِن الطَّوى، يُبْس الشَّفاءِ من الظَّمى، عُمْشُ العُيون من البكا.
وكأنه ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وكَرّمَ وجَهَهُ - أشار إلى تفسير قَولِه تَعَالَى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: ??]، وقوله سبحانه في حق أهلِ الصُّفَةِ: تَعْرِفُهُم بسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ الحافا} [البقرة: ???]، وقوله سبحانه في حق المنافقين:
الجزء 1 · صفحة 38
وَلَوْ نَشَاءُ لَأَزَيْنَكَهُمْ فَلَعَرَفْنَهُم بِسِيمَهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30].
ومن اللطائفِ مَا َوقعَ مِن بعض أربَابِ الظرائف، وهو كَانَ سنِّياً في غايَةِ مِن حُسنِ الصُّورةِ ونُورِ البَصِيرةِ، لكنَّهُ مُولَعٌ بالفسقِ مِن شُرِبِ الخَمِرِ وغيرها مِن الأُمُورِ الخطيرة، وهو من نُدماءِ شِيعيٌّ مِن الأمراء، فَذُكرَ فِي مَجلسِهِ بَيَانُ أَمَارَاتِ الأَنْقِياءِ وعَلامَاتِ الأشقياءِ، فَقالَ السُّنِّيُّ: أنا مِن فُسَّاقِ أهلِ السُّنَّةِ، وانظروا في وجهي مِن سيما نُورٍ أهل الجنةِ، وأبصروا في طلعةِ الحُسَامي الذي أحد وعاظ الشيعَةِ وأتقِيَائِهم عَلى مَظنتهم الشَّنيعة، تروا عَلَيه مِن غبرةِ الظَّلَمةِ الشَّاهدة، على أنه من جُملة الظَّلَمةِ. ولعَلَّهُ أَخَذَ هَذا المعنى اللطيف، والمبنى الظريف مِن قوله تَعَالَى: {وُجُوهٌ يَوْمَذِ مُسْفِرَةٌ الصَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَدٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا فَتَرَةٌ أَوَلَيْكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} [عبس: 38 - 42].
وقدَ ورَدَ: «كَمَا تعيشون تموتون، وكَمَا تموتُونَ تُحشرونَ».
وقد صح: أَنَّ الظاهِرَ عُنَوانُ البَاطِنِ.
وهَذا أصل في بَابِ الفِراسَة وكتاب الكيَاسَة، وقد قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَايَتِ لِلْمُتَوَسَمِينَ} [الحجر: 75] أي: المُتفرّسين.
وفي الحديث: «اتقوا فِراسَةَ المؤمنِ، فإِنَّهُ ينظر بنور الله»، وهذا قد يكون بأَمَارَاتِ ظاهِريةٍ، تنكشفُ الأربَابِ الأبـ تنكشفُ لأَربَابِ الأَبصارِ، وقد يكون بعلامات بَاطِنية تنجلي عندَ
أصحَابِ البَصِيرةِ والأَسْرَارِ.
ومنها ما رُوي عن أبي جحيفةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال سمعتُ: عَليا عَلى
المنبر يقول: هَلكَ فيَّ رَجُلانِ: مُحِبُّ غالٍ، ومبغض غال. رَواهُ العِشاري في
فضائل الصديق، وابن أبي عاصم، واللالكائي في «السنّة».
الجزء 1 · صفحة 39
وفي رواية لابن أبي عَاصِمٍ عَن علي رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: يهلك فينا - أهلَ البَيَتِ فريقان: مُحبّ مُطْرِ، وباهتٌ مُفتر، والإطراء: هو المجاوزَة عَن الحَدِّ في الثنَاءِ، والباهتُ: هُو الذي يَأتي بِالبُهتانِ عَلَى طَريقِ الافتراء.
وفي رواية أخرى لهُ عَنهُ قال: يُحبُّني قومٌ حَتَّى يُدْخِلَهُم حُبِّي النَّارَ، ويُبغضني قوم حَتَّى يُدخِلَهُم بُغضِي النار.
وفي رواية أُخرى له عَنهُ - ورواية الأصبهاني في «الحُجَّة» عَنهُ أيضاً ـ بلفظ:
يهلكُ في رَجَلانِ مُحبّ مُفرط، ومُبغضٌ مُفرط.
ولا شك أن المحب الغالي هو الرّافضَيُّ، والمُبعْضُ الغالي هو الخَارِجِيُّ. وأَمَّا السُّنِّي: فَمُحِبُّ لعَليَّ في المقام العالي؛ لأنه في الوسط الذي هو القِسطُ
الذي أشَارَ إِلَيهِ قَولُه تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِيَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ... الآية [البقرة: 143]، وتحقيقه: أن خير الأمور أوساطها، وهَذا يجري في الاعتقاد، وفي الأفعالِ والأخلاقِ وسَائِرِ الأحوالِ، كَمَا لا يخفى على أربَابِ الكمال، فإِنَّ مَدَارَ التوحيدِ عَلى التوسطِ بَيْنَ التشبيه والتنزيه، كما في الآياتِ والأحَادِيث المُتشابهات، وكقولهم: لا عَينٌ ولا غَيْر، في تحقيقِ صِفَاتِ الذاتِ، وكَذَا مَذهَبُهم المُعَطَّلةِ والمُجسّمةِ، وبَينَ القَدريةِ والجَبْرِيةِ، وبَيْنَ الرَّفْضِ والخُروج.
وكذا يُعتبر التوسط في استحِسَانِ الأخلاقِ كالشَّجَاعَةِ، فإنها حَالَةٌ بَيْنَ التهورِ والجبن، والسَّخاوةِ بَيْنَ التبذير والبخل، والتواضعِ بَيْنَ الكِبرِ والمَهَانَةِ ونَحوها عِندَ مَن يعرفُ عِلم الأخلاقِ، ويُفرِّقُ بَيْنَ الحسنةِ والذَّميمة، وقد قال تعالى في علم المعاش:
الجزء 1 · صفحة 40
وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]. وفي الحديثِ: «الاقتصاد نصفُ المعيشة»، وفي رواية: «مَا عالَ مَن اقتصد»، وقال تعَالَى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: ???]، وقال عزّ وعلا حِكايةً عَن وصاية لقمان: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَأغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} [لقمان: 19].
وإذا عرفت ذلك عَلَمتَ أن شِيعَةَ عَليٍّ ليسَ إِلا أَهلُ السُّنَّةِ هنالك، فإن غيرهم إمَّا مُبغضّ مُفرط كالخوراحِ، حَيثُ سَبُوهُ ولعَنُوهُ وَكَفَرُوهُ وحَارِبُوهِ، وَإِمَّا مُحِبُّ مُفرطٌ كالرَّوافِضِ، فإنهُم فَضَّلُوه على غير النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِن سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ والرسُلِ الأَصفِياءِ، كَمَا
ينادي مُنَادِيهِم مَا بَيْنَ الأرضِ والسَّماءِ: محمد وعلي خيرُ البَشر.
وهَذَا مَع گونه بدعَةً قبيحةً في إدخَالِهِ بَيْنَ كَلماتِ الأذانِ، كلمةُ كُفر فيها فضِيحَةٌ عِندَ الأعيان، بخلاف بدعتِهم في قولهم: حَيَّ عَلَى خير العمل؛ فإنه أمر سهل، حيثُ يَصِحُ في المعنى، وإن لم يرد في الأذان هَذَا المَبنى، مع أنه
مُستدرك مُستغنى عَنْهُ بَعْدَ قَولهُ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ.
الجزء 1 · صفحة 41
ثُمَّ بالغ طائفةٌ مِنهُم؛ فكفّرت أبا بكر لأخذه حَقَّ عَليَّ ومخالفته، وكفَّرتْ عليا لسكوته عنه ورضائه بموافقته، ونَفَوا جَوازَ التَقيَّةِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ جَائِزَةً لكان أولى أن يُقاتلَ مَع مُعَاوِيَةَ بِهَذِهِ القَضِيةِ، فإنهُ كانَ أكثرَ جُنُوداً مِنْ الصِّديقِ، وأكبَرَ قَبيلةٌ مِنْهُ عِندَ التحقيق. ثُمَّ بَالغَ طَائفةٌ منهم في محبَّتِهِ حَتَّى فَضَّلتهُ عَلى النبيِّ وَسَائِرِ أُمَّتِهِ، كَمَا اسْتَهَرَ عَن بَعْضٍ شُعرائهم المعتبر عند كبرائهم أنه قَالَ: لم يَكُنْ عُرِضٌ مَن كَسرِ الأَصنامِ إِلَّا أَنَّه يُوصِلُ المصطفى كتفه إلى قَدمِ المُرتَضى ويتشرفُ في ذلكَ المَقَامِ الأعلى. ومضمونُ هَذَا البيتِ مَشهُورٌ الآن في ذلك المكان ويقرؤونه وينقلونه ويستحسنونه، ولم يعرفُوا مِن كَمالِ حَماقَتِهم في مَرتبَةِ العَقلِ وجَهالَتِهم في مقام النقل أنَّ كسر الأصنام فرضٌ في دِينِ الإسلام، وأنه قطُّ لم يُفضّل ولي عَلى نَبي في شيء من الأحكام.
ثُمَّ بَالغَ طَائفةٌ مِنهم في سوء الاعتقاد مِن جَعَلِ النبيِّ وعَليَّ في الإيجادِ لوصفِ
الجزء 1 · صفحة 42
الاتحادِ في المعنى، ولو تَغَايرا في المَبْنَى. ثُمَّ بَالغَ طائفةٌ مِنهُم فَقالُوا أخطأ جِبريلُ في إيصال التنزيلِ، حَيثُ أَنزَلَهُ عَلَى النّبيِّ وغَفل عَن عَليٍّ، ويُسمُّونَ هَذِه الطائفة بالغرابية؛ حَيثُ توهموا أنَّ النبيَّ عليه السلامُ يُشَابَهُ عَلياً في كمالِ الصُّورَةِ، بحيثُ يتوهم الاتحادُ حَالَ الضَّرُورَةِ. ومَن عَرفَ شمائلَهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الخلق والخُلق، عرف أنه لا مُناسَبةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ علي، لا في الصورة ولا في السيرة، مع أن تخطئة جبريل مستلزم لتخطئة الربّ الجليل، حيثُ إنه سُبحانهُ مَا نَبَّهَ جبريلُ عَليهِ، ولا أَشارَ إليه في مُدَّةِ ثلاث وعشرينَ سَنةِ بِنجُومِ مُفَرَّقةٍ، مَع قَولِه تَعَالَى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِي مُّبِينٍ} [الشعراء: 193 - 195]، وهَذَا كما ترى كفر صَرِيح وإلحاد قبيح.
ثُمَّ بالغَ طَائفةٌ مِنهُم تُسَمَّى النُّصيرية، يقولون لِعَليِّ بالأُلُوهِيَّةِ، ونحو ذلكَ مَما بيَّنَاهُ فِي مَواضِعَ مما ألفنَاهُ.
والحاصِلُ: أَن عَلياً لَهُ مُشابَهَةٌ بِعِيسَى بنِ مَريَم فِي هَذِهِ القَضِيَّةِ، حَيثُ كَفَرَ اليَهُودُ بِسَببِ إفراطهم في بُغضِهِ ونسبته إلى مَا لاَ يَلِيقُ به مَمَا يُصَانُ عَنهُ النِّسَانُ، وَكَفَرَ النَّصارى بإفراطهم في حُبِّه ونسبته إلى التثليث والاتّحادِ والعينية، المُشاركة لهم في هذِهِ بخصوصها الطائفة الوجودية.
وبطلان أقوال هَذِهِ الطوائف ظاهِرُ لأهل الإسلام من الخواص والعوام، وقد أوضحنا الأدلة العقلية والحُججَ النقلية في كتبنا المُتعلّقة بالتفسير والأحَادِيثِ وأقوالِ الصُّوفية.
الجزء 1 · صفحة 43
ثُمَّ من اللطائفِ مَا ذكره المرغيناني: أن الشيطان الطاق ـ وهو شيخ للرافضة على الإطلاق - كَانَ يَتَعرَّضُ للإمام الأعظم كثيراً من الأيام، فدخل الشيطان يوماً في الحمام، وكان فيه الإِمَامُ، وكَانَ قَرِيبَ العَهْدِ بموتِ الأُسْتَاذِ حَمَّادِ، فَقَالَ الشَّيطانُ: مَاتَ أُستاذكُم فاسترحنا منه، فقال الإمامُ: أستاذنَا مَاتَ، وأُستاذُكُم مِن المُنظَرِينَ إلى يوم الوقت المعلوم، فتحَيَّر الرافضي وكشف عورته، فَعْمَضَ الإِمَامُ نظرَهُ، فَقَالَ الشَّيْطَانُ: يَا نعمَانُ مُذْ كم أعمى اللهُ بصَرك؟ فقال: مُذ هتكَ اللهُ سِتْرِكَ، فبادر الإِمَامُ إلى الخروج من الحمام، وأنشأ هَذَا الكلام أقول وفي قولي بلاغ وحكمةٌ ومَا قلت قولاً جئتُ فيه بِمُنكَرِ أَلاَ يَا عِبَادَ اللهِ خَافُوا إلهَكُمْ ولا تدخُلوا الحمَّامَ إِلا بِمئزر ومنهَا مَا قَالَ أَبُو الفَضلِ الكرماني: إنه لما دخل الخوارج الكوفة، ورأيهم تكفير كل من أذنَبَ، وتكفير كل من يكفره، قِيلَ لَهُمْ: هَذَا شيخُ هَؤلاء، فأخذُوا الإمام، وقَالُوا: تُبْ مِن الكُفْرِ، فَقالَ: أنا تائب مِن كُلِّ كفرٍ، فَقِيلَ لَهُم: إِنه قَالَ: أنا تائب مِن كُفركم، فأخَذوه، فقال لهم: أبعلم قلتم أم بظن، قالوا: بظن، قال: إنَّ بَعضَ الظن إثم، والإثمُ ذَنْبٌ؛ فتوبُوا مِن الكفر، قالُوا: تُبْ أيضاً من الكفر، فقال: أنا تائب مِن كُلِّ كُفر. فهَذَا الذي قاله الخصُومُ: إِنَّ الإِمَامَ اسْتُتَيبَ مِنَ الكفر مرتين، ولبسُوا عَلَى النَّاسِ، انتهى.
ووقع لي نظيرُ هَذَا الحالِ مَع بَعضِ الجُهَّالِ مِن قُضاةِ الأَرْوامِ؛ فإنه لما سَمِعَ بي أني طعنتُ في كَلامِ ابن عَرِبيٌّ، وهو مُعتقد طريقة الغَبي، قال لي: تُبْ إِلى اللهِ، فقلتُ: أتوبُ إِلى اللَّهُ مِن جَميعِ مَا كَرهُ اللهُ.
الجزء 1 · صفحة 44
ومنها ما ذكرَهُ الغَزنويُّ عَن شريكِ بن عَبدِ الله قال: كُنَّا عِندَ الأَعْمَشِ فِي مَرَضِهِ الذي تُوفي فيه، فدَخلَ عَلَيه أبو حنيفة وابن أبي ليلى وابنُ شُرُمَةَ، وكان الإمام أكبرهم، فبدأ بالكلام، وقَالَ: اتق الله؛ فإِنَّكَ في أول يوم من أَيَّامِ الآخِرَة، وقد كُنتَ تُحدِّثُ عَن عَلَيَّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - بأحَادِيثَ لو أمسكتها لكان خيراً لَكَ، فقال الأعمش: أسندوني؛ المثلِي يُقالُ هَذَا؟! حَدَّثني أبو المُتوكَّل الناجي عَن أبي سَعِيدٍ الخُدري قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم «إِذَا كَانَ يومُ القِيامَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لي ولعلي بن أبي طالب: أدخلا الجنةَ مَنْ أحبَّكُما، وأدخلا النَّارَ مَنْ أَبْغَضَكُما،
وذلك قوله تَعَالَى: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارِ عَنِيدٍ} [ق: 24]»، فَقَالَ الإِمَامُ: قومُوا حَتَّى
لا يجيء بأكثرَ مِن هَذَا، قال: فواللهِ مَا جُزنا البَابَ حَتى مَات.
ومنها ما ذكرَهُ الكَردري: أن للرافضة أحَادِيثَ مَوضُوعاتٍ وتأْوِيلاتٍ بَاطِلةً في الآيات، وزيادَاتٍ وتصحيفَاتٍ كزيادَةِ: والعصر ونوائب الدهر، وكقوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا الهُدَى} [الليل: ??] صحفوه بحذفِ النونِ فقرؤوا: إن علياً للهدى. وهم قوم بهت يزعمون أن عُثمانَ أسقط خمس مئة كلمةٍ مِن القرآن، منها قوله
الجزء 1 · صفحة 45
تعَالَى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ} [آل عمران: ???] وزادوا فيه: بسَيفِ علي. قال: وهذا وأمثاله كفرُ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ} [الحجر: 9]؛ فَمَن أنكر حَرفاً مما في مُصَحفِ عُثمَانَ أو زَادَ فيه أو نقص فقد كفر، انتهى وقد صحفَ النَّصَارَى قَولَهُ سُبحانه في الإنجيل»: ولدتُ عيسى بتشديد السلام؛ فخففُوها، وخرجوا عن الإسلام باعتقاد هذا الكلام. ومنها: أنه كَانَ في الكوفة زمَنَ أَبي حنيفةَ رَاضِيٌّ لَهُ بَغلتان، سمَّى أحديهما أَبَا بكر والأخرى عُمر، وكان يضر بهما في الخدمة ويُعذبهما، فانتشر الخبرُ: أنَّ أحديهما رفستهُ حَتى قتلتهُ، فَقَالَ الإِمَامُ: انظروا؛ فإن البغلة التي سَمَّاها بِعُمرَ هي التي فَفحصُوا عَن القضيَّة فرأوا أن الأمر كما ذكر.
قتلته، أقول: وما ذاك إلا لكونِ عُمَرَ مِن مَظاهرِ الجلالِ، كَمَا أَنَّ الصِّدِيقَ مِنْ مَظَاهِرِ الجمالِ، ولذَا كَانَ أَشدَّ عَلَى الكفَّارِ والرَّفضَةِ الفُجَّارِ.
ولقد قَالَ عَليه السَّلامُ حِينَ شاورَ أصحابه الكِرَامَ في أسارى بدر، فأشار أبو بكرٍ بأخذ الفداء منهم، وعمرُ بالإهلاك فيهم: «إِنَّ مَثَلَكَ يَا أَبا بَكْرٍ كمثل إبْرَاهِيمَ؛ حَيثُ قال: وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [إبراهيم: 36]، وكعِيسى في قَولِهِ: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: ???]، ومثلكَ يَا عُمْرُ كَمَثلِ نوحٍ في قوله: {رَبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26]، وكمُوسَى في قولِهِ: رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ ... الآية [يونس: ??].
الجزء 1 · صفحة 46
وبِهَذَا ظَهَرَ صِحَّةُ مَعنَى مَا اشتهر عنهُ عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «علماءُ أُمَّتِي كأنبياءِ بني إسرائيل. وإن كَانَ مَبناهُ مِما لا أصل لَهُ عند المحدثين، غفلَ عَن هَذا السَّيِّدُ جمال الدين، حَيثُ ذَكَرهُ بِعنوانِ الحديثِ في صدرِ رَوضَة الأحباب، والله أعلم بالصواب. ومنهَا مَا أَخرِجَهُ ابنُ أَبِي الدُّنْيَا عَن أبي إِسْحَاقَ قَالَ: دُعيتُ إِلى مَيْتٍ لأَغسلَهُ، فلمَّا كشفتُ الثوبَ عن وجهه، فإذا أنا بحَيَّةٍ قد تطوّقتْ عَلَى حَلَقِهِ، فذكروا أنه كانَ يسُبُّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم وأخرَجَ أيضاً عَن أبي إسحاقَ الفِزاري: أنه أتَاهُ رَجُلٌ فقال له: كنتُ أنبشُ القبور، وكنتُ أجد قوماً وجوهَهُم لِغَيرِ القِبلة، فكتب إلى الأوزاعي يَسأله، فقال: أولئك قوم ماتوا على غَيْرِ السُّنَّةِ.
وقد سئل الأوزاعي: أَنَّهُ يموتُ اليهودي والنصراني وسائر الكُفَّار ولا نرى مثل هذا؟ فقالَ: نَعَمْ أُولئِكَ لا شكّ أنَّهم في النَّارِ، ويُريكم الله في أهل التوحيد لتعتبرُوا. ذكره السيوطي في شرح الصُّدُور في أحوالِ القُبور».
الجزء 1 · صفحة 47
ثُمَّ يَتَعلَّقُ بِهَذَا المُبَحَثِ مَسائل مهمَّة ودلائل تامة، تركنَاهَا مَخافَةَ ملامةَ أَربَابٍ الجهالة وضلالَة العَامَّةِ، وإنْ كَانَ الله سُبحَانَهُ اختار لنا الطريقة المُلائمة، فطَائِفَةٌ الأزبكية وجهلَهُ مَا وراء النهر، ينسبُونَ أَهلَ خُرَاسَانَ إلى الروافض وهُمْ بَريئونَ مِنْهُم، وجماعَةُ القزلباشية والعِراقية الأوباشية ينسبُونَهم إلى الخوارج، وهم مُنزَّهُونَ عَنْهُم. وقد قيلَ: مَن كَمُلَ مِن العُلَمَاءِ ابْتُلِيَ بأَربَعَةٍ مِنَ الأشياء: شماتة الأعداء، وملامةُ الأصدقاء، وطَعنُ الجُهَلاء، وحسدُ العُلماء، لكن أقولُ كَمَا قَالَ وكيع مِن قولِ بَدِيعِ: إِنْ يَحْصُدونِي فَإِنِّي غَيرُ لائِمهمْ قَبْلِي مِنَ النَّاسِ أَهْلَ الفَضلِ قَد حَسَدُوا فَدَامَ لِي وَلَهُمْ مَا بي ومَا بِهم ومات أكثرُنَا غَيْظاً لِمَا وَجَدُوا قَالَ الله تَعَالَى: {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} [آل عمران: ???]، وقالَ عَزَّ وَجَلَّ: مَن كَان يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج: 15].
ولقد أحسن محمدُ بنُ الحَسَنِ في قوله الحَسَن:
هُمْ يحسدوني وشرُّ النَّاسِ مَنزلةٌ مَنْ عَاشَ فِي النَّاسِ يومَاً غَيْرَ مَحسودِ 2 قال تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا ءَاتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [النساء: 54].
واللهِ دَر قائله:
ما يضرُّ البَحْرَ أَمْسَى زَاخِراً إِنْ رَمَى فِيهِ غُلامٌ بِحَجَرْ وقد عَرَفَ من أنصفَ: أَنَّ مَن صنَّفَ فَقد استهدفَ، فأيُّ كلام أفصحُ مِن كلام رَبِّ العالمين، وقد قالوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنعام: 25].
وقد قال زينُ العَابِدين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعَن آبَائِهِ أَجْمَعِينَ:
الجزء 1 · صفحة 48
يا رُبَّ جَوهَرِ عِلمٍ لَوْ أَبوحُ بهِ لَقِيلَ لي أنتَ مِمَّن يَعبدُ الوَثَنا ولاسْتَحَلَّ رجالٌ مُسلمونَ دَمِي يَرونَ أَقبَحَ مَا يَأْتُونَهُ حَسَنا
ثُمَّ مَا يَجب علينا التنبيه مما ثبت لدينا، وهو أنَّهُ قَد عُلمَ مِمَّا قَدَّمنا أنه لم يثبت الكفر إلا بالأدلة القطعية، وإذا جوّزَ عُلماؤنا الحنفية قتل الرافضي بالشُروطِ الشَّرعية، على طريق السياسيةِ العُرفيّة، فَلا يجوز إحراقه بالنار ونحوه من أنواع القتل الشنيعة، بَل يُقتلُ بالسَّيفِ ونحوه من آلاتِ الموتِ السريعة، لقول صَاحِب الشَّرِيعَةِ: «إِذَا قتلتمْ؛ فأحْسِنوا القتلة»، ولقولهِ عَليه السّلام: «لاَ تُعذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ. ثُمَّ الرجم مختص بالزاني المُحصَنِ لا سِواهُ، فَقَدَ ورَدَ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَه فاقتلوه» ولم يقل: فارجموه، بل اللائق أنه يُستتاب، وإن أظهر شبهةً يؤتى له بالجواب ليظهر له بعضُهم لا يكون كفراً، ويُعذر بالجهل، وقال بعضُهم: يَصيرُ كَافِراً، ثُمَّ قَالَ: وإِذَا
كان في المسألة وجُوهٌ توجب التكفير، ووجه واحد يمنع؛ فعلى المفتي أن يميل إلى ذلك الوجه. انتهى
فيجب أن يتفحصَّ عَنه هَل يسبُّ جَاهلاً أو خاطئاً أو مُكرهاً أو مُستحلاً؟ فـ «الخُلاصَة»: أن من اعتقدَ الحَرامَ حَلالاً، إنما يكفر إذا كانت الحُرمةُ ثَابِتَةٌ بِدَليل مقطوع به، أما إذَا كَانت بأخبَارِ الآحَادِ لا يكفرُ.
ثُمَّ بَعدَ قتلِهِ يَجِبُ عَلى المُسلِمينَ تكفينه وتدفينه والصلاة عَلى جَنَازَته؛ لأنَّ الشارعَ جَعلَ هَذا كلَّه من فروض الكفاية الواجب عَلى بَعض أهل الإسلام القِيامُ بالرعاية؛ لقَولِهِ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «صلُّوا على كُلِّ بَر وفاجرِ».
الجزء 1 · صفحة 49
هَذَا وقد ورَدَ: «إِذَا أَرَادَ الله بقوم خيراً؛ أكثرَ فقهاءَهم وأقل جُهَّالهم، فإذا تكلَّم الفقيه وجد أعواناً، وإذا تكلَّم الجاهل قُهِرَ، وإذا أراد بقوم شراً أكثرَ جُهَّالهم وأقل فقهاءهم؛ فإذا تكلَّم الجاهل وجد أعواناً؛ فإذا تكلَّم الفقيه قُهِرَ». رَواهُ الدَّيلمي عَن ابن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما.
وقال عزَّ وجلَّ: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105].
وفي الخَبرِ الصَّحِيحِ: إذا رأيتَ شُحّاً مُطاعاً، وهَوى مُتبعاً، ودُنيا مُؤْثرة، وإعجاب كلُّ ذي رَأيِ بِرَأيه، ورأيتَ أمراً لا بدَّ لك منه، فعَليكَ نفْسَكَ ودَع أمرَ العوام، فإنَّ ورَاءَكُم أيامَ الصَّبر، فمَن صبَرَ فِيهِنَّ قَبضَ عَلى الجَمرِ، للعالم فيهِنَّ مثلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يعملُونَ عَملَهُ»، قالَ ابنُ المبارك: وزادَ في رواية: قيلَ: يَا رَسُول الله!
أجْرُ خَمسِين مِنهم؟ قَالَ: «أَجْرُ خَمْسِينَ مِنكُم».
وإلى هَذا أشَارَ وليُّ الله الشاطبي في «قَصِيدَته»:
وهَذَا زَمَانُ الصَّبرِ مَنْ لكَ بالتي كقَبْضِ عَلى جمرٍ فَتَنجُو مِن البَلا وزَمَانُه كانَ في قرنِ خمس مئةٍ، وأمَّا اليَومُ فَقد تجاوز عن الأَلفِ بضعَةَ عَشَرَ، فتَدبر فيما زَادَ مِن الكدَرِ.
ولقد أجمعَ السَّلَفُ الصَّالحُ عَلى التحذير من أهل زمانهم ومَن قُربِ مَكانِهم، وآثروا العُزلة والخلوة، واجتنبوا الخُلطَة والجَلوةَ، وأمرُوا بذلك وتواصوا به هنالك، ولا شك أنهم كانوا أنصح وبأمرِ الدِّين أبصرَ، وأنَّ الزمَانَ ليسَ بَعدِهُم خَيْراً مِمَا كَانَ بَل شرّاً مِنهُ وأمر، وفي معناه مَا ورَدَ في الخبر المعتبر: «لا يَأْتِي عَلَى أُمَّتِي زمانٌ إِلا الذي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ» رَواهُ البُخاريُّ.
الجزء 1 · صفحة 50
وفي «الكبير» للطبراني عن أبي الدرداء مرفوعاً: «مَا مِنْ عَامِ إِلَّا ينقصُ الخَيْرُ فيه، ويزيد الشر».
وذلكَ لأَنَّ كُلَّ مَن أُبْعِدَ عَن نُورِ المَشعلِ المُحِمدي، وقعَ في نوعِ مِن ظُلمةِ الرَّدَى.
ويُؤيده ما أخرجه الطبراني عَن ابنِ عَباس: «مَا مِن عَامٍ إِلَّا ويُحدثُ النَّاسُ بِدعَةً، ويُميتونَ سُنةٌ حَتى تُمَاتَ السُّننُ وتحيا البدعُ.
وأخرجَ التُّرْمِذِيُّ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «مَا مِن عَامِ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنهُ حَتَّى تلقوا رَبَّكُم.
وروى أحمدُ والبُخَارِيُّ والنسائيُّ عَن أنس: «لا يَأْتِي عَليكُم عَامٌ ولا يَومٌ إلا والذي بعدَهُ شَرٌّ مِنهُ حَتَّى تلقوا رَبَّكُم».
وعن الثَّوري: والذِي لاَ إلهَ إلا هو، لقَدْ حَلَّتْ العُزلةُ فِي هَذا الزَّمَانِ.
قَالَ الغزالي: ولئنَ حلَّت في زمَانِهَ؛ فَفي زماننا هذا وجبتْ ه. وكتب رجلٌ عَلى دَاره - ليقعَ نظرُ اعتبار عَلى آثاره -: جزى الله مَنْ لا يعرفنا خيراً كافة، ولا جزى بذلك أصدقاءنا خاصةً، فَمَا أُوذينا قطُّ إِلا مِنهُم، وَمَا صدر في صدرنا من الهم إلا عَنهُم، فالبعد عنهم هُوَ السَّعِدُ.
والله دَرُّ القائل:
جَزَى الله عَنَّا الخيرَ مَن ليسَ بَيْنَنَا ولا بَينَهُ وِدُّ ولا تعارفُ فَمَا صَابنا هم ولا نالنا أذى من النَّاسِ إِلا مَن تَوَدُّ ونعرف وقَالَ الفُضِيلُ: هَذَا زمَانٌ احفظ فيه لسانك، وأخفِ مَكانك، وعالج جفاءكَ، وخُذْ مَا تعرف، ودَعْ مَا تُنكر؛ لتُصلح شأنكَ.
وقال الثوريُّ: هَذَا زمانُ السُّكُوتِ، ولزُومُ البيوت، والرضا بالقُوتِ إلى أن يموت.
قلتُ: وكَذَا صَحَ: «مَن صَمتَ نجا».
الجزء 1 · صفحة 51
لكن ورَدَ في صحيح الأخبار: «مَن عَلِم عِلماً فكتمَهُ؛ أَلجَمَهُ الله بِلجَامٍ مِن نار، ولعَلهُ مُقتبس من قوله: سُبحانهُ {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِشَقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ لتبيّننَهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: ???].
فقد ظهرَ قَومٌ غَلبَ عَليهِم الجهل وطمَّهُم، وأعمَاهُم حُبُّ الرِّئَاسةِ وأَصَمَّهُم، وتحرَّكَ عِرقُ الحسَدِ فِيهم وعَمَّهُم، قد نَكَبُوا عَن عِلمِ الشَّرِيعَةِ مِنَ الكتابِ والسُّنةِ ونسوه، وأكبُّوا عَلى عِلمِ الفلاسفة ودرسُوهُ، يُريدُ الإِنسَانُ مِنهم أَنْ يَتقَدَّمَ، ويأبى الله إلا أن يزيده تأخيراً، ويبغي أحَدُهم العِزَّةَ ولا عِلمَ عندَه، فلا يجدُ لَهُ وليّاً ولا نَصِيراً، ومَع ذَلكَ فلا ترى هنالك إلا أنوفاً مُشمَّرةً، وقلوباً عَن الحقِّ مُستكبرةً، وأقوالا تصدرُ عَنهُم مُفتراةً مُزوَّرَةً، كَلَّمَا هَديتهُم إِلى الحَقِّ كان أصَمَّ وأَعْمَى لهم، كأَنَّ الله لم يُوكل بهم حافظين يضبطون أقوالهم وأعمالهم، فالعالم بينهم مَحْزُونٌ يتلاعب به الجُهَّالُ والصَّبيَانُ، والعَاقِلُ عِندَهُم مَجْنُونٌ دَاخِل في ميدَانِ النّقصَانِ، والله المستعانُ وإليه المشتكى وعليه التكلان.
ثم أُريد أن أزيد التوضيح والبيان، بإيراد ما بلغني من الرواياتِ في هَذَا الشأن، ففي متون المذهب من الكتب المُهذَّب: أنه لا تُقبل شهادَةُ من يُظهرُ
سَبَّ السلف الصالح، قال الحدادي شارح القدوري: لظهور فسقه. والمراد بالسلف الصحابة والتابعُونَ. انتهى.
وهذا صريح بِعَدَمِ تكفيرهِ، كَمَا لا يخفى.
الجزء 1 · صفحة 52
وقال قاضي خان في فصل مَن لا تقبل شهادته لفسقه: وتَكَلَّمُوا فِي الفسق الذي يمنعُ الشَّهادَةَ، واتفقوا على أن الإعلان بكبيرةِ يَمْنَعُ الشَّهادة، ثُمَّ قَالَ: ومَن كَانَ يشتم أولاده وأهله وجيرانه، ذكر في بعض الرواياتِ أنه لا تُقبَلُ شهادته، وقيل: إن اعتادَ بطلتْ عَدَ التُه، وإن فعل ذلك أحياناً لم تبطل، وقال: أبو الليث: إن لم يكن قذفاً لا تبطل عَدَ الله.
ثُمَّ قال قاضي خان ولا تُقبَلُ شهادَة مَن يُظهر شتم أصحَابِ النبي، وعن أبي يُوسُف: إن كانَ تبرأ منهم لا تبطل عَدَالَتُه، وإن شتمَهُم بطلتْ عدالته، فَهَذِهِ الروايةُ عَن أبي يُوسُفَ صَريحةٌ في بطلانِ عَدالَتِه، دُونَ كفرهِ وضلالته.
ثم قال قاضي خان وشهادَةُ أهلِ الأهَواءِ جائزةُ إِلا الخَطَّابِيَّة، يُروى ذلكَ عَن أبي حنيفة وأبي يوسف، فَهَذِهِ الروايةُ عَن الإمامين صريحة في قبول شهادة الرافضي، وهو لا يُناقضُ مَا سَبق مِن أنَّ مَن أظهرَ سَبَّ الصحابة لا تُقبل شهادته؛ لأنه مُقَيَّدٌ بالإظهار والإعلان، وهو قيدٌ مُعتبر في هذا الشأن، فإنهم قالوا: لا تُقبل شهادَةً مُدمن الخمر ولا مُدمن السكر.
قَالَ قاضي خان: وإنما شرط الإدمانِ ليظهر ذلكَ عِندَ النَّاسِ، فَإِنَّ مَن اتُّهم
مجموعة السلامة الملا على القاري بشرب الخمر في بيته لا تبطل عدالته وإن كانت كبيرة، وإنما تبطل إذا ظهر ذلك. وذكر الخَصَّافُ: أن شُربَ الخمرِ يُبطل العدالة، وقال محمد: ما لم يُظهِرْ ذلك يكون مستور الحال.
وفي خزانة المفتين»: ولا تُقبل شهادَةُ مَن يُظهرُ سَبَّ السَّلفِ، بخلاف من يكتمه
الجزء 1 · صفحة 53
وفي الإصلاح والإيضاح: تُقبل شهادة أهل الأهواء، وقال الشافعي: لا تُقبل لأنه أغلظ وجوه الفسق - ولنا أنه فسق من حيثُ الاعتقاد - ثم قال: إلا الخطابية، وهم قوم من غُلاةِ الروافض، يعتقدونَ الشهادة لكلِّ من حلف عندهم، سواء كان صادقاً أم كاذباً، وقيل: يُجوِّزونَ الشهادة لشيعتهم واجبةٌ، ويقولون: المسلم لا يحلفُ كاذباً، ثم قال: أو يبول في الطريق، أو يأكل فيه، أو يُظهرُ سبَّ السَّلفِ - يَعني: الصّالحينَ مِنهُم
وهم: الصحابة والتابعُونَ والعلماء المجتهدونَ؛ كَأبي حنيفة وأصحابه، انتهى
ولا يَحْفَى أَنه جَعَلَ سَبَّ الصَّحابة والتابعين وأبي حَنِيفَة وأصحابِه رَضِيَ اللهُ عَنْهُم أَجَمعِينَ في حُكم واحِدٍ مِن عَدَمِ قبول شهادتهم، ولو كَانَ سَبُّ الصَّحابةِ كُفراً لَمَا أدخل غَيرهم مَعَهُم.
وفي حاشية شيخ الإسلام الهروي على شرح الوقاية»: أن الرافضة: الجماعةُ الطاعنةُ في الصَّحابة؛ مِن الرفْضِ بِمَعْنَى التَّركِ، وسُمُّوا بذلكَ لِتركهم زيدَ بنَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، حينَ نَهَاهِم عَن الطَّعن في الصَّحابة، والخَوارِجُ عَلى اختلاف فِرَقها يجمعها القولُ بتكفيرِ عُثمَانَ وعَليَّ وطلحةَ والزُّبَيرِ وعَائشةَ ومُعَاوِيةَ، انتهى.
ولا يخفى أنهم مَع هَذَا عُدُّوا مِن الطَّوائف الإسلامِيَّة، كَمَا هَو في الكتب الكلامية، وإذا كانَ تكفير هؤلاء الأكابر مِن الصَّحابة لا يَكُونُ كُفراً، كيف يكونُ سَبُّ الشيخين كفراً؟
وأيضاً: لو كَان سَبُّ الصَّحابة كفراً، لم يذكر في فَصلِ مَن لا تُقبل شهادته؛ لأنه موضُوعٌ فِي حَقٌّ طَوائف المُسلمينَ.
الجزء 1 · صفحة 54
وقال في «الذخيرة»: وشهادَةُ أهل الأهواء مقبولةٌ عِندَنَا إِذَا كَانَ هَوى لَا يَكْفُرُ بِهِ صَاحِبُه. ولا يكونُ ما جناً، ويكون عدلاً في تعاطيه، وهو الصحيح، قال: لأنهم إنما وقعوا في الهوى بالتأويل والتعمق في الدين، ألا يُرى أنَّ مِنهم مَن يُعظَّمُ الذنبَ حَتَّى يجعَلهُ كُفْراً، وفسقهُم مِن حيث الاعتقادُ لاَ يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِم عَمْداً. انتهى.
ولعله أراد: بهوى يكفر صاحِبه نحو: المجسمة والمشبهة والحُلُولية والاتحادية والوجودية، وقول بَعض غُلاةِ الرّفضةِ مَن أن علياً هو الإله الأكبر، وجعفر الصادق هو الإله الأصغَرُ.
ثُمَّ قال: ومَا ذُكر في الأصل ـ من أن شهادتهم جَائِزَةٌ عِندَ أبي حنيفة - مَحمُولٌ عَلَى هَذَا.
ونقل في «النهاية» هَذِهِ الرّوايةَ بِلا ذكرِ خِلافٍ.
وفي شرح المجمع» لابن فرشته: وتُردُّ شهادَةُ مَن يُظهرُ سَبَّ السَّلفَ؛ لأنه يَكُونُ ظاهر الفسق، ويُقبلُ مِن أهل الأهواء: الجبر والقدر والرفض والخوارج والتشبيه والتعطيل، ثُمَّ يَصِير كلُّ واحِدٍ مِنْهُم اثني عَشرَ فِرقةٌ، فَتَبلغُ إلى اثنتين وسبعينَ فِرقةً.
الجزء 1 · صفحة 55
وفي شرح المجمع للعيني: لا تُقبل شهادَة مَن يُظهر سَبَّ السَّلَف بالإجماع؛ لأنه إذا أظهر ذلكَ فَقدَ ظهر فسقُه، بخلافِ مَن يكتمه؛ لأنه فاسِقُ مستور الحال. وفي شرح الكنز للزيلعي قوله: أو يَبُولُ أو يَأكلُ عَلى الطريق، أو يُظهرُ سَبَّ السَّلَفِ؛ يعني: الصَّالِحِينَ مِنهُم، وهُم الصَّحابة والتابعُون؛ لأن هَذِهِ الأَشْيَاءَ تدُلُّ عَلى قُصُورِ عقله وقلة مروءته؛ ومن لم يمتنع عن مثلها لا يَمتَنعُ عَن الكذب عادةً، بخلافِ مَا كَانَ إذا يُخفي السب، ثم قَالَ: ولا تُقبل ممن يُكثرُ شتم أهله ولا ممن يشتم الناس، ثم قال: وأهل الأهواء إلا الخطابية، وقال الشافعي: لا تقبل شهادة أهل الأهواء؛ لأنهم فَسَقَةٌ؛ إذ الفسقُ من حيثُ الاعتقاد أغلظ من الفسق مِن حَيثُ التعاطي، ولا شهادَةَ للفاسِقِ.
ولنا: أنَّ الفاسِقَ إنما تُردُّ شهادته لتُهمة الكذب، والفسقُ مِن حَيثُ الاعتقاد لا يَدُلُّ عَلى ذلك بَل مَا أوقعه فيه إلا تدينه، ألا ترى أن فيهم من يكفر بالذنب، ومنهم من يَجعَلُ منَزَلَتهُ به بين الإيمَانِ والكُفْرِ، فيكونُ هو أقوى اجتناباً عَن الكَذِبِ حَدْراً عَنِ الخروج من الدين؛ ولأنه مُسلمٌ عَدْلٌ لا يتعاطى الكَذِبَ فوجَبَ قبول شهادَتِه، قياساً عَلَى غَيْرِ صَاحِبِ الهَوى، وهَواهُ عَن تأْوِيل وتدَينِ، فَلا تبطل عدالله به، كَمَنْ يستبيحُ المُثلَّثَ، أو متروك التسمية.
واستدلَّ محمدٌ رَحمهُ الله عَلى قَبُولِ شهادتِه، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ أَنَّ أَصَحَابَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم سَاعدوا مُعَاوِيةَ عَلى مُخالفَةِ عَليّ، ولو شهِدُوا بَيْنَ يَدَيْ عَليَّ؛ أكانَ يرُدُّ شهادتهم؟! ومخالفَةٌ عَليَّ بَعدَ عُثمَانَ بدعَةٌ وهَوى، فكيفَ الخُروجُ عليه بالسيف؟! ولكنْ لَمَّا كَانَ عِنده تأويل وتدين، لم يمنع قبول شهادَتِهِ أن يكون هوىً لا يكفرُ بِهِ صَاحبُه.
الجزء 1 · صفحة 56
وأَما مَا ذَكرَهُ القُهُسْتانيُّ مِن أَنَّهُ لا يُقالُ: إِنَّ أهل الأهواء فاسقونَ بِهَذِهِ الاعتقادات، فكيف تُقبل شهادتهم مطلقاً؟
لأنَّا نقولُ: لا نُسَلِّمُ أنهم فاسقونَ، فإِنَّ الفِسَقَ لَا يُطلقُ عَلَى فِعلِ القَلبِ - كَمَا فِي الكَرْمَانِيِّ - فَخَطَأً فَاحِشُ مِن ناقلهِ وقَائِلِهِ، لِمَا تقدَّم مِن أَن الفِسَقَ مِنْ حَيْثُ الاعتِقادُ أغلظ إلى الفِسْقِ مِن حَيثُ التَّعَاطِي، ولأنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ فِسْقٌ بالإجماعِ ومحلُّهُ القلب؛ ولأنَّ مَن في قلبه من الأخلاقِ النَّمِيمة كالكبرِ والحَسَد وحُبِّ الدُّنْيَا يُعدُّ مِن الفسقةِ، كَمَا في «الإحياء» وغيره من كتب الأخلاقِ.
ويدلُّ عليه قوله تعالى: {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ عَائِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: ???] وقوله: {وَلَا يُضَارٌ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقُ بِكُمْ} [البقرة: ???]؛ ولأن الفسق لغة وشرعاً هو الخرُوجُ عَن الطَّاعَة، وعُرفاً: مُختَصُّ بالكبَائِرِ دونَ الكفر والصغائر، والله أعلم بالسرائر.
ومِنْ هُنا قالَ بَعضُ الأكابرِ: مَنْ لم يتغلغل في علومِ الصُّوفية؛ ماتَ مُصِراً
عَلى الكبَائِرِ وهو لا يعلم، والله الهَادِي إِلى سَواءِ السَّبِيلِ.
وفي شرح البَرجَندي»: وتُقبلُ الشَّهادَةُ مِن أهل الأهواء، وهو مَن زَاغَ عَن طَرِيقة أهل السنة والجماعة، وكانَ مِن أهل القبلة، كذا في «المغرب». قال: وكبار فرقهم سبعٌ عَلَى مَا فِي المَواقِفِ»: المُعتزلَةُ؛ وهُم عُشرونَ صِنفاً، والشيعة؛ وهم اثنان وعشرون صنفاً، والخوارج؛ وهم عشرون صنفاً، والمرجئة؛ وهم خمسَةُ أصناف، والنَّجاريَّةُ؛ وهم ثلاثة أصنافِ والجَبريَّةُ والمُشبِّهةُ؛ وهم صنفان، فَفِرقُ أهل الأهواء اثنتان وسبعُونَ، وشهادَةُ الكُلِّ تُقبَلُ؛ لأنَّ وقوعَهُ فِي الاعْتِقَادِ البَاطِل إنما هو الدِّيَانَةُ، والكذبُ حَرامٌ عِندَ الجَميعِ.
الجزء 1 · صفحة 57
قَالَ: ومن مشايخنا مَن فرَّق بَيْنَ الهوى الذي هو كفر، وبَيْنَ الهَوى الذي ليس بكفر، فمن الذي هو: كُفر: اعتقاد بعض الروافض بأنَّ الأئمة آلهة، وأحكامهم أحكام المرتدين.
ثُمَّ قَالَ: وقد يُستثنى مِن أهل الأهواء مَن يُظهرُ سَبَّ السَّلفِ، وإنما لم يذكره هنا لأنَّه سيذكرُ فيما بعد، أو لأنَّ رَدَّ شهادَتِهم احتمل أن يَكُونَ لأجلِ السَّبِّ، ولو سَبَّ واحداً مِنَ النَّاسِ لا تجُوزُ شهادته، فهنا أولى، إليه أشار في «الذخيرة».
ثُمَّ قَالَ: ومَن أنكرَ إِمَامَةَ أبي بكرٍ؟ فَقالَ بَعضُهم: إنه مُبتدع وليسَ بِكافِرٍ، والصحيح أنه كافر، وكذَا مَن أنكَرَ خِلافةٌ عُمَرَ عَلى أَصَحَ الأقوالِ، كذا في «الظَّهيرية». ثُمَّ قَالَ: ولا تُقبَلُ شَهادَةُ مَن يُظهرُ سَبَّ السَّلفِ لِظُهُورِ فِسقِه، بخلافِ مَن يَكتمهُ،
قال: وذكر في «الخلاصة»: إذا كَانَ يستُ الشيخَينِ ويلعَنهُما فَهوَ كافر، انتهى وأنتَ تَرى أن هَذا مخالف لمَا سَبقَ عَن الجمهور في الحكم المذكور، كَمَا لا يخفى على ذوي النُّهى، مع أنه ليس فيه تعليل منقول، ولا لتخصيص الشيخين وجه معقول.
وقال القُهستاني في شرح النقاية»: قوله: أو يُظهرُ سب واحد من السلف؛ أي: الصَّحابة؛ لظهور فسقه، ولذا قال أبو يوسف: لا أقبل شهادة من يشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لو شتم واحداً من الناس لم تُقبل شهادته؛ فهاهنا أولى، كما في المحيط».
الجزء 1 · صفحة 58
ثم قال: وفيه إشارة إلى أنه لو كتم سبَّهُم؛ قَبِلَ شهادته؛ فإنَّ القادحَ الإعلانُ، وإلى أن سبَّ الصَّحابة ليس بكفر، لكن في مجمع النوازل»: ولو قتل أحدٌ من يسبُّ الشيخين ويلعنهما؛ لم يُقتصَّ به؛ فإنه كافر، لأنَّ سبّهُما ينصرفُ إلى النبي. انتهى. ولا يخفى أن هذه رواية نادرة باردة من صاحبها، معارضةٌ لِمَا تقدَّمَ من الروايات الكثيرة في المتون وشروحها الشهيرة، مع أن التعليل الذي ذكره مدخول غير معقول. نعم لو سبهما من حيثُ إنهما من أصحاب النبيِّ؛ لكفر، وكذا حكم غيرهما من عليّ وعائشة ونحوهما، بل لو سب أحداً من المسلمين من جهة إيمانه؛ كفر، كما لو قتل مؤمناً متعمداً لأجل إيمانه؛ فإِنَّهُ كافر إجماعاً.
ثم أغرب أيضاً في نقله: أنه لو نقل حنفي إلى الشافعي؛ لم تُقبل شهادته وإن كان عالماً، كما في أواخر «الجواهر».
وهذا كما ترى لا يجوز لمسلم أن يتفوه بمثله؛ فإنَّ المجتهدين من أهلِ السُّنَّة والجماعة كلُّهم على الهداية.
ولا يجب على أحدٍ من هذه الأمة أن يكونَ حنفيّاً أو شافعيّاً أو مالكياً أو حنبلياً، بل يجب على آحادِ الناس إذا لم يكن مجتهداً أن يُقلّد أحداً من هؤلاء الأعلام؛ لقوله تعالى {فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7]، ولقول بعض مشايخنا: من تبع عالماً لقي الله سالماً.
وأما ما اشتهر بين الحنفيين: أن الحنفي إذا انتقل إلى مذهَبِ الشَّافِعِيُّ؛ يُعزِّرُ، وإذا كان الأمر بالعكس يخلع؛ فهو قولٌ مُبتدع ومُخترع.
نعم؛ لو انتقل طاعناً في مذهبه الأوَّلِ سواء كان حنفياً أو شافعياً؛ يُعزِّرُ؛ فتدبر، فإنَّه يجب حمله على ما تقرر وتحرر، ولقد صدق عصام الدين في حقٌّ القُهستاني: أَنَّه لم يكن من تلامذة شيخ الإسلام الهَرَويّ لا من أعاليهم ولا أدانيهم، وإنما كان دلال الكتب في زمانه، ولا كان يُعرفُ بالفقه وغيره بينَ أقرانه.
الجزء 1 · صفحة 59
ويُؤيده أنه جمع في «شرحه» هذا بين الغثّ والسمين، والصحيح والضعيف، من غير تحقيق وتصحيح وتدقيق؛ فهو كحاطب الليل، جامع بين الرطب واليابس في النيل، سامحه الله بفضله وكرمه، ولا جعلنا ممن زل بقدمه أو قلمه.
ثم مُجمل الكلام في هذا المرام: أن جمهور العلماء الأعلام على أن
سب الصحابة فسق، وهو مُطابق لقوله عليه السَّلام: «سبابُ المسلم فسوق وقتاله كُفر، رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، ورواه ابن ماجه أيضاً عن أبي هريرة وعن سعد رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، والطبراني عن عبد الله بن مغفل، وعن عمرو بن النعمان بن
،مقرن، والدارقطني في «الأفراد عن جابر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. فالحديث كاد أن يكون متواتراً؛ فلا يحل لمسلم أن يعدل عنه إلا. لا بدليل أقوى منه.
وينصره قوله عليهِ السَّلامُ: «من سبَّ الأنبياء؛ قُتلَ، ومن سَبَّ أصحابي؛ جُلدَ» رواه الطبراني عن علي رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
وأما سبُّ الأنبياء؛ فإنه يُقتل به حداً، ولا تُقبل توبته أصلاً، سواء بعد القدرة عليه، أو الشهادة، أو تائباً من قبل نفسه؛ كالزنديق، فإنه قد وجب فلا يسقط بالتوبة تقدم تخريجه.
كسائر حقوق الآدميين؛ فإنَّ حد القذف لا يزولُ بالتوبة، بخلاف ما إذا سبَّ اللهَ ثم تابَ؛ لأنَّه حق الله تعالى، والباري مُنزَّه عن جميع المعايبِ، وبخلاف الارتداد؛ لأنه يتفرد به المُرتد، لا حق فيه لغيره من الآدميين، وهذا مذهب أبي بكر، والمشهور من مذهب مالك وأصحابه.
قال الخطابي: لا أعلم أحداً من المسلمين اختلف في وجوب قتله إن كان مسلماً
وقال ابن سحنون المالكي: أجمع على أن شاتمه كافر، وحُكمه القتل، كذا في «الذخيرة».
وقد أوضحت المسألةَ في شرح الشفا»، وحاشا أن يكونَ الشَّيخانِ في مرتبة المصطفى؛ لأنَّ من سب النبيَّ انسلخ من الدين، بخلاف غيره؛ فإنَّهُ يكون من المبتدعين، كما لا يخفى على أهل علم اليقين.
الجزء 1 · صفحة 60
ثم اعلم أنَّ أكثرَ عُلمائنا لم يذكروا سبَّ الصَّحابة في بابِ ألفاظ الكفر، وكثيراً مما ذكروه من ألفاظ الكُفْرِ لم يوجبوا القتل بمجرد صدوره عنه؛ فقد ذكروا أن من قال: سلطان زماننا عادل؛ فهو كافر، ومن قال: بسم الله موضع كل أو اُدخُلْ؛ يكفر، وليس قصدهم إلا التنبية على وجوبِ اجتناب أمثال هذه الكلماتِ التي تُوجبُ الكُفْرَ، إن لم يكن عن تأويل أو تعليل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ولقد أحسنَ الحسنُ في قولهِ وليأتين على الناس زمان يشتبه فيه الحقُّ والباطل؛ فإذا كان ذلك، لم ينفع فيه إلا دعاء كدعاء الغريق، والله ولي التوفيق.
وقد رُوي عنه عليه السَّلامُ يأتي على الناس زمان لا يبقى من القُرآنِ إِلا رسمُهُ، ولا من الإسلامِ إِلَّا اسمُهُ؛ قلوبهم خَرِبةٌ من الهوى، ومساجدهم عامرة من أبدانهم؛ شر من تُظلُّه السماء يومئذٍ عُلماؤهم، منهم تخرجُ الفتنةُ وإليهم تعودُ. وعن الحسنِ: عُقوبةُ العالم موتُ القلب، قيل له: وما موتُ القلب؟ قال: طلب الدُّنيا بعمل الآخرة.
فإن انضاف إلى هذا الغرض أن يتصدَّى به إلى تولّي الأعمالِ السُّلطانية كائنةً ما كانت، أو يتوصل به إلى اكتسابِ مال حرام أو شُبهةٍ؛ فقد تعرَّضَ لغضب الله وسخطه وباء بإثمه وإثْمِ المُقتدين به، وكانَ الجهل إذ ذاك خيراً له من العلم، وأحمد عاقبة في الحكم. وقد روى حذيفة بن اليمان: أَنَّهُ عليهِ السَّلامُ أخذَ حَصاةً بيضاءَ، فوضعها في كفّه، ثم قال: «إنَّ الدين قد استضاءَ إضاءة هذهِ»، ثم أخذَ كفّاً من تُرابِ، فجعلَ يَذُرُّها على تلك الحصاة حتّى واراها، ثم قال: والذي نفسي بيدهِ، لَيجيئنَّ أَقوام يدفنونَ الدِّينَ هكذا، كما دُفنت هذه الحصَاةُ».
ولعله عليه السلام أراد بالحَصَاةِ البيضاء أدلة الكتاب والسُّنَّةِ الزهراء، وبالتراب الحُججَ الدَّاحضة والأقيسة الواهية الغبراء.
الجزء 1 · صفحة 61
وكان سبب ترك بشر الحافي طلب الحديث أنه سمع أبا داود الطيالسي يُحدِّثُ حذيفة بن اليمان رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
ن شعبة أنه كان يقولُ: الإكثار من الحديث يصدُّكم عن ذكر الله، وعن الصلاة، فهل
أنتم منتهونَ؛ فلما سمعه منه قال: انتهينا انتهينا، ثم ترك الرّحلة في طلب الحديثِ، وأقبل على العبادة.
وروي أيضاً مثل هذا الكلام عن مسعر بن كدام.
فإذا كان الإكثار من الحديث بهذهِ المثابةِ عند إمامي المُحدِّثِينَ في زمانهما مع ما فيه من الفوائدِ الأُخروية، فما ظنُّكَ بغيره من مُحدثاتِ العلوم ومبتدعاتها. ولقد ذكر الحافظ ابنُ عبد البر بإسنادٍ له إلى عبد الله بن مَسْلَمَةَ القَعْنَبي قال: دخلتُ على مالك فوجدتُه باكياً، فسلَّمتُ عليه، فردَّ عليَّ السلام، ثم سكت عنِّي يبكي، فقلتُ له: يا عبد الله ما الذي يُبكيكَ، فقال لي: يا ابن قعنب! أنا والله ـ على ما فَرَطَ منِّي - ليتني جُلدتُ بكل كلمةٍ تكلّمتُ بها في هذا الأمر بسوط ولم يكن فَرَطَ منِّي ما فرط من هذا الرأي وهذه المسائل، وقد كان لي سعة فيما سبقتُ إليه.
قال هذا فيما كان آخذاً فيه من المسائل المحققة المبنية على أصول صحيحة غيرِ مُلفقة، فما الظن فيما انتشر بعده من الهَدَيانِ الذي صارَ بحُكْمِ العادة واقتضاء العَصَبيَّةِ وتمالئ الناس على الضَّلال، وتقليدِ الرُّؤساء الجُهَّالِ ديناً قويماً وصراطاً مستقيماً.
وكان الثوري يقول لأهل العلم الظاهرِ: طلب هذا ليس من زادِ الآخرة. وكان يقولُ: طلب الحديثِ ليسَ من عِدَّةِ الموتِ؛ يعني: طلب إسناده، أو إرادة إكثاره، لكنّها علةٌ يتشاغل بها الرّجالُ.
وكان يقول: لولا أن للشيطان فيه نصيباً ما ازدحمتم عليه؛ يعني: على العلم
وترك العمل به.
الجزء 1 · صفحة 62
ثُمَّ اعلم أنه لا بُدَّ لِلمُفتي المُقلّد أن يعلمَ حَالَ مَن يُفتِي بِقولِهِ، ومَعرفةً مرتبتِهِ في الرواية، ودرجته في الدِّرَايةِ؛ ليكُونَ عَلى بَصِيرةٍ واقية في التمييز بَيْنَ القائِلِينَ المُتخالفين، وقدرةٍ كافيةٍ في الترجيح بين القولَينِ المُتعَارضينَ.
فقد قال كمال باشا زَاده: إِنَّ الفقهاءَ سَبعُ طبقات:
الأولى طبقة المجتهدين في الشرع، كالأئمة الأربعةِ، ومَن سَلكَ مَسلَكهُم في تأسيس قواعد الأصول، واستنباط أحكامِ الفُروع عن الأدلة الأربعة الكتابِ والسُّنَّة والإجماع والقِياسِ، عَلى حَسبِ تلكَ القَواعِدِ مِن غَير تقليد لأحَدٍ لا في الفروع ولا في الأصول.
والثانية: طبقة المجتهدين في المذهَبِ، كأبي يُوسُفَ ومحمدٍ و سَائِرِ أَصحابِ أبي حَنِيفَةَ قرَّرَهَا أُستَاذُهم أبو حَنِيفة، وإن خَالِفُوه في بَعضِ الفُرُوعِ، لكنْ يُقلِّدُونه في قَواعِدِ الأصول، وبه يَمتَارُونَ عَن المُعَارِضِينَ في المذهَبِ كَالشَّافِعِي ونظرائه المخالفين؛ كأبي حنيفة في الأحكامِ غَيْرُ مُقلَّذِينَ لَهُ فِي الأَصُولِ.
الجزء 1 · صفحة 63
والثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عَن صَاحِبِ المذهب، كالخَصَّافِ، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي الحسن الكرخي، وشمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي، وفخرِ الإسلامِ البَزْدوي، وفخرِ الدين قاضي خان وأمثالهم؛ فإنهم لا يقدرونَ عَلى المُخالفة للشيخ؛ لا في الأُصُولِ ولا في الفروع، لكنَّهُم يَستنبطونَ الأحكامَ فِي المَسائلِ التي لا نَصَّ عَنهُ فيهَا عَلى حَسَبِ أُصولٍ قَرَّرَها ومُقتضى قَوَاعِدَ بَسطها وحرَّرها. الرابعةُ: طبقةً أصحاب التخريج مِن المُقلِّدِينَ، كالفَخِرِ الرازي وأضرابه؛ فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، لكنَّهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم للمآخذ يقدرون على تفصيلِ قَولٍ مُجمَلٍ ذِي وجهَينِ، وحُكمِ مُبهم مُحتمل لأمرينِ، مَنقول عَن صَاحِبِ المُذهَبِ أو عَن أحَدٍ مِن أصحابه المجتهدين، بِرَأيهم ونَظرِهم في الأُصُولِ، والمُقايسَةِ عَلى أمثالِهِ ونظرائه مِن الفُرُوعِ، وما وقع في بَعض المواضِعِ من «الهداية» في قوله: كَذا في تخريج الكرخي و تخريج الرازي مِن هَذا القَبيلِ. الخامسة: طبقةُ أصحَابِ الترجيح مِن المُقلِّدِينَ، كأبي الحَسَن القدوري، وصاحب «الهداية»، وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعضِ الرِّوايَاتِ عَلَى بَعضٍ آخرَ بقولهم: هَذا أولى، وهذا أصح روايةً، وهذا أرفقُ لِلنَّاسِ.
السادسة: طبَقَةُ المُقلّدِينَ القادِرينَ عَلى التمييز بين الأقوى والقوي، والضعيف وظاهر المذهَبِ وظاهر الرواية، والرواية النادرة؛ كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين، مثل صاحب «الكنز»، وصاحِب «المختار»، وصاحِب «الوقاية»، وصاحِب «المجمع»، وشأنهم أن لا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردُودَةَ والروايات الضعيفة.
الجزء 1 · صفحة 64
السابعة: طبقةُ المُقلِّدِينَ الذين لا يقدرونَ عَلى مَا ذكر، ولا يفرقُونَ بَيْنَ الغَفُّ والسَّمين، ولا يُمَيِّرُونَ الشِّمالَ عَن اليَمِينِ بَل يجمعونَ مَا يجدُونَ كَحاطبِ الليلِ، فالويل لهم ولمَن قلَّدَهُم كلُّ الويل، انتهى
وفي أصول البَزْدَوِيُّ»: أجمعَ العُلماء والفُقَهَاءُ أَن المُفتي يَجِبُ أَن يَكُونَ مِن أهل الاجتهاد، فإن لم يكنْ مِن أهل الاجتهادِ لا يَحلُّ لَهُ أَن يُفتيَ إِلا بِطريق الحكايَةِ، فيحكي ما يحفظُ مِن أقوال الفقهاء، ولا يَحلُّ لَهُ أن يُفتيَ فيما لا يحفظُ فِيهِ قَولاً مِن أقوالِ المُتقدمين. وفي «الظَّهيرية»: رُويَ عَن أبي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قال: لا يحلُّ لِأَحَدٍ أَن يُفتيَ بقولنا ما لم يعلمُ مِن أينَ قُلْنَا، انتهى
فإِذا كَانَ لاَ يَجُوزُ تَقلِيدُ الإِمَامِ مِن غَيرِ دليل في الأحكامِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ تَقلِيدُ المُقلّدينَ الذينَ مَا وَصَلُّوا إلى مَقامِ المُجتَهدِينَ؟ نَعَمْ، يَجُوز لِلعَامِي أَن يُقلَّدَ العَالِمَ ولو مُقلّداً لضرورة أمر الدين.
والمراد بالعَالِم: هو العَالمُ بِأقوالِ الفُقَهَاءِ، لا النَّحويُّ والصَّرفي والمنطقي وغيرهم ممن يَزعَمُ أَنه مِن الفُضَلاءِ.
ثُمَّ العامي إذا استفتى في حادثة، ووقع الاختِلافُ فيما بَيْنَ الفُقَهَاءِ، يَأْخذُ بِقولِ مَن هو أفقه وأورَعُ مِن العُلَمَاءِ عَلى مَا في المحيط».
الجزء 1 · صفحة 65
وفي شرح المجمع: المُختارُ: أَنَّ الفاسِقَ لاَ يَصلحُ أَن يَكُونَ مُفتياً - يَعني: ولو كَانَ عَالماً - لأنه ربما يكذبُ في مَقالِهِ، ورُبما يُرَاعِي صَاحِبَه فِي حَالِهِ، ورُبما ينقلُ رواية في مقامِ انتقالِهِ ومِنَ المعلُومِ أنَّ الفاسِقَ لا تصِحُ لَهُ الرِّوايةُ، فكذا مقامه في بابِ الدّراية، والله وليُّ الهداية في البداية والنهايَةِ. ولأنَّ مَبَنَى الفتوى على الأمانة، والاحترازِ عَن الخيانةِ، فَإِنَّ بِهِمَا يتمُّ أمرُ الدِّيانِةِ. وقيل: يصلح للفاسق أن يكون مُفتِياً؛ لأنَّهُ يَحتَاطُ فِيه للسمعةِ والرِّياءِ كيلا ينسب إلى الخطأ.
ثُمَّ الاجتهاد لغةً هُو: بَذل المجهودِ لنيل المقصودِ، وأمَّا أهليتُه: فأهل الاجتهاد
مَن يكونُ عَالماً بِالكِتابِ والسُّنَّةِ والآثارِ ووجوه الفقه، كذا في «المحيط». وفي «الظَّهيرية»: أن شرط صَيرورَةِ المَرءِ مُجتهداً: أن يعلمَ مِنَ الكتابِ والسُّنَّةِ
مقدارَ مَا يَتعَلَّقُ بِهِ الأحكامُ دُونَ مَا يتعلَّقُ بِهِ المَواعِظُ والقصَصُ. وفي «الهداية»: وحاصله: أن يَكُونَ صَاحبَ حَدِيثٍ، لَهُ مَعرفة بالفقه، ليعرف معاني الآثارِ، أو صَاحِبَ فِقه لَهُ مَعرفةٌ بِالحَدِيثِ كيلا يشتغل بالقِيَاسِ في المنصوص عليه، انتهى.
ومعنى قوله: صاحبَ حدِيثٍ لَهُ مَعرفةٌ بالفقهِ؛ أي: مَنسوب إلى الحَدِيثِ لزيادة علمه ودرسه فيه، ولكن لَهُ فقه أيضاً، وليسَ هُو بقدرِ علمه في الحَدِيثِ، أو صَاحِبِ فقه له معرفة بالحديث؛ أي: مَنسُوبٌ إلى الفقه، ولكنْ لَهُ عِلمُ بالحَدِيثِ أيضاً، وليسَ هُو بقدرِ عِلمه بالفقه، كذا ذكره ابنُ الضياء.
ومجمله: أنه لا يكُونُ فقيهاً مُجرداً يحفظ الرواية، ولا مُحدِّثاً خَالِياً عَن الفِقهِ والدَّرَايةِ، بَل يَكُونُ جَامِعاً بينهما في بابِ الهَدَايَة.
الجزء 1 · صفحة 66
قيل: وأن يكون صَاحِبَ قريحة يعرفُ بها عَادَاتِ النَّاسِ؛ لأن من الأحكام ما يبتَنِي عَليها في مقامِ القِيَاسِ. وفي شرح الإتقاني»: وإذا بَلغَ الرجُلُ أن يكُونَ عَالَماً بالنصُوصِ مِن الكتابِ والسُّنَّةِ، مِما يتعَلَّقُ بِهِ الأحكامُ الشَّرعيةُ يَصِيرُ مجتهداً، ويَجبُ عَليه العَملُ بِاجتهادِهِ، ويحرمُ عَلَيهِ تقليدُ غَيْرِهِ، كَذا في «الميزان».
وفي «أصول البزدوي»: الصَّحيح أنَّ أهل الاجتهادِ فِي مَسائلِ الفِقه: مَن يكونُ
عالماً بدلائل الفقه، وهي الكتاب، والسُّنَّةُ، والإجماع، والقِياسُ. وفي فصول الاستروشتي»: قال بعضهم: إِذا كَانَ صَوابه أكثرَ من خَطِئِهِ؛ حلَّ لَهُ الاجتهاد. وفي «النهاية»: وأمَّا حُكمُ الاجتهاد؛ فالإصابةُ بِغَالِبِ الرَّأي، حَتَّى قُلْنَا: إنَّ المجتهد يُخطئ ويُصِيبُ: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنيبُ [الشورى: 13].
وقد ورَدَ: إِنَّ المجتَهَدَ إِذَا أَصَابَ فَلَهُ أجرَانِ، وإن أخطأ فلَهُ أَجْرٌ واحِدٌ». وفي المحيط»: ينبغي للقاضي أن يقضي بمَا فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وينبغي أن يعرف ما في كتاب الله مِنَ الناسخ والمنسوخ، وأن يعرف المُتشابه، وما فيه اختِلافُ العُلماءِ لُيَرجُحَ قولَ البَعض عَلى البعض باجتهاده، فإن لم يجد في كِتابِ اللهِ، يقضي بما جَاءَ عَن رَسُولِ الله، وينبغي أن يعرف الناسخ والمنسوخ من الأخبار، فإن اختلفت الأخبَارُ يَأخذ بما هو الأشبه، ويميل اجتهاده إليه، ويَجب أن يعلم المُتَواتِرَ والمشهُورَ، وَمَا كَانَ مِن أَحْبَارِ الأَحَادِ، وَيَجبُ أَن يَعلَمَ مراتب الرواة، فإِنَّ مِنهم مَن عُرِفَ بالفقه والعدالة كالخلفاء الراشدينَ والعَبادِلِةِ
الجزء 1 · صفحة 67
وغيرهم، ومنهم مَن يُعرف بذلك، ومنهُم مَن لم يُعرف بِطُولِ الصُّحبة. وإِنْ كَانتْ حَادِثَةٌ لم يدْ فِيهَا شيءٌ عَن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقضِي فيها بما اجتمعَ عَلَيهِ الصَّحَابَةُ، فإن كانت الصَّحَابَةُ فيها مُختلفِينَ.
يجتهد في ذلك، ويُرجحُ قَولَ بَعضهم على البَعْضِ إذا كانَ مِن أهلِ الاجتهاد، وليسَ لَهُ أن يُخالِفهُم جَميعاً باختراع قول ثالث. لأنهم مع اختِلافِهم اتفقوا على أن ما عدا القولين بَاطِلٌ، وكانَ الخَصَّافُ يَقولُ له ذلك.
والصَّحيحُ مَا ذكرنَا، ولا يُفضل قول الجماعَةِ عَلَى قَولِ الواحد.
قَالَ الفقيه أبو جعفر وهذا عَلى أصل أبي حَنِيفَةَ، أَمَّا عَلَى أَصلِ محمدٍ؛ فيُفضل قول الجماعَةِ عَلى قولِ الواحد.
ثم إجماعُ الصَّحَابةِ ينعقد بطريقين: أحدهما: اتَّفَاقُ كلُّ الصَّحَابَةِ عَلَى حُكمِ بأقوالهم، وهذا متَّفق عليه.
والثاني: تنصيصُ البَعضِ وسُكُوتُ الباقين؛ بأن اشتهر قولُ بعض فقهائهم. وبلغَ البَاقِينَ ذَلكَ فسَكتوا، ولم يُنكرُوا ذلك وهذَا مَذهبنا، ولكنْ هَذَا الإجماعُ في المرتبة دُونَ الأَوَّلِ؛ لأنَّ الأَوَّلَ مجمع عليه، والثاني مختلف فيه؛ يعني: فالأول إجماع قطعي، والثاني ظني.
وإِنْ وُجِدَ مِن كُلِّ الصَّحَابَةِ اتَّفاقُ عَلى حُكمِ إِلَّا وَاحِدٌ، فَإِنَّه خَالَفَهُم؛ فَعَلَى قول الكرخي لا يثبت حكم الإجماع، وهو قول الشافعي
والصَّحِيحُ عِندَنا: أَنَّهُم إِنْ سوَّغوالَهُ الاجتهاد، لا ينعقد الإجمَاعُ مَع مُخالفتِه، نحو
الجزء 1 · صفحة 68
خَلافِ ابنِ عَبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُما في أخوين وأبوين، قال: للأم ثلث جميع المال. وإن لم يُسوِّغُوا لَهُ الاجتهادَ، بَل أَنكَرُوا عَليهِ؛ ثبت الإجمَاعُ بَدون قوله، نحو خلاف ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما في ربَا النَّقْدِ؛ فإِن الصَّحَابَةَ لمَّا أنكروا عَليهِ؛ ثبت الإجماعُ بدونِ قولهِ، حَتى لَوْ قَضَى قَاضِ بَجواز بيع الدرهم بالدرهمين لا ينفذ قضاؤه.
فإِنْ جَاءَ حَديثُ واحدٌ مِنَ الصَّحَابةِ، ولم يُنقلْ عَن غَيْرِهِ خِلافُ ذلكَ؛ فعن أبي حَنِيفَةَ روايات، ففي روايةٍ قَالَ: أُقلِّدُ مِنهم مِن كَانُوا مِن القُضَاةِ والمفتينَ. وفي رواية قالَ: أُقلّد جميع الصَّحَابةِ إلا ثلاثةً مِنهم: أنس بن مالك، وأبا هريرة، وسمرة بن جندب.
أمَّا أنس فإنه بلغني أنه اختلط عَقله في آخر عمره، وكان يستفتي علقمة، وأنا لا أقلّد علقمة، فكيف أُقلِّدُ مَن يستفتي علقمة؟!
وأما أبو هريرة فإنَّهُ لم يكن من أهل الفتوى، بَل كَانَ مِن الرُّواة فيما يروي، لا يتأمل في المعنى، وكانَ لا يعرفُ الناسِخ من المنسوخ، ولأجل ذلكَ حَجَرَ عَليه عُمرُ عَن الفتوى في آخِرِ عُمرِهِ.
وأَمَّا سَمُرةُ بنُ جُندب فقَدَ بلغني عنه أمرٌ ساءني، والذي بَلَغَهُ عَنْهُ أَنه كَانَ يَتَوسَّعُ في الأشربَةِ المُسكرة سوى الخمرِ، وَكَانَ يَتدَلَّكُ فِي الحَمَّامِ بِالغَمْزِ. فَلَمْ يُقلّدهم في فتواهم لهذا، وأمَّا فَيما رُوي عن رسولِ الله؛ فإِنه كَانَ يأخُذُ بِروايتهم.
وفي رواية قال: أُقلّدُ جَميعَ الصَّحَابة ولا أستجيز خلافهم، وهو الظاهرُ من المَذهَبِ.
وإذا اجتمعت الصَّحابةُ عَلَى حُكم وخالَفَهم واحِدٌ مِن التَّابِعِينَ ـ إِن كَانَ المُخالف ممن لم يُدرك عهدَ الصَّحَابةِ؛ لا يُعتبرُ خِلافُه حَتى لو قَضَى القَاضِي بقوله - بخلاف إجماع الصَّحَابَةِ - كَانَ بَاطِلاً.
الجزء 1 · صفحة 69
وإِنْ كَانَ مِمنْ أدركَ عَهْدَ الصَّحَابَةِ، وزاحمَهُم في الفتوى وسَوَّغُوا لَهُ الاجتهاد، كشريحِ والنَّخعي والشعبي؛ لا ينعقد الإجماعُ مَع مُخَالفتِه.
ولهَذا قَالَ أَبُو حَنيفة: لاَ يَثبتُ إجماعُ الصَّحَابةِ في الإِشْعَارِ؛ لأنَّ إبراهيم النخعي كَانَ يَكرهُهُ، وهو ممن أدركَ عَصر الصَّحَابَة، فَلَا يثبتُ الإِجْمَاعُ بدون قولهِ. وإن كانت حَادِثة ليس فيها إجماعُ الصَّحَابةِ ولا قولُ واحدٍ مِن الصَّحَابَةِ، لكن فيها إجماع التابعين، فإنه يقضي بإجماعهم، إلا أن إجماع التابعين في كونه حُجَّة دُونَ إجماع الصَّحَابةِ، وكذلك إجماعُ كلِّ قرنٍ بَعدَ ذلك حُجَّةٌ، ولكنه دُونَ الأول في كونه حُجَّة.
وإن كانَت حَادِثِةٌ فيها اختلافُ بَيْنَ التابعينَ، يجتهد القاضِي في ذلك ـ إذا كَانَ من أهل الاجتهاد ـ ويقضي بما هو أقربُ مِن الصواب وأشبَهُ بِالحقِّ، وليسَ لَهُ أن
يُخالفهم جميعاً باختراع قول ثالِثِ عِندَنا عَلى نَحوِ مَا ذكرنا في الصَّحَابَةِ، وَإِنْ جَاءَ عَن بَعضِ التَّابِعِينَ ولم ينقل عَن غَيرهم، فيه شيء؛ فعن أبي حَنِيفَةَ رُوايتان، في رواية
الجزء 1 · صفحة 70
قال: لا أقلّدهم هُمْ رِجَالٌ اجتهَدُوا ونحنُ رِجَالٌ نجتهد، وهو ظَاهِرُ المَذهَبِ. وفي رواية «النوادر» قَالَ: مَنْ كَانَ منهُم أفتى في زَمَنِ الصَّحابَة، وسَوَّغوا له الاجتهاد مثل شريح ومسروق بن الأجدع والحسن؛ فأنا أُقلّدهم، فإن لم يجد إجماع من بعدهم، وكَانَ فيه اتفاق أصحابنا أبي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُفَ ومحمد؛ يَأخذُ بِقَولِهم ولا يسعه أن يُخالِفهُم برأيه؛ لأنَّ الحَقِّ لَا يَعْدُوهم؛ فإِنَّ أَبَا يُوسُفَ كَانَ صَاحِبَ حَدِيثٍ، حَتَّى يُروى أنَّه قَالَ: أحفظ عِشرينَ أَلفَ حَدِيثٍ مِن المنسوخ، فمَا ظنُّكَ بالناسخ؟ وكانَ صَاحِبَ فِقه ومعنى، ومُحمدٌ كَانَ صَاحِبَ فقه ومعنى، وَكَانَ صَاحِبَ قريحَةٍ أيضاً؛ ولهَذَا قَلَّ رجُوعه في المسائلِ، وَكَانَ مُقدَّماً في اللُّغَةِ والإعراب، وله معرفة بالحديث أيضاً.
وأبو حَنِيفَةَ كَانَ مُقدَّماً في هَذا كله، إلا أنَّه قلت روايته لمذهب تفردَ بِهِ في بابِ الحَدِيثِ، وهوَ أنَّه إنما يحلُّ رواية الحديث لمن يحفظ مِنْ حِين يسمع إلى أن يروي، وإن اختلفوا فيما بينهم، قَالَ عَبد الله بن المُبَارَكِ: يَأخُذُ بِقول أبي حَنِيفَةَ لا محالة.
والمتأخرون من مشايخنا اختلفوا بعضُهم قَالُوا: إِذَا اجتمعَ اثنَانِ مِنْهم عَلَى شيء، وفيهما أبو حَنِيفَة يَأخُذ بِقولِ أبي حَنِيفَة، وإن كَانَ أبو حَنِيفَةَ في جَانِبٍ وأبو يوسُفَ ومُحمدٌ في جَانِبِ؛ فإن كَانَ القَاضِي مِن أهل الاجتهادِ يَجتهد، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد يستفتي غَيرَهُ، ويأخُذُ بِقولِ المُفتي بمنزلة العامي، وبَعضُهم قَالُوا: إِذَا كَانَ القَاضِي مِن أهل الاجتهادِ يَعمل برأيه ويأخُذُ بِقولِ الواحدِ ويتركُ قولَ المَثْنَى،
سواءٌ كَانَ في المَتَنَى أبو حنيفة أو لم يكن، وإن كَانَ أبو حَنِيفَةَ أعلى مرتبةً، وإن لم يكن مِن أهل الاجتهادِ، يَأْخُذُ بِقولِ أَبِي حَنِيفَةَ ولا يترك مَذهَبهُ.
الجزء 1 · صفحة 71
وفي الفتاوى» و «الخلاصة» قَالَ: المُفتي بالخيارِ إِنْ شاءَ أَخذَ بِقول أبي حنيفة، وإن شاء أخذ بقولهما. وفي «القنية» - وعزاه لشمس الأئمة الحلواني -: أنَّ المسائل التي تتعلق بالقَضاءِ الفتوى فيها عَلَى قول أَبي يُوسُفَ؛ لأَنَّه حَصَلَ لَهُ زِيادَةُ عِلم بالتجربة. انتهى.
وفي المحيط»: ولو لم يجد الروايةَ عَن أبي حنيفة وأصحابه، ووجد عن المتأخرين؛ يقضي بِهِ ولو اختلف المتأخرون فيه، يختارُ واحِداً مِنْ ذَلكَ، ولو لم يجد عَنِ المُتأخرينَ يجتهد فيه برأيه إذا كان يعرفُ وجوه الفقه، ويشاور أهل الفقه فيه.
وذكر شمس الأئمةِ السَّرخسِيّ: أنَّ الإجماع اللاحق يرفع الخلاف السَّابق. وفي الفتاوى العتابية»: قاض استفتي في حادثةٍ، فأفتى ورَأيه بخلافِ رَأي المفتي؛ فإنَّه يعملُ بِرَأي نفسهِ إِن كَانَ مِنْ أَهْلِ الرَّأي، فإنْ تركَ رَأيه وقضَى بِرأي المفتي؛ لم يجز عِندهُما، كَمَا في «التحرير»، وعند أبي حَنِيفَةَ: ينفذ؛ لمُصَادفته فصلاً مجتهداً فيه.
وأما اجتهادُ الصَّحابي في زَمَنِ رَسُولِ الله؛ ففيه خلافٌ بَينَ العُلماء: قَالَ في «المحيط»: يجب أن يعلم أنَّ العُلماء اختلفوا في هَذا عَلَى ثلاثةِ أقوال: منهُم مَن قَالَ: كَانَ لَهُ أن يجتهد، ومنهم من قال: من كَانَ يبعُدُ عَن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَهُ الاجتهاد، ومن يقرب منه لم يكن لَهُ الاجتهادُ مُطلقاً.
واختلفوا أيضاً: أَنَّه عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: هَلْ كَانَ يَجتهد فيما لم يُوحَ إليهِ؟ فيُفصَّلُ الحُكمُ باجتِهادِهِ؛ بعضُهم قالوا مَا كَانَ يجتهدُ بَل كانَ ينتظر الوحي،
الجزء 1 · صفحة 72
ومنهم من قال: كان يرجعُ فيه إلى شريعَةِ مَن قبله، ومنهم مَن قَالَ: كَانَ لَا يَعْمَلُ بالاجتهاد إلى أن ينقطع طمعهُ عَن الوحي، فإذا انقطَعَ حينئذ كَانَ يجتهد، فإذا اجتهدَ صَارَ ذلك شريعةٌ لَهُ، فإذا نَزَلَ الوحيُ بِخلافِهِ يصيرُ ناسِخاً، ونسَخُ السُّنَّةِ بالكتابِ جائز عندَنا، وكَانَ لا ينقضُ ما مضى بالاجتهادِ، وَكَانَ يَستأنفُ القضاءَ في المستقبل. انتهى كلام «المحيط».
وفي تهذيب الأسماء واللغات في ترجَمةِ مُعَاذ: الذين كانوا يُفتونَ فِي زَمَنِ النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة من المهاجرينَ: عُمرُ، وعثمان، وعلي، ومن الأَنصَارِ ثلاثة: أُبيُّ بنُ كعب، ومَعَاذُ بن جَبلٍ، وزَيدُ بنُ ثابت رضي الله عنهم أجمعين.
وفي «التحقيق شرح الأخْسِيكَثِي: واختلف في كونه عَليهِ الصَّلَاةُ والسَّلامُ متعبداً بالاجتهادِ فِيمَا لَمْ يُوحَ إليهِ مِن الأحكام فأنكرت الأَشْعَرِيةُ وأكثرُ المُعتزلة كَونَ الاجتهاد حظ النبي الله في الأحكام الشرعية، وقالَ عَامِةُ أَهلِ الأصولِ: كَانَ له العمل في أحكام الشرع بالوحي والرأي جميعاً، وهو منقولُ عَن أَبي يُوسُفَ مِن أصحابنا، وهو مَذهَبُ مَالكِ والشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ أَهلِ الحَدِيثِ.
وقَالَ أكثر أصحابنا: إنهُ كَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتعَبَّداً بانتِظارِ الوحي في حَادِثِةِ ليسَ فيها وحي، فإن لم ينزل الوحي بَعدَ الانتظارِ؛ كَانَ ذلكَ دلالَةٌ عَلَى الإِذْنِ في الاجتهاد. ثُمَّ قِيلَ: مُدَّةُ انتظارِ الوحي مُقدَّرَةٌ بثلاثةِ أيامٍ، وقيلَ: مُقدَّرَةٌ بِخَوفِ فوتِ الفرض، وذلك يختَلِفُ بِاختِلافِ الحَوادِثِ. ثُمَّ اجتهاده عَلَيْهِ السَّلامُ لا يحتمل الخطأ عِندَ أكثرِ العُلماء، وعند أكثر أصحابنا يحتمل الخطأ، لكنَّه لا يحتمل القرار عَلَى الخَطأ، فَإِذَا أَقرَّهُ اللَّهُ تَعَالَى؛
الجزء 1 · صفحة 73
دَلَّ أَنَّه كَانَ هو الصواب، فَيُوجبُ عِلم اليقين كَالنص، فيكون مخالفتُه حَراماً وكفراً بخلاف اجتهادِ غَيره مِن الأُمَّةِ، حَيثُ يَجوزُ مخالفته لمجتهد آخر؛ لأن احتمال الاجتهاد الخطأُ والقرارُ عَلَيه جَائزان في حَقِّ الأُمَّةِ، فَلَا يتعيَّنُ الصَّوابُ في حَقِّ أحَدٍ، وإن كَانَ الحَقُّ لا يعدوهم، فيَجُوزُ لِكُلِّ واحدٍ مخَالَفَةُ الآخرَ بالاجتهاد، لاحتمالِ الصَّوابِ في اجتهاده و احتمال الخطأ في اجتهادِ غَيره. ثُمَّ الاجتهاد في أنه قطعي من النبي صلى الله عليه وسلم دون غيرهِ نَظِيرُ الإلهام، وهو القذفُ في
القلبِ مِن غَيرِ نظر في نص واستدلال بحجةٍ، فإِنَّهُ حجَّةٌ قاطِعةٌ فِي حِقٌّ النبي - لم يجز لأحدٍ مخالفته بوجه للتيقن أنه مِن عِندِ الله، وعصمتُه عَن الإقرار على الخطأ، وإلهام غيره ليس بحجةٍ أصلاً، انتهى كلام التحقيق»، والله ولي التوفيق. وقد كره بعضُهم الإفتاء؛ لقوله عَلَيْهِ السَّلامُ: «أَجْرؤكُم على النَّارِ أَجرؤكُم على الفتوى»، رواه الدارمي مرسلا.
وعَن سَلَمَانَ الفارسي: أَنَّ ناساً كانوا يستفتونَهُ فَقَالَ: هَذَا خَيْرٌ لَكُم وشرٌّ لِي ". وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قَالَ: أدركتُ مئةً وعِشرينَ مِن أصحَابِ رسول الله، فمَا مِنهُم مِن أحَدٍ يُسأَلُ عَن حَدِيثٍ أو فتوى إِلَّا ودَّ أَن أَخَاهُ كفاهُ ذلك.
والصحيحُ: أنهُ لا يُكرهُ لمَن كَانَ أَهْلاً لَهُ؛ لِقولِهِ تَعَالَى: {فَسْلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن
كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء:]، وكان هَذَا أَمراً بالإجابة عن السُّؤالِ.
وعن أبي هريرةَ عَن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَفْتَى بِفْتِيَا غَيرِ ثَبْةٍ؛ فَإِنَّمَا إثمهُ عَلَى الذي أفتَاهُ» رواه أحمد وابن ماجه.
وفي لفظ: «مَنْ أفتى بفتيا بغير علم، كان إثم ذلك على الذي أفتاه» رواه أحمد وأبو داود 2.
الجزء 1 · صفحة 74
قال في «الملتقط»: ولا يَنبغي لأحدٍ أنْ يُفتيَ إلا أن يعرف أقاويل العُلماء، ويعلم من أين قالوا، ويعرف مُعاملاتِ النَّاس، فإن سُئِلَ عَن مَسألةٍ يعلمُ أَنَّ علماءَهُ الذين يَنْتَحِلُ مَذهَبهم قد اتفقوا عَلَيهِ، فَلا بَأسَ بأن يقول: هَذا جَائز، وهذا لا يَجُوزُ، ويكون قوله عَلى سبيل الحِكَايَةِ، وإِن كَانَت مَسألة قد اختلَفُوا فيها؛ فلا بأس بأن يقول: هَذا جَائز في قَولِ فلانٍ، وفي قول فلانٍ لاَ يَجُوزُ، وليسَ لَهُ الخيَارُ، فيجيبُ بِقَولِ بَعضهم ما لم يعرف حُجَّتَهُ. وعن أبي يُوسُفَ وزُفَرَ وعَافية بن يزيد أنهم قَالُوا: لا يحل لأحد أن يُفتي بقولنا ما لم يعلم مِنْ أين قُلْنَا.
قيل لعصامِ بنِ يُوسُف: إِنَّكَ تُكثرُ الخلاف لأبي حَنِيفَةَ، فَقَالَ: لأنَّ أبا حنيفة أُوتي من الفهم ما لم نُوتَ، فأَدْرَكَ بفهمِهِ مَا لَم نُدركه، ولا يَسَعُنا أن نفتي بقوله ما لم نفهم وعن محمد بن الحسن أنه سئل: متى يحلُّ للرَّجُلِ أَن يُفتي؟ قَالَ: إِذا كَانَ صوابه أكثر من خطئه ه.
وعن أبي بكر الإسكافي البلخَيِّ عَن عَالم في بلدِهِ ليس هناك أعلم منه: هل يسعه أن لا يفتي؟ قَالَ: إِن كَانَ مِن أهل الاجتهاد لا يسعه، قيل: كيف مِن أهل الاجتهاد؟ قال: أن يعرف وجُوه المسائل، ويُناظر أقرانَه إِذا خَالفوه. وعَن ابن مَسْعُود قَالَ: مَن سئلَ مِنكُم عَن عِلم وهو عنده؛ فليقل به، وإن لم يكن
عندَهُ؛ فليقل: الله أعلم، فإِنَّ مِن العِلمِ أن يقول لما لا يعلمُ: لا أعلمُ. وسُئل شداد بن حكيم عن قوله: «إن اللهَ خَلَقَ آدم عَلى صُورته»،
فقَالَ: نؤمن به ولا نُفسّره.
قال أبو الليث: بِهَذا أمرَ اللهُ تَعَالَى بِقولِهِ: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا به} [آل عمران: 7].
وعَن ابْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّ الَّذِي يُفتي النَّاسَ بكلِّ مَا يَسألونه لمجنون.
الجزء 1 · صفحة 75
وعن الثوري: العالم الفاجر فتنَةٌ لِكُلِّ مفتون. وعَن ابن شُبُرُمةَ: إِنَّ مِنَ المَسَائل لا يحل للسائل أن يَسأَلَ عَنْها، ولا لِلمُجِيبِ أن يُجيبَ عَنها ه. وكَأَنَّهُ اقتبس من قولهِ تَعَالَى: {لَا تَسْتَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
وَإِن تَسْلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ} [المائدة: 101].
وعَن الشعبي قَالَ: سَلُوا عَمَّا كَانَ، ولا تسألوا عَمَّا يَكُونُ.
وحُكيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ دَخل عَلى هَارُونَ الرشيد، وعنده اثنان يتناظرانِ في الكلامِ، فَقَالَ له هارون: احكُم بَينَهُما، فَقَالَ لَهُ أَبُو يُوسُف: أنا لا أَخُوضُ فيما لا يعنيني، فقَالَ لَهُ الخليفة: أحسنت، وأمرَ لَهُ بمئة ألف درهم، وأمر أن يُكتب في الدواوين: إِنَّ أبا يُوسُفَ أَخَذَ مئة ألف درهم بتركهِ مَا لا يعنيه. وذكر ابن الحاجبِ: أَنَّ مَالكاً سُئل عَنْ أَربَعينَ مَسألةٍ، فَقَالَ فِي سِتٌ وثلاثين منها: لا أدري.
وسُئلَ الشَّعبيُّ عَن مَسأَلَةٍ فقَالَ: لاَ عِلمَ لَنا بها، فقيل: ألا تستحي؟ قال: ولم أستحي مما لم تستحي منه الملائكةُ حَين قَالَت لَا عِلْمَ لَنَا} [البقرة: ??].
وعَن ابنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: جُنَّةُ العَالَمِ: لا أدري.
وسُئل ابنُ عُمَرَ عَن فريضةٍ، فَقَالَ: ائتِ سَعِيدَ بنَ جُبيرٍ؛ فإنهُ أَعَلمُ بالفرائض مني. وعن الشَّعبيّ: مَا حَدَّثُوكَ عَن أصحَابِ مُحمدٍ صلى الله عليه وسلم فَخُذْهُ، وَمَا قَالُوه بَرَأيهِم
قبل عليه ه.
وفي الملتقط»: وينبغي للمفتي إذا ظَهَرَ عِندَهُ أَنَّهُ أَخَطأ، أن يَرجعَ عَنهُ ولا يستحيي ولا يأنف.
وعَن أبي حنيفة: لأن يخطئ الرجلُ عَن فهم خيرٌ مِن أن يُصِيبَ مِن غير فهم.
وقيلَ: مَنْ قَلَّتْ فِكْرَتُه كَثُرَتْ عَشْرتُه.
الجزء 1 · صفحة 76
ثُمَّ مَا ذكر في شرائط المفتي: أنه لا يَجُوزُ للمُفتي أن يُفتيَ بِمَسأَلةٍ حَتَّى يعلمَ مِنْ أينَ قُلنا، هل يَحتاجُ في زمَانِنا إلى هَذا أم يكفيه الحِفظُ؟ فقال بعضهم: يكتفي بالحفظ نقلاً عن الكتُبِ المُصَحَّحة، وقال بعضهم: الحفظ لا يكفي، وقيل: هذا يختلفُ باختِلافِ الحُفَّاظ، وقيل: لا بُدَّ مِن ذَلكَ الشَّرِطِ فِي كُلِّ زَمَانٍ.
وفي أصول الفقه لأبي بكر الرازي: فأمَّا مَا يُؤْخَذُ مِن كَلَامِ رَجُلٍ ومذهبه في كتاب معروف به؛ قد تداولته النسخ، يَجُوزُ لمَن نظَرَ فِيهِ أَن يَقُولَ: قَالَ فلانٌ گذا، وإن لم يسمعهُ مِن أَحَدٍ، نَحو كُتُبِ مُحمد بن الحَسَنِ، و «موطأ مالك»، ونحوهما من الكتبِ المُصنَّفَة في أصنافِ العُلُومِ؛ لأَنَّ وجُودهَا عَلَى هَذَا الوَصْفِ بمنزلة خبر المتواتر والاستفاضةِ، لا يَحتاجُ مِثْلُهُ إلى إسنادِ.
وينبغي أن يُقدِّمَ المُفتي مَن جَاءَ أولاً، ولا يُقَدِّم الشريف عَلى الضَّعِيف. وإذا أَجَابَ المُفتي ينبغي أن يكتبَ عَقيبَ جَوابه: والله أعلم، ونحو ذلك. وقيل في المَسائلِ الدِّينية التي أجمعَ عَلَيها أهلُ السُّنَّةِ والجماعَةِ ينبغي أن يكتب: والله الموفق، أو بالله العصمة، وأمثاله.
وإذا سُئلَ عَن مَسألةٍ ينبغي أن يُمعِنَ النَّظَرَ فيها، فإِن كَانَت مِن جَنسِ مَا يُفَصَّلُ
في جَوابِها يُفصل.
ولا يُجيبُ على الإطلاق؛ فإنَّه يكون مخطئاً.
وعن أبي يُوسُفَ: سَمِعتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقول: لولا الخَوفُ مِن اللَّه مَا أَفتيتُ أَحَداً؛ لكونِ الهَنَا لَهَمُ، والوِزْرُ عَلينا.
وقد نَظم الإمَامُ سِرَاجُ الدِّين الغزّي أخو صَاحِبِ «المحيط» هَذَا المَبنى، وزادَ في المَعْنَى؛ حَيثُ قَالَ:
الجزء 1 · صفحة 77
تركت الكتب في الفتوى وإنِّي لمحتسب بهذا التّركِ أخرا ومَا تَركي لعَجْزي مِنهُ لكنْ أُكررُ من أَصُولِ الشَّرعِ وِقْرا وأَمَّا مَا دَرَسْتُ بِغَيْرِ حِفظ فَيعظُمُ ذِكرُهَا عَداً وحَصْرا ولي مِنْ سَائِرِ الأنواعِ حَظِّ وما قولي معاذ الله كبرا ولكن أذكُرُ النَّعْمَاءَ عِنْدِي ن الرَّحَمنِ إيماناً وشكرا ولكن قد يكُونُ الحُكْمُ طَوْراً خِلافياً وبالإجماع طَوْرا فَتَرتَعِدُ الفَرائصُ عِندَ كَتْبي نَعَمْ أو لا وظنّي ذَاكَ خَيرا وتركي قولَ مُجتَهدِ سِواه لظَّنِّ قد يكونُ الظَّنُ وِزْرا تدبَّرتُ الأُمور وكانَ كَبِي لَدَى الأُمراء لِي صِياً وذِكْرا فقلتُ هَدَاكَ إِنَّ النَّاسَ طُرًا قد اتَّخَذُوكَ للنيرانِ جِسْرا فَلا يغرُوكَ ذِكْرُ النَّاسِ وَاجْهَدْ لِتكسب عند رب العرش ذِكْرا وبادر في قبولِ الحَقِّ واحذر قضاءً لازماً مَوتاً وحَشْرَا ودع عَنْكَ العُلُو تكونُ عَبْدًا قَنُوعاً صالحاً سراً وجَهْا ولا تركن إلى الدُّنْيَا وشَمر لِمَا يُدْعَى لَدَى الرَّحْمَنِ ذُخْرا فَلا يُغني مَقالُ الخلقِ عَنِّي هُو المُعْنِي لِمَا أَرْهَقْتُ عُسْرا فَحَسْبِي عَفْوُ رَبِّي عندَ تَرْكِي وَحَسْبي كتبُهُ البَاقِينَ عُذرا
حسبي الله ونعم الوكيل، وصَلَّى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه أجمعينَ.
جاء في آخر النسخة الخطية المرموز لها بـ «ج»: «تم بحمد الله وعونه وحسن توفيقه،
والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد الذي لا نبي بعده، والحمد لله على التمام والكمال وعلى كل حال، وحسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، غفرانك ربنا وإليك المصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.