تطهير الطوية بتحسين النية
تأليف العلامة
المُلَّا عَليّ القَاري الحنفي المَاتُريدي
(المتوفى سنة 1014هـ)
حققه وضبط نصه وخرَّج أحاديثه وآثاره
عزيز عبد العزيز عادل بيكوف
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
جارٍ تحميل الكتاب…
تطهير الطوية بتحسين النية
تأليف العلامة
المُلَّا عَليّ القَاري الحنفي المَاتُريدي
(المتوفى سنة 1014هـ)
حققه وضبط نصه وخرَّج أحاديثه وآثاره
عزيز عبد العزيز عادل بيكوف
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
بسم الله الرحمن الرحيم
[رب زدني علما يا كريم] (¬1)
الحمدُ للهِ العالمِ بالعمل والنِّيَّةِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خيرِ البريَّةِ، وعلى آلهِ وصحبِه وتابعيه بحُسنِ الطَّويَّةِ.
أمَّا بعدُ:
فقد ورَدَ: «نيَّةُ المؤمنِ خيرٌ من عملهِ» (¬2).
قال الزَّركشيُّ: سندُه ضعيفٌ (¬3).
وقال العِراقيُّ: رواه الطَّبرانيُّ من حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ، ومن حديث النَّوَّاسِ بن سَمعانَ، وكِلاهما ضعيفٌ (¬4)، انتهى.
¬
(¬1) ساقطة من: ط.
(¬2) رواه الطبراني في «الكبير» 6: 185. وأبو نعيم في «الحلية» 3: 255. والبيهقي في «الشعب» «6445». قال العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» 2: 1171.
(¬3) التذكرة في الأحاديث المشتهرة للزركشي 1: 64.
(¬4) تخريج الأحاديث الإحياء 1: 1735.
ورواه العسكريُّ (¬1) في «الأمثالِ» (¬2)، والبَيهقيُّ في «شعبِ الإيمان» (¬3) عن أنس - رضي الله عنه -، ولفظُه: «نِيَّةُ المؤمنِ أبلغُ من عملهِ» (¬4).
وفي روايةٍ زيادةٌ: «وإنَّ الله عزَّ وجلَّ ليُعطي العبدَ على نيَّتِه ما لا يُعطيهِ على عملِه» (¬5).
والحاصلُ: أنَّ له طُرقاً يتقوَّى بمجموعِها ويَرتَقي إلى درجةِ الحَسَنِ.
[تفضيل النية على العمل]
ثمَّ لا شكَّ (¬6) أنَّ العملَ بدونِ النِّيَّةِ لا خيرَ فيه (¬7)، فيُشكِلُ الحديثُ بأنَّه يَلزمُ منه تفضيلُ الشَّيِء على نفسِه وغيرِه.
فأجابوا عنه بأجوبةٍ:
¬
(¬1) وهو الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران أبو هلال العسكري ومن تصانيفه الصناعتين والتلخيص في اللغة وجمهرة الأمثال وشرح الحماسة ولحن الخاصة والأوائل ونوادر الواحد والجمع وتفسير القرآن والدرهم والدينار والاستئناس وغير ذلك، توفي سنة خمس وتسعين وثلاثمئة. أسماء الكتب المتمم لكشف الظنون 1: 62. الوافي بالوفيات 12: 51. معجم الشعراء العرب 1: 427.
(¬2) «جمهرة الأمثال» لأبي هلال: حسن بن عبد الله العسكري، النحوي. المتوفى: سنة 395، خمس وتسعين وثلاثمائة. كشف الظنون 1: 606. خزانة التراث 58: 128.
(¬3) الجامع المصنف في شعب الإيمان، للإمام، أبي بكر: أحمد بن حسين البيهقي، الشافعي. المتوفى: سنة 458، ثمان وخمسين وأربعمائة. وهو كبير. من الكتب المشهورة. كشف الظنون 1: 574. أسماء الكتب المتمم لكشف الظنون 1: 150.
(¬4) رواه العسكريُّ في «الأمثالِ» ص 90. والبَيهقيُّ في «شعبِ الإيمان» (6859) قال: إسناده ضعيف، وله شواهد.
(¬5) كشف الخفاء 2: 392. ورواه الديلمي في «الفردوس» 4: 286.
(¬6) وفي د: يشك.
(¬7) لا ثواب إلا بالنية؛ أي لا ثواب للعمل إلا بالنية، وهو وضوءً كان أو أكلا، أو شربا، أو وطئا، أو نوما؛ لأنها زينة الأعمال وحليتها. عمدة ذوي البصائر 1: 61. أجمع المسلمون على أن جميع العبادات بدنية كانت، أو مالية، أو مركبة منهما، لا تحصل إلا بالنية. التوضيح شرح المقدمة الفقهية ص 161.
1. منها: أنَّ (خيرٌ) ليستْ بمعنى أفعلِ التَّفضيلِ، وأنَّ المعنى: نيَّةُ المؤمنِ خيرٌ من جملةِ الخيراتِ، كما أنَّ عملَه من جُملِة المبرَّاتِ، وأنَّه من قَبيلِ: العسلُ أحْلى من الخَلِّ، والصَّيفُ أحرُّ من الشِّتاءِ.
وهو ضعيفٌ؛ إذْ مثلُ هذا التَّأويلِ إنَّما يُقال فيما لا يُتصوَّرُ فيه أصلُ المُشاركةِ بوجهٍ، ولا رَيبَ أنَّ النِّيَّةَ كما أنَّها من الخيراتِ، فكذا العملُ من الخيراتِ، فلا يُفيدُ الكلامُ زيادةَ إفادةٍ، فلا يَنبغي حملُ الحديثِ عليه.
2. ومنها: أنَّ ضميرَ (عملِه) يعودُ لكافرٍ معهودٍ، وهو السَّابقُ لبناءِ قَنْطَرةٍ أو حَفْرِ بئرٍ عزَمَ مسلمٌ على بنائِها أو حفرِها. لكنَّه بعيدٌ لفظاً ومعنىً:
أمَّا لفظاً: فلعدمِ الدَّلالةِ على المرجعِ في الكلامِ، فيصيرُ من بابِ التَّعميةِ والألغازِ، وهو مُخِلٌّ في الإعجاز، وغيرُ مناسبٍ لكلامِ مَن يُبيِّنُ للناس، فينزَّهُ عنه (¬1).
وأمَّا معنىً: فلأنَّه لا خيرَ في عملِ الكافرِ؛ إمَّا لعَدمِ شرطِ صحَّةِ العملِ وهو الإيمانُ، وإمَّا لعدمِ اقترانِ حُسنِ النِّيَّةِ به.
مع أنَّ المعنى المذكورَ على تقدير مَرْجِعِ الضَّميرِ إلى المؤمنِ يُفهمُ بطريقِ البرهانِ؛ فإنَّ نيَّة المؤمنِ إذا كان خيراً من عملِ المؤمنِ، فبالأَولى أن يكون خيراً من عملِ الكافرِ.
نَعم، مفهومُه أنَّ عملَ الكافرِ خيرٌ من نيَّتِه، وهو كذلك؛ فإنَّ اللهَ ليُؤيِّدُ هذا الدِّينَ بالرَّجُل الفاجر، وهذا الأمرُ في المنافقِ ظاهِرٌ.
3. ومنها: أنَّ نيَّةَ المؤمنِ خيرٌ من خِيارِ عملهِ، على تقديرِ مضافٍ. وسبقَ أنَّه لا إفادةَ تحتَه.
4. ومنها: أنَّ نيَّةَ المؤمنِ خيرٌ ناشئٌ من عمله. [وهو قريبٌ ممَّا تقدَّمَ.
¬
(¬1) وفي ط: زيادة عليه السلام.
5. ومنها: أنَّ نيَّةَ المؤمنِ خيرٌ من عملِه] (¬1) بلا نيَّةٍ. وفيه: أنَّه لا خيرَ في عملٍ بلا نيَّةٍ، فكيف تكونُ النِّيَّة خيراً منه؟ وظاهرُ التَّرجيحُ للمشتركَيْنِ في أصلِ الخيرِ.
6. ومنها: أنَّ أحدَ جُزأَي العملِ _وهو النِّيَّةُ_ أفضلُ من الآخَر الذي وُجد مقروناً بها.
وحاصلُه: أنَّ هذه الماهيَةَ خيرٌ من تلك الماهيَةِ.
والمعْنيُّ به: أنَّ كلَّ طاعةٍ تنتظِمُ بنيَّةٍ وعملٍ، كانتِ النِّيَّةُ من جُملةِ الخيراتِ، [وكان العملُ من جملةِ الخيراتِ] (¬2)، ولكنَّ النِّيَّةَ من جُملةِ الطَّاعةِ خيٌر من العملِ؛ أي: لكلِّ واحدٍ منهما أثرٌ في المقصودِ، وأثرٌ النِّيَّةِ أكثرُ من أثرِ العملِ.
فمعناهُ: نِيَّةُ المؤمنِ من جُملةِ طاعتِه [خيرٌ من العملِ الذي من جُملةِ طاعتِه] (¬3).
والغرَضُ: أنَّ للعبدِ اختياراً في النِّيَّةِ وفي العملِ، فهما (¬4) عملانِ، والنِّيَّةُ من الجُملةِ خيرِهما.
فهذا معناهُ، وأمَّا كونُها خيراً ومترجِّحَاً على العمل؛ فلِما سيأتي.
7. ومنها: أنَّ النِّيَّةَ خيرٌ من عملِه؛ لكونِها مُصحِّحَةً للعملِ تارةً كما في العبادات المُستقِلَّةِ؛ من الصَّلاةِ والصَّومِ ونحوهما (¬5).
¬
(¬1) ما بين المعقوفين ساقط من: د.
(¬2) ساقطة من: ط.
(¬3) ساقطة من: ط.
(¬4) وفي أ ط: فيهما.
(¬5) النية في الصلاة: هي أن يصل قصد قلبه بالصلاة بتحريمتها، وهذا بيان الوقت المستحب في النية، ويجوز تقديمها بشرط أن لا يشتغل بينهما بما ليس من جنس الصلاة.
فالنية: أن يعلم بقلبه أي صلاة يصلي، ولا عبرة باللسان، لكن التلفظ بها مستحب؛ لما فيه من استحضار نيته؛ لاختلاف الزمان وكثرة الشواغل على القلوب، ولو كان المصلي بحال إن سئل: أي صلاة تصلي؟ أجاب في الفور من غير تكلف جازت صلاته، وهو الأصح. ينظر: الوقاية ص 143. عمدة الرعاية 1: 159. المرقاة شرح مقدمة الصلاة ص 160. مختارات النوازل 1: 330.
النية في الزكاة: الزكاة عبادة مقصودة مستقلة، فلا تصح من غير نية، ولا تحتاج النية من المزكي أن يتلفظ بها بلسانه، فيقول للفقير: هذه زكاة مالي؛ بل ربما يحرم ذلك، إذا كان فيه إيذاء لمشاعر الفقير، وإنما عليه أن يقصد في قلبه أنها زكاة ماله. ولا بأس بأن يقدمها المزكي للفقير في شكل هدية بمناسبة تصلح للإهداء له، كأن يقدمها له بمناسبة شفائه من مرض، أو قدومه من سفر، أو بمناسبة عيد، أو ولادة مولود، وأمثال ذلك، ما دام ينوي في قلبه أنها زكاة ماله. قلائد الذهب بشرح وسيلة الطلب ص 326. ولا تجزئ الزكاة عمن أخرجها إلا بنية مخالطة لإخراجه إياها؛ لأنها عبادة محضة، فأشبهت الصلاة والصوم. شرح مختصر الطحاوي 1: 520.
النية في الصوم: من شرط جواز الصوم، ثلاثة أشياء: النية، والإمساك عن الأكل والشرب، والإمساك عن الجماع في شهر رمضان نهارا. خزانة الفقه ص 79. والنية: معرفته بقلبه أن يصوم. شرح مختصر الطحاوي 2: 604.
النية في الحج: ولا يصير محرما بالنية، حتى يضم إليها التلبية، أو يسوق الهدي، ولا بالتلبية بدون النية، وإنما يصير محرما بالنية عند التلبية، وعند الشافعي - رضي الله عنه -: يصير محرما بالنية وحدها. شرح الجامع الصغير للإمام قاضي خان 1: 360.
ومفيدةً للثوابِ تارةً كما في شروطِ العباداتِ؛ من نحو: الوضوءِ (¬1) وسترِ العورةِ، ومحسِّنةً أُخرى كما في المُباحاتِ.
وحاصلُه: أنَّ النِّيَّةَ هي أحدُ (¬2) جُزأيِ العبادةِ، فهي تتوقَّفُ عليها توقُّفَها على العملِ، وهي خيرُهما، ويتوقَّفُ نفع (¬3) العملِ عليها، دون العكسِ.
8. ومنها: أنَّ مكانَها (¬4) مكانُ المعرفةِ؛ أعني: قلبَ المؤمنِ.
¬
(¬1) والنية سنة؛ لتحصيل الثواب؛ لأن المأمور به ليس إلا غسلا ومسحا في الآية، ولم يعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي مع جهله، وفرضت في التيمم؛ لأنه بالتراب، وليس مزيلا للحدث بالأصالة. منة الفتاح 1: 349. وإلحاق الشافعي - رضي الله عنه - الوضوء بالتيمم في اشتراط النية بعيد؛ فإن الماء مطهر بنفسه حقيقة، بخلاف التراب. خلاصة الدلائل 1: 181.
(¬2) وفي نسخة ب د: إحدى.
(¬3) وفي أ ب: ساقطة
(¬4) ساقطة من: ط.
قال سهلُ بنُ عبدِ الله التُّسْتَريُّ (¬1) قدَّسَ اللهُ سِرَّه العَليُّ (¬2): «ما خلقَ اللهُ تعالى مكاناً أعزَّ (¬3) وأشرفَ عنده من قلبِ عبدِه المؤمِن، كما أنَّه ما أعطى كرامةً للخلقِ أعزَّ عنده من معرفتِه، فجعلَ الأعزَّ للأعزِّ، فما نشأَ من أعزِّ الأمكنةِ، يكونُ أعزَّ ممَّا نشأَ من غيرِه. قال: فتَعِسَ (¬4) عبدٌ أشغلَ المكانَ الذي هو أعزُّ الأمكنةِ عنده تعالى بغيرِه سبحانَه» (¬5).
وفي حديثٍ قدسي (¬6): «أنا عند المنكسِرةِ قلوبُهم والُمنْدَرِسةِ قبورُهم» (¬7).
و «ما وَسِعَني أرضيِ ولا سمائي (¬8)، ولكنْ وَسِعَني قلبُ عبدِي المؤمنِ» (¬9)، إشعارٌ بذلك. انتهى.
وحاصلُه: أنَّ النِّيَّةَ من عملِ الباطنِ، وهو أفضلُ من عملِ الظَّاهرِ (¬10).
¬
(¬1) هو الإمام القدوة العارف أبو محمد سهل بن عبد الله التستري الزاهد له مواعظ وأحوال وكرامات وكان من أكابر سادتنا الصوفية، أحد أئمة القوم وعلمائهم، والمتكلمين في علوم الإخلاص والرياضات وعيوب الأفعال. وتوفي سنة (283) هـ. طبقات الصوفية ص 206. طبقات الأولياء المكرمين 1: 308. الرسالة القشيرية ص 130.
(¬2) وفي د: ساقطة
(¬3) زيادة من: ط.
(¬4) وفي ط: فقس.
(¬5) كشف الخفاء 2: 393.
(¬6) وفي ط: زيادة.
(¬7) كشف الخفاء 2: 393. الأسرار المرفوعة ص 118. ولا أصل له في المرفوع.
(¬8) وفي د: أرض ولا سماء.
(¬9) قال العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» 2: 713، لم أر له أصلا. وروي حديث آخر في معناه، وهي: قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن لله آنية من أهل الأرض، وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقها»، حديث صحيح، أخرجه الطبراني في مسند الشاميين رقم 840، عن أبي عنبة الخولاني - رضي الله عنه -. (آنية) وهذا لفظ مجازي، يجب تأويله، بأن هذه القلوب تحل فيها معرفة الله تعالى، وليس ذاته، جل ربنا أن يحل في شيء، أو يحصره مكان أو مخلوق، وبعض الصوفية يروون حديثا قدسيا بمعنى هذا الحديث، لكنه لا يصح نسبته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو الحديث الذي ذكر المؤلف. التزكية ص 258.
(¬10) لأن النية عمل القلب، والقلب أشرف من الجوارح، فكان عمله خيرا من عملها، والأن النية تنفع بمجردها، وأعمال الجوارح بدون النية لا نفع لها. النصائح الدينية والوصايا الإيمانية ص 356.
ويؤيِّدُه ما وردَ في الحديثِ: «إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صوركِم وأعمالكِم، ولكنْ ينظرُ إلى قلوبِكم ونيَّاتِكم» (¬1).
ويُقوِّيه حديثٌ: «إنَّ في الجسدِ لمُضغةً إذا صلُحَتْ صَلَح لها سائرُ الجسدِ» (¬2).
وقال الله تعالى: {? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} (¬3) [الحج:37].
وهي صفةُ القلبِ؛ وهو ميلُه إلى الخيِر، وانصرافُه عن الهوى، وإعراضُه عن الدُّنيا، وهي غايةُ الحسناتِ، فمِن هذا الوجهِ يجبُ أنْ تكونَ أعمالُ القلبِ على الجُملةِ أفضلُ من حركاتِ الجوارحِ، ثمَّ يجبُ أنْ يكونَ النِّيَّةُ من جُملتها أفضلُ؛ لأنَّها عبارةٌ (¬4) عن مَيلِ القلبِ إلى الخيرِ وإرادتِه له.
9. ومنها: أنَّ النِّيَّةَ لا يَشوبُها الرِّيَاءُ، والعملُ قد يُخالطُه؛ وكذا وردَ: «الصَّومُ لي، وأنا أَجْزي به» (¬5).
وقد وردَ: أنَّ عمر - رضي الله عنه - رأى أعرابيّاً لم يُحسِنِ الصَّلاةَ، فحملَ عليه الدِّرَّةَ، ثمَّ علَّمَه كيفيةَ الصَّلاة، وأمرَه بأنْ يُصلي ثانياً، فلمَّا فرَغ من صلاتِه، قال له: أهذه أحسنُ أو الأُولى؟ فقال: بل الأولى؛ فإنَّها كانتْ خالصةً للهِ، وأمَّا هذه فمِن خوفٍ الدرة (¬6)، فتبسَّم عمرُ - رضي الله عنه -.
¬
(¬1) رواه مسلم (2564)، 4: 1987.
(¬2) رواه البخاري (52)، 1: 20. ورواه مسلم (107)، 3: 1219.
(¬3) قال ابن عباس - رضي الله عنه -: (معناه: ولكن يناله النيات). الأذكار من كلام سيد الأبرار ص 32.
(¬4) وفي ط: عبادة.
(¬5) رواه البخاري (7492)، 9: 143.
(¬6) ساقطة من: د.
10. ومنها: أنَّ نيَّةَ المؤمنِ لوجودِ الإخلاصِ والصِّدقِ فيها خيرٌ من عملهِ، بخلافِ المنافقِ، فإنَّ عملَه خيرٌ من نيَّته؛ أي: في الصُّورةِ.
11. ومنها: أنَّ النِّيَّةَ بانفرادِها تصيرُ عبادةً يترتَّب عليها الثَّوابُ؛ [لخبرٍ: «مَنْ همَّ بحَسنةٍ فلم يعملْها كتبَها الله عنده ... » (¬1). بخلافِ العملِ؛ فإنَّه لا يترتَّب عليه الثَّوابُ] (¬2) إلَّا بالنِّيَّة؛ لخبرٍ: «إنَّما الأعْمالُ بالنِّيَّاتِ» (¬3).
ولا يُعارضُه قوله: «ومَن عملَها كُتبتْ (¬4) له عشرةً» (¬5) المُوهمُ أنَّ العملَ خيرٌ منها؛ لأنَّ كتابةَ العشْرِ ليستْ على العملِ وحدَه، بل معها، بل بها؛ فإنَّها شرطٌ لصحَّتِه وهو ليس شرطاً لصحَّتِها، فلولاها لمَا كان له وجودٌ أصلاً.
ويُثابُ على النِّيَّة المجرَّدةِ؛ رُويَ: «أنَّ رجلاً في بني إسرائيلَ مرَّ بكُثْبانِ رملٍ في مَجاعة، فقال في نفسِه: لو كان هذا الرَّملُ طعاماً لَقَسمْتُه بين الفقراءِ، فأوْحَى الله إلى نبيِّهم: قلْ له: إنَّ الله قد صدَّقَك، وشكرَ حُسنَ صنيعِك، وأعطاكَ ثوابَ ما لو كان طعاماً فتصدَّقْت به» (¬6).
وكذا ما وقعَ لبعضِ الملوكِ لمَّا رأى عسكرَه عظيماً، وتمنَّى أنَّه لو كان في حياةِ النَّبيِّ ? لَجاهد في رِكابه مع جُملة أصحابِه، فرأى في النَّومِ أنَّه قُبل منه وأُعْطي ثوابَه (¬7).
¬
(¬1) رواه البخاري (6491) 8: 103. ورواه مسلم (206، 130)، 1: 118.
(¬2) ما بين المعقوفين ساقطة من: ط.
(¬3) رواه البخاري (1) 1: 6.
(¬4) وفي ب: كتب.
(¬5) رواه البخاري (7501) 9: 144.
(¬6) إحياء علوم الدين 9: 19.
(¬7) أن يعزم على فعل أمر لا يستطيع فعله فيصير يقول: لو استطعت ... عملت، فله نية ما للعامل، وعليه ما عليه، والدليل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الناس أربعة: رجل آتاه الله علما ومالا؛ فهو يعمل في ماله بعله، فيقول آخر: لو آتاني الله مثل ما آتاه ... عملت مثل عمله، فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالا، ولم يؤته علما، فهو يخبط في ماله بجهله، فيقول آخر: لو آتاني الله مثل ما آتاه ... عملت مثل عمله، فهما في الوزر سواء». المعاونة والمظاهرة والمؤازرة ص 26 - 27.
ونقلَ الأستاذُ أبو القَاسمِ القُشَيريُّ (¬1): «أنَّ زُبيدةَ رُئِيتْ في المنامِ، فقِيل لها: ما فعلَ الله بكِ؟ فقالتْ: غفَرَ لي، فقِيل لها: بكثرةِ عِمَارتِكِ الآبارَ والبِرَكَ في طريقِ مكَّةَ، وإنفاقِكِ عليها؟ فقالتْ: هَيْهَاتَ، ذهبَ ذلك كلُّه إلى أربابِ الأموالِ (¬2)! وإنَّما نَفعَنا (¬3) النِّيَّات» (¬4).
وقد جاءَ فيمَن تمنَّى أنْ لو أصابَ مالاً يُنْفَقُ في المعصية، أنَّه شريكُ المنفِقِ فيها في الوِزرِ.
ووردَ في المقاتِلينَ: أنَّ «القَاتلَ والمقتولَ في النَّارِ» (¬5). وبين عِلَّةَ المَقْتولِ: أنَّه قصدَ قتلَ أخيه، أو أرادَ الرِّيَاءَ.
وقد وقعَ الإجماعُ على إثمِ (¬6) المُجامِعِ امرأتَه على قصدِ أنَّها غيُرها، بخلافِ المُجامِعِ غيرَها على قصدِ أنَّها هي، وعلى إثمِ المصلِّي المتوِّضئ على ظنِّ أنَّه محدِثٌ، بخلافِ المحدِثِ على ظنِّ أنَّه متوضِّئٌ (¬7).
¬
(¬1) هو الشيخ عبد الواحد بن عبد الكريم بن هوازن، أبو القاسم القشيري النيسابوري الشافعي مذهبا، قدس الله تعالى سره. صاحب «الرسالة» التي سارت مشرقا ومغربا، أحد أئمة الدين علما وعملا، وأخيار المسلمين فعلا ومقالا، قدوة أهل السنة، ومبين طرق النار والجنة، مقدم الطائفة، الجامع بين أشتات العلوم، توفي سنة خمس وستين وأربعمئة، ودفن في المدرسة إلى جانب الأستاذ أبي علي الدقاق. كتائب أعلام الأخيار 2: 177. طبقات الأولياء المكرمين 2: 423.
(¬2) وفي ط: الأمور.
(¬3) وفي د: أنفعنا.
(¬4) الرسالة القشيرية ص 765.
(¬5) رواه البخاري (31) 1: 15.
(¬6) ساقطة من: ط.
(¬7) ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث فهو على الوضوء، ومن تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو محدث، الأصل في هذا: أن (الشك لا يبطل اليقين)، وما ثبت باليقين لا يبطل إلا بيقين مثله. شرح مختصر الطحاوي 1: 160. الاستفسار: من صلى متعمدا بغير طهارة، هل يكفر؟ الاستبشار: قيل: يكفر. وقيل: لا، وهو ظاهر المذهب. وفي «السراجية»: إن فعل ذلك استخفافا يكفر، وإلا لا. تهذيب نفع المفتي والسائل ص 219.
12. ومنها: أنَّ النِّيَّةَ تمتدُ إلى ما لا نهايةَ له، والعملُ محصورٌ (¬1).
وحاصلُه: أنَّها تَبْقى مستمرَّةً، بخلافِ العملِ؛ فإنَّه يَنقطعُ بالموتِ، ولذا قيل: إنَّ دخول الجنَّةِ بفضلِه تعالى، ودرجاتُها بحسَبِ الأعمالِ، والخلودُ بالنِّيَّةِ، ودخولَ النَّارِ بعدلِه سبحانَه، ودَركاتُها بمقابَلةِ الأعمالِ، وخلودُها بالنِّيَّةِ.
وبه يندفعُ الإشكالُ المشهور، وهو أنَّ الكافرَ إذا عاشَ سَبْعينَ سنةً في الكفرِ، فمقتضَى ظاهرِ العدلِ أنَّه لا يُعذَّبُ أكثرَ من ذلك.
فأُجيبَ: بأنَّ خلودَه باعتبارِ نيَّتِه الخبيثةِ؛ أنَّه لو عاشَ أبدَ الآبِدينَ، لكانَ مستمرّاً على وصفِ الكافرينَ والمنافقينَ.
نَعَمْ (¬2) خلودُ المؤمنِ لا يُنافي الفضلَ، لكنْ قُوبلَ بحُسنِ نيَّة المؤمنِ؛ من أنَّه لو عاشَ أبدَ الآبادِ لاستمرَّ على توحيدِ رَبِّ العبادِ (¬3).
[فضيلة النية في الكتاب والسنة]
هذا، وممَّا يُوضِّحُ لك فضيلةَ النِّيَّةِ: ما وردَ في فضلِها من الكتابِ والسُّنَّةِ:
قال تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52]؛ والمرادُ بتلك الإرادةِ هي النِّيَّةُ.
وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]؛ أي: مخلِصينَ الطَّاعةَ بحُسنِ النِّيَّةِ.
¬
(¬1) وفي د: محصورة.
(¬2) وفي ب: ثم.
(¬3) لأن العمل له نهاية، والنية لا نهاية لها، فالمسلم وإن قلَّ عمله إذا مات على الإسلام، فإنه يخلد في الجنة إما قبل العذاب أو بعده فلا يبقى في النار خالدا، والكافر وإن كثر عمله، فإنه يخلد في النار، فلو كان هذا يستحق بالعمل لكان لكل واحد منهما نهاية، ولكن التخليد منهما يكون النية؛ لأن نية المسلم هو الإسلام على الأبد، ونية الكافر هو الكفر على الأبد، فيبقى كل واحد منهما ببقاء نيته. عمدة ذوي البصائر 1: 61.
وفي الحديثِ المُتَّفقِ على صحَّتِه _وقد قال العلماءُ الأعلامُ: هو ثُلثُ الإسلامِ_: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى؛ فمَن كانتْ هجرتُه» (¬1)؛ أي: نيَّتُه في هجرتِه «إلى اللهِ وإلى رسولِه، فهجرتُه إلى اللهِ ورسولِه»؛ أي فهجرتُه مقبولةٌ «ومَن كانت هجرتُه إلى دُنيا يُصيبُها، أو امرأةٍ يتزوَّجُها، فهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه»؛ أي: فهجرتُه مردودةٌ عليه.
[وروى أحمد من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -: «أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش ورب قتيل بين الصفين، والله أعلم بنيته»] (¬2) (¬3).
وروى الدَّارقُطْنيُّ من حديثِ أنسٍ بإسنادٍ حسنٍ: «إنَّ العبدَ لَيعملُ أعمالاً حسنةً، فيصعدُ بها الملائكةُ في صُحُفٍ مختَّمةٍ، فتُلقى بين يدي اللهِ، فيقول: أَلْقُوا هذه الصَّحيفةَ؛ فإنَّها لم يُردْ بما فيها وجهي، ثمَّ يُنادي الملائكة! اكتبوا له كذا وكذا.
فيقولون: يا ربَّنا! إنَّه لم يَعمل شيئاً من ذلك. فيقولُ الله تعالى: إنَّه نواهُ، إنَّه نوَاهُ» (¬4).
وكذلك في حديثِ أنسٍ، رواه البُخاريُّ وغيرُه: لمَّا خرجَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غزوةِ تَبُوك، قال: «إنَّ بالمدينة أقواماً، ما قطعْنا وادِياً، ولا وَطِئنا موْطئاً (¬5) يغيظُ الكفَّار، ولا أنفقنا نفقةً، ولا أصابَتْنا مَخْمصةً، إلَّا شَركونا في ذلك وهم بالمدِينة (¬6)»، قالوا:
¬
(¬1) سبق تخريجه.
(¬2) ما بين المعقوفين ساقطة من: أ.
(¬3) رواه أحمد في «مسنده» (1: 397).
(¬4) رواه الدارقطني (132) 1: 76.
(¬5) ساقطة من: أ.
(¬6) وفي ب: في المدينة.
وكيف ذلك يا رسولَ الله وليسوا معنا؟ قال: «حَبَسَهم العُذرُ، فشَرَكونا بحُسنِ النِّيَّةِ» (¬1).
ورَوى أبو داودَ _بإسنادٍ جيدٍ_ من حديثِ أبي يَعْلَى بِن أميَّةَ: أنَّه استأجرَ أجيراً للغزوِ، وسمَّى له ثلاثةَ دنانيرَ، فقال النبَّيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ما أَجِدُ له في غزوتِه هذه في الدُّنيا والآخرةِ إلَّا دنانيرَه التي سمَّى» (¬2).
وفي حديثِ مسلمٍ عن أُمِّ سلَمةَ رضي الله عنها: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَر جيشاً يُخْسَفُ بهم بالبَيْدَاءِ، فقلتُ: يا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -! يكون فيهم المُكرَهُ والأجيرُ؟ فقال: «يُحْشرونَ على نيَّاتِهم» (¬3).
وفي حديث أبي هُريرة - رضي الله عنه -، روَاه ابنُ ماجه: «مَن تزوَّج على امرأةٍ على صَدَاقٍ وهو لا ينوي أداءَه فهو زانٍ» (¬4).
¬
(¬1) رواه البخاري (4423) 6: 8.
(¬2) رواه أو داود (2527) 3: 17.
(¬3) رواه مسلم (2882) 4: 2808.
(¬4) لم أجده عند ابن ماجه، رواه البزار في «مسنده» (8721) بتمامه، وآخره رواه ابن أبي الدنيا في «مكارم الأخلاق» (272). قوت القلوب 2: 372. إحياء علوم الدين 9: 16.
وفي حديثٍ مُرسَلٍ (¬1): «مَن تَطَيَّبَ للهِ جاءَ يومَ القيامةِ ورِيحُه أطيبُ من المسكِ، ومَن تطيَّبَ لغيرِ الله جاءَ يومَ القيامةِ ورِيحُه أنْتنُ من الجِيفَةِ» (¬2).
[المعاصي لا تتغير عن موضوعاتها بالنية]
ثمَّ اعلم أنَّ المعاصيَ لا تتغيَّرُ عن موضوعاتِها بالنِّيَّةِ، فلا ينبغي أنْ يَفهمَ الجاهلُ ذلك من عمومِ قولِه - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ»، فيَظُنَّ أنَّ المعصيةَ تَنْقلبُ طاعةً بالنِّيَّةِ؛ كالذي يغتابُ إنساناً مراعاةً لقلبِ غيرِه، أو يُطعمُ فقيراً من مالِ غيرِه، أو يبني مدرسةً أو مسجداً أو رِباطاً بمالٍ حرامٍ وقَصدَه به الخيرُ (¬3).
¬
(¬1) قال النووي - رضي الله عنه -: «المرسل فهو عند الفقهاء وأصحاب الأصول والخطيب وجماعة من المحدثين ما انقطع إسناده على أي وجه كان انقطاعه؛ فهو عندهم بمعنى المنقطع». حكم المرسل: يجوز الاحتجاج به مطلقا، وهو قول أبي حنيفة، ومالك وأحمد في المشهور عنه، وأتباعهم من الفقهاء والمحدثين والأصوليين. قال أبو داود: «وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم فيها وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره - رضي الله عنه -». قال الجصاص الحنفي - رضي الله عنه -: مذهب أصحابنا: أن مراسيل الصحابة والتابعين وأتباع التابعين مقبولة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - عدلهم، بشرط أنه لا يرسل إلا عن العدول الثقات. إتحاف الفضلاء في بيان علوم الحديث عند المحدثين والفقهاء ص 106 - 107.
(¬2) رواه عبد الرزاق في «المصنف» 7833. أخرجه أَبُو الْوَلِيد الصفار فِي كتاب الصَّلَاة من حَدِيث اسحق بن أبي طَلْحَة مُرْسلا.
(¬3) والنية لا تؤثر في المعاصي شيئا، كما أن التطهير لا أثر له في نجس العين، فمن وافق إنسانا على غيبة مسلم، وادعى أنه يقصد بذلك إدخال السرور على قلبه، فهو أحد المغتابين، ومن سكت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وادعى أنه نوى بسكوته التوقي عن كسر قلب المباشر، فهو شريكه في الإثم، وإذا تعلقت النية الخبيثة بالعمل الطيب، أفسدته وصيرته خبيثا؛ كمن يعمل الصالحات وينوي بذلك تحصيل المال والجاه. المعاونة والمظاهرة والمؤازرة ص 24 - 25.
فهذا كلُّه جهلٌ (¬1)، والنِّيَّةُ لا تُؤثِّرُ في إخراجِه عن كونه ظُلماً وعُدواناً ومعصيةً؛ بل قَصدُه الخيرَ بالشَّرِّ على خلافِ مقتضَى الشَّرعِ شرٌّ آخرُ؛ فإنْ عرَفه فهو معانِدٌ للشَّرعِ، وإن جهلَه فهو عاصٍ بجهلِه؛ إذْ: «طَلَبُ العلمِ فريضةٌ على كل مسلم» (¬2) (¬3).
والخيراتُ إنَّما يُعْرَفُ كونُها خيراتٍ بالشَّرعِ، فكيف يمكنُ أنْ يكونَ الشَّر خيراً؟ هَيْهَاتَ! ولذلك قال بعضُ علمائِنا: مَن تصدَّقَ بمالٍ حرامٍ ويرجو الثَّوابَ كفرَ، وإذا عَلِمَ الفقيرُ بذلك، ودعا له، كُفِرَ أيضاً.
[خطورة الشهوة والهوى]
وإنَّما المروِّجُ لذلك على القلب خفيُّ الشَّهْوةِ وباطنُ الهوى؛ فإنَّ القلبَ إذا كان مائلاً إلى طلبِ الجاهِ واستمالةِ قلوبِ النَّاسِ وسائرِ حظوظِ النَّفْسِ، توسَّلَ الشَّيْطانُ به إلى التَّلْبيسِ على الجاهلِ.
وكذلك قال سهلٌ: ما عُصيَ اللهُ بمعصيةٍ أعظمَ من الجهلِ!
قِيل: يا أبا (¬4) محمدٍ! هل تَعْرفُ شيئاً أشدَّ من الجهلِ؟ قال: نعم: الجهلُ بالجهلِ (¬5).
¬
(¬1) ساقطة من: د.
(¬2) رواه ابن ماجه 1: 81. حسنه الحافظ المزي لكثرة طرقه كما في «تدريب الراوي» للسيوطي ص 83، وتبعه السيوطي في «الدرر المنتثرة» ص 105.
(¬3) اعلم أنه لا يفترض على كل مسلم طلب كل علم، وإنما يفترض عليه طلب علم الحال. وبيان هذا: أن ما يحتاج المرء في الحال لأداء ما لزمه: يفترض عليه عينا علمه، كالطهارة لأداء الصلاة، فإن أرد التجارة يفترض عليه تعلم ما يتحرز به عن الربا والعقود الفاسدة، وإن كان له مال يفترض عليه تعلم زكاة جنس ماله، ليتمكن به من الأداء، وإن لزمه الحج يفترض عليه تعلم ما يؤدي به الحج. فهذا معنى: علم الحال.
وهذا علم، لأن الله تعالى حكم ببقاء الشريعة إلى يوم القيامة، والبقاء بين الناس يكون بالتعلم والتعليم، فيفترض التعلم والتعليم جميعا. كتاب الكسب ص 149. تفهيم المتفهم شرح تعليم المتعلم 23.
(¬4) ساقطة من: د ط.
(¬5) قوت القلوب 2: 153. إحياء علوم الدين 9: 33.
قال حُجَّةُ الإسلامِ (¬1): «وهوكما قالَ؛ لأنَّ الجهلَ بالجهلِ (¬2) يسُدُّ بالكلِّيَّةِ بابَ التَّعلُّمِ؛ فمَن يظنُّ نفسَه أنَّه عالمٌ فكيف يتعلَّمُ؟!
[مدح العلم وذم الجهل]
وكذلك أفضلُ ما أُطيعَ اللهُ به العلمُ، ورأسُ العلمِ: العلمُ بالعلمِ (¬3)؛ كما أنَّ رأسَ الجهلِ (¬4): الجهلُ بالجهلِ، وإنَّ مَن لا يعلمُ العلمَ النَّافعَ من العلمِ الضَّارِّ، اشتغلَ بما أَكَبَّ عليه النَّاسُ من العلومِ المُزَخْرَفةِ التي هي مِن وسائلِهم إلى الدُّنيا، وذلك هو مادَّةُ الجهلِ، ومَنْبعُ فسادِ العلمِ.
والمقصودُ: أنَّ مَن قَصَد الخيرَ بمعصيةٍ عن جهلٍ، فهو غيرُ معذورٍ، إلَّا إذا كان قريبَ العهدِ بالإسلامِ، ولم يجدْ بعدُ مهلةً للتعلُّمِ» (¬5).
¬
(¬1) هو محمد بن محمد بن محمد أبو حامد بن أبي عبد الله من أهل طوس. إمام الفقهاء على الإطلاق، ورباني الأمة بالاتفاق، ومجتهد زمانه، واشتهر فضله بين العباد، واتفقت الطوائف على تبجيله وتعظيمه، وتوقيره وتكريمه، وخافه المخالفون، وانقهر لحججه وأدلته المناظرون، وظهرت بتنقيحاته فضائح المبتدعة والمخالفين، وقام بنصر السنة وإظهار الدين، وسارت مصنفاته في الدنيا سير الشمس في البهجة والجمال، وتوفي (505) هـ. طبقات الأولياء المكرمين 2: 575. كتائب أعلام الأخيار 2: 330.
(¬2) ساقطة من: أ.
(¬3) طلب العلم والفقه _إذا صحت النية_ أفضل من جميع أفعال البر، كذا الاشتغال بزيادة اعلم إذا صحت النية. الفتاوى البزازية 5: 378، بهامش الفتاوى الهندية.
(¬4) الجهل، وهو: عدم العلم عمن من شأنه أن يكون عالما، فلا يقال للجماد والحيوان جاهل، لأنه لا يقال له عالم.
وحد الجهل: معرفة المعلوم على خلاف ما هو به. وحد العلم: معرفة المعلوم على ما هو به. وهو نوعان:
الأول بسيط: (أي غير مركب)؛ لأن صاحبه يجهل فقط، ويعلم أنه يجهل، وهذا النوع أصحابه كالأنعام؛ لفقدهم ما به يمتاز الإنسان عنها، بل هم أضل، لتوجهها نحو كمالاتها.
والثاني مركب: وهو: اعتقاد غير مطابق لما هو عليه، بأن يجهل الأمر، ويجهل أنه يجهل ذلك الأمر. وهو شر من الأول؛ لكونه جهلين والأول جهل واحد، وهو مرض مزمن، قل ما يقبل العلاج، لأن صاحبه يعتقد أنه عِلْم وكمال، لا جهل ومرض فلا يطلب إزالته عنه ولا علاجه لإنكاره أنه مريض، إلا أن يطلع على فساده بغتة من تلقاء نفسه، إذ لا يسمع كلام أحد. الدرر المباحة في الحظر والإباحة ص 330 - 331. عمدة ذوي البصائر 2: 479.
(¬5) إحياء علوم الدين 9: 33.
قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]؛ فلا يَحِلُّ للجَاهل أنْ يَسْكتَ على جهلِه، ولا للعالمِ أنْ يسكُتَ على علمِه (¬1).
[علماء السوء]
ويقرُبُ من تقرُّب السَّلاطينِ ببناءِ المساجدِ والمدارسِ بالمالِ الحرامِ؛ كتقرُّبِ العلماءِ السُّوء بتعليمِ العلمِ للسُّفهاءِ والأشرارِ، المشغولينَ بالفسقِ والفجورِ، والقاصرينَ همَمهم على مُمَاراةِ (¬2) العلماءِ، ومُجادلِة السُّفهاءِ، واستمالةِ وجوه الناسِ، وجمعِ (¬3) حُطامِ الدُّنيا، وأخذِ أموالِ السَّلاطينِ واليتامى والمساكِين؛ فإنَّ هؤلاءِ إذا تعلَّموا، كانوا قُطَّاعَ طريقِ الله، وانْتَهضَ كلُّ واحدٍ في بلدتِه نائباً عن الدَّجَّالِ؛ يتكالبُ على الدُّنيا، ويتَّبعُ الهوى، ويتباعدُ عن التَّقوى، ويَسْتَجْرِئُ النَّاسَ بسبب مشاهدتِه على حُبِّ (¬4) الدُّنيا (¬5).
ثمَّ قد ينتشرُ (¬6) العلمُ إلى مثلِه وأمثالِه، ويتَّخذونَه أيضاً آلةً ووسيلةً إلى الشَّرِّ وأنواعِ المعاصي، ويتسلسلُ ذلك (¬7) ووَبَالُ جميعهِ يرجعُ إلى المعلِّم الذي علَّمَه العلمَ مع علمِه بفسادِ نِيَّته وقصدِه، ومُشاهدةِ أنواعِ المعصيةِ من أقوالِه وأفعالِه (¬8) في مطعمِه
¬
(¬1) قوت القلوب 2: 153. وسئل الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: من أين حصل لك الإحاطة بالعلوم أصولها وفروعها؟ فتلا هذه الآية أي: أفاد أن تلك العلم الكلي إنما حصل باستعلام المجهول من العلماء وترك العار وقد ورد (الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها)، يعني ينبغي للمؤمن أن يطلب الحكمة كما يطلب ضالته. تفسير روح البيان 5: 47.
(¬2) وفي د: ممارسة.
(¬3) وفي د: جميع.
(¬4) وفي ط: صاحب.
(¬5) قال سفيان الثوري: الأعمال السيئة داء، والعلماء دواء، فإذا فسد العلماء فمن يشفي الداء؟! وقال أيضا: العالم طبيب الدين، والدرهم داء الدين، فإذا أجر الطبيب الداء إلى نفسه، فمتى يداوي غيره؟! طبقات الأولياء المكرمين 1: 292.
(¬6) وفي ط: ينقشر.
(¬7) ثابتة من: ط.
(¬8) وفي د: أقوال وأفعال.
ومشربِه وملبسِه ومسكنِه ومكتسبِه، فيموتُ هذا العالِمُ ويبقى آثارُ شرِّه منتشرةً في العالَمِ ألفَ سنةٍ مثلاً، وطُوبى لمَن ماتَ وماتتْ معه ذنوُبه (¬1).
ثمَّ العجبُ من جهلِه حيثُ يقولُ: إنَّما الأعمال بالنِّيَّات، وقد قصدتُ بذلك نشرَ الدِّين، فإن استعملَه هو في الفسادِ، فالمعصيةُ منه لا منِّي، وإنَّما قَصدتُ به أنْ يستعينَ به على الخيرِ (¬2).
وأمَّا حُبُّ الرِّياسةِ والاستِتباعِ والتَّفاخرِ بعلوِّ العلمِ (¬3)، يُحسِّنُ ذلك في قلبِه، والشَّيطانُ بواسطةِ حُبِّ الرِّياسةِ يُلَبِّسُ عليه.
وليتَ شِعرِي! ما جوابُه عمَّن وهبَ سيفاً قاطعا (¬4) لقاطعِ الطَّريقِ، وأعدَّ له خيلاً وأسباباً يستعينُ بها على مقصودِه، ويقول: إنَّما أردتُ البَذلَ والسَّخاءَ والتَّخلُّقَ بأخلاق الله تعالى، وقصدتُ به أنْ يغزُو بهذا السَّيفِ والخيلِ في سبيلِ الله تعالى؛ فإنَّ إعدادَ (¬5) الخيلِ والرِّباطِ والقوَّةِ للغَزَاةِ (¬6) في سبيل الله تعالى من أفضلِ القُرباتِ؛ فإنْ هو صَرَفه إلى قطعِ الطَّريقِ فهو العاصي.
¬
(¬1) إحياء علوم الدين 9: 34.
(¬2) ويشترط لصدق النية ألا يكذبها العمل، فمن يطلب العلم مثلا، ويزعم أن نيته في تحصيله أن يعمل ويعلم، فإن لم يفعل ذلك عند التمكن منه، فنيته غير صادقة، وكمن يطلب الدنيا، ويزعم أنه إنما يطلبها لأجل الاستغناء عن الناس، والتصدق على المحتاجين، وصلة الأقربين، فإن لم يفعل ذلك عند القدرة عليه، فلا أثر لنيته. المعاونة والمظاهرة والمؤازرة ص 24 - 25.
(¬3) وفي ط: المقام.
(¬4) ثابتة من: د.
(¬5) وفي أ: أعداد.
(¬6) وفي ط: للغزوات
وقد أجمعَ الفقهاءُ على أنَّ ذلك حرامٌ، مع أنَّ السَّخاءَ هو أحبُّ الأخلاقِ إلى الله تعالى. [الملك الخلاق حتى قال - صلى الله عليه وسلم - أن لله عز وجل ثلاث مائة خُلُقٍ من تقرب إليه بواحد منها دخل الجنة، وأحبها إليه السخاء] (¬1) (¬2).
«فليتَ شِعري! لمَ حُرِّم هذا السَّخاءُ؟ ولِمَ وجبَ عليه أنْ يَنْظُر إلى قرينةِ حالِه من هذا الظَّالمِ (¬3)؛ فإذا لاحَ له من عادتِه أنَّه يستعينُ بالسِّلاحِ على الشَّرِّ، فينبغي أنْ يسعى في سَلْبِ سلاحِه، لا في أنْ يُمدَّه بغيرِه؟
والعِلمُ سلاحٌ يُقاتَلُ به الشَّيطانُ وأعداءُ الله تعالى، وقد يُعاونُ به أعداءُ الله؛ وهو (¬4) الهوى، فمَن لا يزالُ مُؤثراً لدُنياه على دِينه، ولهواه على آخرتِه، وهو عاجزٌ عنها لقِلَّةِ فَضْلِه، فكيف يجوزُ إمدادُه بنوعِ علمٍ يتمكَّنُ به من (¬5) الوصولِ إلى شهواتِه؟
[تفقد علماء السلف أحوال من يتردد إليهم]
بل لمْ يزل علماءُ السَّلف _رحمهم الله تعالى_ يتفقَّدونَ أحْوالَ من يتردَّدُ إليهم؛ فإذا رأوا منه تقصيراً في نَفْلِ من النوافلِ أنْكرُوه (¬6) وتركوا إكرامَه، وإذا رأو منه فجوراً واستحلال حرامٍ هجَروه ونَفَوْه عن مجالستِهم، وتركوا تكليمَه فضلاً عن تعليمِه [لعلمهم أن من تعلم مسألة ولم يعمل بها وجاوزها إلى غيرها فليس بطلب إلا آلة الشر] (¬7).
¬
(¬1) ثابتة من: ط.
(¬2) قوت القلوب 2: 78. إحياء علوم الدين 9: 35.
(¬3) وفي ط: الطالب.
(¬4) زيادة في ط: أهل.
(¬5) وفي ب: إلى.
(¬6) وفي د: المكروه.
(¬7) ثابتة من: ط.
وقد تعوَّذَ جميع السَّلف بالله تعالى من الفاجرِ العليمِ، وما تعوَّذوا من الفاجر الجاهلِ.
وحُكي عن بعضِ أصحابِ أحمدَ بن حنبلٍ: «أنَّه كان يتردَّدُ إليه سنين، ثمَّ اتَّفقَ أنْ أعرضَ عنه أحمدُ وهجرَه، وصارَ لا يُكلِّمُه، فلم يَزلْ يسألُه عن تغيُّره، وهو لا يذكُره، حتى قال: بلغَني أنَّك طيَّنْتَ حائطَ دارِك من جانبِ الشَّارعِ المسلمين (¬1)، فقد أخذتَ قَدْرَ سَمْكِ الطِّينِ من الطَّريقِ، وهو أُنْمُلةٌ من شارعِ المسلمينَ، فلا تَصلُحُ لتعلُّمِ العلمِ» (¬2).
قال الإمامُ حُجَّةُ الإسلامِ: «فهكذا كان مُراقبةُ السَّلفِ لأحوالِ طلبةِ العلمِ.
فهذا وأمثالهُ ممَّا يلتبِسُ على الأغبياءِ (¬3) وأتباعِ الشَّيطانِ، وإنْ كانوا أربابَ الطَّيالسةِ وأكمامِ الواسعةِ، وأصحابَ الألسنةِ الطَّويلةِ، والفضلِ الكثيرِ؛ أعْني: الفضلَ مِن العُلومِ التي لا تَشْتمِلُ على التَّحذيرِ من الدُّنيا والزَّجرِ عنها، والتَّرغيبِ في الآخرةِ والدُّعاءِ إليها؛ بل هي من العلومِ التي تَتعلَّقُ بالخَلْقِ، ويُتوصَّلُ بها إلى جمع الحُطامِ واستتباعِ النَّاس، والتَّقدُّمِ على الأقرانِ» (¬4).
[معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات»]
فإذاً، معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمالُ بالنِّيَّاتِ» يَخْتصُّ من الأقسامِ الثَّلاثةِ بالطَّاعاتِ والمُباحاتِ دون المعاصي؛ إذْ الطَّاعةُ تنقلبُ معصيةً بالقصدِ، وتكونُ طاعةً بالقصدِ.
والمباح ينقلب (¬5) معصية وطاعة بالقصد.
¬
(¬1) ثابتة من: د.
(¬2) قوت القلوب 1: 69. إحياء علوم الدين 9: 36.
(¬3) وفي د ط: الأغنياء.
(¬4) إحياء علوم الدين 9: 36.
(¬5) وفي أ: ينقل.
وأمَّا المعصيةُ، فلا يَنْقلبُ طاعةً بالقصدِ أصلاً. نَعَمْ للنِّيَّةِ دخْلٌ فيها؛ وهو أنَّه إذا انضافَ إليها (¬1) قصدٌ ونيَّةٌ خبيثةٌ تضاعَفَ وِزْرُهَا، وعَظُمَ وَبالُهَا (¬2).
وأمَّا الطاعاتُ، فهي مُرْتبِطةٌ بالنِّيَّاتِ في أصل صحَّتها، وفي تضاعُفِ فضلِها:
أمَّا الأصلُ: فهو أنْ يَنْويَ بها عبادةَ الله لا غيرَ، فإنْ نوى الرِّياءَ صارتْ معصيةً.
وأمَّا تضاعُفُ الفضلِ: فبكثرةِ النِّيَّاتِ الحسنةِ؛ فإنَّ الطَّاعةَ الواحدةَ يُمكنُ أنْ ينوي بها خيراتٌ كثيرةٌ، فيكونُ له بكلِّ نيَّةٍ ثوابٌ؛ إذْ كلُّ واحدةٍ منها حسنةٌ، ثمَّ تُضاعَفُ كلُّ حسنةٍ عشرَ أمثالِها (¬3)، [كما ورد به الخبر] (¬4).
قلتُ: وهذا أحدُ الوجوهِ التي تُرجِّحُ النِّيَّةَ على العملِ.
[مثال على طاعة تحتمل نيات كثيرة]
ومِثالُه: القُعودُ في المسجدِ؛ فإنَّه طاعةٌ، ويُمكنُ أنْ يُنوَى به نيَّات كثيرةٌ:
أوَّلها: أنْ يعتقدَ أنَّه بيتُ الله تعالى، وأنَّ داخلَه زَائِرُ الله تعالى، فيقصدَ به زيارةَ مولَاه، رجاءً لمِاَ وعدَ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيثُ قال: «مَنْ قعَدَ في المسجدِ فقد زارَ الله تعالى، وحقٌّ على المَزُورِ إكرامُ زائِرهِ». رواه البَيْهَقيُّ وغيره (¬5).
¬
(¬1) ساقطة من: د.
(¬2) النية السيئة: يحاسب ناويها بها، ويعاقب على همه بتنفيذها ولو لم يفعل ما عزم عليه من سوء، إذا كان قد تركها لغير الله تعالى: لنحو عجز أو حياء أو رهبة من الناس أو فقدانه الوسيلة إليها. فأخلص لله تعالى النية، وأحسن الطوية، وتلقَّ ثواب رب البرية. رسالة المسترشدين للمحاسبي ص 77.
(¬3) وهذا من أكبر نعم الله تعالى على العبد المسلم، فإنه إذ يجازى بنيته يستطيع أن يكثر من نيات الخير الذي يرضي الله تعالى، ويدخر بذلك ثوابا حسنا على عمل صالح لم يعمله، ولكن نواه وكان يعتزم تنفيذه لو تمكن منه. ولهذا قال أبو صفيان _أحد السلف_: «ما ضعف بدن قط عن نية». وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي يوما: أوصني يا أبه، فقال: يا بني أنو الخير، فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير. وقال إبراهيم النخعي: لم يكن عبد الرحمن بن يزيد النخعي _وهو أحد التابعين_ يعمل شيئا إلا بنية، حتى إنه كان يشرب الماء بنية. رسالة المسترشدين للمحاسبي ص 76 - 77.
(¬4) ثابتة من: ط.
(¬5) رواه البيهقي في «الشعب» (2943). موقوفا على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإسناده صحيح.
وثانِيها: أنْ ينتظرَ الصَّلاةَ بعد الصَّلاةِ، فيكونَ في جُملةِ انتظارِه في صلاةٍ (¬1)، وهو معنى قوله تعالى: {وَرَابِطُوا} [آل عمران: 200]. [وفي الخبر: «انتظار الصلاة صلاة»] (¬2) (¬3).
وثالثها: التَّرهُّبُ بكفِّ السَّمعِ والبصرِ والأعضاءِ عَن الحركاتِ والتَّردُّداتِ؛ فإنَّ الاعتكافَ كفٌّ، وهو في معنى الصَّومِ، وهو نوعُ (¬4) ترهُّبِ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «رهبانيَّةُ أُمَّتي: القُعودُ في المساجدِ». ذكره الإمامُ، لكنْ قال العِراقيُّ: لم أجدْ له أصلاً (¬5).
ورابعها: عكوفُ الهمِّ على الله تعالى، ولزومُ السِّرِّ والفكرِ في الآخرةِ، ودفعُ الشَّواغلِ الصَّارفةِ عنه بالاعتزالِ في المسجدِ.
وخامسها: التَّجرُّدِ لذِكرِ الله تعالى، أو للاستماعِ لذِكرِه، أو للتَّذْكيرِ به (¬6).
وسادسها: أنْ يَقصدَ به إفادةَ علمٍ؛ بأمرٍ بمعروفٍ، ونهيٍ عن منكرٍ؛ إذْ المسجدُ لا يخلو ممَّن يُسئُ صلاتَه، أو يَتعاطَى ما لا يَحِلُّ له.
وسابعها: أنْ يستفيدَ أخاً في الله؛ فإنَّها غَنيمةٌ وذَخيرةٌ للدَّارِ الآخرةِ (¬7)، والمسجدُ مُعَشَّشُ أهلِ الدِّينِ، والمُحبِّينَ لله تعالى، وفي الله تعالى.
¬
(¬1) وهو من أشرف الأعمال إذا كان عن الإخلاص لله تعالى؛ لأنه منتظر للصلاة، وهو كالمصلي، وهي حالة قرب وانقطاع ومحاسنها لا تحصى. ومن محاسنه: أن فيها تفريغ القلب من أمور الدنيا بشغله بالإقبال على العبادة متجردا لها، وتسليم النفس إلى المولى بتنفيض أمرها إلى عزيز جنابه، والاعتماد على كرمه، والوقوف ببابه. منة الفتاح 3: 352.
(¬2) ثابتة من: ط.
(¬3) لم أعثر على تخريجه.
(¬4) ساقطة من: ط.
(¬5) تخريج أحاديث الإحياء 1: 1740.
(¬6) كره الصمت إن اعتقده قربة؛ لأنه منهي عنه؛ لأنه صوم أهل الكتاب وقد نسخ، وأما إذا لم يعتقد قربة فيه، ولكنه حفظ لسانه عن النطق بما لا يفيد فلا بأس به، ولكنه يلازم قراءة القرآن والذكر والحديث والعلم ودراسته وسير النبي - صلى الله عليه وسلم - وقصص الأنبياء عليهم السلام وحكايات الصالحين وكتابة أمور الدين. منة الفتاح 3: 348.
(¬7) يطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا وينصبه رقيبا على نفسه ليلاحظ أحواله وأفعاله، فما كرهه من أخلاقه وأفعاله وعيوبه الباطنة والظاهرة ينبهه عليه، وهكذا كان يفعل الأكابر من أئمة الدين. مفتاح الوصول إلى الله والرسول ص 132. وينبغي أن يطلب صحبة عبد من عباد الله مجتهد في العبادة، فيلاحظ أقواله ويقتدي به، إلا أن هذا قد تعذر إذ قد فقد في هذا الزمان من يجتهد في العبادة اجتهاد الأولين، فينبغي أن يعدل من المشاهدة إلى السماع، فلا شيء أنفع من سماع أحوالهم، ومطالعة أخبارهم، وقد انقضى تعبهم وبقي ثوابهم ونعيمهم أبد الآباد لا ينقطع. مفتاح الوصول إلى الله والرسول ص 163.
وثامنُها: أنْ يَتركَ الذُّنوبَ حياءً من اللهِ تعالى، وخشيةً من أنْ يتعاطَى في بيتِ الله تعالى ما يقتضي هَتْكَ الحُرمَةِ.
فهذا طريقُ تكثيرِ النِّيَّاتِ، فقِسْ به سائرَ الطَّاعَاتِ والمُباحاتِ؛ إذْ ما مِن طاعةٍ إلَّا وتَحْتمِل نِيَّاتٍ كثيرةً، وإنَّما يَحضرُ في قلبِ العبدِ بقدْرِ جِدِّه (¬1) في طلبِ الخيرِ وتشميرهِ له، [وتفَكُّرِه فيه] (¬2)، فبهذا تَزْكُو الأعمالُ، وتَتضاعَفُ الحسناتُ.
[المباحات تصير من القربات إن صحبتها نية حسنة]
وأمَّا المباحاتُ، فما من شيء منها إلَّا ويَحتمِل أنَّه بنيَّةٍ أو نيَّاتٍ يَصيرُ بها مِن محاسن القُرُباتِ، ويُنالُ بها معالي الدَّرجاتِ، فما أعظمَ خُسرانَ مَن يَغفلُ عنها ويَتَعاطاها تَعَاطي البهائمِ المُهمَلةِ عن شهوةٍ (¬3) وغفلةٍ!
ولا يَنبغي أنْ يَستحقِرَ العبدُ الخَطَراتِ والخُطُواتِ واللَّحظَاتِ؛ فكلُّ ذلك يُسألُ عنها يومُ القيامةِ: لِمَ فعلَها؟ وما الذي قَصَد بها؟ هذا في مُباحٍ محضٍ لا يشوبُه كراهةٌ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «حلالُها حسابٌ، وحرامُها عذابٌ» (¬4).
[مثال على مباح يصير من القربات بالنية الحسنة]
¬
(¬1) وفي ط: حده.
(¬2) ما بين المعقوفين ساقطة من: ب.
(¬3) وفي ط: ويفعلها عن سهو.
(¬4) قال العراقي في «تخريجه» (1: 1123): أخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب من طريقه موقوفا على علي بن أبي طالب بإسناد منقطع بلفظ «وحرامها النار» ولم أجد مرفوعا.
«فمَن تطيَّبَ مثلاً يومَ الجُمْعةِ، وفي سائرِ الأوقاتِ، يُتصوَّرُ أنْ يقصدَ به التَّنعُّمَ بلذَّاتِ الدُّنيا، أو يَقصدَ إظهارَ التَّفاخُرِ بكثرةِ المالِ ليحسدَه الأقْرانُ، أو يقصدَ به رياءَ الخَلْق ليقومَ له الجاهُ في قلوبِهم ويُذكر بطِيبِ الرَّائحةِ، أو ليتودَّدَ (¬1) به قلوبَ النِّساءِ الأجنبيَّاتِ إذا كان مستميلًّا للنَّظرِ إليهنَّ، ولأمورٍ أَخرَ لا تُحصى، وكلُّ هذا يَجعلُ الطيِّبَ معصيةً، فبذلك يكونُ أنْتَنَ من الجِيفةِ يومَ القيامةِ، إلَّا المقصِدَ الأوَّلَ _وهو التَّلذُّذُ والتَّنَعُّمُ_ فإنَّ ذلك ليس بمعصيةٍ، إلَّا أنَّه يُسألُ عنه، ومَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ.
ومَن أتى شيئاً من مباحِ الدُّنيا، لم يُعذَّبْ عليه في الآخرةِ، ولكنَّه يُنقصُ له مِن نعيمِ الآخرةِ بقدرِه (¬2)، ولذا وردَ: «مَن أحبَّ آخرتَه أضرَّ بدُنياهُ، ومَن أحبَّ دُنياه أضرَّ بآخرتِه، فآثِرُوا ما يَبْقَى على ما يَفْنَى»» (¬3) (¬4).
وفي الحديثِ: «أَجْوَعُكم في الدُّنيا أشبعُكم في الآخرةِ» (¬5).
¬
(¬1) وفي ب د: يتودد، وفي ط: يودد.
(¬2) التنعم بأنواع الفاكهة مباح، لقوله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 57]، ولكن ترك هذا التنعم أفضل؛ لئلا ينقص في الآخرة من درجاته؛ لأنه متى أذهب طيباته في حياته واستمتع بها، نقص من درجاته في الآخرة، فيدخل تحت قوله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا} [الأحقاف: 20]. المنهاج الوجيز في فقه الأيمان والنذور والحظر والإباحة ص 96 - 97.
(¬3) رواه الإمام أحمد في «مسنده» 4: 412. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 4: 1501. وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» 4: 84، رواته ثقات.
(¬4) قال داود الطائي لسفيان: «إذا كنت تشرب الماء المبرد، وتأكل اللذيذ الطيب، وتمشي في الظل الظليل، فمتى تحب الموت والقدوم على الله تعالى؟! فبكى سفيان». طبقات الأولياء المكرمين 1: 255. إحياء علوم الدين 9: 42.
(¬5) مسند أبي حنيفة 1: 473. روى الترمذي (2478) عن ابن عمر، قال: تجشأ رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «كف عنا جشاءك فإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة»: «هذا حديث حسن. 4: 649.
و «رُبَّ كاسيةٍ في الدُّنيا عَاريةٍ في العُقْبى» (¬1).
وناهيكَ خُسراناً بأنْ يَستعجِلَ ما يَفْنَى، ويَخْسرَ زيادةَ نعيمٍ لا يَفْنَى (¬2).
وأمَّا النِّيَّاتُ الحسنةُ في الطَّيِّبِ:
فبأنْ ينويَ به اتِّباعَ سُنَّةَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعةِ، وأنْ يَنويَ تَعْظيمَ المسجدِ واحترامَ بيت الله تعالى، فلا يَرى أنْ يدخُلَه زائراً لله سبحانه إلَّا طيِّبَ الرَّائحةِ.
وأنْ يَقْصدَ به ترويحَ جيرانِه؛ ليستريحوا به في المسجدِ عند مُجاوَرَتِه بروائحِه.
وأنْ يقصدَ به دفعَ الرَّوائحِ الكريهةِ عن نفسِه التي تُؤدِّي إلى إيذاءِ مخالِطيه، ودفعَ غِيبةِ المغتابينَ بالرَّوائحِ الكريهةِ؛ لِمَا ورد: «اتَّقوا مَواضِع التُّهَمِ» (¬3) فيعصونَ الله تعالى بسببِه؛ فمَن تعرَّضَ للغِيبةِ وهو قادرٌ على الاحترازِ منها، فهو شريكٌ له في تلكِ المعصيةِ (¬4)، قال الله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]؛ أشارَ به إلى أنَّ التَّسبُّبَ إلى الشَّرِّ شرٌّ.
وأنْ يقصدَ به مُعالجةَ دماغِه لتَزيدَ به فَطنَتُه وذكاؤه، ويَسْهُلَ عليه دَركُ مهمات (¬5) دِينِه بالفكرِ؛ فقد قال الشَّافعيُّ - رضي الله عنه -: مَن طابَ رِيحُه زادَ عقلُه (¬6).
¬
(¬1) رواه البخاري (115/ 1126/2618/ 7069). ورواه الترمذي (2196) هذا حديث صحيح. صحيح ابن حبان (691). المستدرك (8552) هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
(¬2) قال سري السقطي قدس سره: كل الدنيا فضول للعبد إلا خمس خصال: خبز يشبعه، وماء يرويه، وثوب يستره، وبيت يكنه، وعلم يستعمله. وقال أيضا: من لم يعرف قدر النعم سلبها. طبقات الأولياء المكرمين 1: 273.
(¬3) ذكره في الإحياء وقال العراقي في تخريج أحاديثه: لم أجد له أصلًا لكنه بمعنى قول عمر: من سلك مسالك الظن اتهم. كشف الخفاء 1: 53.
(¬4) وفي ط: الغيبة.
(¬5) ساقطة من: د.
(¬6) فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب 1: 91. تحفة المحتاج في شرح المنهاج 2: 477.
فهذا وأمثالُه من النِّيَّاتِ لا يَعجَزُ الفقيهُ عنها إذا كانت تجارتُه الآخرةَ، وطلبُ الخيرِ غالباً على قلبِه، وإذا لم يَغْلِبْ على قلبِه إلَّا نَعِيمُ الدُّنيا، لْم تَحْضُرْهُ هذه النِّيَّاتُ، وإنْ ذُكِرتْ له لم يَنْبعثْ (¬1) لها قلبُه، ولا يكونُ معه منها إلَّا حديثُ النَّفسِ، وليس ذلك من النِّيَّةِ في شيءٍ.
والمباحاتُ كثيرةٌ، ولا يمكنُ إحصاءُ النِّيَّاتِ فيها، فَقِسْ بهذا الواحدِ غيرَه؛ ولهذا قالَ بعضُ العَارفينَ مِن السَّلفِ: إنِّي لَأستُحِبُّ أنْ يكونَ لي في كلِّ شيءٍ نيَّةٌ، حتى في أَكْلي وشُربي ونومي ودخولي الَخلاءِ، وكلُّ ذلك ممَّا يُمكنُ أنْ يُقصدَ به وجهُ الله تعالى؛ لأنَّ كلَّ ما هو سببٌ لبقاءِ البدنِ، وفراغِ القلبِ عن مهمَّاتِ البدنِ، فهو مُعِينٌ على الدِّينِ.
فمَن كان قَصْدُه من الأكلِ التَّقوِّيَ على العبادةِ (¬2)، ومن الوِقاعِ تحصينَ دِينِه وتطييبَ قلبِ أهلِه، والتَّوصُّلَ به إلى ولدٍ يعبدُ الله تعالى، وتكثيرَ أمَّة محمد - صلى الله عليه وسلم -[وشرف
¬
(¬1) وفي ط: ينبت.
(¬2) الأكل على ثلاث مراتب: 1. فرض: وهو قدر ما يندفع به الهلاك، ويمكن معه الصلاة قائما. 2. مباح: وهو أدنى الشبع بنية أن يقوى على العبادة، ويحاسب فيه حسيبا يسيرا إن كان من حل. 3. حرام: وهو ما زاد على ذلك إلا للصوم في غد أو لموافقة الضيف. ولا تحل الرياضة بتقليل الأكل إلى أن يضعف عن أداء العبادات. تحفة الملوك ص 312 - 313. البيان ص 177 - 178.
فأما تجويع النفس على وجه لا يعجز عن أداء العبادات فهو مباح، وفيه رياضة النفس، وبه يصير الطعام مشتهى، بخلاف الأول فإنه إهلاك النفس. وكذا الشاب الذي يخاف الشبق، لا بأس بأن يمتنع عن الأكل ليكسر شهوته بالجوع على وجه لا يعجز عن أداء العبادات. الاختيار لتعليل الختار 4: 175. الفتاوى العالمكيرية 5: 390.
كان سفيان الثوري - رضي الله عنه - كثير الطاعة، كثير الأكل، وكان يمثل إذا شبع أشبع الزنجي وكده: إنما الزنجي حمار. ثم يقوم إلى العبادة فيأخذ منها حظا وافرا. عن بعضهم أنه قال: رأيت سفيان الثوري أكل حتى مقته، ثم صلى وبكى حتى رحمته. لا تقتد بسفيان في كثرة الأكل، واقتد به في كثرة عبادته، فلست سفيان، لا تشبع نفسك كما كان يشبعها، فلست تملكها كما كان هو يملك نفسه، اجتهد في هجر الحرام والتقلل من الحلال. الفتح الرباني والفيض الرحماني ص 296.
وكرم] (¬1)، كان مُطيعاً بأكلِه ونكاحِه، وأعْظمُ حظوظِ النَّفسِ الأكلُ والوِقاعُ، وقصدُ الخيرِ بهما غيرُ ممتنِعٍ لمَن غلبَ على قلبِه همُّ الآخرةِ، وقد وردَ في حديثٍ صحيحٍ: «مَن أعطى لله، ومنعَ لله، وأحبَّ لله، وأبغضَ لله، فقد استكملَ إيمانَه» (¬2).
[بيان أن النية غير داخلة تحت الاختيار]
قال الإمامُ (¬3): «واعْلَمْ أنَّ النِّيَّةَ غيرُ داخلةٍ تحت الاختيارِ، والجاهلُ يسمعُ ما ذَكَرْناه مِن الوصيَّةِ بتحسينِ النِّيَّةِ وتكثيرِها، مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ»، فيقولُ في نفسِه عند تدريسهِ أو تِجارتِه أو أكلهِ: نويتُ أنْ أُدَرِّسَ لله تعالى، أو أَتَّجِرَ لله تعالى، أو: آكُلَ لله تعالى. ويظنُّ أنَّ ذلك نيَّةً، فهَيهَات! فإنَّ ذلك حديثُ نفسٍ، أو حديثُ لسانٍ أو فكرٍ، أو انتقالٌ من خاطرٍ إلى خاطرٍ، والنِّيَّةُ بمعزِلٍ عن جميعِ ذلك.
وإنَّما النِّيَّةُ: انبعاثُ النَّفْسِ وتوجُّهِها وميلُها إلى ما ظهرَ لها أنَّ فيه غرضَها (¬4): إمَّا آجلًا، وإمَّا عاجلاً.
والميلُ إذا لم يكنْ اختراعَه واكتسابَه، ويكونُ بمجرَّدِ (¬5) الإرادةِ، فغيرُ مقيدٍ؛ بلْ ذلك كقولِ الشَّبْعانِ: نويتُ أن أشْتَهي الطَّعامَ وأميلَ إليه، وقولِ الفَارغِ: نويتُ أنْ أعشقَ فلاناً وأحبَّه وأعظِّمَه بقلبي، فذلك محالٌ» (¬6).
¬
(¬1) ثابتة من: ط.
(¬2) المستدرك (2694) هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
(¬3) مقصود منه: الإمام الغزالي - رضي الله عنه -. الإمام والإمام الأعظم: المراد بهما في كتب الحنفية أبو حنيفة - رضي الله عنه -، وأما في كتب التفسير والأصول والكلام فالمراد بالإمام حيث أطلق غالبا هو الإمام فخر الدين الرازي. المدخل المفصل إلى الفقه الحنفي ص 533.
(¬4) وفي ب: غرضاً.
(¬5) وفي ط: عجز.
(¬6) إحياء علوم الدين 9: 48.
ولِذا امتنعَ جمعٌ مِن السَّلفِ عن جُملةٍ مِن الطَّاعَات إذا لم تَحضرهُم النِّيَّةُ فيها، فكانوا يقولونَ: ليس تَحضرُني فيه نيَّةٌ، حتى إنَّ ابن سِيرينَ (¬1) لم يُصلِّ على جنازةِ الحسنِ البَصْريِّ (¬2)، وقال: لم تَحضرْني نيَّةٌ.
ومَاتَ حمَّادُ بنُ أبي سليمانَ (¬3)، وكانَ أحدَ علماءِ أهلِ الكُوفةِ، فقِيلَ للثَّوْريِّ: «ألا تَشهدُ جنازَته؟ فقال: لو كان لي نيَّةٌ لفعلتُ» (¬4).
[أصل النية لغة ومعناها الاصطلاحي]
ثمَّ اعلمْ أنَّ النِّيَّةَ أصْلُها: النِّوْيَةُ؛ فِعْلةٌ من نَوى ينوِي: إذا قصدَ، فأُبدلتِ الواوُ ياءً _لسكونِها وانكِسارِ ما قَبْلَها_ وأُدغمتْ، فهي بالتَّشديدِ، وقد يُخفَّفُ.
¬
(¬1) محمد بن سيرين البصري، الأنصاري بالولاء، أبو بكر: إمام وقته في علوم الدين بالبصرة. تابعي. من أشراف الكتّاب. مولده ووفاته في البصرة. نشأ بزازا، في أذنه صمم. وتفقه وروى الحديث، واشتهر بالورع وتعبير الرؤيا. وينسب له كتاب «تفسير الأحلام» وتوفي (110هـ). الأعلام 6: 154. كتائب أعلام الأخيار 1: 270.
(¬2) الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد: تابعي، كان إمام أهل البصرة، وحبر الأمة في زمنه. ولد بالمدينة، وشبَّ في كنف علي بن أبي طالب، وسكن البصرة. وعظمت هيبته في القلوب فكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم، لا يخاف في الحق لومة. قال الغزالي: كان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء، وأقربهم هديا من الصحابة. توفي بالبصرة سنة (110هـ). الأعلام 2: 326. طبقات الفقهاء 1: 87.
(¬3) هو حماد بن أبي سليمان، أستاذ الإمام الأعظم، كان وحيد فقهاء الكوفة في زمانه، تفقه به إمامنا الأعظم صاحب مذهبنا، وفي «الجواهر المضية»: (1: 226): حماد بن مسلم أبو إسماعيل ابن أبي سليمان الكوفي، سمع أنس بن مالك، وتفقه بإبراهيم النخعي، وروى عنه سفيان بن عيينة وشعبة وبه تفقه أبو حنيفة، وعليه تخرج وانتفع. وحج حماد، فلما قدم استقبلوه، فقال: أبشروا يا أهل الكوفة! رأيت عطاء وطاوسا ومجاهدا، فصبيانكم بل صبيان صبيانكم أفقه منهم. والمتوفى سنة (120). كتائب أعلام الأخيار 1: 321.
(¬4) إحياء علوم الدين 9: 50. وللسلف في فحص النية وتخليصها من الشوائب أقوال كثيرة، قال يوسف بن أسباط: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد. وقال سفيان الثوري: ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي! لأنها تنقلب علي! رسالة المسترشدين ص 77.
قال الرَّاغبُ (¬1): «النِّيَّةُ تكونُ مصدراً أو اسماً مِن نَوَيْتُ، وهي توجُّهُ القلب ِنحوَ العملِ».
وقال البَيْضَاويُّ (¬2): «النِّيَّةُ عبارةٌ عن انبعاثِ القلبِ نحوَ ما يراه مُوافقاً لغرضٍ؛ مِن جَلْبِ نفعٍ، أو دفعِ ضرٍّ؛ حالاً أو مالاً، وخصَّصَها الشَّرعُ بالإرادةِ المتوجِّهةِ نحوَ الفعلِ ابتغاءً لوجه الله تعالى».
قلتُ: «وهي أصلُ الإخلاص، الذي عليه مَدارُ الخلاص، ونتيجةُ قلوبِ الخواصِّ؛ فالنِّيَّةُ هي الإرادةُ الباعثةُ للأعمالِ المنبعثةِ عن المعرفةِ؛ كشهوةِ الطَّعامِ الحاصلةِ من المعرفةِ بتحقُّقِه ودفعِه الجوعَ الباعثَ لامتدادِ (¬3) اليدِ إليه، فإنَّ امتدادَ (¬4) اليدِ إلى الطَّعامِ إنَّما هو بعد المعرفةِ بتحقُّقِ الطَّعامِ ومعرفةِ أنَّه دافعٌ للجُوعِ، فلا تدخلُ النِّيَّةُ تحت الاختيار، فمَن وطئَ لغلبةِ الشَّهوةِ، فأنَّى ينفعُه قولُه الحِسِّيُّ: نويتُ به إقامةَ السُّنَّةِ، أو تكثيرَ الأُمَّةِ».
قال الإمامُ: اعلمْ: «أنَّ النِّيَّةَ هو انبعاثٌ للقلبِ يجري مجرى الفُتوحِ من الله تعالى، فقد يتيسَّر في بعضِ الأوقاتِ، وقد يَتعذَّرُ في بعضِها، نعَمْ من كان الغَالبُ على قلبهِ أمرَ الدِّينِ، تيسَّرَ عليه في أكثرِ الأحوالِ إحضارُ النِّيَّةِ للخيراتِ؛ فإنَّ قلبَه مائلٌ
¬
(¬1) الراغب الحسين بن محمد بن المفضل الأصبهاني، العلامة الماهر، المحقق الباهر، أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الأصبهاني، الملقب بالراغب، صاحب التصانيف، كان من أذكياء المتكلمين. من أهل (أصبهان) سكن بغداد، واشتهر، حتى كان يقرن بالإمام الغزالي. لَهُ: مُفْرَدَات الْقُرْآن، وأفانين البلاغة، والمحاضرات، وتوفي (502هـ). بغية الوعاة 2: 297. سير أعلام النبلاء 18: 120. الأعلام 2: 255.
(¬2) هو القاضي العلامة ناصر الدين أبي سعيد عبد الله بن عمر بن محمد ابن علي الشيرازي البيضاوي الشافعي، من تصانيفه «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» يعرف بتفسير البيضاوي، و «طوالع الأنوار» في التوحيد، و «منهاج الوصول إلى علم الأصول» المتوفى بتبريز سنة 685هـ، وقيل 692هـ، وقيل 696هـ. لآلئ المحار 1: 238 - 139. الأعلام 4: 110.
(¬3) وفي ط: لاستداد.
(¬4) وفي ط: لاستداد.
بالجملةِ إلى أصلِ الخيرِ، فينبعثُ إلى الفضائلِ غالباً، ومن مالَ بقلبهِ إلى الدُّنيا وغلبتْ عليه، لمْ يتيسَّرْ له ذلك؛ بل لا يتيسَّرُ له ذلك للفرائضِ إلَّا بِجُهدٍ جَهيدٍ.
وغياتُه أنْ يتذكَّرَ النَّار ويُحذِّرَ نفسَه عقابَها، أو نعيمَ الجنِّةِ ويُرغِّبَ نفسه فيها، فربَّما ينبعثُ له داعيةٌ ضعيفةٌ، فيكونُ ثوابهُ بقدرِ رغبتهِ ونيَّتِه» (¬1).
وأمَّا الطَّاعةُ على نِيَّةِ إجلالِ الله تعالى واستحقاقهِ الطَّاعةَ والعبوديَّةَ، فلا يتيسَّرُ على الرَّاغبِ في الدُّنيا، وهذه أعزُّ النِّيَّةِ وأعْلاها، ويَعِزُّ على بسيطِ الأرضِ مَن يفهمُها، فضلاً عمَّن يتعاطاها.
ونيَّةُ النَّاسِ في الطَّاعاتِ أقسامٌ:
إذْ منهم: مَن يكونُ عملهُ إجابةً لباعثِ الخوفِ؛ فإنَّه يتَّقي النَّارَ.
ومنهم: مَن يعملُ إجابةً لباعثِ الرَّجاءِ؛ وهو الرَّغبةُ في الجنَّةِ. وهذا وإن كان نازلاً بالإضافةِ إلى قصدِ طاعةِ الله وتعظيمهِ لذاتهِ ولجلالهِ لا لأمرٍ سِواهُ، فهو من جُملةِ النِّيَّاتِ الصَّحيحةِ؛ لأنَّه مَيلٌ إلى الموعودِ في الآخرةِ وإنْ كان من جنس المألوفاتِ في الدُّنيا، وأغلبُ البواعثِ باعثُ الفرْجِ والبطنِ، وموضعُ قضاءِ وطَرِهما الجنَّةُ، فالعاملُ لأجلِ الجنَّةِ عاملٌ لبطنهِ وفرجهِ؛ كالأجيرِ السُّوءِ، ودرجتهُ درجةُ البُلَّهِ، وإنَّه لَينالُها بعملهِ؛ إذْ «أكثرُ (¬2) أهلِ الجنَّةِ البُلْهُ» (¬3).
وأمَّا عِبادةُ أولي الألبابِ؛ فإنَّها لا تُجاوزُ ذِكرَ الله الفِكرَ فيه؛ حبًّا لجمالهِ وجلالهِ، وسائرُ الأعْمالِ تكونُ مُؤكِّداتٍ وروادفَ، فهؤلاءِ أرفعُ درجةً من أهلِ الالتفاتِ إلى
¬
(¬1) إحياء علوم الدين 9: 52.
(¬2) لفظ (أكثر) ساقط من: ب.
(¬3) شرح مشكل الآثار (2982) فذكرت هذا الحديث لأحمد بن أبي عمران فقال: معناه معنى صحيح. والبله المرادون فيه هم البله عن محارم الله عز وجل لا من سواهم ممن به نقص العقل بالبله. 7: 431. قال العراقي في «تخريج الأحاديث الإحياء»: أخرجه البزار من حديث أنس 10:25.
المنكوحِ والمطْعُومِ في الجنَّةِ؛ فإنَّهم لم يقصدوها؛ [بل هم الذين يَدْعُون ربَّهم بالغَدَاةِ والعَشِيِّ يريدونَ وجههُ فقط] (¬1)، وثوابُ النَّاسِ بقدرِ نِيَّاتِهم، فلا جَرَمَ يَتَمتَّعون بالنَّظرِ إلى وجهه الكريم، ويَسْخرُون ممَّن يلتفتُ إلى وجه الحُور العينِ؛ كما يسخرُ المتنعِّمُ بالنَّظرِ إلى الحُورِ العين ممَّن يتنعَّمُ بالنَّظر إلى وجهِ الصُّور المصنوعةِ مِن الطِّينِ؛ بل أشدُّ؛ فإنَّ التَّفاوُتَ بين جمالِ الحَضْرةِ الرُّبوبيَّةِ وجمالِ الحُور العينِ أشدُّ وأعْظمُ كثيراً من التَّفاوُت بين جمالِ الحُور العينِ والصُّورِ المصنوعةِ من الطِّينِ؛ بل استعظامُ النُّفوسِ البَهيميَّة الشَّهوانيَّةِ لقضاءِ الوَطَرِ مِن مُخالطةِ الحِسانِ، وإعراضُها عَن جمالِ وجه الله الكريم، يُضاهي عَمَى الخُنْفُساءِ عن إدراكِ جمالِ النِّساءِ؛ فإنَّها لا تشعُر بها أصلاً، ولا تَلتفتُ إليه، ولو كان لها عقلٌ وذُكرتْ لها، لاسْتخفَّتْ عقلَ من يلتفتُ إليهنَّ، {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [هود: 118 - 119]، {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53]، {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 119].
حُكيَ: «أنَّ أحمدَ بنَ خَضْرَوَيْه (¬2) رأى ربَّهُ في المنامِ، فقال له: كلُّ النَّاسِ يطلبونَ منِّي، إلَّا أبا يزيدَ (¬3) فإنَّه يطلبُني.
ورأى أبو يزيدَ ربَّه في المنامِ، فقال له: يا ربِّ! كيف الطَّريقُ إليك؟ فقال: اتركْ نفسَك وتعال. ولهذا لمَّا قِيل له: يا أبا يزيدَ! ما تُريدُ؟ فقال: أُريدُ أنْ لا أُريدَ.
¬
(¬1) ما بين المعقوفين ساقطة من: د.
(¬2) هو أحمد بن خضرويه البلخي، كنيته أبو حامد. وهو من كبار مشايخ خراسان، صحب حاتما الأصم، ورحل إلى أبي يزيد البسطامي. وهو من مذكوري مشايخ خراسان بالفتوة، قيل لأبي حفص: «من أجل من رأيت من هذه الطبقة؟»، قال: «ما رأيت أحدا أكبر همة، ولا أصدق حالا من أحمد بن خضرويه»، وتوفي سنة (240هـ). طبقات الصوفية ص 103.
(¬3) أبو يزيد، طيفور بن عيسى بن سروشان. وهم ثلاثة أخوة: آدم وطيفور وعلي. وكلهم كانوا زهادا عبادا أرباب أحوال. وله أخوات صالحات عابدات وهو أجلهم وهم من أهل بسطام. وقال إذا رأيتم الرجل قد أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود والوقوف عند الشريعة، وتوفي (261هـ). طبقات الصوفية ص 67. البداية الهداية 11: 35. كتائب أعلام الأخيار 2: 20.
ورُؤي الشِّبْليُّ (¬1) بعد موتهِ في المنامِ، فقِيل له: ما فعلَ الله بكَ؟ فقال: لم يُطالبْني على الدَّعاوى بالبُرهان، إلَّا على قولٍ واحدٍ؛ قلتُ يوماً: أيُّ خسارةٍ أعظمُ من خُسْراِن الجنَّةِ؟! فقال تعالى: أيُّ خسارةٍ أعظمُ من خُسرانِ لقائي»، انتهى (¬2).
[آفات عدم تصحيح النيات]
واعْلَمْ: أنَّ عدمَ وصُولِ المُريدِ إلى النِّهايةِ؛ لعدمِ تصحيحِ النِّيَّةِ في البداية، فعدمُ الوُصول لفقدِ الأصولِ (¬3)؛ ولهذا لمَّا قدمَ الشَّيخُ نجمُ الدِّينِ الكُبْرى (¬4) على شيخهِ وأرادَ أنْ يدخلَ الخَلوةَ في خدمتهِ، خطرَ ببالهِ أنَّه عالمٌ بالعلومِ الظَّاهرةِ، فإذا فُتحَ له المعارفُ
¬
(¬1) الشيخ العارف بالله، تاج المشايخ، أبو بكر الشبلي، جعفر بن يونس، وروي: أنه كتب على قبره ببغداد: جعفر بن يونس. وفي «طبقات السلمي»: إنه خراساني الأصل بغدادي المنشأ والمولد، وأصله من أسروشنة، فرغانة. وروي أنه تاب في مجلس خير النساج، وأخذ التصوف والتلقين والآدب عن سيد الطائفة الجنيد. وصار أوحد وقته حالا وعلما، وكان عالما فقيها على مذهب مالك، وتوفي (334هـ). كتائب أعلام الأخيار 2: 55. طبقات الصوفية ص 337.
(¬2) إحياء علوم الدين 9: 54.
(¬3) وكذلك قيل: «إنما حرموا الوصول من تضييع الأصول»، ومن تأمل ما قلنا عرف ذلك. وأجمع القوم - رضي الله عنه - على أن النهايات لا تصح إلا بتصحيح البدايات، وأن من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة. مفتاح الوصول إلى الله والرسول ص 144.
(¬4) هو أحمد بن عمر بم محمد الزاهد القدوة الشيخ نجم الدين الكبرى، أبو جناب الخيوقي الصوفي، شيخ خوارزم. كان إماما فقيها، محدثا، مفسرا، زاهدا، عابدا، شاع نبأ علمه، واهتدى العلماء وأهل التصوف بضياء نجمه، طاف البلاد وسمع بها الحديث. قال ابن نقطة: هو الشافعي المذهب، إمام السنة. له تصانيف كثيرة، منها: الطرق إلى الله تعالى، رسالة السلوك، منازل السائرين ... المتوفى سنة 612هـ. سير أعلام النبلاء 22: 111. الوافي الوفيات 7: 173. طبقات الشافعية 2: 51. طبقات الشافعية للسبكي 8: 25.
الباطنةُ يكونُ فريدَ الزَّمانِ ووحيدَ الأقرانِ، فكُشفَ للشَّيخِ نِيَّتُه وعدمُ صحَّة طَوِيَّتهِ، فقال له: صحِّحِ النِّيَّة بالهِمَّةِ العليَّة.
فخطرَ ببالهِ: إنَّ هذه الخلوةَ قبري، فأعبدُ ربِّي فيها مُدَّة عمري، فإنَّ الله ما خلقَني إلَّا للعبادةِ، وهي وسيلةٌ لكلِّ سعادةٍ، فقال له الشَّيخُ: ادخلِ الآن، باسمِ الله، على بركة الله تعالى.
وعلى هذا نُشاهدُ طلبةَ العلمِ؛ فإنَّهم متحيِّرونَ في طريقِ تحصيلهِم، فتارةً يتعلَّمونَ العلومَ الغيرَ النَّافعةَ في الدُّنيا والآخرةِ لأغراضٍ فاسدةٍ؛ كتقرُّبِ الظَّلمةِ، والتَّقدُّمِ على الرِّفعةِ (¬1)، والغلبةِ في المجالسِ بالمجادلةِ، وتحصيلِ المأكلةِ (¬2).
وتارةً يترقَّونَ إلى تعلُّم العلومِ الدِّينيَّةِ؛ من التَّفسيرِ والحديثِ والفروعِ الفقهيَّةِ؛ لمقاصدٍ فيها مكاسدُ (¬3)؛ بأنْ يَصيرَ مدرِّساً أو واعظاً أو مفتياً أو قاضياً.
وجُلُّ (¬4) مقصودِ الطَّائفتين هو المالُ والجاهُ، لا إرادةُ الآخرةِ وابتغاءُ وجه الله تعالى.
وكذا جماعةٌ يُجاورونَ الحرمينِ الشَّريفينِ، ويُلازمونَ على العباداتِ في المكانينِ المُنيفَينِ، لأجلِ حُطَامِ الدُّنيا، لا لتحصيلِ ثوابِ العُقبى، والحالُ أنَّ مأكلَهم ومشربَهم وملبسَهم مِن الحرامِ، فأنَّى يُباحُ لهم الإقامةُ في ذلك المقام؟!
وقد قال الإمامُ الأعظمُ، في زمانه الأفخمِ: «المجاورةُ بمكَّةَ مكروهةٌ»، فلو أدركَ زمانَنا هذا لقالَ بحُرمتِها.
¬
(¬1) وفي ب د ط: رفقة.
(¬2) وقد ركَّز الشيخ علي القاري في موضوع طلب العلم لوجه الله تعالى، وشدد القول فيمن طلب العلم لمطامع الدنيا ومناصبها الفاتنة. وقد أعرض الشيخ القاري عن منح الحكام ولم يقبل أية وظيفة رسمية وكان يواجه الحكام وعلماء السوء بالإنكار، وخوَّفهم بالله تعالى وندَّد بهم بشدة. وعاش عفيفا نزيها قنوعا بما حصل له من عمل يده، راضيا بالكفيف من الرزق، متوكلا على الله تعالى، متشبها بأولئك السلف الصالح - رضي الله عنه -. الإمام علي القاري ص 59 - 60.
(¬3) وفي د: مكاسدا.
(¬4) وفي ط: جعل.
فإنْ قلتَ: طالبُ العلمِ والعِبادةِ مُحتاجٌ (¬1) إلى قِوَامِ البُنية، فهل يجوزُ له أخذُ الوظيفةِ؟
قلتُ: نعمْ، لكن بشرطينِ:
أحدُهما: أنْ يكونَ علمُه وعملُه لله تعالى، وإنَّما يأخذُ الوظيفةَ ليستعينَ بها على طاعة الله تعالى، ففَرْقٌ بين مَن يعملُ ليأخذَ، وبين مَن يأخذُ ليعملَ؛ فإنَّ علامةَ الثَّاني: أنَّه لو استَغْنَى لم يتركْ العملَ.
وثانيهما: أنَّه يأخذُ من وجهٍ يَحِلُّ له أنْ يأخذَه، أو يكونُ مُضطراً فيأخذ مقدارَ الضَّرورةِ.
وقد قال بعضُ الأكابرِ: مَن وَجَدَ غَنَماً ميِّتاً لا يأكلُ من حمارٍ ميِّتٍ، ومَن وجَدَ حِمارًا ميِّتاً لا يأكل من كلبٍ ميِّتٍ، ومَن وجَدَ كلباً ميِّتاً لم يأكلْ من خنزيرٍ ميِّتٍ.
والذي نشاهدُ الآن من علماءِ الزَّمانِ ومشايخِ الأَوانِ: التَّهاوُشُ على جيفةِ الدُّنيا، والتَّناوُشُ مع طُلَّابِها المشابِهينَ بكلابِها في غايةِ القُصوى، قائلينَ بلسانِ الحالِ، وإنْ أنكروا ببيانِ المقالِ (¬2): الحلالُ ما حلَّ بنا، والحرامُ ما حُرِمْنا، ولهذا نُقل عن العارفِ الرَّبَّانيِّ مولانا إسماعيلَ الشَّرْوَانيِّ (¬3): «أنَّه مِن يومٍ حصلَتِ الوظائفُ المحرَّمة في مكَّة المعظَّمة، ارتفعتْ مرتبةُ الوِلايةِ عن سكَّانِها، وغلبتْ الجهالةُ والبطالةُ على قُطَّانِها». وهذا من المعلومِ؛ لأنَّه تعالى قال: {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون: 51].
[خاتمة]
¬
(¬1) وفي د: يحتاج.
(¬2) وفي أ ب: القال.
(¬3) لم أعثر على ترجمته.
فمُجمَلُ (¬1) الكلامِ، على وجهٍ يُظْهِرُ المَرامِ: «أنَّ الخلقَ كُلَّهم هَلْكى [إلَّا العالِمُون، والعَالِمُون كُلُّهم هَلْكى إلَّا العَامِلون، والعَامِلُونَ كُلُّهم هَلْكى] (¬2) إلَّا الُمخْلِصونَ، والمُخْلِصُونَ على خطرٍ عظيمٍ» (¬3) (¬4).
ثمَّ اعلمْ: أنَّ زماننا (¬5) هذا زمانُ السُّكوتِ، وملازمة البيوت (¬6)، والقناعةِ بالقُوتِ، إلى أنْ نموت، طيَّبَ الله تعالى أرزاقَنا، وحَسَّن أخلاقنا، ووفَّقَنا لتحصيلِ العلمِ النَّافع والعملِ الصَّالحِ المقرونَين بالإخلاصِ، وحُسْنِ الخَاتمةِ التي هي مطلوبةُ العوامِّ والخواصِّ، وصلَّى الله على سيِّدنا محمدٍ وآله وصحبه أجمعينَ، والحمدُ لله ربِّ العالمينَ.
¬
(¬1) وفي ط: جعل.
(¬2) ما بين المعقوفين ساقط من: أ.
(¬3) قال العارف بالله سهل بن الله التستري قدس الله سره: «الدنيا كلها جهل إلا العلم بها، والعلم كله وبال إلا العمل به، والعمل كله هباء منثور إلا الإخلاص فيه، والإخلاص أنت منه على وجل حتى تعلم هل قبل أم لا؟» طبقات الأولياء المكرمين 1: 310.
(¬4) إحياء علوم الدين 9: 9.
(¬5) زيادة من: ط.
(¬6) قال العراف بالله سري السقطي قدس الله سره: «من أراد أن يسلم دينه، ويستريح قلبه وبدنه، ويقلَّ غمُّهُ، فليعتزل الناس؛ لأن هذا زمان عزلةٍ ووحدةٍ». طبقات الأولياء المكرمين 1: 273.
خواتيم النسخ الخطية:
خاتمة النسخة (أ)
قد وقع الفراغ من تسطيره بعون الله وحسن تدبيره في ضحوة يوم الثلاثاء لخمس حلون من شهر رمضان المبارك لسنة ثلاث عشره بعد الألف بمكة المكرمة على يد الحضر أحمد بن محمد بن شمس الدين المدرس الحنفي عفى عنهم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ولقد نقلت عن خط مؤلفها نفع الله به وفي آخرها ما نصَّه فرغ على يد مؤلفه المفتقر إلى ربه الباري علي بن سلطان محمد القاري يوم الثلاثاء تابع شهر ربيع الأولى
من عام سبع بعد الألف من الهجرة المصطفوية على صاحبها الاؤلوف من الصلاة والتحية.
خاتمة النسخة (ب)
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد الله رب العالمين.
خاتمة النسخة (ط)
فرغ على يد مؤلفه المفتقر إلى بر ربه الباري علي ابن سلطان محمد القاري يوم الثلاثاء رابع شهر ربيع الأول من عام سبع بعد الألف من الهجرة المصطفوية على صاحبها الألوف من الصلاة والتحية.