الجزء 1 · صفحة 5
ذيل مرتبة الوجود ومنزلة الشهود
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
البَرِّ الرؤوف الكريم الحليم العظيم
الحمد لله الذي عرفنا بوجوده، وشرَّفنا بشهوده، وهدانا بكتابه ونبيه، من كرمه وجُودِه، وجعلنا تابعين للسلف الصالحين خير جنوده.
أما بعد:
فيقول الملتجئ إلى حرم ربِّه الباري، علي بن سلطانِ محمدِ القَارِيْ: إِنِّي لَمَّا كتبتُ الرِّسالة المسماة بـ «مرتبة الوجودِ ومنزلةِ الشُّهودِ»، وبيَّنتُ فيها وجوهَ ضلالةِ طرق أهل الإلحاد، ومن القائلين بوحدة الوجودِ والحلولِ والاتحادِ، وعَنَيتُ بها فتح أبواب أرباب الاقتصاد، من أصحابِ النُّصوص الذين عليهم الاعتماد، سواء العاكف فيه والباد، عرضتُ تلك الرسالة المشتملة على واضحات الدلالة المأخوذة من كتاب الله وأحاديثِ صاحب الرسالة، على من ظننتُ به أَنَّهُ نهايةٌ في تحقيق العلومِ، وغاية مراتب تدقيق الفهوم؛ كتب إليَّ ما دلّ على إدخال عن آداب الطريقة، وعارٍ عن علوم الشريعة ومعارفِ الحقيقة؛ فتبيَّنَ لي معنى قوله سبحانه: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِ إِثْمُ} [الحجرات: 12]، وظهر وجه قوله عليهِ السَّلامُ: «الحزم سُوءُ الظنِّ»، وقوله: احتَرسُوا من الناس بسوء الظنِّ.
الجزء 1 · صفحة 7
ثم رأى تلك الرسالة بعضُ أربابِ الجَهَالِةِ وأصحاب الضلالة من الطائفة الوجودية والجماعةِ الجُحُودية؛ فكتب في هامش تلكَ المُسودة ما سيُورثه الندامة في القيامة، كما قال الله تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَدَمَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدَةٌ} [الزمر: 60]: إِنَّ الأولياء يصلُّونَ إلى المرتبة المنيعة؛ بحيثُ يخرجون عن دائرة الشريعة، وبعد هذه العبارة الشنيعة، زاد في حالةِ القطيعةِ، بأنَّ ضم إليه ما هو حُجَّةٌ عليه، بقوله: أما ترى في قِصَّةِ الخَضِر والكليمِ، وهذا من طبعه السقيم وعدمِ اطلاعه على تفسير كلامِ اللهِ القديم وأقوال المشايخ المفسرين في الدين القويمِ، والسالكين للصّراطِ المُستقيم. أما كلام المشايخ؛ فقد أجمعوا على أنَّ كلَّ حقيقةٍ تُخالف الشريعةَ؛ فهي زندقةٌ كما نص عليه سيّد الطائفة الشيخ جنيد البغدادي والقُطبُ الرَّبانِيُّ والغَوثُ الصَّمداني السيد عبد القادر الجيلاني قدَّسَ الله أسرارَهُما وأنسَ لنا أنوارَهُما حتى نتتبع آثارهما. وأما حاصل ما في التفسير: أن ما وقع للخضر مع موسى عليه السَّلامُ أمور ظاهرها مخوفةٌ مُنكَرةٌ، وباطنها معروفةٌ مُنوَّرة، وقد أتى الخَضِرُ بتأويلها وفق تنزيلها، فظهرَ أنَّ كلَّها مفاسد صُوريَّةٌ، ومصالح ضرورية، وشهد الله سبحانه بأنَّه أعطاه علماً لدُنيَّاً، وبيَّنَ في كتابه أنَّهُ لم يفعل ما فعل إلا بأمرٍ من الله سبحانه و كانَ إمَّا وحياً أو إلهاماً خَفِيّاً؛ بناءً على الخلاف في أنه ولي، أو نبي؛ فلا يُقاسُ الصُّعلوك بالملوك، وإلا فيدَّعِي كلُّ مُدَّعِ أنه كامل في السلوكِ، ويُفتحُ
بابُ الإلحادِ ودعوى الاتحاد ونحوهما من الفساد.
على أن الأمور المذكورة في الآياتِ المسطورة كلُّها فَرعيات، وأمرُها سهل بالنسبة إلى عقائد شرعيات، يكونُ الخطأُ فيها قلائد كُفريات.
الجزء 1 · صفحة 8
ثم رأيتُ فتوى لبعض الأزوامِ، مُشتملةً على بعض الأحكامِ، مُخالفةً لِمَا عليهِ العلماء الأعلام؛ حيثُ ذكر في جواب سؤالٍ رُفع إليه فيما يتعلَّقُ بابنِ عَرَبِيٍّ، ومَن
يُنكر عليه، فأطنب في صفاته وتعظيم مصنّفاتِه، وأنَّ مَن أنكر فقد أخطأ، وإِنْ أَصرَّ في إنكاره فقد ضلَّ، يجب على السُّلطانِ تأديبه، وعن هذا الاعتقادِ تحويله؛ إذ السلطانُ مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... إلى آخر ما ذكر. وهذا نشأ من الخطأ في اجتهادِه المبني على سوء اعتقاده، فجعل المعروف مُنكراً، والمنكر معروفاً؛ فإِنَّ مَنْ تأَمَّلَ في كلماتِه الصَّريحةِ في كُفرياتِه لا يلومُ على مَن أنكر، وإِنما المنكر يجبُ أن يُعظَّمَ ويُوقَّرَ، والمُستحسِنُ يتعيَّنُ أن يُلزم ولا يُغرَّر، وغاية الأمرِ: أَنَّ الساكتَ عنه يُسلّم له ويقرر، فتدبر؛ فَإِنَّهُ مقامُ الحَذر.
ثم رأيتُ رسالة للعلامة الفهامة البقاعي الشَّافعي، وهو المُعارِضُ لكلام ابنِ الفارض، فأحببتُ أن أذكرها مختصرةً، وأنقل منها ما يدلُّ فيها على ما نحن فيه مقتصرةً، ليكون سندي، وفي القضية عضدي، وأتقوى به أَزْرِي، وأستعين بقوله في أمري، وأُزيل عنِّي نُكرِي؛ حيثُ وافق بعض اجتهادِ العُلماء فِكْري، فيوجبَ صَبري، ويقتضي شُكْري في حالِ صَحْوي وسُكْرِي.
الجزء 1 · صفحة 9
فمن مقالته الدالة على رِفْعَةِ مَقَامِه وكماله في قُوَّةِ حالِه أَنَّ هذه المُقدِّمة دلالة البرهان لمُنصفي الإخوان على طريق الإيمان، أرسلتها لبعض الخِلانِ، وقد شكا لي فرقةً من فِرَقِ أهلِ الزَّمانِ، يعانون الحذر من أُولي الطغيانِ والإِثْمِ والعدوان، فقلتُ والله المستعانُ: أيُّها الأخُ حفظك الله ورعاك، وصانكَ من كل سوء وحماكَ، لا تهتم بمن يتكلَّمُ في العبد؛ فإنَّ الله سبحانَه سلّى نبيَّه وقطعَ أحزانه بقوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: ?? - ??]، وقوله: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} [الأنعام: ??] الآية، وقوله: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَكة} [الأنعام: ??? - ???] الآيات الثلاثَ، وقوله: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116]، وقوله: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَا بِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: ??? - ???] الآيات الثلاث، إلى غير ذلك من الآياتِ الواضحات، والدلالات اللائحات. ففي الأنبياء الذين هم أشرفُ الأنامِ عليهم السَّلامُ مَسْلاةٌ لأتباعهم من العلماء الأعلام، واعتبار بأحوالهم في مقام الاعتصام، وما أتى أحد قط أحداً بمخالفة هواه إلا ساءَه وآذاه إلا من عصَمَهُ اللهُ: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ} [البقرة: ??].
الجزء 1 · صفحة 10
والعبد لم يتكلَّم في ابن الفارض الذي يتكلمون في «لاميته» إلا ذباً عن الله ورسوله وصوناً لحِمَى شريعته أنْ يتكلّم على خلافِ طريقتِه؛ فإِنَّ ابنَ الفارض تكلَّم بالكُفْرِ الصريح، الذي لا يظهرُ له التأويل الصحيحُ في «تاثيته»، التي ثبت كونها من نظمه بالتواتر فوق الأحادِ، ودعا إلى ذلك الفسادِ جمعاً من العبادِ في البلاد، وقد ادعى أنه الإلهُ في أكثر أبياتها على طريق الاشتباه؛ نحو قوله:
ولا تحسبن الأمر عني خارجاً فما سادَ إلا داخل في عُبُودِيتي ولا حيَّ إلا عن حياتي حياتُه وطوع مرادي كلُّ نفس أبيةِ ومثل ذلك كثير جداً لا ينضبط عداً ولا حداً.
ويقول أيضاً: إنَّ الله تعالى يتحد به حتّى يصير الذاتانِ ذاتاً واحدةً؛ انظر قوله:
وها أنا أُبدي في اتحادِيَ مَبْدَئِي وأُنهي انتهاء من تواضع رفعتي جلَّتْ في تَجَلَّيها الوجود لناظري ففي كلِّ مَرئي أراها برؤية فوصفي إذا لم تدع باثنين وصفها وهيئتها إذ واحد نحنُ هَيتَتِي فقد رفعت تاءُ المُخَاطَب بينَنا وفي رفعها عن فُرقةِ الفَرْقِ رِفعَنِي فإن لم يجوز رؤية اثنين واحداً حِجَاكَ ولم يثبت لبعد تثبتِ سأجلو إشاراتٍ عليكَ خَفِيَّةً بها كعبارات لديكَ جَليَّةِ وأُثبت بالبرهان قولى ضارباً مثال مُحِقِّ والحقيقةُ عُمْدَتِي بمتبوعة يُنبيك في الصرع غيرُها على فمها في مسها حيثُ جُنَّتِ قال الإمام شمس الدينِ البِسَاطِيُّ في شرحه لهذه الأبيات: ومَن ظَنَّ هذا برهاناً في مشروعه، فجنونُه أعظم من جنونِ متبوعه.
الجزء 1 · صفحة 11
وقال: يكفي هذا الذي يتكلَّمُ في شأني أنّي ساع في نُصرته، وهو ساع في خُذلاني؛ فإني ساع جهدِي في نُصرة الإسلام وتأييد من النبي عليه السلام، كما قال مؤمنُ آلِ فرعونَ: {وَتَقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوْةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ} [غافر: 41] الآية، وهذا المُشتكي عليَّ يعتقد أنَّ دين الإسلام هو الحق وحده، وما عداه باطل، وأنا أعلمُ أنَّ هذا الرجل الذي يُناضلونَ عنه يقولُ: إِنَّ هذا الاعتقاد باطل، وأنَّ مُعتقَده جاهل، وأنَّ الأديان كلَّها حتّى عبادة الأوثان والشمس والنار، والذي يتكلم في لا يعلم ذلك، ولا يعلم مستنداً في المُناضلة عنه هنالك إلا تقليد العوام، فهو خابط في الظلام لا يعلمُ مَن يضرُّه ومَن ينفعه، ولا عجَبَ في ذلكَ؛ فإِنَّكَ ترى أكثر الناس ساعياً في متابعة الشيطان، وهو يعتقد أنَّه عدوه وفي منابذة الرحمن، وهو يعلم أنه وليه، لكنه زُيَّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَرَعَاهُ حَسَنَا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر: ?]، {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعَا [الكهف: 104].
الجزء 1 · صفحة 12
ثم لا يعزُبُ عنكَ شِدَّةُ اجتراء الناظمِ في الإساءة بالحديثِ بإطلاق ضمير المؤنَّثِ على الله حتَّى في جميع القصيدة. هذا مع أنَّ العبد تابع في كلامه للعلماء العاملين من أهل زمانه إلى زماننا طبقة بعد طبقة؛ مثل ابنِ عبد السلام سلطان العلماء، وابن الصلاح إمام الفقهاء والمحدثين والأصوليين، والنجم بن حَمْدان، ومن بعدَهُم الإمام تقي الدين ابنُ دقيق العيد، والإمام تقي الدين ابن بنت الأغر، والإمام أبو حيان، ومن بعدَهُم الإمام تقي الدين السبكي، والإمام شرفُ الدِّين النواوي، والإمام شمس الدين الذهبي، والإمام سراجُ الدِّينِ البلقيني، والإمامُ جلال الدين التباني الحنفي، والإمام عماد الدين ابن كثير، ومن بعدهم الإمام شهاب الدين بن حجر، وهو العسقلاني، والإمام شمس الدين البساطي، ونادرة زمانه علاء الدين البخاري الحنفي، والإمامُ بدر الدين محمود العيني الحنفي، والإمام شمس الدين قاياتي، والإمام تقي الدين الحصنِيُّ، والإمام عز الدين القُدسي، والإمام بدر الدين بنُ الأهدلِ الشريف اليمني الشافعيُّ الصُّوفي وغيرهم، وفي جميع شروح «التائية» التي وقفت عليها في شرح قوله: وخَلْعُ عِذارِي فيكَ فَرْضِي وإنْ أبى اقـ ــرابي قومي والخَلاعةُ سُنَّتِي وليسوا بقومي ما استعابُوا تهتكي فأبدوا قلى واستحسنوا فيكَ جَفوتِي وأهلي في دين الهوى أهله وقد رضُوا لي عاري واستطابُوا فضيحتي ذللت لها في الحي حتى وجدتني وأدنى منال عندهم فوقَ هِمَّتِي
وأخملني وهنا خُضُوعِي لهم فلم يروني هوانا بأني مخلا بخدمي و من درجات العز أمسيتُ مُخلِداً إلى دَرَكاتِ الذُّلِ من بعد نَخوتِي قال: وأمثال هذه الأبيات التي يتعتب فيها على الزمانِ وأهله، قال جميعُ شراحِها: إن معنى ذلك أنَّ أهل زمانه كلَّهُم من أهل الشريعة وأرباب الطريقة رموه لأجل مذهب الاتحادِ الذي نظم هذه القصيدة فيه بالفسق والإباحة والزندقة، وحكموا
الجزء 1 · صفحة 13
عليه بالكُفْرِ؛ فقد صارت نسبةُ العُلماء إلى ذلك كما ترى متواترةً تواتراً معنوياً. وقد صوَّبَ ابنُ الفَارِضِ كلَّ دين وكلَّ نِحلة، وذلك لإبطال دين الإسلام الحاكم بضلال كل ما سواه من الأديان بدليل قوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينَا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ} [آل عمران: 85]، فقال:
وإن عبد النار المجوس وما انطفت كما جاء في الأخبار من ألفِ حِجَةٍ فما عَبدُوا غيري وإنْ كانَ قصدهم سوايَ وإن لم يُظهروا عقد نيتي وإن خر للأحجار في البد عاكف فلا تعد بالإنكار بالعصَبِيَّةِ فقد عبد الدينار معنى مُنزّه عن النار في الإشراك بالوثنية وإن نار بالتنزيل محراب مسجد فما بار بالإنجيل هيكل بَيعة وأسفار توراة الكليم لقومه يناجي بها الأخبار كل ليلة وما احتارَ مَن للشمس عن غِرَّةِ صَبَا وإشراقها من نور إسفار غُرَّتي وقد بلغ الإنذار مني من بى و قامت به الأعذار من كُلِّ فِرقة فما زاغتِ الأبصار في كلّ ملةٍ وما زاغتِ الأفكار في كلِّ نِحْلَةِ
وقد عاند التوحيد بما قال:
مجموع امام الملا على القاري
ولو أنَّني وحدتُ الحدث وانسلخ ت مِنْ آيِ جمعِي مُشركاً بيَ صِنعَتِي فإن كان هذا مما يفهمه المُنازِعُ كما يفهمه الذاب عن الشارع؛ فقد عُلِمَ مُنازعته
الجزء 1 · صفحة 14
لله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، وإنْ كانَ لا يفهمه، ويَدَّعِي أَنَّ له معنى حسناً؛ فيكفيهِ أَنَّهُ الخوضُ بالجهل فيما هو أخطرُ الأشياء، وهو أصول الدين الذي في الزَّلَةِ فيه ذهابُ الرُّوحِ والدين، وهو مُعاند بمُنازعته، لقوله تعالى: {هَتَأَنتُمْ هَؤُلاء حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمُ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ} [آل عمران: 66]، {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينُ إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 168 - 169]، {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأعراف: ??] الآية، مع أَنَّكَ لا تجد من يُحامي له إلا منهمكا في الفُسوقِ والبَغي والعقوق، أو قريباً منه تبعاً له في قوله:
ويُنبيك عن حال الوليد وإن تشا بليداً بإلهام كوخي وفطنة ويُعرب عن حالِ السَّماع بحاله فيُثبت للرقص انتفاء النقيصة ولا تكُ باللاهي عن اللهوِ جُملةً فهَزْلُ المَلاهِي جِدُّ نَفْسٍ مُجِدَّةِ2 إلى مثل هذا مما يدعُو إلى البطالة والخَلاعَةِ والضَّلالة، وقد نقل عنه شيخُنا عصره في «لسان الميزانِ أَنَّهُ كانَ له جَوارِ في البهنسة موظفات للغناء والضرب بآلاتِ الملاهي، كلما ماتت واحدةٌ منهُنَّ اشترى بدلها أُخرى، وكان يذهبُ إليهنَّ في بعض الأوقاتِ، فيسمعهُنَّ، ويرقص على غنائِهِنَّ، ويرجع.
الجزء 1 · صفحة 15
فالمناضل عنه مسارعٌ إلى شكله، ومُضارعٌ لمن كان لفعله كفعله، كما قال علي رضي الله تعالى عنه لأهل الكوفة: قد عرفنا خياركُم من شراركُم قالوا كيف وإنما لك ثلاثة أيام عندنا؟! قال: كان معنا خيار وشرار، فانضم خيارُنا إلى خياركُم، وشرارُنا إلى شرارِكُم. وحديثُ: «الأرواح جنود مجندة» أعدلُ شاهد لذلك، وقد رواه مسلم في الأدب من صحيحه عن أبي هريرة، وعلقه البخاري بصيغة الجزم عن عائشةَ رَضِي الله عنها؛ فالعبد منكرٌ لِمَا يُنكره الشرعُ من مثل هذ
وقد اعترف هو أنَّ ما قالهُ مُوجب لإراقة الدم، حيثُ قال معترفاً بأنه قال في الإفاقةِ والصَّحوِ لا في السُّكْرِ والجَذْبةِ:
وثم أمور تم لي كشف سترها بصحو يفيق عن سواي تغطَّتِ بها لم يَبُحْ مَنْ لم يُحْ دَمَهُ وفي الـ إشارة معنى حديث العبارة فأين هذا الانهماك في اللذة قولاً وفعلاً، والانقياد للهوى عقداً وحلا، من رتبة الولاية التي يدَّعِيها المتعصبون له، التي من شرطها الإعراض عن الانهماكِ في اللذاتِ الدُّنيوية، ومن رتبة الهيئة التي يدعيها هو.
ومن هنا نعلم أنهم لا أرضوه ولا أرضوا الله ورسوله مع قوله تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 62]؛ فإنه لا يرضى إلا أن يكونَ هو الله، وينهى عن ذكره بغير ذلك، كما يُشير إليه قوله:
الجزء 1 · صفحة 16
وعنْ لَقَبِي بِالعارفِ ارجع فإن ترى التّـ نابز بالألقاب في الذِّكْرِ تُمقَتِ وهم لا يرجعون عن ذلك فيعصونَهُ ويعصون الله سبحانه ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، فيا خسارتهم في تجارتهم بما ضرُّوا به أنفسَهُم فيما لا ينفعهم، كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُ أَطْمَأَنَّ بِهِ ? وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةً ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ يَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ يَدْعُوا لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [الحج: 11 - 13].
وأما من أنكر عليه لأمثال ما رأيته من الألفاظ الصريحة في الكفر، أو الظاهرة فيه؛ فلا شيء عليه بإجماع المُسلمين، لقاعدة: مَن كفر مسلماً متأولاً فلا أضل ممن ترك طريقاً مضموناً بالسلامة، واتَّبَعَ طريقاً أخف أحوالِه أَنَّهُ مظنونُ العَطَبِ والمَلَامَةِ. فقد اعترف كل من يُحامِي عنه أن ظاهر كلامه منابةٌ للكتابِ والسنة، وإِلَّا لَمَا احتاجوا إلى تأويله، مع أنَّ الفاروق أمير المؤمنينَ عمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنه ما سلك فجاً إلا سلك الشيطانُ فجّاً غيرَه، قد أنكر التأويل لغير كلام المعصوم، ومنع [منه] رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأهلك كلَّ مَن يخالفه وأرداه، وبسيفِ الشرع قتله وأخزاه، وقد تبعه على ذلك العلماء، لم يخالف منهم أحدٌ كما نقله إمام الحرمين عن الأصوليين كافَّةً، وتبعه الغزالي وتبعهما الناسُ.
وقال الحافظ زِينُ الدِّينِ العِراقي: إنه أجمعَ عليه الأُمَّةُ من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل الاجتهاد الصحيح، وكذا أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد»،
الجزء 1 · صفحة 17
وأصله إمامنا الشافعي في كتاب «الرسالة» لقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: إنكُم تختصمونَ إليَّ ... » الحديث في أمثال له كثيرة.
وقال الأصوليون كافةً: إنَّ التأويل إن كان لغير دليل كانَ لعِباً، وما يُنسب إلى بعض المذاهب من تأويل ما هو ظاهر في الكُفْرِ فكذب، أو غلط منشؤه سوء الفهم كما بيَّنتُ ذلك بياناً شافياً في غير هذه الرسالة، وإنما أوَّلنا كلام المعصوم؛ لأنه لا يجوز عليه الخطأ، وأما غيره فيجوز له الخطأُ سهواً وعَمْداً، وكذا الكُفْرُ.
ومن العجب أنهم يُعادوننا؛ لأنا لا نُؤوِّلُ لمن يجوز عليه الزلل، وينصرونَ مَن يتعصبون له، وهو لا يؤول المُتشابة من كلام المعصوم مع تأدية ذلك إلى إبطال الشرع، ويدعونَ الإسلام، ومن أرادَ بسط الأدلة؛ فعليه بكتاب «الفارض»؛ فإنه بحر
عباب، وذكرى عظيمةٌ لأولي الألباب، لا يستغني عنه في هذا الزمان متشرع. والذي قاله عمر رضي الله تعالى وتبعه هؤلاء الأئمة هو ما رواه عنه
البخاري في كتاب الشهادات من صحيحه»، ولفظه: إن ناساً كانوا يأخذونَ بالوحي على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وإنَّ الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكُم بما ظهر لنا من أعمالكم؛ فمن أظهر لنا خيراً أَمِنَّاهُ وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء الله يُحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نُصدّقه وإنْ قال: إِنَّ سريرته حسنةٌ.
فمن خالف الفاروقَ رَضِي الله عنه كانَ أختُ أحواله أن يكون رافضياً خبيثاً مريداً، وأثقلها أن يكون كافراً عنيداً، وهذا الذي سماه الفاروقُ رَضِي الله عنه ظاهراً
هو الذي يُعرفُ في لسان المتشرعة بالصريح، وهو ما قابل النص، والكناية والتعريض والتلويح إلى هنا من كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام دَعَوْنا: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلَا
ممَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].
الجزء 1 · صفحة 18
وأما المُخلِصونَ له فإنَّهم داعونَ إلى شاعر لم يُؤثر عنه قطُّ شيءٍ غيرَ ديوان شعر، ولم يمدح النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم فيه بقصيدة واحدة، بل هو كفر وضلالة وخلاعة وبطالة.
وقد عُلمَ ذمُّ الله ورسوله للشعر والشعراء، إذا كان حالهم مثل هذا، كما قال تعالى {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُنَ} [الشعراء: 224] الآية، وفي السنة كما رواه الستة عن ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً: «لَأنْ يمتلئ جوفُ أحدِكم قَيْحاً خيرٌ له من أن يمتلئ شعراً»، وذلك إذا تفرّد بالشعرِ كهذا الرجل؛ فإنه ليس له شيء ينفعُ الدين أصلاً في علم من العلومِ ولا ذكرٍ من الأذكار أصلاً، وليس له من الشعر إلا ما ضر به أهل الدين؛ لأنه ملاهُ كُفْراً وخَلاعةً وصدّاً عن الدين وشناعة؛ فقد حادَّ به الله سبحانه ورسوله عليه السلام، وقال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية [المجادلة: 22].
فنحن في غاية السلامة من الندامة يوم القيامةِ، وأَمَّا مَنْ يُحامِي عنه، فهو دائر بين اعتقادِ ما تضمنه كلامه، وذلك هو الكُفر الموجِبُ للسيفِ في الدُّنيا والخلود في النار في الأُخرى، وبين الذب عنه مع الجهل بما قال، وذلك موجب الموادةِ مَن حاد الله ورسوله الموجب لعداوتهما الجارةِ إلى كلّ شقاء في العقبى؛ فهذا مستندنا وهو قطعي من جميع وجوهه، تواتر لنا تواتراً معنوياً نسبة العلماء له إلى الكفر، وتواتراً حقيقياً: أن «التائية» نظمه، ونحن على القطعِ
بأنها صريحة في القول بالاتحاد بالذات والصفات، وما يتبع ذلك من تصويب جميع الملل، وعلى القطع بأنَّ ذلكَ كُفْرٌ، والقائل به كافر.
الجزء 1 · صفحة 19
قال: وقد انتقيتُ من «التائية» ما يُقارب أربع مئة وخمسين بيتاً، شهِدَ شُرَّاحُها البررة والكفرة: أنَّ مراده منها صريح الاتحاد، وما تفرع عليه من تصويب جميع الأباطيل، وذلك في كتابي «الفارض»، ولا مستند لمن يُنا بذنا إلا ما أثبته ابن بنته من ديباجة «الديوان من النُّورِ والبُهتان، وهو نكرة لا يُعرفُ، ولو أنه شهد على أحدهم بدينار لم تقبل شهادته حتى يُعدله المعدلون الموثوق بهم، ولا معدل له، ولا لجده ممن هو خبير بحالهما أصلاً، فصار المحامُونَ لا سند لهم إلا سند قريش في منابذة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في التوحيد حيثُ قالوا: {وَإِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} [الجاثية: ??]، وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا أَخلَقُ [ص: 7]، {إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَرِهِم مُهْتَدُونَ} [الزخرف: ??]، وفي آية مُقْتَدُونَ} [الزخرف: ??]، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا الآية [المائدة: 104]، {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيْطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ} الآية [الأعراف: 30].
وكلُّ مَن يقولُ: حكمنا في أمره يُوشك أن يقول عند سؤال الملكين في قبره، ما قال صلى الله تعالى عليه وسلم عن المنافق أو المرتاب: «هاه هاه، لا أدري سمعتُ الناس يقولون شيئاً فقلته».
على أنه لو ثبت ما في ديباجة «الديوان» لم يُفذ ولايةً؛ فإنَّ العُلماءَ قَسمُوا
الجزء 1 · صفحة 20
الخوارق إلى معجزة، وكرامة، ومعونة، وإهانة؛ فانظر إلى ما ورد للدجال من الخوارق، وهو أكفرُ الكفرة، وإنما يُفيدُ ذلك بذل الجهد في متابعة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فمن بذل جهدَهُ في اتِّباع السُّنةِ، قلنا: إنَّه ولي بشرط الاستقامة على تلك الحالة، ولذا قيل: الاستقامة خير من ألف كرامة؛ إذ الاستقامة لا بذاتها تكون مستدامة إلى الخاتمة. فإن خيل بعضُ الحُلوليين منهم أخذاً ممن ظهر له الحق بقوله: التسليم أسلم، فليقل له: التسليم لأهل الشريعة وأرباب الطريقة المجمع عليهم، الذينَ رموا هذا الرجل بالكفر، ورأسهم الفاروق رضي الله تعالى عنه الذي منع من التأويل أجدر بإيجاب السلامة.
وقد قال الإمامانِ الجليلان أبو حنيفة رحمه الله والشافعي: إن لم يكن الفقهاء أولياء؛ فليس الله تعالى ولي.
وإن قالوا له لا تُجرِّب، بالإنكار عليه في نفسك؛ فليقل: وإن تركتُ الإنكار عليه كنتُ أيضاً مُجرّباً في نفسي بمنابذةِ رسولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «مَن رأى منكم منكراً؛ فليغيره بيدِهِ، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمانِ».
فصدق الله تعالى في قولهِ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبوتِ} [العنكبوت: 41] الآية.
وإن قالوا استخفافاً لضعفاء العقول: إِنَّ هذا الرجل له ما يزيد على مئتي سنة ميتاً، فما للناس يُقلْقِلُونَه في قبره؛ تلكَ أمَّةٌ قد خلت؟ فقُلْ: هذا الكلام لنا عليكم؛ فإِنَّه لو كان حيّاً لظنَّ أنَّ الكلامَ فيه لعداوة خفية، أو حضّ من حظوظ دنيوية، وحيثُ انتفتِ
التهم كلُّها كانَ الكلام بسببِ. ما خلَّفه من كلامه هذا الذي أقر الذابُونَ عنه: أن ظاهره
خبيثُ حتى احتاجوا إلى تأويله، فمن غضَّ فيه عَلمنا أَنَّهُ ما غضّ عنه مع معاداة أكثر الناس إلا ذباً عن حمى الشريعة؛ خوفاً على الضعفاء من الاغترار بهذهِ الظواهر، ومَن
الجزء 1 · صفحة 21
حامي عنه كانَ ذلك قرينةً دالةً على أنه يعتقد ما ظهر من كلامه. فإن قالوا: ما لأهل زمانه ما أنكروا عليه في شأنه؟ قيل: قد أنكروا عليه كما أشرنا إليه.
فإن قيل: ما لهم ما قتلوه؟ قيل: منعهم اختلافُ الأغراض، كما منع ذلك في الباجريقي، وكما ترى الآن من هذا التجاذُبِ، على أن القتل لا يُفيدُ قطعَ المُتعنتِ من المتعنتين؛ فقد أجمع أهل زمانِ الحلَّاجِ الذي هو رأسُ هذه الطائفة الاتحادية، وهم أتباع طريقته على قتله على الزندقة، كما نقله القاضي عياض عليه رحمة ربه الفياض في آخر كتابه الشفا الذي هو من أشهر الكتب وأعظمها، وقُتل بسيف وأنتَ تجد الآن هذهِ الطائفة يعتقدونَ فيه اعتقاداً عظيماً ويُنا بذونَ أهل
الشرع، الشريعة، وذلك يدلُّ على أنهم إنما يقولونَ: نُؤوِّلُ تَقِيةٌ، وخوفاً من سيوف محمدية،
هو محمد بن جمال الدين بن عبد الرحمن الباجريقي. انظر خبره في: «البداية والنهاية» لابن كثير 14 / 34.
وأنهم يعتقدونَ الكلام على ظاهره فاستوى حينئذ القتل على الزندقة وعدمه في حقّ أهل الطائفة، وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الرعد: 33].
ولم تَجرِ عادةً قطُّ فيما بينَ العِبادِ بأنَّ أحداً من أهلِ السُّنةِ يُضرِبُ عُنقُه لأجل تمسكه بالسنة ونصره لها بالحُجَّةِ، بل أجرى [ ... ] عادته بأن يُضرب أعناق أهلِ البدعة في كل عصر بأيدي أهلِ السُّنةِ، كما قال عليه السلام فيما رواه الشيخان عن معاوية رضي الله تعالى عنه: لا تزال طائفةٌ من أُمَّتِي قائمةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لا يَضِرُّهُم مَن
الجزء 1 · صفحة 22
خذَلهُم حتّى يأتي أمرُ اللهِ وهُمْ ظاهرونَ، وحتّى يُقاتِلَ بقيتُهم الدجال». وقال تعالى: وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَيْكَ هُمُ الْأَمَنُ وَهُم مهْتَدُونَ} [الأنعام: ??]، {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواهَلْ أَدُلُكُمْ عَلَى تحررتُجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الصف: ??] إلى آخر السورة، وَلَيَنصُرَنَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ} [الحج: 40]، وإِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا [غافر: 51] الآيةَ، وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمَنصُورُونَ 2 وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَلِبُونَ فَنَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَنِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذِرِينَ وَتَوَلَّ
فصل
يحصل به الفصل بين أرباب الفضل وأصحاب الجهل
فاعلم أنَّ للعلم إطلاقات متعددة لمعان مختلفة:
أحدها: الشكل الذهني، وهو يشمل إدراك المفردات على حدتها، وإدراك
المركبات بجملتها.
وثانيها: الحُكْمُ الجازم بوجودها على وجه اليقين والظن والتقليد في معرفتها
وشُهُودِها، وعلى طريق البرهان وكشف حقيقتها.
وثالثها: معرفة الأشياء كما هي بتجارب لا تقبل التشكيك في ماهيتها، وهذا أول مراتب اليقين الثلاثة، التي هي: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، وقد نبه
الكتاب والسنة تصريحاً وتلويحاً على هذه المراتب الثلاثة.
الجزء 1 · صفحة 23
ورابعها: الصناعة المرتبةُ المدوّنة؛ كعلم اللغة، والصرف، والنحو، وغيرها الآلة، وربما ظَنَّ المُبرزُ في صناعة من الصناعاتِ العِلمية: أنَّ عِلمه هو العلم، وأنَّه الغاية القصوى من الفضائل العَلِيَّةِ، كما يدلُّ عليه قوله تعالى: كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53]، ويشير إليهِ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60]، فيتعصبونَ لِمَا يُوافقُ مطلبهم ويُطابق مذهبهم.
وقد قال الإمامُ حُجَّةُ الإسلام: ولقد خُيّل إلى غالبِ الأنام أن لا علم إلا فتوى خصومة، يستعينُ بها الحُكّام على فصلِ الخِصام عند تهاوش الطُّعَامِ، أو جدلٍ يتذرعُ به طالب المُباهاة إلى الغلبة والإفحام، أو سجع من حرفٍ يَتوصل به الواعظ إلى استدراج العوام؛ إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرامِ وشبكة للحطام.
فأما علم طريق الآخرة، وما درج عليه السلف الصالح ممَّا سَمَّاهُ اللهُ تعالى في كتابه فقهاً وحكمةً وعلماً وضياءً ونوراً ورُشْداً وهدايةً؛ فقد أصبحَ بين يدي الخلقِ مطوِياً وصارَ نسيّاً منسيّاً. انتهى
وأعلى العلوم علمُ المُكاشفة، الذي يُسمَّى علماً لدنيّاً وإلهاماً ربانياً ومعرفةً وهيئةً ونسبةً قلبيةً؛ فهو غاية الغايات، ومنتهى الطلبات، لكنه في صدور الأحرار، هو المخزون كما ورد: أنَّ من العلم كهيئة المكنون»، إلا أنَّه قد يرشح الإناء بما فيه، ويتلمَّحُ أنه يُوافق الحق، أو يُنافيه.
الجزء 1 · صفحة 24
فانظر إلى قول سيّد الطائفة الجنيد البغدادي قدس سره: التوحيدُ: رفعُ الحَدَثِ، وإثبات القدم، ومعناه: أنَّ وجودَ الحدثِ عندَ شهودِ القِدم كالعَدَمِ، لا أنَّ الحادث لا وجودَ له كما تقوله الوجُودِيَّةُ التابعةُ للسُّوفسطائية، في المخالفة لأرباب المقاماتِ الشهودية القائلة: إِنَّ حقائق الأشياء، ثابتةٌ، وما أحسن قول أبي مدين: السالك ذاهب إليه، والعارفُ ذاهب فيه مُشيراً إلى السير إلى الله، والسير في الله المُعبَّر عن الأول بالشريعة والطريقة؛ نظراً إلى السير الباطن والظاهر من جهة الأخلاق والأعمال، وعن الثاني بالحقيقة نظراً إلى السير الباطن مع الرب في التقلباتِ من القبض والبَسْطِ، والمَحْوِ والصَّحو، والفناء والبقاء، وغير ذلك من الأحوال.
ومنها: الجمع والتفرقة، وجمع الجمع الذي هو كمال المعرفة المراد منه أن لا تحجب الكثرة عن الوحدة، ولا الوحدة عن الكثرة.
فقد قال أبو مدين الجمعُ: ما أسقط تفردَكَ، ومحا إشارتك مع استغراق أوصافك وتلاشي نُعوتك، انتهى.
ومَن وصل إلى مقامِ الجمع قل له الأعمال الظاهرة إلا مقدار ما يجب عليه، ويكثر أحوال الباطن فيما يرد إليه، ولذا قال بعضهم: مَنْ رآني في بدايتي قالَ: صِدِّيقٌ، و مَنْ رآني في نهايتي قال: زنديق.
وليس المرادُ أَنَّهُ يترك العبادة ويفتح باب الإباحة، كما يظنُّه بعضُ الجهلة من الصوفية الخارجة عن الطريقة المرضية، وربما يتعلَّقون بقوله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبِّكَ حَتَّى يأتيكَ الْيَقِينُ} [الحجر: ??]، مع أنَّ اليقين في الآية فُسِّرَ بالموتِ بإجماع المُفسِّرِينَ، وذلك لأنَّ الموتَ مبدأ عين اليقين، والحشر مبدأُ حق اليقين، على أنَّه قد يُقالُ بطريقِ الإشارة: إنَّ معناه: اعبد ربَّكَ ولو على الظنِّ والتخمين حتى يأتيك اليقين؛ فتعبده حينئذ على اليقين، أو حتَّى يتبيَّنَ لكَ أنَّ العبادة له، وأنه لا يستحقُ لها أحد سواه.
الجزء 1 · صفحة 25
وعلى الجملة فأشرفُ العلوم وغاياته، معرفةُ الله تعالى وآياته، مما يتعلق بذاتِه سبحانه وصفاته، وهو بحرٌ لا تُدرك نهاياته، لكن ما لا يُدركُ كلُّه لا يُترك كُلُّه، فقد قال تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: ???]، {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: وَعَلَمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113].
وقال الإمامُ حُجَّةُ الإسلام في علم الآخرة؛ أعني: علم المعاملة، وعلم المُكاشفة: فغايةُ المعاملة المُكاشفة، وغاية المكاشفة معرفة الله تعالى وبرهانه وهو قرة نور، يقذفه الله تعالى في قلب عبد طَهَّرَ بالمجاهدة باطنه عن الأخلاقِ الردِيَّةِ والأحوال الدنِيَّةِ، فيقتضي إلى مقام المشاهدة.
وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «مَن عَمِلَ بِمَا عَلِمَ ورَّتْهُ اللهُ عِلْمَ ما لا يعلم»، وهوَ مُستفاد من قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: 69].
وفي بعض الكتب السالفة: يا بني إسرائيل! لا تقولوا: العلم في السماء؛ من ينزل به [إلى الأرض؟]، ولا في تُخوم الأرضِ، مَن يصعد بهِ؟ ولا من وراء البَحْرِ، من يعبر به ويأتي به؟ العلم مجعول في قلوبكم، تأدبوا بين يدي بآدابِ الرُّوحانيين، وتخلقوا بأخلاقِ الصِّدِّيقين، أظهر العلمَ مِن قُلوبِكم حتى يُغطيكم ويغمُرَكُم. وفي التنزيل إشارة إليه، ودلالة عليه بقوله: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} [الزمر: 22].
وقال سهل التُستَريُّ: خرجَ العُلماء والزُّهادُ والعُبَّاد من الدنيا وقلوبهم مُقفلةٌ، ولم يفتح إلا قلوب الصدِّيقين والشهداء؛ إذ قال الإمام مالك رحمه الله: علم الباطن لا يعرفه إلا مَن عرف علم الظاهرِ؛ فمتى عَلِم عِلمَ الظاهرِ، وعمل به فتحَ اللهُ عليه علم الباطن.
الجزء 1 · صفحة 26
وقال أيضاً: ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يقذفه الله في القلب؛ أي: ليحصل به كمال الدراية.
وقال أيضاً - ونِعْمَ ما قال: مَن تفقه ولم يتصوّف، فقد تفسق، ومَن تصوَّفَ ولم يتفقه، فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق.
وقال بعضُهم: الكاملُ مَن لا يَطغى نور معرفتِه نور ورعه.
ومن كلامِ حُجَّةِ الإسلام: إنَّ المتكلّم هو الذي ينظر في أعم الأشياء، وهو الوجود، فيقسم الوجود أولاً إلى قديم وإلى حادث، ثم يقسم الحدثَ إلى جوهر وإلى عرض، ثم يقسمُ العَرَضَ إلى ما يُشترط فيه الحياة؛ نحو العلم والقُدرةِ والإرادة والسمع ... إلى آخرها، وإلى ما يُستغنى عنها؛ كاللون والريح والطعم ونحوها، ويقسم الجواهر إلى الحيوانات والنباتات والجمادات، ثم ينظر في القديم سبحانه؛ فيبين أنَّه لا يتكثر ولا ينقسم انقسام الحوادث، بل لا بُدَّ أن يكون واحداً، وأن يكونَ متميزاً عن الحوادث بأوصاف تجب له، وبأمور تستحيل عليه، وأحكام تجوزُ في حقه ولا تجب ولا تستحيل، ويفرق بين الجائز والواجبِ والمُحالِ.
ثم بينَ أنَّ أصل الفعلِ جائز عليه، وأن العالم فعله الجائز، وأنه لجوازه افتقر إلى المُحدِثِ، وأنَّ بعثة الرسول من أفعاله الجائزة، وأنه تعالى قادر عليه وعلى تعريف صدقهم بالمعجزاتِ، وأن هذا الجائز واقع في صحيفة الكائناتِ، انتهى وهذه كلُّها حجّة على الوجودية القائلة بوحدة الوجود في عالم الشهودِ، وأنَّ الله تعالى أوجد الأشياء وهو عينها، فهم أضل من المشركين من عَبَدة الصنم؛ فإنَّهُ تعالى أخبر عنهم بقوله: {وَلَن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25]، وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَؤُنَا عِندَ اللَّهِ} [يونس: ??]، ووَإِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ} [الزمر: 3].
الجزء 1 · صفحة 27
وقد قال حُجَّةُ الإسلام في كتاب الشكر من «الإحياء» ما نصه: وعبدة الأوثان قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]؛ فكانوا داخلين في أبواب التوحيد دخولاً ضعيفاً.
ومن هنا قال شقيق: احذر الأغنياء؛ فإنكَ إنْ مِلتَ إليهم بقلبك؛ فقد اتخذتهم أرباباً وأولياء من دون الله. نقله عنه صاحب «المرآة» في ترجمته.
وقد حمل بعضُهم عبادة الأصنام في دعوة إبراهيم عليه الصلاة والتسليم بطريق الإشارة على الالتفات إلى غيرِ الحقِّ سبحانَه من المُساكنة إلى الأغراض، والمطالبة بالأعواض، كما حُمِلَ الشَّرِكُ في قوله عليه السلام: «الشَّرِكُ أخفى في أُمَّتِي من دبيبِ النمل على الصَّفا في الليلة الظلماء» على مثل ذلك من السكون إلى الأسباب، وعدم الاعتماد على ربِّ الأرباب، فأينَ هذا من كلام المولى الجامي. قال بعض كبراء العارفين معنى لا إله إلا الله: ليس شيء مما يُدعى إلها غير الله.
وكذا أجهل من اليهود والنصارى؛ فإنهم لما رأوا مظهر الصفاتِ الألوهية في عيسى وعُزير عليهما السلامُ من خوارق العاداتِ، ومن جملتها وجود عيسى بلا أب، وإحياء الموتى وأمثالِ تلك الآياتِ؛ توهموا العينية بغلبة الصفات اللاهوتية على الحالات الناسوتية، مع أنَّ الله سبحانَهُ تولَّى الجواب عن إشكالهم في مختلف أقوالهم بقوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} [آل عمران: 59] يعني: وما للتراب ورب الأرباب، وبقوله: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمَّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامُّ انظُرْ كَيْفَ نبيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَن يُؤْفَكُونَ} [المائدة: 75].
قال بعضُ العارفين: قوله تعالى: {يَأكُلَانِ} كناية عن أنهما يتغوطانِ ويبولان؛ فهما للألوهية لا يصلحان.
الجزء 1 · صفحة 28
وبقوله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [المائدة: ??] الآية؛ فأينَ هذا من كلام الوجودية، إنما [ ... ]
لإتيانهم بضمير الفصل المشير إلى الحَصْرِ، وإلَّا فهوَ وغيره يصدق عليه [ ... ]؛ فسبحان الله عما يصفونَ بمعنى أنهم يدَّعون أنهم مسلمون، وأنهم مُنصفون. وما أحسن قول الشاعرِ الماهر:
خُذ ما تراه ودَعْ شيئاً سمِعتَ بهِ في طَلْعِةِ الشمس ما يُغنيك عن زُحَلِ وقد قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]، وقال عزّ وجلَّ: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحببكُمُ اللهُ} [آل عمران: 31]؛ فمن المحال الوصول إلى المولى من غير طريق المصطفى، فطريقه المستقيم، ودينه القويم، وهو صراطه الذي أنعم عليهم من النبيِّينَ والصدِّيقين والشُّهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليماً، فماذا بعد الحقِّ إلا الضلال، وماذا بعد العلم إلا الجهل والوَبال. ثم اعلم: أنَّ أهلَ الله أجمعوا على أنَّ كلَّ حقيقة لا توافقها الشريعةُ؛ فهي زندقة، وممن صرَّحَ به الجنيدُ والسَّرِيُّ السَّقطي وأبو سعيد الخرَّازُ والسيد عبد القادر الجيلاني وغيرهم، ولهذا صرَّحَ بكفر ابن الفارض من جهة «التائية» جماعة من عصره شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني، ومحقق
الجزء 1 · صفحة 29
حافظ الأئمة الجليَّة؛ منهم. دهره شمس الدين محمد بن عليّ القاياتي، وشيخ أهل اليمن بدر الدين حسين بن عبد الرحمن بن أهدل الشريف الصوفيُّ الفقيه، وشيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني، والبرهانُ إبراهيم بن محمود السَّفاقسي، وشيخهما العلامة أبو حيان، وأبو أمامة بن النقاش، والحافظ شمس الدين الموصلي.
فقَتْلُ صاحبه به أفضل عند الله تعالى من إحياء عشيرة، وما كان مُشكلاً لم يُفهم معناه لم يحل ذكرُ معناهُ فضلاً عن تأويله وفقَ مُدَّعاهُ.
ويوافقه قول حافظ عصره الشيخ زين الدين العراقي وعلاء الدين القونوي، ونور الدين البكري، وشمس الدين الجزري: إنَّهُ لا يُؤوَّلُ إِلا كلامُ المعصومِ؛ لأَنَّهُ لا يجوز عليه الخطأ، وأما غيرُه، فيجوز عليه المعصية خطأً وعمْداً، وكذا الكُفْرُ، وإذا كانَ
الكلامُ ظاهر التأويل وصاحبه معروفٌ في الدِّينِ بلا قال وقيل؛ فينبغي حُسنُ الظَّنِّ بهِ، ويُحمل كلامه على ما لا يُكفَّرُ بسببه؛ ففي «الكشاف» عند قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3] عن عمر بن الخطاب رَضِي الله عنه: لا تظننَّ بكلمة خرجت من في أخيك سوءاً وأنتَ تجد لها في الخير محملاً. انتهى.
وبهذا يُجمع بين قوله هنا وما سبق عنه في كلام البقاعي أولاً، وظهر وجه الاختلافِ بينَ العُلماء في قبولِ التأويل وغيره من جهة الفرق بين تفاوتِ ناقله، ولذا قال العلامة تاج الدين السبكي ومتى أمكننا التأويل لكلامهم وحمله على محملٍ حسن في مرامهم لا نعدِلُ عن ذلك لا سيما من عرفناه بالخير ولزوم الطريقة والشريعة هنالك في بقيَّةِ أقواله وسائر أفعاله وأحواله، وأما ما جرى على ألسنة بعضهم في حالِ السُّكْرِ؛ فإنه لا يُقتدى به فيها، ولا يُوجبُ القَدْحَ في قائِلها، بل نُسلّمُ حاله ونُقيم عندَهُ فيما سقط من شفتيهِ حالَ الغيبة؛ فإنَّ الشارع لم يُكلّف غائبَ الذَّهن. انتهى كلامه وتبين مرامه.
الجزء 1 · صفحة 30
ويؤيد هذا الكلامَ ما نصَّ عليه الشيخُ عِزُّ الدين بن عبد السلام: أَنَّ الولي إذا قال في غيبته: أنا الله؛ لا يكون ذلك ردَّةً؛ يعني: حتى يُراجع في حال صحوه، وبهذا تبيَّن أن ما وقع لابن عربي في مصنفاته، أو لابن الفارض في أبياته ليس في حالاتِ سكراته، بل في حال شعوره بذاتِه وصفاته؛ فلا يُقبلُ تأويل بعيد في كلماته، ومن هاهنا حُكم بإراقة دم الحلاج وعُثمانَ النكالي، والباجُرْبَقي وغيرهم من الاتحادية؛ لأنَّ ما وافقوا فيه لا يَضيقُ عن تأويل مائل، قيل: إنَّ الحلاج بعد شعوره رجع عن قوله وتاب إلى الله تعالى من فعله، إلا أن القاضي كان مالكياً ولم يقبل توبته، ولم يستحسن رجعته صوناً لحُرمةِ الدِّين وزجراً عن أن يتكلم بمثله بعضُ المُلحدين، وحتى لا يجترى على الألفاظ المُشكلة كثيرٌ من المُبطلين والمفسدين، وذلك لأنَّ العلماء اختلفوا في المسلم إذا انتقص.
فقال الجمهور: يُستتاب؛ فإذا تابَ يُحقن دمه، وقال المالكي: لا يُستتاب، فيقتل حداً ولو تاب، لكن القاضي عياض رحمه الله تعقب القاضي أبا عمرو بسبب قتل الحلاج في كتاب «المدارك» وغيره.
وقد نقل القونوي عن الشَّبلي: أنه سأل الله تعالى أن يُطلعه على السبب فيما ابتلي به الحلاج، فرأى فيما يرى النائم كأنَّ القيامة قد قامت، وسمع النداء: يا أبا بكر! أكرمناه بسر من أسرارِنا؛ فأراه لغيرنا، فأنزلنا به ما ترى، انتهى.
وأنت ترى أن هذا حكاية الرؤيا، وأنه يوهم أن قوله هذا حقٌّ في الجملة، ولعلَّ وجهه: أنَّ بعض العارفين وقف على قبر الحلاج، فرأى نوراً يطلع من قبره إلى السماء، فقال: يا رب! ما الفرق بين قوله: أنا الحق، وبين قولِ فرعون: أنا ربكم الأعلى؟ فنُودِيَ
الجزء 1 · صفحة 31
في خاطره: إنَّ المنصور رأنا فقال ما قال، وفرعون رأى نفسه، وقال ما قال. وحاصله: أنه سبحانه لما تجلّى على قلب الحلاج، فغاب عن نفسه، وفني عن روحه ولم يظهر عنده غيرُ ربه فتكلم بقوله، وقيل: سمع من ربه حال تجليه: أنا الحقُّ، فتكلم بقوله حكايةً عن كلام ربه، وهذا أحد تأويلات كلامه، والله أعلم بحقيقة مرامه ومقامه.
وقد حكي عن الإمام ابن شريح وهو من أصحاب الجنيد رحمه الله أنه قال في حق الحلاج: إن هذا رجلٌ أشكل علي حاله، فلا أقول فيه بشيء؛ أي:
من كماله وضلاله.
وأما ما حُكي من نص بعض العلماء الأعلام ومشايخ الإسلام على جلالة ابن عربي؛ كابن عطاء الله المالكي الشاذلي، والإمام عبد الله اليافعي الشافعي، والعلامة أبي شامة، والعلاء القونوي، والجد الفيروز أبادي، فقد قال بعضُ المحققين من المتأخرين: أما من أثنى عليه؛ فلفضله وزُهده و اجتهاده، ولما اشتهر عليه من بعضِ الكرامات، ولم يعرفوا ما في كلامه من المنكرات لاشتغالهم عنها بالعبادات، والنظرِ في غير تلك العباراتِ من كتب القومِ؛ كـ «التعرُّف»، و «العوارف»، و «القوت»،
ونحوها من المصنفات؛ لكونها أقرب إلى الفهم وأوفق للأحاديث والآياتِ.
وبخط حافظ العصر ابن حجر: أما ابن عربي ومن وافقه في المُعتقد المذكور؛ فقد توقف كثير من الأئمة عن القدح في أعيانهم؛ لاحتمال رجوعهم، أو بعضهم عن ذلك، لأنهم اشتهروا بالعبادة والزهادة والكرامات الكثيرة، مع احتمال أن يكون بعضُهم لم يعتقد لازم تلك المقالة، بل وقف في تأويلها عند كمال التفويض إلى غير ذلك من التأويلات.
وجاء في لسان الميزان ما نصه: فقال أشياء منكرةً عدها طائفة من العلماء مُروقاً وزندقةً، وعدَّها طائفةٌ من العلماء من رموز العارفين، وإشاراتِ السالكين، وعدها طائفةٌ من متشابه القول، وأنَّ ظاهرها كفر وضلال، وباطنها حق وعرفان. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 32
وقد بينت في رسالة مستقلة وجهَ بطلانِ بعض أقواله المخالفة للكتاب والسنة، وأنها لا تصلح أن تكون من الإشاراتِ؛ فإنها صريحة بالكُفْرِ في العباراتِ، ولم أرَ مَن أوَّلَ تلك الكلمات بتأويل صحيح يوافق الأخبار والآيات.
فأما مجرد دعوى أن للكلام معنى؛ لا يقبله لا الواقع في حضيض التقليد ولا يرضى به أهل التحقيق والتأييد؛ فلا شك أن تلك الكلمات كفريات، وأما كونه اعتقد ظاهرها ومات عليه، لو رجع إلى الحقِّ بعد ما ظهر لديه، فهذا مقام فيه التسليم أسلم، والله سبحانَهُ أعلم.
ثم من الغريب أنَّ العلامة الجزري نقل عن ابن عربي أنه قال في «فتوحاته»:
كلامي هذا على ظاهره لا يجوز تأويله.
وتعقبه بعضُهم: بأنه صرَّحَ في مواضع كثيرة أنَّ مراده خلافُ الظاهر، وأن
ضيق العبارة أحوج إلى هذه العبارة المشكلة. انتهى.
ولا يخفى هذا العذرُ البارد؛ فعلى تقدير صحةِ مُجابه، كما قال الجزري: إنه كان له مرضُ السوداء، فكان يُخالف كلامه في محل كلامه في موضع آخر؛ فالذي أراد تحقيق كلامه؛ فلينظر إلى مفرداته، وليتدبر، مع أنه يحرم على من لم يكن عارفاً بالكتاب والسنة، ومشحوناً بالعقائدِ الثابتة في باب المعرفة، أن ينظر إلى تصانيفه على الخصوص في «الفصوص»؛ فإِنَّهُ غالبه مخالف للنصوص، والله ولي دينه وناصر نبيه وحافظ حزبه، وأما بيتُ «التائية» الفارضية:
وجُلْ في فنونِ الاتحادِ ولا تَحِد إِلى فِئَةٍ في غيرةِ العُمْرَ أَفَنتِ يحتمل أنه أرادَ بالاتحادِ المرادَ عندَ أهل الاتِّحادِ والعِنادِ، والاتحاد المؤول عندَ العُبَّادِ والزُّهادِ.
فاعلم أنَّ الاتحاد؛ يعني: صيرورة شيء بعينه شيئاً آخرَ من غير أن يزول ع شيء، أو ينضم إليه شيء؛ ممتنع عقلاً.
وصرّح المحققونَ: بأنَّ ذِكرَ البُرهان على امتناعه؛ إنما هو لازدياد وضوحه، لا لأنه نظري، بل هو بديهي.
الجزء 1 · صفحة 33
وأما الاتحاد بمعنى صيرورة شيءٍ ما شيئاً آخر بطريق الاستحالة، كما يصيرُ الماء هواء، والأبيضُ أسود، وبطريق التركيب، وهو أن ينضم شيءٌ إلى شيء آخر، فيحصل ثالث كما إذا انضم التراب للماء فيصير الطين؛ فهو جائز عقلاً، بل واقع نقلاً، وعلى كل تقدير؛ فاتّحاد الواجب بالممكن على كلّ حالٍ من الأحوالِ محالٌ، أَمَّا الأول فظاهر، وأما الثاني والثالث، فلامتناع الاستحالة والتركيب على الباري تعالى. ثم إنَّ المحققين من الصُّوفية لا يُجوِّزونَ الاتحاد بهذه المعاني، وإنما يُطلقُ الاتحاد عندهم ويُراد به أعلى مراتبِ تقرُّبِ العبد من الحق بالمعنى، لا [ ... ] سبحانه وتعالى، كما يُشير إليه الحديث القدسي والكلامُ الأُنسي: «لا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحبته كنت سمعه وبصرَه ويدَه.
وخلاصةُ المَرامِ في هذا المقام أنَّ العبد بالتحلية بعد التخلية، والتخلُّقِ بأخلاق الله العلية، تصير صفة الحقِّ قاهرةً لصفة العبدِ غالبةً عليها، وقد يقوى بحيث إِنَّهُ يَفنى عن نفسه ويبقى بربه.
وقد صرَّحَ القومُ بأن المراد بالاتحاد إنما هو قهر القديم بصفاته على صفاتِ المُحدَثِ، وذلك يعني بإزالة الصفاتِ المذمومة، وإثبات الصفات المحمودة المناسبة لصفاتِ الحق وأخلاقه تعالى.
ومما يُشعر أنه أراد المذموم من الاتحادِ ما سبق له من الأبيات التي ذكرها البقاعي رحمه الله مما ظاهره الفساد، ومما يدلُّ على أنه أرادَ الاتحاد بألا يؤدي إلى معنى يُريده أهلُ العِنادِ قوله:
وجاء حديث في اتحادِيَ ثابت روايته في النقل غير ضعيفة يُشيرُ بِقُرب الحق عند تقرب إليه بنفل أو أداء فريضة وموضع تنبيه الإشارة ظاهر بِكُنتُ له سمْعاً كَنُورِ الظَّهيرة 2
وأما قوله:
ولا تَحِد إلى فئة في غيرهِ العُمْرَ أَفَنتِ
الجزء 1 · صفحة 34
أي: ولا تمل إلى جماعةٍ ناكبة عن سُلوكِ طريقِ المُرادِ، الذين لم يُشمّروا عن ساق الاجتهاد في التخلّي لأجل التحلّي، وفي التخلُّقِ لأجل التعلَّقِ، أو أشار بذلك
إلى معاوضة الحلاج مع الخواص، حين سأله الحلَّاجُ: فيمَ أَنتَ؟ فقالَ الخوَّاصُ: أصحيح مقامُ التوكَّلِ؟ فقال له الحلَّاجُ: أفنيتَ عُمركَ في عُمرانِ باطنكَ، فأينَ الفناء
في التوحيد، وقد حكى هذا الكلام حجة الإسلام في «الإحياء». [ ... ]. وقال التفتازاني في المقاصد» في مبحث الاتحاد: وههنا مَذهبانِ آخَرانِ يُوهمانِ الحلول والاتحاد وليسا منه في شيء أولهما: أنَّ السالك إذا انتهى سلوكه إلى الله تعالى في الله يستغرق في بحر التوحيد والعِرْفَانِ بحيثُ تَضْمَحِلُّ ذاتُه في ذاتِهِ وصفاته في صفاته، ويغيب عن كل ما سواه ولا يرى في الوجودِ إلا الله، وهذا الذي يُسمونه الفناء في التوحيد، وإليه يُشيرُ الحديثُ الإلهيُّ: «إنَّ العبد لا يزال يتقرَّبُ إِلَيَّ بالنوافل حتّى أُحبَّهُ ... » الحديث.
وحينئذ ربما تصدرُ منه عباراتٌ تُشعرُ بالحُلولِ والاتحادِ؛ لقصور العبارة عن بيان تلك الحال، وبُعْدِ الكشف عنها بالمثال، ونحنُ على ساحلِ التَّمَنِّي نَعْتَرِفُ من بحر التوحيد بقدر الإمكان، ونعترفُ بأنَّ طريق الفناء فيه العيان دونَ البُرهان، والله
المُوفّق. انتهى.
ومن إشاراتهم اللطيفة، وكناياتهم الشريفة: الحبُّ يجمعُ المُتفرِّقَ، ويُوحّدُ
المُتعدّد.
ويُشيرون بذلك إلى قوله: «فإذا أحببته»، وبقوله: «فإذا مرضت فلم
تعدني».
وفي التنزيل: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى [الأنفال: 17]، وأَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ} [التوبة: 104]، وإنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10].
الجزء 1 · صفحة 35
ثم الفرقُ عندهم: إقبال النفس على الجَنْبَةِ السفلى، والجمعُ إقبالها على الجنبة العليا.
وقيل: الفرقُ إشارة إلى جهة الخلق، والجمعُ إشارة إلى الحق. وقيل: الفرقُ كونُكَ مع نفسك، والجمع كونك متوجهاً إلى ربِّكَ. وقيل: الفرق ما نُسب إليكَ، والجمع ما سُلِبَ عنك، ولذا قيلَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ فرقُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] جمع. ثم من المقرر عندهُم أنه لا بُدَّ من الجمعِ والفَرْقِ، ويُسمونه مقامَ جمع الجمع؛ فإِنَّ مَنْ لا تفرقة له فلا عبودية له، ومن لا جمع له فلا معرفة عنده بها.
[ ... ]
ومن أبيات شيخ الإسلام في منازل السائرين» في جواب سائل سأل توحيد الصوفية:
عن
ما وحَدَ الواحدَ مِنْ واحدٍ إِذْ كُلُّ مَنْ وَحْدَهُ جَاحِدُ توحيدُ مَنْ ينطق عن نعتِهِ عارية أبطلها الواحِدُ توحيدُ إِيَّـ ـدُ إِيَّاه توحيده ونعتُ مَنْ ينعتُهُ لا حِدُ [ ... ]، ويصلحُ أنْ يُدفَع عنه
كلام العارض قوله:
وطالع وجوداً فيه شهودي وغبت به عن وجود شهودي ماحياً غير مثبت
طمس في الأصل بمقدار ثلاثة أسطر.
وقد قال القُونويُّ: إِنَّ الفناء قد يكونُ مُقيَّداً وهو أن يفنى عن شيء دون شيء. إلى أن قال: وقد يكون مطلقاً، وهو أن يستولي أمر الحقِّ على العبد، ويفنى عمَّا سواه، وهو ينقسم إلى فناء ظاهر، وفناء باطن، أما الفناء الظاهر؛ فهو أن يتجلى الحق سبحانه بطريقِ الأفعالِ ويسلب عن العبدِ اختياره وإرادته، فلا يرى لنفسه ولا لغيره فعلاً إلا الله تعالى، وأما فناء الباطن، فهو أن يُكاشف تارةً بالصفاتِ، وتارةً بمشاهدة
الجزء 1 · صفحة 36
عظمة الذاتِ، فيستولي على باطنه أمرُ الحقِّ؛ فلا يبقى لها هواجس ولا وساوس. قال: وعن يحيى بن معاذ رحمه الله: أنه قال ما دامَ العبد يتعرَّفُ، يقال له: لا تختر، ولا تكن مع اختيارك حتى تعرف، وإذا عرف صار عارفاً، يُقال له: إن شئتَ اختر، وإن شئتَ لا تختر؛ لأنكَ إن اخترت؛ فباختيارنا اخترت، وإن تركت الاختيار فباختيارنا تركتَ؛ فإِنَّكَ بنا في الاختيار وفي ترك الاختيار.
قال: وإلى هذا أشارَ الجنيدُ لَمَّا سُئل عن المحبة فقال: هو دخول صفاتِ المحبوبِ على البدلِ من صفاتِ المُحبَّ، وهذا معنى ما ورد في الحديث الإلهي: فإذا أحببته كنتُ له سمعاً وبصراً ويداً.
[ ... ] هذا الحال على بعض المحبين، فيقول عند ذلك شطحاً:
أنا مَنْ أهوى ومَنْ أهوى أنا نحنُ رُوحانِ حَلَلْنا بدنا فإذا أبْصَرتَنِي أَبْصَرتَهُ وإذا أَبصَرتَهُ أَبْصَرتَنا [ ... ] عن الإمامِ حُجَّةِ الإسلام قول أبي يزيدَ إِنْ صَحَّ عنه: سبحاني ما أعظم شأني؛ إما أن يكون ذلك جارياً على لسانه في معرض الحكاية عن الله كما لو سَمِعَ، وهو يقول: لا إله إلا أنا فاعبدني؛ لكان يُحمل على الحكاية، وإما أن يكون قد شاهد كمال حظه من صفة القدس، على ما ذكرناه في الترقّي بالمعرفة عن الموهوماتِ والمحسوسات، وبالهمة عن الحظوظ والشهوات، فأخبر عن قُدسِ نفسه، وقال: سُبحاني، ورأى عِظَمَ شأنه بالإضافة إلى شأن عموم الخلق، فقال: ما أعظم شأني، ومع ذلك يعلم أن قدسَهُ وعظم شأنه بالإضافة إلى الخلق ولا نسبة له إلى قدس الحقِّ وعظم شأنه، وقد يكونُ جرى هذا اللفظ في سُكْرٍ وغلبة حالٍ. وقال القونوي: قال جنيد للشبلي: نحن خَبِرنا هذا العلم تخبيراً، ثم خبّأناه في السراديب، فجئتَ أنتَ وأظهرته على رؤوس الملأ، فقال: أنا أقولُ وأنا أسمع، وهل في الدارين غيري.
فكلام الإمامِ أبي القاسمُ الجُنيدِ صادر عن مقامِ الغَيرة على أسرار الله تعالى أن تُدعى إلى من ليس أهلاً لها.
الجزء 1 · صفحة 37
ففي حديث عليّ كرَّم الله وجهه كلّموا الناس بما يفهمون؛ أتُريدون أن يُكذِّب الله ورسوله.
وجوابُ الشَّبلي صادر عن غلباتِ الأحوالِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا عَلبَ عليه الفناء تكلَّمَ بالله، وكأنه حال عن الله ما قال، وقد ورد في الحديث: قال الله على لسانِ عبدهِ. فإذا قيل: أنا أقولُ وأنا أسمع، أو: ما في الوجودِ إلا أنا، و: أنا الحق، أو: سُبحاني
ما أعظم شأني؛ فما ينبغي أن يُبادر إليه بالتكذيب والتكفير، انتهى. ومن كلام الشيخ أبي مدين: بي قُلْ، وعليَّ دُلَّ؛ فأنا الكلُّ.
ويقرب من هذا المعنى [ ... ] كما يُشيرُ إليه بقوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بکي} [الأعراف: ???]، ويدلُّ عليه قوله: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16]؛ فمن هنا قالَ مَن قال من أرباب الحالِ: ليسَ في الدَّارِ غيرُه دَيَّار وقال الآخرُ من أَهلِ
الشهود سوى الله والله ما في الوجود.
وعن الجنيد رحمه الله: ليس شيء في الوجودِ سوى الله.
والمعنى: شيء مستقل في وجوده، مُستغن عن غيره في مقامِ شهوده. أو معناه: أنَّ كلَّ ما يشمله اسمُ الوجودِ شامل لذاته أو صفاته أو أفعاله الصادرة من صفاته، أو آثار مصنوعاتِه الصادرة من أفعالِ ذاته أو صفاته، والحق بذاته أو صفاته واجب الوجودِ وغيره مخلوق وموجود، وفي عالمِ الشُّهودِ وتعددِ الصِّفاتِ وتعددِ الأفعال، وتكثر الآثارِ لا يضرُّ بوحدة الذاتِ. وأما قولُ الوجودية: إنَّهُ تعالى أوجد الأشياء، وهو عينها؛ كُفْرٌ صريح ليس له
تأويل صحيح؛ إذ لا وجود للحادث الذي في حُكْمِ العدمِ عند وجودِ القِدمِ. قال الإمام: وتُعبّرُ الصُّوفية عن هذهِ الحالةِ بفناء النفس - أي: وبقائها بربها - أي: فني عن نفسه، وعن غير الله؛ فلم يرَ إلا الله.
قال: وهذه المشاهدة التي لا يظهرُ فيها إلا الواحد الحق تارةً تدوم، وتارةً
تصير كالبرق الخاطف، وهو الأكثر والدوام نادر.
الجزء 1 · صفحة 38
ثم اعلم: أنَّ مِن كلماتهم: إفشاءُ سرِّ الرُّبوبية كُفْر؛ وقد استشكل هذا الإمام أبو طمس في الأصل بمقدار سطرين.
بكر بن العربي على الإمامِ حُجَّةِ الإسلام فيما استشكله على كتاب «الإحياء»، وكتب به إليه، وأجابَ عن ذلك في كتابه المسمى بـ «الإملاء على مشكلات الإحياء» بما حاصله: أنَّ ذكر الكفر في هذه الكلمة ليس على تمامه، وإنما المراد به التهوين، ومَن لا يتكلم بالأسرار مع غير أهلها لذي الغباوة.
بذِي الغَباوة من إنشادها ضرر كما تضر رياحُ الورد بالجُعَلِ ومَنْ منحَ الجُهَّال علماً أضاعَهُ ومن منع المستوجبين فقد ظلم وقالوا صدور الأحرار، قبور الأسرار، انتهى.
ومن كلام الحُجَّةِ أيضاً: كلُّ شيء سواه إذا اعتبر من حيثُ ذاته؛ فهو عدم محضّ، وإن اعتبر من الوجه الذي سرى إليه الوجود من الموجد الأول، رؤي موجوداً لا في ذاته، لكن من الوجه الذي يلي مُوجدَه، فيكون الموجود وجه الله فقط. ولكل شيء وجهان، وجه إلى نفسه، ووجه إلى ربه؛ فهو باعتبار وجهه وجه نفسه معدوم، وباعتبار وجه الله موجود؛ فإذاً لا موجود إلا الله تعالى ووجهه، فإذا كلُّ شيء هالك إلا وجهه، أزلاً وأبداً، ولم يفتقر هؤلاء إلى قيام القيامة ليسمعوا نداء الباري تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16]، بل هذا النداء لا يُفارقُ أسماعهم أبداً.
إلى أن قال: فإذاً لا نور إلا نوره، وسائر الأنوار أنوار من الوجه الذي يليه، لا
من ذاته؛ فوجه كلَّ ذِي وجه إليهِ مُولٌ شطره؛ فأينما تُولُّوا فثم وجه الله. انتهى
وقال لبيد:
ألَا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطل
الجزء 1 · صفحة 39
أي: في حد ذاته؛ فهو باطل نسبي، كقوله تعالى: {وَأَن مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، هُوَ الْبَاطِلُ} [الحج: 62]، وأما الباطل الحقيقي؛ فغير موجود؛ لقوله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا} [ص: 27]، ولذا قال أبو مَدينَ قُدَّسَ سِرُّه: لا تنكر الباطل في طَورِه؛ فإِنَّهُ بعضُ ظهوراته.
ومن كلامهم: من نظر إلى الخليقة بعينِ الحقيقةِ عذَرهم، ومن نظر إليهم بعينِ الشريعة مقتَهُم وقَذَرَهُم.
و من كلامِ الحُجَّةِ في اسمه سبحانهُ الظاهرُ ما نصه: فاعلم أَنَّهُ إِنما خَفِيَ مع ظهوره لشدة ظهوره، وظهوره سبب بطونه؛ فنورُه هو حجاب نوره، وكلَّما جاوز حده انعكس ضِدّه.
إلى أن قال: فسبحان من احتجب عن الخلق بنوره، وخفي عليهم بشدَّةِ ظهوره؛
فهو الظاهرُ الذي لا أظهر منه، وهو الباطنُ الذي لا أبطن منه، وأنشد: لقد ظهرت فلا تخفى على أحدٍ إِلَّا على أَكْمَهِ لا يعرفُ القمرَ انتهى.
ولا يخفى أنَّهُ الظاهرُ باعتبار صفاتِه وأفعاله ومصنوعاته، وباطن من جهة حقيقة ذاته، كما أنَّه أول بلا ابتداء، وآخر بلا انتهاء.
فنسألُ اللهَ حُسنَ الخاتمة وكمال الهداية في البداية والنهاية، ونحمده سبحانه
أوّلاً وآخراً وباطناً وظاهراً، ونُصلّي على رسوله وحبيبه وخليله وأتباعه وأشياعه، أول الموجودين، وخاتمُ النَّبيين، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله ربِّ
وهو
العالمين.
***
في خاتمة النسخة الخطية المشار إليها بـ الأصل: حُرِّر وقت العصر يوم الجمعة ثامن ربيع الأول عام سبع وسبعين ومئة بعد الألف من هجرة من له العز والشرف، كتبه علي بن أحمد بن خليل بن مصطفى غفر الله تعالى لهم وعفا عنهم وسلام على الذين اصطفى.