شرح ألفاظ الكفر لبدر الرشيد
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
شرح ألفاظ الكفر لبدر الرشيد
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
قال الشيخ الإمام العلامة محمد بن إسماعيل بن محمد المعروف ببدرالرَّشيد رحمه الله تعالى:
أما بعد:
فإنَّ النَّاسَ لمَّا فَسَدَتْ قلوبهم فَسَدَ سائرُ بَدَنِهم، وفَشَا منهم ما فَشَا مِن الكذب والنَّميمة، والمهالِكِ الدُّنيويَّةِ، وجَمْعِ حُطامها، وابتهاجهم بزخارفهم، وقلَّةِ مُبالاتهم بأمرِ الدِّينِ وما ينفعُهم في الآخرة من الاحتياط في باب العبادات، وعند ذلك قصَدَ الشَّيطانُ إلى إيمانهم، وطَفِقَ يُجْرِي على ألسِنَتِهم ما يُؤْذِنُ بِكُفْرِهم وإحباط ما عَمِلُوا في عُمرِهم، وهم ذاهِلُون عمَّا يَجْرِي على ألسنتهم، ومكائد إبليسَ في سَلْبِ إيمانهم، وهم مهتمون بأمورِ دُنْياهُم، لا يَخْطُرُ ببالهم أمرُ عُقْباهُم، بل هم نائمونَ لا ينبههم إِلَّا سكراتُ الموتِ، أولئكَ الأغلال في أعناقهم وأولئك هم الغافلون.
وكنتُ أسمعُ من الخَوَاصّ المتسمِّين بالعِلم، والمنخرطين في السِّلْكِ، والمُتَجَلِّينَ في المحافل، والمكرَّمِينَ بالمناصب، والموصوفين بالدرس والإفتاء، ما لا يليق بالأرذالِ الجَهَلَةِ، وبالعَوَامّ السِّفْلِةِ، أنْ يتلفظ به مِن الألفاظ، وأظنُّ أَنَّها تُوْجِبُ كفر قائلها، ولكنّي لا أُنبِّههم على ذلك لأني حينئذ لا أقدرُ على تبكيتهم إن ناقشوني في ذلك عاراً وحَمِيَّةً، وما اجْتَمَعَ عندي بعد دفاتر الكتب المبسوطة من الفَتَاوَى وغيرها، وما اطَّلَعْتُ على كثير من أقاويل المجتهدين واختلافهم حتَّى مَنَّ اللهُ عَلَيَّ جميعَ ما أحتاجُ إليه من إقامة البراهين
وتبكيت الخصم وجمع الكتب والاطلاع على الأقاويل واختلافهم فيها وما هو المقصود من الفقه، فاستخرت الله تعالى في جمع الألفاظ من كتب تلقتها الأئمة بالقبول، فوضعت الحروف المعجمة علامة لأسامي الكتب، فعلامة: م ح: لكتاب «المحيط».
و ك: لكتابِ الكامل في الفَتَاوَى».
وخ: لـ «خُلَاصة الفَتَاوَى».
وظ: لـ «الفتاوى الظهيريَّة».
و ج: لكتاب جَوَاهر الفِقْهِ».
وي: لـ «يَتِيمة الفتاوَى».
و حا: لـ «الحاوي في الفَتَاوَى».
و شط: لـ «شرح الطَّحَاوِي».
و ص: لـ «الفَتَاوَى الصُّغْرَى».
و ق لـ «فَتَاوَى قاضي خان»
و ن لكتاب فوز النجاة».
و م: لـ «مَجْمَعِ الفَتَاوَى».
و م ل: لـ «المُلْتَقَط».
و «ب»: لكتاب «بحر الكلام».
فإِنَّما جَمَعْتُها لِيَعْلَمَ كُلُّ مُسلِمٍ ومُسلِمةٍ، ويُعَلَّمَ غيره، ويَحْفَظَ لسانه، ولا
يُحْبِطَ أعماله.
وما أَوْرَدْتُ الدَّلائل؛ لأنَّ الدَّلائل لا تخلو مِن أحد الأشياءِ الثَّلاثَةِ: إِمَّا
بالاستهزاء، أو بالاستخفاف، أو بالاستخلال.
اللَّهُمَّ احْفَظْ لساني ولسان أهل الإيمان من الألفاظ التي تُوجِبُ كفر
قائلها بفضلِكَ وَكَرَمِكَ.
تَمَّتْ دِيباجة المَتْن.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نَسْتَعينُ
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ الشيخ العلامة المعروف ببدر الرشيد من الأئمة الحنفية عليهم الرحمةُ جَمَعَ أكثر الكلماتِ الكُفْرِيَّة، بالإشارات الإيمائية، فها أنا أُبيِّنُ رموزها، وأُعيِّنُ كُنوزَها، وأَحُلُّ غُموضها، وأُحَلِّي حُموضَها.
ففي «الحاوي للفتاوَى»: مَن كَفَرَ باللسان طائعاً وقلبه مطمئن بالإيمان فهو كافر وليس بمؤمن عند الله تعالى، انتهى.
وهو معلوم مِن مفهوم قوله تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَنُ بِالْإِيمَنِ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبُ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: (106)].
وفي «خُلَاصَة الفَتَاوى»: مَن خَطَرَ بباله ما يُوجِبُ الكُفْرَ لو تَكَلَّم به، ولم يتكلم، وهو كاره لذلك، فذلك مَحْضُ الإيمان انتهى.
وقد وَرَدَ حديث في هذا المعنى، وقال: «الحمدُ للهِ الذي رَدَّ أَمَرَ الشَّيطانِ إلى الوَسْوَسَةِ».
و فيه أيضاً أنَّ مَن عَزَمَ على الكفرِ ولو بعد مئة سنةٍ يَكْفُرُ في الحال، انتهى.
وقد بيّنْتُ وجهه في ضَوْءِ المَعَالِي لشرحِ بَدْءِ الأَمَالي».
وفيه أيضاً: أَنَّ مَن ضَحِكَ بالرِّضاء مع مَن تَكلَّمَ بالكفرِ؛ كَفَرَ، انتهى.
ومفهومه: أَنَّ مَن ضَحِكَ تَعجُّباً مِن مَقالَتِهِ مَع عَدَمِ الرِّضا بحالتِهِ لا يَكْفُرْ، فالمدار على الرّضاءِ، وإِنَّما قيَّد المسألةَ بالضَّحِكِ لأنَّ الغَالِبَ أَنْ يكونَ مع الرِّضَاءِ. ولذا أطلق في مجمع الفتاوى وقال: مَن تَكَلَّمَ بكلمةِ الكَفِرِ وضَحِكَ بِهِ غَيْرُه كَفَرَ، و لو تكَلَّم به مُذكَّرٌ وقَبِلَ القومُ ذلك منهُ كَفَروا.
:يعني لو تَكَلَّمَ به واعِظُ أو مدرّس أو مُصَنِّفٌ، واعْتَقَدَ القومُ الذين اطلعوا عليه، كفروا ولا عُذْرَ لهم فيه، إِلَّا إِنْ كان الكفرُ مُختلفاً فيه.
وزاد في «المحيط»: وقيل: إذا سَكَتَ القومُ عن المذكَّرِ، وجَلَسُوا عنده بعد تكلمه بالكفر، كفروا، انتهى. وهذا محمول على العلم بكفره.
وفي «المحيط»: مَن أَنْكَرَ الأخبار المُتواتِرةَ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّه كُفْرٌ؛ مِثْلَ حُرْمةِ لبس الحرير على الرّجالِ ومَن أَنْكَرَ أصلَ الوِتْرِ أو أَصْلَ الأُضْحِيَّةِ، كَفَرَ، انتهى. ولا يَخْفَى أَنَّه قَيَّدَ بقوله: للشَّريعةِ لأنَّه لو أَنْكَرَ متواتِراً في غيرِ الشَّريعة؛ كإنكار جودِحاتم وشجاعة علي وغيرهما، لا يَكْفُرُ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّه أرادَ بالمتواتِرِ هنا: التَّواتُرَ المعنوي لا اللَّفْظَيَّ؛ لَعَدَمِ ثبوتِ تحريم لبس الحريرِ وأَصْلِ الوِتْرِ والأُضْحِيَّةِ بالتَّواتُرِ المُصْطَلَحِ عليه، فإِنَّ الأخبار المَرْوِيَّةَ عنه عليه الصَّلاة والسَّلامُ على ثلاث مراتب كما بينته في شرح النخبة». وتحقيقه هنا أنَّه
إمَّا متواتر: وهو ما رواه جماعةٌ عن جماعة لا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُوهم على الكذب، ومَن أَنْكَرَه كَفَرَ.
وإما مشهور: وهو ما رواه واحد عن واحد، ثُمَّ جَمْعٌ عَن جَمْعِ لَا يُتصَوَّرُ تَوَافُقُهم على الكذب، ومَن أَنْكَرَه كَفَرَ عند الكلِّ، إِلَّا عندَ عيسى بن أبانَ، فإِنَّ عندَه يُضَلَّل ولا يُكَفَّرُ، وهو الصحيح.
وخبر الواحد وهو أنْ يرويه واحدٌ عن واحدٍ، فلا يَكْفُرُ جَاحِدُه، غيرَ أَنَّه يَأْثَمُ بتركِ القبولِ إذا كان صحيحاً أو حَسَناً.
وفي «الخلاصة»: مَن رَدَّ حَديثاً؛ قال بعضُ مَشايِخِنا: يَكْفُرُ، وقال المتأخّرون: إِنْ كان مُتَواتِراً كَفَرَ.
أقول: هذا هو الصَّحيحُ، إلَّا إذا كانَ رَدَّ حديث الآحادِ مِن الأخبار على وجهِ الاستخفافِ والاستحقار.
وفي الفتاوى الظهيرية»: مَن رُوِيَ عندَه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: «ما بَيْنَ بيتي ومنبري - أو: ما بينَ قَبْرِي ومنبري - روضة من رياض الجنَّةِ» فقال الآخَرُ: أَرَى المِنْبَرَ والقَبْرَ ولا أَرَى شيئاً بينهما، يكفر.
وهو محمول على أنه أراد به الاستهزاء والإنكار وليس مؤمناً بالأمورِ الغَيْبيَّةِ الزَّائِدَةِ على الأحوالِ العَيْنيَّةِ الواردة في الأخبار. وفي «المحيط»: مَن أُكْرِهَ على شتمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إن قال: شَتَمْتُ ولَمْ يَخْطُرْ يبالي، وأنا غير راض بذلك، لا يَكْفُر، وكانَ كمَن أُكْرِهَ على الكفر بالله تعالى فتكلم وقلبه مُطْمَئِنَّ بالإيمان.
وإِنْ قال: خَطَرَ ببالي رجلٌ مِن النَّصَارَى اسمه محمدٌ فَأَرَدْتُه ونَوَيْتُهُ بالشَّتْمِ، لا يَكْفُر أيضاً.
وإن قال: خَطر ببالي نَصْراني اسمه محمدٌ، فَأَرَدْتُه ونَوَيْتُهُ فَلَمْ أَشْتُمْه، وإِنَّما شَتَمْتُ مع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم يَكْفُرْ في القضاء وفيما بَيْنَهُ وبينَ اللَّهِ أَيضاً؛ لأَنَّهُ شَتَمَ النبي طائعاً؛ لأنَّه أَمْكَنَهُ الدَّفْعُ بِشَتْمِ محمدٍ آخَرَ خَطَرَ بالهِ، انتهى.
وفيه: أنَّه إذا لم يَخْطُرْ بباله محمدٌ آخَرُ حينئذٍ وشَتَمَه مُكْرَها لا يَكْفُرُ، لكنْ لا بدَّ أن يكون الإكراه بقتل أو ضرب مؤلم، ويكون المكرِهُ قادراً، ولا يكونَ للمُكْرَه دَفْعُه عنه بوجه آخر، فتدبر.
وفي الخلاصة»: رُوِيَ عن أبي يوسف أنَّه قيل بحضرة الخليفة: إِنَّ النَّبِيَّ كان يُحِبُّ القَرْعَ، فقال رجل: أنا لا أُحِبُّه، فأَمَرَ أبو يوسف بإحضارِ النَّطْعِ ا والسيف، فقالَ الرَّجلُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ ممَّا ذَكَرْتُه ومِن جميعِ مَا يُوجِبُ الكُفْرَ، أَشْهِدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله، فتَرَكُه وَلَمْ يَقْتُلُه.
وتأويل هذا: أنَّه قال بطريق الاستِخْفافِ، يعني: لأنَّ الكراهة الطَّبْعيَّة ليست داخلة تحت الأعمال الاختيارية، ولا يكلَّفُ بها أحدٌ في القواعدِ الشَّرعيّة. وفي «الخُلاصة» أيضاً: أنَّ في «الأجناس عن أبي حنيفة: لا يُصَلَّى على غير الأنبياء والملائكةِ، ومَن صلَّى على غيرهما لا على وجه التبعية فهوغالٍ مِن الشَّيعة التي نُسمّيها: الروافض. انتهى.
ومفهومه أنَّ حُكْمَ السَّلامِ ليس كذلك، ولعلَّ وَجْهَهُ: أَنَّ السَّلامَ تحيَّةُ أَهلِ الإسلام، ولا فَرْقَ بينَ السَّلامُ عليه، و عليه السَّلامُ، إِلَّا أَنَّ قولَ: عليٌّ عليه السَّلام من شعائرِ أهل البدعة، فلا يُسْتَحْسَنُ في مَقامِ الحرام.
فصل
مجموع اسلام الملا على القاري
في القرآن والصَّلاةِ وأركانها وشَرَائِطِها
وفي «الفتاوى الظهيريَّة»: يجب إكفارُ الذين يقولون: إنَّ القرآن جسم إذا كُتِبَ، وَعَرَضُ إِذا قُرِئَ، انتهى.
وفيه بحثُ لا يَخْفَى، وتحقيقه: ما تَقَدَّم في مسألة القولِ بخَلْقِ القرآن. وفي «الخُلَاصة»: مَن قرأَ القرآنَ على ضربِ الدُّفٌ والقَضِيبِ يَكْفُرْ. قُلْتُ: ويَقْرُبُ منه ضَرْبُ الدُّفٌ والقَضيب مع ذِكْرِ اللهِ تعالى ونَعْتِ المصطفى، وكذا التصفيق على الذِّكْرِ.
ثم قال: وكذا مَن لَمْ يُؤْمِنْ بكتابٍ مِن كتب الله، أو جَحَدَ وَعْداً أَو وَعِيداً ممَّا ذَكَرهُ اللهُ تعالى في القرآنِ، أو كذَّبَ شيئاً منه؛ أي: مِن أخباره تعالى.
وهذا ظاهر لا مِرْيَةَ في أمره، ولا مُخالفة في حُكْمِهِ.
وفي «جَوَاهر الفِقْهِ: مَن أَنْكَرَ الأهوال عندَ النَّزْعِ والقَبْرِ والقِيَامَةِ والميزانِ والصراط، والجنَّةَ والنَّارَ، كَفَرَ انتهى.
ولعل الجنَّةَ والنَّارَ عَطْفٌ على الأهوال ليَسْتقيمَ الأحوال، إِلَّا أَنَّ المعتزلة لَمْ يَقولوا بعذاب القبر ولا بالميزان والصراط، ولا يَصِحُ إكفارُهم في صحيح الأقوالِ. وفي «فوز النَّجاةِ»: مَن قال: لا أَدْرِي لِمَ ذَكَرَ اللهُ تعالى هذا في القرآنِ كَفَرَ. يعني: إذا كان بطريق الإنكارِ يَترتّب عليه الإكفار، بخلاف ما إذا سأل استفهاماً عن حكمته.
لم يتقدم في هذا الكتاب أي إشارة لهذه القضية، لكن سيأتي للمؤلف بحث فيها. في هذا الكلام نظر، ولا دليل شرعي عليه، ومن يراجع رسالتي المؤلف في الغناء يجد عكس هذا.
وفي المحيط»: سُئِلَ الإمامُ الفَضْلي عمَّن يقرأُ الظَّاءَ مكانَ الصَّادِ، أو
يقرأُ: أصحاب الجنَّةِ، مكان أصحاب النَّارِ، أو على العكس، فقال: لا تجوز إمامَتُهُ، ولو تَعَمَّدَ يَكْفُرْ.
قلت: أمَّا كونُ تَعَمُّدِه كفراً فلا كلامَ فيه إذا لَمْ يكن فيه لغتان، ففي ضنين الخلافُ سامي.
وأمَّا تبديلُ الظَّاءِ مكانَ الضَّادِ ففيه تفصيل، وكذا تبديل أصحاب الجنَّةِ في موضع أصحابِ النَّارِ وعكسه، ففيه خلافٌ وبحث طويل.
وفي «يتيمة الفتاوَى»: مَن اسْتَخَفَّ بالقرآن أو المسجد، أو بنحوه ممَّا يُعَظَّمُ في الشَّرْعِ، كَفَرَ، وَمَن وَضَعَ رجله على المصحفِ حالِفاً اسْتِخْفافاً كَفَر، انتهى.
ولا يَخْفَى أنَّ قولَه: حالفاً قيد واقعي لا مفهوم له.
وفي «جواهر الفقه»: مَن قيل له: ألا تَقْرأُ القرآن؟ أو: أَلَا تُكْثِرُ قراءته؟ فقال: شَبِعْتُ، أَو كَرِهْتُ، أَو أَنْكَرَ آيَةً مِن كتابِ الله، أو عاب شيئاً من القرآن، أو أَنْكَرَ المُعوذتين من القرآنِ غير مؤول كفر. قلت: وقال بعضُ المتأخرين: كَفَرَ مُطلقاً أَوَّلَ أَمْ لم يُؤوّل.
لكنَّ الأول هو الصَّحيحُ المعتمد المعوَّلُ.
و فيه أيضاً: مَن جَحَدَ القرآنَ؛ أي: كلَّه أو سورةً منه أو آيةً، قلتُ: وكذا كلمةً أو قراءةً متواترةً، أو زَعَمَ أنَّها ليسَتْ مِن كلامِ اللهِ تعالى، كفر. يعني: إنْ كان كونُها مِن القرآنِ مُجمَعاً عليه؛ مِثْلَ البَسْملة في سورةِ النَّمْلِ، بخلاف البسملة في أوائل السُّورِ فإنَّها ليسَتْ مِن القرآن عند المالكية، على خلافِ الشّافعيّة، وعند المحققين من الحنفيّةِ: أَنَّها آيةٌ مستقلةٌ أُنْزِلتُ للفَصْلِ.
و فيه أيضاً: مَن سَمِعَ قراءة القرآنِ فقالَ اسْتِهْزاء بها: صوتٌ طُرْفَةٌ، كَفَرَ؛ أي: نغمة عجيبة.
وإِنَّما يَكْفُرُ إِذا قَصَدَ الاستهزاء بالقراءةِ نَفْسِها، بخلافِ ما إذا اسْتَهْراً بقارِئِها مِن حيثية قبح صوته فيها وغرابة تأديته بها.
وفي الفتاوى الظهيرية»: من قرأ آية من القرآن على وجه الهزل كفر. قلت: لأنه تعالى قال: {إِنَّهُ لَقَولُ فَصل وَمَا هُوَ بِالْهَزَلِ [الطارق: (13) - (14)]. وفي «يتيمة الفتاوى»: مَن اسْتَعْمَلَ كلامَ اللهِ تعالى في بذلة (1) كلامه؛ كمن قال في ازْدِحامِ النَّاسِ: فَمَعْنَهُمْ جَمْعًا} [الكهف: (99)]، كفر. قلت: هذا إنَّما يُتصوّر إذا كان قائل هذا الكلام هو جامعَ النَّاسِ بِالازْدِحامِ، وإلا فلا مانع مِن أَنَّه تَذَكَّرَ في هذا المقامِ قوله تعالى فيما سيكون يوم القيامةِ. فالأَظْهَرُ في مثالِ هذا البابِ: يَنَيَحْيَى خُذِ الْكِتَبَ} [مريم: (12)] إِذا قَصَدَ هذا المعنى في الخطاب، بخلافِ ما إذا طابَقَ لَفْظُهُ نَصَّ الكتاب، والله تعالى أَعْلَمُ بالصَّواب.
وفي «فَوْز النَّجَاةِ»: مَن قال لآخَرَ: جَعَلَ بيته مثل: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق: (1)]، يَكْفُرْ؛ لأنَّه يَلْعَبُ بالقُرْآن. قلتُ: وكذا مَن قال: جَعَلْتُ بيتي مِثْلَ ما ذكر، فلا مَفهوم لآخَرَ ?، فتَدَبَّر.
وفي جَوَاهِر الفِقْهِ»: مَن قال لآخَرَ: طَهِّرِ البيت، أو: قُمَّهُ، مِثْلَ: السماء والطارق كَفَرَ.
قلت: إِنَّمَا ذَكَرَه تَقْوِيَةً لِمَا قَبْلَه.
وفي فوز النجاة»: من قال لآخَرَ: طبخ القِدْرَ بـ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدِ، كَفَر.
:أي: لأنَّه أرادَ بهذا السُّخريَةَ، لا التَّبَرُّكَ به وتحسينَ الطَّوِيَّةِ.
وفي «الظَّهِيريَّة»: مَن قال: سَلَخْتُ ـ أو: سَلَخَ - سورة الإخلاص، أو قال لمن يُكْثِرُ قراءة سورةِ التَّنزيلِ: أَخَذْتَ جَيْبَ سورةِ التَّنْزِيلِ، كَفَرَ.
قلتُ: أرادَ بالتنزيل: التَّمثيل، ولذا قال في «المحيط»: أو قال: أَخَذْتَ جيبَ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ كَفَرَ؛ أي: القَصْدِهِ الاستهزاء، لا المُدَاوَمةَ على قراءته في
البلاء والرخاء.
وفي «الظَّهِيريَّة»: أو قال: فلانٌ أَقْصرُ مِن إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ كفر.
أي: لأنه استهزاء بها.
أو قال لمن يقرأُ عند مريض سورة يس: لا تُلْقِمْهَا فِي فَمِ المِيتِ، كَفَرَ.
أي: لاستخفافه بها.
قال: وَمَن دُعِيَ إلى جماعة فقال: أُصَلِّي مُوَحِّدا؛ أي: مُنْفَرِداً فَإِنَّ اللَّهَ تعالى قال: إِن الصَّلَواةَ تَنْهَى [العنكبوت: (45)]، كفر. يعني: استَدَلَّ بقوله: {تَنْهَى أنَّه بمعنى: تنها، بلغةِ العَجَم، وقد قال: «مَن فَسَّرَ القرآن برأيه فقد كَفَرَ، مع أَنَّه بدَّلَ وحَرَّفَ وغيَّرَ.
ونظيره: أنَّ تركيا قال في قوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ} [السجدة: (16)] معناه: أنَّ النّت وهو التازيك من الرعيَّة، افْعَلُوا الجفاء معهم في القضيَّة، فإنَّهم جنب طبعية.
وفي المحيط»: من قال لمن يقرأُ القرآنَ ولا يَتذكَّرُ كلمةً: وَالْنَفَتِ السَاقُ بِالسَاقِ} [القيامة: (29)]، أو مَلاً قَدَحاً وجاء به وقال: {وَكَأَسَادِهَا فَا} [النبأ: (34)]، أو قال: فَكَانَتْ سَرَابًا} [النبأ: (20)] بطريق المزاح، كَفَرَ، أو قال عندَ الكَيْلِ أَو الوَزْنِ: وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين: (3)] يريد به المزاح، فهذا كله كفر. أي: لأنَّ المزاح بالقرآنِ كُفْرٌ كما سَبَقَ.
ومَن جَمَعَ أهلَ موضع وقال: {وَحَشَرْنَهُمْ فَلَمْ نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا} [الكهف: (47)]
أو قال: فَمَعْنَهُمْ جَمْعًا} [الكهف: (99)] أو قال: فَجَمَعْناهُم عندَنا كَفَرَ. وفيه: أنَّ وجه الكفر في القولينِ الأَوَّلَينِ ظاهرُ؛ لأَنَّه وَضَعَ القرآنَ موضعَ كلامِهِ، وأمَّا القول الأخيرُ فلا يَظْهرُ وجه كفرِه؛ لأنَّه ما جاء: جَمَعْناهم عندنا في القرآنِ، وبمجرد مشاركة كلمةٍ تكونُ في القرآنِ مِن جملة أجزاء الكلام، لا يَخْرِجُ عن الإسلام باتِّفاقِ علماءِ الأَنَامِ، فكأنَّ القائلَ بِهِ تَوَهَّمَ أَنَّه مِن الألفاظ القرآنيَّةِ.
ثُمَّ قال: ومَن قال: والنَّازِعَاتِ نَزْعاً، أو: نُزْعاً يعني: بضم النون وأرادَ به الطَّنْزَ، كَفَرَ انتهى.
والطَّنز بالطَّاءِ والنُّونِ والزَّاي: السُّخرية.
وفي «اليَتِيمَة»: قال مُعلَّم: يومَ خَلَقَ اللهُ القرآنَ وَضَعَ الخَمِيسَ، كَفَر. وفيه: أَنَّه إنْ كان مَبْنِيَّا على مسألةِ خَلْقِ القرآن فهي مِن الخلافيَّةِ، وإِنْ كان مَبْنيًّا على قوله: وَضَعَ بصيغة الفاعل، وأنَّه افْتَرَى على اللهِ كَذِباً أَنَّهُ شَرَعَ إعطاء الخميس للفَقِيهِ، فكُفْرُه ظاهر، بخلافِ ما إذا قال: وُضِعَ بصيغة المفعول، فتأَمَّلْ فَإِنَّه موضعُ زَلَل. ثُمَّ قال: ولو قال: خُذْ أُجرةَ المُصْحَفِ، يَكْفُرْ.
فيه بحثٌ؛ لأنه يَحْتَمِلُ صدور هذا الكلام منه لفقيه الكُتَّابِ والكاتِبِ للمُصْحَفِ على تقديريْنِ، فالمعنى: خُذْ أجرة تعليمه أو كتابته، ولا محذور فيه، لا سيما والجمهور من المتأخرين جوَّزُوا تعليم القرآن بالأجرة، وا ة، واتفقوا على جواز أجرة كتابة المصحفِ.
ثُمَّ قال: وَمَن قال لِمَا في القِدْرِ إِذا سُئِلَ: ما فيه؟ أو قال: لنا في القِدْرِ: وَالْبَقِيتُ الصَّلِحَتُ} [الكهف: (46)]، كَفَرَ.
يعني: لأنَّه إمَّا قاله مزاحاً، أو وَضَعَ كلامه سبحانَهُ مَوضِعَ كلامهِ؛ كما يَدُلُّ عليه إتيان الواو في والباقيات.
وفي «الظهيرية»: تَخاصَمَا، فقال أحدهما: لا حَوْلَ ولا قوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، وقال الآخَرُ: لا حولَ ليس على أَمْرٍ، أو قال: ماذا أَفْعَلُ بـ لا حول ولا قوَّةَ إِلَّا بِاللهِ؟، أو قال: لا حَوْلَ لا يُغني من جوع، أو: لا يُغني من الخبز، أو: لا يكفي من الخبز، أو: لا يأتي من لا حَوْلَ شيء، أو قال: لا حَوْلَ لا يُثرِّدُ في القَصْعَةِ، كَفَرَ في الوجوه كلَّها.
لعله يريد بالخميس: ما يعطاه الفقيه أو المدرس في آخر الأسبوع، وهو يوم الخميس.
وفي المحيط»: وكذلك إذا قال كله عند التسبيح والتهليلِ كَفَرَ، وكذلك إذا قال: سبحان الله، فقال الآخَرُ: سَلَخت اسم الله، أو: إلى كَمْ تقولُ: سبحان الله؟ أو: إلى ما تقول: سبحان الله؟ كَفَرَ؛ لاسْتِخْفافِهِ في الكلِّ باسمِ اللهِ. قلت: وهذا التَّعليل حسن، يُفيدُ أَنَّه لو قال: إلى كَمْ ما تقولُ: سبحان الله؟ أو إلى ما تقولُ: سبحان الله؟ بطريق الاستفهام، لا سيما عند إطالة هذا الكلام، لا يَكْفُرُ. ثُمَّ قال: وكذلك إذا قال وقتَ قِمَارِ كَعْبَتَيْنِ: بسم الله، كَفَرَ، انتهى. ولا يَخْفَى أنَّ معناه: وقتَ قِمَارِ الشَّطْرَنْج، بل ووَقْتَ لَعبه ولو مِن غيرِ قِمَار،
وكذا عندَ رَمْي الرَّملِ وطَرْحِ الحَصَى كما يَفْعَلُه أَربابُ الفَالِ. وفي اليَتِيمَة»: مَن قال عندَ ابتداءِ شُرْبِ الخمر، أو الزِّني، أو أَكْلِ الحرام: بسم الله، كفر.
فيه: أنَّه يَنبغي أن يكون محمولاً على الحرامِ المَحْضِ المُتَّفَقِ عليه، وأنْ يكونَ عالماً بنسبةِ التَّحريم إليه، بأنْ يكونَ حُرْمَتُه ممَّا عُلِمَ مِن الدِّين بالضَّرورة؛ كشُرْبِ الخمر.
ثُمَّ قال: ولو قال بعد أكل الحرام: الحمدُ للهِ، اخْتَلَفوا فيه، فإنْ أراد به الحمد على أَنَّهُ رِزْقٌ كَفَرَ.
أي: رِزْقُ الحرام، فإنَّه اسْتِحْسان له حيثُ عَدَّه نعمةً، وهو كفر، أما لو أراد الحمد لله على الرِّزْقِ المُطْلَقِ مِن غيرِ أنْ يَخْطُرَ بباله الحرام أو الحلال، فلا
أي: قال العبارات السابقة كلها، وعبارة البدر: «قالها كلها».
يَكْفُرُ، بخلافِ مذهب المعتزلة، فإنَّ الحرام ليس رزقاً عندهم، وعندنا الرزق يَشْمل الحرام والحلال، والله تعالى أعلم بالأحوال.
ثُمَّ قال البدرُ الرَّشيد - أو صاحب الفتاوى اليتيمة»: سمعتُ مِن بعض الأكابر أنَّه قال: من قال موضعَ الأمر للشَّيء، أو قال موضع الإجازة: بسم الله، مِثْلَ أنْ يقول له أحدٌ أَأَدْخُلُ؟ أو أَأَقُومُ أو: أَأَصْعَدُ؟ أو: أَأَتَقَدَّمُ؟ أو: أَأَسيرُ؟ وقال المستشَارُ: بسم الله، يعني به: أَذِنْتُكَ فيما اسْتَأْذَنْتَ، كَفَرُ. يعني: حيثُ وَضَعَ كَلامَ اللهِ تعالى مَوْضِعَ كلامهِ مَهَانَةٌ تُوْجِبُ إهانةً، وهذا تصوير مسألة الإجازة.
وأمَّا تصوير مسألةِ الأمر: فهو أنَّ صاحبَ الطَّعامِ يقولُ لمَن حَضَرَ: بِسمِ وهذه المسألة كثيرة الوقوع في هذا الزَّمانِ، وتكفيرُ النَّاسِ حَرَجٌ فِي الأَدْيان، والظاهرُ المُتَبَادِرُ مِن صُنْعِهم هذا أنَّهم يتأدَّبون مع المُخاطَبِ حيثُ لا يُشافِهُونه بالأمرِ، ويتباركونه بهذه الكلمة، مع احتمال تعلَّقه بالفعل المقدَّرِ؛ أي: كُلْ بِسْمِ اللهِ، أو: ادْخُلْ الله، على أنَّ مُتعلَّقَ البسملة في غالب الأحوال يكون محذوفاً من الأفعال، فلا يقال للمصنفِ أو القارئ إذا قال: بسم الله: إنَّه أرادَ وَضْعَ كَلامِ اللَّهِ مَوْضِعَ كلامه، بل يُقالُ: تقديره: أَصَنِّفُ، أو: أَقْرأُ، أو: أَبْتَدِئُ كلامي ونحوه بسم الله.
فالمقصود أنَّه لا يَنْبَغِي للمُفْتِي أَنْ يَعتمد على ظاهر هذا النقل، لا سيما وهو مجهول الأصل، وليس مُسْنَداً إلى مَن يَتعيَّنُ علينا تقليده، فيجوز لنا تقييده. وأما ما نَقَله البَزَّازِيُّ عن مشايخ خُوَارِزْمَ: مِن أَنَّ الحَيَّالَ أو الوزّانَ يَقولُ في العد في مَقامِ أن يقول: واحد: بسم الله، ويضع مكان قوله: واحد، لا يُريد به ابتداء العد؛ لأنه لو أراد ابتداء العد لقال: بسم الله، واحد، لكنه لا يقول كذلك، بل يَقْتَصِرُ على بسمِ اللهِ، يَكْفُرْ.
ففيه المناقشة المذكورة هنالك، فإنَّه لا يَبْعُدُ أَنَّه أَرادَ ابتداء العد كما يدلُّ عليه البسملة المتعلقة غالباً بـ: أَبْتَدِى، أو ابتدائي، أو: ابْتَدَأْتُ، المقدرةِ أَوَّلاً وآخراً، فحينئذٍ يُسْتَغْنَى بهذا المقدَّرِ عن قوله: واحدٌ، فتَدَبَّرْ، فإِنَّه إيجاز في الكلام، وليس على صاحبه شيءٌ مِن المَلَام.
ونظيره ما يقولُ بعضُ الجَهَلةِ عند اسْتِلَامِ الحجرِ الأسود: اللهم صل على النَّبيِّ قَبَّلَكَ، فإنَّه كفر بظاهرِه، إِلَّا أَنَّهم يريدون به الالتفات في الكلام.
وفي «المحيط»: مَن قال: القرآنُ أَعْجَمِيٌّ، كَفَرَ.
يعني:
: لأنَّه معارضةٌ لقوله تعالى: {قُرْآنَا عَرَبِيًّا، ولوجودِ كلمةٍ عَجَميَّة فيه مُعرَّبةٍ لا يَخْرِجُ عن كونه عربياً؛ لأنَّ العبرة بالأكثرِ، فَتَدَبَّر.
و فيه أيضاً أنَّ: مَن رأى الغُزاةَ الذين يخرجون للغزو، فقال: هؤلاء أَكَلةُ الأَرز، فقد قيلَ: يُخْشَى عليه الكُفْرُ.
يعني: إن أرادَ به مُجرَّدَ إهانتهم من جهةٍ طاعتِهم كَفَرَ، وَأَمَّا إِنْ قال ذلك نَظَراً إلى عَدَمِ تصحيح نيتهم وتحسين طَوِيَّتِهم، فلا يكون كفراً.
يعني: صليت الفجر بصيغةِ التَّصغير للتحقيرِ. أو بالتركية: سالغني أُدَدَم، كَفَرَ.
يعني: أَدَّيتُ ما وُضِعَ عَلَيَّ مِثْلَ ما يوضعُه السُّلطانُ الظَّالِمُ على الرَّعيَّةِ، وتُسمَّى الرُّومِيَّةَ في اللُّغة العربية.
ومن قال: والله لا أصلي، ولا أقرأ القرآنَ أو: قَلْتَبانُ هو إِنْ صَلَّى أو قَرَأَ، أو شدَّدَ الأمر على نَفْسِهِ، أو صَعَبَ أو طَوَّلَ، أو قال: إنَّ اللهَ تعالى نَقَصَ مِن مالي وأنا
أَنقُصُ مِن حَله ولا أُصلي انتهى.
كذا مِن غير بيانِ حُكْم، والظَّاهِرُ عَدَمُ الكفر في الصُّورِ الأُولِ والكفر في المسألة الأخيرة، فتأمل، فإنَّ المعارضة مع الرَّبِّ تعالى من علامةِ كُفر القلب، بخلافِ القَسَمِ على تَرْكِ الصَّلاةِ، فإنَّه يُنْبِيُّ عن تعظيم الله سبحانه في الجملة مع نوع من المخالفة في الطَّاعةِ التي لا تُخْرِجُه عن الإيمانِ، والله المستعان. وأما قوله: وفي نسخة منسوبة إلى «اليتيمة»: من قال لا أُصلي جُحوداً أو
استخفافاً، أو على أنَّه لم يُؤْمَرُ، أو ليس بواجب، انتهى.
فلا شكٍّ أَنَّه كفر في الكلِّ. وفي «الفتاوى الصُّغرى»: أو قال للمكتوبة: لا أُصلِّيها اليوم ردّاً، أو قال: لا
أصليها أبداً انتهى. وظاهرُ عطفه بـ أو على ما قَبْلَه أَنَّه يشارِكُه في حُكْمِه بالكفر، وفي المسألة
الأُولَى كفره ظاهرُ إِنْ أرادَ بالرَّدُّ عَدَمَ الوجوبِ، بخلافِ ما إذا أرادَ الجواب، والله تعالى أعلمُ بالصَّوَاب بخلافِ المسألةِ الثَّانية، اللهمَّ إِلَّا أَنْ يُقالَ: الإصرار على الكبيرة كفر عند المعتزلة حَقيقي، نعم كفر باعتبارِ أَنَّه يُخْشَى عليه مِن الكفر، فـ، فَإِنَّ المعاصي بريد الكفر، وإلا فترك الطاعات بالكلية، وارتكاب السَّيِّئَاتِ بأسرها، لا يُخْرِجُ المؤمن عن الإيمانِ عند أهلِ السُّنَّةِ والجماعة، بخلاف الخوارج والمعتزلة. وفي «الخلاصة»: أو قال: لو أمرني الله تعالى بعشر صلوات لا أُصَلِّيها، أو
قال: لو كانَتِ القِبلة إلى هذه الجهةِ لا أُصلَّى إليها، وإنْ كان مُحالاً. يعني: يَكفُرُ مع كونه مُحالاً؛ لأنَّه معارضةٌ لأمر الله سبحانَهُ نحو قول إبليس: لَمْ أَكُن لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونِ} [الحجر: (33)] فَإِنَّه ما كَفَرَ إِلَّا بالمعارضة، لا بتَرْكِ السَّجْدَةِ، وإِلَّا فهو كآدَمَ في مَرْتبةٍ واحدةٍ حيثُ خَالَفَ بِأَكْلِ الشَّجرةِ. ثم في نسخة منسوبة إلى «الظهيرية»: أو قال العبد: لا أُصَلِّي فَإِنَّ الثَّوابَ يكون للسيد.
يعني: أنَّه كفر؛ لزَعْمِهِ أَنَّه لا ثوابَ له، مع أنَّه يجب على العبدِ مُطاوَعةُ مولاه سواء يكون له ثواب أم لا، على أنَّ الثَّواب حاصل للعبد، ولمالكه ثوابُ السَّبَيَّةِ، والفضل واسع، بل قال الإمامُ الرَّازِيُّ: مَن عَبَدَ الله لرجاءِ جَنَّةٍ أو خوفِ نارِ، بحيثُ إِنَّه لو لَمْ يَخْلُقُ جنَّةٌ ولا ناراً ما كان يعبد الله سبحانه، فهو كافر؛ لأنَّ اللهَ تعالى يَستَحِقُ أَنْ يُعبَدَ لذاتِهِ وطَلَبِ مَرْضاتِه.
ومَن صلَّى في رَمَضانَ لا غير، فقال: هذا أيضاً كثير، أو هذا يَزِيدُ ـ أو زائد؛
لان كل صلاة بسبعينَ كَفَرَ في الكل. أي: فيه وفيما قَبْلَه، ووجه ما فيه: أنَّه مُستكثِر هذا المقدار من طاعة الله تعالى، مع أنَّ الواجب عليه أكثر من ذلك، إِلَّا أَنَّه خُفِّفَ بشفاعةِ الرسول صلى الله عليه وسلم هنالك.
وأما تعليله بأنَّ كلَّ صلاةٍ بسبعين، فيُستفاد منه أَنَّه يَعتَقِدُ أَنَّ المضاعَفَةَ
تُسْقِط أصلَ الطَّاعة وأعداد العبادة، وهو كفر. ومن قبل له: صَل، فقال: لا أُصلِّي بِأَمْرِكَ، كَفَرَ
وفيه بحث ظاهر، نعم في نسخة: لا أُصلِّي مِن غيرِ قوله: بأَمْرِكَ، وهو أَظْهَرُ في كونه كفراً؛ لأنَّه كالمعارضة لأمر الله تعالى، حيثُ أَمَرَهُ صاحبه بالمعروف. أو لم يَرَهُ فرضاً كَفَرَ أيضاً.
وهذا واضح جدًّا.
أو قال: يُصلِّي النَّاسُ لأَجْلِنا.
يعني: كَفَرَ؛ لأَجْلِ اعتقادِه أَنَّ الصَّلاةَ المكتوبة فرضُ كفاية، أو أراد به الاستهزاء أو السخرية.
وفي «فوز النجاة»: أو قال: لِمَ أُصلِّي لا زوجة لي ولا وَلَدَ.:يعني كَفَرَ؛ لأنَّه َاعْتَقَدَ أَنَّها لا تجبُ إلَّا على من له زوجة أو ولد، أو أرادَ المعارضة مع الرَّبِّ والمناقضة في مقابلة فِعْلِه سبحانه. وفي «الظَّهِيريَّة»: أو قال: كَمْ مِن هذه الصَّلواتِ فإِنَّه ضاق صَدْرِي منها، أو مل.
أي: حَصَلَ الملالةُ عنها، فإنَّه كفر؛ للاعتراض على فَرْضِيَّةِ كميَّةِ هذه الصَّلَواتِ في كثرة الأوقات.
وفي «الجواهر»: أو قال: شَبِعْتُ منها، أو كَرِهْتُها، أو قال: مَن يَقْدِرُ على
تمشية الأمر، أو على إخراجه. يعني: كَفَرَ، فإنَّه يَدُلُّ على أنه يعتقد أنَّ الله تعالى كلَّفه فوق طاقته، وقد قال الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: (286)].
أو قال: اصْبِرْ إلى مجيء شهرِ رمضانَ حَتَّى تُصلِّيَ فيه.
يعني: أَنَّهُ كَفَرَ؛ لاعْتِقادِهِ عَدَمَ فَرْضِيَّةِ الصَّلَاةِ في غيرِه، أو لَزَعْمِ أَنَّ الصَّلاةَ فيه تَسُدُّ عنها في غيره.
أو قال: العقلاء لا يدخلون في أمرِ لا يَقْدِرُونَ على أَنْ يَمْضُوا.
إذ فيه ما سَبَقَ من اعتقادِ التَّكليف فوق الطاقة.
أو قال: إِنِّي لا أَدْخِلُ الابتلاء.
يعني: كَفَرَ؛ فإنَّه عَدَّ الطَّاعةَ، ابتلاء، مع أنَّ المعصية هي الابتلاء بالبلاء، ولذا كان الشَّبْلِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إذا رأى أحداً مِن أربابِ الدُّنيا قال: اللَّهُمَّ إِنِّي أسألك العافية. وإن كان مجموع التكليف بالطَّاعة هو الابتلاء، بمعنى الاختبار والامتحان؛ ليُكْرَم المرء أو يهان.
أو قال: إلام - أي: إلى مَتَى - أفعلُ هذه البطالة والتعطيل، أو قال: إنَّها شديدة الثَّقَالة ـ أو: شديدةُ الصُّعوبة - عَلَيَّ.
يعني: كَفَرَ؛ لأنَّ تسميةَ الطَّاعة تعطيلاً وبطالة كفر بلا شبهة.
وأما قوله: شديدةُ الثَّقالة - أو: شديدةُ الصُّعوبة - عَلَيَّ فلا وجه لكُفْرِه، إِلَّا
أنْ يُحمَلَ على أنَّه أرادَ الاعتراض على الله سبحانه وتعالى، أو اعْتَقدَ أَنَّه كلَّفه فوق الطَّاقة، أو اعْتَرَفَ بما قاله له سبحانه: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِمِينَ} [البقرة: (45)]؛ أي: المؤمِنينَ؛ لقولهِ تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُوا رَتِهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: (46)]. وفي المحيط»: أو قال: مَن يَقْدِرُ على أَنْ يَبْلُغَ هذا الأمر إلى نهايته. يعني: كَفَرَ، وَوَجْهَهُ ما تَقَدَّمَ.
قوله: يمضوا كذا في النسخ الثلاث، والذي في ألفاظ الكفر»: يمضوه، وهو أوجه.
أو قال: لمَن أُصلِّي ووالداي كلاهما قد ماتا، أو قال: لمَن أُصَلِّي ووالدايَ حيَّانِ بعد لم يَمُتْ منهما واحدٌ.
يعني: كَفَرَ حيثُ عَلَّقَ وجوبَ الصَّلاةِ وأداءها على وجودِهما أو عَدَمِهما.
أو قال للآمر: ما زِدْتَ ـ أو: ما رَبِحْتَ مِن صلاتك؟
يعني: كَفَرَ؛ لأنَّه اعْتَقَدَ أَنَّ الصَّلاةَ لا تَزيدُ في الأَجْرِ، ولا يكون في تجارتها
ربح في الأمر. أو قال: فِعْلُ الصَّلاةِ وتَرْكُها واحدٌ، كَفَرَ يعني: في الوجوه كلها. وقد تقدم وجوه جميعها إِلَّا الأخير، فإنَّه اعْتَقَدَ أَنَّ الطَّاعَةَ والمعصية حُكْمُهما واحد في الشَّريعة أو الحقيقة، وقد قالَ اللهُ تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن تَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ سَوَاءَ تَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجائية: (21)].
وفي «جواهر الفقه»: مَن جَحَدَ فَرْضاً مُجْمَعاً عليه ـ كالصَّلاةِ والصَّومِ والزَّكَاةِ والغُسْلِ مِن الجَنابةِ - كَفَرَ.
قلت: وفي معناه مَن أَنْكَرَ حُرمةَ محرَّمٍ مُجْمَعِ عليهِ؛ كشُرب الخمرِ، والزِّنى، وقتلِ النَّفس، وأكل مال اليتيم، والربا.
ثُمَّ قال: ومن قال بعد شهرٍ مِن إسلامه فصاعداً في ديارنا؛ أي: في دار الإسلام
إذا سُئل عن خمس صَلَواتِ أو عن زكاة، فقال: لا أَعْلَمُ أَنَّها فريضةٌ، يَكْفُر. قلت: هذا في الصلاة ظاهر، وأما في الزَّكَاةِ فَمَحَلُّ بحث، إلَّا إذا كان
ممَّن تَجِبُ عليه الزَّكاةُ.
ولو قيل لفاسق: صَل حتى تجد حلاوة الصلاة فقال: لا أصلي حتى نجد حلاوة التّركِ كفر.
يعني: حيثُ رَبَّحَ حلاوة المعصية على حلاوةِ الطَّاعَةِ، أو ساوَى بينهما. ولو قال: إِنْ أَمَرني الله بأكثر من خمس صلوات لا أُصلِّيها، أو بأكثر من صومِ
شهر رمضان، أو بأكثر من زكاةِ رُبع زكاةِ المُشْرِ، لم أَفْعَلُ.
يعني: كَفَرَ، ووجهه تقدَّم.
وفي فوز النَّجاة»: أو قال: ما أَحْسَنَ ـ أو: ما أَطيبَ ـ امْرَأَ لا يصلِّي، كَفَرَ يعني: لاستحسانه المعصية ومرتكبها.
وفي «الفَتَاوى الصُّغْرَى» و «الجَوَاهِر»: وَمَن صَلَّى مع الإمام بجماعة بغيرِ
طهارةٍ عَمْداً كَفَرَ.
فيه: أنَّ قَيْدَ الجماعةِ مع الإمامِ لا يَظْهرُ وجهه.
ثم الصَّلاةُ بغير طهارة معصيةٌ، فلا ينبغي أَنْ يُقالَ بِكُفْرِهِ إِلَّا إِذَا اسْتَحَلَّها. وكذا قولهما: ومَن صلَّى إلى غير القبلةِ عَمْداً كَفَرَ ينبغي أَنْ يُحْمَلَ على ما إذا اعتقد جوازها، أو فَعَلَها استهزاء.
قال: وكذا مَن تَحَوَّلَ مِن جهةِ التَّحَرِّي وصلَّى عَمْداً كَفَرَ.
يعني: لأنَّ جهةَ التَّحَرِّي ظنَّا حُكْمُه حُكْمُ القِبْلَةِ قَطعاً، وفيه ما تقدَّمَ مع زيادةِ الشبهة.
وفي اليتيمة»: مَن سَجَدَ أو صلَّى مُحْدِثاً رياءً كَفَرَ.
فيه: أَنَّ قَيدَ رياءً يُفيدُ أنَّه إن صلَّى حياءً لا يَكْفُرْ، وأَمَّا إِذا جَمَعَ بين الرِّياءِ
وتَرْكِ الطَّهارة فكأَنَّه غَلَّظَ المعصية، ومع هذا لا يَخْلُو عن الشُّبْهة، لا سيما في السجدة المفردة، حيث يتوهم كثيرون أنها تجوز من غير طهارة، وربَّما يسجدون لغير الله تعالى، واختلفوا في كُفْرِه.
وأما قوله: وَمَن تَرَكَ صلاةً تَهاوُنا؛ أي: اسْتِخْفافاً لا تكاسلاً فقد كَفَرَ. أقول: وهو أحد تأويلاتِ قولهِ عليه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «مَن تَرَكَ صَلاةً متعمداً فقد كَفَرَ.
وفي «المحيط»: مَن صلَّى إلى غير القبلة متعمداً، فوافَقَ ذلك القِبْلَةَ؛ أي: ولو وافقها قال أبو حنيفة: هو كافر كالمستخفٌ.
وفيه إشارة إلى أنَّه يكونُ مستَحِلَّا كالمستخِفٌ.
وبه أَخَذَ الفقيه أبو اللَّيثِ رَحِمَه الله؛ يعني: أَفْتَى به و كذا إذا صلّى بغير طهارة، أو مع الثّوبِ النَّحِس - يعني: مع القدرة على الثّوبِ
الطاهر - كفر. يعني: إذا اسْتَحَلَّ، وإلا فلا شك أنها معصية، وأَنَّه كأَنَّه تَرَكَ تلك الصَّلاةَ،
وبمجرَّدِ تَرْكِها لا يَكْفُرْ.
وفي «اليتيمة»: مَن يُفوِّتُ الصَّلاةَ ويَقضِي جملةً، ويقول لمن يعترِضُ عليه: إنَّ كلَّ غريمٍ يُحِبُّ أَداءَ مَدْيونِهِ حُقوقه جُملةً واحدةً.
يعني: كَفَرَ حيثُ سمَّى العبادة غرامةً، ووصف الكريم بنعتِ الغريم.
أو قال: لَمْ أُغَسَلْ رأسَ صلاةٍ، أو: ما غَسَلْتُ رأسَ صلاة.
فيه: أن مؤداهما واحدٌ، وكونه كفراً لا يَظْهرُ إِلَّا إِذا قال ذلك استهزاءً بالصَّلاة، وهذا معنى قوله: أو قال: إنَّ الصَّلاةَ ليسَتْ بشيءٍ وأما قوله: إذا بقِيَتْ غير مؤدَّاةٍ أَنْتَنَتْ ?? فلا يَظْهرُ وجهه، بخلاف قوله: أو خسف بها الأرض فإنَّه لا يُشَكُ أَنَّه قاله إهانة لها، فهذا كله كفر؛ أي: على ما قَرَّرْناه.
***
فصل
في العلم والعلماء
وفي «الخُلَاصة»: مَن أَبْغَضَ عالِماً مِن غير سبب ظاهر خيْفَ عليه الكفر. قلتُ: الظَّاهِرُ أنَّه يَكْفُرُ؛ لأنَّه إذا أَبْغَضَ العالِمَ مِن غيرِ سببٍ دُنْيوي أو أُخْرَويّ
فيكون بغضُه لِعِلْمِ الشَّريعةِ، فلا شك في كفِرِ مَن أَنْكَرَه، فضلاً عمَّن أَبْغَضَه. وفي «الظهيرية»: مَن قال لفقيهِ أَخَذَ شارِبَه: ما أَعْجَبَ قُبْحاً - أو: أَشدَّ قبحاً -
قَصُّ الشَّارِبِ ولَفٍّ طَرَفِ العِمَامَةِ تحتَ الذَّقنِ، يَكْفُرْ؛ لأَنَّه استخفافُ بِالعُلَماءِ. يعني: وهو مستلزم لاستخفافِ الأنبياء؛ لأنَّ العلماءَ وَرَتْهُ الأنبياء، وقص
الشَّارِبِ مِن سُنَنِ الأنبياء، فتَقْبيحه كفر بلا اختلاف بينَ العلماء.
وفي «الخلاصة»: مَن قال: قَصَصْتَ َشارِبَكَ وأَلْقَيْتَ العِمَامَةَ على العاتِقِ استخفافاً يعني بالعالم أو بعلمه ذاك كفر، أو قال: ما أقبح امرءاً قص الشارب ولف
طرف العمامة على العنق؛ كفر، كذا في الخلاصة» للحميدي.
فيه: أنَّ إعادته للتأكيد.
وفي المحيط»: مَن جَلَس على مكانٍ مُرتفع، ويَسْأَلُونَ منه ه مسائل بطريق الاستهزاء، ثُمَّ يضربونَهُ بالوسائد؛ أي: مَثَلاً وهم يضحكون كفروا جميعاً لاستخفافهم بالشَّرع، وكذا لو لَمْ يَجْلِس على المكان المرتفع، ونقل عن الأستاذ نَجْمِ الدِّين الكِنْدِي بِسَمَرْ قَنْدَ: أَنَّ مَن تَشَبَّه بالمعلم على وجهِ السُّخْرِيَةِ، وأَخَذَ الخشبة، ويَضْرِبُ ضَرْبَ الصَّبْيَانِ، كَفَرَ.
يعني: لأنَّ مُعلَّمَ القرآنِ مِن جملة علماءِ الشَّريعة، فالاستهزاء به أو بِعَمَلِهِ يكون كفراً.
وفي «الظهيرية»: ولو جَلَسَ واحدٌ مجلس الشرب على مكان مرتفع،
وذكَّر مُضاحِكاً يَسْتَهْزِئُ بالمذكَّرِ، فَضَحِكَ وضَحِكوا، كَفَروا. يعني: لأنَّ المذكَّرَ واعظ، وهو من جملة العلماء، وخليفة الأنبياء. وفي «الخلاصة: مَن رَجَعَ من مجلس العِلْمِ، فقال آخَرُ له: رَجَعَ هذا من الكنيسة، كَفَرَ.
يعني: لأَنَّه جَعَلَ موضعَ الشَّريعةِ ومَقَرَّ الإيمانِ مكانَ الكفرِ والكُفرانِ. وفي «الظَّهِيريَّة»: مَن قِيلَ لَهُ: قُمْ نَذْهَبْ - أَو: اذْهَبْ إِلى مَجْلِسِ العِلْمِ، فقال:
مَن يَقْدِرُ على الإتيان بما يقولون؟ أو قال: ما لي ومَجْلِس العِلْمِ؟ يعني: كَفَرَ. أمَّا المسألة الأولى: فلِمَا تَقدَّمَ مِن أَنَّه يَلزمُ مِن قوله تكليف ما لا يُطَاقُ في
الشَّريعة، وقد قال الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: (286)]. وأما المسألةُ الثَّانيةُ: فمحمولة على ما إذا أراد به: أي حاجةٍ لي إلى مجلس
العلم؟ بخلافِ ما إذا أرادَ به: أيُّ مُناسبة لي ولذلك المجلس.
وفي «الجواهر»: أو قال: مَن يَقْدِرُ على أنْ يَعمَلَ بما أَمَرَ العلماء به، كَفَرَ. أي: لأنَّه يَلْزَمُ منه إمَّا تكليف ما لا يُطاقُ، أو تكذيب العلماء على الأنبياء. اليتيمة»: مَن قالَ لَآخَرَ: لا تَذْهَبْ إلى مجلس العِلْمِ، فَإِنْ ذَهَبْتَ إِليه تَطْلُقُ - أو: تَحْرُمُ - امْرَأَتُكَ، ممازحةً أو جِدًّا، كَفَرَ.
وفي «الفتاوى الصغرى»: من قال: لأيِّ شَيْءٍ أَعْرِفُ العلم؟ كَفَرَ.
يعني: حيثُ اسْتَخَفَّ العِلْمَ، أو اعْتَقَدَ أَنَّه لا حاجة إلى العلم.
وفي «الظَّهِيريَّة»: ومن بين وجهاً شَرْعيًّا، فقال خَصْمُه: هذا كونُ الرَّجل عالماً، أو قال: لا تَفْعَلْ مَعِي عالميًّا؛ لأنَّه لا يَنْفُذُ عِندِي؛ أي: لا يَجوزُ ولا يمضي يُخافُ عليه الكُفْرُ.
وفي «الخُلَاصة»: أو قال: لِمَاذَا يَصْلُحُ لي مَجْلِسُ العلم؟ ووَجْهُه تَقَدَّمَ أو أَلْقَى الفَتْوَى على الأرضِ؛ أي: إهانة، كما يُشير إليه عبارة الإلقاء أو قال: ماذا الشَّرعُ هذا؟! كَفَرَ.
وفي المحيط»: من قال: ماذا أَعْرِفُ الطَّلَاقَ والمَلَاقَ؟ أو قال: لا أَعْرِفُ الطَّلَاقَ والمَلاقَ، يَنْبَغِي أَنْ تكونَ والده الولد في البيت يعني: سواءٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ
أم لا يَكْفُرْ؛ أي: لاستواء الحلال والحرام عنده.
ولو قالَتْ: العنةُ - أو: لعنة الله ـ على الزَّوجِ العالِمِ، كَفَرتْ.
أي: لأنَّها لَعَنَتْ نعمة العلمِ وأَهَانَتِ الشَّريعةَ. ومن قال لعالِم: عُوَيْلَمٌ، أو لعَلَوِيٌّ عُلَيْوي؛ أي: بصيغة التصغير فيهما للتحقير؛ كما قيَّده بقوله: قاصِداً به الاسْتِخْفافَ، كَفَرَ.
وأمر الإمامُ الفَضْلي رحمه اللهُ بِقَتْلِ مَن قال لفقيهِ تَرَكَ كِتابَهُ وَذَهَبَ: تَرَكَ المنشار هاهنا وذَهَبَ، كفر.
أي: لأنَّه شَبَّهَ عِلْمَ الشَّريعة أو تَعَلُّمه بصنعةِ الحِرْفة، والآلة بالآلة، وقيَّدنا بعِلْمِ الشريعة لأنه لو كان الكتاب في المنطق ونحوه لا يكون كفراً؛ لأنَّه يجوز إهانته في الشريعة أيضاً، حتَّى أَفْتَى بعضُ الحَنَفَيَّةِ وكذا بعضُ الشَّافعيّةِ بجواز الاستنجاء به إذا كان خالياً عن ذِكْرِ الله تعالى، مع الاتفاق على عَدَمِ جواز الاستنجاء بالورق الأبيض الخالي عن الكتابة.
وفي «المحيط»: حُكِي أَنَّ فَقيهاً وَضَعَ كتابه في دكان وذهب، ثُمَّ مَرَّ على ذلك الدُّكَّانِ، فقال صاحبُ الدُّكَّان: هاهنا نَسِيْتَ المنشار! فقال الفقيه: عندك كتاب لي لا منشار، فقال صاحبُ الدُّكَّان: النَّجَّارُ بالمنشارِ يَقْطَعُ الخَشبَ وأَنْتُمْ تَقْطَعون به حَلْقَ النَّاسِ، أو قال: حقَّ النَّاس، فشَكَى الفقيه إلى الإمامِ الفَضْلي - يعني: الشَّيخَ محمد بنَ الفضل - فأَمَرَ بقتل ذلك الرَّجل؛ لأَنَّهُ كَفَرَ بِاستِخْفافِ كتابِ الفقهِ.
وفي «اليتيمة»: مَن أهانَ الشَّريعة أو المسائل التي لا بدَّ منها كَفَرَ، وَمَن ضَحِكَ
مِن المُتَيَمَّمِ كَفَرَ، ومَن قال: لا أعرفُ الحلال والحرام، كَفَرَ. يعني: إذا أرادَ به عَدَمَ الفرقِ في الاستعمال، أو اعتقاد الاستحلال، بخلافِ الاعتراف بأنَّه مِن الجُهَّال.
وفي المحيط»: من قال لفَقيهِ يَذْكُرُ شيئاً مِن العلم، أو يَرْوِي حديثاً صحيحاً؛ أي: ثابتاً لا موضوعاً: هذا ليس بشيء، ردا، أو قال: لأيِّ أَمرِ يَصْلُحُ هذا الكلام؟ يَنْبَغِي أنْ يكونَ الدرهم؛ أي: يُوجَدَ لأَنَّ العزَّة والحُرمَةَ اليومَ للدّرهم لا للعلمِ، كَفَرَ؛ أي: لأنَّه معارضةٌ لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: ?] وقوله: وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُليا} [التوبة: (40)].
ومن قال لمن يأمُرُ بالمعروفِ ويَنْهَى عن المنكر: ماذا أَعْرِفُ العلم، أو: ماذا أَعْرِفُ اللَّهَ إِنِّي وَضَعْتُ نَفْسي للجَحِيم، أو قال: أَعْدَدْتُ نَفْسي للجَحِيم، أو قال: وَضَعْتُ ـ أو: أَلْقَيْتُ ـ وِسادَني، أو مِرْفَقَتي - أي: مِخَدَّتي ـ في الجحيم، كَفَرَ.
أي: لأنَّه أهانَ الشَّريعةَ، أو أيسَ من الرَّحمةِ، وكلاهما كفر.
وفي «الظَّهيريَّة»: من قال: لا يُساوِي بِدِرْهَم مَن لَا دِرْهَمَ لَهُ، كَفَرَ.
:أي: لعموم عبارته العالِمَ والصَّالحَ والمؤمِنَ وغيرهم، لكن له أن يقول: ما أَرَدْتُ به إلَّا أربابَ الدُّنيا. عند أهلها، فلا يَكْفُر.
ومن قال: لا أَسْتَغِلُ بالعلم في آخِرِ عُمري كَفَر؛ لأَنَّهُ أَمْرٌ مِن المَهْدِ إِلَى اللَّحْدِ. ووَجْهه غير ظاهر، إلَّا إن أراد به الاستغناء عن العلوم الشرعيَّة بالكلية، فإنَّ منها بعض الفروضِ العَيْنيَّة.
ومن قال لعابدِ: مَهْلاً ـ أو: اجْلِسْ - حتَّى لا تتجاوَزَ الجنَّةَ، أو: لا تَقَعَ وراءَ الجنَّةِ؛ أي: بزيادةِ الطَّاعةِ والعبادة كَفَرَ؛ أي: لاستهزائه.
وفي «الجواهر»: من قال: لو كانَ فلانٌ قِبْلَةً - أو: جَهَةَ الكعبة - لَمْ أَتُوجَّهْ إليه، كَفَرَ.
لأنَّه كان كإبليس حيثُ امْتَنَعَ مِن السُّجودِ لآدَمَ عليه السَّلامُ حِيثُ جُعِلَ كَالقِبْلِةِ. ومن قال لرجل صالح: لقاؤُكَ عندي كلقاء خِنزير، يُخافُ عليه الكُفْرُ
يعني: إذا لَمْ يكنْ بَيْنَهُ وبينَ الصَّالح مخاصمة دينيَّةٌ أو دنيوية. ومن قال لآخَرَ: اذْهَبْ معي إلى الشَّرع، فقال الآخَرُ: لا أذهبُ حَتَّى تأتيَ بالبيدق؛ أي: المَحْضَرِ كَفَرَ؛ لأنَّه عانَدَ الشَّرْعَ.
يعني: إذا كان إبَاؤُه وتَعَلَّله لمعانَدَةِ الشَّرع، بخلاف ما إذا أرادَ دَفْعَه في الجملة عن المُخَاصَمةِ، أو قَصَدَ أَنَّه يُصرِّحُ الدَّعْوَى فَيَسْتحِقُ المُطالَبَةَ، أو تَعَلَّلَ لأَنَّ القاضي ربَّما لا يكون جالساً في المحكمة، فإِنَّه لا يَكْفُرُ في هذه الوجوه كلها.
وفي «المُحيط»: ولو قال: إلى القاضي؛ أي: اذْهَبْ معي إلى القاضي
فقال: لا أَذْهَبُ، لا يَكْفُرُ.
يعني: لِمَا سَبَقَ وَجْهُهُ، ولأنَّ الامتناع عن الذَّهَابِ إِلى القاضي لا يُوجِبُ الامتناع عن النَّهابِ إِلى الشَّرْعِ، إذ ربَّما يكونُ القاضي لا يَحْكُمُ بالشَّرعِ، وليس كما يَزْعُمُه الجَهَلَهُ مِن قُضاةِ الزَّمانِ، حيثُ لا يُفرِّقُونَ القضيَّةَ بينَ مَكَانٍ ومَكَان.
ومن قال؛ أي: في جوابه: ماذا أَعْرفُ الشَّرعَ؟ أو قال: عندي مَقْمَعُ، ماذا أَصْنعُ الشَّرع ?؟ كَفَرَ، ومَن قال: الشَّرعُ وأَمثالُه لا يُفيدُني، ولا يَنْفُذُ عندي، كَفَرَ.
و في الظهيرية»: لو قال: أين كان الشَّرحُ وأمثاله حين أَخَذْتَ الدراهم؟ كَفَر. يعني: إذا عانَدَ الشَّرْعَ، بخلافِ ما إذا أرادَ تَوبيخَهُ بِأَنَّكَ حينَ أَخَذْتَ ما طَلَبْتَني إلى الشَّرع، وحينَ أَطْلَبَكَ فما تُعْطِيني إلَّا بالقضاء، فليس هذا من بابِالوفاء.
وفي المحيط»: مَن ذُكِرَ عنده الشَّرعُ فَتَجَشَّاً؛ أي: عَمْداً أو تَكَلَّفاً أو صَوَّتَ صَوْتاً كريها؛ أي: تَقَذُّراً أو تكرها وقال: هذا الشَّرعُ؟!! كَفَرَ؛ أي: حيث شبه الشَّرْعَ بالأمر المكروه في الطَّبع.
حُكِي: أنَّ في زَمَنِ المأمونِ الخليفة سُئِلَ واحد عمَّن قَتَلَ حائكاً، فأجابَ فقال: يَلْزَمه غضارةٌ غَرَّاءُ؛ أي: جاريةٌ شابَّةٌ رَعْناء فسمعَ المأمونُ ذلك، فأَمَرَ بضرب عنق المجيب حتى مات، وقال: هذا جزاء من استهزا بحُكْمِ الشَّرع، والاستهزاء بحكم من أحكامِ الشَّرعِ كُفْرٌ.
وحُكي عن الأمير الكبيرِ تيمور بن نجمِ الدِّينِ: أَنَّه ذَاتَ يومِ مَلَّ وَانْقَبَضَ ولَمْ يُجِبْ أحداً فيما سُئل، فَدَخَلَ ضُحْكَةٌ فَأَخَذَ يقولُ مُضاحَكَةً، فقال: دَخَلَ على قاضي بلدة كذا واحد في شهر رمضان، فقال: يا حاكم الشرع! فلانٌ أَكَلَ صوم رمضان ولي فيه شهود، فقال ذلك القاضي: ليتَ آخَرَ يأكلُ الصَّلاةَ حَتَّى نَتَخلَّص منها. ليُضْحِكَ الأمير، فقال الأميرُ: أَمَا وَجَدْتُم مُضْحِكاً سوى أمرِ الدِّينِ؟! فأَمَرَ بضربه حتَّى أَنْخَنَه، أي: ماتَ تحتَ السياط فَرَحِمَ اللهُ تعالى مَن عظم أمر دين الإسلام.
***
فصل
في الكفر صريحاً وكنايةً
الخلاصة»: رجلٌ قال: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ مِن غَيرِ تَأْوِيلِ، كَفَرَ.
أي: لأنَّه تردَّدَ في إيمانهِ عندَ نَفْسِه، بخلافِ ما إذا أَرادَ: أنا مُؤْمِنُ إِنْ تَعَلَّقَتْ مَشِيئتُه بتحقيق إيماني عنده.
ولو قال: لا أَدْري أَأَخْرِجُ مِن الدُّنيا مؤمِناً أو لا؟ لا يَكْفُرُ?؛ أي: لأَنَّه لا يَعلَمُ الغيبَ إِلَّا الله، فلو قال: أنا أَدْرِي أَنْ أَخرجَ مِن الدُّنيا مُؤْمِناً - أو: كافراً - يَكْفُرُ أيضاً. وفي «الظهيريَّة»: قال الإمامُ الفَضْلِيُّ: لا ينبغي لرجل أنْ يَستثني في إيمانه، فلا يقولُ: أنا مُؤْمِنُ إِنْ شَاءَ الله تعالى؛ لأنَّه مأمورٌ بتحقيق الإيمان؛ أي: وهو بالتصديق والإقرار والاستثناءُ يُضَادُّه؛ أي: يُناقِضُه ظاهراً، ولأنَّه مسؤول عن الحالِ، فلا وَجْهَ للجواب عن الاستقبال، وهذا معنى قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: (136)] مِن غيراستثناء.
وقال الله تعالى خَبَراً عن إبراهيم الخليل عليه السَّلامُ: بَلَى مِن غيرِ استثناء
حيث قال: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} [البقرة: (260)].
وقد ذَكَرَ الشَّيخُ عبد اللهِ السَّبَذْمُونِيُّ في كتاب: «الكشف في مَنَاقبِ أبي
حنيفة عن موسى بن أبي بكرٍ عن ابن عمر رضي الله عنهما: أَنَّه أَخْرِجَ شاةً لتُذْبَحَ، فمرَّ به رجلٌ، فقال له: أمُؤْمِن أنت؟ فقال: نَعَمْ إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى، فقال ابنُ عُمَرَ: لا يَذْبَحُ نُسُكِي مَن شَكٍّ في إيمانهِ، ثُمَّ مَرَّ آخَرُ فقال له: أَمُؤْمِنٌ أَنت؟ فقال: نعم، ولَمْ يَسْتَثْنِ في إيمانه، فأَمَرَه بذبح شاتِهِ فَلَمْ يَجْعَلْ عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ مَن يَستَثْني في إيمانِهِ مُؤْمِناً، انتهى. ولا يَخْفَى أَنَّه يَحْتَمِلُ أَنَّ ابنَ عُمَرَ راعَى الأَحوط في قضيَّهِ؛ إذ أَجْمَعَ السَّلَفُ والخَلَفُ على أنَّه لا يَخْرُجُ من الإيمان باستثنائه إلَّا إذا كان متردداً في تصديقه وإيمانه؛ كما يدل عليه قوله:
وفي «المحيط»: قد صَحَّ عن بعض السَّلَفِ أَنَّهم كانوا يَسْتَثْنونَ في إيمانهم، والعُذْرُ عنهم أنَّهم ما كانوا يَسْتَثْنونَ لشَكّهم في إيمانهم، بل يَسْتَثْنونَ لِمَا جاء في صفة المؤمِن مِن الأخبارِ؛ كقولهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «المُؤمِنُ مَنْ أَمِنَ النَّاسُ مِن شَره». وكقوله: «المؤمِنُ مَن أَمِنَ جارُه بَوَائِقَه وكقوله عليه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: ليس بمؤمِن مَن بات شبعان وجاره طاوِ؛ أي: جيعان وكقوله: «المؤمِنُ مَن عنده كذا وكذا خَصْلةً فمَن اسْتَثْنَى مِن المتقدمينَ فَإِنَّمَا اسْتَثْنى على أنَّه لم يَعْرِفْ ذلك مِن نَفْسه، لا لأَنَّه يَشُكُ في إيمانه انتهى.
اجْتَمَعَ
وحاصله: أنَّ الاستثناءَ راجع إلى كمال إيمانه وجمال إحسانه، لا إلى تصديقه
في جَنانِهِ وإقراره بلسانه، وقد سَبَقَ تحقيق البحث مع برهانه. وفي «الخلاصة»: كافر قال لمسلم: اعْرِضْ عَلَيَّ الإِسلام، فقال: اذْهَبْ إِلى فلان العالم، كفر.
أي: لأنَّه رَضِيَ ببقائه في الكفرِ إلى حينِ مُلازَمةِ العالِمِ ولقائه، أو لجَهْلِهِ بتحقيق الإيمان بمجرَّدِ إقراره بكلمتي الشَّهادةِ، فإنَّ الإيمان الإجمالي صحيح إجماعاً. وقال الفقيه أبو اللَّيث: إِنْ بَعَثَهُ إلى عالِم لا يَكْفُرُ؛ لأنَّ العَالِمَ رَبَّما يُحْسِنُ ما لا يُحْسِنُه الجاهل، فلم يكن راضياً بكُفْرِه ساعةً، بل كان راضياً بإسلامه أتم وأكمل.
وفي «الجواهر»: من قيل له: ما الإيمان؟ فقال: لا أدري كفر. فيه بحث؛ إذ يَحْتَمَلُ السُّؤال عن حقيقة الإيمانِ وحده، وعن الإيمانِ الإجمالي والتفصيلي، وليس كلُّ أحدٍ يَعْلمُ التَّفصيلي، بل ولا حَدَّه الجامِعَ والمانع؛ كما أشارَ إليه سبحانه بقولهِ لسيّدِ خَلْقه: مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى: (52)] مع أنَّ الإجماع على أنَّه كان مؤمناً. نَعَمْ لو قيل له: أمُؤْمِنٌ أَنت؟ أو مَن صَدَّقَ بقلبهِ وشَهِدَ بلسانهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ محمدٌ رسولُ الله أَيَجُوزُ قَتْلُه؟ فقال: لا أَدْرِي، يَكْفُرْ.
ومن قال لمُرِيدِ الإسلام لا أدري صفته، أو: اصْبِرْ، أو: أَخْرُ، أو: اذْهَبْ إِلى عالم - أو إلى فلان يَعْرِضْ عليك الإسلام، أو: اصْبِرْ إلى آخِرِ المجلس، كَفَرَ. يعني: في الصُّورِ كلّها؛ أما في الصُّورة الأخيرة فالكفرُ ظاهر، وأمَّا فيما قَبْلَها فتَقَدَّمَ الكلام عليها.
وفي «الظهيريَّة»: كافرُ قال لمسلم: اعْرِضْ عليَّ الإسلام، فقال: لا أدري
صِفَتَه كَفَرَ؛ لأنَّ الرَّضَى بِكَفِرِ نَفْسِهِ كُفْرٌ. وفيه: أنَّ الرِّضَى بكفر غيره أيضاً كُفْرٌ، إلَّا فيما اسْتُثْني منه، على ما سَيَأْتي
إِنْ شاءَ اللهُ تعالى. وإنما الكلام على أنه إذا قال: لا أدري صفة الإسلام، وأرادَ نَعْته بالوجهِ التَّام:
هل يَكْفُرُ أم لا؟ والظاهرُ أنَّه لا، كما سَبَقَ عليه الكلام. وقال: وفي موضع آخَرَ مِن «الظهيريَّة»: الرّضَى بالكفرِ كفر عند الحامدي.
وفيه: أنَّ المسألةَ إذا كانَتْ مختلفاً فيها فلا يجوز تكفيرُ مُسلم بها.
وفي «الحاوي»: من قيل له: أَتَعرِفُ التَّوحيد؟ فقال: لا، مُريداً بالنفي توحيد الله تعالى كَفَرَ.
وفيه بحث؛ إذ السُّؤال عن حقيقةِ التَّوحيدِ وحدَه، لا: أنَّك موحدٌ أم لا؟ فلا
وجة لتكفيره أصلاً.
وكذا في «الظهيرية» و «الحاوي» و «التتارخانية» و «فصول العمادي» وكثيرمن الكتب.
وفي «المحيط»: ومن قال: لا أدري صِفَةَ الإسلام، فهو كافر، وقال شمسُ الأئمةِ الحَلْواني: فهذا رجلٌ لا دين له ولا صلاة ولا صيام ولا طاعة ولا نكاح، وأولاده أولاد الزنى.
وفيه نظر؛ لأنَّ الرَّجلَ إِذا صَدَّقَ بِجَنَانِهِ وأَقرَّ بلسانه فهو مسلم بالإجماع، وعَدَمُ عِلْمِه بصفة الإسلام بعد اتصافهِ لا يُخْرِجُه عن الإسلامِ مِن غيرِ النزاع، ونظيره: مَن أَكَلَ شيئاً ولَمْ يَعْرِفْ اسمَهُ ووَصْفَهُ، وكذا إذا صلَّى وصامَ بشرائطهما وأركانهما ولَمْ يَعْرِف تفصيلهما، وقال: لا أَدْرِي عند سؤاله عنهما، فإنَّه لا يَكْفُرْ، وإِلَّا فلا يَبْقَى مؤمِنُ في الدُّنيا إلا قليل ممَّن يَعْرِفُ علم الكلام، وفيه حَرَجٌ على أهل الإسلام، فمِثْلُ هذا السُّؤالِ مَغْلَطةٌ للجُهَّال، وقد نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عن الأُغْلُوطات.
ثُمَّ قوله: وأولاده أولادُ الزِّنَى ليس على إطلاقه؛ لأنَّ أولادَه قبل هذا السُّوَالِ عنه لا شَكٍّ أنَّهم أولادُ الحَلَالِ، وإنَّما الكلام فيما بعدَ السُّؤالِ إِنْ لَمْ يَقَعْ منه ما يكونُ توبة ورجوعاً إلى الإسلام، على تقديرِ فَرْضِ كُفْرِهِ عندَ العلماءِ الأعلام. ثم قال: صغيرةٌ نَصْرانِيَّةٌ تحتَ مسلم، كَبُرت غيرَ مَعْتوهةٍ ولا مجنونة وهي لا تَعْرفُ دِيناً مِن الأديانِ ولا صِفَتَه، فإِنَّهَا تَبِينُ مِن زوجها.
وفيه: أنَّها إذا كانَتْ عاقلةً فلا شكّ أنَّها مُقلّدة لآبائِها وأمهاتها وأهل بلدتها أو قريتها، كما يَدُلُّ عليه قوله: كلُّ مولود يُولَدُ على فطرةِ الإِسلامِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدانِهِ أو يُنَصِّرانِهِ أو يُمَجِّسانِهِ».
على أنَّها يومَ كانَتِ النَّصْرانِيَّةُ ثابتةً لها بالتَّبعيَّةِ ما بانَتْ مِن زوجها، فكيف إذا كانَتْ على الفطرة الأصليَّةِ مِن غيرِ تَلَبُّسٍ وتَدَنُّسِ بِالنَّصْرانية.
قال: وكذا الصَّغيرةُ المسلمة إذا بَلَغَتْ عاقلة وهي لا تَعْرِفُ الإسلام ولا تَصِفُه بانَتْ مِن زَوْجِها.
وفيه ما سَبَقَ مِن أَنَّه لا يَلْزَمُ معرفةُ حُكْمِ الإسلامِ ولا وَصْفُه تفصيلاً ولا إجمالاً في تحقيق إيمانها، بل يكفيها التصديقُ والإقرار. مع أَنَّهَا إِذا سُئِلَتْ أَنَّ مَن أَسْلَمَ هَلْ يَحْرُمُ دمه وماله؟ فتقول: نعم، فلا شكّ في إيمانها ومَعرِفَتِها لحكم الإسلامِ، إِلَّا أَنَّهَا جاهلة بموارد الكلام، وهو لا يَضُرُّها في مَقامِ المَرَام. ثُمَّ قال: لأنهما جاهلتانِ ليسَتْ لهما مِلَّةٌ مخصوصة، وهي شرطُ النِّكَاحِ
ابتداءً وبقاء.
وفيه: أنَّ كونَهما جاهلتين بتفاصيل الأحكامِ مُسلَّم، أمَّا نَفْي الملَّةِ المخصوصة عنهما فمَدفوع؛ لأنَّ بنتَ النَّصْراني إذا قيل لها أنتِ على أي ملَّةٍ؟ لا شكّ أنَّها تقولُ: على الملَّةِ النَّصْرانية. وكذا إذا قيلَ للمُسْلِمة الكبيرة: أنتِ على أيّ ملَّةٍ؟ فلا مِرْيَةَ أَنَّها تقول: على ملة الإسلام.
نَعَمَ لو قيل لهما على أيّ مِلَّةٍ أنتما؟ فقالتا: ما نحنُ على ملَّةٍ، أو: لا نَدْرِي على أي مِلَّة، فكُفْرُهما ظاهر.
ثُمَّ قال: ومحمد سمّى هاتين في الكتاب مرتدَّتينِ؛ لأَنَّا حَكَمْنا بإسلامِهِما بالتبعية، والآنَ بكفرهما لفَقْدِ التَّبَعيَّةِ ومعرفةِ دِينِ، فكأَنَّهما مُرْتَدَّتان. أقولُ: قوله: ومَعرِفةِ دِينِ عطفٌ على التَّبَعيَّة، والمعنى: لفَقْدِ معرفةِ دِينِ، وقد تَقَدَّمَ أَنَّهما إذا لَمْ تَعْرِفا دِيناً مِن الأديانِ لَمْ تَكُونَا مِن أهل الإيمان، وإنَّما الكلام في تَصَوُّرِه وتَحَقُّقِه في حقهما، وإِنَّما قال: فكأَنَّهما مُرْتَدَّتان لأَنَّ الارْتِدادَ فرعُ الإِيمَانِ السابق، وهو مفقود عنهما على ما تَصَوَّرَ لهما.
وهذه المسائل كثيرة الوقوع في هذا الزَّمانِ، خصوصاً في بعض البلدانِ، تَصْدُرُ مِن قُضاةِ السُّوءِ، حيثُ تَقَعُ المرأةُ مُطلَّقة بالثَّلاثِ مع أَنَّها دَيَّنَةٌ قارئة القرآنِ، مُصَلِّيةٌ في كل الأزمان، وصائمةٌ في شهرِ رَمَضان، فيقول لها القاضي: ما حُكْمُ الإسلام؟ لجَهْلِها بمراتب الكلام تقولُ: لا أدري فيَحْكُمُ بِكُفْرِها وببطلان نكاحها الأَوَّلِ، ويجدد لها النِّكَاحَ الثَّاني، وربَّما يَكْفُرُ القاضي بهذا الفعل الشنيع، حيثُ رضيَ بهذا الكُفْرِ البَدِيع، فإنَّ المسكينة لو وُصِفَتْ لها المسألة، وبُيِّنَتْ لها القضيَّةُ، لأنتْ بالجوابِ الصَّوَاب، فإِنَّ دِيانَتَها أَقوَى مِن قضاة هذا الزَّمانِ من جميع الأبواب.
وإِنَّما يتوسلونَ بمثل هذه الأعمال إلى الرّشوة المحرمة في جميع الأقوال، والعمل في المطلَّقة بالثَّلاثِ بقول سعيد بن المسيِّبِ أَوْلَى مِن قُبْحِ هذه الأحوال.
ثُمَّ انْظُرْ إلى الشَّيطانِ الموسوس للزوج المُدَنِّسِ، أَنَّه رضيَ بتكفير امرأته وتضييع طاعاتها، وما يترتَّب عليه من أنَّ جِمَاعَه لها كان حراماً عليه وأمثالهاويَسْتَنْكِفُ عن العمل بقوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ
[البقرة: (230)] وبقوله: «لا، حتَّى تَذُوقي عُسَيْلتَه ويَذوقَ عُسَيْلتَكِ». وإنَّما أَطنبتُ هنا الكلامَ لأَنَّه موضعُ زَلَّةِ الأقدام، ولَغْزِةِ الأقلام، فيما فيه مَضَرَّةٌ عظيمة في دين الإسلام.
ثُمَّ قوله: وهي شرطُ النِّكاح ابتداءً إنَّما هو على تقدير صحة إسلامِ الزوج، وإلا فإذا كان من قبيلها في مَقامِ الجهل فلا شَكٍّ في صحة نكاحهما أوَّلاً كما في أَنْكِحَةِ الكفَّارِ ابتداءً.
وفيه تنبيه على أنَّ الواجب كان على القاضي المكفّر للمرأةِ أَنْ يَستوصِفَ الرَّجلَ أيضاً، فإنْ كان مِثْلَها فَيَحْكُمُ بِكُفْرِه وبطلان طاعتِهِ في جميع عُمرِهِ، ثُمَّ يَعْرِضُ
الإسلام عليهما، فيَشْهَدانِ ويتعلَّمانِ أحكام الإسلام، ثُمَّ يَعْقِدُ بينَهُما عَقْدَ المَرَامِ. ويُؤيَّدُ بَحْثنا في هذا المَقامِ ما حَقَّقَه الإمام ابنُ الهمام في كلامهم، قالوا:: اشترى جاريةً أو تَزَوَّجَ امرأةً، فاستَوْصَفَها صفة الإسلام فلم تَعْرِفهُ، لا تكونُ مُسْلمة. حيث قال: المراد من عدم المعرفة ليس ما يَظْهَرُ مِن التَّوقُّفِ في جوابِ: ما الإيمان؟ وما الإسلام؟ كما يكون في بعض العوام؛ لقُصورهم في التعبير، بل قيام الجهل بذلك بالباطن - مثلاً - بأنَّ البعثَ: هل يُوجَدُ أَوْ لا؟ وأَنَّ إرسال الرُّسل وإنزال الكتب عليهم كان أو لا؟ فإنَّه يكونُ في اعتقادِ وطرُقِ الإثباتِ لا
قوله: «وأمثالها» معطوف على مجرور من، وهو أنَّ وما بعدها، والمعنى: من أن جماعه لها كان حراماً عليه، ومن أمثال هذه القضية؛ ككون أولاده منها أولاد زني، وما شابه ذلك.
الجهلِ البسيط كمَن سُئِلَ عن ذلك فقال: لا أعرفُ، وقل ما يكون ذلك لمن نشأ في دار الإسلام، انتهى. وهو غاية المقصودِ في نَقْلِ المَرَام.
ثم رأيتُ في المُضْمَرَات نقلاً عن محمد بن الحسن في «الجامع الكبير» مسألةً تَدلُّ على ما ذَكَرْنا، وهي أنَّ المرأة إذا لَمْ تَعْرِفْ صِفةَ الإيمان والإسلام، قال محمدٌ: يُفَرَّقُ بينها وبين زوجها.
وبيان ذلك: إذا وُصِفَ الإيمان والإسلامُ والدِّينُ بينَ يَدَيْها، فلو قالَتْ: هكذا آمَنْتُ وصَدَّقْتُ، فإنَّها تَخْرجُ عن حَدَّ التَّقليد، ويجوزُ نكاحُها، ولو قالَتْ: لا أَدْرِي، أو قالَتْ ما عَرَفْتُ، لا يَجوزُ نِكَاحُها، انْتَهَى كلامه.
وفي المُضْمَرات»: لو أَفْتَى لامرأة بالكفر حتَّى تَبِينَ مِن زوجها فَقَدْ كَفَرَ من قبلها، وتُجْبَرُ المرأة على الإسلام، وتُضْرَبُ خمسة وسبعين سوطاً، وليس لها أنْ تَزَوَّجَ إِلَّا بَزَوْجِها الأَوَّلِ، هكذا قال أبو بكر، وكان أبو جعفر 4 يُفتي بهذا، ونأخُذُ بهذا، انتهى. وقد قال بعضُهم: إِنَّ رِدتَها لا تُؤثر في فسادِ النِّكَاحِ، ولا تُؤْمَرُ بتجديد
النِّكَاحِ حَسْماً لهذا الباب عليهِنَّ. وعامة علماء بُخارَى يقولونَ: كُفْرُها يَعمل في فسادِ النِّكَاحِ، لكنَّها تُجْبَرُ
على النكاح مع زوجها، وهذه فُرقة بغير طلاق بالإجماع، وعليها العدة، كذا في منهاج المصلين».
وفي «الخُلَاصة»: مَن دَعَا على غيره فقال: أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى الْكُفْرِ، كَفَرَ؛ أَي: إِنْ رَضِيَ بنَفْسِ الكفر، ولذا أَتْبَعهُ بقوله:
وقال الشَّيخُ أبو بكر محمدُ بنُ الفَضْلِ: لَمْ يَكُنِ الدُّعاء على الكافر بذلك كفراً.
وفيه: أنَّ القول الأوَّلَ عام، وهذا جواب خاصٌ يُفيدُ أَنَّ الدُّعاءَ على الكافر بالكفر ليس بكفر، ومفهومه: أَنَّ الدُّعاءَ على المسلِمِ بالكفرِ كفر. والتحقيق: أنَّه إذا أرادَ الانتقام لا يَكْفُرُ، لا سيما وقرينةُ الدُّعاءِ عليهِ شَاهِدةُ على المَرَامِ، وسيأتي على هذا مَزِيدُ الكلام.
وفي «الجواهر»: من قال للمُسْلِمِ: يَأْخُذُ اللَّهُ مِنكَ الإسلام، ومَن قال له:
آمين، كَفَرَا.
أو: أُريدُ كُفْرَ فلان المسلِمِ، أو: أُريدُ كُفْرَ فلانٍ، يَكْفُر. أو: لا أُريدُ به إلَّا كُفْراً، أو قال: أَخْرَجَهُ؛ أي: اللهُ مِن الدُّنيا بلا إيمان أو كافراً ـ وأماتَهُ بلا إيمان، أو: أَبدَهُ اللهُ في النَّارِ، أَو خَلَّدَه فيها، أو: لَمْ يُخْرِجه الله تعالى مِن نَارِ جَهَنَّمَ، كَفَرَ.
أي: إذا كان مُسْتَحْسِناً للكُفْرِ وراضياً به، لا إذا أرادَ انتقامَ الظَّالِمِ بالكُفْرِ وتعذيبه مخلداً كما يُشْعِرُ به بعضُ كلامه.
وفي المحيط»: مَن رَضِيَ بِكُفْرِ نَفْسِهِ فقد كَفَرَ؛ أي: إجماعاً.
وبكُفْرِ غيره اخْتَلَفَ المشايخ، وذَكَرَ شيخُ الإِسْلامِ أَنَّ الرَّضَى بِكُفْرِ غَيرِهِ إِنَّمَا
يكون كفراً إذا كان يَسْتَجِيرُه ويَسْتَحْسِنُهُ، أَمَّا إذا كان لا يَسْتَجِيزُه ولا يَسْتَحْسِنُهُ، ولكنْ يقولُ: أُحِبُّ مَوتَ المُؤذِي الشِّرِّيرِ، أو قَتْلَه على الكُفْرِ، حَتَّى يَنْتَقِمَ اللهُ تعالى منه، فهذا لا يكونُ كُفْراً، ومَن تَأَمَّلَ قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ: رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى
قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: ??] يَظْهَرْ له صحَّةُ ما ادَّعَيْنَاهُ. وعلى هذا: إذا دَعَا على ظالم: أماتَكَ اللهُ على الكفر، أو قال: سَلَبَ اللهُ عنك الإيمان، بسبب ما اجْتَرَأَ على الله وكابَرَ في ظُلْمِهِ، وَلَمْ يَتَرَحَمْ عليه أَدْنَى ترحم، لا يكون كفراً.
وقد عثرنا على رواية أبي حنيفة: أنَّ الرِّضَى بكفر الغيرِ كُفْرُ، مِن غير تفصيل. يَحْتَمِلُ أن تكون هذه الجملة من صاحب المحيط» أو الجامع لهذه المسائل، وعلى كل تقدير فالجواب: أنَّ رواية أبي حنيفة إذا كانَتْ مجملةً أو عبارةٌ مُطْلَقَةً فَلَنا
أنْ نُفَصِّلَها ونُقيَّدَها على مُقْتَضَى القواعدِ الحنيفة والأُصولِ الحَنيفة. وفي «الجواهر»: من قال: قَتْلُ فلان حلالٌ، أو: مُبَاحٌ، قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ مِنه رِدَّةً أو
قَتْلَ نَفْسٍ بآلةٍ جارِحةٍ عَمْداً على غيرِ حَقٌّ، أو يَعْلَمَ منه زِنِّى بعد إحصانٍ، كُفْرٌ. لأنَّه جَعَلَ الحرام حلالاً أو مُباحاً، وهو كُفر، إلَّا أنه لا بدَّ أنْ يُزادَ فيُقالَ: ولا يَعْلَمَ منه قَطعَ طريق وسَعْيَ الفسادِ في البلاد، ومنه الظُّلم في حقٌّ العِبَاد، فإِنَّ قَتْلَهما حلالٌ ومُباح حينئذ.
وكذا تزكُ الصَّلاةِ مُوجِبٌ للقتل عند الشافعي، وارتداد عند أحمد، فتارك الصَّلاةِ مِن الخلافيَّةِ، فالقول بأنَّ قَتْلَه حلالٌ لا يكون كفراً متفقاً عليه. ثم قال: ومن قال لهذا القائل: صَدَقْتَ أو قال لأمير يقتل بغير حق، أو قال لقاتل سارق جوّدْتَ له، أو أَحْسَنْتَ، يَكْفُرْ، أو قال: مال فلان المسلم [لي] حلال، قبْلَ تحليل المالكِ إيَّاه، أو قال: دَمُ فلان حلالٌ، ومَن صَدَّقَه كَفَرَ بالكل.
أي: بشروطه المعروفة.
وفي «الخلاصة» أو «الحاوي»: ومن قال لمَن يَكْذِبُ: هذا له قولُ: لا إلهَ إِلَّا اللهُ، وقَصَدَ جوابَهُ، كَفَرَ. بناءً على أنَّ رَمْزَ الجامعِ حَاءٌ معجَمةٌ أو مهمَلَةٌ، والنسخ مختلفة.
من قال لآخَرَ: اللعنة عليك وعلى إسلامِكَ، كَفَرَ؛ أي: لقوله: على إسلامِكَ فَتدَبَّر.
كافرٌ أَسْلَمَ فأُعْطِيَ شيئاً، فقال مُسْلِمٌ: ليت هو كافر فيُسْلِمَ حَتَّى يُعْطوني شيئاً، كَفَر.
أي: لأنَّ شرط الإسلام هو الاستقامة على الأحكام، ولذا لو نَوَى أَنْ يَكْفُرَفي الاستقبالِ كَفَرَ في الحال.
وفي «المُحيط»؛ أي: زاد فيه: أو يَتَمَنَّى ذلك بقلبه، كَفَرَ. أي: ولو لَمْ يَتلَفّظ بلسانه؛ لأنَّ القلب هو محل التصديق وموضع الإيمانِ في التحقيق.
وفي الخلاصة»: من قال حينَ مات أبوه على الكفرِ وتَرَكَ مالاً: ليت هو؛ أي: الولد نَفْسَه لَمْ يُسْلِمْ إلى هذا؛ أي: هذا الوقت ليرِثَ أباه الكافر كَفَرَ؛ لأنَّه تمنَّى الكُفْرَ، وذلك كُفْرٌ.
وفي «الجواهر»: وَلَيْتَني لَمْ أُسْلِمْ حَتَّى أُوَرَّثَ، كَفَرَ.
«الفَتَاوَى الصُّغْرَى»: أَسْلَمَ كافر، فقال له مُسْلِمٌ: لو لَمْ تُسْلِمْ حَتَّى تَرْفَعَ
ميراثاً؛ أي: تَأخُذَه كَفَرَ؛ أي: المسلِمُ القائلُ.
وفي «المحيط»: مُسْلِمٌ رأى نَصْرانِيَّةً سَمينةٌ وتَمَنَّى أَنْ يكونَ هو نَصْرانيا حتَّى يتزوَّجَهَا، كَفَرَ
قُلْتُ: وهذا مِن حَماقَتِهِ؛ إذ يَجوزُ للمسلم أنْ يتزوَّجَ النَّصْرانِيَّةَ، مع أَنَّ السَّمَانَ الحِسَانَ كثيرةٌ في الملَّةِ الحَنيفة، ولكنَّ علَّةَ الضَّمِّ هي الجِنْسِيَّةُ، ولذا قال الله تعالى: الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} [النور: (3)].
وفي «فَتَاوَى قاضي خان» أو «الفَتَاوَى الصُّغرى» أو «فَوْز النَّجاة» بناءً على أنَّ الرَّمزَ قافُ أو فاءٌ واخْتَلَفَ النُّسخُ فيهما: مَن قال: مَتَى جَالَسْتُ الصِّغارَ فَأَنا صغير، أو الكبار فأنا كبيرُ. قُلْتُ: ولا محذور فيهما، وإنَّما هو تَوْطِئَةٌ لِمَا بَعْدَهما مِن قوله: وإنْ جالَسْتُ المسلِمَ فأنا مسلم، أو النَّصْراني فأنا نَصْراني، أو اليهودي فأنا يهودي، كَفَرَ؛ أي: لأنَّهُ زنديق خارج عن الأديانِ كلَّها.
وفي «الخلاصة»: مَن قال لمَن أَسْلَمَ: ماذا ضَرَّكَ دِيْنُكَ الذِي كُنْتَ عليه حتَّى
أسلمْتَ؟ كَفَرَ.
وكذا لو قال: هذا زمانُ الكفرِ لا زمانُ كَسْبِ الإسلام.
أي: كَفَرَ إِنْ أرادَ به أنَّه يَنبغي في هذا الزَّمَانِ كَسْبُ الكُفْرِ لا كَسْبُ الإسلام، بخلافِ ما إذا أرادَ أَنَّ هذا زمانُ غَلَبَةِ أهل الكفر والجهل، وضَعْفِ كَسْبِ الإسلامِ والعِلْم.
وفي فتاوى قاضي خان» أو «الفتاوى الصغرى» أو «فوز النجاة»: لو قيل لمن
كان لهُ شَهْرٌ مِن إسلامهِ: أَلَسْتَ بمسلم؟ فقال: لا، كَفَرَ.
قوله: «أو فوز النجاة» ساقط من «ب».
ولعل وجهَ التَّقييد بالشَّهرِ أَنَّه إذا كان أقل منه ربَّما يَسْبِقُ على لسانهِ جَرْياً على
ما كان عليه أوّلاً.
وفي «المُحيط» و «الجواهر» أيضاً: قيل لضارِبٍ: أَلَسْتَ بمسلم؟ فقال
عَمْداً: لا، كَفَرَ، وإِنْ قال خَطَأَ لا يَكْفُرْ.
وفي اليتيمة»: مَن قال: لا أَسْمعُ كلامَكَ وأَفْعَلُ، ـ اجْتِرَاءً ـ في جوابِ مِن
قال: اتَّقِ اللهَ وَلا تَفْعَلْ، كَفَرَ.
ومَن قال لمرتكب حرامٍ: خَفْ اللَّهَ وَاتَّقِهِ، فقال: لا أَخَافُ، كَفَرَ. وإن كان في أمرٍ غير حرام أو غير مُسْتَحَبُّ لَا يَكْفُرُ، إِلَّا إِذا قاله استِخْفافاً فيَكْفُرُ، وتَبِينُ منه امْرَأَتُه.
ومَن قيل له في أمر: أَلا تخافُ الله؟ فقال: لا، كَفَرَ.
وقال أبو بكرِ البَلْخِيُّ: رجلٌ قيل له: أَلَا تَخْشَى الله؟ فقال: لا، في حالِ غضبه، صار كافراً وبانَتِ امرأته.
وفي المحيط»: قالت لزوجها: ليس لك حَمِيَّةٌ وَلَا دِينُ إِذْ تَرْضَى بِخَلْوَتِي مِع
الأجانب! فقال: لا حَمِيَّةَ لي ولا دِينَ، كَفَرَ.
يعني: لقوله: ولا دين فإنَّه خَرَجَ بهذا عن دِينِ الإسلام باعترافه، كما دَخَلَ فيه أولاً بإقراره سواء يكون الإقرار شرطاً أو رُكناً.
ومَن قال لآخَرَ: أَنتَ خُوارِزْ مِيٌّ أو مَجوسي؟ فقال: مجوسي، كَفَرَ.
أو قال: أَلَسْتَ بمسلم؟ فقال: لا، كَفَرَ.
وقع في مطبوع «ألفاظ الكفر»: «اللهارب». في ب وات»: «وغير».
أو قال: يا كافر، فقال: أنا كما قُلْتَ أو قال: لو لَمْ أَكُنْ كما قُلْتَ لَمَا سَكَنْتُ
مَعَكَ، أو قال: لو لَمْ أَكُنْ كما قُلْتَ لَمَا أَسْكَتَتَني مَعَك.
وفي «الجواهر» أو قال: لبَّيْكَ، في جواب من قال: يا كافر، أو: يا
مجوسي، أو: يا يهودي، أو: يا نصراني.
وفي «المحيط»: أو قال مكان لبَّيْكَ: هَبْنِي كذلك كَفَرَ.
أي: لقوله هذا، فإنَّ معناهُ: اعْدُدْني واحْسُبْني مِثْلَ ما قُلْتَ. وفي فتاوى قاضي خان»: لو كنتُ كذلك ففارِقْني، لا يَكْفُر. وفي المحيط»: أو قال: إذا أنا هكذا فلا تُقِمْ معي، أو: عِنْدِي، فالأَظْهَرُ
أَنَّه يَكْفُرُ.
أي: لأنَّ إذا موضوعةٌ لمتحقق الوقوعِ، إِلَّا أَنَّها قد تُستَعْمَلُ بمعنى إنْ، فلو
قال: إِنْ أنا هكذا فلا تُقِمْ، لا يَكْفُرُ.
أو قالَتْ لزَوْجِهَا مُلِنْتَ حَجَّةً مِثْلَ المجوسي، وقال: إِذا أَقَمْتِ ـ أو: سَكَنْتِ -
إلى اليوم مع المجوسي، كَفَرَ، وعلى العكس كَفَرَتْ.
ومن قال الرجل: يا كافرُ، فَسَكَتَ المُخاطب، قال الفقيه أبو بكر البلخي: يَكْفُر هذا القاذف؛ أي: الشَّاتِم، وقال غيرُه مِن مشايخ بَلْخَ: لا يَكْفُرُ، ثُمَّ جاء إلى بَلْخَ فَتْوَى بعض أئمةِ بُخارَى أَنَّه يَكْفُرُ، فرجع الكلُّ إِلى فَتْوَى أبي بكرٍ، وقالوا: كَفَرَ الشَّاتِمُ، انتهى.
في «أ و «ت»: «أمسكتني، والمثبت من «ب» و «ط»، وهو الموافق لما في «ألفاظ الكفر». هذا كلام فيه نظر، فإن كثيراً من الناس بل الأكثر لا يعرف الفرق بين اللفظين، فكيف يكفر الناس على أساس فرق لغوي يجهله الأكثرون؟
من قوله: «أو قالت لزوجها ... » إلى هنا ساقط من «ب» و «ط».
ولعل فائدة قوله: فَسَكَتَ المُخاطَبُ: أَنَّ هذا هو الحُكْمُ ولو سَكَتَ
المخاطب؛ لئلا يُتَوَهَمَ أنَّ سكوت المخاطبِ رضاء أو إقرار به؛ لاحتمالِ أنْ
يكون سكوتُه حِلْماً أو غَيْظاً، أو تأخيراً؛ للمرافعة في المسألة.
وفي «الجواهر»: من قال لخضمهِ: كلَّ ساعَةٍ أَفْعَلُ مِن الطِّينِ مِثْلَكَ،
كفر انتهى. وفيه بحثُ لا يَخْفَى؛ إذ غايته أنَّه يكون كاذباً في قولهِ المُخالِفِ لِفِعْلِهِ. نَعَمْ لو قال: أَخْلُقُ، بَدَلَ: أَفْعَلُ فالظَّاهِرُ أَنَّه يَكْفُرُ مَعَ احْتِمَالِ عَدَمِ كُفره؛ لقول عيسى عليه السَّلامُ: أَنّ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الدِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} [آل عمران: (49)]، ولا يلزم منه التشبيه من جميع الوجوه، ولذا قال: {فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طيرا بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: (49)].
وفي المحيط»: مَن قال لمَن يُنازِعُه: أَنَا أَفْعَلُ كلَّ يومٍ مِثْلَكَ عَشْراً مِن الطِّين،
أو لَمْ يَقُلْ: مِن الطِّين، كَفَرَ.
ومن قيل له: يا أحمرُ، فقال: خَلَقَني اللهُ مِن سَوِيقِ التَّفَّاحِ وَخَلَقكَ مِن الطينِ -
أو مِن الحَمْأة - وهي ليسَتْ كالسويقِ، كَفَرَ.
أي: لافترائه على الله تعالى، مع احْتِمَالِ أَنَّه لا يَكْفُرُ، بناءً على أَنَّهُ كَذَبَ فِي دَعْواهِ. وفي فتاوى قاضي خان»: مَن قال لغيره: خَلَقَهُ اللهُ ثُمَّ طَرَدَه مِن عِندِه، قال أكثرُ المشايخ: إِنَّه يَكْفُرُ.
قلتُ: الظَّاهِرُ أنَّه لا يَكْفُرُ؛ لاحتمال أن يكون كاذباً أو صادقاً في مقاله، لكنْ يُشْكِل بما في «الظهيريَّة» و «المحيط»: أَنَّه كَفَرَ عند الكل ولعلهما أرادا بالكل الأكثرَ، فَتَدَبَّر.
وقع بعدها في ط» ولعل وجه كفره أنه حكم بالغيب، وفي نسخة».
وفي «الخلاصة»: مَن قال لوَلَدِه: يا وَلَدَ المجوسي، أو قال: يا ولد الكافر، قال بعضُ العلماء: يَكْفُرُ.
قلتُ: الأظهرُ أنَّه لا يَكْفُرُ؛ لأنَّه أرادَ شَتْمَه وقَصَدَ قَذْفَه، لا أَنَّه عَنَى بِنَفْسِه
أنَّه مجوسي أو كافر، واللُّزوم ممنوع؛ لتَحَقُّقِ الاحْتِمالِ، والله تعالى أعلمُ بالحال. ومن قال لدابَّتِهِ يا دابَّةَ الكافر، أو: يا كافرَ المِلْكِ؛ أي: مِلْكَ الكافر، ر، إن
كانَتْ نُتِجَتْ عندَه كَفَرَ، وإلا فلا.
أي: لاحتمالِ أنْ يكونَ مالِكُها الأَوَّلُ كافراً.
وفي فتاوى قاضي خان»: وهذا الكلام فيما إذا قال لَوَلَدِه أَو دَابَّتِهِ وَلَمْ يَنْوِ شيئاً، أَمَّا إِذا نَوَى نَفْسَه كَفَرَ اتِّفاقاً؛ أي: لأنَّه أَقَرَّ بِكُفْره.
وفي «الظَّهِيريَّة»: مَن قال: أنا لا أَعْلَمُ الكائن وغيرَ الكائنِ، كَفَرَ. وفيه بحثُ اللَّهمَّ إلَّا إذا أُريدَ بالكائن يوم القيامةِ، فَيَكْفُرُ لَنَفْي عِلْمِهِ المستلزِمِ منه نَفْي اعتقاده به.
وفي اليتيمة»: من قال: أنا على اعتقادِ فرعون، أو إبليس، أو اعتقادِي كاعتقادِ فرعون أو إبليسَ كَفَرَ.
وإن قال: أنا إبليس أو فرعون، لا يَكْفُرْ؛ أي: إذا أراد المشاركة الاسمية
ومُجرَّدَ الشَّرارةِ النَّفْسيَّة، لا كُفْرَ الفِرْعونيَّة، وإباء الإبليسيَّة.
ومَن قال مُعْتَذِراً؛ أي: عن جَهْلهِ ببعض الأحكام الشرعية: كُنتُ كافراً فأَسْلَمْتُ؛ أي: هنا قريباً قيل: يَكْفُر، وقيل: لا يَكْفُر، قلت: وهو الأظهر؛ لأنَّ غايته أن يكون كاذباً في قولهِ الأَوَّلِ، فتأمل.
ومن قال: لا أَلْعَنُ أو: لَسْتُ أَلْعَنُ في جوابِ مَن قال: إِنَّ اللَّهَ يَلْعَنُ علابليس، كَفَرَ.
أي: لأنَّ ظاهرة المعارضة؛ كما سَبَقَ في حديثِ الدُّبَّاءِ؛ أي: القَرْعِ، وإِلَّا
فالامتناع عن لعن إبليس لا يكون معصيةً فَضْلاً عن أنْ يكونَ كُفْراً.
ومَن صَنَعَ صَنَماً كَفَرَ؛ أَي: لأَنَّه رَضِيَ به وأرادَ تَرويجه. وفي فتاوى قاضي خان»: من قال: دَعْني أَصِرْ كافراً، كَفَرَ؛ أَي: لأنَّه نَوَى الكفرَ. أو: كِدْتُ أَنْ أَكْفُرَ، كَفَرَ، وفيه بحث؛ إذ لا يَلْزَمُ مِن مُقارَبَةِ الكفرِ مُقارَفَتُه،
اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يريدَ: قَصَدْتُ الكفر وما كَفَرْتُ، فَإِنَّه يَكْفُرُ لَقَصْدِهِ ونِيَّتِهِ.
أو قال: دَعْني فقد كَفَرْتُ، كَفَرَ؛ أي: لظاهِرِ كلامه، وإنِ احْتَمَلَ أَنَّه أراد: قارَبتُ الكُفرَ، وفيه ما تَقَدَّمَ، والله أعلم.
وفي المحيط» و «الفتاوى الصُّغرى أيضاً: مَن لَقَنَ غيره كلمة الكفر
ليتكلَّم بها، كَفَرَ المُلقَّنُ وإنْ كان على وَجْهِ اللَّعِبِ والضَّحِك.
قلتُ: فما يُحْكَى أنَّ مالِكيًّا أو شافعيّا رَجَعَ إلى بلده بعد تحصيل بعض الفقه في مَذْهبهِ، فكلَّما سُئِلَ عن مسألة فقال: فيها الوجهان لمالك، أو القولان للشَّافعيّ، فقال له قائل: أفي اللهِ شَكٍّ؟ فقال: فيه الوجهان، أو القولانِ، فَكَفَّروه، فيُحْكَمُ بِكُفْرِ
ملقنه حيثُ رضي بكُفْرِه بناءً على غَلَبَةِ ظَنَّهُ أَنَّه يَتَفَوَّهُ بقولِهِ مَا يُوجِبُ كُفْرَه. ومَن أَمَرَ امرأةً بأنْ تَرْتدَّ، أو أَفْتَى به المستفتيةَ، كَفَرَ الآمِرُ والمُفْتِي كَفَرَتِ المرأة أم لا.
قلت: وكذا مَن رَضِيَ بِارْتِدَادِها، فما أَقْبَحَ فِعْلَ بعض العلماء الذينَ في خدمة الأمراء، حيثُ يُعلمونهم الحيلة في الأشياء، فإذا اسْتَحْسَنوا امرأة متزوجةً، ولَمْ يُطلّقها زوجها، أَمَرُوها بالرّدَّةِ ليَتوسّلوا بها إلى نكاحها بعد إسلامها، أو يُبْقونَها على كفرها ويجعلونها في حُكْمِ الأسرى مملوكةً؛ ليقدروا على جماعها فوق ما معهم من
النِّساء الأربع. وفي «الخُلاصة»: وكذا المعلَّمُ كَفَرتِ المعلمة أو لا.
أي: لأنَّ المعلَّم يَسْمَلُ الملقِّنَ والمفتي وغيرهما.
وفي المحيط»: مَن أَمَرَ أحداً أَنْ يَكفُرَ كَفَرَ الآمِرُ، كَفَرَ المأمورُ أو لا. يعني: يَسْتَوِي الحُكْمُ في قبول المأمورِ وامتناعه.
ومَن عَلَّم الارتدادَ كَفَرَ المعلم، ارْتَدَّ الآخَرُ أو لا. قالوا: هذا إذا علم ليَرْتدَّ، أَمَّا
إذا عُلَّم أَنْ لا يَرْتدَّ، بل ليَعْلَمَ فَيَحْتِرِزَ عنه، لا يَكْفُرُ المُعلِّمُ.
وقال الفقيه أبو اللَّيثِ: إذا علَّم الارتدادَ وأَمَرَ بِهِ كَفَرَ، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ لَا يَكْفُرْ. قلتُ: الصَّحيحُ قول الجمهور، فإنَّه إذا علمهُ طَرِيقَ الارْتِدادِ ليرتدَّ ويرتكب الفساد، فلا شك أنَّه كَفَرَ؛ لانْقِلاب نيته فيما يجب عليه من الاعتقاد، فالمَدَارُ على قَصْدِه وجَزْمِهِ فِي عَزْمِهِ، فيُفيدُ أَنَّه إذا عَزَم على تعليمه بالارتداد، كَفَرَ بموجب الاعتقاد، والله لا يُحِبُّ الفسادِ.
ويؤيد قولنا ما نَقَلَه الجامعُ بقوله: وفي المحيط» و «مجمع الفتاوى»: من
عَزَمَ على أَنْ يَأْمَرَ أحداً بالكفر كان بعَزْمِهِ كافراً.
وفي «الخلاصة»: مَن قال: أنا مُلْحِدٌ، كَفَرَ؛ أَي: لأَنَّ المُلْحِدَ أَقْبحُ أنواع الكَفَرة.
وفي «المحيط» و «الحاوي»: لأنَّ المُلْحِدَ كافر، ولو قال: ما عَلِمْتُ أَنَّها؛ أي: هذه الكلمة كُفر، لا يُعْذَرُ بهذا؛ أي: في حُكْمِ القضاءِ الظَّاهِرِ، وإِنْ كان بينَهُ وبينَ اللَّهِ تعالى مُسْلِماً لو كان صادقاً.
وفي «الجَوَاهر»: مَن قال: لو كانَ كذا غداً وإِلَّا أَكْفُرْ، كَفَرَ مِن ساعتِهِ. وفي المحيط»: من قال: فأنا كافِرُ، أو: فأَكْفُرُ يعني: في جزاءِ الشَّرطيَّةِ المتقدمة أو مُطلَقاً قال أبو القاسم: هو كافر من ساعته.
ولو قال أحد الزوجين للآخَرِ: تَفْعلُ معي أموراً كلَّ زمانٍ أَكْفُرُ، أو قال: كلَّ زمَانٍ أَقْرُبُ مِن الكُفْرِ، كَفَرَ.
أقول: وفي المسألة الأخيرةِ نَظَر ظاهر؛ لأَنَّه يُمْكِنُ حَملُه على أنَّ الشَّيطانَ يُوقِعُني في الوسوسةِ النَّفْسيَّة، والخَطَراتِ الرَّدِيَّة، بحيثُ تُقرِّبُني إلى الكفر، ولكن يحفظني الله عنه بألطافهِ الخَفِيَّة.
أو قال الآخَرُ: أَثْعَبْتَني حتى أَرَدْتُ أَنْ أَكْفُرَ، كَفَرَ.
قلتُ: وهذا ظاهر؛ لأنَّ إرادة الكفرِ كُفْرٌ.
وفي «الفتاوى الصغرى: مَن قال لآخَرَ كُنْ إِنْ شِئْتَ مُسْلِماً، وَإِنْ شِئْتَ يهوديا، كلاهما عندي سَواءٌ، كَفَرَ لأَنَّ هذا رضى بالكفر، ومَن رَضِيَ بكفر غيره يَكْفُرْ، انتهى.
وتقدَّمَ الخلافُ، ولا يَبْعُدُ أَنْ يُقالَ: إِنَّه كَفَرَ لإطلاقِ قولِهِ المُستَلْزِمِ أَنْ تَكونَ الملة الحنيفية واليهودية سواء، إلا أن سياق الكلام يَدلُّ على أنَّ مُرادَهُ اسْتَواءُ إسلام الخَصْمِ وكفره عنده؛ لعَدَمِ مُبالاته بأمرِه.
وفي «الخلاصة» و «الحاوي»: قيل لمسلم: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ، كَفَرَ. أي: لأنه امْتَنَعَ عن الإقرار، وهو شرط إجراء أحكام الإسلام. بخلاف ما
لو قال: لا أقول بقولك، أو: أنا معلوم الإسلام.
وفي «اليتيمة»: فقال: لا أقولُ، بلا نيَّةٍ حَضَرتْ، أو على نيَّةِ التَّابِيدِ، كَفَرَ،
ولو نَوَى الآن لا؛ أي: لا يُكْفُر، وهو يؤيد ما قرَّرْنا. وفي الجَوَاهِر» و «المُحيط»: لو قال: ما رَبِحْتُ بقول هذه الكلمة حتّى
أقولَها كَفَرَ.
وفي «المُحيط»: لو قالَتْ كَوْنِي كافرةً خيرٌ من الكونِ مَعَكَ، كَفَرَتْ؛
لأنَّ المُقامَ مع الزَّوحِ فَرْضُ، فقد رجَّحَتِ الكُفْرَ على فَرْضِ. وفيه بحث؛ لأنَّ المُقامَ مع الزوج لو كان فرضاً لَمَا أُبِيحَ الخُلْعُ، فيُمْكِنُ حَمْلُ كلامها على أنَّ العِشرة في حالِ الكفر مع قُبْحِها أهونُ مِن العِشْرَةِ فِي صُحْبَتِكَ. ومَن دُعِيَ إلى الصُّلحِ فقال: أنا أَسْجُدُ للصَّنَمِ ولا أَدْخُلُ في هذا الصُّلِحِ،
قيل: لا يَكْفُرُ. أي: لأنَّ غاية كلامهِ أنَّ دخولَهُ في الصُّلح أصعبُ أو أَقْبحُ أو أَكْرَهُ مِن
الكفر، مع أنهما قبيحان.
وقال برهانُ الدِّينِ صاحب «المحيط»: وفيه نظر، وعندِي أَنَّه يَكْفُرُ.
بعدها في «ط» زيادة كلمة: «كَفَر» وهو خطأ ظاهر.
قلتُ: ولعلَّ وَجْهَ نظرِه أَنَّه رجّحَ الصُّلحَ الذي هو خير ـ كما قال الله تعالى - على الكفر الذي هو مَحْضُ الشَّرِّ، مع ما يَلْزمُه مِن تحريمِ الصُّلْحِ ولو فردا منه، على أنَّ قوله: أنا أَسْجُدُ للصَّنمِ إقرار بالكفر، وقولَهُ: ولا أَدْخُلُ هذا الصُّلْحَ إخبارٌ عن امْتِناعِهِ، فَيَثْبِتُ كُفْرُه أَوَّلاً، ولا يمنعه إخباره ثانياً، وإنْ كانتِ الجملةُ الثَّانية حاليّةً. ولو قال: ما أمرني فلان؛ أي: من المشايخ، أو العلماء، أو الأمراء أَفعل ولو
بكفر، أو قال: ولو كان بكلمة كُفْرٍ، كَفَرَ.
:أي: لأنَّه نَوَى الكفر في الاستقبالِ فيَكْفُرُ في الحال، ولقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، وهذا ربَّحَ حُكْمَ المخلوقِ بالكفر على أمر الخالق بالإيمان، ونهيه عن الكفر.
ومن قال: أنا بريء من الإسلام، قيل: يَكْفُرُ.
هكذا في النسخ، وهو غير صحيح؛ إذ يكفر في هذه الصورة بلا خلاف، وإنما الخلافُ فيما إذا قال: أنا بريء من الإسلامِ إِنْ فَعَلْتُ كذا، ثمَّ فَعَلَه، كما هو مُقرّر في محله.
وفي «الحاوي»: مَن مَرَّ على مُؤذِّنٍ يؤذِّنُ فقال: كَذَبْتَ، كَفَرَ. وفي «الجواهر»: أو قال: صوتُ طُرفةٌ، حين سَمِعَ الآذان أو قراءة القرآنِ
استهزاء، كَفَرَ.
وقوله: استهزاء يُفيدُ ما قرَّرْنا سابقاً حيث أطلقه.
في النسخ: «فرد»، والمثبت هو الجادة، والتقدير: ولو كان المحرم فرداً.
وفي اليتيمة: أو قال لمؤذن يؤذِّنُ - استهزاء بأذانهِ: مَن هذا المحرومُ الذي يؤذِّنُ.
وفي المحيط»: أو قال هذا صوتُ غير المعارف، أو صوتُ الأجانِبِ، كَفَرَ في الكلَّ.
أقولُ: أَمَّا إذا سَمِعَ صوت مؤذن غريبٍ فقال: هذا صوتُ أجنبي، أو غيرُ معروف، لا يَكْفُرُ.
ويؤيِّدُ ما قرَّرناه قوله: وإنْ قال لغيرِ المؤذِّنِ لا، يعني: إِذا أَذَّنَ بغيرِ وقت استهزاء
فقال له هذه الألفاظ، لا يَكْفُرُ.
وفي «الخلاصة»: من قال: النَّصْرانِيَّةُ خيرٌ من اليهودية، أو على العكس، يَكْفُرْ،
وينبغي أن يقول: اليهوديَّةُ شَرٌّ مِن النَّصرانية.
يعني: لأنه لا خير فيهما، وأحدهما شرٌّ مِن الآخر.
لكن لو أراد بخيريَّةِ النَّصرانيَّةِ قُرْبَها مِن الملَّةِ الإسلاميَّةِ لا يَكْفُرُ، قال تعالى: وَلَتَجِدَنَ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَرَى} [المائدة: ??]. وفي الخلاصة»: مَن قال: فلانُ أَكْفَرُ مِنّي؛ أَي: يَكْفُرْ إِذا أَرادَ أَنَّه أَفْعَلُ تفضيل
ن الكُفْرِ لا مِن الكُفْرانِ؛ كما قال تعالى: {قُتِلَ الْإِنسَنُ مَا أَكْفَرَهُ} [عبس: (17)]. أو قال: ضاق صَدْري حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَكْفُرَ، كفر؛ أي: إِنْ أَرادَ بـ أَرَدْتُ: قَصَدْتُ ونَوَيْتُ، بخلاف ما إذا أرادَ به كِدْتُ وقارَبْتُ، لِمَا تَقَدَّمَ، والله تعالى أعلم. وفي «الفَتَاوى الصُّغْرى»: مَن تَقَلْنَسَ بقَلَنْسُوَةِ المجوس؛ أي: لَبِسَها وتَشَبَّهَ بهم فيها أو خاط خرقةً صفراء على العاتي؛ أي: وهو من شعارهم،
أو شدَّ في الوسط خيطاً؛ أي: كَفَرَ إذا كان مُشابهاً بخيطهم أو رَبْطِهم، أو سماه زنَّاراً، وإلَّا فلا يَكْفُرُ أو شبّه نَفْسَه باليهودِ والنَّصَارَى؛ أي: صورة أو سيرةً على طريق المزاحِ والهَزْلِ أي: ولو على هذا المنوال كَفَرَ.
وفي «الخلاصة»: مَن وَضَعَ قَلَنْسُوةَ المجوس على رأسهِ، قال بعضُهم: يَكْفُر، وقال بعضُ المتأخّرين: إنْ كان لضرورة البردِ، أو لأنَّ البقرة لا تُعْطِيهِ اللَّبَنَ حَتَّى يَلْبَسَها، لا يَكْفُر، وإِلَّا كَفَرَ.
قلتُ: وكذا لُبْسُ تاجِ الرَّافضة مكروه كراهة تحريمٍ وإِنْ لَمْ يَكُنْ كُفراً، بناءً على عَدَمِ تكفيرهم؛ لقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: مَن تَشَبَّهَ بقومٍ فهو مِنْهُم. أَمَّا إذا كان في ديارهم ومأمورٌ لأنْ يمشيَ مُكْرَها على آثارِهم فلا يَضُرُّه.
وأما جواب بعض العلماء في مَقَامِ الإنكار عليه لُبْس هذه الكسوة: بأَنَّ قَلَنْسوةَ الأَزْبَكيَّةِ أيضاً بدعةٌ، فليس في مَحلَّه، فإنَّا ممنوعونَ مِن التَّشَبُّه بالكَفَرَةِ وأهل البدعة المُنكرةِ في شعارهم، لا مَنْهِيُّونَ عن كلِّ بِدْعَةٍ ولو كانَتْ مُباحةً، سواءٌ مِن أفعالِ أَهلِ السُّنَّةِ أو مِن أفعالِ الكَفَرَةِ وأهلِ البِدْعَةِ، فالمدار على الشّعار.
وفي «المحيط»: ولكنَّ الصَّحيحَ أَنَّه يَكْفُرُ مُطْلَقاً، وضرورة البردِ ليس بشيء؛ لإمكانِ أَنْ يُمزِّقَها ويُخْرِجَها عن تلك الهيئة حتّى تصير قطعةَ اللَّيْدِ فتَدْفع البرد، فلا
ضرورة إلى لبسها على تلك الهيئةِ.
قلت: تُتَصوَّرُ الضَّرورة بأن يكون المسلم أسيراً أو مُستَأْمَناً وأعارَه
الكافر تلك القَلَنسوة، فليس له أنْ يُغيّرها عن تلك الهيئة، على أن تغير تلك
الهيئة قد لا يكون مانعاً من دفع البرد.
ولو شدَّ الزُّنَّارَ على وَسَطة، أو وَضَعَ العَسَليَّ على كَتِفِه، فقد كَفَرَ.
أي: إِذا لَمْ يَكُنْ مُكْرَها فِي فِعْلِهِ.
وفي «الخلاصة»: ولو شَدَّ الزُّنّار، قال أبو جعفرِ الأُسْرُوشَنيُّ: إِنْ فَعَلَ لتخليص الأُسارى لا يَكْفُرْ، وَإِلَّا كَفَرَ.
ومَن تَزَنَّرَ بزِنَّارِ اليهودِ أو النَّصارى وإِنْ لَمْ يَدخُلْ كنيستهم كَفَرَ.
ومَن شدَّ على وَسَطِه حبلاً وقال: هذا رُنَّارٌ، كَفَرَ.
وفي «الظهيريَّة»: وحُرِمَ الزَّوجة.
وفي «المُحيط»: لأنَّ هذا تصريح بما هو كُفْرٌ.
وإِنْ شَدَّ المسلمُ الزَّنَّارَ ودَخَلَ دارَ الحربِ للتَّجَارَةِ كَفَرَ.
أي: لأنَّه تَلَبَّسَ بلباس كُفْرِ مِن غيرِ ضَرورةٍ مُلْجِيَّةٍ ولا فائدةٍ مُترتِّبَةٍ، بخلافِ مَن لَبِسَها لتخليص الأُسارى على ما تَقَدَّمَ.
قال: وكذا قال الأَكثرُ؛ أي: أكثر العلماء في لُبْسِ السَّواد؛ أي: على مِنْوَالِ لبسهم المعتاد.
وفي «المُلْتَقَط»: إذا شَدَّ الزُّنَّارَ أو أَخَذَ الغلَّ العَسَليَّ، أو لبس قلنسوة
المجوس جادًا أو هازلاً كَفَرَ، إِلَّا إِذا فَعَلَ خَديعة في الحرب.
وفي «الظَّهيريَّة»: وَمَن وَضَع قَلَنّسوة المجوسي على رأسه، فقيل له؛ أي: أُنكِرَ عليه فقال: يَنْبَغي أنْ يكونَ القلبُ سَوِيًّا، أو: مستقيماً، كَفَرَ؛ أي: لأنَّه أَبْطَلَ حُكْمَ ظَوَاهِرِ الشَّريعة.
ومن قال في غَضَبِهِ: كَفَرَ الرَّجُلُ، ثُمَّ قال: لَمْ أُرِدْ بِهِ نَفْسِي، كَفَرَ وَلَمْ يُصدَّقُ؛
أي: قضاء لا دِيانةً.
وفي «الخلاصة»: مَن قال: صَيْرورةُ المرء كافراً خيرٌ مِن الخيانة، أَفْتَى أبو القاسم الصَّفَّارُ أنَّه كَفَرَ.
أي: لأنَّه رجّحَ المعصية التي هي صغيرة أو كبيرة على الكفر الذي هو أكبر الكبائر إجماعاً، حيثُ قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: (48)].
معلم قال: اليهود خيرٌ من المسلمينَ، يَقْضونَ حُقوقَ مُعلِّمِي صِبْيَانِهم كَفَرَ. وفيه: أَنَّه يُمْكِنُ حَمْلُه على أنَّه أراد بالخيريَّة من هذه الحيثية، لا من جميع الوجوه الشرعية.
وفي «الظَّهِيريَّة»: مَن وَعَظُوه ولاموه على العصيانِ ومُخالَطَةِ أَهلِ الفُسوقِ وإعلان المعاصي، فغَضِبَ فقال: أَكْسو بعد اليوم قلنسوة المجوسي، وإنْ عنَى؛ أي: أراد هذا المعنى مع استقامة القلبِ كَفَرَ؛ أي: لأَنَّه وَعَدَ بالإخبارِ عن الإنكار بضد الإقرار المعتبر في كونه شرط الإيمان.
إلَّا أَنَّه قد يُقالُ: إِنَّه لا يَكْفُرُ؛ لاستقامة قلبه، وحصولِ إقراره سابقاً، غايته أَنَّه نَوَى أَنْ يَلْبَس تلك القلنسوة، ونيَّةُ المعصية ليست بكفر، فإنَّ المدار على المعرفة القَلْبيَّة.
ومَن مَرَّ في سِكَةِ النَّصارى، ورأى جماعةً منهم يشربون الخمرَ ويَطْرَبونَ بالمعازف والمغنيات، فقال: هذه سِكَةُ العِشرةِ، يَنْبَغِي أَنْ يَشُدَّ الإِنسانُ قطعةَ الحبل في وَسَطهِ، ويَدْخل فيما بينهم، ويَطِيبَ في هذه الدُّنيا، كَفَرَ.
أي: لِمَا سَبَقَ، ولزيادة إرادة تحليل ما حَرَّمَ اللهُ تعالى.
وما أَحْمَقَه! فإنَّ هذه العِشْرةَ الدُّنْيويَّة الدَّنيَّةَ تُتصوَّرُ أيضاً في الحالة الإسلامية،
مع أنَّ تعذيبه سبحانه له جَعَلَه تحت المشيئة في العقوبة الأُخرويَّة، على أَنَّه: لا عَيْشَ
إلَّا عَيْشُ الآخِرَة.
وفي «الخلاصة»: مَن أَهْدَى بيضةً إلى المجوس يومَ النَّيْرُوزِ كَفَرَ.
أي: لأنَّه أعانَهُ على كُفْرِه وإغوائه، أو تَشَبَّهَ بهم في إهدائه. ومفهومه أنَّه لو أَهْدَى شيئاً في يومِ النَّيروز إلى المسلم لا يَكْفُرْ، وفيه نظر؛ إذ
التَشَبهُ موجود، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقالَ: وَقَع اتفاقيًّا مِن غَيرِ قَصْدِ إِلى النَّيْروزِيَّة. وفي مَجْمَعِ النَّوَازِلِ»: اجْتَمَعَ المجوسُ يومَ النَّيروز، فقال مسلِمٌ: سِيرةٌ حَسَنَةٌ وَضَعوها، كَفَرَ.
لأَنَّهُ اسْتَحْسَنَ وَضْعَ الكَفِرِ مَع تَضَمُّنِ اسْتِقْبَاحِهِ سِيرةَ الإسلام. وفي «الفَتاوَى الصُّغرى»: مَن اشْتَرَى يومَ النَّيروزِ شيئاً لَمْ يَكُنْ يَشتَرِيهِ
قبل ذلك، إن أرادَ به تعظيمَ النَّيروزِ كَفَرَ؛ أي: لأَنَّه عَظَّمَ عِيدَ الكَفَرِةِ وَإِنِ اتَّفَقَ الشَّراءُ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ هذا اليوم يومُ النَّيروز، لا يَكْفُرْ.
قلتُ: وكذا إذا عَلِمَ أَنَّ اليوم هو النَّيروزُ لكنَّهُ اشْتَرَاهُ بسببٍ آخَرَ مِن حدوثِ ضيافة ونَحْوِها، فإِنَّه لا يَكْفُرُ.
ومَن أَهْدَى يومَ النَّيروزِ إلى إنسانٍ شيئاً وأرادَ به تعظيمَ النَّيروزِ، كَفَرَ. ولو سأل المعلمُ النَّيروزيَّةَ ولَمْ يُعْطِه المسؤول عنه يُخْشَى على المعلم الكفرُ؛ أي: ولو أَعْطَى المسؤول عنه يُخْشَى أيضاً عليه الكفر.
وفي اليتيمة»: مَن اشْتَرَى يومَ النَّيروز ما لا يَشْتَرِيه غيرُه مِن المُسلِمِينَ كَفَرَ، حكي عن أبي حَفْصِ الكبير: لو أنَّ رجلاً عَبَدَ اللهَ خمسين عاماً، ثُمَّ جَاءَ يومُ النَّيروزِ فأَهْدَى إلى بعض المشركينَ بيضةً يُريدُ تعظيم ذلك اليوم، فقد كَفَرَ بالله العظيم،
وأَحْبَطَ عَملَ خمسين عاماً.
وَمَن خَرَجَ إِلى السُّدَّةِ؛ أي: مُجْتَمَعِ أهل الكفر في يومِ النَّيروزِ كَفَرَ؛ لأنَّ فيه
إعلان الكفر، وكأنه أعانهم عليه.
وعلى قياس مسألةِ السُّدَّةِ: الخروج إلى نَيروز المجوس، والموافقة معهم فيما
يَفْعَلُونَه في ذلكَ اليومِ، يُوجِبُ الكُفْرَ.
ومَن أَسْلَمَ منهم، فخَرَجَ إليهم في ذلك اليوم ووافقهم، صارَ كافراً. وفي «الجواهر»: من قيل له: لا تأكل الحرام، فقال: اثْتِني بواحد لا يأكلُ الحرام - أو بواحد يأكل الحلال - أؤمن به، أو: أَسْجُدْ له، أو: أُعَزِّزُه، كَفَرَ.
أي: لأنَّ المؤمن به هو الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، والسَّجدة حرام لغيره سبحانه.
وأَمَّا التَّعزيز سواء يكونُ بزاي ثُمَّ راءٍ، أو بزائين، فهو بمعنى التَّعظيم له، فلا
وجة لكفره، مع أنَّ الإيمان قد يأتي بمعنى الاعتقاد، والسَّجدة بمعنى الانقياد. ومن قال: يَنْبَغِي أَنْ يُوجَدَ المالُ، أو يكونَ المال، حلالاً كان أو حراماً، أو قال: من الحلال كان أو من الحرام، فهذا القائل إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان. أي: لأَنَّه يَدُلُّ الحال على أنَّه يَستوِي عنده الحرام والحلال، إلَّا أَنَّه لما فرق بينهما في المقالِ ما حَكَموا بكُفْرِه في الحال، بل قالوا: يُخْشَى عليه من الكفر في المال.
وفي «الفتاوى الصُّغْرَى: ومَن قيل له: لِمَ لا تَحُولُ حَوْلَ الحَلَال؟ فقال: ما
دامَ أَجِدُ الحرامَ لا أَحُولُ حولَ الحلال، ولا أَلْتَفِتُ إلى الحلال، كَفَرَ. أي: في الحال؛ لأنه عكس وضعَ الشَّرع الشريف، حيث إنه أباح الحرام عند فقد الحلال.
وفي «الظَّهيريَّة»: ومن قيل له: كُلِّ مِن الحلال، فقال: الحرامُ أَحَبُّ إِلَيَّ، كَفَرَ.
أي: لأنه خالف وَضْعَ الشرعِ فَأَحَبَّ مَا كَرِهَ الله ورسوله.
أو قال: يَجوزُ لي الحرام، كَفَرَ؛ أي: لكونه صارَ إباحيًّا.
وفي المحيط»: قيل لرجل: حلال واحدٌ أَحَبُّ إِليك أَمْ حَرَامان؟ فقال: أَيُّهما أسرع وصولاً، يُخافُ عليه الكفر؛ أي: إِنْ لَمْ يَكُنْ مضطرًا.
بل هي أشد من كثير من المسائل المذكورة في هذا الكتاب والتي وقع فيها التكفير على ما
هو أقل من هذا بكثير!
أقولُ: وهو الظَّاهِرُ؛ لقوله تعالى: {قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثرَةُ الْخَبِيثِ} [المائدة: (100)] حيثُ اختارَ ضِدَّ ما اختاره الله تعالى. ومن قال: أُعْلِنُ الإسلام، أو قال: أُظْهِرُه، حينَ اشْتَغَلَ بِالشُّربِ، أو قال: ظَهَرَ الإسلام، كَفَرَ.
وفي «الخلاصة»: وَمَن يَعْصِ ويقولُ: يَنْبَغِي أَنْ يكونَ الإِسلام ظاهراً، يَكْفُرْ. أي: لكونهِ جَعَلَ شُرب الخمر والمعصية ظاهِرَ الإسلامِ والطَّاعَةِ، فَقَلَبَ موضوع الشريعة.
وفي «المحيط»: فاسق قال في مجلس الشُّربِ لجماعةِ الصُّلَحاءِ: تَعالُوا أَيُّهَا الكفَّارُ حتّى تروا الإسلام، كَفَرَ؛ أي: إِنْ لَمْ يكنْ هذا القول منه في حالِ سُكْرِه. ومن قال: أُحِبُّ الخمرَ ولا أصبرُ عنها، قيل: يَكْفُر؛ أي: إِنْ أرادَ بالمحبَّةِ
الرّضَى والحلّيَّةَ، بخلافِ ما إذا أراد به المحبَّةَ النَّفْسيَّة والطَّبْعيَّة. ومن قال: لو صُبَّ أو أُرِيقَ مِن هذه الخمرِ شَيْءٌ لَرَفَعَه جبريلُ بجناحِهِ، كَفَرَ. قلت: فالعباراتُ البيِّنةُ الفارِضيَّةُ في قصيدته الخَمْريَّة، وكذا الأشعار الحافظيَّةُ والقاسميَّة 4 وأمثالهم، كلماتٌ كُفْريَّة، لمَن حَمَلَها على المعاني الظَّاهِرِيَّة؛ كأهل الإلحاد والإباحية.
وفي «الجواهر: من قال: ليت الخمرَ أو الزِّنَى أَو الظُّلَمَ أو قتلَ النَّفْسِ كان حلالاً، كَفَرَ.
وفيه بحث؛ إذ غايةٌ حالِهِ أَنَّه تَمَنَّى على الله تعالى مُحالاً، ولعلَّ وجهَ كُفْرِه استِحْسانُ هذه المعاصي، لكن إذا لم يَكُنْ على وجه الاستخلال، لا يكون كفراً في الحال.
وفي «الخلاصة»: مَن تَمنَّى أنْ لا يكونَ حَرَّمَ اللهُ تعالى الزِّنَى، أو القتل بغيرِ حَقٌّ، أو الظُّلْمَ، أو أكل ما لا يكونُ حلالاً في وقتٍ مِن الأوقاتِ، يَكْفُرْ. ومَن
تَمنَّى أنْ لا يُحرم الخمر، ولا يُفْرِضَ عليهم صوم رمضان، لا يَكْفُرُ.
ولعل الفرقَ: أَنَّ الأَوَّلَ مِن المجمَعِ على حُرمته في جميع الكتب وعند سائر الرُّسل، بخلافِ الآخَرَينِ، فإنَّه كان شُرب الخمرِ حلالاً، وصوم رمضانَ لم يَكُنْ فرضاً على غير هذه الأُمَّةِ، لكنْ لَمْ يَظْهَرْ لي نتيجةُ هذا الفرق، فإنَّه لا فرق بين الحُكْمِ الإلهي أولاً بالعموم وآخراً بالخصوص.
وفي «الجَوَاهر»: مَن أَنْكَرَ حُرمة الحرامِ المجمع على حُرمتِهِ، أو شَكٍّ فيها؛
أي: يَسْتَوِي الأمرُ فيهما كالخمرِ والزِّنَى والطُّوَاطةِ والرِّبَا كَفَرَ.
أو زَعَمَ أَنَّ الصَّغائر والكبائر حلالٌ، كَفَرَ؛ أي: لزَعْمِهِ الباطل، وهو واضح، إِلَّا أَنَّ الصَّغائر مغفورةٌ بعد اجتناب الكبائر عند المعتزلة، ومَعْصيةٌ عند أهلِ السُّنَّةِ ولو بعد التوبة عن الكبيرة.
وَمَن أجاز بيع الخمرِ كَفَرَ.
أي: إذا أجاز بيعها لأهل الإسلام دونَ أهل الجزية، لا يقالُ: أَحَلَّ اللهُ البيع؛
لأنَّ اللام للعهد، وهو البيع المشروع؛ إذ لا يَجوزُ بيع الخمر للمسلم إجماعاً. ومَن اسْتَحلَّ حراماً وقد عَلِمَ تحريمَهُ مِن الدِّين؛ أي: ضرورة؛ كنكاح المحارم أو شرب الخمر أو أكل المَيْةِ أو الدَّمِ أو لحم الخنزير؛ أي: في غير حالِ الاضْطِرارِ من غير إكراه بقتل أو ضرب فظيع لا يَحْتَمِلُه كَفَرَ. وعن محمد بدونِ الاستحلالِ ممَّن ارْتَكَبَ كَفَرَ.
أي: في رواية شاذَّةٍ عنه، ولعلَّها محمولةٌ على مرتكب نكاح المحارِمِ، فَإِنَّ سياقَ الحالِ يَدُلُّ على الاستخلال، بخلافِ بقيَّة المحرَّماتِ، والله تعالى أعلمُ بالأحوال. قال: والفَتْوَى على الترديد: إِنِ اسْتَعْمَلَ مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، وَإِلَّا لا، وإِنِ ارْتَكَبَ مِن غيرِ استِحْلالٍ فَسَقَ.
وفي «الفتاوى الصُّغرى»: مَن قال: الخمر حلالٌ، كَفَرَ؛ أي: ولو كا من أهل غزوة بدر؛ كما توهمه بعضُ الصَّحابةِ في زَمَنِ عُمَرَ
وفي «المحيط»: أو ليس بحرام، وهو لا يَعْلَمُ أَنَّه حرامٌ، كَفَرَ الجملة حاليَّةٌ
لأنَّه استحَلَّ الحرام قطعاً؛ أي: لوُرودِه نصا قاطعاً، ولا يُعْذَرُ بالجَهْل. وفي «الخلاصة»: من قال لرمضان: جاء هذا الشَّهرُ الطُّويلُ وفي المحيط»: أو الثَّقيلُ، أو: الضَّيفُ الثَّقيلُ، أو عند دخولِ رَجَبٍ أَو بِعَقَبِهَا: وَقَعْنَا فِيهِ، تَهَاوناً برمضان أو بالمواسم؛ أي: مواسم الخيراتِ، وكَرِهَها طبعاً خلاف ما أُمِرَ بحبها شرعاً كَفَرَ، فإنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كان إذا دخل رجبٌ يقولُ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لنا في رَجَب وشعبان وبلغنا رمضان».
وفي «الظهيريَّة»: لو قال: وَقَعْنا فيه مرَّةً أخرى، تهاوناً بالشُّهور المفضّلة شرعاً، واسْتِثْقالاً للطَّاعة؛ أي: طَبْعاً لا كَسَلاً وضَعْفاً أو قال عند دخول رجب:
بفتنتها آندر أفتاديم؛ أي: وَقَعنا في محنتِها وبَلِيَّتِها كَفَرَ.
وإن أراد به تَعَبَ النَّفْسِ لا؛ أي: لا يَكْفُرُ؛ لأنَّه أَمرٌ جِبلي لا يَدخُلُ تحت اختيار العبد، بل الأجرُ على قَدْرِ المَشَقَّةِ، وقد وَرَدَ: أَفضَلُ الطَّاعَاتِ أَحْمَزُها؛ أي: أشدُّها وأصعبها وأشقها وأحمضُها.
أو قال: كَمْ مِن هذا الصَّومِ؛ أي: صوم رمضانَ فَإِنِّي مَلَلْتُه؛ أي: كَرِهْتُه
فهذا كُفْرُ؛ أي: بخلافِ المَلَالِةِ بمعنَى السَّامَةِ، فإِنَّ نَفْيها مختص بالملائكة، حيثُ قال تعالى: وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ} [فصلت: ??].
وفي المحيط»: مَن: قال هذه الطاعاتُ جَعَلَها الله عذاباً علينا، مِن غير تأويل، كَفَرَ؛ أي: لأنَّ الله تعالى جَعَلَها أسباباً لِمَا يكون في الآخرة ثواباً، عقاباً، وإلا فالله تعالى غني عن العالمين؛ أي: عن عبادتهم عنه ويرتفع وعِقابِهم وثَوَابِهم في ذهابهم ومَآبِهم.
قال: فَإِنْ أَوَّلَ مُرادَه بِالتَّعَبِ؛ أي: أرادَ بالعذابِ التَّعَبَ لا؛ أي: لا يَكْفُر. ومن قال: لو لم يَفْرِضُها الله تعالى كانَ خيراً لنا، بلا تأويل، كَفَرَ؛ أي: لأنَّ
الخير فيما اختاره الله تعالى، إِلَّا أَنْ يُؤَوِّلَ ويُريد بالخيرِ الأَهْونَ والأسهل، فتأمل. وفي «الخلاصة»: رَجُلٌ يَرْتكِبُ صغيرةً، فقال لهُ آخَرُ: تُب، فقال المرتكِبُ: ما فَعَلْتُ؛ أي: أيُّ شيءٍ فَعَلْتُ حتَّى أحتاج إلى التّوبة؟، وفي «المحيط»: أو قال: حتَّى أتوبَ، كَفَرَ؛ أي: على قواعد أهلِ السُّنَّةِ، خلافاً للمُعْتَزِلَةِ؛ لِمَا قدَّمنا في تحقيق المسألة.
وفي «اليتيمة»: لو قال: لا أتوبُ حتّى يشاء الله تعالى توبته، ورآه عُذْراً، كَفَرَ. أي: لأنه لا يجوز للعاصي حال ارتكاب المعصية أنْ يعتذر بالقضاء والقَدَرِ والمشيئة، وإن كان حقا في نَفْسِ الأمرِ، ولهذا ذَمَّ الله سبحانه الكفَّارَ بقوله: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} [الأنعام: (148)] مع قوله سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا} [الأنعام: (107)] وإِنَّما تجوزُ المعذرة بالمشيئة بعدَ التَّوبة، وهذا معنى قولهِ عليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «حَجَّ آدَمُ موسَى» الحديث.
وفي «المحيط» و «الخلاصة»: قيل لفاسِيّ: إِنَّكَ تُصبحُ كلَّ يومٍ وتُؤْذِي اللَّهَ و خَلْقَ الله! فقال: آتي بالطَّيِّبِ، أو: نِعْمَ ما أفعل؛ أي: كَفَرَ إِلَّا إِذا أَراد بقولهِ: إِنَّه ما يفعل ما يكون سبباً لأذى الحقِّ والخَلْقِ، فإنَّه لا يَكْفُرُ.
ولو قال للمعاصي: هذا أيضاً طريقٌ ومذهب، كَفَرَ.
أي: إذا أراد بهما: مَذهَبَ الشَّرع وطريق الحقِّ، وإِلَّا فلا شك أنَّ المعاصي طرق ومذاهب وسُبُلٌ، سواء تكون كفراً أو بدعةً، فإنَّهما طريقانِ إِلَى النَّارِ، وَمَذْهَبَانِ إلى دارِ البَوَار، ففي التنزيل: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمَا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ، ذَلِكُمْ وَصَنَكُم بِهِ} [الأنعام: (153)].
وفي «المحيط»: مَن تَصَدَّقَ على فقير شيئاً مِن الحرامِ يرجو الثَّوَابَ كَفَرَ. وفيه بحث؛ لأنَّ مَن كان عنده مال حرام فهو مأمور بتصدقه على الفقراء، فيَنْبَغي أن يكون مأجوراً بفعله حيثُ قام بطاعة الله تعالى وأَمْرِه، فلعل المسألة موضوعةٌ في مال حرامٍ يَعْرِفُ صاحبَه وعَدَلَ عنه إلى غيره في عطائِهِ؛ لأَجْلِ سُمْعَتِهِ وريائِهِ، كما كَثُرَ هذا في سلاطينِ الزَّمانِ وأُمَرائِه.
كَفَرَا.
وفي «الخلاصة»: أو علم الفقيرُ أنَّه من الحرام، ودَعَا له وأمن المعطي، وفي «الظهيرية»: دَفَعَ إلى فقير شيئاً من الحرام يرجو الوابَ، كَفَرَ، ولو عَلِمَ الفقيرُ ودَعَا له بعد العلم بتحريمه وأمن المعطي، كَفَرَا جَميعاً. أي: لأنَّ الدُّعاءَ والتَّأمِينَ إِنَّما يكونا في ارتكاب الطَّاعَةِ وحالِ الحَلَالِ، دون المعصية وارتكاب الحرام، فتأمل في المَقامِ يَظْهرُ لك المَرَام، فإنَّ المعطي قد يريدُ بعطائه هذا تخليصه من آثامِ الأنامِ يومَ القِيامة.
وفي «الخلاصة: مَن قال: أَحْسَنْتَ لِمَا هو قبيح شرعاً، أو: جَوَّدْتَ، كَفَرَ؛ أي كما إذا قتل سارقاً أو شارباً.
ولد فاسق شَرِبَ الخمرَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وجاء أَقْرباؤُه أَو مَن يَقْرُبُ إِليه مِن أصدقائهِ ونَثَروا عليه دنانير أو دراهم أو أزهاراً أو أثماراً، كَفَروا.
ولو لَمْ يَنْظُروا، ولكن قالوا ليَكُنْ؛ أي: شُربُه مُبارَكاً، كَفَرُوا أَيضاً؛ أي: لأنَّ المعصية التي هي شومٌ عَدُّوها مبارَكةً، فكأَنَّهم جعلوا الحرام حلالاً مع زيادة البركة. وفي معناه: لو خَلَعَ سلطان أو أميرٌ على خطيب أو إمام أو واعظ أو مدرس أو غيرهم لباساً محرماً، فأتوه أصحابه وقالوا له: مُبارَكٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا إِنْ قَصَدوا بالمُبارَكَةِ: مباركة المنصب، لا لبس الخِلْعةِ.
قال: وأيضاً مَن قال حينَ شَرِبَ الخمرَ: فَرَحٌ لَمَن فَرِحَ بِفَرحِنا، وخَسَارَةٌ ونُقصانٌ لمَن لَمْ يَفرَحْ بِفَرَحِنَا، كَفَرَ.
أي: لأنَّ الفَرَحَ فَرْعُ الرّضاءِ والمحبَّةِ، وهو بالمعصية كفر، والخسارة والنقصانُ لا يكونان إلَّا بالمعصية لا بالطَّاعة؛ كما قال الله تعالى: {فَمَا رَبِحَت تجَرَتُهُمْ} [البقرة: (16)] وقال تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ} [الأنعام: (31)] فلمَّا عَكَسَ القضيَّةَ وَقَعَ فِي تِيهِ الكُفْرِ وحَضِيض البَليَّة.
ولو قال: حرمة الخمرِ لا تَثْبُتُ بالقرآنِ، كَفَرَ.
أي: لأنَّه عارَضَ نصَّ القرآنِ، وأَنْكَرَ تفسير أهلِ الفُرقان، وقد قال تعالى: {يَأَيُّهَا
يعني: لو قال ذلك لأمير يقتل بغير حق، كما إذا قتل هذا الأمير سارقاً أو شارباً، فيقول له: جودت له، الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: (90)] وفي الآية مُبالغات عظيمة عند فُهوم سَلِيمة، لا تُدْرِكُها عقولٌ سَقِيمة.
وفي «اليتيمة»: مَن أَنْكَرَ حُرمَةَ الحَمِرِ في القرآنِ كَفَرَ.
وفي الخُلَاصة»: مَن قال: مَن لا يَشْربُ مُسْكِراً فليس بمسلِمِ، كَفَرَ. ومَن اسْتَحَلَّ شُربَ نبيذ التَّمْرِ إلى السُّكْرِ؛ أي: إلى حَدٌ سُكْرِه كَفَرَ؛ أي: بخلافِ مَنِ اسْتَحَلَّ قليله، خلافاً للشَّافعيّة، حيثُ قالوا: ما أَسْكَرَ كثيره فقليله حرام أيضاً. ومَن استَحَلَّ وَطْءَ امرأتِهِ حائضاً كَفَرَ، والدَّوَاطةَ معها كَفَرَ؛ أي: سواء كان حالَ حَيْضِها أو غيرها.
وفي الأوَّلِ خلافٌ لبعض السَّلَفِ، حيثُ أباحوا له كما ذَكَرَه السُّيوطي في
تفسيره المأثور، المسمَّى بـ «الدر المنثور»، فالأخوطُ أَنْ لا يُحْكَمَ بكفره حينئذٍ. وفي المحيط»: استخلال الجماع في الحيض كفر، وقيل: استحلال الجماع قبل الاستبراء؛ أي: من غير حيلة إسقاطه بدعة وضلالة وليس بكفر؛ أي: لأنه حرام بلا خلاف، إِلَّا أَنَّه ثَبَتَتْ حُرمته بالسُّنَّةِ لا بنص في الآية، وسيأتي تفصيل حَسَنٌ في هذه المسألة إن شاء الله تعالى. وفي «فوز النجاة»: استحلال الجماع حالة الحيض كفر، وقبل الاستبراء بدعةٌ وضَلالة.
وفي المحيط»: مع اعتقادِ النَّهي في الاستبراء للحُرْمةِ: إِنِ اسْتَحَلَّها قبل الاستبراء كَفَرَ، والإمامُ شمسُ الأَئِمَّةِ السَّرَخْسي مالَ إِلى التَّكْفِيرِ مِن غيرِ تفصيل، وكذا عن ابنِ رُسْتُمَ.
وفي الفَتَاوَى الصُّغرى، عن ابن رُسُتُم إِنِ اسْتَحَل منأولاً أنَّ النَّهي ليس للتحريم، أو لَمْ يَعْرِفِ النَّهْيَ؛ أي: لَمْ يَبْلُغُه حديثُ النَّهْي لا يَكْفُر، ولو استَحَلَّ مع اعتقادِه أَنَّ النَّهيَ للحرمةِ كَفَرَ.
وعن ابنِ رُسْتُمَ في النَّوازل» التَّكفيرُ مُطْلَقاً؛ أي: مِن غير تفصيل. وفي «اليتيمة»: من رأى؛ أي: جَوَّز وأَباحَ نِكاح امرأة أبيه؛ أي: عَقْدَها أو وَطْأها صارَ مرتدا. وَمَن تَمَنَّى عَدَمَ حُرْمَةِ مَا يَقْبُحُ فِي العقلِ كَالظُلْمِ وقولِ النُّورِ كَفَرَ وفيه: أنه تقييد ببعض ما تقدَّم، مع أنَّه لا عبرة في الشَّرعِ والنَّقل بتقبيحِ العَقْل. وَمَن أَنْكَرَ حِكْمَةَ مَطَرٍ أَو نَفَى كَفَرَ، انتهى. وفيه نظر لا يَخْفَى. وفي المحيط»: ومن قال بعد قُبلة أجنبيَّةٍ: هي لي حلالٌ، كَفَرَ. ومَن تَمَنَّى أَنْ لَا يُحَرَّمَ الأكلُ فَوقَ الشَّبَعِ كَفَرَ؛ لأنَّ إباحته لا تليق بالحكمة؛
أي: لأنَّ أكثرَ المَضَرَّةِ مِن التَّخَمةِ ومَلْءِ المعدة، كما ثَبَتَ في السُّنَّةِ. وفي «الجواهر»: من قيل له: لِمَ لا تُزكَّي؟ فقال: إلَى مَتَى أُعْطِي هذهِ الغَرَامَةَ؟ كَفَرَ. ولو قيل لمَن وَجَبَ عليه الزَّكاةُ: أَدَّ الزَّكَاةَ، فقال: لا أُؤَدِّي، كَفَرَ والصَّحِيحُ
التَّفصيلُ الذي ذَكَرَه بقوله:
وقيل: إذا قال ذلك على وجهِ الرَّدَّ؛ أي: ردّ حُكْمِ الله والجحود؛ أي:
أَنْكَرَ وُجوبَها كَفَرَ، وَإِلَّا لا.
ومن قال لآخَرَ: أَعِنِّي بحقِّ، فقال: كلُّ أحد يُعينُ بحقِّ - أو: على حَقِّ - فأما أنا أُعِينُكَ بغير حق، أو: بظلم، قال بعضُ العلماء: يَكْفُرُ.
أي: إِنِ اسْتَحَلَّ ذلك؛ لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبَرِ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ} [المائدة: (2)].
ومَن قال لآخَرَ: اذْهَبْ إلى فلانٍ ومُرْهُ بمعروف، فقال: ماذا أضرني ـ أو قال:
ماذا جَفاني - حتَّى آمُرَه بمعروف؟ كَفَرَ
أي: باعتقاد أن الأمر بالمعروف ليس بواجب، وأنَّه إِنَّمَا يَأْمرُ به مَن يَأْمرُ لعداوة نفسيَّةٍ وخُصومةٍ دُنْيويَّة.
وفي «الظهيريَّة»: مَن قيل له: ألا تأمرُ بالمعروف؟ فقال: ما فَعَلَ لي؟ أو قال: أيُّ ضَررٍ منه لي؟ أو قال: أنا اخْتَرْتُ العافية، أو قال: ما لي بهذا الفضول؟ كَفَرَ. وفيه أنه إذا قال: أيُّ ضَرَرٍ منه لي؟ لا يَكْفُرُ؛ لقوله تعالى: لَا يَضُرُّكُم مَن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: (105)]، وكذا إذا قال: أنا اخْتَرْتُ العافية وأرادَ به السكوت طلباً منه للسَّلَامة ممَّا يَتوَقَّعُ فيه الفتنة والآفة لا يَكْفُرُ، فقد قال عليه السَّلام: «إذا رأيتَ شُحًا مُطَاعاً، وهَوَى مُتَّبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصةِ نَفْسِكَ ودَعْ أَمْرَ العَامَّةِ.
وأما إذا قال: ما لي بهذا الفُضولِ؟ فيَكْفُرُ، بخلاف ما إذا أراد به أنَّ هذا أمرٌ يتعلق بالأمراء، أو بالقُضاة ونحوهم من العلماء، فإنَّه لا وجه لكُفْرِه. وفي «الخلاصة»: أو قال لآمر المعروف: جِئْتُم بِالغَوْعَاءِ، أو: بالشَّغَبِ، يُخَافُ
عليه الكفر.
أي: إن أراد بنفس الأمر بالمعروفِ أَنَّه غَوْعَاءُ وشَغَبُ، بخلافِ ما إذا أرادَ ما يَترتَّبُ عليه مِن بلاءٍ وتَعَب.
وفي «الفتاوى الصُّغرى»: من قال: إنَّه مجوسي، أو: بريءٌ مِن اللَّهِ إِنْ كُنتُ فَعَلْتُ كذا، وهو يَعْلَمُ أنَّه قد فَعَله، كَفَرَ، قال الفَضْلي: وتبين امرأته. ومَن قال: فهو يهودي أو نصراني إنْ فَعَلْتُ كذا، وهو يَعْلَمُ بِفِعْلِهِ، كَفَرَ.
أقولُ: والصَّحيحُ التَّفصيلُ الآتي إِنْ شاءَ اللهُ تعالى.
وفي «الجواهر»: إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّه يَكْفُرُ إِنْ فَعَلَ يَكْفُرْ؛ لأنَّ الإقدام عليه يكونُ رِضاءَ بالكفر، فليس له تَعَلُّق بما تَقَدَّمَ؛ لأنَّه مفروض فيما صَدَرَ عنه في الماضي، والإقدام عليه لا يكونُ إِلَّا في الحال والاستقبال.
وفي «فوز النجاة»: مَن قال: يَعْلَمُ اللهُ أَنِّي فَعَلْتُ هذا، وكان لَمْ يَفْعَلْ، كَفَرَ. أي: لأَنَّه كَذَبَ على الله عزَّ وجلَّ، وقد قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأنعام: (21)]. ولو قال: يَعْلمُ اللهُ أَنَّه هكذا، وهو يَكْذِبُ، كَفَرَ. أقول: ولعل الفرق بين المسألتين: أنَّ الأُولَى نِسبةٌ في الفعل، والثانية نسبة في القول.
وكذا لو قال: الله تعالى يَعْلَمُ أَنَّكَ أَحبُّ إليَّ مِن وَلَدي، وهو كاذب فيه، كَفَرَ. قلت: ولا يُمْكِنُ صِدْقُهُ إِلَّا إذا أرادَ به أَنَّه أَحَبُّ مِن بعض الوجوه. وفي المحيط»: لو قال: الله يعلمُ أَنِّي لَمْ أَزَلْ أَذْكُرك بدعاء الخير، قال بعضُهم: يَكْفُرُ.
أي: إن أراد به الدَّوَامَ الحقيقي، فإنَّه لا يُتصَوَّرُ وقوعه، فيكون كاذباً على الله، بخلاف ما إذا أراد المبالغة في الكثرة فإنَّه لا يَكْفُرُ إلَّا إذا كان ذِكْرُه له نادراً داخلاً في حَدِّ القِلَّةِ.
وإذا قال: هو يَهودي، أو نَصْراني، أو مجوسي، أو بريء من الإسلام، وما أَشْبَهَ ذلك، إنْ فَعَلَ كذا، على أمر في المستقبل، فهو يمين عندنا، والمسألة معروفة، فإنْ أَتَى بالشَّرطِ وعندَه أَنَّه يَكْفُرُ كَفَرَ، وإِنْ كان عندَه أَنَّه لا يَكْفُرُ مَتَى أَتى بالشَّرطِ لا يَكْفُر، وعليه كفَّارة يمين؛ أي: لا غير، ويكونُ قَصْدُه بذلك الكلام هو المبالغة عن امتناعه وتقبيحِهِ لذلك المَرَام.
وإنْ حَلَفَ بهذه الألفاظ على أمرٍ في الماضي وعنده أَنَّه لا يَكْفُرُ كاذباً، لا كفَّارة عليه لأنَّه غموس؛ أي: يَغْمِسُ صاحبَه في النَّارِ لكونه كبيرةً فهل يَكْفُرُ؟ فهو على ما ذكرنا؛ أي: كما حرَّرنا وفي الماضي والمستقبل، إِنْ كان عندَه أَنَّهُ يَكْفُرُ كَفَرَ؛ لأنَّه رضاء منه بالكفر، والرّضَى بالكفر كفر، وعليه الفتوى.
ولو قال: بالله وبروحك، أو: برأسكَ، قال بعضُ المشايخ: يَكْفُرُ، حيثُ عَطَفَ غير الله سبحانه عليه، وشاركه في تعظيمه لديه.
ولو قال: بالله وبترابِ قَدَمِكَ، كَفَرَ عندَ الكلِّ؛ أي: لأنَّ فِي الأَوَّلَيْنِ ما يُشْعِرُ بتعظيم الله تعالى في الجملة، وفي الأخير ما يُشير إلى إهانته سبحانه وتعالى، حيثُ قابَلَ الرَّبَّ الخالق بترابِ قَدَمِ المخلوق، وما للتّرابِ ورب الأرباب؟!
وفي المحيط»: قال علي الرازي: أخافُ على من يقولُ: بحياتي وحياتِكَ، ـ وما أشبه ذلك - الكُفر؛ أي: لظاهِرِ قوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا} [البقرة: ??]، ولقولهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن حَلَفَ بغيرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ»، ولكنْ لمَّا كان الحالِفُ أراد مُجرَّدَ تعظيم نَفْسِه أو نَفْسِ مخاطبه في الجملة، لا على وَجْهِ المقابلة والمشاركة ما يُجْزِمُ بكُفْرِه.
ويَدْخُلُ في قوله: وما أشبه ذلك لو حَلَفَ بالنَّبيِّ، أو روح النبي، وحياةِ النَّبيِّ، أو بالكعبة، أو الأمانة، وأمثال ذلك.
ولو قال: إنَّ العامَّةَ يقولونه ولا يَعْلمونهُ لقُلْتُ: إِنَّهُ شِرْكٌ؛ أي: خَفِيٌّ لأَنَّه لا يمينَ؛ أي: مُنعقدةً إلا بالله تعالى، فإذا حلف بغير الله فقد أشرك؛ أي: ظاهراً، أو شابة المشركين.
وقال ابن مسعودٍ: لَأَنْ أَحْلف بغيرِ اللهِ صَادِقاً أَشدُّ وأَنْكَرُ عَلَيَّ مِن أَنْ أَحْلف بالله كاذباً.
أو قال: لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِباً أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَنْ أَحْلِفَ بغيرِ اللَّهِ صادقا. قلتُ: وهذه الروايةُ صريحةٌ في عَدَمِ كُفْرِ مَن حَلَفَ بِغَيرِ اللَّهِ كَمَا لَا يَخْفَى. وفي الفتاوى الصُّغرى»: مَن قال لآخَرَ بالفارسية: أي بار خُدَاي من عالِماً بالمَعْنَى وقاصِداً به، كَفَرَ.
وقال أبو القاسم، وفي «الظهيريَّة»: وأكثر المشايخ على أنَّه يَكْفُرُ مُطْلَقاً، عَلِمَ المعنى أو لَمْ يَعْلَمْ، قَصَدَه أَو لَمْ يَقْصِده.
قلت: هذا مُشْكِلٌ؛ لأنَّه إِذا سَمِعَ كلمةً عَجَميَّةً ولَمْ يَعلَمْ معناها، واستَعْمَلَها استعمال الأعجامِ في المخلوقِ على وَفْقِ مُقْتَضَاهَا، كيف يَكْفُرُ مَع أَنَّه لم يَقْصِدْ ما يقتضي فحواها؟
ثم رأيتُ في منهاج المصلين» مسائل:
منها: أنَّ الجاهل إذا تكلَّمَ بكلمةِ الكفرِ ولَمْ يَدْرِ أَنَّهَا كُفْرٌ، قال بعضُهم: لا يكون
كفراً، ويُعْذَرُ بالجهل، وقال بعضُهم: يَصيرُ كافراً.
ومنها: أنه إذا أَتَى بلفظةِ الكفر وهو لا يَعْلمُ أَنَّهَا كُفْرٌ، إِلَّا أَنَّه أَنَّى بها عن
اختيار، يَكْفُرُ عند عامة العلماء، خلافاً للبعض، ولا يُعْذَرُ بالجهل.
في «ولو قال إن» كذا في النسخ و «ط» ونسختي ألفاظ الكفر، ولعل صوابها: «قال: ولولا أن ... ».
ومنها: أنَّ مَن َاعْتَقَدَ الحرام حلالاً، أو على القَلْبِ، يَكْفُر، أمَّا إِذا قال لحرام:
هذا حلال، لترويج السلعة، أو بحُكْمِ الجهل، لا يكون كفراً، انتهى. وقد نقل صاحبُ المُضْمَرات» عن «الذَّخيرة»: أَنَّه إذا كانَ في المسألة وجوهُ تُوْجِبُ التكفير، ووَجْهُ واحدٌ يَمْنَعُ التَّكفير، فعلى المُفتي أن يميل إلى الذي يمنع التكفير تحسيناً للظَّنِّ بالمسلم، ثُمَّ إِنْ كان نيَّةُ القائلِ الوجه الذي يَمنعُ التَّكفير فهو مُسْلِمُ، وإن كان نيّته الوجه الذي يُوجِبُ التَّكفير لا يَنفَعُه فَتْوَى المُفتي، ويُؤْمَرُ بالتوبة والرجوع عن ذلك، وبتجديد النكاح بَيْنَه وبَيْنَ امرأته. ومن قال: عُبيدُ اللَّهك، أو: عُبيدُ العَزِيزك، وما أَشْبَهَ ذلك؛ أي: ممَّا أُضيف العبد إلى اسم من أسمائه سبحانَهُ بإلحاق الكافِ فِي آخِرِهِ عَمْداً، كَفَرَ؛ أي: لأَنَّه أتى بالتصغير الموضوع للتحقيرِ والمُتَبَادِرِ أَنَّه راجع إلى المضاف إليه، لكنْ إنْ أراد بهِ تصغير المضاف لا يَكْفُرْ؛ لأنَّه يَصيرُ معناه: عبداً الله. وهذا إذا كان عالماً، ولذا قال: وإن كان جاهلاً لا يَدْرِي ما يقولُ، وَلَمْ يَقْصِدْ
به الكفر، لا يُقالُ: إِنَّه كَفَرَ، ويَحْتَمِلُ أنَّه أَدْخَلَ الكاف لغواً أو سهواً. سُئِلَ الإمامُ الفَضْلِيُّ عن الجَوَازات التي يَتَّخِذُها الجُهَّالُ للقادِم، فقال: كلُّ ذلكَ لَهْوٌ ولَعِبٌ وحرام، ومَن ذَبَحَ شاةً في وجه إنسان في وقتِ الخِلْعَةِ أو القُدومِ وما أَشْبه ذلك مِن الجَوَازات - وفي المحيط»: أو اتَّخَذَ جَوَازاتٍ - كَفَرَ؛ أَي: إِذا لَمْ يُسم الله تعالى في ذَبْحِها، أو شارَكَ القادِمَ في التّسمية، وأمَّا بدونِ ذلك فلا يَظْهَرُ وجه لكُفْرِه في هذه المسألة. وفي «الظَّهيريَّة»: سلطانُ عَطَسَ، فقال له رجلٌ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فقال آخَرُ:
لا يُقال للسلطان هكذا، كَفَرَ الآخَرُ.
أي: إذا أراد بقوله: لا يقالُ: لا يجوز شرعاً، بخلاف ما إذا أراد به أنَّه لا يُقال ذلك عُرْفاً. وكذا إذا قال رجلٌ للسلطان: السَّلام عليكم، فقال له آخَرُ: هذا لا يُقال للسلطان.
ثُمَّ قال: ولو قال لواحدٍ مِن الجَبَابِرَة: يا إله، أو: يا إلهي، كَفَرَ. أقول: وإنّما قيَّده بكونه من الجبابرة لأنَّه إذا كان يَكْفُرُ مع أرباب الإكراءِ فغيره بالأولى.
ومن قال لمخلوق: يا قُدُّوسُ أو القيُّومُ، أو: الرَّحمنُ، أو قال اسماً مِن أسماء تَخْتَصُّ الخالِقَ، كَفَرَ، انتهى.
وهو يُفيدُ أَنَّه مَن قال لمخلوق يا عَزِيزُ، ونحوه، يَكْفُرْ، إِلَّا إِنْ أراد به المعنى اللُّغويَّ لا الخُصُوصَ الاسميَّ، والأخوطُ أنْ يقول: يا عبد العزيز.
وأمَّا ما اشْتَهَرَ مِن التّسمية بعبدِ النَّبيِّ فظاهِرُه كُفْرٌ، إِلَّا إِنْ أَرادَ بالعبد المملوك. وفي «المحيط»: ذُكِرَ في «واقعاتِ النَّاطِفي: إذا قال أهل الحرب لمسلم: اسْجُدْ ِللمَلِكِ وإِلَّا قَتَلْناكَ، فالأفضلُ أنْ لا يَسجُدَ؛ لأنَّ هذا كُفْرٌ صورةً، والأفضلُ أَنْ لا يأتي بما هو كُفْرٌ صورةً وإن كان في حالة الإكراه.
يعني: ولا سيما مع الإكراه من العَسْكري، لا مِن السُّلطانِ، وفيه خلافٌ مشهور سيأتي بيانه.
ومَن سَجَدَ ِللسُّلطانِ بنيَّة العبادةِ، أو لَمْ يُحْضِرْها بباله، فَقَدْ كَفَرَ. وفي «الخلاصة»: ومَن سَجَدَ لهم إنْ أراد به التَّعظيم؛ أي: كتعظيم الله سبحانه وتعالى كَفَرَ، وإنْ أراد به التَّحيَّة اختار بعضُ العلماء أنَّه لا يَكْفُرُ. أقولُ: وهذا هو الأظهر.
وفي «الظهيريَّة»: قال بعضُهم: يَكفُرُ مُطلَقاً، هذا إذا سَجَدَ لأهل الإكراه؛ أي: لمَن يَتأتى منه الإكراه ويَتَحقَّقُ منه ذلك بأنَّه أُكْرِهَ عليه؛ مِثْلَ المَلِكِ عند أبي حنيفة أو كل قادر على قتلِ السَّاجِدِ؛ أي: إنِ امْتَنَعَ عند أبي يوسف ومحمد. أمَّا إذا سَجَدَ لغير أهل الإكراه؛ أي ولو أُمِرَ به على القولين يَكْفُرُ عندهم بلا خلاف.
وأما تقبيل الأرض فهو قريب من السجودِ، إِلَّا أَنَّ وَضْعَ الجبينِ أو الخد على الأرضِ أفحش وأقبحُ مِن تقبيل الأرضِ. أقولُ: ووَضْعُ الجبينِ أقبحُ مِن وَضْعِ الخد، فينبغي أَنْ لا يَكْفُرَ إِلَّا بِوَضْعِ الجبينِ دون غيره؛ لأنَّ هذه سجدةٌ مختصّةٌ للهِ تعالى.
قال: وأما تقبيل اليد؛ فإنْ كان المُحيَّا مِمَّن يَحِقُ إكرامه شرعاً، بأن كان ذا عِلْمٍ؛ أي: صاحب علم وعمل أو شَرَفٍ؛ أي: سيادةٍ ذاتِ سعادةٍ، يُرجَى له أنْ ينال الثّوابَ؛ كما فعله زيد بن ثابتِ بابنِ عباس وأَمَّا مَن فَعَلَ ذلك لصاحبِ الدُّنيا يَفْسُقُ؛ أي: إِذا فَعَلَ ذلك لمجرَّدِ دُنْيَا، أو لمَنْصِبِه وغِنَاه، بخلافِ ما إذا فَعَل ذلك لإحسانٍ سَبَقَ منه، أو أراد دَفْعَ ظلم عنه أو عن غيره، فإنَّه يُكْره لكنَّه لا يَفْسُقُ، وأصل ذلك حديث: «مَن تَوَاضَعَ لغنيّ لأَجْلِ غِنَاه ذَهَبَ ثُلُنَا دِينِه» لأنَّ الةَ العبادة قلبٌ ولسان وجوارح، وفي تعظيم الغني لا بدَّ مِن استعمالِ اللّسانِ والجوارح، كذا قيل.
وأقول: لا يُتصوَّرُ التَّعظيمُ إِلَّا مِن القلب، فكأنَّ القائل به أرادَ أَنَّ هذا إذا كان تعظيمه باللّسانِ والأركان ظاهراً، ولا يكون بالجنان باطناً، وإلا فيَذهَبُ دينه كلَّه. هذا والحديث رواه البيهقي وغيره بأسانيد ضعيفة، وفي رواية للديلمي: «لَعَنَ اللهُ فقيراً تَواضَعَ لغني من أجل، مالهِ مَن فَعَلَ ذلك فقد ذَهَبَ ثُلُنَا دِينِه». وفي «الخلاصة» و «الفتاوى الصغرى» أيضاً: قال الإمام أبو منصور الماتريدي: من قال لسلطان زمانِنا عادل، كَفَرَ؛ لأنَّه لا شَكٍّ فِي جَوْرِهِ، وَالجَوْرُ حرام بيقين، ومَن جَعَلَ ما هو حرام بيقين حلالاً أو عَدْلاً فقد كَفَرَ.
أي: إلَّا إن أراد به أنَّه عادِلٌ عن الحقِّ؛ كقوله تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: (1)]؛ أي: عن توحيده يميلون.
فإِنْ قُلْتَ: كما أَنَّه يقعُ منه الجَورُ يقعُ منه العدلُ؟
قلتُ: لمَّا كان جَورُ سلطانِ زمانِنا أكثرَ فلا يُقالُ: إِنَّه عادل، كما لا يُقالُ لمَن يُصلّي نادراً: إنَّه مُصَلِّ، ولا لمن يتقي معصيةً واحدةً: إِنَّه مُتَّقِ، ولا لمَن وَقَعَ منه معصيةٌ أحياناً: إنَّه فاسق، فإنَّ الحُكم للأغلب، كما في العالم والجاهل، والعارفِ والغافلِ. ثم قالا: قال محمد: إذا أُكْرِه على الكفر بتَلَفِ عضو وما أَشْبَه ذلك؛ أي: مِن ضرب مؤلم أو جراحة إنْ تَلَفَّظَ بالكفر وقلبه مُطْمَئِنُّ بِالإِيمَانِ، ولم يَخْطُرُ بالهِ شَيءٌ سوى ما أُكْرِه عليه، لا يُحْكَمُ بكفره؛ لقوله تعالى: {وَإِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَينٌ بِالْإِيمَنِ} [النحل: (106)]، وإِنْ خَطَرَ بباله أنْ يُخْبِرَ عن كفره في الماضي كاذباً، وقال: أَرَدْتُ بذلك حين تَلَفَّظْتُ جواباً لكلامهم، وما أَرَدْتُ كُفراً مستقلا، يُحْكم بكفره
قضاء؛ أي: حكومة لا دِيَانةً حتَّى يُفرِّقُ القاضي بينه وبين امرأتِهِ؛ لأَنَّهُ عَدَلَ عن إنشاء ما أُكْرِه عليه، ويَحْكي عن كفره في الماضي، وهو غير الإنشاء وهو غيرُ مُكْره عليه. ومن أَقرَّ بكفر في الماضي طائعاً، ثُمَّ قال: أَرَدْتُ الكذبَ، يَكْفُرُ ولا يصدقه القاضي؛ لأنَّ الظاهِرَ هو الصِّدقُ حالَ الطَّوَاعِيَةِ، ولكنْ يُدَيَّنُ؛ أي: يُقْبَلُ قولُه دِيانةً ولا يَكْفُرُ؛ لأنَّه ادَّعى مُحتَمِلَ لَفْظِهِ.
ولو قالت زوجة أسيرٍ لتَخْلُص: إِنَّهُ ارْتَدَّ عن الإسلام وبِنْتُ منه، فقال الأسيرُ: أَكْرَهَني مَلِكُهم بالقتل على الكفر بالله، ففَعَلْتُ مُكْرَها، فالقول لها، ولا يُصَدَّقُ الأسيرُ إلا بالبينة.
ولو قالت للقاضي: سَمِعْتُ زوجي يقولُ: المسيح ابنُ اللهِ، فقال: إِنَّما قُلْتُ
حكايةً عمَّن يقولُه، فإنَّه أَفَرَّ أَنَّهُ لَمْ يتكلَّمْ إلَّا بهذه الكلمةِ، بانَتْ منه امرأته. ولو قال: إنّي قُلْتُ: يقولون: المسيح ابن الله، أو قال: قلتُ: المسيح ابن الله قول النصارى، فلم تسمع بعض كلامي وكذَّبتني، فالقول قول الزوج مع يمينه. وكذا لو قال: أَظْهَرْتُ ما سَمِعَتْ وأَخْفيتُ ما بقي موصولاً، فالقول قوله. قال محمدٌ: إِنْ شَهِدَ الشُّهودُ أَنَّهم سمعوه يقولُ: المسيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَلَمْ يَقُلْ غَيْرَ
ذلك، يُفرِّقُ القاضي بينهما ولا يُصدقه.
***
فصل
في المرض والموت والقيامة
من قال: كان الله ولَمْ يكنْ شيءٌ؛ أي: معه أو قَبْلَه وسيكونُ الله ولا يكونُ شيءٌ، كَفَرَ؛ لأنَّه قول بفناء الجنَّةِ والنَّار؛ أي: وهما باقيتان؛ لقوله تعالى في حقهما وأهلهما: خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، ولا عبرة بقولِ الجهمية وخلافهم في هذه القضيَّة. ومَن قال لمَن بَرِئَ مِن مَرَضه: فلانٌ أَرْسَلَ الحمارَ ثانياً، كَفَرَ.
ومَن قال لمن مات: بَذَلَ روحَهُ لك، أو قال للمُعنِّي: ما نَقَصَ مِن روحِهِ ليَزِدْفي رُوحِكَ، يُخْشَى عليه الكفرُ؛ أي: إنِ اعْتَقَدَ وقوع ذلك؛ لقوله تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَبٍ} [فاطر: (11)].
ولقوله تعالى: {وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} [المنافقون: (11)].
وإِلَّا فيكون كاذباً في قوله.
ولو قال: زادَهُ اللهُ في رُوحِكَ، فهذا خطاً وجهل ومذهب أهل غيرِ السَّدَاد. قلت وكذا إذا قال: زادَ اللهُ في عُمرِكَ، وأطال الله تعالى عمركَ، وأَبقاكَ اللهُ
ونحو ذلك.
قال: وكذا إذا قال: نَقَصَ مِن روحه وزاد في رُوحِكَ.
ومن قال بالفارسية: فلان بمرد جان بتو سبرد؛ أي: مَن قال لآخَرَ: مات فلان وفاضَ روحه إليكَ كَفَرَ؛ أي: لأنَّه خالَفَ قوله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وكل بِكُمْ} [السجدة: (11)]، والظاهِرُ أنَّه يكونُ كَذباً لا كُفْراً.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّه إلى هنا من كلام الجامع حيث ما نَسَبه إلى أحد، ثُمَّ قال على ما في نسخة: وفي فتاوى قاضي خان»: من قال: فلان لا يموتُ بنَفْسِهِ، يُخْشَى عليه الكفر.
أي: إنْ أرادَ أَنَّه لا يموتُ إلَّا بالقتل، وإلَّا فكلُّ أحدٍ لا يموتُ بنَفْسِه، وإِنَّما يموتُ بإماتة الله له بِقَبْضِ مَلَكِ الموتِ لروحه.
ومن قال: أَمَاتَهُ اللهُ قبل موتهِ، كَفَرَ؛ أي: إنْ أراد إخباراً، بخلاف ما إذا قصد دعاء.
ومن قال: كان يَنْبَغي الميِّتُ الله، أو: لا يَنْبَغِي كَفَرَ؛ أَي: إِذا أَرادَ أَنَّه كان يَليقُ وجود الميّتِ أو نَفْيُه الله.
ومن قال لمن مات ابنه: كان يَنْبَغِي الله، أو: لا يَنْبَغِي اللَّهِ أَنْ يَقْبِضَ، كَفَرَ. ومن قال: فلان أعطى روحه للسيّد، أو: لفلان، أو: أَبْقَى روحه له، كَفَرَ. ومن قال لأهل الميت كان اللهُ أَحْوَجَ إليه مِنكُم، كَفَرَ؛ أي: لأنَّ اللهَ هو الغنيُّ الحميد، والصَّمَدُ المجيد، لا يَحْتاجُ إلى أحدٍ، وكلُّ أحد محتاج إليه.
ثُمَّ قال: واعْلَمْ أَنَّ مَن أَنْكَرَ القيامة، أو الجنَّةَ أو النَّارَ؛ أي: وجودهما في الجملة، لاختلافِ المعتزلة في كونهما موجودَتَينِ الآنَ أو الميزانَ والصراط والحساب فيه: أنَّ المعتزلة يُنكرونَ المسائل الثَّلاثَ أو الصحائف المكتوبة فيها أعمالُ العِبَادِ، يَكْفُر؛ أي: لثبوتها بالكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة. ولو أَنْكَرَ البعثَ فكذلك؛ أي: اتفاقاً.
ومن قال لمظلوم: أين تَجِدُني في ذلك الازدحام، أو: في ازدحام القيامة، يَكْفُرْ؛ أي: لأنَّه نَفَى قدرة الخالقِ على الجمع بينه وبين الخصم. ومن قيل له: لو لم تُعْطِني الحق اليومَ لأَعْطَيْتَه يوم القيامة، فقال المديون: كثيراً ما ينبغي إلى يوم القيامةِ، كَفَرَ؛ أي: إِنِ اسْتَبْعَدَ وقوعه وتحققه، لا إن أرادَ طولَ الزَّمان بَيْنَه وبَيْنَه.
ومن قال لمديونهِ: أَعْطِ دراهِمِي في الدُّنيا، فإنَّه لا دراهم في القيامة، يعني: يُؤْخَذُ مِن حسناتك، فقال: زِدْني تَأخُذُ في يوم القيامة، أو: اطلب في القيامة، أو قال: زِدْنِي أُعْطِكَ كلَّه - أو جملة ـ في القيامةِ، كَفَرَ؛ أي: لأَنَّ ظَاهِرَه إنكارُ يوم القيامةِ، ونَفْيُ خوفِ العقوبة، أو استهزاء بما ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ من أَخْذِ الحَسَنة.
قال: كذا أجابَ الشَّيخُ الإمامُ الفَضْلي وكثير مِن أصحابنا.
ومن قال: أَعْطِنِي بُرًا أُعْطِكَ يومَ القيامةِ شعيراً، أو على العَكْسِ، كَفَرَ؛ أي:
لأنه صريح في الاستهزاء. وفي الفتاوى الصغرى» أو «قاضي خان: من قال لدائنِ العَشَرة: أعطني عشرةً أُخْرَى تأخُذُ يومَ القيامةِ عشرين، كَفَرَ. ولو قال: ماذا لي والمحشرِ؟ أو قال: لا أخافُ المحشر، أو قال: لا أخافُ القيامة، كَفَر.
وفي «الحاوي»: مَن زَعَمَ أَنَّ الحيواناتِ سِوَى بَنِي آدَمَ لَا حَشْرَ لها كَفَرَ.:أي: لثبوتِ القِصَاصِ بينَ البهائم بالأحاديثِ الثَّابِتِةِ، ثُمَّ يُقال لها: كُوني تُراباً،
فتَصِيرُ تراباً، فعند ذلك: {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} [النبأ: (40)].
وإنْ زَعَم ذلك؛ أي: نَفْي الحشرِ في بني آدَمَ كَفَرَ؛ أي: للأدلَّةِ القاطعة. ومن قال: لا أدري لِمَ خَلَقَني الله تعالى إِذا لَمْ يُعْطِنِي مِن الدُّنيا شيئاً قطُّ، أو من لذتها شيئاً، قال أبو حامد: كَفَرَ.
أي: لكونه خُلِقَ للعبادة والمعرفةِ ولَمْ يَعْرِفْ ذلك؛ كما في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: (56)]، ولا عتراضه على الله تعالى أيضاً في
جَعله فقيراً، ولذا قال: كاد الفَقْرُ أنْ يكونَ كُفراً».
ولو قال: لا أَدْرِي لِمَ خَلَقَ اللهُ تعالى فلاناً؟ كَفَرَ؛ أَي: لأَنَّه أَنْكَرَ على اللَّهِ خَلْقَه. وفي «الجواهر»: مَن قال: لو أَمَرَني اللهُ أَنْ أَدْخُلَ الجنَّةَ مع فلانٍ لا أدخُلُها؛ أي: كَفَرَ في الحالِ؛ لأنَّه عَزَمَ على مخالفة الأمر في الاستقبال ومخالفة الأمر بمعنى نَفْي قبولهِ كُفْرٌ.
وفي «الخلاصة»: أو قال: إن أعطاني الله الجنَّةَ دونَكَ ـ أو: دونَ فلان - لا أريدها، أو: لا أريدُها مع فلان، أو قال: أُريدُ اللقاء ولا أريدُ الجنَّةَ، كَفَرَ؛ أي:
للمعارضة في الإرادة.
وفي «الظهيرية»: أو: لا أدخلها دونَكَ، أو قال: لو أُمِرْتُ أنْ أدخل الجنة مع فلان لا أَدْخِلُها، أو قال: لو أعطاني الله الجنَّةَ لأَجْلِكَ ـ أو: لأَجْلِ هذا العمل
- لا أريدُها كَفَرَ.
وفي «الخلاصة»: من قيل له: دَعِ الدُّنيا لتنال الآخرة، فقال: لا أترك النَّقْدَ بِالنَّسيئةِ، كَفَرَ.
وفي «الظهيريَّة»: يَنبغي الخبز في الدُّنيا، فليَكُن في الآخرة ما كان، أو ما شاء، كَفَرَ.
وفي «المحيط»: مَن تَلَفَّظَ بكلمةٍ مستكرهةٍ، فقال لهُ آخَرُ: أَيَّ شَيْءٍ تَصْنعُ؟ قد لَزِمَكَ الكفر، وإِنْ لَمْ يكنْ كَفَرَ؛ أي: بتلك الكلمة فقال: أَيَّ شيءٍ أصنعُ إِذا لَزِمَني الكفرُ؟ كَفَرَ وفيه بحثُ لا يَخْفَى.
ومن قال: أنا بريءٌ مِن الثَّوابِ والعقاب، أو: من الموتِ والثَّوابِ، فقد قيل: إِنَّه يَكْفُرُ؛ أي: بناءً على إنكاره الأمر المقطوع به في ثبوتِ الثَّوابِ والعقاب، ووقوع الموت بلا ارتياب، والصحيح أنَّه لا يَكْفُرُ؛ لأنَّ البراءة منها كناية عن عدم الالتفات إليها.
وفي «الخلاصة»: مَن قال لآخَرَ: أَذْهب معك إلى حافِرِ جهنَّمَ، أو: إلى بابها، ولكن لا أدخُلُ، كَفَرَ.
وفيه نظر؛ إذ معناه: إنّي أوافقك في كل معصية إِلَّا الكفر، ولا محذور فيه إِلَّا الفِسْقُ، ويدلُّ على ما قلنا قوله: ومن قال: إلى جهنَّمَ، أو: طريق جهنَّمَ، يَكْفُرُ عند البعض؛ لأنَّه مع قوله: لكن لا أدخلها كيف يَكْفُرُ بلا خلاف وبدونه يَكْفُرُ باختلاف؟ وفي الفتاوى الصُّغرى»: من قال حينَ اشتدَّ مرضُه أو اشْتَدَّتْ علَّتُه: يا الله أَمِثْني إن شئتَ مؤمناً وإن شئتَ كافراً، كَفَرَ؛ أي: لاستواء الكفر والإيمان عندَه، وإنْ كان تَعَلُّق المشيئةِ بهما مُبْهَماً.
ومن قال حينَ تُصيبه مُصيبات مختلفة: يا رب! أَخَذْتَ مالي وأَخَذْتَ كذا وكذا، فماذا تفعل أيضاً؟ أو قال: ماذا تريد أنْ تَفْعَلَ؟ أو قال: ماذا بَقِيَ أَنْ تفعل؟ وما أشبه ذلك من الألفاظ، فأجابَ عبد الكريم بن محمد: إنَّه يَكْفُرُ ولا يُصَدَّقُ بقوله: أَخْطَأْتُ.
أي: لأنَّ ظاهر كلامه الاعتراض على فعله الماضي والآتي.
وفي «الجواهر: مَن قال: ماذا تَقْدِرُ أنْ تَفعَلَ في غيرِ السَّعيرِ؟ أو: فوقَ السَّعِيرِ؟ كَفَرَ؛ أي: لحَصْرِ قُدرتِهِ في تعذيبِ السَّعِيرِ.
ومن قال إذا أَعْطَى عالِمٌ فقيراً درهماً: يُضْرَبُ الطَّبَلُ، أو: يَضْرِبُ الملائكةُ
الطَّبَلَ يومَ القيامةِ، أو في السَّماواتِ، كَفَرَ؛ أي: لأَنَّهُ ادَّعَى عِلْمَ الغَيبِ، وَكَذَبَ على الملائكةِ ونَسَبهم إلى فعلِ اللَّغْو.
وفي «الظهيريَّة»: السَّاحِرُ إِذا عُلِمَ أَنَّه ساحِرٌ يُقتَلُ ولا يُسْتابٌ، ولا يُقْبَلُ قوله: أَتْركُ السِّحر وأتوبُ، بل إذا أَقرَّ أَنَّه ساحرٌ فقد حَلَّ دَمُهُ، وكذا إذا شَهِدَ الشُّهودُ به. ولو قال: إِنِّي كُنْتُ ساحراً وقد تَرَكْتُ منذ زمانٍ، قَبْلَ الْأَخْذِ، قُبِلَ مِنهُ ولَمْ يُقْتَلْ، وكذا إذا ثبت ذلك بالشُّهود، وكذا الكاهِنُ.
قلت: وفي كَونِهِ كَالسَّاحِرِ يُقْتَلُ مَحَلُّ بحث.
وليس للنَّصراني أنْ يَضْرِبَ في منزلِهِ في مصر المسلمينَ بالنَّاقوس، وليس لهم أنْ يَخْرُجوا بالصُّلبان أو غيرها من كنائسهم.
وعَبِيدُ أَهلِ الذَّمَّةِ لا يُؤاخَذونَ بالكُسْتِيجات، وهي قَلَنْسُوَةٌ سوم سوداء مَضْروبةٌ مِن اللبد، وزنّارُ مِن الصُّوفِ، وهو المختارُ.
وأَمَّا لُبْسُ النَّصراني العِمَامَةَ، أو زنّارَ الإبريسم فجَفَاء في حقٌّ أهل الإسلام، ومَكْسَرة لقلوب المسلمين، فلا يُتركونَ عليهما.
ولو كان لمسلم أب أو أمُّ ذِمّي فليس له أن يقودَهُما إلى البيعة، وله أنْ يَقودَهُما من البيعة إلى المنزل؛ أي: لأنَّ ذهابهما إلى البيعةِ مَعْصيةٌ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأما إيابهما مِنها إلى منزلهما فأَمْرٌ مُباحٌ، فيجوز له أنْ يُساعِدَهما، ولعلَّهُ آخِرُ رُجوعهما من البيعة بتوفيق الله سبحانه وتعالى التَّوبة وحُسْنَ الخاتمة. ويَنْبَغِي أَنْ يَتعوَّذَ المسلمُ مِن الكفرِ، ويَذْكُر هذا الدُّعاءَ صباحاً ومساءً، فإنَّه سَبَبُ النَّجاةِ مِن الكفر:
اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذُ بكَ مِن أنْ أُشْرِكَ بكَ شيئاً وأَنا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ، إنك أنت علام الغيوب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وهذه خاتمةُ ما قَصَدْناهُ وتَيَمَّةُ ما أَرَدْناه.
ونسأل الله العافيةَ في الدُّنيا والآخرة، وأنْ يَخْتِمَ لنا بالحُسْنَى، ويُبلغنا المقامَ الأَسْنَى، ويَحْفَظَنا في هذا المحلّ الأَدْنَى، ويَرْزُقَنا اللقاءَ الأَعْلَى، فَإِنَّه النَّاصِرُ المولى، والحمدُ اللهِ أوَّلاً وآخراً، والصَّلاة والسَّلامُ على نبيه باطناً
و ظاهراً، آمين يا ربَّ العالَمينَ ويَرْحَمُ الله عبداً قال آمِينا
تَمَّ بِحَمدِ اللهِ تعالى وعَوْنِهِ.