الجزء 1 · صفحة 5
رسالة في بيان التمتع في أشهر الحج للمقيم بمكة من عامة
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلَمْ أنَّ الفُقَهَاءَ اختَلَفُوا فيما إذا خَرَجَ المَكَّيُّ إلى الآفاقِ كالمدينةِ، ثمَّ دَخَلَ مكَّةَ بعُمرةٍ في أشهُرِ الحجّ فَحَجَّ من عامِه، هل يكونُ مُتَمَتِّعاً أو لا؟
فصَرَّحَ صاحِبُ «البدائع، وبعضُ شُرَّاحِ «الهداية»، وغيرهم: بأنَّه لا يكونُ مُتَمَتِّعاً بحال لوجودِ الإلمام ..
وأقول: لا يضره مثل هذا الإلمام، لما وَقَعَ اتَّفَاقُ العُلماءِ الأَعلامِ على أَنَّ الآفاقِيَّ إذا كانَ معَه أهلُه صَحَ له التَّمَتُّعُ، وإنَّما يَضُرُّه الإِلمَامُ إِذا كَانَ بَعدَ فَراغِه من عُمرَتِه سافر إلى قريته من نحو كوفة أو بصرة ونزلَ بأهلِه، كما هو مُقَرَّرُ في محله. ويُؤَيَّدُه: أنَّه قالَ جَمعٌ من المُفَسِّرين: إنَّ المُرادَ بِأَهلِه نفسه في قوله تعالى {ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196]، فالمعنى: لم يكُنْ نفسه من سُكَانِ داخل الميقاتِ، سواءٌ يكون له أهل أم لا، وأهله يكون في مكَّةَ أم لا.
وقال الكَرْمَانِيُّ في «مَنْسَكِه» في فَضلِ حُكمِ المَكِّيِّ إِذا قَرَنَ أَو تَمَتَّعَ: فإن لم يُجاوِزِ المَكِّيُّ الميقات إلا في أشهر الحج فليس بمُتَمَتِّعِ عندَه، وعندَهُما بمُتَمَتِّعِ وإِنْ جازَ الوَقت.
وإِنْ جاوَزَ الوَقْت قبل أشهر الحج مُتمتعاً عندَ الكُلِّ؛ لأنَّ أشهر الحج قد دخَلَت وهو في مكان جازَ لأهله التَّمَتَّعُ والقِرانُ، فجازَ له التَّمَتُّعُ أيضاً، وهذا تفصيلٌ حَسَنٌ، وتقييد لما ذَكَرَه غيره من الأئمةِ مُطلَقاً.
الجزء 1 · صفحة 7
واعترضوا عليه بأنَّ هذا مُناقِضُ لكلام غيره، وأجابوا عنه بأجوبة بعضُها غيرُ مَرضِيَّة.
ومن الأجوبة المَرْضِيَّةِ: أَنَّه اختارَ صِحَّةَ التَّمَتُّعِ قياساً على القِرانِ، وتمتُّع الآفاقي الخارج من مكة إلى الكوفة ونحوها.
ومنها: أن في المسألة روايتين.
ثمَّ الذي يظهرُ عندي: أنَّ المسألةَ فيها تفصيل بينَ المَكِّيِّ المُستَوطِنِ، وبينَ المَكِّيُّ المُقيم، فيمتَنِعُ تمتُّعُ الأَوَّلِ دونَ الثَّاني حيثُ إِنَّ سَفَرَه أَبطَلَ إقامته، بخِلافِ المُتَوَطِّن؛ فإنَّه لا يبطل توطنه إلا مثله ..
وبهذا يُجمعُ بين الرواياتِ، وتَرتَفِعُ الإشكالات، ويحصُلُ التَّوسُّعُ لأرباب الزيارات.
وأما ما وَقَعَ في بعض المُتونِ: من أنَّ المَكِّيَّ ليس له تمتُّع وقران، فمحمولٌ على أنَّه ما دامَ بِمَكَّةَ؛ لقوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ، حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] 1، والله تعالى أعلَمُ بالمَرامِ.
ومما يؤيده أيضاً ما ذكره العِزُّ بنُ جَماعةٍ في «مَنسَكِه»: أَنَّ المَكَّيَّ لو خَرَجَ إِلى الآفاقِ لحاجة، ثمَّ رَجَعَ وأَحرَمَ بالعُمرةِ في أشهُرِ الحج، ثمَّ حَجَّ من عامه لم يلزَمْهُ الدَّمُ بِاتِّفَاقِ الأربعة 2، انتَهَى.
ولا يخفى أن الأولى للعامل بهذه المسألة أن يذبَحَ دَمَ التَّمتَّع ول. يأكل منه؛ لاحتمال أن يقعَ شُكراً أو جَبْراً، فيكون خارجاً عن عُهْدَةِ الخِلافِ. . والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكمُ ..
وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
***