الجزء 1 · صفحة 5
ذيل البرهان الجلي العلي على من سُمي من غير مسمى بالوالي
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
ثمَّ أَلحقت به ما بلغني عنه أنَّه لمَّا سَمِعَ بكتابي إجمالاً في الاعتراض عليه فعلاً وقالاً، تذلل للسائل بعدما تكبَّر عنه بزَعْمِ الفَضائل، فجاءَه تائباً مُستَغفِراً عن عيبه، مُعتَذِراً بعُذرٍ أقبَحَ من ذنبه، حيثُ قال: ظَنَنتُ أنَّ هذا السُّؤالَ وقَعَ من بعض الجُهَّالِ من أولادِ العَرَبِ والأعجامِ، فإنَّهم يكرَهُونَ طَائِفَتَا الْأَرْوامِ، فَقالَ له ما قال تعالى: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12].
فأقولُ هذا كلامٌ حَسَنٌ وجَوابٌ مُستَحسَنٌ، وتوضيحه أنَّ جوابَ السُّؤالِ وتصحيح المقال لا يَتَوَقَّفُ على معرفة السائل في كل حال، ثم تعليله بقوله: إنَّهم يكرهون خِلافُ المَعروفِ من الشَّرعِ والعُرْفِ.
الجزء 1 · صفحة 7
أَمَّا الأَوَّلُ: فلأنَّه قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] 10]، فانظُرْ إلى شقاوة أبي جَهْلٍ، وهو قريشي مكي، وإلى سعادة بلال وهو عبدٌ حَبَشي، وسلمان وهو عبدٌ عَجَمِيٌّ، وصُهَيب وهو عبد رومي، وفَضائِلُهم مشهورَةٌ، ومَناقِبُهم مسطورَةٌ على لسانه وشرَّفَ وكَرَّمَ. وأمَّا الثَّاني: فلأنَّ أهلَ مكَّةَ بأجمَعِهم تحتَ ظِلِّ حماية السلطانِ الأَعظَمِ، والخاقان الأفخَمِ، حَفِظَه اللهُ معَ أحبَّائِهِ، ونَصَرَه على جميعِ أعدائه، المُجَاهِدِ في إعلاء التَّوحيد الأحَدِيِّ، واعتلاء الدِّينِ المُحَمَّدِيٌّ، الواصل إليهم منه - كلَّ سنة بل كلَّ ساعة أنواع من الخيراتِ، وأجناس من المَبَرَّاتِ، والإنسانُ عبيد الإحسانِ، فَنِسبَةُ البُهتانِ إلى جمع عظيمِ الشَّانِ، يحرُمُ في جميع الأديانِ.
هذا و مفهوم الكلامِ أنَّه يُبغِضُ العَرَبَ، وقد قال: «حُبُّ العَرَبِ إيمان، وبُغْضُهُم نِفاق». أخرجه الحاكِمُ، عن أنس رضي الله عنه، وزادَ الطَّبَرَانِيُّ عنه مَرفُوعاً: فمَن أَحَبَّ العَرَبَ فقد أحبَّني، ومَن أبغَضَ العَرَبَ فقد أبغَضَني».
الجزء 1 · صفحة 8
ثم بلغني من غاية غُرورِه وجَهالَتِه، ونهايةِ عُجْبِه وحَماقَتِه، أَنَّه تكلَّمَ أثناء مجلسه ومُكالَمتِه قُبالةَ القِبلَةِ الشَّريفة، ومُحاذاة الكَعْبَةِ المُنيفَةِ، في المسجد الحرامِ المُحرَّمِ من عندِ المَلِكِ العلامِ: أَنَّ عُلماء هذا البلد الأمينِ لأجل كونهم متكبرين مُتَجَبِّرين جاهلين غافلين لم يحضروا في مجلس واعِظِ المُسلمين، وقد كُنتُ في الرُّومِ مُتَحلّقاً بالألوف من الأكابر المعتبرين. فلم يدر هذا المسكين، العاري عن مرتبة التمكين، الواقع في تفرقة التلوين، أنَّ كلامه يُنادي عليه بقَصْدِه الفاسِدِ من طَلَبِ الجاءِ، وقصدِ الرّياءِ والسُّمعَةِ، وأنَّ هذا من اللَّغْوِ المُبطِل للحَسَناتِ في المسجدِ بلا شُبهة، وقد قالَ تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 3]، وقال: «إنَّ من حُسْنِ إسلامِ المَرء تركه ما لا يعنيه».
ثمَّ ممَّا ذُكِرَ في مجلس وهو في مَقامِه على ما أنهى إليَّ بعض النقاتِ ممَّن حَضَرَ في محلّه أنَّه تكلَّمَ في حقٌّ حَجَرِ الأسود، والرُّكنِ الأَسعَدِ: أَنَّه كانَ ملكاً بواباً في الجنَّةِ، مُوَكَّلاً على آدم وحواء، يمنعُهما عن الأكل من الشَّجَرَة، فلما غَفَلَ عنهُما حتَّى وقعا فيما قُضِيَ عليهما، غَضِبَ الله عليه وجَعَلَه حَجَراً ووَضَعَه في جدار بيتِه عِبَراً، وكلَّما طاف آدمُ بالبيت كأنَّه حصل له بعضُ الكشف بحاله، و تعجب من تغير مآلِه، قال له: أَما تَعرِفُني؟ أنا ذلك المَلَكُ الذي وقَعَ من ذلك المَسلَكِ، فَغَضِبَ الله عليه بإفشاء سِرّه ثانياً، ومَسَخَه أسودَ حانيا.
الجزء 1 · صفحة 9
فهل يحِلُّ لأحد أن يذكر مثل هذا الحديث الموضوع عند العارِفينَ بالأُصولِ والفروع في هذا المجلس الأعظَمِ والمَوضِعِ الأَفخَمِ، وقد قالَ: «اتَّقُوا الحديث عنِّي إلا ما علِمْتُم، فمَن كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّاً مَقعَدَه من النَّارِ»، حديثُ مُتَّفَقٌ على صِحَّتِه، حتَّى قال بعضُ الأئمة: يكفُرُ مَن افترى عليه. وقد قالَ: مَن حَدَّثَ عنِّي بحديث يرَى أَنَّه كَذِبٌ فهو أَحَدُ الكاذِبين». رَواهُ مُسلِمٌ.
ومن المعلومِ ظُهورُ بُطلان هذا النَّقلِ المذكور، لا سيما ومَن بَلَغَه الحديث المشهورُ عنه، على ما رواه أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حَسَنٌ صحيح، عن ابنِ عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نَزَلَ الحَجَرُ الأَسوَدُ من الجنَّةِ، وهو أشدُّ بياضاً من اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْه خَطايا بني آدم». وعن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إِنَّ الركن والمقامَ ياقوتتان من ياقوت الجنَّةِ، طَمَسَ اللهُ نُورَهما، ولو لم يَطْمِسْ نُورَهما لأَضَاء ا ما بينَ المَشرِقِ والمَغرِبِ». رواه الترمذي.
ورَوَى ابن ماجه وغيره، عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً: «الحَجَرُ الأَسوَدُ من حجارة الجنَّةِ».
وفي رواية لأحمد وغيره، عن ابنِ عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: «الحَجَرُ الأسود من الجنَّةِ، وكان أشد بياضاً من الثَّلج حتَّى سَوَّدَتْه خَطايا أهلِ الشِّرْكِ.
وفي رواية الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: «الحَجَرُ الأسود من حجارة الجنَّةِ، وما في الأرض من الجنة غيره، وكان أبيض كالماء، ولولا ما مسه من رجس الجاهليّة ما مشه ذو عاهَةٍ إلا برأ.
الجزء 1 · صفحة 10
وفي رواية ابنِ خُزَيمَةَ عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما مرفوعاً: «الحَجَرُ الأَسوَدُ ياقوتة بيضاء من ياقوت الجنَّةِ، وإِنَّما سَوَّدَتْه خَطايا المُشْرِكين، يُبعَثُ يومَ القِيامَةِ مثل أُحُدٍ، يَشْهَدُ لِمَن استَلَمَه وقَبَّلَه من أهل الدُّنيا».
ورَوَى الخطيب في «الجامع»، وابن عساكر عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً: «الحَجَرُ يمينُ اللهِ في الأرضِ يُصافِحُ بها عبادَه».
ورَوَى الدِّيلَمِيُّ في «مُسنَدِ الفِرْدَوس»، عن أنس رضي الله عنه: الحجَرُ يمين الله، فمَن مَسَحَه فقد بايَعَ الله.
ورَوَى الأَزْرَقِي عن أُبي بن كعب رضي الله عنه: الحجر الأسود نزَلَ به مَلَكٌ من السَّماءِ فهذا وأمثالُه صَحيحُ المَنقول.
الجزء 1 · صفحة 11
وأمَّا صَرِيحُ المَعقولِ: فهل يُتَصوَّرُ لِمَن له أدنى مُسْكَةٍ أَنَّ المَمسوخ المَعْضُوبَ عليه مرَّةً بعد أُخرى يكونُ موضوعاً في الموضع الأَحْرَى من بيتِ اللَّهِ المَولى سُبحانَه وتَعالى، وأن يتبرك به جميع الأنبياء والمرسلين، ويُقبِّلَه ويَضَعَ خَدَّه عليه سيِّدُ الأَوَّلين والآخرين، مع ما ثبتَ: أَنَّه كان على الصَّفا والمروة ممسوخانِ من أهل الجاهلية، حيثُ زَنَيا في الحرَمِ المُحترَمِ عند جميعِ النَّاسِ من الأربابِ الدِّينيَّةِ والدُّنيَويَّةِ، فَوَضَعُوهما على المشعرين إشعاراً بأنَّهما مُسِخَا في ما بينَ المَوضِعَين، فعَبَدَهما بعضُ الكُفَّارِ ظَنَّاً منهم أَنَّهما من صُوَرِ الأبرار، فلمَّا جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ، وأُخرِجَ صُوَرُ الأَصنامِ من البيتِ الشَّريف وأطرافه من المَطافِ وسائرِ مَشاعِرِ العِظام، تحرى بعض الأصحاب في فعلِ السَّعي بينَ المَقامَين والمَنزِلَتَينِ بناءً على مُشابهة أهل الجاهلية، تعظيماً للصُّورَتين المذكورَتَينِ خَوْفاً من وُقوعِ الجُناحِ، على حُسبانِ أَنَّ السَّعِيَ مِن الفِعلِ المُباحِ، فَنَزَلَ قوله تعالى: {وَإِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَارِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] 3.
فبيَّنَ اللهُ تعالى أنَّهما من شعائرِ اللهِ في الحج والعُمرَةِ اللهِ هُنالك، ورَفَعَ الجُناحَ للتّوهُمِ من كَونِ وَضْعِ الممسوخَينِ عليهما قبل ذلك. فانظُرْ مُبالَغَةَ أهل الإسلام في التَّبَعدِ عن المغضوب عليه، وعن المكانِ المُتحوّل إليه.
الجزء 1 · صفحة 12
وكذا أمره لأصحابه بالإسراع في بلاد ثمود، والإعجال في وادي مُحَسّر ?، ممَّا وَقَعَ العذابُ على بعض أرباب العُتُو والعُنودِ، حتّى قال بعضُ العلماء من أكابرِ الفُقَهَاءِ: أَنَّه لا يحِلُّ السَّكَنُ في مثل هذه البلاد، ولا أن يُنتَفعَ بمائه وأشجاره وأثماره جميعُ العِبادِ.
فهذا كلُّه من بابِ المُبالغة في احتِراسِ أربابِ السَّعِدِ من أماكن أربابِ العُنودِ، لكنَّ ما ذكره هذا الواعِظُ الجَاهِلُ المائِلُ إلى نَقْلِ الغَرائب ممَّا ليس تحته طائِلٌ يُشبِهُ ما يُذكَرُ في الهزليَّاتِ، ويُحكَى فِي المَسخَرِيَّاتِ، أَنَّه سُئِلَ شخص: هل حجَّ أَوَّلاً؟ فقالَ: نعم حَجَجْتُ أَوَّلاً، فقيل له: أتعرِفُ الرُّكنَ الأسودَ والشَّخصَ الأَسعَدَ؟ فقالَ: نَعَمْ، كانَ خياطاً على بابِ الحَرَمِ مُلازِماً لمَكانِه على هيئة العلم، فقيل له: إِنَّما هو حجَرٌ أسوَدُ لا إنسانٌ يَقَعُ منه الكَسْبُ والكَدُّ، فقال: كانَ خائناً في صَنْعَتِه، وكاذباً في حِرْفَتِه، فَمَسَخَه اللهُ عِبَرَةٌ للأَنامِ؛ لئَلَّا يخونَ ويكذِبَ أحدٌ في ذلك المَقامِ.
ونظيره أيضاً: أنَّه وَقَعَ تخاصُم بين شخصين عند بعض الحُكّامِ، فأتى المُدَّعِي بشاهِدِ يَشْهَدُ على ما ادعاه من المُرامِ، فلمَّا شهِدَ جَرَحَه المُدَّعى عليه بِأَنَّهُ غَنِيٌّ مُستطيع ولم يحُجَّ فرضَ الإسلام، فقالَ: حَجَجْتُ في قديمِ الأَيَّامِ، فَسُئِلَ عن مكان بئر زمزم، فقال: وقعَتْ حِجَتي قبل أن يُحفَرَ البئر في الموضعِ المُفخَّم.
الجزء 1 · صفحة 13
نظائِرِهِ: أَنَّه دخَلَ أَحمدُ بنُ حَنْبَلٍ وسُفيانُ بنُ عُيِّينَةَ في مسجد، فقامَ قاص وقال: حدثني أحمدُ بنُ حَنْبَلِ بِسَنَدِهِ المُتَّصِلِ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قالَ: مَن صلَّى كذا وكذا خَلَقَ الله تعالى في الجنَّةِ شَجَرَةً ساقها من ياقوتة حمراء، وأغصانُها من زُمُرُّدة خضراء، وأثمارها من كذا، ومن العصافيرِ المُلوَّنة عليها كذا، ومن المَزاميرِ المُدوَّنة كذا وكذا، وأطنب فيها كما هو دَأْبُ الوُعَاظِ الجَهَلَةِ.
فطالع سُفيانُ في أَحمدَ بنِ حَنبلٍ مُتَعجباً، وسكَتَ أحمد عنه مُستغرباً، فلما فَرَغَ من وَعْظِه وكلامه، وتفرَّقَ النَّاسُ عنه بعد تقبيل يده وسلامه، قال له ابنُ حَنبلٍ: مَن رَوَى لك هذا الحديث؟ فأنا ابن حنبل، فقال من قلة حيائه في جوابه: أنا كنتُ أحسِبُ لك عقل في بابه، أتظُنُّ أنَّه ليسَ في الدُّنيا ابنُ حَنبلِ غيرُك؟ وما تتأمَّلُ، فَإِنَّ لي روايةَ الحديث عن سبعين شيخاً، كلُّ واحدٍ منهم اسمه أحمدُ بنُ حَنبلٍ. فخَرَجَ أَحمدُ بنُ حنبلٍ، وسُفيان بن عيينة من المسجدِ واضِعَينِ أيديهما على رَأسِهما تعجباً مما وقع في أسماعهما ممَّا كانَ لم يخطر ببالهما.
فهذا إذا كانَ في الصَّدِرِ الأَوَّلِ، فما بال ما بعد الألف من قلة العلم وكثرة الجَهل، فتأمل، لكنَّ المَوعودَ على لسانِ النَّبِيِّ الأكمل، والرَّسولِ الأَفضَلِ، على ما رواه الترمذي: «إِنَّ اللهَ لا يجمَعُ أَمَّتي على الضَّلالة».
وجاء في حديث آخر: لا تزال طائفةٌ من أَمَّتِي مَنصورين، لا يضرُّهُم مَن خَذَلَهُم حتّى تقومَ السَّاعَةُ». رواه الترمذيُّ، عن قرة، قالَ ابنُ المَديني: هم أصحابُ الحديث.
وقد قالَ: مَن أحدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، أي: ذلك المُحدِّثُ مَردُودٌ، بل مُرتَدُّ ومَبعودٌ.
الجزء 1 · صفحة 14
قالَ الدَّارَ قُطِنِيُّ: يا أهلَ بغدادَ! لا تظُنُّوا أنَّكم تقدرونَ الافتراء على النَّبيِّ وأنا حَي. فكأَنَّه أشار إلى حديث رواه أبو داود عن أبي هريرة رضيَ اللهُ عنه مرفوعاً: «إنَّ الله عزّ وجَلَّ يبعَثُ لهذه الأمَّةِ على رأسِ كُلِّ مئة سنةٍ مَن يُجدِّدُ لها دينها» 4 والله تعالى ناصِر دينه وولي نبيه
ثمَّ سَنَحَ لي أن أزيدَ في المَقامِ ما يُفيد توضيح المرام، عند الخواص والعوام، وهو أنَّ تعظيم الحجرِ الأسود، والمَقامِ الأَمجَدِ، والرُّكنِ الأَسعَدِ، مُقرَّر حتَّى عندَ الكُفَّارِ، في أيام الجاهليّةِ وزَمانِ الفجار، كما يدلُّ عليه: أنَّ أكابر قُريش لما أرادوا تعمير بيتِ اللهِ الحَرَامِ، وُكَّل كل قبيلة من القبائلِ الفِحَامِ، قامت بخدمةِ بناء جانب وجهَةٍ ورُكن ومَقامِ، فَوَقَعَ نِزاع عظيم بينَ عُمَدَةِ رُؤَسَائِهم، وزُبدة مشايخهم وكبرائهم، وهم أربعةُ أنفُسِ من أنفَسِ أنسابهم، وأشرَفِ أحسابهم، المقدمون على سائر عربهم وأعرابهم، في وَضْعِ هذا الحجرِ المُعظَّم، والرُّكنِ المُفخَّم، بأنِ ادَّعى كلُّ أحد أنَّه يضعه في مكانه المُقدَّم، إلى أن قارَبَ أَن يَقَعَ القتال بعد ما سبق لهم من المُنازَعَةِ والجدال.
الجزء 1 · صفحة 15
فاتَّفَقَ رأيهم لدَفْعِ النّزاع فيما بينهم، من غيرِ أَن يُشَاعَ أَنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ بُكْرَةً من بابِ السَّلامِ مُسلّماً يكونُ هو لوَضْعِ الرُّكنِ مُسلَّماً، فَاتَّفَقَ أَنَّه صلى الله عليه وسلم وُفِّقَ لدخولِه، وقُدِّرَ لحصوله في ذلك الوقتِ ووصوله، فلما رأوه نادوا بقومهم أجمعين: هذا، جاءَ محمد الأمين، ورضينا بفعله المُبينِ، ورَأيِه المُطابِق لليقين، فعَرَضُوا القَضِيَّةَ عليه، وفوَّضُوا القَضِيَّةَ إليه، ففَرَشَ رِداءَه المُبارَكَ، وأمرَ أن يُوضَعَ عليه الحَجَرُ المُتبرَّكُ، وأن يأخُذَ كُلُّ رئيس من الرُّؤَسَاءِ طَرَفاً من أطراف ذلك الرِّداءِ، وأَخَذَ هو صلى الله عليه وسلم أصل الحَجَرِ، الذي هو الأصل المُعتبَرُ. فَوَضَعُوه وجهَه التَّعظيمُ والتَّكريمُ، معَ زيادةِ التَّقبيل والتسليم، في مَقامِه الأفخَمِ، ومَكانِه الأعظَمِ.
ولا يزال في نظَرِ العالم والجاهلِ والنَّاقص والكامل، والفاجر والكافر، والمُسلِمِ والمُنافِقِ، والمُخالفِ والمُوافِق، والرَّافضي والخارجي، واليهودي والنصراني، هذا الركنُ مُعَظَّماً مأمولاً، ومُقَبَّلاً مَقْبُولاً، حَتَّى طَائِفَةُ الفِرَنحِ وَكَفَّارِ الهندِ يَتَمَنَّونَ رُؤيتَه ومُشاهدتَه، وتقبيله ومُسالَمتَه.
وقضيَّةُ الحَجَرِ مَعَ طائفة القَرامِطَةِ مَشهورةٌ، وخَرْقُ عاداته في كُتُبِ السِّيَرِ مسطورة، فهل يصدرُ مما يكون إهانة لهذا الرُّكنِ الذي هو من جُملة أركانِ الدِّينِ من غيرِ زِنديق أو مُلحِدٍ مُبينِ؟ أم يُتصَوَّرُ مثل هذا عن أحدٍ من جُهَّالِ المُسلمين؟
الجزء 1 · صفحة 16
فَضْلاً عمن يدعي أنه من فُضَلاءِ الواعظين، وأنَّه من مشايخ تكيَّةِ المُسلمين. أما يعلَمُ هذا الجاهِلُ أنَّ الاعتقاد في الملائكةِ المُقرَّبين كما بينَه عُلماءُ المُتكلّمين، أَنَّهم جَواهِرُ عُلَوِيَّةٌ نُورِيَّةٌ مُبَرَّأَةٌ عن كُدُوراتٍ جِسمانيَّة، وغَفَلَاتٍ نفسانية، وأنهم كما قال تعالى: {عِبادُ مُكَرَمُونَ} [الأنبياء: 26]، ولا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 7]، فكلُّ مَن نَسَبَ العِصيان إلى الملائكةِ فهو كافِرٌ بَنَصَّ القُرآنِ؛ لأنَّه مُعارِضُ لما أخبره اللهُ في الفُرقانِ.
ثمَّ ليس لأحَدٍ أن يتمَسَّكَ بقوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَيْكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ [ص: 73 - 74]، فإنَّه على تقديرِ كَونِ الاستثناءِ مُنقَطِعاً فلا إشكال، وأمَّا على تقدير گونه من باب الاتِّصالِ فهو في المعنى استثناء من المُخبَرِ عن قوله: {لَا يعْصُونَ الله} [الأنبياء: 26]، فلا محذور فيه بحالٍ معَ أَنَّ من القواعدِ المُقرَّرة، والأُصولِ المُحرَّرةِ: اعتبار الاستثناءِ العَقلَيِّ والشَّرعي في الأحكامِ المُكرَّرة.
وكذلك قضيَّةُ هَارُوتَ ومارُوتَ على خلافٍ في كونهما مَلَكَيْنِ أَو مَلِكَينِ، وعلى تقدير كونهما من الملائكة؛ فقد ذَكَروا أنَّه وَقَعَ لهُما ابتلاء منَ اللهِ وامتحاناً ما اختاراه، فسُلبا عن وَصفِ المَلَكِيَّةِ، ورُكَّبَ فيهما صِفاتُ البَشَرِيَّةِ، والشَّهواتِ النَّفسيَّةِ، ومع هذا كله فهما مُعذِّبَانِ ببابلَ أَيَّامَ حياتِهما في الدُّنيا، ولهما النَّجاةُ آخِراً في العُقبَى.
الجزء 1 · صفحة 17
وأمَّا إبليس فهو مَبْعُودٌ أَبَدي، ومَردودٌ سَرمَدِيٌّ، فأين لهذا الجاهِل أن يقيس هذه القضيَّة التي ليس لها ناقِل على ما ذَكَرَ مَنصُوصاً من قِبَلِ اللهِ في كتابِ اللهِ. ثم من جَهْلِه، بالكتاب، وبمَوارِدِ الخِطابِ، أَنَّه تكلم في محضر من الفُضَلاءِ، وجَمَاعَةٍ من أعيانِ العُلَماءِ في قوله سُبحانَه: فَمَن تَعَجَلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203]: أنَّ المُراد باليومين: اليومان الأولانِ من أيام النحر، فيجوز التعجيل بالخروج من مِنَى في ثاني النَّحر، ويجوز له التَّأخير إلى ثالث. وهذا خَرْق لإجماع المُفسِّرِينَ، ولاتّفاقِ فُقَهَاءِ المُسلمين، من أَنَّ المُرادَ باليومين اليومان الأخيرانِ من أَيَّامِ النَّحْرِ والتَّشريق، فالنَّفْرُ الأَوَّلُ نَفرُ ثَالِثِ أَيَّامِ النَّحْرِ، والنَّفْرُ الثَّاني نفر ثالث أيام التشريق، وقد قالَ: مَن قالَ فِي القُرآنِ برأيه فلْيَتَبَوَّا مَقعَدَه من النَّارِ».
وفي رواية: «مَن قالَ في القُرآنِ بغير علم فلْيَتَبَوَّأْ مَقعَدَه من النَّارِ». رَواهُ التَّرْمِذِيُّ
عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما. وقال: «من قال في القُرآنِ برَأيه فأصابَ فقد أخطأ». رواه الترمذي وأبو داود.
ومن ذلك: ما حُكِيَ لي أنَّه في المدينة على ساكنها السَّكينةُ: أفتى بأنَّ الحائِضَ إذا لم تطف طوافَ الزِّيارةِ، ورَجَعَتْ إلى بلَدِها مَعَ السَّيَّارَةِ تَخْرُجُ من الإحرام بذَبْحِ هَدْيِ من الأنعام، وقاسَ هذه المسألةَ المُنحَسِرُ على مسألةِ المُنحَصِر المُعتبَر، من غير اطلاع منه على قواعد الأصولِ المُقرّرة، ونصوص الفروع المُحرَّرة.
الجزء 1 · صفحة 18
هذا ومن حاله الغَريبِ، وشأنه العجيبِ أَنَّه يَزِعُمُ أَنَّه يبحَثُ معي في علمِ القُرآنِ، وما يتعلق بفَهم الفُرقانِ، ولم يدرِ هذا المسكينُ الضَّعِيفُ أَنَّ معرفة هذا العلمِ الشَّرِيفِ، تتوَقَّفُ على مئة من الفنونِ والنَّيْفِ، أَوَّلُها مَعرفَةُ الحُروفِ المباني، المترتبة عليها الحروفُ المَعاني، اسماً ووَسْماً، ومَخرَجاً وصِفَةً وأداء، وروايةً ووَصْلاً وفَصلاً، وإبدالاً وإعلالاً، وتفصيلاً وإجمالاً، وتحقيقاً وتسهيلاً، وحَذْفاً وإثباتاً، وغير ذلك ممَّا أُريدُ إن شاءَ اللهُ سُبحانَه بعد تحقُّقِ الأَلْفِ أَن أُؤَلَّفَ فِي الْأَلْفِ أَلفَ مَسألةٍ. من جُملَتِها: ألفُ مُصلّى، وقد حَكَمْتُ بتَخطِئَةِ شيخ الإسلامِ الطَّبَلاوِيِّ في إمالَتِها.
ومنها: ما كتبتُ على العلامة البيضاوِيٌّ في الألفِ المُبدَلَةِ في: ءَ أَنذَرْتَهُمْ} [البقرة: 6]، تخطئَةً ما تكلَّمَ فيها معَ بَيْنِ تسهيلها وترقيقها.
ومنها: ما اعترضْتُ على ابن هشام في قوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غير من دورة [هود: 76] الصَّوابُ أنَّ ألِفَه ألفُ «فاعِلِ» زائدةً، لا أَنَّها همزةٌ مُبدَلَةٌ، فعَمِلَ بظاهر الاحتمالِ التّصريفي في مبناه، وغَفَلَ عن القاعدةِ النَّحويَّةِ في معناه.
الجزء 1 · صفحة 19
وأنا أقولُ بحَمدِ اللهِ، تحدثاً بنعمة الله لا افتخاراً نظراً إلى ما سواه، ما قال سيد الأولياء، وسَنَدُ الأصفياء، عليٌّ المُرتَضَى كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ مَقروناً بكمالِ الرّضى: واللهِ لو أعلمُ اليوم أحداً أعلَمَ منّي بالقُرآنِ، وإنْ كانَ في وراء البحورِ لأَتيتُه، على ما نقَلَه الشَّيخُ عِمَادُ الدِّينِ ابن كثير في مُصنِّفه في «التَّفسير» 1، لكِنَّ المُباحث في المباحثِ معي، إمَّا عالمٌ عامِلٌ صَدِيقٌ صِدِّيقٌ، فمُجادَلتي معَه كمُعامَلَةِ عليٌّ معَ مُعاوِيةً، أو جاهِلٌ فاسِقٌ مُلحِدٌ زِنديق، فمُجاهَدَتي معه كمُحارَبةِ عليَّ بنِ الحُسَينِ رضيَ اللهُ عنهما مع ابن زيادٍ ويزيد، ويفعَلُ اللهُ ما يشاءُ، ويَحكُمُ ما يُريدُ.
وأقولُ ما قال بعضُ أرباب الحال، وأصحاب المزيد: أُرِيدُ وِصَالَهُ ويُريدُ هَجْرِي فأَترك ما أُرِيدُ لِما يُريدُ وخَصْمي المُشار إليه، قد افتخر بما يجتمعون عليه، ويُقبلون إليه، ويُقبلونَ يديه، من أكابر الأرْوامِ وسَناجِقِ أعلام الإسلام، ويَتَعَزَّزُ بهم ويُهدِّدُني بمَناصِبِهم.
الجزء 1 · صفحة 20
وأنا أقولُ: اللَّهُمَّ لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنتَ المُستَعانُ، ولا حول ولا قوَّةَ إلا بك، وقد قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: ?]. وقال: «مَن اعتز بالعبيد أذله الله، وأظُنُّ أنَّه في روايةٍ أُخرى: وسَلَّطَهُم الله عليه» ?، وهذا حاله وماله في الدُّنيا، ولعَذابُ الآخرةِ أَشَدُّ وأبقى. ثم بلغني من جَهْلِهِ المُرَكَبِ المُؤَدِّي إلى أن يُؤَدَّبَ، أَنَّه قالَ من كَمالِ وَقاحَتِه، منادياً في الحرَمِ إثباتاً لجَهالته وقد صَدَقَ مَن قال من أرباب الحالِ: ما اتَّخذ الله ولياً جاهلاً، ولو اتَّخذه لَعَلَّمَه. يلزم من تكفيره في الدِّينِ ـ وهو واعِظُ المسلمين ـ تكفير جميع المؤمنين. وهذا كلامُ مَن لا يعرِفُ اللَّازِمَ والمَلزوم، ولا يُميِّزُ بينَ المَجهول والمعلوم، بل يتكلم كيفما جاءَ في لسانه، من غيرِ مُلاحظة كمية وكيفيَّة في بيانه، فهو إما ماجن أو مجنون، أو من قبيل ما قال تعالى فيهم: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13]، بل أرادَ فتنة العوامِ وغَوش الطغام بين أهل الإسلام في المسجد الحرام، لكنَّ الحجر الأسودَ والمَقامَ الأَسعَدَ محثُ الرِّجالِ ومَفضَعُ الحال من جهة المقال، ممَّا لا يخفى على أرباب الكمال.
وممَّا يَدُلُّ على أنَّه لا يُفصِّلُ بينَ القَبيحِ والحَسَنِ أَنَّه خَوَّفَني بمَولانا السَّيِّدِ حَسَنٍ صانه الله ذو المِنَنِ، من جميعِ الفِتَنِ والمِحَنِ، والحالُ أَنَّ الحَسَنَ لا يجيءُ منه إلا الحَسَنُ، كيفَ وخلقه الحَسَنُ وخَلْقُه المُستَحْسَنُ؟! وهو سُلالَةٌ مَن سُمِّيَ بِالحَسَنِ، وحامي حمى الحرَمِ المُحترَمِ، وهو من أهل البيتِ المُعظَّمِ، وصاحبُ البيتِ أَدْرَى بما فيه ممَّا يُوافيهِ ويُنافيهِ.
الجزء 1 · صفحة 21
لا يُقالُ: إِنَّ مثل هذه الكلماتِ المُجمَلَةِ من جملة الغيبةِ المَنْهِيَّةِ؛ لأَنَّا نقولُ: بل إنَّها من الواجباتِ الدِّينيَّةِ، فإنَّه الله بين الحال، وأظهَرَ القال، على ما وَرَدَ في حديثٍ أخرجه أبو يَعْلَى وغَيرُه، وحسَّنَه بعضُهم: «أذكروا الفاجِرَ بما فيه يحذَرْهُ النَّاسُ.
وحديث: «ليس لفاسِقِ غِيبَةٌ». رواه الطبراني وغيره.
وحديث: «ليس في أصحابِ البِدَع غيبةٌ». أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإيمانِ» بسَنَدٍ جَيَّدِ عن الحَسَنِ.
وحديث: مَن ألقَى جِلبابَ الحياءِ فلا غِيبَةَ له». أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في «السُّنَنِ» و «الشُّعَبِ»، عن أنس رضي الله عنه مرفوعا.
وإنَّما أطنبتُ [في] هذه المسألةَ بجَعْلِها موضوعَةٌ في الرِّسالةِ ليَعْلَمَ النَّاسُ أنَّ فَساد العالَمِ لفَسادِ العالم؛ فإنَّ العُلماء معَ رُتبةِ الكَمالِ إِذا طَلَبوا الحلالَ وَقَعَ الجُهَّالُ في الشَّبهة على كلِّ حالٍ، وإذا وَقَعَ المَشايِخُ العِظامُ في شُبَهِ الطَّعَامِ وَقَعَ العوام كالأنعام في أكل الحَرامِ، وإذا ارتَكَبَ المَشايخ والعُلماءُ مَا حَرَّمَهُ اللهُ من بعضِ الأشياءِ كَفَرَ الأغبياءُ مِنَ الأغنياء والفُقَراءِ، حيثُ يقولون: لولا أَنَّه منَ الحَلالِ لَما ارتكَبَه العُلماء وأرباب الحال.
وكان عندهم مسائل هي لارتكاب هذه الرذائلِ وَسَائِلُ يُخْفُونَهَا عَن أَمثالِنا من طالب وسائل، كما عبر بعضُ الظُّرَفاءِ الحُفَّاظ عن لسانِ جمعِ مِن الوُعَاظِ: الدُّنيا جيفة مردار ردار يا همه بندازيد ما بردارها؛ يعني: كلُّكُم اطرَحُوها حتَّى نحنُ نحمِلُها. ونظيرُ ما وَقَعَ لبعض الحُكَماءِ حيثُ قال: دُخول الحمام ممنوع يومَ الأربعاء، وكانَ يدخُلُ فيه ذلك اليَومَ معَ مَنعِه من دخول القوم، فقيل له في ذلك، فقالَ: إِنَّما قُلتُ ليَخْلُو الحَمَّامُ هُنالك.
الجزء 1 · صفحة 22
وجُملَةُ الكلامِ في هذا الشَّأْنِ: أَنَّ غالب عُلماء هذا الزَّمانِ يقولون بلسانِ الحال ما حلّ بنا فهو الحَلالُ، وما حرَّمنا فهو الحرام ولا محال، وليس لأحدٍ في البحثِ معهم مجالٌ.
ثم تفصيل هذا الإجمالِ يجرُّ إلى المِلالِ، أو يُؤَدِّي إلى الجدال، ورُبَّما يُفضي إلى الفَسادِ والقِتالِ، فأعرَضْنا عنه، فإِنَّ الزَّمانَ يقتضي السُّكوتَ ومُلازَمَةَ البُيوتِ، والقناعةَ بِالقُوتِ إلى أن يمُوتَ.
أماتنا الله على متابعته صلى الله عليه وسلم علماً وعملاً وقالاً وحالاً، وحَشَرَنا فِي زُمْرَةِ أتباعه وأشياعِه مقالاً ومَآلاً، وسلامٌ على المُرسَلين، والحمد لله رب العالمين.