الجزء 1 · صفحة 5
تعليقات القاري على ثلاثيات البخاري
تأليف: العلامة
الملا علي القاري الحنفي
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
ربِّ زِدْني علماً يا كريم
الجزء 1 · صفحة 7
الحمد لله فاطرِ السَّماواتِ والأرضِ ومُوجِدِها على غير مثال سبق في عالم الإبداء والإبداع، جاعِلِ الملائكةِ رُسُلاً أولي أجنحةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ، والصَّلاة والسَّلامُ على مَن جَعَلَه الحق في الخَلْقِ واجب الاتباع، وعلى آله الكرام، وأصحابه الفخام، وسائر الأشياع والأتباع. أما بعد: فيقول أحوَجُ العبادِ إلى بر ربِّه الباري، عليُّ بنُ سُلطان محمد القاري: لا يخفى على ذوي الأفهام، أنَّ كلَّما يقرُبُ السَّنَدُ إلى سيِّدِ الأَنامِ، يكون أقرب إلى العلم بمعرفة الأحكام، ولهذا كان الأحاديث التي سمعها الصحابةُ من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بغير الواسِطَةِ قطعِيَّةَ الرّواية في قضيَّةِ الدراية، ومِنْ ثَمَّ نَفَى الصّديقُ الوِراثة الماليَّة النَّبوية بحديث حفِظَهُ عِندما صَدَرَ من صَدْرِ المشكاة المُصطَفَويَّة، وهو قوله: «نحنُ مَعاشِرَ الأنبياء لا نُورَثُ، ما تركناه فهو صَدَقَةٌ، معَ أَنَّ آياتِ الإرث بطريقِ العُموم ثابتةٌ في الكلماتِ الإلهية، إلا أنَّها صارَتْ مَخصوصةً بحديثِ المُبيِّنِ للنَّاسِ مَا نُزِّلَ إليهم كلَّ ما أشكل عليهم وأُغلق لديهم. ثمَّ كَانَ يُوجَدُ في سنن التَّابعين إسنادُ الأحَادِيثِ في مرتبة الآحادِ كما في وحدانِيَّاتِ إمامنا الأعظَمِ وهُمامنا الأقدم، وفي سنَدِ أتباعهم كالإمام مالك ونظرائه الثنائيَّاتُ مَروِيَّةٌ عن الثَّقاتِ، وفي سَنَدِ مَن بعدهم حصَلَ الرِّباعِيَّاتُ والخُماسِيَّاتُ وغير ذلك من الزّياداتِ بحسَبِ بُعدِ الرُّواةِ في الرواياتِ، كما وَقَعَ في أسانيد الصَّحيحَينِ وَسَائِرِ السُّنَنِ والمُسنَدَاتِ.
الجزء 1 · صفحة 8
ولمَّا وُجِدَ في بعض طُرُقِ إمامِ المُحدِّثين المُتأخرين، وهُمامِ المُحققين المعتبرين، محمَّدِ بنِ إسماعيلَ البُخارِي الثَّلاثِيَّاتُ، اعتَنَى بِجَمْعِها بعضُ العلماءِ من أهلِ الشَّباتِ، بناءً على أنَّ عُلُوّ الإسنادِ يُفيدُ الاعتماد والاعتبار، فَسَنَحَ لي أن أشرَحَ مغلقاتِ بعض الكلماتِ، وأُوضّح معاني بعض اللُّغاتِ، وأُسميه: «تعليقات القاري على ثُلاثِيَّاتِ البُخاري».
فها أنا المُعتَصِمُ بكَرَمِه العميم ولطفه القديم أقولُ: قالَ المُصنِّفُ رحمة الله عليه:
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسَّلامُ على خير خلقه محمد وآله أجمعين.
مباني هذه الكلمات ومعاني هذه العباراتِ مشهورةٌ، في بعض كُتُبِنا المبسوطة مذكورة مسطورة، وكذا الكلام في قوله:
(وبعد فهذه الأحاديثُ الثَّلاثِيَّاتُ)؛ أي: الأسانيد كما في نُسخةٍ، إِلا أَنَّهَا جُعِلَت من الزياداتِ المُلحقات، والمعنى أنَّها أحاديثُ وقعت بينَ البُخَارِيُّ وبينَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثلاثة) من الرواة، وهم الأتباع والتابعون والصَّحابةُ.
(المُعتبَراتُ، التي أخرجها؛ أي: رواها وأسنَدَها (الإمامُ الهُمامُ)، بضَمِّ الهاء؛ أي: مقتدى الأنامِ، أحد سلاطين الإسلام)؛ أي: أَحَدُ حُكّامِ أَهلِ الإسلامِ في الأحكام، وكانَ الأولى أن يُقال: أحَدُ أساطين الإسلام، من بينِ العُلماء الأعلامِ. (أبو عبد الله محمَّدُ بنُ إسماعيلَ البُخارِيُّ رحمه الله)، ترجمتُه مَعروفةٌ، وهي بتعوتِ الكمال في العلوم والأعمال موصوفَةٌ، وقد ذَكَرْنا طَرَفاً منها في «المرقاة شرح المشكاة».
(في جامِعِه) قيد ليُخرِجَ سائر كتبه من «تاريخه» و «أدبه».
الجزء 1 · صفحة 9
مفردات (انتخبتها) بصيغة الماضي، وفي نسخة: انتَخَبَها (منه)؛ أي: أَخَذَ نُحْبَةَ الروايات التي هي الثَّلاثِيَّاتُ من الجامعِ المُشتَمِل على الرُّباعِيَّاتِ والخُماسِيَّاتِ، اختصاراً في المبنى واقتصاراً في المعنى.
(تذكرةً لبعض الإخوانِ)؛ أي: من أهل الإيمان.
(ومن الله)؛ أي: لا مِن غَيرِه (الاستعانَةُ)؛ أي: طَلَبُ الإعانة، (فإنَّه هو المُستَعانُ)، (وعليه التكلانُ بضَمِّ أوَّلِه؛ أي: الاعتماد، و (في جميع الأزمان). وفي مناقب الإمامِ أحمدَ»: أنه بلغه أنَّ رَجُلاً بما وراءَ النَّهْرِ عنده أحاديثُ ثلاثيّة، فرَحَلَ إليه فوَجَدَ شخصاً يُطعِمُ كلباً، فسلَّمَ عليه فرَدَّ عليه السَّلامَ، ثُمَّ اشْتَغَلَ الشَّيخُ بإطعام الكلب، فوجَدَ الإمام أحمد في نفسه؛ إذ أقبلَ الشَّيخُ على الكلب ولم يُقبل عليه، فلمَّا فَرَغَ الشَّيخُ من طُعمة الكلبِ التَفَتَ إِلى الإِمَامِ وقالَ: كَأَنَّكَ وَجَدَتَ في نفسكِ إذ أقبلتُ على الكلبِ ولم أقبل عليك، فقال: نعم، فقال: حدثني أبو الزَّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «مَن قَطَعَ رَجَاءَ مَن ارتَجاهُ قَطَعَ اللهُ رَجَاءَه يومَ القِيامةِ، فلم يلج الجنَّةَ»، وأرضُنا هذه ليست أرضَ كِلابِ، فخِفْتُ أن أقطع رجاءَه، فقال الإمام أحمد: هذا الحديث يكفيني، ثمَّ رَجَعَ. انتهى. ومن الغَريبِ أَنَّه شيخُ البُخارِيِّ وله رُباعيَّاتٌ وللبخارِيّ ثُلاثِيَّاتٌ.
الحديث الأوّلُ:
حدثنا مكَّيُّ بنُ إبراهيمَ قالَ: حَدَّثنا يزيدُ بنُ أبي عُبَيْدِ، عن سَلَمَةَ قال: سمعتُ النبيصلى الله عليه وسلم يقول: مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ ما لَمْ أَقُلْ فَلْيَتبوأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.
(الحديثُ الأَوَّلُ):
من الاثنين والعشرين في العددِ المُكمَّل، قولُ البُخارِيِّ في مَقامِهِ الأَمْثَلِ:
الجزء 1 · صفحة 10
(حدَّثَنَا المَكِّيُّ) بصيغة الجمع؛ لكونه معَه غيره، والمعنى: أنشَأَ لنا خَبَراً حادثاً، المعروفُ بالمَكِّيّ، وهو اسم بلفظ النسبة، وفي نُسخةٍ: مَكَّيُّ.
(بن إبراهيم)؛ أي: ابنُ بِشْرٍ، بكسرِ مُوَحَّدةٍ وإسكان شينٍ مُعجَمَةٍ وآخره راءُ، كذا ضَبَطَه مِيرَك شاه) الشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ، فَضَبْطُ شارِحِ وهو الشَّيخُ حُمَيدٌ السَّندِيُّ بفتح المُوحّدةِ وكسرِ المُعجمةِ آخره راءٌ ليس في محله بل تصحيفُ بِشرٍ في قوله ابنُ حَنْظَلَةَ بفتح حاءٍ مُهمَلَةٍ وسُكونِ النُّونِ بعدَها ظَاءٌ مُعجَمَةٌ ثُمَّ لَامٌ مفتوحةٌ بعدَها تاه مدورة (2)، التَّميمِيُّ نسبةً إلى قبيلة بني تميم، أبو السَّكَنِ بفتحتَينِ، البَلْخِيُّ المَولدِ، من قُدَماءِ شُيوحِ البُخارِيِّ.
وقد روى عن سبعة عشر تابعيّاً، وهو ثقةٌ ثَبتُ، رَوَى عنه أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ، وعبد بن حميد، وغيرهما، من أكابر المُحدثين، ورَوَى له بقيَّةُ أَصحابِ الكتب الستة، تُوفِّيَ سنة خمس عشرة ومئتين، وله تسعون سنة. (تنا) بالمُثلَّثَةِ اقتصارُ (حَدَّثنا) في البناء؛ أي: قال ثنا، كما في نُسخة، والمعنى: قالَ المَكِّيُّ: حَدَّثَنا.
(يزيدُ بنُ أبي عُبَيد) بالتصغير، وفي نُسخةٍ: يزيد هو ابن أبي) عُبَيد، وهو أسْلَمِيُّ، مَنسوب إلى قبيلة بني أسلَمَ بالوَلاءِ؛ لأَنَّه مَولى سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ شيخه، وهو من أوساط التّابعين، جَليلُ المَرْتَبَةِ)، وذو الفَضائِلِ الجمَّةِ، رَوَى له الجماعة، مات سنة بضع وأربعين ومئة.
(عن سَلَمَةَ) بِفَتحَتَينِ، والتَّقديرُ: حَدَّثنا يزيدُ بنُ أَبي عُبَيْدِ حالَ كونه راوِياً عن سَلَمَةَ، وروايته بـ (عن) محمولة على السَّماعِ بشرطِ المُعاصَرَةِ واللقاءِ،
الجزء 1 · صفحة 11
وهو مُتَحَقِّق ههنا، هو (ابن الأكوع)، وفي نسخة: عن سَلَمَةَ بن الأكوع. والظَّاهِرُ أنَّه لا واسِطة بينَ سَلَمَةَ والأكوع، وقد جَزَمَ مِيرَكُ شاه بِأَنَّهُ سَلَمَةُ بن عمرو بن الأكوع، لكنْ ذُكِرَ في «الإصابة» بلفظ: قيل: هو ابن عمرو بنِ الأكوع، وقيل: اسم أبيه وَهُبٌ، وقيل غير ذلك، فعلى هذا يكونُ سَلَمَةُ مَنسوباً في الحديث إلى جده (2).
بفتح الهمزة والواو، لقب له، ومعناه: المُعوَجُ الكُوعِ، وهو طَرفُ الزَّنْدِ الذي يلي الإبهام، واسمه سنانُ بنُ عبدِ اللهِ، صحابي جليل مشهورٌ، شَهِدَ بيعةَ الرّضوانِ مرتين كما سيأتي في الحديثِ الحادِي عَشَرَ، وقيل: بايَعَ يومَئِذٍ ثلاثَ مَرَّاتٍ، أوَّلِ النَّاسِ وأوسطهم وآخِرِهم، وقد شَهِدَ ما بعدها من المشاهد الفاضِلَةِ، والغَزَواتِ الكاملة، وكانَ شُجاعاً رامياً، شديد العَدْوِ على العَدُوِّ، يسبِقُ الفرسَ في شدَّةِ الجَرْي، قال الكَرْمَانِيُّ: ويُقالُ: إِنَّه كلَّمَه الذِّئبُ وكان سببَ إسلامه، وله فَضائِلُ جَمَّةٌ تَكشِفُ الغُمَّةَ.
رَوَى عنِ النَّبي الله سبعة وسبعين حديثاً، رَوَى له الجماعةُ، وكان يسكُنُ المدينة، فلمَّا قُتِلَ عُثمان رضي الله عنه خَرَجَ إِلى الرَّبَدَةِ) فَسَكَنَها وتزوَّجَ فيها (2)، ووُلِدَ له بها، وحين كانَ قبل وفاته بليالٍ عادَ إلى المدينة؛ لأنَّها دارُ هِجرته، ولأنَّ الموتَ بها أفضَلُ بالاتفاق، حتَّى من الموتِ بمَكَّةَ، مَعَ أَنَّ الجُمهور على أفضليَّةِ
الإقامة بمكة المُكرَّمة، فمات بالمدينة سنة أربع وسبعين من الهجرة.
(قال) استئنافُ لبيانِ رِوايَةِ سَلَمَةَ، وقيلَ: ينبغي للقارئ أن يقول: أَنَّه قال.
الجزء 1 · صفحة 12
سمِعتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يقول قيلَ: السَّماعُ لا يتعلَّق إلا بالقول، فالكلام محمول على أنَّ كلمة (من) محذوفةٌ، والتَّقديرُ: سمِعتُ منه يقول هذا القول، والأظهَرُ أَنَّه محمولٌ على حذفِ المُضافِ؛ أي: سمعتُ قولَه، وحينَئِذٍ (يقولُ) بيان له على منوال الحال، كما في قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَنِ} [آل عمران: ???].
وعَدَلَ عن الماضي إلى المُضارع لاستحضار حالِ صورة القول للحاضرين، كأَنَّه يُريهم أنَّه الآنَ قائل بذلك المَقالِ، وقد أبعَدَ مَن قالَ: إِنَّ (سمِعْتُ) يتعَدَّى إلى مفعولين في نحو هذا المثال.
مَن يَقُلْ عليَّ): (مَن شَرطيَّةٌ، لا أنَّها موصولةٌ مُتضمنةٌ معنَى الشَّرطِ، كما قالَ حَميدٌ؛ فَإِنَّه ليسَ بسَديد.
ثمَّ القَولُ ضُمِّنَ معنَى الافتراء، ولذا استعمل بـ (علي)؛ أي: افترى وكَذَبَ عليَّ.
(ما لم أقل)؛ أي: شيئاً لم أقُلْهُ، أو الذي لم أَقُلْهُ، وحَذْفُ العائدِ سائِعٌ في كلامهم وشائع في مَرامِهم. تأكيدٌ لِما قبله، وخُصَّ بالقَولِ فَإِنَّ استعماله أكثر، وإلافهو شامل للكذب عليه في فعله أو تقريره أو ذكر شمائله وتحريره، فتدَبَّر. قالَ العَسْقَلانِيُّ: ومُقتَضَى هذا الحديثِ استواء تحريم الكذب عليه في كل حال، سواء كانَ في اليَقَظةِ أو النَّوم.
ثم قيل: في حديث مُسلِم دليل على أنَّه لا يجوزُ رِواية الحديث إلا بعد أن يعلم أنه من رسول الله، فإذا حدثه بغير علم ولو كان الحديث في نفس الأمر صحيحاً فقد أخطأ في نقله؛ لعَدَمِ عِلمه، فيكون أحد الكاذبين، ويُؤيده حديث: «كَفى بالمرء كَذِباً - وفي رواية: إثماً - أن يُحدِّثَ بكل ما سَمِعَ» (6). وقد تعلق بظاهرِ هذا المبنى مَن مَنَعَ الرّوايةَ بالمعنى، لكنَّ الجُمهور على الجواز بالشَّرطِ المَشهور (?)، وأجابوا عن ذلك بأنَّ المُرادَ النَّهيُّ عن الإتيانِ بلفظ
يُوجِبُ تغير الحكم هنالك.
الجزء 1 · صفحة 13
ثم لا مفهوم لقوله: (علي)؛ لأنَّه لا يُتصَوَّرُ أن يُكذَبَ له؛ لنَهيه عليه السَّلامُ عن مُطلَقِ الكذب في الكلام، وقد اغتر قوم من الجَهَلةِ بهذا التركيب، فوَضَعوا أحاديث في الترغيب والترهيب، وقالوا: نحن لم نكذب عليه بل فَعَلْنا ذلك لتأييد شريعته، حيثُ نفعُه راجع إليه، ولم يَدْرُوا أَنَّ الكذبَ في نَقل كلامه يقتضي الكذب على الله في أحكامه.
فَلْيَتَوَّا) بسكونِ اللَّامِ، هو المشهور في الرواية والمعتبر في الدراية؛ أي: فليهيئ.
(مَقْعَدَه)؛ أي: مَسْكَنَه.
من النَّارِ)، يَحْتَمِل أن تكونَ (مِن) بيانيَّةً أو ابتدائيَّة أو تبعيضيَّة.
وصيغة (فَلْيَتَبَوَّاً) مبناهُ أمرٌ ومعناه خَبَرٌ، فالمعنَى: أَنَّ اللَّهَ تَبَوَّاً مَقعَدَه مِنَ النَّارِ، ويُؤيده ما ورد عند أحمد بسند صحيح عن ابنِ عمرَ بلفظ: «بني له بيتُ في النَّارِ»؛ أو معناه دُعاءُ؛ أي: بَوَّأَهُ اللهُ، وهو بعيدٌ بِحَسَبِ مُقتَضاه.
وقالَ الطَّيبِيُّ: أمرُ تَهَكُم وتغليظ هنالك؛ إذ لو قيل: كانَ مَقْعَدُه لم يكُنْ كذلك.
وفيه الإيماء إلى معنَى القَصْدِ في الذَّنبِ وَفْقَ الجزاء؛ أي: كما أنَّه قَصَدَ في الكَذِبِ
التَّعَمُّدَ فَلْيَقْصِد فِي جَزائِهِ التَّبَوءَ وقيل: الأمر على حقيقته، والمعنى: مَنَ كَذَبَ فَلْيَأْمُرْ نَفْسَه بِالتَّبَوُّءِ لِعُقوبتِه.
وحاصل المعنى: فليتَّخِذْ لنفسه منزلاً منها.
وقوله: (مَقعَدَه) مفعول به، وحينئذ يكونُ التَّبوءُ مُستعملاً في جُزء معناه، مُجرَّداً عن مبناه.
واختلفوا في أنَّ هذا الحكم عام، أو خاص بالكذب في الدِّينِ كتَحريم حلال وعكسه؟ والأَصحُ أَنَّه عامٌ يَسْمَلُه وغيرَه.
الجزء 1 · صفحة 14
ثمَّ اعلَمْ أَنَّه فاحِشَةٌ عظيمةٌ، وكبيرةٌ جَسيمةٌ، لكنْ لا يَكْفُر بها إلا مُستَحِلُّها، وحكى إمامُ الحَرَمَينِ عن والده الجُوَينِي أَنَّه يَكْفُرُ ويُراقُ دَمُه، ولعلَّ وجَهَهُ أَنَّه يلزَمُ من كذبه على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَذِبُه على الله، ومَن أَظْلَمُ ممَّن كَذَبَ على اللهِ؟! ثمَّ إِنَّ مَن كذَبَ في حديث واحدٍ فَسَقَ، ورُدَّتْ رواياته كلها، وبطَلَ الاحتجاج بجميعها، فلو تاب وحسُنَتْ توبته فعند الإمام أحمد وجماعة لا تُقبَلُ روايته أبداً، وهو مُوافِقُ لَمَذهَبِنا قياساً على القَذَفَةِ، حيثُ قال تعالى: {وَلَا نَقْبلُوا هُمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأَوْلَيْكَ هُمُ الْفَسِقُونَ} [النور: 4]، والاستثناء من الحكم الأخـ وهو كَونُهم فَسَقَةٌ إِذا حَسُنَتْ لهم التّوبة.
وأَمَّا عدَمُ قَبولِ الشَّهادة فمُؤَيَّدةٌ؛ لقيامِ تُهمةٍ مُؤكَّدةٍ، ولعلَّ الحكمة في ذلك أنَّ حُسنَ التَّوبة أمرٌ باطني لا يطلع عليه كل أَحَدٍ، فهو بتوبته صالح بينه وبين الحقِّ، ومحتَمِلٌ في حقٌّ الخَلقِ.
وبهذا التقرير يندفعُ قولُ النَّوويّ: هذا مُخالِفٌ للقواعِدِ، والمُختارُ: القَطْعُ بصحة توبته وقبولِ روايته بعدها.
ولا فرق بين ما كانَ في الأحكام وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيبِ والموَاعِظِ في شرائع الإسلام، فكلُّه حرام من أكبر الكبائر، خلافاً للكراميَّةِ، حيث جوزوا وضع الحديث فيما لا حكم فيه، كذا نقلوا عنهم.
الجزء 1 · صفحة 15
والظَّاهِرُ: أَنَّهم فرَّقوا بين المسألتين، ففي الأولى حَكَمُوا بكونها من الكبائر، وفي الثانية عدُّوها من الصَّغائر؛ إذ لا شك في تَفَاوُتِ مَراتبِ القُبْحِ لأنواع الكذب، وإلا فهم طائفةٌ من الصُّوفيَّةِ المُبالغين في التنزه عن الأخلاقِ الدنيّة في أمرِ الدِّينِ، كما يُفهم من كلام الغزالي في منهاج العابدين». فإن قيل: الكذب من حيثُ هو معصية، فكل كاذب عاص، وكلُّ عاص يَلِجُ النَّارَ؛ لقوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [الجن: 23]، فما فائدة لَفظَةِ (علي) في الشَّرطِ ونتيجة (فَلْيَتَبَوَّأْ) في الجزاء؟
فالجواب: أنَّه لا شَكٍّ أنَّ الكذب عليه أشدُّ من الكذب على غَيْرِه، وأقبَحُ في حكمه، فلذا خُصَّ بذكرِه، فقد قالَ مُحيي السُّنَّةِ: الكذِبُ عليه عليه السَّلامُ أعظَمُ أنواع الكذب بعد كذب الكافر على الله.
ويُؤَيَّده ما وَرَدَ في بعض طرق الحديثِ، كما أخرجه البخاري في (كتابِ الجنائز) من صحيحه» بلفظ: «إِنَّ كَذِباً عليَّ ليسَ كَكَذِبٍ على أَحَدِكُم، مَن كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقعَدَه من النَّارِ)، ولا يبعد أن يُقال: الكذب عليه كبيرة، وعلى غيره صغيرة، وقد تُكفَّرُ الصَّغائِرُ عندَ اجتِنابِ الكبائر. فالمُرادُ أنَّ الكذب عليه يجعَلُ النَّارَ مَسكناً لفاعله البتة، بخلاف الكذب على غيره فإنَّه تحتَ المَشيئة، وقابل للعَفْوِ والشَّفاعةِ، فيكونُ مَالُ الحال إلى أنَّ الأمر للتأكيد في الوعيد، وللتشديد في التَّهديد، ويُؤَيِّدُه ما رواه الترمذي عن ابنِ عُمَرَ مَرفوعاً: «مَن تَعَلَّمَ عِلماً لغيرِ اللهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه من النَّارِ.
ثمَّ يُستفاد من هذا الحديث: تحريم رواية الحديثِ الموضوع على مَن عَرَفَ كونه موضوعاً، أو غَلَبَ على ظَنُّه وَضْعُه.
الجزء 1 · صفحة 16
ولذا قال العلماء: ينبغي لِمَن أرادَ رِواية حديث أن ينظُرَ: فإن كان صحيحاً أو حَسَناً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو فَعَلَ كذا، ونحو ذلك من صِيَغِ الجَزْمِ، وإن كان ضعيفاً فلا يَقُلْ: قال ونحوه، بل يقولُ: بَلَغَنا أو رُوي عنه هذا، وجاءَ عنه كذا، وما أشبهه.
(أَخْرَجَه)؛ أي: رَوَى البُخارِيُّ هذا الحديث بإسنادِه المذكور (في كتابِ العِلْمِ) أي: من «صحيحه»، (في بابِ إِثْمِ مَن كَذَبَ على النبي. .
وحكى الإمام أبو بكرِ الصَّيْرَفِيُّ أنَّ هذا الحديث مَروِيٌّ عن أكثر من ستّينَ صحابياً مرفوعاً، وفيهم العَشَرَةُ المُبَشِّرةُ، قال: ولا يُعرَفُ حديث اجتَمَعَ فيه على روايته العَشَرَةُ إلا هذا.
وقيلَ: إنَّه رُوِيَ عَن مِنتَينِ من الصَّحابة.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ ليسَ في الأحاديثِ ما في مَرتبَتِه فِي التَّواتُرِ)، يعني المَعنَوِيِّ لا اللفظي؛ لاختلافِ الروايات في المَبْنَى معَ الاشتراك في المَعنَى، فالقَدْرُ المُشْتَرَكُ الحاصل من جميع الألفاظ متواتر كما حققه الحُفَّاظ، حيثُ جَاءَ فِي رِواية: «مَن تَعَمَّدَ عليَّ كَذِباً، وفي أخرى: «مَن كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّداً» (4)، وفي أُخرى: «لا تكذبوا عليَّ». وأصح الألفاظ قوله: «مَن كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه من النَّارِ»، فقد قال شيخ مشايخنا الجلالُ السُّيوطِيُّ رحمه الله: رواه أحمدُ والشَّيخانِ والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس وأحمد والبخارِيُّ وأبو داودَ والنَّسائي وابن ماجه عن الزُّبير.
الجزء 1 · صفحة 17
ورواه أحمد عن عُمَرَ، ولفظه: مَن كَذَبَ عليَّ فهو في النَّارِ»، ورَواهُ أيضاً عن عليٌّ: «مَن كَذَبَ عليَّ فِي حُلُمِه مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه من النَّارِ»، انتهى. ولا يَخفَى أنَّ ما نازَعَ بعضُهم في كون هذا الحديث متواتراً في المبنى، بناءً على اشتراطِ التَّواتِرِ أن يستوِيَ طَرفاه وما بينهما في الكثرة، وهي ليست موجودة في كل طريق بمُفرَدِها؛ مَدفوع بما قررناه بأنَّ الصَّحيحَ أنَّ هذا الحديث مُتواتِرُ بحَسَبِ المعنى، لا من طريق المبنى.
الجزء 1 · صفحة 18
على أنه قد قال جمع بأنَّه مُتواتِرٌ حتَّى في اللفظ، فإِنَّ المُرادَ بإطلاق كونه مُتواتِراً روايةُ جَمع. عن جمع من ابتدائه في كلِّ عَصْرٍ إلى انتهائه، وهذا كافٍ في إفادة العلم، وابتنائه على أنَّ طُرَقَ أنس وحدَها على ما قدَّمناهُ رَواها جماعةٌ كثيرةٌ بأسانيدَ شَهيرةٍ، وحديثُ علي رواها عنه ستَّةَ عَشَرَ من مَشاهِيرِ التَّابعين وثقاتِهم، وكذا حديث ابنِ مسعودٍ وأبي هُرَيرةَ وعبدِ اللهِ بنِ عَمرو على ما حقَّقَهُ مِيرَك شاه رحمه الله. فلو قيل في كلِّ: إنَّه مُتواتِرُ عن صحابيه لكان صحيحاً، فإِنَّ العَدَدَ المُعيَّنَ لا يُشترط في التَّواتُرِ على الصَّحيح، بل ما أفادَ العِلمَ به كانَ كافياً في مَقامِ التَّوضِيح. ثمَّ اعلَمْ أَنَّه قد ورَدَ لهذا الحديثِ سبب، وهو ما أخرجه أبو القاسم البَغَوِيُّ من طريق صالح بن حَيَّانَ، عن ابن أبي بريدَةَ، عن أبيه قال: جاءَ رجُلٌ من جانب المدينة، فنزَلَ في خارجها على قوم، فقالَ: إِنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَنِي أن أحكم فيكم برأيي، وفي أموالِكُم وفي كذا وكذا، وكانَ خَطَبَ امرأةً منهم في الجاهلية فأبوا أن يُزَوِّجُوه، ثمَّ ذَهَبَ حَتَّى نَزَلَ على المرأةِ، فَبَعَثَ القومُ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: «كَذَبَ عدو الله»، ثمَّ أرسل رسولاً فقال له: «إن وَجَدْتَه حيّاً فاقتله، وإن وَجَدْتَه مَيْتاً فَحَرِّقْه بالنَّارِ»، فوَجَدَه قد لُدِغَ فماتَ، فَحَرَقَه بِالنَّارِ، فعند ذلك قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَن كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه من النَّارِ). ثمَّ هذا الحديثُ أَوَّلُ ثُلاثيّ وقع في «البُخارِيِّ»، وليس فيه أعلى من الثَّلاثِيَّاتِ كما نص عليه في «فتح الباري».
الحديث الثاني:
حَدَّثنا المكَّيُّ، قال: حدثنا يزيد بن أبي عُبيد، عن سَلَمَةَ قال: كان جدار المسجدِ
الجزء 1 · صفحة 19
عند المنبر ما كادَتِ الشاةُ تَجُوزُهَا.
(الثاني) قالَ البُخارِيُّ: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بنُ إبراهيم)، وفي رواية: المَكِّيُّ بدون ذكر أبيه.
قالَ الطّيبيُّ في «الخُلاصَةِ»: لا يجوز في الكُتُبِ المُؤَلَّفَةِ (2) إِذا رُوِيَتْ إِبدال (حَدَّثنا) بـ (أخبرنا)، ولا عَكْسُه، ولا (سمِعْتُ) بأحدهما، ولا عَكْسُه؛ لاحتمال أن يكون من قال ذلك ممَّن لا يرَى التَّسْوِيَةَ بينهما، وإن كان يرى ذلك فالإبدال عندَ التّسوية مبني على الخِلافِ المَشهورِ في رواية الحديث، هل يجب أداء مبناه، أو يجوزُ نَقلُ مَعناه؟ فمَن جوَّزَ أداءَ نقل المعاني من غير لفظ المباني جوز الإبدال، وإلا فلا في جميع الأحوال.
(ثَنا) أي: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ أَبي عُبَيد.
قالَ النَّوَوِيُّ في مُقدِّمة شرح مُسلِمٍ: جَرَت عادةُ أهل الحديثِ بحذفِ (قال) ونحوه فيما بين رجال الإسنادِ في الخط، وينبغي للقارئ أن يلفظ بها، فلو تَرَكَ القارِئُ لفظ (قال) فقد أخطاً، والسَّماعُ صحيح للعلم بالمقصودِ، ويكون هذا من الحذفِ لدلالة الحال عليه.
(عن سَلَمَةَ) أي: ابنِ الأكْوَع، وقد تقَدَّمت تَرَاجِمُ الثَّلاثَة. (قال) أي: سَلَمَةُ: (كانَ جِدار المسجدِ) أي: المسجدِ النَّبوِيِّ مِن جهةِ القِبْلَةِ (عند المنبر) هو من تتمة اسم (كانَ)؛ أي: الجِدارُ الذي عندَ مِنبَرِه، وخبر كانَ قوله: (ما كادَتِ الشَّاةُ تَجوزها) بالجيم؛ أي: تتعداها وتَمرُّ بها. وفي رواية الكُشْمِيهَنِيُّ: أن تجوزَها؛ أي: المسافة التي هي ما بين المنبر والجدار المفهومة من سياق الكلام.
الجزء 1 · صفحة 20
وحاصِلُ المَرامِ: أَنَّ مِقدارَ مَسافة ما بينَ جِدارِ القِبلةِ والمِنبَرِ النَّبِوِيِّ بحيثُ تَمُرُّ الشَّاةُ بعُسرَةِ؛ لأنَّ النَّفَيَ إذا دخَلَ على (كادَ) يُفيدُ مَعنى القِلَّةِ، بل العَدَمِ، لَكِنَّ سياق الأحاديثِ يُفيدُ وقوع المسافة، ويُوَضُحُ ما قَدَّرْنا وقَرَّرْنا ما وَرَدَ في رواية الإسماعيلي من طريق أبي عاصم، عن يزيد، عن سَلَمَةَ بلفظ: كانَ المِنبَرُ عَلَى عَهْدِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ليس بينه وبين حائِطِ القِبلَةِ إِلا قَدْرُ ما يَمُرُّ العَنْزُ»؛ أي: المِعْزَةُ التي تَمَّت لها سنَةٌ. قالَ الشَّارِحُ وتبيَّنَ بهذا السياق أنَّ الحديث مرفوع، وأن الاختصار في سياق البخارِيِّ وَقَعَ من شيخه مَكَّيِّ بنِ إبراهيمَ؛ فَإِنَّ مَخرَجَ الحديثِ مُتَّحِدٌ، وهو يزيدُ بنُ أَبي عُبَيد. انتهى. ولا يخفى أنَّ الحديث موقوف على جميع الأحوالِ، غايتُه أَنَّ هذه الروايةَ مُبيِّنةٌ لِما وَقَعَ في تلك من الإجمال، فقولُه: مرفوع تبعاً للعَسْقَلانِيِّ محمول على معناه اللغوي دون معناه الاصطلاحي.
وقالَ النَّووِيُّ في «شَرحِ مُسلِمٍ»: وإِنَّما أُخْرَ المِنبَرُ عن الجِدارِ لئَلَّا ينقطعَ نظَرُ أهلِ الصَّفُ بعضهم عن بعض. انتهى، وبعده لا يخفى.
الجزء 1 · صفحة 21
(أخرجه) أي: البُخارِيُّ (في بابِ سُتْرَةِ المُصَلِّي) بكسرِ اللَّامِ، وَيَحتَمِلُ أن يكونَ بفَتحِ اللَّامِ؛ أي: المكان الذي يُصلَّى فيه، كذا في «فتح الباري». ويُؤَيَّده ما ذكره السَّيِّدُ السَّمْهودِيُّ في تاريخه»: كَانَ بينَ مُصَلَّى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وبينَ جِدارِ المسجدِ؛ أي: مَقامِه في صَلاتِه، كما في رواية أبي داود، فلم يُرِدْ بالمُصَلَّى موضِعَ السُّجودِ، وإن قالَه النَّووِيُّ في «شرحِ مُسلِمِ». قال في «الفتح»: فإن قيل: من أينَ تُطابِقُ التَّرجمةُ؟ أَجابَ الكَرْمَانِيُّ فقال: من حَيثُ إِنَّه كان يقومُ بجَنْبِ المِنبَرِ؛ أي: ولم يكُنْ لمَسجِدِه محراب، فتكونُ مسافةُ ما بينه وبين الجِدارِ نَظيرُ ما بين المنبَرِ والجِدارِ، فكأنَّه قال: الذي ينبغي أن يكونَ بينَ المُصلِّي وسُتَرَتِه قَدْرُ ما كانَ بينَ مِنْبَرِه وجِدارِ القِبلَةِ. قالَ ابنُ بطَالِ: هذا أقل ما يكون بينَ المُصلَّي وسترته، يعني قَدْرَ ممَرِّ الشَّاةِ،
وقيل: أقل ذلك ثلاثة أذرُعٍ؛ لحديث بلالٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى في الكعبة وبينه وبينَ الجدار ثلاثة أذرع.
وجمَعَ الداودي: بأنَّ أَقلَّهُ مَمَرُّ الشَّاةِ، وأكثرَه ثلاثةُ أَذْرُعٍ.
وجمَعَ بعضُهم: بأنَّ الأَوَّلَ في حال القيام والقعود، والثاني في حال الركوع والسجود.
وقالَ البَغَوِيُّ: استَحَبَّ أهل العلمِ الدُّنْوَ من السُّترَةِ، بحيثُ يكون بينه وبينَها
الجزء 1 · صفحة 22
قَدْرُ إمكانِ السُّجودِ، وكذلك ما بينَ الصُّفوفِ، وقد وَرَدَ الأمرُ بالدُّنو منها. وفيه بيانُ الحِكمَةِ في ذلك، وهو ما رواه أبو داود وغيره من حديثِ سَهْلِ بن أبي حَثْمَة) مرفوعاً: «إذا صَلَّى أَحَدُكُم إلى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ منها؛ لا يقطَعْ عليه الشَّيطانُ صلاته»، انتهى وفي «الفتح» في شرح حديث أبي سعيد الخدري قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: إذا صَلَّى أَحَدُكُم إلى شيءٍ يستره من النَّاسِ فأرادَ أَحَدٌ أن يجتاز بينَ يَدَيه فَليَدْفَعْه، فإِن أَبَى فَلْيُقاتِلْه، فإنَّما هو شيطان»؛ أي: فعله فعلُ الشَّيْطانِ، لأَنَّه أَبَى إِلا التَّشويش على المُصَلِّي. وقد وَقَعَ في رواية الإسماعيلي: «فَإِنَّ مَعَه الشَّيطانَ»، ونحوه لِمُسْلِمٍ من حديث ابنِ عُمَرَ بلفظ: «فَإِنَّ مَعَه القَرِينَ».
والمراد بالمُقاتَلَةِ المُدافَعَةُ على سبيلِ المُبالَغَةِ بعدَ دَفِعِهِ بِالمُلاطَفَةِ، فلا يجوزُ إلا بفعل يسيرٍ في الصَّلاةِ للضَّرورة.
وهل ذلك لخلل يقعُ في صلاةِ المُصَلِّي من المُرورِ المانعِ عن كَمالِ الحُضورِ؟ أو لدفع الإثم عن المار بسببِ العُبور؟ فقيل: الظَّاهِرُ الثَّاني، وقيل: بل الأَوَّلُ أَظهَرُ؛ لأنَّ إِقبال المُصلِّي على صلاته أولى من الاشتغال بدَفْعِ الإِثْمِ عن غيره. وقد روى ابن أبي شَيْبَةَ عن ابن مسعود: أنَّ المُرورَ بين يدي المُصَلِّي يقطَعُ نِصف صلاته.
ورَوَى أبو نُعَيمٍ عن عُمَرَ: لو يَعلَمُ المُصلِّي ما ينقُصُ من صلاته بالمُرورِ بَينَ
يديه ما صلَّى إلا إلى شيءٍ يستره من النَّاسِ.
فهذانِ الأَثَرانِ مُقتَضَاهُما الدَّفْعُ لخَلَلٍ يتعلَّق بصلاةِ المُصَلِّي، ولا يختَصُّ بالمار، كذا قالوا، ولا مَنْعَ من الجَمْعِ.
الجزء 1 · صفحة 23
وقالَ ابنُ الهُمام: لا بأسَ بَتَركِ السُّترَةِ إذا أَمِنَ المُرورَ، وقالَ أَيضاً في بيانِ إِثْمِ المار: وإِنَّما يأثَمُ إذا مَرَّ في موضع سُجودِه، وهو الأَصَحُ؛ لأَنَّ مَوضِعَ صَلاتِه هو من قَدَمِه إلى موضع سجوده قالَ القَسْطَلانِيُّ: ولا فَرْقَ فِي مَنْعِ المُرورِ بينَ يَدَي المُصَلِّي بينَ مكَّةَ وغيرِها، واعْتَفَرَ بعضُهم ذلك للطَّائفين دون غيرِهم للضّرورة، انتهى.
ووَجهُهُ ظاهر؛ لأنَّ فيما عدا صلاةِ الجَماعةِ يصيرُ المَطَافُ كالطَّريقِ الجَادَّةِ. وأما قوله: يقطَعُ الصَّلاةَ الحِمارُ والمرأةُ والكَلْبُ الأَسوَدُ»؛ فأشار الطَّحاوِيُّ إلى أنَّ صلاته عليه السَّلامُ إلى أزواجه ناسخة لكل ذلك (2)، انتهى. ولا يخفى أنه يتوقف ذلك على تاريخ تقديم وتأخير هنالك، إلا أنَّ أبا حنيفة ومالكاً والشَّافعيّ وجُمهورَ العُلماء من السَّلَفِ والخَلَفِ على أَنَّ الصَّلاةَ لا تَبطُلُ بمُرورِ شيء من هؤلاء، ولا من غَيرهم، وتأوَّلُوا هذا الحديث بأنَّ المُرادَ من القَطْعِ نَقصُ كمالِ الصَّلاةِ لشُغلِ القَلبِ بهذه الأشياء، وليسَ المُراد حقيقة إبطالها.
الحديث الثالث:
حدثنا المكي بن إبراهيم، قال: حَدَّثنا يزيد بن أبي عُبَيْدٍ قال: كنتُ آتي مع سلمة بن الأكوع فيُصلّي عند الأسطوانة التي عِنْدَ المُصحف. فقلت: يا أبا مسلم، أراك تتحرى الصلاة عند هذهِ الأُسطوانة قال: فإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرّى الصَّلاةَ عِنْدَها.
الجزء 1 · صفحة 24
(الثَّالثُ) قالَ البُخارِيُّ: (حَدَّثَنا المكَّيُّ بنُ إبراهيم)، قد ساوَى البُخارِيُّ في هذا الحديثِ شيخه أحمدَ بنَ حَنبلٍ؛ فإِنَّه أخرجه في «مُسنَدِه» عن مَكَّيِّ بنِ إبراهيمَ، (ثنا) أي: قالَ حَدَّثنا يزيدُ بنُ أبي عُبَيد، قالَ أي: يَزيدُ، جملة استئنافية، أو حاليَّةٌ بتقدير (قد) أو بدونه، (كنتُ آتي) بكَسرِ التَّاءِ بعد همزة ممدودة، أي: أَجِيءُ (معَ سَلَمَةَ بنِ الأكوَعِ فيُصَلِّي) أي: هو (عندَ الأُسْطُوَانَةِ) بضَمِّ الهَمَزَةِ وسُكونِ السِّينِ وضَمَّ الطَّاءِ المُهمَلَتَينِ، بوزنِ: أَفْعُوَالَةَ، على المشهور، وقيلَ: فُعْلُوَانَةَ، وهي السَّارِيةُ.
والغالب أنّها تكون من بناء، بخِلافِ العَمودِ؛ فإنَّه من حَجَرٍ وَاحِدٍ، كذا في «فتح الباري)، فإن قيل: كيفَ يَستقيمُ قَولُه: والغالِبُ أَنَّها تكونُ من بناء؟ معَ أَنَّه قد تقَرَّرَ أنَّ أعمدَةَ مَسجِدِه عليه السَّلامُ كانت من جُذوعِ النَّخلِ، كما في «الصَّحيح»: كانَ المسجِدُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَبنيّاً باللَّبِنِ، وسَقْفُه الجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ نَخْلِ. فالجواب أن يكونَ قولُ الرَّاوي: فيُصَلِّي عندَ الأُسْطُوانَةِ فِي خِلافَةِ عُثمانَ رضيَ اللهُ عنه، فإِنَّه جَدَّدَ عِمارَةَ المسجدِ النَّبوِيِّ وبَناه مُزَخْرَفاً، فالأُسْطُوانَهُ كانَت حينَئِذٍ مَبنيَّةٌ بالحِجارَةِ والجِصّ، فلا محذور.
ويُؤَيَّده قوله: (التي عِندَ المُصْحَفِ) بتثليث الميمِ والضَّمُّ أَشْهَرُ، قالَ الكَرْمَانِيُّ: وكانَ في مَسجِدِ رسول الله لا الله و موضعاً خاصاً للمُصحَفِ الذي كانَ ثَمَّةَ (1) في عهدِ عُثمان رضي الله عنه.
الجزء 1 · صفحة 25
قال في «الفتح»: وهذا دال على أنَّه كانَ للمُصْحَفِ مَوضِعٌ خاص به، كما وَقَعَ عندَ مُسلِمِ بلفظ: «يُصَلِّي وراءَ الصُّندوقِ»، وكأَنَّه كَانَ للمُصْحَفِ صُندوقٌ يُوضَعُ عليه، قال: وهذه الأُسْطُوانَةُ حَقَّقَ لنا بعضُ مَشايخنا أَنَّهَا المُتَوَسِّطَةُ فِي الرَّوضَةِ المُكرَّمة، وتُعرَفُ بأَسْطُوانَةِ المُهاجرين انتهى.
ولا بنِ زَبَالَةَ: كُنتُ أتي مَعَ سَلَمَةَ فِي سُبْحَةِ الضُّحَى فِيعْمِدُ إِلى الأُسْطُوانَةِ دونَ المُصْحَفِ فيُصلِّي قريباً منها، انتهى.
والمراد بالمُصحَفِ ما جُمِعَ في زَمَنِ عُثمانَ، وكُتِبَ في محلّ واحدٍ؛ فإِنَّ القرآنَ قبل ذلك كُتِبَ في صُحُفِ مُتَفَرِّقةٍ إلى أن وَلِيَ عُثمانُ الخِلافَةَ، فَأَمَرَ بِجَمعِ الصُّحُفِ في محلّ واحدٍ (ه)، وأمَرَ أن تُكتَبَ ستَّةُ مَصاحِفَ، وبَعَثَ بها واحِداً إلى مَكَّةَ، وإلى البصرة واحِداً، وإلى الكُوفَةِ واحِداً، وإلى الشَّامِ آخَرَ، وَآخَرَ إِلى البَحْرَينِ، وأَمْسَكَ عنده واحِداً، وهو الذي يُوضَعُ في صندوق موضوعِ بِجَنْبِ الأُسْطُوانَةِ المُتوسطة في المسجدِ النَّبوِيِّ عليه السَّلامُ، وكانَ سَلَمَةُ أدركَ أَيَّامَ عُثمانَ بالاتِّفَاقِ.
لكِنْ نقَلَ السَّمْهُودِيُّ في تاريخ المدينةِ عن مالك بن أنس: أَنَّ الحَجَّاجَ أَرسَلَ إلى أُمَّهاتِ القُرَى بمصاحِفَ، فأرسَلَ إلى المدينة بمُصحَفٍ، وكانَ في صُندوق عن يمينِ الأُسْطُوانَةِ التي عُمِلَت عَلَماً لِمقامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَرُبَّمَا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهُمْ ويقولُ: لِمَ لا يجوز أن يكونَ المُصحَفُ المُشار إليه في الحديثِ مُصحَفَ الحَجَّاجِ؟
ويُجابُ: بأنَّ وَفاةَ سَلَمَة كَانَ قبلَ ظُهورِ الحَجَّاجِ.
الجزء 1 · صفحة 26
قيل: وسَبَبُ إرسالِ الحَجَّاجِ المصاحِفَ إِلَى أُمَّهَاتِ القُرَى وَوَضْعِ مُصْحَفِه عندَ الصُّندوقِ الذي عندَ المُصَلَّى النَّبِوِيِّ أَنَّه جَزَّأَ المُصحَفَ الشَّرِيفَ ثلاثينَ جُزءاً، وأعربه وجَدَّدَ فيه أموراً لم تكُن قبل ذلك، فكتَبَ َمصاحِفَ بتلك الصُّورة وأرسَلَها إلى أُمَّهَاتِ القُرَى ليَنتَشِرَ ما أحدثَه.
وأمَرَ أهل المدينة أن يضَعُوا المُصحَفَ المُرسَلَ إليهم في الصُّندوقِ الذي فيه المُصحَفُ العُثمانِيُّ اهتماماً بشَأنِ مُصحَفِهِ، ويَحْتَمِلُ أَن يكونَ وَضَعَ مُصحَفَه فِي صندوقِ آخَرَ بِجَنْبِ مُصْحَفِ عُثمانَ.
ويُؤَيِّدُ هذا الاحتمالَ قَولُهُ: كَانَ في صُندوقِ عن يمينِ الأُسْطُوانَةِ؛ لأنَّ الصُّندوق الأول كانَ في موضع الأسطوانة.
الجزء 1 · صفحة 27
قال في «الفتح»: ورُوِيَ عن عائِشَةَ أَنَّها كانت تقول: لو عَرَفَهَا النَّاسُ لاضطربوا عليها بالسهام، وإِنَّما أَسَرَّتْها إلى ابنِ الزُّبَيْرِ فَكانَ يُكثِرُ الصَّلاةَ عندَها. (فقُلتُ) قائِلُه يزيدُ (يا) با مُسلِمٍ يُكتَبُ بلا ألفٍ، كما هو رَسمُ المُصحَفِ، ولكِنْ يُقرأُ بالألف، هو الصَّحيحُ، وهو كُنيَةُ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ (أَرَاكَ) بفتح الهمز؛ أي: أَبصِرُكَ (تَتَحَرَّى) من التَّحَرِّي في الأشياءِ طَلَبُ ما هو الأَحْرَى (3) منها في غالب الظَّنِّ، مَأخوذٌ من الحَرِيَّ، وهو الخَليقُ اللَّائِقُ؛ أي: تقصد وتجتهد وتختار (الصَّلاةَ)؛ أي: مُطلَقاً، أو صَلاةَ الضُّحَى (عند هذه الأُسْطُوانَةِ) أي: المَنعوتَةِ بالصِّفةِ المُتقدِّمة. (قال) أي: أبو سَلَمَةَ: فإِنِّي رَأيتُ) وللأصيلي: «رأيتُ» (النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَتَحَرَّى الصَّلاةَ) أي: النَّافِلَةَ (عندها) أي: عند هذه الأُسْطُوانَةِ فاقتدَيتُ به للمتابعة. (أَخْرَجَه) أي: البُخارِيُّ (فيه) أي: في بابِ سُتَرةِ المُصلَّي (أيضاً) أي: كما تقدَّمَ. وأَمَّا قولُ شارح: أي في بابِ الصَّلاةِ إلى الأُسْطُوانَةِ؛ فَلَعَلَّه نقل بالمعنى، وقد تقدَّمَ الخِلافُ في هذا المَبْنَى.
الجزء 1 · صفحة 28
وفي شرح البُخارِيُّ للكَرْمَانِيُّ: قالَ ابنُ بِطَالٍ: لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَستُرُ بالعنزة في الصحراء كانت الأُسْطُوانَةُ أولى بذلك؛ لأَنَّها أَشَدُّ سُترَةٌ منها، وفيه أَنَّه ينبغي أن تكونَ الأُسْطُوانَةُ أمامه ولا تكونَ إلى جَنْبِهِ لئَلَّا يَتَخَلَّلَ الصُّفوفَ بِشيءٍ ولا يكون له سُترَةٌ، انتهى وقالَ النَّووِيُّ في شرح مُسلم عند بان هذا الحديث: فيه ما سَبَقَ أَنَّه لا بأس بإدامَةِ الصَّلاةِ في مكانٍ واحدٍ إذا كانَ فيه فَضْل، وفيه جَوازُ الصَّلاةِ بحَضرَةِ الأساطين، فأمَّا الصَّلاةُ إليها فمُستَحَبَّةُ، لكنَّ الأفضل أن لا يَصمُدَ إليها، بل يجعلُها عن يمينه أو شماله.
وقال في «الفتح» في بيانِ قولِ عُمَرَ رضي الله عنه: «المُصَلُّونَ أَحَقُّ بِالسَّواري من المُتحدِّثِينَ إليها: أرادَ البُخارِيُّ بإيرادِ أثرِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه هذا: أَنَّ المُرادَ بقولِ سَلَمَة يَتَحَرَّى الصَّلاةَ عندها إليها، وكذا قول أنس: كانوا يبتدرونَ السَّوارِيَ؛ أي: يُصَلُّونَ إليها.
قال في «الفتح»: وَوَجْهُ الأَحَقِّيةِ أَنَّهما مُشتَرِكانِ في الحاجة إلى السَّارِيةِ، المُتَحَدِّثُ للاستناد والمُصلَّي لجَعْلِها سُترَةً، لكنَّ المُصلَّي في عبادة مُحقَّقة، فكان أحق (4)، انتهى.
وفيه إيماء إلى أنَّ المُحَدِّثَ أولى بها من غَيره. والله أعلم.
الحديث الرابع:
حدثنا المكي بن إبراهيم، قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سَلَمَة، قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب إذا تَوارَت بالحِجَابِ.
الجزء 1 · صفحة 29
(الرابع) قالَ البُخارِيُّ: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، ثَنَا يَزِيدُ بنُ أَبِي عُبَيد، عن سَلَمَةَ) أي: ابنِ الأكْوَعِ (قالَ: كُنَّا) أي: مَعشَرَ الصَّحَابَةِ (نُصَلِّي) أي: دائماً أو أحياناً، على خلافٍ في مفهوم (كانَ)، (معَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم المَغرِبَ) أي: صلاته (إذا تَوارَتْ) أي: استَتَرَتِ الشَّمسُ وغابت بدَلالةِ لَفظ (المَغرِب) عليها، وهو كقوله تعالى حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص: 32] أي: غَرَبَتِ الشَّمسُ بَدَلالةِ ذِكْرِ العَشِيِّ في قوله: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّفِنَاتُ الْحَيَادُ} [ص: 31].
قال في «الفتح»: وقد رَواهُ مُسلِمٌ من طريق حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عُبَيد بلفظ: «إذا غَرَبَتِ الشَّمسُ وتَوارَتْ بالحِجابِ» فَدَلَّ على أنَّ الاختصار في المتن من شيخ البخاري.
وفي رواية عندَ الإسماعيلي وعبدِ بنِ حُمَيد وغيرهما عن يزيد بن أبي عبيد بلفظ: «كانَ يُصلِّي المغربَ ساعَةَ تَعْرُبُ الشَّمس»؛ أي: في أوَّلِ أوقاتها، وهو بخصوص المَغرِبِ أَفضَلُ إجماعاً.
وإنَّما الخِلافُ في آخرِ وقتِه، فالجُمهورُ ومنهم أَئِمَّتُنا على أنّ انتِهاءَه إلى غَيبوبةِ الشَّفَقِ، وهو الحُمْرَةُ عندَ الجُمهور، والبياضُ عند الإمام أبي حنيفة خلافاً لصاحِبيه، والفتوى على قولهما، لكنَّ الأحوط أن لا يُصَلِّيَ المَعْرِبَ بَعدَ فَراغِ الشَّفَقِ قبلَ غَيبوبةِ البَياضِ، ولا العِشاء إلا بعدها.
ومَذهَبُ الإمام مالك أنَّه ليس لها إلا وقت واحد، وهو عَقِبُ الغُروبِ قَدْرَ ما يتَطَهَّرُ ويستُرُ عَورَتَه ويُؤَذِّنُ ويُقيمُ ويُصلِّي خمسَ رَكَعَاتٍ.
وفي مَذهبِ الشَّافعيّ خِلافٌ في هذه المسألة، فقيل: كمالك، وهو القَولُ الجديد، وقيل: كالجُمهور، وهو القَولُ القديم.
الجزء 1 · صفحة 30
قالَ النَّووِيُّ في شَرحِ مُسلِمٍ في بيان قوله: «فإذا صَلَّيتُمُ المغربَ فَإِنَّه وقتُه إلى أن يَسقُطَ الشَّفَقُ»: هذا الحديث وما بعده من الأحاديث صريح في أنَّ وقتَ المغرب يمتد إلى غُروبِ الشَّفَقِ، وهذا أحَدُ القَولَينِ في مَذْهَبِنا، وهو ضَعِيفٌ عندَ جمهورِ نَقَلَةٍ مَذهَبِنا، وقالوا الصَّحيح أنه ليس لها إلا وقت واحد، وهو عَقِبُ غُروبِ الشَّمسِ بِقَدْرِ ما يَتَطَهَّرُ ويستُرُ عَورَتَه ويُؤَذِّنُ ويُقيمُ، فَإِنْ أَخَّرَ الدُّحَولَ فِي الصَّلَاةِ عن هذا الوقتِ أَثِمَ وصارَتْ قضاءً.
وذَهَبَ المُحققون من أصحابنا إلى ترجيح القَوْلِ بجواز تأخيرها ما لم يَغِبِ الشَّفَقُ، وأنَّه يجوز ابتداؤُها في كل وقت من ذلك، ولا يأثَمُ بتأخيرها عن أوَّلِ الوقتِ، وهذا هو الصَّحيحُ أو الصَّوابُ الذي لا يجوز غيره.
والجواب عن حديثِ جِبريل عليه السَّلامُ حينَ صلَّى المغرب في يومين في وقتٍ واحدٍ حينَ غَرَبَتِ الشَّمسُ من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّه اقتَصَرَ على بيانِ وقتِ الاختيار، ولم يستوعب وقتَ الجواز، وهذا جارٍ في كل الصَّلواتِ سوى الظهر، وفيه أنَّه كذلك في الصُّبحِ والعِشاء؛ فإنَّه بَيَّنَ فيهما أولاً وقت الجواز، ثمَّ وقت الاختيار.
والثَّاني: أنَّه في أوَّلِ الأمر بمَكَّةَ، وهذه الأحاديث بامتدادِ وَقتِ المغرب إلى غُروبِ الشَّفَقِ مُتأخرةٌ في أواخرِ المَدينةِ فَوَجَبَ اعتمادُها، وفيه أَنَّه يحتاجُ إلى بيانِ التَّاريخ الدال على تقديمها وتأخيرها.
والثَّالثُ: أنَّ هذه الأحاديثَ أصَحُ إسناداً من حديث بيانِ جبريل عليه السَّلامُ فَوَجَبَ تقديمها.
قلت: والرابع: أنَّ حديث جبريل عليه السَّلامُ مُجْمَلٌ في المرام، وهذه الأحاديثُ كالمُبيّن لذلك الإبهام، فهو أولى بالاعتبار في هذا المقامِ. والحاصِلُ أنَّه يُسَنُّ تعجيلُ المَغرِبِ إجماعاً.
الجزء 1 · صفحة 31
(أخرجه) أي: رَواهُ البُخارِيُّ في المَواقِيتِ) أي: مواقيتِ الصَّلواتِ، وقال الشَّارِحُ: ذكره في (بابِ وَقتِ المغرب)، وفيه ما تَقدَّمَ، والله تعالى أعلَمُ.
حدثنا أبو عَاصِمٍ، عن يَزِيدَ بنِ أبي عُبَيْدِ، عن سَلَمَةَ بن الأكوع رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بَعَثَ رجُلاً ينادي في النَّاسِ يومَ عاشوراء: «أَنَّ مَنْ أَكَلَ فَليُتِمَّ أو فليَصُمْ، ومَنْ لم يَأْكُلْ فلا يأكل] (1).
الخامِسُ) قالَ البُخارِيُّ: (حَدَّثنا أبو عاصم) يعني الضَّحَاكَ بنَ مَخْلَدٍ بفتح الميم واللَّامِ وسكون الخاءِ المُعجَمَةِ بينَهما، ابنِ الضَّحَاكِ بن مُسلِم الشَّيْبَانِيَّ البَصْرِيَّ المعروف بالنَّبيل؛ لرفعَةِ قَدرِه وجَلالةِ فَضلِه، وهو ثقةٌ ثَبْتُ من صغار أتباع التابعين، ومن قدماء شيوخ البخارِيِّ، رَوَى عن جمع من التّابعين كالثَّورِيّ ومالك وشُعبة وغيرهم (2)، ورَوَى عنه خَلقٌ كثير، وقد رَوَى له
باقي أصحابِ الكُتُبِ السِّتَّةِ، مات بالبصرة سنة ثنتي عشرة ومتَينِ. قال البخارِيُّ: سَمِعتُ أبا عاصم يقولُ: مُذْ عَقَلْتُ أَنَّ الغِيةَ حَرام ما اغتبتُ أحداً قط.
وقال حمدانُ بنُ عليّ الوَرَّاقُ: ذَهَبْنا إلى أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ فَسَألناه أَن يُحدِّثَنا، فقالَ: تَسمعون منِّي ومِثلُ أبي عاصم في الحياة! اخرُجُوا إليه.
وقيلَ: إِنَّ شُعْبَةَ حَلَفَ أن لا يُحدِّثَ أصحابَ الحديثِ شَهراً، فَبَلَغَ ذلك أباعاصم فقَصَدَه فَدَخَلَ مَجْلِسَه، فلمَّا سَمِعَ منه هذا الكلامَ قالَ: غُلامي العَطَّارُ حر لوَجهِ اللهِ تعالى كفَّارَةً عن يمينك، فأعجَبَه ذلك.
قالَ الكَرْمَانِيُّ: هذا طريقٌ ثانٍ للبخارِيّ في الثَّلاثِيَّاتِ خِلافَ طريقه الأَوَّلِ في الأحاديث الأربعةِ المُتقَدِّمة.
(عن يزيد بن أبي عُبيد عن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ) أي: أرسَلَ رَجُلاً).
الجزء 1 · صفحة 32
قال في «الفتح»: وفي رواية يحيَى: قالَ لرَجُلٍ من أَسلَمَ: أَذَّنْ فِي قَومِكَ)، واسمه هِنْدُ بنُ أسماء بن حارِثَةَ الأَسْلَمِيُّ، له ولأبيه ولعَمَّه هِنْدُ بنُ حَارِثَةَ صُحبَةٌ، كذا جاءَ في بعض الرواياتِ، وجاء في بعضها أَنَّ المَبعوث أسماء أبوه.
وجُمِعَ بين الروايتينِ: باحتِمالِ أَنَّ كلاً من أسماءَ ووَلَدِهِ هِنْدِ أَرْسَلا بذلك، فذَكَرَ بعضُ الرُّواةِ هذا وبعضُهم ذاك، وأما ما جَوَّزَهِ العَسْقَلانِيُّ احتمال أن يكون أطلق في الرواية الأولى على الجد اسم الأبِ، فَتَتَّحِدُ الرِّوايات، فلا يخفَى بُعده؛ فإنَّ الأبَ قد يُطلَقُ على الجد دونَ عَكسه.
(يُنادي في النَّاسِ) أي: يُعلِمُهم (يوم عاشوراء) بالمد، وحُكِيَ القَصر أيضاً، وهو اليوم العاشر من المُحَرَّمِ على ما هو المشهورُ عندَ الجُمهور من أنَّه مأخوذ من العَشْرِ، اسم للعَقْدِ.
قال في «الفتح»: وهو مَذهَبُ أكثرِ العُلماء من الصَّحابة ومن بعدهم). انتهى.
وفي رواية للترمذي: (أَمَرَنا رسولُ الله له بصيام عاشوراء يوم العاشر)). وأما ما رَواهُ مُسلِمٌ من حديثِ الحَكَمِ بنِ الأَعْرَجِ: انتَهَيتُ إلى ابنِ عباس وهو مُتَوَسِّدٌ رِداءَه، فقلتُ: أخبرني عن يوم عاشوراء، قالَ: إِذا رأيتَ هِلَالَ المُحَرَّمِ فَاعِدُدْ وأصبح يومَ التّاسع صائماً، قلت: هكذا) كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يصومه؟ ... )، فظَاهِرُه أَنَّ يوم عاشوراء هو التَّاسِعُ.
لكِنْ قالَ ابنُ المُنَيِّرِ: قوله (أصبحْ يومَ التَّاسِعِ) إِنَّه ينوي الصَّومَ من اللَّيلِةِ المُقبِلَةِ، وهي الليلة العاشرة.
وقيل: هو اليومُ التَّاسِعُ مأخوذ من العِشْرِ بالكسرِ، وهو ما بينَ الوِردَينِ، كما بُيِّنَ في محله من كُتُبِ اللُّغةِ.
الجزء 1 · صفحة 33
ثمَّ قالَ القُرْطُبِيُّ: هي معدولةٌ عن العاشرة للمُبالغةِ والتَّعظيم، وهو صفةٌ للَّيلة العاشرة، واليوم مُضافٌ إليها، فكأَنَّه قيلَ: يومُ اللَّيلةِ العاشِرَةِ، إِلا أَنَّهم لمَّا عَدَلوا به عن الصَّفَةِ غُلبَت عليه الاسميَّةُ فاستَغْنَوا عن الموصوف، فحُذِفَ (اللَّيلة) وصارَ هذا اللفظُ عَلَماً لليوم العاشر قال بعضُ أهلِ اللَّغةِ: ليسَ (فاعُولاء) بالمد في كلامهم غيرُها، وقد يُلحَقُ بها (تاسوعاء).
(أنَّ) بفتح الهمز وتشديدِ النُّونِ، وفي نسخة بكسر الهمزة، وهي رواية لأبي ذرّ فتكون داخِلةً في جملة النداء. (مَن أَكَلَ) أي: أو شَرِبَ أو فَعَلَ فِعلاً مُنافِياً للصَّومِ (فَلْيُتِمَّ) بسكونِ اللَّامِ، ويجوز كسرها، وبضَم الياء وكسرِ التَّاءِ وتشديد الميم مفتوحةً، ويجوزُ كَسرها لغةً، أمرُ غائب؛ أي: فَلْيُمْسِكْ بقيَّةَ يومه على كيفية صومه لحُرمة الوقتِ وتعظيمه، كما لو أصبحَ يومَ الشَّلِّ مُفطِراً ثمَّ ثَبَتَ أَنَّه من رمضانَ.
أو فَلْيَصُمْ) شَكٍّ من الراوي على ما قاله الشراح، أي: أو قال: فَلْيَصُمْ؛ أي: فَلْيُمْسِكْ بقيَّةَ النَّهارِ، فيكونُ مُؤَدَّاهُما واحداً.
والصَّومُ محمول على معناه اللُّغَوِيّ من مُطلَقِ الإمساك المُندرج فيه الإمساك عن المُفطِراتِ وغَيْرِها، ولا يُمكنُ أن يُحمَلَ على معناه الشَّرعي، فإنَّه لا يُتَصوَّرُ بعد الأكل عَمْداً، وكذا قوله: «فَلْيُتِمَّ» يُحمَلُ على المَجاز، وإلا لا إتمام إلا بعدَ تَحَقُّقِ تَقَدُّمِ الصِّيامِ.
الجزء 1 · صفحة 34
وبهذا تبيَّنَ أَنَّ قولَ الشَّارِحِ: «فَلْيُتِمَّ» أي: الإمساك وعدَمَ الأكل ليس في محله. ومَنشَأُ هذا الشَّك هو أنَّ حديث أسماء بن حارِثَةَ أَخْرَجَهُ أَحمدُ وابنُ أَبِي خَيْثَمَةَ من طريق ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن حبيبِ بنِ هِنْدِ بنِ أسماء الأسلَمِيِّ، عن أبيه، قالَ: بَعَثَني النَّبِيُّ الله إلى قومي من أَسْلَمَ فقالَ: «مُرْ قَوْمَكَ أن يصوموا هذا اليوم، يوم عاشوراء، فمَن وَجَدتَه منهم قد أَكَلَ فِي أَوَّلِ يومِه فَلْيَصُمْ آخِرَه. ورَوَى أحمد أيضاً من طريق عبدِ الرَّحمنِ بنِ حَرْمَلَةَ، عن يحيى بن هند قال: كانَ هِنْد من أصحاب الحديبية، وأخوه الذي بعثه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ قومه بالصيام يوم عاشوراء، قال: فحَدَّثني يحيى بنُ هِنْدِ عن أسماء بن حارِثَةَ: أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعثَه فقال: «مُرْ قَومَك بصيام هذا اليوم» قال: أرأيتَ إِن وَجَدتُّهم قد طَعِموا؟ قالَ: «فَلْيُتِمُّوا آخِرَ يومهم».
ف (أو) للتنويع باعتبارِ الرِّوايتينِ في الطَّريقَينِ، لا لمُجَرَّدِ الشَّكِّ النَّاشِي عن الراوي النَّاسِي أن لفظ المروي ماذا، كما توهم الشراح، هذا هو التحقيق، والله ولي التوفيق.
ومَن لم يأكُلُ) أي: مَثَلاً (في أوَّلِ النَّهارِ فلا يأكل) أي: في آخره، وينوي الصَّومَ إن أدرك وقتَ النَّيَّة، وهو الضَّحَوَةُ، لتقَعَ النِّيةُ في أكثرِ وقتِ الطَّاعَةِ. وظاهِرُ الحديثِ أَنَّه تجوزُ النِّيةُ بعدَ الزَّوالِ لخُصوص هذه القضيَّة، ومن هذا تبيَّنَ أَنَّ قولَ الشَّارِحِ: فلا يَأْكُل؛ أي: فَلْيُتِمَّ صَوْمَه ليسَ في محله، بل الصَّحِيحُ أن يُقال: المعنى فَلْيَصُمْ صِياماً شرعياً بعده.
ويُؤَيِّدُ ما قرَّرْنا ما سيأتي في الرِّوايةِ الثَّانية: «أَنَّ مَن أَكَلَ فَلْيَصُمْ بقيَّةَ يومِه»
أي: فَلْيُمْسِكْ، ومَن لم يكُنْ أَكَلَ فَليَصُمْ» حيثُ أطلَقَه.
الجزء 1 · صفحة 35
ثم اعلم أن العلماء اتَّفقوا على أن صومه في زَمانِنَا سُنَّةٌ.
واختَلفُوا في أَنَّه كانَ واجِباً أو سُنَّةٌ، ولفظ الأمر يقتضي الوُجوبَ، لا سيما وقد
أمرَهُم بإمساك بقيَّةِ اليومِ لِمَن أكل.
وفي «صحيحِ مُسلم عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ: كَانَ صلى الله عليه وسلم يَأْمرُنا ويحثنا بصيامِ يَومِ عاشوراء، ويَتَعاهَدُنا عندَه، فلمَّا فُرِضَ رَمضانُ لم ينهَنا عنه، ولم يَتَعَاهَدْنا عندَه. وفي رواية: فلمَّا فُرِضَ رَمضانُ قالَ: مَن شَاءَ صَامَ عَاشُورَاءَ، وَمَن شَاءَ لم يصُمْهُ»، قال العلماء: فبَقِيَ استحباب صومه، كذا ذَكَرَه بعضُ الشُّرَّاحِ، وفيه بحث؛ لأَنَّ ظَاهِرَه الإباحةُ، والاستحبابُ يُعرَفُ بنوع آخر من الدَّلالةِ، أو هذا على مُقْتَضَى مذهَبِ الشَّافِعِيِّ، وأمَّا في مَذهَبِنا إذا نُسِخَ الوُجوبُ لا تبقى الإباحةُ التي ثَبَتَتْ في ضمن الوجوب، كما أنَّ قَطعَ الثَّوبِ كانَ واجِباً بالأمر إذا أصابَتْه نَجاسةٌ، ثمَّ نُسِخَ الوجوب، فإنَّه لم يبقَ القَطْعُ مُستَحَباً ولا مباحاً، كما في «التَّوضيح».
وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا قَدِمَ المدينةَ وَجَدَ اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عن ذلك، فقالوا: هذا يوم عظيم نجى الله فيه مُوسَى وقومه، وغَرِقَ فِرعَونُ وقَومُه، فصامَه مُوسَى شُكراً، فنحنُ نَصومه، فقال: انحنُ أَحَقُّ وأولى بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه. وفي رواية: فلمَّا فُرِضَ رَمضانُ تَرَكَ عاشوراء.
ورَوَى مُسلِم أيضاً من حديث ابن عباس قال: حين صامَ رسولُ اللهِ عاشوراء، وأمر بصيامه، فقالوا: يا رسول الله، إنَّه يومُ تُعَظَّمُه اليهود، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَئِنْ بَقيتُ إلى قابل لأصُومَنَّ التَّاسع»).
الجزء 1 · صفحة 36
وقد رُوِيَ أَنَّه تُوفِّيَ في رَبِيعِ الأَوَّلِ من السَّنَةِ القابِلَةِ. وهذا يدلُّ على أَنَّه كَانَ بعد فرض رمضان، وأنَّه كان يصوم بطريق الاستحباب بعد الإيجاب. قال العلماء في قوله عليه السَّلامُ: «الأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» احتمالان: أحدهما أنه يصومَ التَّاسِعَ بدَلَ العاشِرِ، وثانيهما أنَّه يجمَعُ بينَ النَّاسِعِ والعاشِرِ. والمعنى: لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ مُنضَمّاً إلى العاشر، ليكونَ نُوراً على نُورٍ، وتحصلَ المُخالَفَةُ لليَهُودِ في تحصيل السرور. ويُؤَيَّده ما رواه أحمد من حديث أبي هريرةَ مرفوعاً: «صوموا عاشوراء، وخالِفُوا اليهود، فصُومُوا يوماً قبله ويوماً بعده»، والظَّاهِرُ أَنَّ الواو بمعنى (أو)، لحُصولِ المُخالَفَةِ بأحدهما في الجُملةِ.
وهذا كان في آخرِ الأمرِ؛ لأنَّه عليه السَّلامُ كان يُحِبُّ مُوافَقَةَ أهل الكتابِ فيما لم يُؤْمَرُ فيه بشيء تألفاً لهم، فلمَّا فُتِحَت مَكَّةُ واسْتَهَرَ أَمرُ الإسلام، وتبيَّنَ عِنادهم في قبول الأحكامِ أَحَبَّ مُخالَفَتَهم وتَرَكَ مُلا طَفَتَهم.
قالَ المُحققون من العلماء: لِصَوم يوم عاشوراء ثلاث مراتبَ: أعلاها أن ومَ التَّاسع والعاشر والحادِي عَشَرَ، وأوسطها أن تصومَ التَّاسِعَ والعاشِرَ، والأَدْنَى أن تصوم العاشِرَ وَحدَه، قلتُ: أو تصومُ التَّاسِعَ وَحدَه؛ لِما سَبَقَ من القَولِ به. لكن قد وَرَدَ: أَنَّ صيام يوم عاشوراءَ أحتَسِبُ على اللَّهِ أَن يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قبله»، (أخرجه في كتابِ الصَّومِ في باب إذا بالجَرِّ مُضافاً وكذا بالرَّفْعِ مُضافاً ومُنَوَّناً (نوَى بِالنَّهارِ صَوماً).
الجزء 1 · صفحة 37
وكذا رَواهُ مُسلِمٌ عن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَع نحوه، وهو يُؤَيِّدُ مَذهَبَنَا أَنَّه يصِحُ الصومُ فَرْضاً مُعيَّناً أو نَفلاً مُطلَقاً بنيَّةٍ من النَّهَارِ قبلَ مُضِيٌّ أكثرِه إِذا كانَ أداءً. قال في «الفتح»: واستُدِلَّ بحديثِ سَلَمَةَ هذا على صِحَّةِ الصِّيامِ لِمَن لم يَنْوِه منَ اللَّيلِ، وأُجيب بأنَّ ذلك يتوقَّفُ على أنَّ صيام عاشوراء كانَ واجباً، والذي يترجَحُ من أقوالِ العُلماءِ أَنَّه لم يكُنْ فَرْضاً.
قلتُ: سَبَقَ أَنَّ المُحقِّقِينَ على أَنَّه كانَ واجباً.
ثم قال: وعلى تقدير أنه فَرضٌ قد نُسِخَ بلا ريب، ونُسِغَ حُكمُه وشَرَائِطه بدليل قوله: «وَمَن أَكَلَ فَلْيُتِمَّ، ومَن لا يشتَرِطُ النِّيَّةَ من اللَّيلِ لا يُجيزُ صِيامَ مَن أَكَلَ من النَّهارِ، وعلى تقدير أنَّ حُكمه باقٍ فالأمرُ لا يستَلزِمُ الإجزاء، انتهى
ولا يخفى أنَّه لا يلزَمُ من نَسخِ فَرضِيَّةِ شيءٍ نَسخُ جميع أحكامه وشرائطه المُتعلّقة به، ونحنُ ما أجَزْنا صيامَ مَن أكَلَ منَ النَّهارِ حقيقةً، وإِنَّما هو إمساك، وتشبه بأهل الصيامِ صُورةً رِعاية لظاهرِ الشَّريعة، فإنَّ ما لا يُدرَكُ كلُّه لا يُترَكُ كلُّه، ولا أظُنُّ خلافاً في هذه المسألة بينَ عُلماء الأمة.
ويُؤَيَّده ما أخرجه أبو داود والترمذي من طريق قتادة عن عبدِ اللهِ بنِ سَلَمَةَ، عن عَمِّه: أَنَّ أَسْلَمَ أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: «صُمْتُمْ يَومَكُم هذا؟» قالوا: لا، قالَ: «فَأَتِمُّوا بقيَّةَ يَومِكُم واقضُوه؛ فإنَّ الأمر بالقضاء فرع كونِ الصَّومِ واجبَ الأداء، فالحديثُ حُجَّةٌ لنا لا علينا كما توَهَّمَه العَسْقَلانيُّ.
ولعل هذا هو الوَجْهُ للتَّفرقَةِ بينَ صيامِ الفَرْضِ حالَ الأَداءِ، وبينَه حالَ القَضاءِ، وأما صوم التطوع فتجزى نيته من النَّهارِ اتفاقاً.
الجزء 1 · صفحة 38
وأعْرَبَ العَسْقَلانِيُّ حيثُ قالَ: أَبْعَدَ الطَّحاوِيُّ في تفريقه بينَ صَومِ الفَرْضِ إِذا كان في يوم بعينه كعاشُورَاءَ، فتُجزِئُ النِّيَّةُ في النَّهارِ أو لا في يومٍ بعينِهِ كَقَضاءِ رَمَضانَ فلا تُجزِئُ إلا بنيَّة من اللَّيلِ، انتهى.
غاية التحقيق ونهايةُ التَّدقيق، وبه يُجمَعُ بينَ هذا الحديثِ الدَّال على صحة صيام يوم عاشوراء بنيَّةٍ في النَّهارِ، وبينَ ما أَخْرَجَهُ أَصحابُ السُّنَنِ من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ عن أُختِه حَفْصَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «مَن لم يُبَيِّتِ الصِّيامَ من اللَّيلِ فلا صيام له»، هذا لفظ النسائي".
ولأبي داود والترمذي: «مَن لم يجمَعِ الصِّيامَ قبلَ الفَجْرِ فلا صيامَ له»، فإِنَّه مُطلَق فيُقيَّدُ بما سَبَقَ على غيرِ الفَرْضِ أداءً، وكذا على غيرِ النَّفْلِ اتَّفاقاً لِما تَقَرَّرَ في محله، وهذا على تسليم صِحَّةِ هذا الحديثِ، معَ أَنَّ الرُّواةَ اصْطَرَبُوا فِي رَفِعِهِ ووَقِفه. وقالَ الطَّحاوِيُّ: هذا حديث لا يرفَعُه الحُفَّاظُ الذين يَردُّونَ عَن ابْنِ شِهَابٍ، ويختلِفُونَ فيه اختلافاً يُوجِبُ اضطراب الحديثِ بما دونَه، فيَبطُلُ كلام إمام الحَرَمين بأنَّ كلامَ الطَّحاوِيِّ غَثُ لا أصل له.
هذا وقد قالَ المُحَقِّقُ ابنُ الهُمام: يجب تقديم ما رويناه؛ أي من الأحاديثِ الواردة في «الصَّحيحَينِ» على مَرْوِيه؛ أي الذي سَلَّمْنا صِحَّتَه، لقُوَّةِ ما في «الصَّحيحَينِ» بالنسبة إلى ما رواه بعد ما نقلنا فيه من الاختلافِ في صِحَّةِ رَفِعِه، فيلزَمُ كونُ المُرادِ به نفي الكمال في أمثاله، نحو: «لا وُضوءَ لِمَن لم يُسَمِّ»، وغيره كثيرُ. ولو تنزلنا إلى صحتِه وكونه لنَفْيِ الصِحَّةِ) وَجَبَ أَن يُخَصَّ عُمومه
الجزء 1 · صفحة 39
بما رويناه عندهم، وعندنا لو كانَ قَطعِيّاً خصَّ بعضُه، كيف وقد اجتمع فيه الظَّنّيةُ والتَّخصيص؟ إذ خُصَّ منه النَّفْلُ؛ أي: باتّفاق، فكما خَصُّوا منه النَّفْلَ بحديث عائشةَ، خَصَصْنا منه الفَرْضَ - أي: أداء ـ بحديثِ سَلَمَةَ بنِ ربيع وابنِ عُمَرَ وجابرِ بنِ سَلَمَةَ.
وممَّا يُؤَكِّدُ أَنَّه كان يوم عاشوراءَ فَرْضاً): ما رواه الشَّيخانِ عَنَّ الرُّبيعِ بنتِ مُعَوِّذ قالت: أرسل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم غَداةَ عاشوراءَ إِلى قُرَى الأنصار التي حول المدينة: مَن كانَ أصبحَ صائِماً فَلْيُتِمَّ صَومَه، ومَن كانَ أصبحَ مُفطِراً فَلْيُتِمَّ بقيَّةً يومه»، فكنَّا بعدَ ذلك نصومُه نُصَوِّمَه صبياننا الصغار منهم، ونذهَبُ إلى المسجدِ فَنَجعَلُ لهم اللعبَةَ من العِهْنِ، فإذا بكى أحدهم أعطيناه إيَّاه حتّى يكونَ عند الإفطار.
هذا وقد قالَ المُحقِّقُ الإمامُ ابنُ الهُمام في «شرح الهداية»: وكُونُ لفظ الأمرِ مشتركاً بين الصِّيغَةِ الطَّالبةِ نَدْباً وإيجاباً ممنوع، ولو سُلَّمَ فقول عائشةَ: فلمَّا فُرِضَ رمضانُ قال: من شاءَ إلى آخره؛ دليلٌ على أنَّه مُستَعمَل هنا في الصِّيغَةِ المُوجِبةِ للقَطْعِ بأنَّ التَّخيير ليس إلا باعتبارِ الوُجوبِ.
وكذا أمره من أكل بالإمساك، فإنَّ الأمر بالإمساك بقيَّةَ اليوم لم يَرِدْ في الشَّرعِ إلا في صومِ الفَرْضِ، كما يُؤمَرُ بالإمساكِ مَن قَدِمَ من سَفَرٍ في رمضانَ نَهاراً، ومَن أفطر في يوم الشَّكُ ثم رأى الهلال.
ثمَّ بعدَ إِثباتِ وُجوبِ صَومِ يوم عاشوراءَ يُستَنبَطُ من الحديثِ جَوازُ نَيَّةِ صَومِ الفَرْض بالنَّهارِ، فَقَولُ مَن لم يقل بوجوب صوم يوم عاشوراة لم يضُرَّنا.
الجزء 1 · صفحة 40
وأما ما في البخاري عن حُمَيدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ: أَنَّه سمعَ مُعاوية بن أبي سفيان يوم عاشوراء عام حج على المنبر يقولُ: يا أهل المدينة أينَ عُلماؤُكُم؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائِمٌ، فمَن شاءَ فَلْيَصُمْ، وَمَن شَاءَ فَليُفطِرْ».
فالجواب ما ذكره ابن الهمام من أن معاوية من مُسلِمَةِ الفَتح، فإن كانَ سمع هذا بعد إسلامه، فإنَّما يكون سمعه سنة تسع أو عشر، فيكون ذلك بعد نسخه بإيجاب رمضان، ويكون المعنَى: لم يُفرَضْ بعد إيجابٍ رَمضانَ جَمعاً بينه وبينَ الأدِلَّةِ الصَّريحة في وُجوبِه، وإن كانَ سَمِعَه قبله فيجوز كونه قبل افتراضه انتهى وقال العَسْقَلانِيُّ: قوله: أينَ عُلماؤُكم؟ في سياق هذه القِصَّةِ مُشعِرٌ بأَنَّ مُعاوية لم ير لهم اهتماماً بصيام عاشوراء، فلذلك سأل عن عُلمائهم، أو بلَغَه عمن يكرَهُ صِيامَه، أو يُوجِبُهُ.
و حاصله ما قاله النَّووِيُّ: من أنَّه أرادَ إعلامهم أَنَّه ليس بواجب، ولا مُحرَّم، ولا مكروه، وخَطَبَ في ذلك الجمع العظيم، ولم يُنكر عليه)، انتهى.
وزبدَةُ المَرامِ: أَنَّه لم يكتبِ الله عليكُم صِيامَه على الدَّوامِ، وأنه لم يدخل في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: ???]، ويُؤيده قولُ ابنِ عباس في المُسلِمِ: لَمَّا فُرِضَ رمضان تُرِكَ عاشوراء، مع العلم بأنه ما تُرِكَ استحبابه، بل هو باق، فدل على أنَّ المتروكَ وُجوبه.
الجزء 1 · صفحة 41
وأما قولُ بعض الشَّافعيّةِ: المتروك تأكد استحبابه، والباقي مُطلَقُ استحبابه؛ فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه باق، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به، حتَّى قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في عامِ وَفاتِه: «لَئِنْ عِشتُ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ»، وحتَّى رَغَبَ في صومه بأَنَّه يُكَفِّرُ سنةً، كما رَغَبَ في صوم يومٍ عَرَفَةَ بقوله: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ والمُستَقبَلَةَ»، رَواهُ مُسلِمٌ، فأيُّ تأكيد أبلَغُ من هذا؟! واللهُ سُبحانَه أَعلَمُ.
الحديث السادس:
قال حَدَّثنا المكي بن إبراهيم، حدثنا يَزيدُ، عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأكوعِ رضي الله عنه، قالَ: أَمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً من أَسْلَمَ أَنْ أَذُن في الناسِ: «أَنَّ مِن كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُم بَقيَّة يومِهِ، ومن لم يكنْ أكل فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ اليَوْمَ يَوْمُ عاشوراء] (1).
(السَّادِسُ) وهو في مَعنَى الخامِس، (قال) البُخارِيُّ: (حَدَّثَنَا المَكَّيُّ بنُ إِبْراهِيمَ ثنا) أي: قالَ: حَدَّثنا يزيدُ) وزادَ أبو ذَرٍّ لفظ (ابنُ أبي عُبَيد)، وفي نُسخةٍ: (هو ابنُ أبي عبيد)، وفي أُخرى: (عن يزيد بن أبي عبيد) (عن سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ رجلاً من أَسْلَمَ) هو بلفظ (أَفعَلِ) التَّفضيلِ، قَبيلةٌ من قبائلِ العَرَبِ، (أَنْ أَذُنْ فِي النَّاسِ) أي: أوقع الإعلام فيهِم، (أن) بالوَجهَينِ السَّابِقَينِ (2) (مَن كانَ أكل) أي: قبل الإعلام في أول يومه، وفي معنَى الأكل شُربه ونَحوُه (فَلْيَصُمْ) أي: فَلْيُمْسِكْ (بقيَّةَ يومه)، أي حُرْمَةً للوقتِ، ولعَدَمِ المُخالفة للجماعةِ بحَسَبِ الصُّورةِ. وأما ما رَواهُ ابنُ الهُمامِ في تَحريرِه بلفظ: «مَن أَكَلَ فَلا يَأْكُلْ بِقيَّةَ يَومِهِ» فَلَعَلَّه نَقَلَ بالمعنى، أو ظَفَرَ برِوايةٍ في هذا المَبْنَى.
الجزء 1 · صفحة 42
ومَن لم يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ) أي: حقيقةً بأن يَنوِيه، ولعل الوقت كان قبل الضّحوة، فإنَّ اليوم يوم عاشوراء) أي: وقد وَجَبَ على النَّاسِ عُموماً.
(أخرجه) أي: البُخارِيُّ وكذا مُسلِمٌ (في بابِ صِيام يوم عاشوراء)، فالتَّكْرارُ باعتبار استنباط الحُكمَينِ معَ مُخالَفَةٍ لتغير في الإسنادِ، فإِنَّ شيخه في الحديثِ الأَوَّلِ أبو عاصم، وفي هذا الحديثِ مَكَّيُّ بنُ إبراهيمَ مَعَ زِيادةِ الفائدة في المَتنِ. وعن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه: أَنَّه أرسل إلى الحارِثِ بنِ هِشَامٍ أَنَّ غَداً يوم عاشوراء فَصُمْ وأَمرُ أهلَكَ أن يصوموا. رواه مالك وابنُ جَرِيرٍ.
وعن كُرَيبِ بنِ سَعدٍ قال سمعتُ عمر بن الخطَّابِ يقولُ: إِنَّ الله لا يَسأَلُكُم يوم القيامة إلا عن صيام رمضان، وصيام يومِ الزِّينة، يعني يوم عاشوراء.
رَواهُ ابنُ مَردويه. وعن أبي هريرةَ مرفوعاً: «صُومُوا يومَ عاشوراء، يوم كانتِ الأنبياءُ تَصومه
فصُومُوهُ أنتم». رَواهُ ابنُ أَبي شَيْبَةَ.
وعنه مرفوعاً: «عاشوراءُ عِيْدُ نَبِيٍّ كان قبلكم فصُومُوه أنتم». رَواهُ البَزَّارُ. وعن ابن عمر مرفوعاً: مَن صام يومَ الزِّينة أدرك ما فاته من صيامِ السَّنة»، يعني يوم عاشوراء. رَواهُ الدِّيلَمِيُّ (ه).
وعن سعيد بنِ زَيدِ مرفوعاً: «إنَّ نُوحاً عليه السَّلامُ هَبَطَ من السَّفينة على الجُودِيّ يوم عاشوراء، فصام نوح وأمَرَ مَن معه بصامه شُكر الله، وفي يومِ عاشوراء تابَ الله على آدم عليه السَّلامُ، وعلى أهل مدينة يونس عليه السَّلام، وفيه خُلِقَ البَحرُ لبني إسرائيل، وفيه وُلِدَ إبراهيم وابن مريم عليهما السلام. رواه أبو الشيخ في «النواب».
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ ما اشتهر من الأفعالِ العَشَرَةِ في يوم عاشوراء)، فلا يصح منها إلا الصَّومُ والتَّوسِعَةُ والكُحْلُ والصَّدقَةُ.
الجزء 1 · صفحة 43
فعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرو قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَن صام يومَ الزِّينَةِ أدركَ ما فاته من صيام تلك السَّنةِ، ومَن تصَدَّقَ يومَئِذٍ بصَدَقة أدرَكَ ما فاته من صَدَقَةِ تلكَ السَّنَةِ». يعني يوم عاشوراء. رواه ابنُ المُنذِرِ.
وعن جابر مرفوعاً: مَن وَسَّعَ على نفسه وأهله يوم عاشوراءَ وَسَّعَ اللهُ عليه سائرَ سَنَتِهِ». رَواهُ ابنُ عبدِ البَرِّ في «الاستذكار».
وعن ابنِ مسعودٍ مَرفوعاً: «مَن وَسَّعَ على عِيالِه يومَ عاشوراء لم يَزَلْ فِي سَعَةٍ سائر سنيه». رواه الطبراني.
وعن أبي سعيد مرفوعاً: مَن وَسَّعَ على عياله في يوم عاشوراء وَسَّعَ الله عليه في سَتَتِه كلها». رواه الطبراني في الأوسط»، والبيهقي.
وعن ابن عباس مرفوعاً: «مَن اكتَحَلَ بالإثمِدِ يوم عاشوراء لم يرَ رَمَداً أبداً». رَواهُ البَيْهَقِيُّ.
وقال أبو القاسمِ الأصبَهَانِيُّ في الترغيب والترهيب»: عن قيس بنِ عُبَادِ،
بلَغَني أنَّ الوَحشَ كانت تصوم يوم عاشوراء.
وقالَ الفَتحُ بنُ شخرف وكانَ من الزَّاهدين: كنتُ أُفُتُ للنَّمْلِ خُبزاً في كلِّ
يوم، في، فإذا كانَ يوم عاشوراء لم يأكُله. والله أعلَمُ.
الحديث السابع:
حدثنا المكي بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي عُبَيْدِ، عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أُتي بجنازة فقالوا: صَلّ عليها، فقال: «هل عليه دين»؟ قالوا: لا، قال: فهل ترك شيئاً»؟ قالوا: لا، فصلى عليه. ثم أُتيَ بجنازة أخرى، فقالوا: يا رسول الله صلّ عليها، قال: «هل عليه دين»؟
الجزء 1 · صفحة 44
قيل: نعم، قال: فهل ترك شيئاً»؟ قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليها. م أُتي بالثالثة، فقالوا: صلى عليها، قال: هل ترك شيئاً»؟ قالوا: لا، قال: «فهل عليه دين»؟ قالوا: ثلاثة دنانير قال: «صلوا على صاحبكم». قال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله، وعلي دينه. فصلّى عليه]). (السَّابِعُ) قالَ البُخارِيُّ: حَدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، ثَنا) أي: قالَ حَدَّثَنَا (يَزِيدُ بنُ أبي عُبَيد، عن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، قالَ: كُنَّا جُلوساً) أي: جَالِسينَ (عنده) في المسجد كما صُرِّحَ به في بعض الرِّواياتِ، (إذ أُتِيَ) بصيغة المفعول؛ أي: جِيءَ (بجنازة) بكسر الجيم وفتحها، لُغَتانِ والكَسرُ هو الأفصَحُ على ما صَرَّحَ به ابنُ قتيبة وجماعةٌ من أهل اللغة)، والمُراد به الميِّتُ، وبالفَتحِ السَّرِيرُ لا غير، كذا قيلَ، ذات يوم،
وقيلَ: إنَّه بالفتح الميِّتُ وبالكسرِ السَّرير، وهذا هو الأظهَرُ لِمُوافَقَتِهِ الوُجودَ. فتدَبَّر. (فقالوا) أي: أصحابُ الجِنازَةِ له عليه السَّلامُ: (صَلّ عليها) ثم لم يُعرف اسم هذا الميّت، إلا أنَّه كانَ أنصارِيَّاً؛ لِما رواه الحاكم من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري قال: ماتَ رَجُلٌ منَّا، فَغَسَّلنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ وحَنَّطناهُ ووَضَعْناهُ حيثُ تُوضَعُ الجنائِزُ عندَ مَقامِ جبريل، ثمَّ آذَنَّا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم به.
ولعلَّ المُرادَ بِمَقامِ جِبريل ما أشار إليه السَّيِّدُ السَّمهودِيُّ في «تاريخ المدينة» في قِصَّةِ بني قريظة نقلاً عن «الاكتفاء»: أنَّ جبريل عليه السَّلامُ أتى في ذلك اليوم على فَرَسٍ وعليه اللَّأَمَةُ حَتَّى وَقَفَ ببابِ المسجدِ عندَ مَوضِعِ الجَنائِزِ، وَأَنَّهُ عَلَى وَجْهِ جبريلَ لَأَثَرُ الغُبارِ، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 45
فلذلك يُسمَّى البابُ بابَ جِبريلَ؛ إذ لم يكُنْ حينئذ للمسجدِ باب في ناحية الجنائز غيره، وفيه دَلالة على أنَّ المُختارَ عَدَمُ إدخال الجنازة في المسجدِ النَّبوِيِّ وأمثاله من المساجد الموضوعَةِ لصلاةِ الجَماعةِ والجُمُعَةِ.
وما وَقَعَ نادِراً أَنَّه عليه السَّلامُ صلَّى على جنازة في المسجدِ فَلَعَلَّه كَانَ بِعُشْرٍ، أو عدَّى ما أُدخِلَ فى المسجد مسجداً، وأمَّا المسجد الحرام فمُستَثنَى؛ لأنَّه موضوع تتمة لأنواع الصَّلواتِ بأسرها، من الجُمُعةِ والجماعةِ والعيدين والاستسقاء والجَنازَةِ. وقد رأيتُ في الدُّرِّ المَنشور أنَّه صُلِّيَ على آدم عليه السَّلامُ عند باب البيت الحرام.
(فقال: هل عليه) أي: على الميَّتِ (دَين؟)؛ أي: من حقوقِ العِبادِ ولو يَسيراً، (قالوا: لا) أي: لا دَينَ عليه مُطلَقاً، قال: فهل ترك شيئاً؟ قالوا: لا)، فإن قيل: ما فائدة هذا السؤالِ عندَ الصَّلاةِ عليه بعد العِلمِ بأنَّه لا دَينَ عليه؟ أُجِيبَ بِأَنَّه يَحتَمِلُ أَنَّه لو ترك شيئاً لزادَ عليه السَّلامُ في الاستغفارِ له والدُّعاءِ بما يُسَهِّلُ حِسابه (فصلَّى عليه). وعندَ الدَّارَ قُطني من حديث عليّ كرَّمَ اللهُ وجهَه قالَ: كَانَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أُتِيَ بجنازة لم يسأل عن شيءٍ من عَمَلِه؛ أي: ليَتَبَيَّنَ أَنَّه بَر أَو فاجِرٌ، وسأل عن دينه؛ ـ أي: للاهتمام بأمره، فإن قيل: عليه دين كف ـ أي: امتنع ـ عنِ الصَّلاةِ عليه، وإن قيل: ليسَ عليه دين صلى عليه.
وعند البخاري من حديث أبي هريرة قالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُؤْتَى بالرَّجُلِ المُتوَفَّى عليه الدَّينُ، فيسأَلُ: «هل تَرَكَ لدَينِه قضاء»، فإِن حُدِّثَ أَنَّه تَرَكَ لدَينِه قَضاءً صلَّى عليه، وإلا قال للمُسلمين: «صلوا على صاحبكم.
الجزء 1 · صفحة 46
وبيَّنَ في «البُخارِيِّ أَنَّه ترَكَ ذلك السُّؤال لما فتح الله عليه الفُتوحَ، يعني أنَّه كان يقضي دَينَه من بيتِ المالِ فكانَ امتِناعُه عليه السَّلامُ من الصَّلاةِ عليه أوَّلاً تحذيراً من الدِّينِ، وزَجْراً عن المُماطَلَةِ، وحِفْظاً لشَفاعَتِهِ أَن تَتَوَقَّفَ عن وقتِ حاجتِه إلى أداءِ دَينِه أَو رِضاءِ خَصْمِه. ثمَّ أُتِيَ بجنازةٍ أُخرى، فقالوا: يا رسولَ اللهِ؛ صَلّ عليها) أي: على الجنازة، المُراد بها الميِّتُ أعم من أنَّه رَجُلٌ أو امرأة، قال: هل عليه دين؟ قيل: نعم، قال: فهل ترَكَ شيئاً؟) أي: لوفاءِ دَينه، (قالوا: ثلاثة دنانير) أي: تَرَكَها (فصلى) أي: عليها، كما في نُسخةٍ.
والظَّاهِرُ أنَّ تلكَ الدَّنانير كانت وافيةً لدينه، ولذا صلى عليه، وللحاكم من حديث جابر: ديناران، وعندَ الطَّبَراني من حديثِ أسماء بنتِ يزيد: كانا دينارين وشَطْراً، وجَمَعَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ بينهما: بأنَّ مَن قالَ ثلاثةٌ جَبَرَ الكَسَرَ، ومن قالَ دينارين ألغاه، أو كانَ أصلهما ثلاثة فوفَّى قبل موته ديناراً، وبقي عليه دينارانِ، فمن قال ثلاثةٌ فباعتبارِ الأصل، ومَن قال دينارانِ فباعتبارِ ما بقي (4).
ثمَّ أُتِيَ بِالثَّالثَةِ) أي: بالجنازةِ الثَّالثة (فقالُوا) وفي نسخةٍ (قالوا): (صَلَّ عليها، قالَ: هل تَرَكَ شَيْئاً؟ قالوا: لا، قالَ: فَهَلْ عليهِ دَين؟ قالوا: ثلاثة دنانير) بالرفع؛ أي: نعم عليه ثلاثة دنانير (قال) أي: لأصحابِه صَلُّوا على صاحبكم)؛ أي: ممَّن يصحبكم في الإسلام ويتبعكم في الأحكام.
(قال أبو قَتَادَةَ) يعني: الحارِثَ بنَ رِبْعِيُّ الأنصاري، وهو من أكابر أصحابه عليه السَّلامُ، شَهِدَ معَه أُحُداً وما بعدها من المَشاهِدِ العِظامِ، وقال صلى الله عليه وسلم تعظيماً لشأنه في بعض الغَزَواتِ: «خير فُرسانِنا اليومَ أبو قتادَةَ».
الجزء 1 · صفحة 47
رَوَى مئة وسبعين حديثاً، مات سنة أربع وخمسين من الهجرة بالمدينة على الصحيح، وقيل: مات بالكوفة في خلافة عليّ، وهو ابن سبعين سنةً، وكانَ شَهِدَ معَه المشاهِدَ كلَّها، وصلَّى عليه عليّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ وكَبَّر عليه سَبْعاً، ذكرَه الشَّارِحُ مِيرَك شاه رحمه الله، وهو ممَّن غَلَبَت عليه كُنْيَتُه، ولم يُعرَفْ فِي الصَّحَابَةِ مَن كُنِّيَ بهذه الكنية غيره.
(صَلَّ عليه يا رسولَ اللهِ وعَلَيَّ دَينُه) أي: وهو دينارانِ على الأصح.
قال في «الفتح»: وفي رواية ابن ماجه من حديث أبي قتادة نفسه، فقال أبو قتادة: أنا أتكَفَّلُ به زادَ الحاكِمُ من حديث جابر فقال: «هُما عَلَيْكَ، وفي مالك والميت منهما بري؟» قال: نعم، فصلى عليه، فجَعَلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا لقي أبا قتادة يقولُ: «ما صَنَعَتِ الدِّينارانِ؟» حتّى كان آخر ذلك أن قال: قد قَضَيتُهما يا رسولَ اللهِ قالَ: «الآنَ أَبْرَدْتَ عليه جِلْدَه». وفيه دلالة لما ذهب إليه أبو حنيفة من أنَّ هذا كانَ وَعْداً لا كفالة حقيقيَّةً، فإنَّها تقتضي البَراءَةَ بالكُلَّيَّة.
وقد أجمع المسلمون على أنَّ قضاءَ الدِّينِ يسقُطُ من ذِمَّةِ المَيِّتِ ولو كان من أجنبي ومن غير تركته.
ووقع نحو هذه القِصَّةِ لعليّ كرَّمَ الله وجهَهُ، فَرَوَى الدَّارَ قُطنِيُّ من حديثه: أَنَّه أُتِيَ بجَنازَةٍ ليُصلِّيَ عليها، فلما قامَ ليُكَبِّر سأل: «هل عليه دين؟» فقالوا: دينارانِ، فعَدَلَ عنه، فقال عليّ، هما عليَّ يا رسولَ اللهِ، وهو بريءٌ منهما، فصلى عليه ثم قال لعَليّ: جَزَاكَ اللهُ خَيراً، وفَكَ اللهُ رِهانَكَ كما فَكَكْتَ رِهانَ أخيكَ».
قالَ الخَطَّابِيُّ: فيه أنَّ ضَمانَ الدِّينِ عن الميِّتِ يُبرِتُه إِذا كَانَ مَعلوما، سواءٌ خَلَّفَ الميت وفاء، أو لم يُخلّف.
الجزء 1 · صفحة 48
وقالَ ابنُ بَطَّالِ: ذهَبَ الجُمهورُ إلى صِحَّةِ هذه الكفالة، ولا رُجوع له في مالِ الميت، وعن مالك: له أن يرجع إن قالَ: إنَّما ضَمِنتُ لأرجِعَ، فإذا لم يكُنْ لِلمَيِّتِ مَالٌ وعَلِمَ الضَّامِنُ بذلك فلا رُجوع له.
وعن أبي حنيفة: إن تَرَكَ الميِّتُ وفاءً جازَ الضَّمانُ بِقَدْرِ ما تَرَكَ، وإن لم يترك وفاءً لم يصح ذلك. انتهى كلامُه وظَهَرَ مَرَامُه في أحسنِ عبارةٍ وأيمَنِ إِشارة، بخلافِ ما قال البيضاوِيُّ: الحديثُ حُجَّةٌ على أبي حنيفة، حيثُ قالَ: لا يصِحُ الضَّمانُ عن الميت إذا لم يترك الوفاء، وقد تصدى لجوابه العلامةُ الشُّمُنِّيُّ في «شرحِ النِّقايةِ مختصر الوقاية حيثُ قالَ: تَمَسَّكَ به أبو يوسف ومحمَّدٌ ومالك والشَّافِعِيُّ وأحمد أنَّه تصحُ الكَفالة عن ميّت لم يترك وفاء؛ فإنَّه لو لم تصح لما صلى عليه. وقال أبو حنيفة: لا تصح الكفالة عن ميت مُفلس؛ لأنَّها كَالة بين ساقط، وهي باطلة، والحديث يحتمل الإقرار عن كَفالة سابقة، ويحتمِلُ الوَعْدَ بالأداء عنه، وكأنَّ امتناعه من الصَّلاةِ ليُظهِرَ طريق قضاءِ دَينِهِ، فلمَّا ظَهَرَ بالوَعِدِ صلى عليه، انتهى.
ويُؤَيِّدُه ما قالَ القَسْطَلانِيُّ من أنَّ صلاته الا الله عليه وإن كانَ الدَّينُ باقياً في ذِمَّةِ الميت، لكنَّ صاحِبَ الحقِّ عادَ إِلى الرَّجاءِ بعد اليأس، واطْمَأَنَّ بِأَنَّ دَينَه صارَ في مَأْمَنٍ، فخَفَّ سَخَطُه وقَرُبَ من الرضا.
(أخرجه) أي: البُخارِيُّ (في كتابِ الحَوالَةِ في: باب) بالضم على الحِكاية، وبالجر على الإعراب، وفي نسخة بتنوينهما (إذا أَحالَ) أي: أَحَدٌ من غيرِ الوَرَثِةِ (دَينَ الميت على رَجُلٍ) أي مُعَيَّنِ (مَليءٍ جازَ) أي: جازَتِ الإحالة أو الحَوالَةُ.
الجزء 1 · صفحة 49
وهذا الحديث ذكرَه البُخارِيُّ في (بابِ الدَّينِ) ولفظه: عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُؤْتَى بالرَّجُلِ المُتوَفَّى عليه الدِّينُ، فَيَسأَلُ: «هل تَرَكَ لدَينِه قضاء؟»، فإن حُدِّثَ أَنَّه تَرَكَ لدَينِه وفاءً صلى، وإلا قال للمُسلمينَ: صَلُّوا على صاحِبكُم»، فلمَّا فَتَحَ اللهُ عليه الفتوحَ قالَ: «أنا أَوْلى بالمُؤمنين من أَنفُسِهم، فمَن تُوُفِّيَ من المؤمنين فتركَ دَيناً فعَلَيَّ قَضاؤُه، ومَن تَرَكَ مالاً فلِوَرَثَتِه» (4). وقد لخصَ القَسْطَلانِيُّ كلامَ العَسْقَلانِيُّ فيما يتعلق بهذا الحديث فقال: واستنبط منه التحريض على قضاءِ دَينِ الإنسان في حياته، والتَّوصُّل إلى البراءة منه، ولو بعد مماته، ولو لم يكُنْ أمرُ الدِّينِ شديداً في أمرِ الدِّينِ لَما تَرَكَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ الصلاة على المديون.
وهل كانت صلاته على المَديونِ حَراماً أو جائزَةٌ؟ وجهانِ، قالَ النَّووِيُّ: الصَّوابُ الجَزْمُ بجَوازِها معَ وُجودِ الضَّامنِ، كما في حديثِ مُسلِمٍ
أقولُ: والأَظْهَرُ أنَّ امتناعه كانَ بطَريقِ الجواز، بدليل تعليلِ ما تَقَدَّمَ، مَعَ أَنَّ ثُبوت الحُرْمَةِ لا بدَّ له من أحدِ الأَدِلَّةِ.
هذا وفي حديث ابن عباس عند الحازمي: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا امْتَنَعَ من الصَّلاةِ على من عليه دين جاءَ جِبريلُ فقالَ: إنَّمَا الظَّالِمُ في الديون التي كانت في البَغْيِ والإسراف، فأمَّا المُتَعَفِّفُ ذو العِيالِ فأنا ضامِنُ له أُؤَدِّي.
فصلى عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وقال بعد ذلك: مَن تَرَكَ ضَيَاعَاً» الحديث، انتهى
وفي رواية: «مَن تَرَكَ دَيناً أو ضَيَاعاً فَلْيَأْتِنِي، والضَّيَاعُ بفَتحِ المُعجَمةِ بعدها
تحتانية، قال الخطَّابِيُّ: هو وَصْفٌ لِمَن خَلَّفَ الميِّتُ بلفظ المصدر؛ أي: تَرَكَ ذوي ضَياع؛ أي: لا شيء لهم.
الجزء 1 · صفحة 50
قال في «الفتح»: وفي صَلاتِه عليه السَّلامُ على مَن عليه دين بعد أن فتح الفتوح (2) إشعار بأنَّه كان يقضيه من مال المصالح، وقيل: بل كان يقضيه من خالص نفسه، وهل كانَ القَضاءُ واجبا عليه أم لا؟ وجهان.
وأقولُ: الأظهَرُ الوُجوب، إلا أنَّه من بيتِ المالِ، فقد قالَ ابنُ بطَالِ: قوله: مَن تَرَكَ دَيناً فَعَلَيَّ ناسِ لتَركِهِ الصَّلاةَ على مَن مات وعليه دَين، وقوله: «فَعَلَيَّ قَضاؤُه» أي: ممَّا يُفيءُ الله عليه من الغنائم والصدقات، قال: وهكذا يلزَمُ المُتوَلّي لأمر المسلمينَ أنَّه يفعله لِمَن مات وعليه دين، فإن لم يفعَلْ فالإثم عليه إن كانَ حقُّ المَيِّتِ في بيتِ المالِ يفي بقَدْرِ ما عليه من الدين وإلا فبِقِسْطِه. والله تعالى أعلَمُ.
[الحديث الثامن:
حَدَّثنا أبو عاصم، عن يزيد بن أبي عُبَيْدِ، عن سَلَمَةَ بنِ الأكوع رضي الله عنه:
أنَّ النبيَّ أُتِيَ بَجَنَازَةٍ ليُصلَّي عليها، فقال: «هل عليه من دين»؟ قالوا: لا؛ فصلي عليه، ثم أُتيَ بجَنَازَةٍ أخرى، فقال: «هل عليه مِنْ دَينِ»؟ قالوا: نعم؛ قال: «فصلوا على صاحبكم قال أبو قتادة عَلَيَّ دَيْنُه يا رسول الله. فصلى عليه].
(الثامن) قالَ البُخارِيُّ: (حَدَّثَنا أبو عاصم، عن يزيدَ بنِ أَبِي عُبَيد، عن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، أُتِيَ بِجَنازَةِ ليُصَلِّيَ) أي: هو عليه السَّلامُ (عليها) أي: على تلكَ الجَنازَةِ؛ لأنَّ صلاته على أُمَّتِه كانت رحمةً وشَفاعةً ومَغفِرَةً وشَهادةً، ولأنَّه كانَ حَرِيصاً على الصَّلاةِ على كلِّ مَن تُوفِّيَ من أصحابه، حتَّى قال: «لا يَمُوتَنَّ أَحدٌ منكم إلا آذَنَنتُموني به؛ فإنَّ صلاتي عليه رحمة له».
(فقال: هل عليه) أي: على الميتُ من دَينِ؟) أي: شَيءٌ من الدين. وفي نُسخة (دين).
الجزء 1 · صفحة 51
(قالوا: لا، فصلى عليه، ثمَّ أُتِيَ بجَنازَةٍ أُخرَى) أي: ليُصلِّي عليها، كما في نُسخة، (فقال: هل عليه من دَينِ؟ قالوا: نعم) أي: عليه دين، كما في نُسخةٍ، وتقدَّمَ في الروايةِ السَّالفةِ أَنَّه ثلاثَةُ دنانير، أو دينارانِ، قالَ: صَلُّوا) وفي نُسخةٍ - وهي رواية أبي ذر -: (فَصَلُّوا) (على صاحِبِكُم، قال أبو قَتَادَةَ: عَليَّ دَينُه)، ولا بنِ ماجه: (أنا أتكَفَّلُ به) (يا رسولَ اللهِ، فصلى عليه).
(أخرَجَه) أي البُخارِيُّ في كتابِ الكَفالة في القَرْضِ) فما قال شارح:
إنَّه أخرجه في بابِ مَن تَكَفَّلَ عن ميتٍ دَيناً فليس له أن يرجع؛ لعله محمول على أنَّ البُخارِيَّ ذكرَه في المَحَلَّينِ.
ثم هذا طريق ثانٍ للحديثِ السَّابق لاختلاف في السَّنَدِ، وألفاظ المتن، واقتصر فيه على اثنين من الأمواتِ الثَّلاثةِ المذكورَةِ فِي الرِّوايةِ السَّابَقَةِ، فيُفهَمُ منه جواز اقتصار الحديث لأهله.
وفي قوله: صَلُّوا على صاحِبِكُم» دليل على أنَّ صلاةَ المَيِّتِ فَرْضُ كفاية؛ إذ لو كان فرضَ عَينٍ لَمَا تركَ الصَّلاةَ عليه.
وفي «مُوَطَّأ مالك عمَّن سأل أبا هُرَيْرَةَ: كيف تُصَلِّي على الجنازة؟ فقال أبو هريرةَ: أَنا لَعَمْرُ اللهِ أُخبِرُك، أَتْبَعُهَا من عند أهلها، فإذا وُضِعَتْ كَبَّرتُ وحمدت الله وصلَّيتُ على نبيه، ثم أقولُ: اللَّهُمَّ عَبدُكَ وابنُ عَبدِكَ وابنُ أمَتِكَ، كانَ يَشْهَدُ أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولُكَ، وأنتَ أعلَمُ اللَّهُمَّ إن كانَ مُحسناً فزِدْ في حَسَناتِه، وإن كانَ مُسيئاً فَتَجَاوَزْ عَن سَيِّئَاتِهِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنا أجره، ولا تَفتِنا بعده.
وهذا الحديثُ يُوافِقُ مَذهَبَ أَئِمَّتِنا من أنَّه يَحمَدُ بعد التكبيرةِ الأولى، ويُصلِّي على النَّبيِّ بعدَ الثَّانية، ويدعو بعدَ الثَّالثة، ويُسلَّمُ بعدَ الرَّابعة.
الجزء 1 · صفحة 52
والحَمدُ مُفَسَّرُ عندَنا: بسُبحانَكَ اللَّهُمَّ وبحمدِكَ ... إلى آخره، خلافاً للشَّافعيّةِ حيثُ قيَّدوه بسورة الفاتحة وجوباً، وعندنا لا رُكن في صلاة الجنازة إلا التكبيرات، والبقيَّةُ من قَبيلِ المُستَحَيَّاتِ.
وأما ما قال شارح: إنَّ بعض الحنفيَّةِ ذَكَروا أَنَّ الأَوْلى قراءة سورة الفاتحة بعدَ الثَّناءِ ولو على قَصْدِ الثَّنَاءِ خُروجاً من الخلاف؛ ففيه أنه بهذا القَصْدِ لم يخرج عن عُهدَتِه عنه عندهم (2)، بل قال بعضُهم: إنَّه لا تصح صلاته إلا باعتقادِ وُجوبِ قِراءَتِها. واللهُ أَعْلَمُ.
الحديث التاسع:
حَدَّثنا أبو عاصم الضَّحَّاك بن مَخْلَد، عن يزيد بن أبي عُبَيْدِ، عن سَلَمَةَ ابن الأكوع رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم رأى نيراناً توقد يومَ خَيْبَر، قال: «على ما توقد هذه النيران»؟ قالوا: على الحُمُر الإنسية قال: «اكسروها وأهرقوها».
قالوا: ألا نهريقُها ونغسلها؟، قال: اغسلوا.
(النَّاسِعُ) قالَ البُخارِيُّ: (حَدَّثَنا أبو عاصِمِ الضَّحَالُ بنُ مَخْلَدٍ، عن يزيد ابن أبي عبيد، عن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَع: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى نِيرانا) بكَسرِ أَوَّلِه جَمعُ (نار) والياءُ مُنقلبة عن الواو، (تُوقَد) بصيغة المَجهولِ مُخفّفاً (يومَ خَيْبَرَ) أي: يوم فتح خَيْبَرَ، على حَذْفِ المُصَافِ.
وسيأتي في الحديثِ السَّابِعَ عَشَرَ بلفظ: (يومَ فَتَحُوا خَيْبَرَ)، وفي بعض النُّسَخِ هنا (يوم فتح خَيْبَر)، وهي البلدة المعروفَةُ، على أربع مراحل من المدينةِ المُشَرَّفةِ إِلى جهةِ الشَّامِ، ذاتُ حُصون ومزارع، فهو ممنوع من الصرفِ للعَلَميَّةِ والتَّأْنيثِ. وكانت زَمَنَ النَّبِيِّ الله في أيدي جماعة من اليهودِ، فَفَتَحَها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على رَأسِ سبع سنين من الهجرة، وكانَ فتْحُها على يد علي رضي الله عنه، القِصَّةُ مشهورةٌ، وليس هنا موضِعُ بَسْطِها.
الجزء 1 · صفحة 53
(فقال: على ما تُوقَدُ) أي: فوقَ ما تُوقَدُ هذه النِّيرانُ؟) وهو بإثباتِ ألفِ (ما) الاستفهاميّة مع دخول الجار عليها، وهو قليل، وللأَصِيلي: (قال: علام) بحَذْفِ ألف (ما) الاستفهامية، ولأبي ذَرٍّ: (فَقالَ: عَلامَ) بفاءٍ قبل (قال) وحَذفِ أَلفِ (ما)، والمعنى: على أي شيءٍ تُوقَدُ هذه النيرانُ؟ (قالوا) أي: جماعة من المُخاطَبين المسؤولين، ولأبي ذر: (قال) أي: أحَدُهم أو رئيسهم: (على الحُمُرِ) بضَمِّ الحاءِ المُهملة والميم، جمع (حمارٍ)، ومنه قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ} [المدثر: 50]، وأمَّا «الحُمْرُ» بضَمِّ فسكون فهو جَمْعُ (أحمَرَ)، كـ (سُوْدٍ) جَمْعُ (أسوَدَ)، وتكلَّفَ الشَّارِحُ في قوله: والتَّقدير على طَبْحِ الحُمُرِ. (الإنسيَّة) احترازاً من الحُمُرِ الوَحْشِيَّةِ، وهي بكسر الهمزة وسكونِ النُّونِ نسبةً إلى (الإنس)، وهم بنو آدم، وقيل: بضَمِّ الهمزة نسبةً إلى (الأُنس) ضِدُّ الوَحشَةِ. ويُروَى بفتحِ الهمَزَةِ والنُّونِ، نِسبةً إلى (الأَنْسِ) مَصْدَرُ (أَنِسْتُ)، كذا ذكرَ في «النهاية. لكِنْ تعَقَّبَه القاضي عياض حيثُ قال: وأكثر رواياتِ الشُّيوخ بفتحتين،
وزَعَمَ ابن الأثير أنَّ في كلام أبي مُوسَى المَديني ما يقتضي أنَّه بالضَّمِّ فالسكونِ؛ لقوله: (الأُنْسِيَّةِ) هي التي تألفُ البُيوتَ، والأُنسُ ضِدُّ الوَحْشَةِ، ولا حُجَّةَ له في ذلك؛ لأنَّ أبا موسى إنَّما قالَ بفتحتين.
وقد صرَّحَ الجوهَرِيُّ أَنَّ (الأَنسَ) بفتحتين ضِدُّ الوَحشة، ولم يقع في شيءٍ من رواياتِ الحديثِ بضَمِّ وسُكون، معَ احتمالِ جوازه. نعم زَيَّفَ أبو مُوسَى الرّوايةَ بكَسْرِ أَوَّلِه ثمَّ السُّكون، فقالَ ابنُ الأَثير: إِن أَرادَ من جهَةِ الرّواية فعسى، وإلا فهو ثابِتُ في اللَّغةِ.
الجزء 1 · صفحة 54
هذا وقد وَقَعَ في حديث أبي ثَعلبة وغيره: (الأهلِيَّة) بدلَ الإِنسِيَّةِ). (قال) أي: النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (اكسرُوها) بكسرِ السِّينِ؛ أي: الظُّروف أو القُدورَ التي تُطبخ فيها الحُمُرُ، كما يدل عليه سياق الكلام، والأمر بكسرها للزَّجِرِ والمُبالغة في تحريم تلك اللحوم، فلمَّا التمسوا غَسْلَها لِما في كَسْرِها من إتلافِ مالٍ وتَضييع حالٍ جُوزَ غَسْلُها.
قال الفقهاء: إذا كانت الأوعية التي فيها الشيء النَّجِسُ بحيثُ يُمكنُ أن يُراق ما فيها وإذا غُسِلَتْ طَهُرَتْ وانتفع بها لم يجز إتلافها، وإن لم يكن كذلك جاز كسرها.
وأَهْرِيقُوها أي وصُبُّوها، والواوُ لمُطلَقِ الجمع، وهو بفتح الهمزة وسكون الهاء لا غير، ففي «الصَّحاحِ» أنَّه أمر من باب الإفعال بزيادة الهاء بدلاً عن حركة عين الفعل، أي: أصله: أَرْيَقَ يُريقُ، وقيل: أَرْوَقَ يُرْوِقُ، فَجُبِرَ ما لحقه من التغيير بزيادة الهاء، نحو: أَسْطَاعَ بفَتح الهمزَةِ يُسطِيعُ بضَمِّ أَوَّلِه، من أَطَاعَ يُطِيعُ، بزيادةِ السِّينِ بَدَلاً عن الحركة.
وتوضيحه ما قاله الطَّيبِيُّ من أَنَّ أَهْرَاقَ يُهْرِيقُ بسكون الهاء، نحوُ أَسْطَاعَ يُسْطِيْعُ، فأبدلت الهمزة هاءَ ثُمَّ جُعِلَت عِوَضاً عن حركة العين، فصارَتْ كأَنَّها من نفس الكلمة، ثمَّ أُدخلت عليه الهمزة.
وأظهَرُ منه ما قال صاحِبُ النّهايةِ مِنْ أَنَّ الهاء في (هَرَاقَ) بدل من همزة (أراق)، يُقالُ: أَرَاقَ الماءَ يُرِيقه إراقة، وهرافه يُهْرِيقُه بفتح الهاء هراقة ويُقالُ فيه: أَهْرَقْتُ الماءَ أُهْرِقُه إِهْرَاقاً، فيُجمَعُ بينَ البَدَلِ والمُبْدَلِ، انتهى. ولا يخفى أنَّه يُستفاد منه أنَّ الأمر لا يكون إلا بسكون الهاء، وأمَّا المُضارع فيَجوزُ في هائه السُّكونُ والفَتحُ.
الجزء 1 · صفحة 55
هذا ولأبي ذَرِّ (وهَرِيقُوها) بحذفِ الهمزة وزيادةِ مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ قبل القافِ والهاء مفتوحة، كذا نقله شارحٌ، وهو يُوهِمُ أنَّ زيادةَ المُثنَّاةِ مُختَصَّةٌ بهذه الرواية دونَ الرّواية الأولى، وليس كذلك، فما وَقَعَ في أصله من زيادة الهمزةِ وحَذْفِ المُثَنَّاةِ مُخالِفٌ للرواية والدراية.
وأما ما نقله عن ابن حَجَرٍ المَكِّي في شرح الشمائل من أن (أهرا) بفتح الهاء وسكونها من الإراقة، فالهاء زائِدَةً؛ فغير صحيح سكونها، لما تقَدَّمَ من كلام أهل اللغة.
ثمَّ قولُ ابنِ حَجَرٍ: وفيه لُغَةٌ أُخرَى هَرَاقَ المَاءَ يُهرَيقُه بفتح الهاء، والهاء حينئذ بدل من الهمزة، وعلى الأولى لغتان (نُهَرِيقُ ونُهْرِيقُ) فغيرُ مُستقيم، بل هو تلفيق بينَ اللُّغَتَينِ، فإنَّ (نهريق) بفتح الهاء: مُضارع (هراق)، وبسكونُها: مضارعُ (أهرَاقُ) بزيادة الهمزة.
(قالُوا) أي: الصَّحابَةُ مُستَفهمين: (أَلا نُهَرِيقُها؟) أي: من غيرِ كَسرِها، وتقييد شارح ضَمِّ النُّونِ وفتح الهاء واقتصارُه عليه يُوهِمُ أَنَّه لا يجوزُ سكون الهاء، وليسَ كذلك لما سبَقَ من أنَّ في (نُهريقُ لغتانِ: فَتحُ الهاء على أَنَّهَا عِوَضٌ عن الهمزة وحينئذ ماضيه (هراقَ)، وسكون الهاء على أنَّها زائدة وماضيه (أَهْراقَ).
الجزء 1 · صفحة 56
(ونَغسِلُها) أي: وأَلا نَغْسِلُها من غَيرِ كسر لها؟ (قال: اغسلوا) أي: اغسلوا القُدُورَ، والمَعنَى: اكتفوا بغَسْلِها إذا أمكَنَ غَسلها، وفيه ردُّ على مَن زَعَمَ أَنَّ دِنانَ الخمر لا سبيل إلى تطهيرها؛ فإنَّ الذي دَخَلَ القُدورَ من الماء الذي طُبِخَت به الحُمُرُ يُطَهِّرُه الغَسْلُ، وقد أَذِنَ صلى الله عليه وسلم في غَسْلِها، وقد دَلَّ على إمكان تطهيرها. وفي هذا إشعار إلى أنَّ الحُمُرَ كانت ميتةً، وإلا فالمذبوحَةُ منها طَاهِرَةٌ عِندَ الحنفيّة؛ لِما تقَرَّرَ في محله من الأدلَّةِ، لكنْ يُشكل بما وَقَعَ في حديث عبدِ اللهِ بنِ أبي أَوْفَى قالَ: أَصَابَتْنا مَجاعَةٌ ليالي خَيْبَرَ، فلمَّا كانَ يومُ خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الحُمُرِ الإِنسِيَّةِ فانتَحَرْناها الحديث.
وفي حديث أنس قالَ: لمَّا كانَ يومُ خَيبرَ جَاءَ جاء فقال: يا رسولَ اللهِ، أُفْنَيَتِ الحُمُرُ، فأمر أبا طَلحَةَ فنادَى. الحديث.
وفي حديث أبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيٌّ قالَ: غَزَوْتُ معَ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ والنَّاسُ جياع، فأصَبْنا بها حُمُراً إِنسيَّةً، فَذَبَحْناها، فأُخبِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَ عِبدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍفنادى. الحديث.
الجزء 1 · صفحة 57
هذا ورُوِيَ: أَنَّ عِدَّةَ الحُمُرِ التي ذَبحوها كانت عشرين أو ثلاثين على الشَّكِّ. وفيه إشكالٌ آخَرُ: وهو أنَّ المَجاعَةَ تُبيحُ أكل الميتة، فكيفَ أَكْلَ الحُمُرِ الذَّبيحةِ؟ ولعله لم تكُنِ المَجاعَةُ بهذه المَثابة، ولهذا زَجَرَهُم صلى الله عليه وسلم عن إتلافِ المالِ، وَأَمَرَهُم بكَسرِ القُدُور تغليظاً عليهم، وتنبيهاً لهم أنَّ ذَبْحَ الحُمُرِ من غيرِ ضَرورةٍ كَكَسرِ القُدورِ من غير حاجة، فلما تنبهوا لهذا المبنى وتنزلوا في هذا المعنى، واستأذنوا بالاكتفاء في غَسْلِ الإناءِ، أَذِنَ لهم بأَهْوَنِ الأشياء، فاندَفَعَ كلُّ من الإشكال، والله أعلَمُ بالأحوال. وقال الكَرْمَانِيُّ: فإِن قُلتَ: لِمَ خَالَفوا أمرَ رسولِ اللهِ؟ قلتُ فَهِمُوا بالقرائن أنَّ الأمر ليس للإيجاب.
فإن قلت: فكيفَ رَجَعَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن الأمر الجازِمِ إلى الترديد بينَ الكسر والغَسْلِ المَفهومِ من قوله في روايةٍ أُخرَى: فقال رجلٌ: يَا رَسولُ اللهِ! أو نُهرِيقُها ونَغْسِلُها، قال: أو ذاكَ؟.
قالَ ابنُ الجَوْزِيّ: أرادَ التَّغليظ في طَبْخِهِم ما نهى عن أَكْلِه، فلما رأى إِذْعانَهم اقتَصَرَ على غَسْل الأواني، انتهى. ولعَلَّه أُوحِيَ إليه بذلك، أو تغيَّر اجتهاده هنالك، واليومَ قد نُسِخَ الكَسْرُ بالاتفاقِ.
والمذاهب الأربعة على حرمة لحمِ الحِمارِ خلافا للشيعة، ويُؤْخَذُ من التَّقييد بالإنسِيَّةِ حِلَّيَّةُ الحُمُرِ الوَحْشِيَّة، ولا أعلَمُ خِلافاً لأحدٍ في هذه القضيَّة، وسيأتي زيادة بيان لهذه المسألة في الحديثِ السَّابِعَ عَشَرَ.
الجزء 1 · صفحة 58
(أخرجه) أي: البُخارِيُّ (في أبوابِ المَظَالِمِ والغَصْبِ في بابِ ضُبِطَ بالأوجُهِ الثَّلاثةِ، والأَوجَهُ هو الجرُّ، (هل تُكْسَر) بالتأنيثِ والتذكير (الدِّنَانُ) بكَسْرِ أَوَّلِهِ؛ أي: الظروف التي فيها خَمْرٌ)، ووَقَعَ في بعض النُّسَخِ هنا زيادة، وقد اعتمد عليها الشَّارِحُ، وهي قوله: (قال أبو عبد الله: كانَ ابن أبي أُوَيس يقول: الأنسيَّةُ، بنَصبِ الأَلفِ والنُّونِ)، انتهى.
والمعنى بفتح الهمزةِ والنُّونِ، فإنَّ الألف تُطلق على الهمزة أيضاً، والنَّصبُ والفَتحُ يتعاوَرانِ، قالَ الشَّارِحُ: قائِلُ هذا الكلام هو البخاري، وكانَ كثيراً ما يُعبر عن نفسه في كتاب الصحيح وكذا في سائرِ الكُتُبِ بكنيته. والمراد بابن أبي أُوَيس: إسماعيل بن أبي أُوَيس شيخه، والمقصودُ: أَنَّ شيخه إسماعيل يقول في هذا الحديث: إِنَّ الحُمُرَ الأَنْسِيَّةَ بفتح الأَلفِ والنُّونِ خلاف ما قاله
باقي شيوخه، والجمهورُ من العلماء من أنَّ الإِنْسِيَّةَ بكسر الهمزة وسكونِ النُّونِ. قالَ العَسْقَلانيُّ: يعني أَنَّها نسبةً إلى (الأنس) بفتحتين ضِدُّ الوَحشَةِ، والمشهور في الرّواياتِ كسر الهمزة وسُكونُ النُّونِ نِسبةً إلى (الإِنْسِ) أي: بني آدَمَ؛ لأنَّها تألفُهم، وهو ضِدُّ الوَحشِيَّةِ.
قال: والتعبير عن الفتح بالنَّصبِ، وعن الهمزة بالألف جائز عند المتقدمين، وإن كانَ الاصطلاح أخيراً قد استقر على خلافه، فلا تبادر إلى إنكاره، والله سُبحانَه أَعلَمُ.
حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حَدَّثني حميدٌ، أَنَّ أَنساً حَدَّثهم أن الرُّبَيَّعَ، وهي ابنةُ النَّضْرِ كَسَرَت ثَنِيَّة جاريةٍ، فطلبوا الأرشَ، وطلبوا العفو، فأبوا فأَتَوا فأمرهم بالقصاص.
الجزء 1 · صفحة 59
فقال أنس بن النضر: أنكسر ثنية الربيع يا رسول الله؟ لا والذي بعثك بالحق لا تُكْسَر ثنيتها، فقال: «يا أنسُ كتابُ اللهِ القصاص فرضي القومُ وعَفَوا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم «إنَّ من عبادِ اللهِ مَنْ لو أقسَمَ على الله لأبره»] (1).
(العاشِرُ) قالَ البُخارِيُّ: (حَدَّثَنا محمَّدُ بنُ عبدِ اللَّهِ) أي: المُثَنَّى بنِ عبدِ اللهِ بنِ أنس بن مالك (الأنصارِيُّ) أي: البَصْرِيُّ قاضيها سمِعَ أباه، وسُليمانَ التَّيمِيَّ، وحُميداً الطويل، ومالك بن دينار، وغيرهم، ورَوَى عنه أبو الوليد الطَّيَالِسِي، وقتيبة بن سعيد، وأحمدُ بنُ حَنبل، والبُخارِيُّ، والرَّازِيُّ، وغيرهم، من الأئمة الأعلام.
وَليَ القضاء بالبصرةِ أَيَّامَ الرَّشيدِ بعدَ مُعاذِ بنِ مُعاذ، وقَدِمَ بغدادَ فَوَلِيَ القَضَاءَ وحَدَّثَ بها، ثمَّ رَجَعَ إِلى البَصَرَةِ، ثقةٌ جليلٌ مُحتج به، من صغار أتباع التّابعين، وكانَ من أصحابِ زُفَرَ بنِ الهُذَيلِ وأبي يوسُفَ، مات سنة خمسَ عشرةَ ومئتين، ووُلِدَ في السَّنةِ التي وُلِدَ فيها عبدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ، وهي سنَةُ ثَمان عشرَةَ ومئةٍ، ورَوَى له باقي أصحابِ الكُتُبِ السِّتَّةِ.
(حَدَّثني) بصيغة الإفرادِ؛ أي: قالَ محمَّدٌ: حَدَّثني (حميدٌ) بضَمِّ الحاءِ وفتح الميم وسكون الياء، خُزَاعِيٌّ بَصرِيٌّ، اشتُهِرَ بالطَّويل، لطول في قامتِه، وقيلَ: لِقَصَرِه، وقيل: الطول في يديه وهو الأصحُ، قال الأصمعِيُّ: رأيتُ حُميداً ولم يكُن طويلاً، ولكن كان طويل اليدين، تابعي صغير، سَمِعَ أنس بن مالك، وُلِدَ سنةَ ثمانٍ وستين، ومات سنة ثمانٍ وأربعين ومئةٍ وهو قائمٌ يُصلِّي، وله خمس وسبعونَ سنةً.
الجزء 1 · صفحة 60
وكان كثير الحديثِ، واسِعَ الرِّوايةِ، رَوَى عنه حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، وابنُ المبارَكِ، وابنُ الأنصاري، وغيرهم، واتَّفَقوا على الاحتجاج به، معَ أَنَّهُ كانَ يُدَلِّسُ عن أنس في بعض ما رَوَى عنه، فإذا قالَ: سَمِعتُ وحَدَّثنا فهو في غاية الإتقان. ورُوِيَ عن شُعْبَةَ أَنَّه قال: لم يسمَعْ حُمَيدٌ عن أنس إلا أربعة وعشرين حديثاً، والباقي سمعها من ثابت عن أنس.
(أنا أنساً رضي الله عنه) هو ابنُ مالكِ بنِ النَّضْرِ، أبو حمْزَةَ الأَنصارِيُّ الخَزْرَجِيُّ، خادِمُ رسولِ اللهِ، خَدَمَه عشر سنين، وصَحَ أَنَّه قال: كناني رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَقْلة - يُقال لها حمزة - كنتُ أجتَنيها (1).
وثبت عنه أنه قال: جاءَت أُمِّي أُمُّ سُلَيم إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسولَ اللهِ! أَنَسٌ خادِمُك، فادع الله له، فقال: «اللَّهُمَّ أكثر مالَه ووَلَدَه وَأَطِلْ عُمرَه، قال أنس: فأكثَرَ اللهُ مالي حتّى إِنَّ لي كَرْماً يحمِلُ في السَّنةِ مَرَّتَيْنِ، ووُلِدَ لصلبي مئة وستة أولاد، وأنا أرجو الثالثة ـ يعني طول الحياة، كذا
قاله الشَّارِحُ والأَنسَبُ أَنَّ أَنساً قال: وأنا أرجو الثالثة، في رواية أنَّه عليه السَّلامُ قالَ: «اللَّهُمَّ أكثر مالَه ووَلَدَه وأَدخِلْهُ الجنَّةَ».
وقد ذكر بعض علماء الحديثِ أَنَّه عُمر حتَّى جاوَزَ المئة (2)، ومَروِيَّاتُه ألفا حديث ومئتان وستة وثمانون حديثاً، وتُوفِّيَ خارِجَ البَصَرَةِ، على نحوِ فَرسَخِ ونصف، ودُفِنَ هناك في مَوضِعِ يُعرَفُ بقَصْرِ أنسٍ، وهو آخِرُ مَن مات بالبصرة من الصحابة بالاتفاق. وعن ثابت قالَ: كنتُ معَ أنس فجاءَه قَهرمانه فقال: يا أبا حمزَةَ،
الجزء 1 · صفحة 61
عَطِشَت أرضنا، قال: فقامَ أنسٌ فَتَوَضَّأَ وخَرَجَ إِلى البَرِّيَّةِ، فَصَلَّى رَكَعَتَينِ ثُمَّ دعا، فرأيتُ السَّحابَ يلتَيْمُ، قال: ثمَّ مَطَرَتْ حَتَّى مَلأَتْ كُلَّ شَيءٍ، فَلَمَّا سَكَنَ المطرُ بعَثَ أنس بعض أهله وقال له: انظُرْ أينَ بلَغَتِ السَّماءُ؟ فَنَظَرَ لم يتعَدَّ أرضه إلا يسيراً، وذلك في الصيف.
(حَدَثَهم) أي: أَنَسٌ حُميداً ومَن كانَ حاضِراً معه في مجلس أنس حينئذ أنَّ الرُّبَيعَ) مفعولُ (حَدَّثَهم)، وهو بضَمِّ الرَّاءِ وفتح الموحدةِ وكسرِ التَّحتيَّةِ المُشدَّدة (بنتَ النَّضْرِ) وفي نُسخةٍ: (وهي بنتُ النَّصْرِ)، وفي نُسخةٍ صحيحة: ابنةُ النَّضْرِ)، وهو بالضَّادِ المُعجمة، وهو جَدُّ أنس بن مالك.
قال الشَّارِحُ هي بنتُ النَّضْرِ المذكور في نَسَبِ أنس، وأُختُ أنس بن النَّصْرِ المذكور في الحديثِ، وعَمَّةُ أنس بن مالك الراوي، وهي صحابيَّةٌ جليلة، وأخوها أنس بن النضر، من كبار الصحابة، استُشْهِدَ بأُحُدٍ.
الجزء 1 · صفحة 62
ففي «الصحيح عن أنس: أنَّ عمَّه غابَ عن قِتالِ بَدْرٍ فَقالَ: يا رسولَ اللَّهِ غِبْتُ أوَّلِ قتال قاتَلتَ فيه المُشركينَ، واللهِ لَئِنْ أَشْهَدَني اللهُ قتالَ المُشركين لَيَرَيَنَّ اللَّهُ ما أصنَعُ، فلمَّا كانَ يومُ أُحُدٍ انكشَفَ المُسلمونَ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعتَذِرُ إِليك ممَّا صَنَعَ هؤلاء، يعني المُسلمين، وأَبَرَأُ إليك ممَّا جاء به هؤلاء، يعني المُشركينَ، ثُمَّ تقدَّمَ فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: أي سعد، هذه الجنَّةُ ورَبِّ أَنسِ أَجِدُ ريحها دونَ أحدٍ، قال معاذ: فقَاتَلَ وما عَرَفتُ ما صَنَعَ، قال أنس: فَوَجَدناه يومَ أُحُدٍ بينَ القَتلى فيه بِضْعُ وثمانون جراحةً، من ضربة بسيف وطعنة برمح ورَمِيَةٍ بِسَهْم، قد مَتَّلُوا به فما عرفناه، حتَّى عَرَفَته أختُه ببنانه، قالَ: أنس فكُنَّا: نقولُ أَنزَلَت هذه الآية: {وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23]، فيه وأصحابه.
(كَسَرَتْ) أي: الرُّبَيَّعُ ثَنِيَّةَ جارية)، التَّنَيَّةُ واحدةُ الثَّنايا، وهي) الأسنانُ الأربعةُ التي في مُقَدَّمِ الفم، اثنانِ في الطَّرفِ الأعلى، واثنانِ في الطَّرفِ الأَسْفَلِ، والمُرادُ بالجارية: المرأةُ الشَّابَّةُ، لا الأَمَةُ ليُتَصَوَّرَ القِصاصُ بينهما.
(فططَلَبوا) أي: قَومُ الرُّبَيعِ من قَومِ الجارية (الأَرْشَ) أي: قبوله، وهو بفتح الهمزة وسُكونِ الرَّاءِ فشِينٌ مُعجَمةٌ، دِيَةُ الجِراحةِ، وطَلَبوا العَفْوَ) أي: عن قِصاصِها، ويَحْتَمِلُ أن يكون المعنى طَلَبَ أهل الربيع من أهلِ التِي كَسَرَت ثَنِيَّتَها أن تعفُو عن الكَسْرِ المذكورِ مجاناً، أو على مالِ للدِّيةِ، فالواو بمَعنَى (أو).
(فأبوا) أي: الأمرَينِ المذكورين، والمَعنَى: امْتَنَعَ قومُ الجَارِيَةِ فلم يَرضَوا بِأَخْذِ
الأَرْشِ ولا بالعَفْوِ عنها، ولم يقبلوا إلا القصاص.
الجزء 1 · صفحة 63
(فَأَتُوا النَّبي): أي: ورَفَعُوا القَضِيَّة إليه عليه السَّلامُ (فَأَمَرَهُم بالقِصاصِ) أي: بالمعاقبة على وَجهِ المُماثَلَةِ، بأن تُكسَرَ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ بَدَلَ ثَنِيَّةِ الجارية، (فَقالَ أَنسُ ابنُ النَّصْرِ) وهو أخو الرُّبَيعِ بنتِ النَّصْرِ المذكورة، وهو عَمَّ أَنس بن مالك: (أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الربيع يا رسولَ اللهِ؟ استفهام استبعاد؛ نظراً إلى اعتماده على رَبِّ العِبادِ في استجابة دعائه، حالَ تضرُّعِه وبُكائِه، ولهذا جَزَمَ بقوله: (لا) أي: لا تُكسَرُ ثَنِيَّتُها، ثمَّ أكَّد القضيَّةَ بالجُملةِ القَسَمِيَّةِ حيثُ قالَ: (والذي بعَثَكَ بالحقِّ لا تُكسَرُ ثَنِيَّتُها). قالَ العَسْقَلانيُّ: قد استُشكل إنكارُ أنسِ بنِ النَّضْرِ كَسْرَ سِنَّ الرُّبَيْعِ بعدَ حُكمِ
النبي صلى الله عليه وسلم بالقصاص، ثمَّ قَسَمُه على أنَّها لا تُكسَرُ. وأجيب: بأنه أشار بذلك إلى التأكيد على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي طَلَبِ الشَّفاعةِ إليهم أن يَعفُوا عنها، أو يأخُذوا الأَرْشَ.
وقيل: كانَ حَلَفَ قبل أن يعلَمَ أَنَّ القِصاصَ حَتمُ، فَظَنَّ أَنَّ التَّحْيِيرَ بينَهُ وبينَ الدِّيةِ أو العفو، ويُمكنُ أن يُقالَ: إنَّه لم يُرِدِ الإنكار المَحضَ والرَّدَّ الصَّريح، بل قالَه توقعاً ورَجاءً من فضلِ اللهِ ورَحمتِه أن يُلهِمَ الخُصومَ الرّضا حتى يَعفُوا أو يقبَلُوا الأَرْشَ.
وبهذا جَزَمَ الطَّيبيُّ فقال: لم يقُله ردَّاً للحكم، بل نفَى وُقوعَه لما كانَ له عندَ اللهِ من اللّطفِ به في أموره، والثّقة بفَضلِه وجُودِه أن لا يُخيَّبَ ظَنَّه فيما أرادَ، ولا يحنَتَ في حَلِفِه بأن يُلِهِمَهُم العَفْوَ، وقد وَقَعَ الأمرُ على ما أرادَ).
(فقال) أي: النَّبيُّ، ولأبي ذر والأصيلي وأبي الوقتِ (قال): (يا أنسُ كِتابُ اللهِ القِصاص).
الجزء 1 · صفحة 64
قال في «الفتح»: المشهورُ أَنَّهما مرفوعانِ على أَنَّهما مُبْتَدأً وخَبَرٌ؛ أي: حكم كتاب الله القصاص، على حذفِ المُضاف، أو المُراد بكتابِ اللهِ حُكمه، فقيل: أشار إلى قوله تعالى: {وَالسِّنَّ بِالسَنَ، في قوله تعالى {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فيها} [المائدة: 45]، بناءً على أنَّ شَرْعَ مَن قبلَنا شَرْع لنا، ما لم يرِدُ في شَرْعِنا ما يرفعه، وقيل: إلى قوله: {فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} [النحل: 126].
هذا وقيل: إِنَّهما منصوبانِ على الإغراء، أو القصاص بدل منه، القومُ) أي: قومُ الجارِيةِ بالدِّيةِ، وعَفَوا) أي: عن الرُّبَيع فتركوا القِصاص، فقالَ النَّبِيُّ: إِنَّ من عبادِ اللهِ مَن لو أقسَمَ على الله لأبره) أي: أبرَّ قَسَمَه، قيل: معناه لو سأل الله شيئاً وأقسم عليه أن يفعَلَهُ لفَعَلَه ولم يُخيِّبُ دَعوتَه، وقيل: معناه أَنَّه لو حَلَفَ أَنَّ اللَّهَ يفعله أو لا يفعَلُه لَصَدَّقَهُ اللهُ في يمينه وجعَلَه باراً فيها، وهذا أظهَرُ.
وفي الحديث دليل على جواز الحَلِفِ فيما يظُنُّ وُقوعَه، واستحبابِ العَفْوِ والشَّفاعة، وفضيلة أنس بن النَّضْرِ وكرامته، وزِيدَ في بعض النُّسَخِ: (قال البخارِيُّ عَقِبَ هذا الحديثِ: زادَ الفَزَارِيُّ عن حُمَيدٍ عن أنس: فرَضِيَ القَومُ وقَبِلُوا الأَرْشَ، انتهى.
والفزاري: بفتح الفاء وتخفيف الزَّايِ ثم راءٌ فياءُ نسبة، هو موانُ بنُ مُعاوية الحافظ الثَّقَةُ، من أواسط أتباع التّابعينَ، رَوَى له الجماعة، والمقصود أنه زاد على رواية الأنصارِيِّ (2) ذِكْرَ قَبولهم الأَرْشَ.
والذي وقع في رواية الأنصارِيِّ: فرَضِيَ القومُ وعَفَوا»، وظاهِرُه أَنَّهم تركوا القِصاصَ والأَرْضَ مُطلَقاً، فأشارَ البُخارِيُّ إلى الجمع بينهما بأنَّ قولَه «عَفَوا» محمولٌ على أنَّهم عَفَوا عن القِصاصِ على قبولِ الْأَرْشِ جمعاً بينَ الرِّوايتين.
الجزء 1 · صفحة 65
ووقع في روايةِ الإسماعيلي: «فرَضِيَ أهلُ المَرأةِ بالأَرْشِ، أخذوه وعفوا، وفي رواية أبي داودَ: «فرَضُوا بأَرْش أخذوه»، وفيها: «فتَعَجَّبَ النَّبِيُّ وقال: إنَّ من عبادِ اللهِ)، ووَجْهُ التَّعجُبِ أنَّ أَنسَ بنَ النَّصْرِ أَقسَمَ على نَفْيِ فعلِ الغَيرِ مع إصرار ذلك الغير على إيقاع ذلك الفعل، وكانَ مُقْتَضَى ذلك أن يحنث، فألهم الله الغَيرَ العفو، فبَرَّ قَسَمُ أَنس.
وأشار بقوله: «إنَّ من عباد الله إلى أنَّ هذا الاتفاق إنَّما وقع إكراماً من الله لأنس ليبَرَّ يمينه، وأنَّه من جُملةِ عبادِ اللهِ الذين يُجيبُ دُعاءَهم ويُعطيهم أهواءهم. ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ جَرَيانَ القِصاصِ فِي كَسْرِ السِّنِ محله فيما إذا أَمْكَنَ السَّماثُلُ، بأن يكون المكسور مضبوطاً، فيُبرَدُ من سن الجاني ما يُمائِلُه بِالمِبْرَدِ مَثَلاً،
قال أبو داود في «السُّنَنِ»: قُلتُ لأحمدَ: كيف؟ فقالَ: يُبرَدُ. ومنهم مَن حَمَلَ الكسر في هذا الحديث على القَلْعِ، وهو بعيد. انتهى
وفي «شَرحِ النقايةِ» للشُّمُنِي: ولا قَوَدَ في عَظْمِ؛ لأَنَّ المُماثلةَ فِيهِ مُتَعَذِّرَةٌ؛ لأَنَّه إذا كُسِرَ مَوضِعٌ ينكَسِرُ مَوضِعَ آخَرُ إلا في السِّنِّ؛ لإمكانِ المُماثَلَةِ، فيُقلَعُ إِن قُلِعَتْ سِنُ المَجنِيّ عليه، ويُبَرَدُ بالمبرَدِ إِن كُسِرَت.
لكن في شرح الكَنْزِ» عن «النهايةِ» مَعزِيّاً إلى «الذَّخيرةِ» و «المبسوط»: أنه لا قصاص في قَلَعِ السِّنِّ لتَعدُّرِ اعتبارِ المُماثلة فيه؛ إذ رُبَّما يُفسد الهامة، ولكن يُبرَدُ بالمبردِ إلى مَوضِعِ أصل السن. والله سبحانَه أَعلَمُ. (أخرَجَهُ) أي: البُخارِيُّ (في كتابِ الصُّلح) أي: في الدية، كما قال شارح.
الحديث الحادي عشر
الجزء 1 · صفحة 66
حدثنا المكي بن إبراهيم، ثنا يزيدُ بنُ أبي عُبَيْدِ، عن سَلَمَة رضي الله عنه، قال: با يعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ثم عَدَلتُ إلى ظلُّ الشَّجَرَةِ، فلما خَفَّ النَّاسُ قال: «يا ابن الأكوع، ألا تبايع؟ قال: قلتُ: قد بايعتُ يا رسولَ اللهِ. قال: «وأيضاً» فبايعته الثانية. فقلت له: يا أبا مسلم، على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت.
(الحادي عَشَرَ) قالَ البُخارِيُّ: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بنُ إبراهيم ثنا) أي قالَ: حَدَّثَنَا (يزيدُ بنُ أبي عُبَيد عن سَلَمَةَ) أي: ابن الأكوع، كما في نُسخة (قال) أي: سَلَمَةُ (بايَعْتُ النَّبِيَّ) أي: بيعةَ الرّضوانِ تحتَ الشَّجرة بالحديبية، (ثمّ عَدَلَتُ إِلى ظِلُّ الشَّجَرَةِ) أي: المعهودة، ولأبي ذرّ: (إلى ظِلِّ شَجَرَةٍ)، كذا ذكرَه شارح)، وقال الشَّارِحُ: إلى ظلٍّ شَجَرَةٍ، وقال: أي شَجَرَةٍ أُخرَى هُنالك، ولم يذكر سوى ذلك، وهو المُوافِقُ للنُّسَخِ المُصَحَّحة.
فلمَّا خَفَّ النَّاسُ: أي: قَلُّوا، بأن تفَرَّقُوا من حوله عليه السَّلامُ بعد أن بايعوه، ووَقَعَ نظره الأَشْرَفُ عليه، فظَنَّ أَنَّه لم تَقَعِ المُبايَعَةُ منه بحَضرَتِه؛ لازدحامِ الخلقِ وكَثْرَتِه، فحينئذٍ (قال):أي: النَّبيُّ عليه السَّلامُ: (ألا تُبايِعُ؟ قالَ) أي: سَلَمَةُ (قلتُ: قد بايَعْتُ يا رسولَ اللهِ) أي: في أوَّلِ الأمر، قال: وأيضاً) أي: وبايع مرَّةً أُخرى، وما هي إلا من كمال العناية، لا لعَدَمِ استحكامه في المُبايعة. (فبايَعتُه الثَّانية) أي: البَيعَةَ الثانية، أو المرَّةَ الثانية.
الجزء 1 · صفحة 67
وفيه دليل على أنَّ إعادة لفظ النكاح وغيره ليسَ فَسخاً للعَقْدِ الأَوَّلِ خِلافاً لبعض الشَّافعيّةِ كما ذكره ابنُ المُنَيِّرِ، وقال العلماء: الحِكمَةُ في تكرار البيعة لسَلَمَةَ أَنَّه كانَ مِقداماً في الحرب، فأكَّد عليه احتياطاً، أو لأنَّه كَانَ يُقاتِلُ قِتَالَ الفَارِسِ والرَّاحِلِ، كما يُفهم من الحديثِ الذي بعدَه، فَتَعَدُّدُ البيعة بحَسَبِ تعدُّدِ الصِّفةِ، كأَنَّه اعتبره رجُلين، ولذا أعطاه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم في تلك الغَزْوة سَهْمَ الرَّاحِلِ والفَارِسِ، كما وَقَعَ في بعض طرق الحديثِ الآتي. والله أعلَمُ. كذا ذكره الشَّارِحُ، لكن تعقب العَسْقَلانيُّ هذا الكلام حيث نقل عن المُهلبِ فيما ذكر ابن بطال أَنَّه أرادَ أن يُؤَكِّدَ بِيعَةَ سَلَمَةَ لِعِلمِهِ بشجاعته وعنايته في الإسلام، وشهرته في الثَّباتِ للمَرامِ، ولذلك أمره بتكريرِ المُبايَعةِ ليكون له في ذلك فضيلة.
ثمَّ قالَ العَسْقَلانِيُّ: والذي أشار إليه ابنُ بطّال من حالِ سَلَمَةَ في الشَّجاعةِ وغيرها لم يكُنْ ظَهَرَ بعد؛ لأنَّه إنَّما وَقَعَ منه بعد ذلك في غَزْوَةِ قَرَد، حيثُ استنقَذَ السَّرحَ الذي كانَ المُشركونَ أغارُوا عليه فاستلب ثِيابهم، وكانَ آخرُ أَمرِه أَنَّه أسهَمَ له الفارس والرَّاجِلِ، فالأولى أن يُقالَ: تَفَرَّسَ فيه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك فبايَعَه مَرَّتين، وأشارَ بذلك إلى أنَّه سيقوم في الحربِ مَقامَ رَجُلَينِ، وكان كذلك، والله أعلَمُ بما هنالك. (فقُلتُ) أي: لسَلَمَةَ، وقائِلُه يزيد بن أبي عبيد يا با مسلم) وهي كُنيَةُ سَلَمَةَ (على أي شيءٍ كُنتم تُبايعون يومئذ) أي: يوم الحديبية، (قال: على الموتِ) أي: كنَّا نُبايِعُ على أن لا نَفِرَّ ولو مثنا، والمعنى على الثباتِ إلى الموت، والمقصود منه الصَّبرُ على القِتالِ وإن آل ذلك إلى الموتِ في المال، لا أنَّ الموتَ مقصود في نفس الأمر وضيق الحال.
الجزء 1 · صفحة 68
وقضيَّةُ الحديبية مشهورة، وقصَّتُها في كُتُبِ السِّيرِ مسطورةٌ.
(أخرَجَه) أي: البُخارِيُّ (في كتاب الجهاد) أي في باب البيعة في الحرب، كما
في نُسخةٍ، والله تعالى أعلَمُ.
الحديث الثاني عشر
حدثنا المكي بن إبراهيم، أخبرنا يزيدُ بنُ أبي عبيد، عن سلمة أنه أخبره قال: خرجت من المدينة ذاهباً نحو الغابة، حتى إذا كنتُ بثنيَّة الغاية لقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف، قلت: ويحك، ما بك؟
قال: أُخِذَت لِقَاحُ النبي صلى الله عليه وسلم قلتُ: مَنْ أخذها؟ قال: غطفانُ وفَزَارَةُ، فصرختُ
ثلاثَ صَرَخَات أسمعتُ ما بين لابتيها يا صباحاه، يا صباحاه، ثم اندفعت حتى ألقاهم وقد أخذوها، فجعلتُ أرميهم وأقولُ:
أنا ابن الأكوع واليوم يومُ الرُّضَعِ
فاستنقذتها منهم قبل أن يشربوا، فأقبلتُ بها أسواقها، فلقيني النبي، فقلت: يا رسول الله إن القومَ عِطاش، وإني أعجلتهم أن يشربوا سقيهم، فابعث في إثْرِهم، فقال: يا ابن الأكوع، مَلَكْتَ فأسْجِحْ، إِنَّ القومَ يُقْرون في قومهم (1).
(الثَّانِي عَشَرَ) قالَ البُخارِيُّ: حَدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، ثَنَا) أي: قالَ المَكِّيُّ: حَدَّثنا، وفي نُسخةٍ: (أنا) أي: أخبرنا (يزيدُ بنُ أبي عُبَيدٍ، عَن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ: أَنَّهُ) أي: سَلَمَة (أخبره) أي: يزيد (قال) أي: سَلَمَةُ خَرَجْتُ من المدينةِ).
قالَ العَسْقَلانِيُّ: وفي رواية (خَرَجْنا قبل أن يُؤَذَنَ بالأولى) يعني صلاةَ الصُّبح، ويدلُّ عليه قوله في رواية مُسلم: (إِنَّه تَبِعَهُم من الغَلَسِ إِلى غُروبِ الشَّمس)؛ أي: (ذاهباً) أي: حال كوني مُتوَجِّهاً (نحو الغابة) بالغَينِ المُعجَمَةِ وبعد الألف مُوحَدةٌ، وهي على بريد من المدينة في طَريقِ الشَّامِ. و
الجزء 1 · صفحة 69
قال في النهايةِ»: هي موضع قريب من المدينة في عواليها، وبها أموال لأهلها، (حتّى إذا كُنتُ بِثَنيَّةِ الغابةِ الشَّيَّةُ هى كالعَقَبةِ للجَبَل، ويُطلَقُ على الرابية والأَكَمَةِ، والمعنى: حتَّى إذا وَصَلتُ ثَنِيَّتها القِيَني غُلامٌ لعبدِ الرَّحْمنِ بنِ عَوْفٍ). قال في «الفتح»: لم أقف على اسمه، ويَحْتَمِلُ أَن يكونَ رَبَاحاً غُلامَ رَسولِ اللَّهِ كما في رواية مُسلِمٍ: قَدِمْنا الحديبية ... ثمَّ قَدِمْنا المدينةَ، فَبَعَثَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بظَهرِه معَ غُلامِه رَباحٍ)، وكأَنَّه كانَ مِلْكَ أحَدِهما، وكانَ يَحْدُمُ الآخَرَ منهما، فنُسِبَ تارةً إلى هذا، وتارةً إلى هذا، (قلتُ) أي: له (وَيحَكَ) قَالَ الشَّارِحُ: أي الوَيلُ لكَ والهلاك لاحِقُ بك، انتهى. وهو غير مناسب كما لا يخفى، فالأولى أن يُقالَ: هي كلمةُ تَوَجُعِ وتَرَحْمٍ، تُقَالُ لِمَن وَقَعَ في هَلَكَةٍ لا يستحقُها، وهي منصوبةٌ على المصدر كما في «النهاية»، بدليل قوله (ما بك؟) أي: أيُّ شيءٍ نزلَ بك ممَّا أَوقَعَ الهَمَّ لك؟
(قالَ أُخِذَتْ) بصيغة المجهول للتَّأنيثِ، ولأبي ذر عن الحَمُّوي والمُستَملي:
(أُخِذَ) (لِقاحُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بكسرِ اللَّام بعدها قافٌ، وفي آخرها حاءٌ مُهمَلةٌ، واحِدُها (لِفْحَةٌ)، بكسر اللام وفتحها أيضاً، وقيل: لَقوح، وهي الحلوبُ، وفي بعض الرواياتِ أنَّها كانت عشرينَ لِقحَةً تَرعَى بالغابة، وكان من جُملةِ رُعاتِها وَلَدُ أَبي ذر الغفاري وامرأته، فأغارَ المُشركون عليهم فقتلوا الرَّجُلَ وأسَرُوا المرأةَ.
الجزء 1 · صفحة 70
(قلتُ: مَن أَخَذَها؟ قالَ: غَطَفَانُ) بفتحِ الغَينِ المُعجَمَةِ والطَّاءِ المُهملة بعدها فهو فاء، وآخره نون، قبيلةٌ كبيرةٌ، وفَزَارَةُ) بفتح الفاء والزَّايِ، بطن من غَطَفان، من قَبيلِ عَطفِ الخاص على العام، (فَصَرَخْتُ) أي: فصحتُ بصوتٍ عالٍ (ثلاثَ صَرَخَاتٍ) بفتحات؛ أي: أصوات أسمعت ما بين لابتيها اللابةُ: الحَرَّةُ، أرضُ ذات حجارة سود، وهما حرَّتانِ تكتنفانِ المدينة، والمعنَى: أَسمعت مَن فِي طَرَفَيها وجانبيها، والمراد من فيها بأسرها.
(يا صباحاهُ) مُنادَى مُستغَاثٌ، والهاء للسكت، والألفُ للاستغاثة، فكأَنَّه نادَى النَّاسَ استغاثةً بهم في وقتِ الصَّباح، يا صباحاه) كرره للتأكيد، وقيل: معناه يا غارتاه؛ لأنَّها تكون في الصُّبحِ غالباً، وفيه إشعارٌ بأَنَّه كانَ واسِعَ الصَّوتِ جداً، ويَحْتَمِلُ أن يكون ذلك من خَوارِقِ العادةِ.
وعند «مسلم»: (فَعَلَوْتُ أَكَمَةً، فاستقبلتُ المدينة، فناديت ثلاثاً: يا صباحاه)، وعند الطبراني: (فَصَعِدت في سَلْعِ، فقُلتُ: يا صباحاه، فانتهى صياحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنُودِيَ فِي النَّاسِ الْفَزَعَ الفَزَعَ). ثمَّ اندَفَعْتُ) أي: أسرَعْتُ في السَّيرِ، وفي رواية: (على وجهي)؛ أي: لم ألتفت يميناً ولا شمالاً، بل أسرَعْتُ الجَرْيَ من جهةِ وَجهي، وتوجهتُ إليهم بكليتي، وكان شديد العَدْوِ على إثرِ العَدُوِّ.
الجزء 1 · صفحة 71
(حتَّى ألقاهم) وفي رواية: حتَّى أدركتُهم»، وكأَنَّه قَصَدَ في الرواية الأولى استحضار الحال الماضية، (وقد أخَذُوها) يعني اللقاح، والجملة حاليَّة، (فَجَعَلْتُ) أي: شَرَعْتُ وطَفَقْتُ، وفي رواية: (فَأَقبَلْتُ)، (أرميهم) أي بالسهام، وفي رواية للبخاري: (فجَعلتُ أرميهم بنبلي)، وهو بفتحِ النُّونِ وسُكونِ الموحدة، السَّهمُ العَرَبِيُّ. وأقول: أنا ابنُ الأَكْوَعْ يُوقَفُ عليه بالسُّكونِ مُراعاة للسجع، وكذا في قوله: واليوم يومُ الرُّضَعْ) بضَمِّ الرَّاءِ وتشديدِ الضَّادِ المُعجَمَةِ المفتوحةِ، جَمْعُ (راضِعِ) وهو البخيلُ اللَّيمُ، فمعناه: خُذِ الرَّميَةَ من الكِرامِ، واليوم يومُ هَلاكِ اللَّنامِ. وارتفاع (اليوم) الأَوَّلِ على الابتداء، والثَّاني على الخبر، ويجوز نصب الأوَّلِ على الظُّرف، على أنَّ اليوم بمعنى الوقت والحين، كما حكى سيبويه عن ناس من العرب.
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ العربَ يَكنُونَ عن البُخلِ والنُّوْمِ بِالرَّضاعِ والمَيِّ، وسبب ذلك أنَّ شَخصاً كان شديد البخل، فكانَ إذا أرادَ حَلْبَ ناقتِه ارتضَعَ من ثَدْيِها لئَلَّا يحلُبها فيَسْمَعَ جيرانُه أو مَن يَمُرُّ به صوتَ الحَلْبِ فيطلبون منه اللَّبنَ.
الجزء 1 · صفحة 72
وقيل: بل صَنَعَ ذلك لئَلَّا يتبدَّدَ من اللبن شيءٌ إِذا حَلَبَ في الإناء، أو يبقى في الإناء شيء إذا شَرِبَه منه، فقالوا في المَثَلِ: أَلاَمُ من راضِعٍ، وقيل: بل معنَى المَثَلِ: أَنَّه ارتَضَعَ اللُّوْمَ من ثدي أُمِّه، وقيل: المُرادُ مَن يَمصُّ طَرَفَ الخِلالِ إِذا خَلَّلَ أَسنانَه، وقيل: هو الراعي الذي لا يَستَجْلِبُ محلباً، فإذا جاءَ الضَّيفُ اعتذَرَ بأَنْ لا محلبَ معه، وإذا أراد أن يشرب ارتضَعَ، وقيل: المُرادُ اليومَ يُعرَفُ مَن أَرضَعَتْهُ كَرِيمَةٌ فَأَنْجَبَتْهُ، أو لَئِيمَةٌ فَأَجْبَنَتْهُ، وقيل: معناه اليومَ يُعرَفُ مَن أرضَعَتْهُ الحربُ من صِغَرِه، وتدَرَّبَ بها من كِبَرِه، وقيل: معناه هذا يوم شديدٌ عليكم، تُفارِقُ فيه المُرضِعَةُ مَن أَرضَعَتْهُ، فلا تَجِدُ مَن تُرضِعُه، وكأَنَّه مَأخوذ من قوله تعالى: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عمَّا أَرْضَعَتْ} [سورة الحج: 2]. وعند «مسلم»: (فأقبلت أرميهم بالنَّبلِ وأَرْتَجِزُ)، وفيه أيضاً: (فَأَلْحَقُ رَجُلاً منهم فأَصُكُه سَهماً في رجله، فيَخلُصُ السَّهم إلى كَعبه، فما زِلتُ أرميهم وأعقِرُ بهم، فإذا رَجَعَ إِليَّ فارِس منهم، أتيتُ شجرةً، فجَلَستُ في أصلها ثمَّ رميته فعَقَرْتُ به، فإذا تَضَايَقَ الجَبَلُ فَدَخَلُوا في مَضايقه عَلَوتُ الجَبَلَ فَرَمَيتُ بالحجارة) (1).
وعند ابن إسحاق: وكانَ سَلَمَةُ مثل الأسَدِ، فإذا حَمَلَتْ عليه الخيلُ فرَّ ثمَّ عارَضَهم فنَضَحَها عنه بالنَّبْلِ).
(فَاسْتَنْقَذْتُها) بالقافِ والدَّالِ المُعجمَةِ؛ أي: استَخْلَصْتُ اللقاح (منهم) أي: من غَطَفَانَ وفَزَارَةً، وفي رواية للبخارِيُّ: حتَّى اسْتَنْقَذْتُ اللقاحَ منهم، واستَلَبْتُ منهم ثلاثين بُرد)، قالَ الشَّارِحُ: وفي رواية أهلِ السِّيرِ والمَغازي: (واستَلَبْتُ منهم ثلاثين رمحاً)، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 73
وكأَنَّه غَفِلَ عن روايةِ مُسلم: (فما زِلتُ كذلك حتَّى ما خَلَقَ اللهُ من ظهرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعير إلا خَلَّفْتُه وراءَ ظَهري، ثمَّ اتَّبَعتُهم أَرميهم حتَّى ألقوا أكثَرَ من ثلاثين بُردَةً وثلاثين رُمحاً يَتَخَفَّفُون بها).
(قبل أن يَشْرَبُوا) أي من لَبَنِ تلك اللقاح، أو من الماء القَراحِ، (فَأَقْبَلْتُ بها) أي: باللقاح (أسوقُها) أي حال كوني أدفَعُها من وَرَائِها، (فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ) أي: وكان قد خَرَجَ عليه السَّلامُ إليهم غَداةَ الأربعاء في الحديدِ مُقَنَّعاً في خمس مئةٍ، وقيل: سبع مئة بعد أن جاءَ الصَّريح، ونُودِيَ يا خيل الله اركبي، وعد للمقدادِ بنِ عمر و لواء، وقال له: (امض حتّى تلحقك الخيل وأنا على إِثْرِكَ) (1). ووَقَعَ في بعض الروايات أنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا سَمِعَ قوله: يا صَباحَاهُ، ونُودِيَ فِي النَّاسِ: الفَزَعَ الفَزَعَ، فأمر أصحابه أن يخرُجُوا معه إلى قتالِ الفارِّينَ، فَخَرَجَ في خمس مئةٍ راكب، فلَقِيَه سَلَمَةُ في أثناءِ الطَّريقِ بعد استنقاذه اللقاحَ منهم، فنَزَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم على ماءٍ في ذلك الوادي يقال له: ذُو قَرَدٍ، بفتح القافِ والرَّاءِ بعدَها دالٌ مُهمَلَةٌ، وهو ممَّا يلي بلادَ غَطَفان، على نحو بريد، وقيل: على مسافة يوم وليلة.
(فقلت: يا رسولَ اللهِ، إِنَّ القوم يعني غَطَفَانَ وفَزارَةَ عِطاش) بكسر أَوَّلِه (وإنِّي أَعْجَلتُهم) أي: اضطَرَرْتُهم وأَلْجَأْتُهم إلى العَجَلَةِ (أَنْ يَشرَبوا) مفعولٌ له؛ أي: كراهة شُربهم (سقيهم) بكسرِ السِّينِ وسُكونِ القافِ؛ أي: حَظَّهم من الشُّربِ، وهو مفعول به، وفي نسخة: (وإنِّي أَعْجَلْتُهم قبلَ أَن يَشْرَبُوا سِفْيَهم)، وفي نسخة بفتح السِّينِ؛ أي: مَسْقِيَّهم.
الجزء 1 · صفحة 74
فابْعَثْ في أثرهم بفتحتين، وفي نُسخةٍ بكسر فسكون؛ أي: أَرسِلْ جَماعةً في عقبهم، وعند ابن سعد: قالَ سَلَمَةُ: فلو بَعَثْتَني في مئةِ رَجُل استَنْقَدْتُ ما بينهم من السَّرْحِ وأخَذْتُ بأعناق القومِ، فالمعنى: ابعثني معهم في آثارهم لأقتلهم وأخُذَهم أسرى من ديارهم.
(فقال) أي: النَّبِيُّ عليه السلام: (يا ابنَ الأَكْوَعِ مَلَكْتَ) وفِي نُسِخَةٍ: إِذَا مَلَكَتَ؛ أي: قَدَرْتَ عليهم فاستَعْبَدتَهم وهم في الأصل أحرارٌ (فَأَسْجِحْ) بهمزة قطعِ وكَسِرِ جيم وسكون حاءٍ مُهملَةٍ؛ أي: أرفق بهم ولا تأخُذهم بالشِّدَّةِ لهم، وهذا لِكَونِه رحمةً للعالمين، ولتَوَقُعِ إيمانهم، وأصلُ السَّجاحَةِ: السُّهولةُ والسَّماحة، والإسجاحُ: إحسانُ العَفْوِ، وهذا مَثَلٌ للعرب.
(إِنَّ القَومَ يُقْرَونَ) بضَمِّ الياء وفتح الرَّاءِ مُضارع؛ أَي يَقْرُونَ بفتح الياءِ وضَمٌ الرَّاءِ؛ أي: يُضافون (في قَومِهم)، وعندَ الكُشْمِيهَني: (من قومهم)، ولمسلم: (إنَّهم الآنَ لَيُقْرَون في أرضِ غَطَفَانَ)، والمعنَى أَنَّهم وَصَلوا إلى بلادِ قومهم، ونزلوا عليهم، فهم الآنَ يَذبحون لهم، ويُطعِمُونَهم، فلا فائدة للبَعْثِ في أَثَرِهم؛ لأنَّهم لَحِقُوا بأصحابهم وتقووا بأقوامهم.
وزاد ابن سعد: فجاءَ رَجُلٌ من غَطَفَانَ فقالَ: مُرُّوا على فلان الغطفاني، فنَحَرَ لهم جَزُوراً، فلمَّا أَخَذُوا يكشِطُونَ جِلدَها رأَوا غَبَرَةً، فتَرَكُوها فخَرَجُوا هراباً. الحديث (2). وفيه معجزة: حيثُ أخبرَ النَّبِيُّ عليه السلام بذلك، فكان كما قال هنالك، وفي رواية للبخاري من طريق حاتم بن إسماعيل بن يزيد عن سَلَمَةَ قالَ: ثُمَّ رَجَعْنا إلى المدينةِ، وأَرْدَفَني رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على ناقتِه حَتَّى دَخَلْنا المدينة. وفي رواية غيره وأعطاني سَهْمَ الفارِسِ والرَّاجِلِ؛ أي: ممَّا أَخَذْتُ من كُفَّارِ غَطَفَانَ من البرودِ والرَّماحِ
الجزء 1 · صفحة 75
وفي رواية: فلما دنونا نادى رَجُلٌ: أَلا رَجُلٌ سابَقَ معي على الرِّجْلِ؟ فاستأذنتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن أُسابِقَ معه، فأَذِنَ لي فنزلت عن الدَّابَّةِ فسابَقْتُه فسبقته، فقال: «خير فُرساننا اليوم أبو قتادة، وخَيرُ رِجَالتِنا سَلَمَةُ.
وإنما قال في حق أبي قتَادَةَ الأنصارِيّ هذا لأَنَّه أَوَّلُ مَن بارَزَ الكُفَّارَ منالفرسان في هذه الغَزْوة، وقتل عظيماً من عُظَمائهم فهربوا لذلك. هذا وفي بعض الأصول من البخاري: (يَقرُون)؛ بِضَمِّ الرَّاءِ مَعَ فتح أوَّله؛ أي: أرفق بهم فإنَّهم يُضيفون الأضياف، فراعى صلى الله عليه وسلم ذلك لهم رجاءَ توبتهم وإنابتهم، ولأبي ذر عن الحَمُّوي والمُستَملي: (يَقِرُّون)؛ بفتح أوله وكَسرِ القافِ وتشديد الراء؛ أي: يثبتون في محلّهم، وليس وقت الحرب مع كلهم. (أخرجه) أي: البُخارِيُّ (فيه) أي: في كتاب الجهادِ (أيضاً) أي: كما سبق،
وهو في بابِ مَن رَأَى العَدُوَّ فنادَى بأعلى صوته: يا صباحاه.
الحديث الثالث عشر:
حَدَّثنا عصام بن خالدٍ، حَدَّثنا حَرِيزُ بنُ عثمانَ أنَّه سأل عبد الله بنَ بُسْرٍ صاحبَ النبي صلى الله عليه وسلم قال: أرأيت النبي صلى الله عليه وسلم كان شيخاً؟ قال: «كانَ في عنفقته شَعَرَات بيض»]. (الثَّالِثَ عَشَرَ) َقالَ البُخارِيُّ: (حَدَّثنا عِصام بن خالد) بكسر العينِ المُهملة، أبو إسحاقَ الحَضْرَمِيُّ الحِمْصِيُّ، صدوق، قالَ النَّسائِيُّ: ليس به بأس، وذَكَرَه ابنُ حِبَّانَ في كتابِ الثَّقَاتِ» وهو من صغارِ الأتباع، رَوَى عنه البخارِيُّ، وليس له رِوايةٌ في باقي الكُتُبِ السِّتَّةِ (2).
الجزء 1 · صفحة 76
قال في «التَّقريب»: ماتَ سنةَ أربعَ عشرة ومئتين على الصحيح. وهذا طريقٌ ثالث للبخارِيِّ في الثَّلاثِيَّاتِ، وجَمِيعُ رُواتِه لم يتقدَّم لهم ذكر. (ثنا) أي: قالَ عِصامٌ: حَدَّثنا (حَرِيرُ بنُ عُثمانَ) بفتحِ الحَاءِ المُهمَلَةِ وكَسرِ الرَّاءِ، وآخِرُه زاي، وأما ما في بعض النُّسَخِ بالجيمِ والرَّاءَينِ، وفي بعضها: بضَمِّ المُهمَلةِ وفتح الراء وفي آخِرِه زاي، فَمُصَحْفَانِ.
وهو من صغارِ التّابعينَ، يُقال له: أبو عُثمانَ الرَّحَبِيُّ، بفتحتين، بَطنُ من حِمْيَر، قبيلةٌ من اليَمَنِ، قال في التقريب»: ثِقَةٌ ثَبْتُ، مات سنة ثلاث وستينَ ومئة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة.
وقال في «جامع الأُصولِ»: وكانَ فيه تحامل على عليِّ بنِ أَبي طالب رضيَ اللهُ عنه، قالَ الشَّارِحُ: رُمِيَ بالنَّصْبِ؛ أي: بأنَّه خارِجِي، ولذا لم يُخرج له مُسلِمٌ شيئاً في «صحيحه»، وقيل: تابَ منه في الآخر، ولعلَّ البُخارِيَّ صحَّ عندَه توبته، ولذا خَرَّجَ له هذا الحديثَ حِرْصاً على طَلَبِ عُلُوّ السَّنَدِ، وليسَ له في «صحيحه» سوى هذا الحديث وحديث آخر فقط، ورَوَى له أصحابُ السُّنَنِ الأربعة، والله العاصِمُ، انتهى. ولا يخفى أنَّ المُحدِّثين يَروُونَ عن أهل البدعة من الخوارج والرافضة إذا كانُوا أهلَ الضَّبط والديانة، كما هو مُقرَّرٌ في محله من علم الأصول، فلا يحتاج إلى تقييد رواية البخارِيِّ بكونها بعدَ صِحَّةِ التَّوبة.
(أَنَّه) أي: حَرِيزاً (سأل عبد الله بن بسر) بضم الموحدةِ وسُكونِ السِّينِ المُهملة، وآخره راءٌ، كما ذكره النَّووِيُّ في الأذكار» ابن أبي بسر صحابي صغير، له أحاديثُ، رَوَى له الجماعةُ في كتبهم، ولأبيه بشر صُحبة أيضاً، قيل: ولأُمه ولأخيه عَطِيَّةُ ولأختِه الصَّمَّاءِ) صُحبَةٌ أيضاً، وله ذكر في «مسلم» بلا رواية، ورَوَى له النَّسائي حديثاً واحِداً.
الجزء 1 · صفحة 77
مات عبد الله سنة ثمان وثمانين وله مئة سنة، وهو آخِرُ مَن مَاتَ بالشَّامِ من الصَّحابة على قول هو الصَّحيح، ويُقال له: أبو صفوانَ السُّلَمِيُّ المَازِنِيُّ الشَّامِيُّ. وقيلَ: نزلَ بالشَّامِ، وماتَ بحِمْصَ فَجأةً وهو يتوضَّأُ، وكانَ صلَّى إلى القبلتين فيما قيل. صاحِبَ النَّبيِّ لعل تخصيص ذكرِه بهذه الصفة لقلَّةِ وُرودِ مَروِيَّاتِه في الصَّحيح، فعَرَّفَه بها لئَلَّا يشتبه أمره على القارئ والسَّامِعِ، أو عبدُ اللهِ بنُ بُسْرٍ مُتَعَدِّدٌ في الصَّحابة والتابعينَ فَصَرَّحَ به لئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ الحديثَ مُرسَلٌ، والله أعلَمُ.
(قال) أي: حَرِيزُ: (أرأيتَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ شَيخاً؟) بنصبِ (النَّبِيَّ)، ويجوزُ رَفعُه، حيثُ قال في «الفتح»: يَحْتَمِلُ أن يكونَ (أرأيتَ) بمعنى: أخبرني، و (النَّبِيُّ) بالرَّفعِ على أنَّه اسمُ (كانَ)، والتَّقديرُ: أَخْبِرْني أكانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم شيخاً؟ انتهى. وبعده وتكلُّفه لا يخفى. ثمَّ قال: ويَحْتَمِل أن يكون أرأيتَ استفهاماً منه هل رَأَى النَّبيَّ، ويكونُ النَّصب على المفعولية، وقوله: كانَ شيخاً؛ استفهام ثانٍ حُذِفَتْ منه أداة الاستفهام.
الجزء 1 · صفحة 78
ويُؤيد هذا الثاني رواية الإسماعيلي من وجه آخر عن حَرِيرِ بنِ عُثمانَ قال: رأيتُ عبد الله بن بُسْرٍ صاحِبَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم حِمْصَ، وَالنَّاسُ يسألُونَه، فَدَنَوتُ منه وأنا غُلامٌ، فقلتُ: أنتَ رأيت رسول الله؟ قال: نعم، قلتُ: شَيخ كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أم شاب؟ قالَ: فَتَبَسَّمَ، وفي رواية له فقلتُ: أكانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَبَغَ؟ قال: يا ابن أخي، لم يبلغ ذلك. (قال) أي: ابنُ بُسْرٍ: (كانَ في عَنْفَقَتِهِ) بفتح العَينِ وسُكونِ النُّونِ بعدَها فاءٌ وَقافٌ مفتوحتين، وهي ما بينَ الذَّقَنِ والشَّفَةِ السُّفْلَى، سواء كان عليها شعر أم لا، وقد يُطلَقُ على الشَّعرِ النَّابتِ عليها أيضاً. وفي النهاية» قيلَ: هي الشَّعرُ الذي في الشَّفة السفلى.
(شَعَرَاتٌ بِيضُ) في إتيانه بصيغة جمعِ القِلَّةِ إيماء إلى أنَّه لم يَكُنْ زَائِداً على العَشْرَةِ. (أخرجه) أي: البُخارِيُّ (في باب صِفَةِ النَّبي) أي: في نَعتِه الشَّامِلِ لشَعْرِه وغيرِه. قالَ العَسْقَلانيُّ في شرح حديث قتادة: سألتُ أَنسا: هل خَضَبَ النَّبِيُّ؟ قالَ: إنَّما كانَ شيء في صُدْغَيهِ، وهذا مغاير للحديثِ السَّابِقِ أَنَّ الشَّعَرَ الأبيضَ كانَ في عَنْفَقَتِه.
ووَجْهُ الجَمعِ: ما وَقَعَ عندَ مُسلم عن قتادة عن أنس قال: لم يخضب رسول الله الله، وإِنَّما كانَ البَياضُ في عَنْفَقَتِه وفِي الصُّدْغَينِ وفي الرَّأْسِ نُبل؛ أي: متفرق، وعُرِفَ من مجموع ذلك أنَّ الذي شاب من عَنْفَقَتِه أكثرُ ممَّا شابَ من غيرها، ومُرادُ أنس أنَّه لم يكُن في شعره ما يحتاجُ إلى الخضابِ، والله أعلَمُ بالصَّوابِ.
الجزء 1 · صفحة 79
وأما ما رواه الحاكِمُ وأصحابُ السُّنَنِ» من حديث أبي رِمْثَةَ قالَ: أَتيتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وعليه بُرْدانِ أَخْضَرانِ، وله شَعرٌ قد عَلاهُ الشَّيبُ، وشَيبُه أَحمَرُ مَخضوبٌ بالحِنَّاءِ، فهو مُوافِقُ لقولِ ابنِ عُمَرَ: رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَحْضِبُ بالحُمرَةِ. فالجمع بينه وبين حديث أنس: أن يُحمَلَ نَفي أنس على الشَّيبِ حَتَّى يحتاج إلى خضابه، ولم يتفق أنه رآه وهو يخضِبُ، ويُحمل حديثُ مَن أثبت الخضابَ على أنَّه فعَلَه لإرادَةِ بيان الجواز، ولم يُواظب عليه. انتهى.
ولا يخفى أنَّ قولَه ولم يتَّفِقُ لأنس أنه رآه مخضوباً، مَعَ أَنَّه خادِمٌ له مُلازِمٌ في غاية البعد، فالأولى أن يُقال: لعلَّ أَنساً أرادَ بنفي الخضاب أكثر أحواله عليه السَّلامُ، وهو لا ينافي ما وَقَعَ نادِراً منه في بعض الأيام، على أنَّ بعضَهم قالَ: لَمَّا كَانَ فِي بعضِ شعره عليه السَّلامُ حُمَرَةٌ أو صُفَرَةٌ، وهما مُقدِّمَتانِ للبَياضِ، كَانَ يَظُنُّ الضَّانُّ أَنَّه استعمال الخضابِ، والله أعلَمُ بالصَّوابِ.
وأما ما أخرجه الحاكم من حديثِ عائشة قالت: ما شَانَهُ اللهُ بالبَياضِ فمحمولٌ على أنَّ تلكَ الشَّعَرَاتِ البيضَ لم يتغيَّر بها شيء من حُسْنِه. فإن قُلتَ: قد وَرَدَ أَنَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَن شابَ شَيبة في الإسلام كانت له نُوراً يوم القيامة».
ووَرَدَ أيضاً: أنَّ إبراهيم عليه السَّلامُ أوَّلُ مَن شابَ، فقالَ: يا رَبِّ ما هذا؟ قالَ: هذا وَقارٌ، قالَ: زِدْنِي وَقاراً يا رَبِّ.
فما الحِكمَةُ في تقليلِ البَياضِ بالنِّسبة إليه صلَّى اللهُ وسَلَّم عليه؟ قلت: لمَّا كانَ صلى الله عليه وسلم مولعاً بحُبِّ النِّساءِ، وهُنَّ يكرَهْنَ الشَّيْبَ، كما يُشعِرُ به حديث عائشةَ المُتقدِّمُ صانَه اللهُ عمَّا شانَه لديهنَّ لئَلَّا يكونَ مَكروهاً عليهِنَّ.
الحديث الرابع عشر:
الجزء 1 · صفحة 80
حدثنا المكي بن إبراهيمَ، حَدَّثنا يزيد بن أبي عُبَيْدِ، قال: رأيتُ أَثَرَ ضَرْبةٍ في سَاقِ سَلَمة، فقلت: يا أبا مُسْلِم ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضَرْبة أصابتني يوم خيبر، فقال الناس: أُصيب سلمة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فنفت فيه ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة.
(الرَّابِعَ عَشَرَ) قالَ البُخارِيُّ: (حَدَّثنا المكِّيُّ بن إبراهيم) قال شارح هنا: المكي (2) هنا عَلَمٌ لا نِسبَةٌ لمكَّةَ، ووَهِمَ صاحِبُ الكو
فقال: مَنسوب إلى مكة، انتهى.
والتحقيق أنَّ المكَّيَّ نسبةٌ، إلا أَنَّه صارَ عَلَماً له.
يعني الكَرْمَانِي
(ثنا) أي: قالَ المَكِّيُّ: حَدَّثنا يزيدُ بنُ أَبِي عُبَيد، قال: رأيتُ أَثَرَ ضَرْبةٍ) أي: تأثيرها بحصولِ جراحة (في ساقِ سَلَمَةَ) أي: ابنِ الأَكْوَعِ، (فقُلتُ) أي: له يا أبا مسلم ما هذه الضَّرَبَةُ؟) أي نفسها أو أثرها (قالَ: ضَرْبةٌ) وفي نُسخةٍ: هذه ضَرَبَةٌ (أصابتها) أي: ساقي، قالَ الشَّارِحُ: كذا وَقَعَ فِي نُسَخ البخارِيِّ، فقيل: الصَّوابُ (أصابَتْني)، كما في رواية الإسماعيلي، وقيل: الضَّمير راجع إلى الرُّكبة المفهومة من السياق، وقيل: أَنَّكَ السَّاق باعتبار الجارحة، كما في قوله تعالى: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَاقِ} [القيامة: 29].
أقولُ: وهذا هو الصَّوابُ، وأمَّا كَونُ الضَّمير راجعاً إلى الرُّكبةِ ففي غايةٍ مِنَ البُعدِ؛ لأنَّ السَّاقَ ما بينَ الكَعْبِ والرُّكبَةِ، فلا يكونُ مُطابَقَةٌ بينَ السُّؤال والجوابِ. فتَحْطِئَةُ هذه الرواية خارجة عن صَوْبِ الصَّوابِ، وكذا عُدولُ شارحِ آخر عنها، وجَعل رواية (أصابتني) أصلاً فيها، ثمَّ قوله: ولابنِ عَساكِرَ: (أصابَتْنا)، وللأَصِيلي وأبي الوقتِ وأبي ذَرٍّ: (أصابَتْها) أي: رِجلَه، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 81
ولا يخفَى إِنْ رَجَعَ الضَّمِيرُ إِذا صَحَّ إلى السَّاقِ لكونها مُؤَنَّثاً فلا يحتاجُ إلى تفسير الضميرِ بقوله: أي رجله، ثمَّ رِواية الأكثر هي الأولى بأن تكونَ الأصلَ المُعتبَر. فتأمل وتَدَبَّر.
ثمَّ قولُ البُخارِيِّ: (يومَ خَيْبَرَ) منصوب على الظَّرفيَّةِ، (فقالَ النَّاسُ: أُصِيبَ سَلَمَةُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيِّ) ولأبي ذر عن الكُشْمِيهَني: (إلى النَّبيِّ) أي: مُتَوَجِّهاً إليه، ومُتَضَرِّعاً لديه صلى الله عليه وسلم فَنَفَتَ فيه) أي: في موضع الضَّربَةِ، وفي نُسخةٍ: (فيها) أي: في الضّربَةِ، على تقديرِ مُضافٍ؛ أي: مَوضِعِها أو أَثَرِها.
(ثَلاثَ نَفَثَاتٍ) بفتحِ النُّونِ والفَاءِ وَالثَّاءِ المُثَلَّثَةِ، جَمْعُ (نَفْثَةٍ) وهي فَوقَ النَّفْخِ ودُونَ التَّفْلِ بريق وغَيرِه (فما اشتكيتُها حتَّى السَّاعةِ) بالجر في اليُونِينيَّة على أنَّ (حتّى) جارَّةٌ في محلّ النَّصبِ، بتقديرِ زَمان؛ أي: فما اشتكيتُها زَماناً حتَّى السَّاعةِ؛ أي: إلى الآن، يعني: وما أدري ما يجري في غير هذا الزَّمانِ.
وقالَ الكَرْمانِيُّ: فإن قُلتَ: (حتّى) للغاية، وحُكمُ ما بعدَها خِلافُ ما قبلها، فيلزَمُ الاشتِكاءُ زَمانَ الحِكاية، قلتُ: (السَّاعة) بالنَّصب، و (حتّى) للعَطْفِ، فالمعطوفُ داخِل في المعطوف عليه، وتقديره: فما اشتكيتُها زَماناً حتَّى السَّاعَةَ، نحو: أكلتُ السَّمَكَةَ حتّى رأسها، بالنَّصبِ، انتهى.
ولا يخفى أنَّ ما قدمناه أولى وأوفَقُ لِمَا في أكثرِ النُّسَخ من المبنى، فيكون المعنى: ما وَجَدتُ أثَرَ وَجَع إلى الساعة، وأما بعدها فلا أدري الجده ام لا، فيَصدُقُ عليه أنَّ حكم ما بعد (حتّى) خِلافُ ما قبلها.
ثمَّ الأَظْهَرُ أن يكونَ المُراد نفي الشكاية بآكد وجه في الحكاية، فكأنَّه قال: ما وَجَدْتُ وَجَعاً إلى الآن، فلو أمكن أن يُوجَدَ وجعٌ هُنالك يكون بعد
الجزء 1 · صفحة 82
ذلك، ومن المُحالِ العادي أن يرجِعَ الوَجَعُ بعدَ مُدَّةٍ مَضَتْ من بَدءِ الضَّرِبةِ. (أخرَجَه) أي: البُخارِيُّ (في غَزْوَةِ خَيْبَرَ).
[الحديثُ الخامس عشر:
حدثنا أبو عاصم الضَّحَّاك بن مخلد، حدثنا يزيد، عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: غزوتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، وغزوت مع ابن حارثة استعمله علينا] (1).
(الخامِسَ عَشَرَ) قَالَ البُخَارِيُّ: (حَدَّثنا أبو عَاصِمِ الضَّحَّالُ بنُ مَخْلَدٍ) وسقَطَ الضَّحَّاكُ بنُ مَخلَدٍ) لأبي ذرٍّ، (ثنا) أي: قال أبو عاصم: حَدَّثَنَا (يزيدُ ابن أبي عبيد) ولأبي ذر وابن عساكر والأصيلي: (أَخْبَرَنا)، وهو أَصَحُ النُّسَخِ، فينبغي أن يكون هو الأصل، خلافاً لما جعله شارح (2) كما قدمناه. ثم تُبوتُ ابنِ أبي عُبَيدٍ مَخصوص برواية أبي ذر، فينبغي أن يكونَ نُسخةً لا أصلاً.
(عن سَلَمَةَ) أي: ابنِ الأَكْوَعِ، كما في أصل شارح (قال) أي: أبو سَلَمَةُ، وفي نُسخةٍ: أَنَّه قال: (غَزَوْتُ معَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم سَبْعَ غَزَاوتِ) بالسِّينِ والمُوحَّدَةِ، ثم فتحُ الغَينِ المُعجَمَةِ والزَّايِ، جَمعُ غَزوة)، وهي المَرَّةُ من الغَزْوِ، وهي في اصطلاح أهل الحديث والسير: ما قَصَدَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قال الكُفَّارِ بنَفْسِه، أو بِجَيشِ من قبله، وقصدهم أعَمُّ من أن يكون في بلادهم، مثلُ غَزْوَةِ أُحُدٍ والخَندَقِ، أو إلى الأماكن التي حَلُّوا بها ونزلوا فيها من بلاد أعدائهم كخَيْبَرَ ونحوها.
الجزء 1 · صفحة 83
ثمَّ أُولى هذه الغَزَواتِ السَّبعةِ: الحُدَيبيةُ والثَّانِيَةُ: خَيْبَرُ، وَالثَّالثةُ: غَزَوَةُ ذِي قَرَدٍ، وهي غَزْوَةُ نَهْبِ غَطَفَانَ وفَزَارَةَ لِقاحَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كما تقدَّمَ، والرَّابعةُ: غَرْوَةُ فتح مَكَّةَ، والخامِسَةُ: غَرْوَةُ حُنَيْنٍ مَعَ قبيلةِ هَوازِنَ، وهي عَقيبَ فتحِ مكَّةَ، وَالسَّابعةُ: غَرْوَةُ تبوك، وهي آخِرُ غَزَواتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كذا ذكره الشَّارِحُ.
وجَعَلَ شارح أصله في الحديثِ تِسْعَ غَزَواتٍ بِفَوقِيَّةِ قبلَ السِّينِ، ثُمَّ قَالَ: هكذا في الفرع هنا في رواية أبي عاصِمِ الضَّحَاكِ، فإنْ كانَت محفوظةٌ فلعلَّه عَدَّ غَزْوَةَ وادي القرى التي وقَعَت بعدَ خَيْبَرَ، وعُمرَةَ القَضاءِ، وبها تكمُلُ النِّسعَةُ.
قالَ القَسْطَلانِيُّ: لكِنْ رأيتُ في غير الفرع من الأُصولِ المُعتمدة (سبع) بالموحدة في هذه الرواية.
وغَزَوْتُ معَ ابنِ حارِثَةَ) أي: زَيدِ بنِ حارِثَةَ مَولى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، (اسْتَعْمَلَهُ) أي: جَعَلَه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عاملاً وأميراً (عَلَينا) والمُناسِبُ أن يُرادَ بِهِ أُسَامَةُ بنُ زِيدِ بنِ حارِثَةَ)، وذلك لقوله: (أخرجه) أي: أَوْرَدَ البُخارِيُّ الحديثَ (في كتاب المغازي، في بابِ بَعْثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَسامَةَ بْنَ زَيْدٍ إِلَى الحُرَقاتِ مِن جُهَينَةَ).
ثمَّ الحُرَقاتُ بضم الحاءِ المُهمَلةِ وفتح الرَّاءِ والقافِ، جمع (حُرَقَة) كهُمَزَةٍ، وهي بطن من جهينةَ، وهي بالتصغير قبيلة كبيرة، وأمَّا المَغازِي فَجَمْعُ (مَعْزاةٍ) مصدَرٌ ميمي، لغَزَا يغزُو غَزْواً ومَغْزَى ومَعْزاةً، فالميم زائدة، والأصلُ: غَزَاةٌ.
الجزء 1 · صفحة 84
هذا وقالَ الشَّارِحُ استعملَه علينا؛ أي في تلك الغَزَواتِ، وأبهَمَ عدَدَ هذه الغَزَواتِ في رواية أبي عاصم، لكِنْ عُيِّنت بأنَّها سبع كما تقدَّمَ في رواية للبخارِيِّ. قال: ويُفهم من كلام أهل السِّير والمغازي أنَّ الأُولى من تلكَ الغَزَواتِ
كانت في سنة خمس من الهجرة قِبَلَ نَجْد في مة راكب، والثانية في ربيع الآخرِ سنة ست إلى بني سليم، والثالثة في جمادى الأولى منها في مئة وسبعينَ راكباً إلى عِيرِ لقُرَيشِ رَجَعوا من الشَّامِ والرَّابعة في جُمادَى الأخرى منها إلى بني ثَعْلَبَةَ، والخامِسَةُ في خمس مئةٍ إلى ناسٍ من بني جُذام بطريقِ الشَّامِ، كانُوا قطعوا الطَّريقَ على دِحْيَةَ الكَلبِيِّ حينَ رجَعَ من عندِ هِرَقْلَ، والسَّادِسَةُ إلى وادي القُرى، والسابعة إلى ناس من بني فَزَارَةَ، انتهى.
وقولُ أربابِ المَغازِي، أظهَرُ، فتأمَّل وتدَبَّر، لكن ذكرَ البُخارِيُّ قبلَ هذه الروايةِ روايةً أُخرى عن يزيد بن أبي عُبَيد، أنَّه قال: سمعتُ سَلَمَةَ مِنَ الْأَكْوَعِ يَقولُ: غَزَوتُ معَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم سَبعَ غَزَواتٍ - بالمُوحَّدةِ بعد السِّينِ: عُمَرَةُ الحُدَيبيةِ، وخَيبَرُ، وَيَومُ القَرَدِ، وغَزوة الفتح، والطَّائِفُ، وتبوك، وهي آخِرُهُنَّ (1)، وخَرَجْتُ فيما يَبْعَثُ من البعوثِ، جمع (بعث)، وهو الجيشُ تِسعَ غَزَواتٍ ـ بفوقيَّة قبلَ السِّينِ، مَرَّةً علينا أبو بكر الصديق أمير إلى بني فَزَارَةَ، وأُخرى إلى بني كِلاب، وثالثة إلى الحج، ومرَّةً علينا أَسامَةُ أميرُ إلى الحُرَقاتِ، وإلى أُبْنَى بضم الهمزة وسُكونِ المُوحَّدةِ ثُمَّ نون مفتوحةٌ مقصورة من نواحي البلقاء، وهذه خمسةٌ ذكرها أهلُ السِّيَرِ، وبقيَتْ أربع لم يذكرُوها، فَيَحْتَمِلُ أن يكون في هذا الحديث حذف؛ أي: ومرَّةً علينا غيرُهما.