الجزء 1 · صفحة 5
تبعيد العلماء عن تقْريب الأمراء
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ العُلَماءَ وَرَثَةَ الأنبياء، وواسطة عقدِ سلسلة الأولياء والأصفياء، وصيَّرَهُم أغنياء عن مَذَلَّةِ مُلازَمَةِ الأُمراء والأغبياء، والصَّلاةُ وَالسَّلامُ على خيرِ مَن قامَ بوَصفِ الهداية والاهتداء، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه نجوم الاقتداء. أما بعد: فيقولُ المُلتَجِى إلى حَرَمِ رَبِّه الباري، علي بن سُلطانِ محمد القارِي: إِنَّ اللهَ سُبحانَه ما أعظَمَ بُرهانَه في قوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ
[هود: ???].
والركون: أدنى الميل، ومنه قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَن ثَبِّتْنَكَ لَقَدْ كِدةً تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء: (73)].
وفيه مُبالغات تدلُّ على أنَّ تثبيته تعالى لنبيه عليه السَّلامُ كان كثيراً نبيلاً.
[حد الظلم
ثمَّ الظُّلم لغةٌ: وَضْعُ الشَّيء في غيرِ مَوضِعِهِ.
وأقواه: الشَّركُ وأنواعُ الكُفْرِ؛ لقوله عزّ وعلا: إن الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ:
[لقمان: (13)]، وأدناه: وَضْعُ محبَّةِ غَيرِ الرَّبِّ فِي مَيدانِ القلب، كما يُشيرُ إليه قَولُه عَزَّ
وجَلَّ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَنهُ} [الكهف: ??]، وهو الشَّركُ الخفِيُّ، كما يُومى إليه كلامُ العارِفِ ابنِ الفَارِضِ:
الجزء 1 · صفحة 7
ولو خَطَرَتْ لي في سواك إرادة على خاطري سَهْواً حَكَمْتُ برِدَّتي وعُرفاً: هو التَّعَدِّي إلى مالِ الغَيرِ وعِرْضِه ودَمِه بَغيرِ وَجهِ شَرعيٌّ، وهو من أقبَحِ أنواع الظلم وأبعدها عن العفو والحِلْمِ.
(1) - ويُؤيده حديث: «الدَّواوين ثلاثة: فديوان لا يغفِرُ الله منه شيئاً، وديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترُكُ الله منه شيئاً، فأَمَّا الدِّيوانُ الذي لا يغفِرُ اللهُ منه شيئاً فالإشراك بالله، وأمَّا الديوانُ الذي لا يعبأ الله به شيئاً فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، من صوم ترَكَه، أو صلاةٍ تَرَكَها، فإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ ذلك إِن شاءَ ويتَجاوَزُ، وأمَّا الديوانُ الذي لا يتركُ الله منه شيئاً فمَظَالِمُ العِبادِ بينهم، القِصاصُ لا محالة». رواه أحمد والحاكِمُ في مُستَدرَكِه» عن عائشة رضي الله عنها. ? ـ وعن عبد الله بنِ المُبارَكِ: لمَّا سَأَلَه خَيَّاطُ للظَّلَمَةِ: هل أنا مِنَ أَعْوانِهِم؟ قالَ:
بل أنتَ من أعيانهم، وإنَّ من أعوانهم مَن يبيعُ لك الخيط والإبرة في أحيائهم.
- ووَرَدَ: «الجَلاوِزْةُ والشُّرطُ وأعوانُ الظُّلَمَةِ كِلابُ النَّارِ». رَواهُ أَبو نُعَيمٍ في
«الحلية عن ابن عمرو رضي الله عنهما.
الجزء 1 · صفحة 8
(4) ـ وقال حمدون: لا تُصاحِبِ الأشرار؛ فَإِنَّ ذلك يحرِمُكَ صُحبَةَ الأخيارِ. وقال السُّدِّيُّ: لا تُداهِنُوا الظَّلمَةَ، فَتُصيبكمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ أعواناً يمنعونكم من عذابِه ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} [هود: (113)] في دفع حجابه. وقالَ القُشَيرِيُّ: لا تعملوا أعمالهم، ولا ترضوا بأعمالهم، ولا تمدَحُوهم على أعمالهم، ولا تتركوا الأمر بالمعروفِ عليهم في أفعالهم، ولا تأخُذُوا شيئاً من حَرامِ أموالهم، ولا تُمكِّنُوهُم من قُلوبِكُم، ولا تُخالِطُوهُم، ولا تُعاشِرُوهُم؛ لئَلَّا تُشارِكُوهم في مابهم ممَّا يَلْحَقُ مَن صاحَبَهم من وَبالِهم، فإِنَّ «مَنْ أَحَبَّ قَوماً حُشِرَ معَهم» (6). ه
في جميع النسخ: ابن عمر، والتصويب من المصادر الآتية.
ه - وأما حديث: «ثلاث لا يُركَنُ إليها، الدُّنيا والسُّلطانُ والمَرأة»؛ فكلام
صحيح معنى، وليس بحديث مبنى.
***
وأما الأخبار في هذا الباب فكثيرةٌ، وكذلك الآثار لأهل الاعتبار في هذا
المعنى شهيرة.
[الأحاديث الواردة في تحذير العلماء من مخالطة الأمراء]
أما الأخبار:
(6) - فقوله عليه الصلاة والسَّلامُ: «العُلماءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ ما لم يُخالطوا السلطانَ ويُداخِلوا الدُّنيا، فإن خالطوا السلطان وداخَلُوا الدُّنيا فقد خانوا الرُّسُلَ فاحذَرُوهُم». رواه العقيلي وغيره، عن أنس رضي الله عنه، والعَسكَرِيُّ
- وفي روايةِ الدَّيلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: إذا رأيت العالمَ يُخالِطُ السُّلطانَ مُخالطَةً كثيرةً فاعلَمْ أَنَّه لِص.
وقوله: «يأتي على النَّاسِ زَمانُ عُلماؤُها فتنة، وحُكماؤُها فتنة، تكثر المَساجِدُ والقُرَّاءُ، لا يجدون عالماً إلا الرَّجُلَ بعدَ الرَّجُلِ». أبو نُعَيمٍ عن بَهْزِ،
عن أبيه، عن جده.
- وقوله: «إِنَّ اللهَ تعالى يُؤَيَّدُ هذا الدِّينَ بأقوامٍ لا خَلاقَ لهم». النَّسَائِيُّ، وابنُ
حِبَّانَ، عن أنسه.
الجزء 1 · صفحة 9
وسئل أبو حاتم الرازي - كما في العلل لابنه (5) / (186) - عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث منكر، يشبه أن يكون في الإسناد رجل لم يسمع وأسقط ذلك الرجل. وأحمد، والطَّبَرَانِيُّ، عن أبي بَكْرَةً.
(10) - وقوله: «إنَّ اللهَ يُبغِضُ كلَّ عالم بالدُّنيا، جاهِلِ بالآخرةِ». ابنُ عَساكِرَ في «تاريخه»، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه.
(11) - وقوله: «إِنَّ أَبغَضَ الخَلْقِ إلى اللهِ تعالى العالم يزورُ العُمَّالِ». ابنُ لال، عن أبي هريرةَ رضي الله تعالى عنه.
?? - وقوله: «شِرارُ العُلماء الذين يأتون الأُمَراءَ، وخِيارُ الأُمَراءِ الذين يأتون
العلماء». كذا في «الإحياء».
قالَ العِراقِيُّ: رَوَى ابن ماجه الشَّطرَ الأَوَّلَ نحوه من حديث أبي هريرةَ بسند ضعيف.
(13) - وعن بعض السَّلَفِ، ورُوِيَ مَرفوعاً: «نِعْمَ الأميرُ على بابِ الفَقيرِ، وبئسَ الفقيرُ على بابِ الأميرِ.
(14) - وقوله: «سيكونُ قوم بعدي من أُمتي، سيتَفَقَّهُون1 في الدِّينِ، ويقرَؤُون القُرآنَ، ويقُولُون: نأتي الأمراء فنُصيبُ من دنياهم ونعتز لهم بديننا، ولا يكون ذلك، كما لا يُجتَنَى من القَتَادِ إلا الشَّوكُ، كذلك لا يُجتَنَى من قُربهم إلا الخطايا». رَواهُ ابنُ ماجه، وابنُ عَساكِرَ عن ابنِ عباس رضي الله تعالى عنهما ه.
(15) - وقوله: «شِرارُ النَّاسِ شِرارُ العُلماء في النَّاسِ». البَزَّارُ عن مُعَادٍ رضي الله تعالى عنه.
(16) - وقوله: صِنْفَانِ من النَّاسِ إِذا صَلَحا صَلَحَ النَّاسُ، وإِذا فَسَدا فَسَدَ النَّاسُ، العلماء والأمراء». أبو نُعَيم في الحلية» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. ?? - وقوله: «من ازدادَ عِلماً ولم يزدَدْ في الدُّنيا زُهْداً؛ لم يدَدْ من اللهِ إِلا بُعداً». الدِّيلَمِيُّ عن علي كرَّمَ اللهُ وجهَه.
الجزء 1 · صفحة 10
?? - وقوله: «إذا قَرَأَ الرَّجُلُ وتفَقَّة في الدِّينِ، ثم أتى بابَ السُّلطانِ تَملُّقاً إليه، وطَمَعاً لما في يديه، خاص بقدرِ خُطاه في نار جهنم». أبو الشيخ عن معاذ رضي الله تعالى عنه.
(19) - وقوله: «إِنَّ أهوَنَ الخلقِ على الله تعالى العالم يزورُ العُمَّالَ». الدِّهِسْتاني
عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه.
?? - وقوله: «ما من عالم صاحَبَ سُلْطاناً طَوْعاً إلا كانَ شريكه في كل لون يُعذِّبُ به في نَارِ جَهَنَّمَ». ابنُ عَساكِرَ في تاريخه» عن معاذ رضي الله تعالى عنه.
?? - وقوله: «ويل لأمتي من عُلماءِ السُّوء». ابن عساكر ه في «تاريخه» عن أنس رضي الله تعالى عنه.
?? - وقوله: «إِنَّ أخوَفَ ما أخافُ عليكم بعدي كلُّ مُنافق عليمِ اللّسانِ». الطَّبَرَانِيُّ والبَيْهَقِيُّ، عن عِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ رضي الله تعالى عنه.
?? - وقوله: «ويلٌ لأمتي من عُلَماءِ السُّوءِ، يَتَّخِذونَ هذا العلم تجارة، يبيعُونَها من أُمَراءِ زَمَانِهِم رِبْحاً لأنفُسِهم، لا أربَحَ اللهُ تجَارَتَهم». ابنُ عَسَاكِرَ في تاريخه» عن أنس رضي الله تعالى عنه.
(24) - وقوله: «شِرارُ النَّاسِ فَاسِقٌ قرأ كتابَ اللهِ، وتفَقَّهَ في دينِ اللَّهِ، ثُمَّ يُذِلُّ نفسَه لفاجِرٍ إذا نشط تفكّه بقراءتِه ومُحادثته، فيطبَعُ الله على قلبِ القائِلِ والمُستَمِعِ. الدَّيلَمِيُّ عن ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما.
(25) - وقولُه: «علَّمَ الله آدمَ أَلفَ حِرْفة من الحِرَف، وقال له: قُلْ لوَلَدِك وذُرِّيَّتِك: إن لم تصبروا، فاطلبوا الدُّنيا بهذه الحِرف، ولا تطلبوها بالدِّينِ، فإِنَّ الدِّينَ لي وَحْدي خالِصاً، وَيلٌ لمَن طَلَبَ الدُّنيا [بالدِّينِ]، ويلٌ له». ابنُ عساكر في تاريخه»، عن عطيَّةَ بن بشر المازني رضي الله تعالى عنه.
الجزء 1 · صفحة 11
(26) - وقوله: «إِنَّ فِي جَهَنَّمَ وادِياً تستعيذُ منه كلَّ يومٍ سبعين مرَّةً، أعدَّه اللهُ القُرّاء المرائين بأعمالهم، وإنَّ أبغَضَ الخَلْقِ إلى اللهِ عالمُ السُّلطانِ». ابنُ عَدِيٌّ، عن أبي هريرةَ رضي الله تعالى عنه.
?? - وقوله: «سَلُوا عن الخير، ولا تسألوا عن الشَّرِّ، شِرَارُ النَّاسِ شِرَارُ العُلماءِ
في النَّاسِ». أبو نُعَيمٍ في «الحِليةِ» عن معاذ رضي الله تعالى عنه (2). ?? - وقوله: «لا تقومُ السَّاعَةُ حَتَّى يمشِيَ إبليس في الطُّرُقِ والأسواق، يتشَبَّهُ بالعلماء يقُولُ: حدَّثَنِي فُلانٌ عن فُلانٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا». أبو نعيم في الحلية» عن واثِلَةَ.
?? - وقوله: «مَن طَلَبَ العلم لله لم يُصِبه منه بابا إلا ازداد في نفسه ذلاً، وفي النَّاسِ تواضُعاً، والله خَوْفاً، وفي الدِّينِ اجتهاداً، فذلك الذي ينتفع بالعلم فليتعلمه، ومَن طَلَبَ العلم للدُّنيا والمَنزِلِةِ عندَ النَّاسِ، والحظوة عند السلطانِ؛ لم يُصب منه باباً إلا ازداد في نفسه عَظَمة، وعلى النَّاسِ استطالة، وبالله اغتراراً، وفي الدِّينِ جَفاء، فذلك الذي لا ينتفع بالعلم، فليُمْسِكْ، وليكُفَّ عن الحُجَّةِ على نفسه، والندامة والخِزْيِ يوم القيامةِ».
رواه الديلمي عن الحسن قال: سمعتُ رِجالاً من المهاجرين والأنصار، منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرفوعاً.
(30) ـ وعنه قال: كُنَّا جُلوساً عندَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو نائم فَذَكَرْنا الدَّجَّالَ، فاستيقَظَ مُحمَرَّاً وجهه، فقالَ: «غيرُ الدَّجَّالِ أخوَفُ عندي عليكم من الدَّجَّالِ، أَئِمَّةٌ مُضِلُّون».
أحمد وغيره.
??- وقوله: لمَّا سُئِلَ عن شر الخلقِ، أَيُّ؟ فقالَ: «اللَّهُمَّ غَفْراً» حتَّى
كُرّر عليه، فقال: «عُلماء السُّوءِ». الدَّارِمِيُّ عن حكيم، والبزار عن معاذ رضي الله تعالى عنه.
الجزء 1 · صفحة 12
?? - وقوله: «مَنْ بَدَا جَفَا، ومَن اتَّبَعَ الصَّيدَ غَفَلَ، ومَن أتى السُّلطان افتين». أبو داود، والترمذي، وحسَّنَه، والنسائي من حديث ابنِ عباس رضي الله تعالى عنهما.
?? - وقوله: «سيكون عليكم أمراءُ تَعْرِفُون منهم وتُنكرون، ومن أنكر فقد بَرِي، ومَن كَرِهَ فقد سَلِمَ، ولكِنْ مَن رَضِيَ وتابَعَ أَبعده الله»، قيل: أفلا نقتلهم؟ قال: «لا، ما صَلَّوا». مسلم من حديثِ أَمِّ سَلَمَةَ رضي الله تعالى عنها.
(34) - وقوله: «تَعَوَّذُوا بالله من جُبِّ الحُزنِ، [أو وادي الحُزْنِ]»، قيل: يا رسول الله، وما جُبُّ الحُزنِ؟ أو وادي الحُزنِ، قال: وادٍ في جهنَّمَ تستعيد منه جهنَّمُ كل يوم سبعين مرة، أعده الله تعالى للقُرَّاءِ المُرائين، وإِنَّ مِن شَرِّ القُرَّاءِ مَن يزورُ الأُمَراءَ». رَواهُ الدِّيلَمِيُّ، والعقيلي، والعَسكَرِيُّ، وابن عساكر، عن علي رضِيَ الله عنه.
(35) ـ وروى ابن عساكِرَ عن ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه قال: لو أنَّ أهلَ العلم صانوا العلمَ ووَضَعُوه عند أهله لسادُوا به أهلَ زَمانِهم، ولكنَّهم وَضَعوه عندَ أهلِ الدُّنيا ليَنالُوا من دنياهم، فهانُوا عليهم، سمِعْتُ نبيَّكُم - صلى الله عليه وسلم - يقولُ «مَن جَعَلَ الهُموم همّاً واحِداً؛ هم المعاد، كفاه الله سائِرَ الهُموم، ومن شعَبَتْه الهُمومُ [في] أحوالِ الدُّنيا، لم يُبالِ اللهُ في أيّ أودِيَتِها هَلَكَ».
(36) - وقولُه: «مَن أحَبَّ آخِرَتَه أَضَرَّ، بدنياه، ومَن أحَبَّ دُنياهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، فَآثِرُوا ما يبقى على ما يفنى».
الجزء 1 · صفحة 13
واعلَمْ أَنَّ أَقل العلمِ والعِرْفانِ، بل أدنى الإسلام والإيمانِ أن تُؤْمِنَ بأنَّ الدُّنيا فانية، والآخِرة باقية، ونتيجة هذا العلم وثَمَرتُه أن تختار الباقي على الفاني، بل لو كانَ الباقي خَزَفَاً والفاني ذَهَباً لكانَ العاقِلُ اختار ما يبقَى على ما يفنى، فكيف والآخرة ذَهَبٌ باق والدُّنيا خَزَفٌ فانٍ؟! كما يُشيرُ إليه قوله سبحانه وتعالى: {مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلُ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} [النساء: ??]، وفي آيةٍ أُخرَى: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: (17)].
(37) - ويُومى إليه قوله صلَّى الله وسلَّمَ عليه: «لو كانَتِ الدُّنْيا تَعدِلُ عندَ اللهِ جَناحَ بعوضة لما سقى كافراً منها شَرْبةَ ماءٍ».
هذا مع قوله تعالى وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقَفًا مِن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِثُونَ وَزُخْرُفَا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف: (33) - (35)].
الآثار الواردة في تحذير العلماء من مخالطة الأمراء]
وأما الآثار عن الأخيار من الأحبار
- فعن أبي عِمرانَ الجَوْني، عن هَرِمِ بنِ حَيَّانَ أَنَّهُ قالَ: إِيَّاكُم والعالم الفاسِقَ،
فبلَغَ عُمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فقال: ما العالم الفاسِقُ؟ فكتب إليه هَرِمُ ابنُ حيَّانَ: والله يا أمير المؤمنين ما أردتُ إلا الخير، يكونُ إمام يتكلَّمُ بالعلم ويعمل بالفسقِ فيُشَبِّهُ على النَّاسِ فَيَضِلُّوا. ابن سعد، والمِرْوَزِيُّ في «العلم.
الجزء 1 · صفحة 14
قلتُ: ويُؤَيده قوله تعالى: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: (3)] وقوله: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: (44)].
?? - وقالَ سُفيان: في جهنَّمَ وادٍ لا يسكُنه إلا القُرَّاءُ الزَّائِرون للمُلوكِ. (40) - وقال حذيفة رضي الله عنه: إيَّاكُم ومواقف الفِتَنِ، قيل: وما هي؟ قال: أبواب الأُمَراءِ يدخُلُ أحدُكم على الأمير فيُصَدِّقُه بالكذب، ويقول ما ليس فيه. (41) - وعن كُميل بن زياد رحمه اللهُ قالَ: أَخَذَ بيدي علي بن أبي طالب رضِيَ الله عنه فأخرَجَني إلى ناحية الجبَّانةِ، فلما أصْحَرَ تَنفَّسَ، ثمَّ قَالَ: يَا كُميل إن هذه القلوب أوعية، فخَيرُها أوعاها، اِحفَظ عنِّي ما أقول لك: النَّاسُ ثلاثة:
عالم رباني، ومُتعلِّم على سبيل نجاة، وهَمَجُ رَعَاعٌ، أَتباعُ كل ناعق، يَميلُونَ
معَ كل ريح، لم يستضيئوا بنُور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق. يا كُمَيلُ، العلم خيرٌ من المالِ العلم يحرُسكَ وأنتَ تحرُسُ المال، والعلم يزكو على الإنفاق، والمالُ تُنقِصُه النفقة.
يا كميل محبة العالم دين يُدان به، يُكسِبُ العالم الطاعة لربه في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، ونفقةُ المالِ تزولُ بزَوالِه، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه. يا كُمَيلُ، ماتَ خُزَّانُ الأموال وهم أحياء، والعلماء باقونَ ما بقي الدَّهرُ،
أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودةٌ، إِنَّ هاهنا لَعِلْماً ـ وأشار إلى صدره - لو أصبتُ له حَمَلَةً.
الجزء 1 · صفحة 15
ثم قالَ: اللَّهُمَّ بلى أصبتُه لفتى غير مأمون، يستعمل آلةَ الدِّينِ في الدُّنيا، ويستَظهِرُ بحُجَج الله على أوليائه، ومُنقاداً لحَمَلة الحقِّ لا بصيرة له في إحسانه، يقدَحُ الزّيغُ في قلبه بأول عارض من شُبهةٍ. اللَّهُمَّ لا ذا ولا ذاك، أو مَنهوماً بِاللَّذَّاتِ سَلِسَ القِيادِ للشَّهواتِ، أو مُغرماً بالجَمْعِ والادّخار، وليسا من وعاةِ الدِّينِ، أقرَبُ شبهاً بهما الأنعامُ السَّائمةُ، كذلك يموتُ العلمُ بمَوتِ حَمَلَتِه
ثمَّ قال: اللَّهُمَّ لا تخلو الأرضُ من قائمِ اللَّهِ بِحُجَّةٍ، إما ظاهِرٌ مشهورٌ، وإِمَّا خائفٌ مَغمورُ؛ لئلا تبطل حُجَجُه وبيناته، وكم وأينَ أولئك؟! هم الأقلُّون عَدَداً، والأعظمون قَدْراً، بهم يحفَظُ اللَّهُ حُجَجَهِ حَتَّى يُودِعُوها نُظَراءَهم، ويزرَعُوها في قلوبِ أشباههم، هَجَمَ [بهم] (3) العلم على حقيقة الأمر، فباشروا رُوحَ اليقين، واستَسهَلوا ما استَوْعَرَ المُترَفون، وأنسوا بما استَوْحَشَ الجاهلون، وصحبوا الدُّنيا بأبدان أرواحُها مُعلَّقة بالمحل الأعلى، أولئك خُلَفَاءُ اللهِ
في أرضه الدُّعاةُ إلى دينِه هَاهِ! شوقاً إلى رُؤْيَتِهم، أستَغفِرُ اللهَ لي ولك. ذكره ابن الأنباري في «المصاحِفِ»، والمرهبي في «العلم»، ونصر في «الحُجَّةِ»، وابن عساكر، وأبو نُعَيم في «الحلية».
(42) - وقيل للأعمش: قد أحيت العلم لكثرةِ مَن يأخُذُ منك، فقال: لا تعجلوا؛ ثلث يموتون قبل الإدراك، وثُلث يلزمون أبواب السلطان، وهم شَرُّ الخلق، والثلث الباقي لا يُفلِحُ منه إلا القليل.
(43) - وقال الأوزاعِيُّ: ما من شيء أبغضُ إلى الله تعالى من عالمٍ يزور عاملاً. (44) ـ وقال مكحول الدمشقيُّ: مَن تعلَّمَ القُرآنَ، وتفَقَّهَ فِي الدِّينِ، ثُمَّ صَحِبَ
الجزء 1 · صفحة 16
السلطان تملُّقاً إليه، وطَمَعاً لما في يديه، خاض في نارِ جهنَّمَ بقدرِ خُطاه. (45) ـ وقال سمنونُ: ما أسمَجَ بالعالم أن يُؤتَى إلى مجلسه فلا يُوجَد، فيُسأَلَ عنه، فيقال: هو عند الأم الأمير.
قالَ: وكنتُ أسْمَعُ أَنَّه يُقالُ: إذا رأيتُم العالم يحبُّ الدُّنيا فَاتَّهِمُوه على دينكم، حتَّى جرَّبتُ؛ إذ ما دَخَلتُ قطُّ على هذا السُّلطانِ إلا وحاسَبتُ نفسي بعدَ الخُروج، فإذا عليها الدَّركُ، وأنتم تعلمون وترونَ ما ألقاه به من الفظاظة والغِلْظَة وكثرةه المُخالفَةِ لهواه، ولوَدِدْتُ أني أنجُو من الدخول عليه كَفافاً، مع أني لا أخُذُ منهم شيئاً، ولا أَشْرَبُ لهم شَرْبَةَ ماءٍ. ثمَّ قال: وعُلماؤنا شَرٌّ من عُلماء بني إسرائيل، يُخبرون السُّلطانَ بِالرُّخَصِ،
وبما يُوافِقُ هواه، ولو أخبروه بالذي عليه وفيه نجاته لاستثقَلَهم وكرِهَ دُخولهم عليه، وكان ذلك نجاةً لهم عند ربهم.
(46) ـ وقالَ الحَسَنُ: كانَ فيمَن كانَ قبلَكُم رجُلٌ له قِدَمٌ في الإسلام، وصُحبَةٌ للنَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلامُ - قال ابن المبارك: يعني ابنُ وقَاصِ رَضِيَ الله عنه ـ قالَ: وكان يغشى السَّلاطينَ، ثمَّ َقعَدَ عنهم، فقال له بنوه: يأتي هؤلاء مَن ليس هو مثلك في الصحبَةِ والقِدَمِ في الإسلام، فلو أتيتهم، فقال: يا بَنِيَّ! آتي إذا جيفةٌ قد أحاط بها قوم، والله لَئِن استطعتُ لما شاركتهم فيها، قالوا: يا أبانا، إذا تهلِكُ هُزالا، قال: يا بَنِيَّ! لأن أموتَ مؤمناً مَهْزُولاً أحبُّ إليَّ من أن أموتَ مُنافِقاً سميناً.
(47) ـ قال الحَسَنُ: خَصَمَهم واللهِ إِذ عَلِمَ أَنَّ التُّرابَ يَأْكُلُ اللَّحْمَ والسَّمَنَ دونَ الإيمان.
(48) ـ وقال أبو ذر السَلَمَةَ: يا سلمةُ! لا تَغْشَ أبوابَ السَّلاطينِ؛ فإِنَّكَ لا تُصِيبُ شيئاً من دنياهم إلا أصابوا من دينك أفضَلَ منه ه.
الجزء 1 · صفحة 17
(49) - وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسَنِ: أَمَّا بعدُ، فَأَشِرْ عليَّ بأقوامٍ أَستَعينُ بهم على أمر الله تعالى، فكتب إليه أمَّا أهلُ الدِّينِ فلا يُريدونَك، وأمَّا أهلُ الدُّنيا فلن تُريدهم، ولكن عليك بالأشرافِ فإنَّهم يَصُونُونَ شَرَفَهم أن يُدَنِّسوه بالخِيانة. (50) ـ وحكى الأوزاعِيُّ عن بلالِ بنِ سَعدٍ، أَنَّه كان يقولُ: ينظُرُ أحدكم إلى الشُّرَطِيّ فيستعيذُ بالله منه، وينظُرُ إلى عُلماءِ الدُّنيا المُتَصَنِّعين إلى الخلقِ، المُتَشَوِّفين إلى الرِّياسةِ فلا يمقتهم، وهذا أحقُ بالمَقتِ من الشُّرَطِيِّ.
(51) ـ وعن الحسَنِ البَصرِيٌّ رحمه الله: إن بَقِيتُ لك الدُّنيا لم تَبْقَ لها، فأيُّ فائدة في طَلَبِها وإنفاقِ العُمرِ العزيز على كَسْبِها.
واللهِ دَرُّ القائل
هَبِ الدُّنيا تاقُ إليك عفواً أليس مصير أليس مصير ذاكَ إلى زوال
وما دنياك إلا مثلُ ظِلِّ أظَلَّكَ ثمَّ آذَنَ بارتحال
ولآخر:
أضغات
أو كظِلُّ زائل إنَّ اللبيب بمِثْلِها لا يُخدَعُ
(52) ـ وعن سفيانَ الثَّورِيّ: ما أخافُ على دمي إلا من القُرَّاء والعلماء. ما فاستنكروا ذلك منه، فقال: ما أنا قُلتُه، إنَّما قالَه إبراهيمُ النَّخَعِيُّ رحمه الله ه. . يعني به أُستاذ أبي حنيفة رحمه الله.
(53) ـ وعن عَطاءِ رحِمَهُ اللهُ قالَ: قالَ لي الثَّورِيُّ: احذَرُوا القُرَّاءَ، واحذَرُوني معهم، فلو خالَفْتُ أودهم لي في رُمَّانةٍ فأقولُ: إنَّها حلوة، ويقولُ: إِنَّها حامضة، ما
آمنتُه أن يسعى بدَمي إلى سُلطان جائِرٍ
(54) ـ وعن مالك بن دينار أنَّه قال: إنّي أقبل شهادةَ القُرَّاء على جميع الخلق،
ولا أقبل شهادة بعضهم على بعض؛ لأني وجَدْتُهم حُسَّاداً. قلتُ: وإذا كان من أعوانِ الظَّلَمةِ فيتَعَيَّنُ أن لا تُقبل شهادته على أحد، فإنَّه (2) إمَّا ظالم أو فاسِقُ.
الجزء 1 · صفحة 18
(55) - وعن الفُضَيلِ أَنَّه قال لابنه: اشتَرِ لي داراً بعيدةً من القُرَّاءِ، مالي ولقَومٍ إن ظَهَرَتْ مِنِّي زَلَّةٌ هَتكوني، وإِن ظَهَرَتْ عليَّ نعمةٌ حَسَدوني.
وما أحسَنَ مَن قال في حالِ هؤُلاءِ الرِّجالِ:
تشاغل قومٌ بدُنْياهُمُ وقَوم تخلَّوا لمَوْلاهُمُ فألزَمَهم بابَ مَرضاته وعن سائر الخلق أغناهُمُ
ولآخر:
أرَى النُّهَادَ في رَوحَ ورَاحَة قُلوبُهم عن الدُّنيا مُزاحَةً إذا أبصَرْتَهم أبصَرْتَ قَوْماً ملوكُ الأرض سيمَتُهم سَماحَة
وعن بعض المشايخ: أنَّ ما قُدِّرَ لماضِغَيك أن يمضَغَاهُ فلا يمضَغُه غيرُك، فكُلْ ويحَكَ رِزْقَك بالعِزَّ، ولا تأكله بالذُّلِّ.
(56) ـ وأصله الخبر المأثور عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ: أَنَّه قالَ
لابنِ مسعودٍ: «ليَقِلَّ هَمُّك، ما قُدِّرَ يأتيك، وما لم يُقَدَّر لم يأتِكَ. قُلتُ: ويُؤيده قوله تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: (51)].
(57) ـ وبالحديثِ المشهور: ما أصابك لم يكُنْ لِيُخطِئَك، وما أخطَأَك لم يكُن ليُصيبك.
(58) ـ وحديث: جَفَّ القَلمُ على علمِ اللهِ». مجموع سلام الملا على القاري
وفي رواية: جَفَّ القَلَمُ بما هو كائن إلى يوم القيامةِ».
(59) - وعن عليّ رَضِيَ الله تعالى عنه: إِنْ صَبَرَتَ جَرَتْ عليك المَقادِيرُ وأَنتَ مأجورٌ، وإِنْ جَزِعْتَ جَرَت عليك المقادير وأنتَ مأزور.
(60) ـ وقد ثبت أن الله تعالى يقولُ: إِنِّي لأُذُوِّدُ أوليائي عن نعيمِ الدُّنيا كما يَذودُ الراعي الشَّفيقُ إِبلَه عن مَبارِك العُرَّةِ.
وفي هذا المعنى لبعض الزُّمَّادِ:
سبَقَتْ مَقادير الإله وحكمه فارخ موادك من لعل ومن لو
وقالَ آخَرُ:
فلعل ما تخشاه ليس بكائن ولعل ما تَرجُوه ليس يكونُ
سيكون ما هو كائن في وقته أخو الجهالة مُتعَبٌ مَحزون وقالَ آخَرُ:
الجزء 1 · صفحة 19
جَرَى قَلَمُ القَضاء بما يكونُ سِيَّانِ التَّحرُّكُ والسُّكونُ جنون منك أن تسعى لرِزْقِ ويُرزَقُ في غِشَاوَتِه الجنين
(61) ـ وعن بعض الكُبَراء تركتُ الدُّنيا لقلَّةِ غِنائها، وكثرَةِ عَنائِها،
وسُرعة فَنائِها، وخِسَّةِ شُرَكائِها.
***
[غزلة العالم]
ثمَّ إِنَّ السَّلفَ الصَّالِحَ أجمعوا على التَّحذير من أهل زمانهم، وآثروا العُزْلةَ في عامة شانهم، وأمَرُوا بذلك، وتواصوا بالتِزامِ ما هُنالِكَ، ولا شكٍّ أَنَّهم كانوا أَنصَحَ وأبصَرَ وأبر، وإِنَّ الزَّمانَ بعدهم لم يَصِرْ خيراً ممَّا كانَ، بل كلُّ يومٍ شَرّاً منه وأَمَرُّ. (62) ـ فعن يوسف بن أسباط، أنَّه قال: سمعتُ الثّورِيَّ يقولُ: والله الذي لا إلهَ إلا هو لقد حَلَّتِ العُزلةُ في هذا الزَّمانِ.
قالَ حُجَّةُ الإسلام: وَلَئِنْ حَلَّتِ في زمانه ففي زَمانِنا وجَبَتْ قلت: ويُؤيده قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: (105)].
(63) - وقوله: عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: إذا رأيتَ شُحاً مُطاعاً، وهَوًى مُتَّبَعاً، وإعجاب كلِّ ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودَعْ عنك أَمْرَ العامَّةِ». (64) - وكتَبَ رجلٌ على بابِ دارِه: جزَى اللهُ مَن لا يعرِفُنَا خَيْراً، ولا جَزَى بذلك أصدقاءَنا خاصَّةً، فما أُوذينا قطُّ إلا منهم
(65) - وقالَ الفُضَيلُ: هذا زمان احفَظ فيه لسانك، وأَخْفِ مَكانك، وعالج قلبك، وخُذْ ما تعرِفُ، ودَعْ ما تُنكِرُ.
(66) ـ وعن داودَ الطَّائِيُّ: صُمْ عن الدُّنيا، واجعَلْ فطرَك الجنَّةَ، وفِرَّ مِن النَّاسِ فِرارَك من الأسد.
قُلتُ: ويُشيرُ إليه قوله تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} [الذاريات: (50)]، وقوله: سُبحانَهُ وَتَبَتَلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: ?].
- وقال النُّورِيُّ: هذا زَمانُ الشكوتِ، ولزوم البيوت، والرضا بالقوتِ إلى أن تموت.
الجزء 1 · صفحة 20
(68) ـ وعن يحيى بن معاذ: رُؤيةُ النَّاسِ بِساطُ الرِّياءِ.
(69) ـ وعن إبراهيم بن أدهم: كُنْ واحِداً جامعياً، ومن ربك ذا أُنس، ومن النَّاسِ وَحْشِيَّاه.
[عزّة العالم في علمه]
ثمَّ اعلَمْ: أَنَّك متى عانَقْتَ العبادة بحَقِّها ولزمتها حقَّ المُلازَمَةِ، وَوَجَدْتَ حلاوة المُناجاة، واستَأنَسْتَ بكتاب اللهِ وسُنَّةِ رسولِ اللهِ، اسْتَغَلْتَ عن الخلق ومَرامِهم، واستَوْحَشْتَ من صُحبَتِهم وكلامِهم وسلامهم
وقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:
جميعُ العِلم في القُرآنِ لكن تَقَاصر عنه أفهام الرّجالِ وقال غيره:
إذا ذُكِرَتْ بِحارُ العلم يوماً فقولُ المُصطَفَى لا غير بحري هو البحرُ المُحيط وما عداه فأنهار صغار منه تَجْرِي وقد جاءَ بعضُ الأمراء إلى بعض الكُبَراءِ واعْتَذَرَ بِقَلَّةِ المَأْتي إليه، فأجابَهُ: بأنَّ مِقدار ما يفرَحُ النَّاسُ بذهابك إليهم، فنحنُ نفرَحُ بِعَدَمِ إيابِك إلينا. وقال بعضُ المَشايخ: خذ الله صاحِباً ودَعِ النَّاس جانباً ـبِ النَّاسَ كيف شف ـــــــت تجدهم عقاربا
(70) - ويُؤَيِّدُه خبرُ: «أَخْبُرُ تَقْلُه».
?? - وحديثُ: «النَّاسُ كإبل مئةٍ لا تجد فيها راحلة».
?? - وفي قصة أبي حنيفة رحمه الله مع المنصور وابن هبيرة عبرة لمن يعتَبِرُ في الموعظة الحَسَنَةِ.
?? - وممَّا يُنسَبُ إلى عليّ كرَّمَ الله وجهَهُ ورَضِيَ الله تعالى عنه: ما الفَخْرُ إلا لأهلِ العِلمِ إِنَّهم على الهُدَى لَمَن استَهدَى أَدِلَّاء وقَدْرُ كل امرئ ما كانَ يُحسِنُه والجاهلون لأهل العلم أعداء ففز بعلم تعش حياً به أبداً النَّاسُ مَوتَى وأهل العلم أحياءُ
(74) - وقال أبو الأسود: ليس شيء أعزّ من العلم، الملوكُ حكّام على النَّاسِ، والعلماء حكام على المُلوكِ.
الجزء 1 · صفحة 21
(75) - وقال ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ الله تعالى عنهما: خُيْرَ سُليمان بن داود عليهما السَّلامُ بينَ العلم والمالِ والمُلكِ، فاختار العلم، فأُعطِي المال والمُلكَ معَه.
(76) - وسُئل ابنُ المبارك: مَنِ الناسُ؟ فقالَ: العلماء، قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد قيلَ: فمَن السَّفَلةُ؟ قالَ: الذينَ يَأكُلُونَ بدينهم.
?? - وقال بعضُ الحُكماء: ليتَ شِعري، أيُّ شيءٍ أدركَ مَن فاته العِلمُ؟ وأَيُّ
شيءٍ فاتَه مَن أَدرَكَ العِلمَ؟.
?? ـ وقال سالم بن أبي الجَعْدِ اشْتَرَانِي مَولايَ بِثَلَاثِ مئة درهم فأعتَقَني، فقلتُ: بأيِّ حِرفَةٍ أحتَرِفُ؟، فاحترفتُ بالعلم، فما تمَّتْ لي سنةٌ حتَّى أتاني أميرُ المدينة زائراً فلم أذَنْ له.
?? - وقال أبو الدَّرداء رضي الله عنه: لأَنْ أَتعَلَّمَ مسألةً أَحَبُّ إليَّ من قيام ليلة.
(80) ـ وقال أيضاً: العالم والمُتعلّمُ شَريكان في الخير، وسائِرُ النَّاسِ هَمَجٌ لا خير فيهم.
?? - وقال عطاء رضي الله عنه: مجلس علم يُكفر سبعين مجلساً من مجالس اللهو - وقال ? عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه: مَوتُ ألف عابد قائم بالليل
وصائِمِ بالنَّهارِ، أهوَنُ من مَوتِ عالمٍ بصيرٍ بحَلالِ اللهِ وحَرامِه.
(83) ـ وعنه أيضاً: مَن حَدَّثَ بحديث فعُمِلَ به، فله مثل أجرِ ذلك العَمَلِ.
(84) - وقال عطاء رحِمه الله: دخَلْتُ على سعيد بنِ المُسَيَّبِ وهو يبكي، فقلتُ: ما يُبكيك؟ قال: ليس أحدٌ يسألني عن شيءٍ.
(85) - وقال بعضُهم: العُلماء سراجُ الأَزْمِنَةِ، كُلُّ واحدٍ مِصباحُ زَمَانِهِ، يستضيءُ به أهل عصره.
(86) - وقال الحسَنُ: لولا العُلَماءُ لصارَ النَّاسُ مثل البهائم.
?? - وقال يحيى بن معاذ رضي الله عنه: العُلماءُ أَرحَمُ بأمَّةِ محمد صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ من آبائهم وأُمَّهاتِهم، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأنَّ آباءَهم وأُمَّهاتِهم يحفَظُونَهم من نارِ الدُّنيا، وهم يحفَظُونَهم من نار الآخرة.
***
الجزء 1 · صفحة 22
[أفضلُ السعادات العلم والعملُ]
ثمَّ اعلَمْ أَنَّ ما يُطلَبُ لذاته فهو السَّعادةُ في الآخرة، وما يُتَوَسَّلُ به إليها في الدرجةِ الفَاخِرَةِ، إِنَّما هو العِلمُ والعَمَلُ، ولا يُتَوَكَّلُ إلى العمل أيضاً إلا بالعلم بكيفية العمل، فأفضَلُ السَّعاداتِ في الدُّنيا والآخِرَةِ العِلم، فهو أفضَلُ الأعمال، وكيف لا وقد يُعرَفُ فضيلةُ الشَّيء أيضاً بشَرَفِ ثَمَرَتِهِ؟ وقد عَرَفتَ أَنَّ ثَمَرَةَ العِلمِ القُربُ من ربِّ العالمين ومقارنة الملائكةِ المُقرَّبين.
ثم أي رتبة تكونُ أجل من كون العبد واسطة بين ربه وبينَ خَلقِه في
تقربهم إلى اللهِ زُلفى، وسياقهم إلى جنَّةِ المَأوى؟
?? - فمن هنا قال صلى الله تعالى عليه وسلَّم: «اطلبوا العلم ولو بالصين». ابنُ
عدي، والعقيلي، والبَيْهَقِيُّ في «الشُّعَبِ»، وابنُ عبدِ البر في «فَضْلِ العلمِ.
قالَ الحُجَّةُ: وقد كانَ أهْلُ الوَرَعِ من عُلماءِ الظَّاهِرِ مُقرِّين بِفَضْلِ عُلماءِ
الباطن وأرباب القلوب.
(89) - كانَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله يجلس بينَ يَدَي شَيبانَ الرَّاعي (2) كما يقعُدُ الصَّبِيُّ في المكتب، ويسأله كيف يفعل في كذا وكذا، فيقال له: مِثلُك يسأل هذا البَدَوِيَّ؟ فيقولُ: إِنَّ هذا وَفْقٌ لما علمنا. وفي نسخة: لما جهلناه.
(90) ـ وكانَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ ويحيى بن معين يختَلِفَانِ إِلى مَعروفِ الكَرْخِي ولم يكُنْ في علم الظَّاهِرِ بِمَنزِلَتِهما، وكانا يسألانهه.
?? - وكيف لا وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ لما قيل له: كيف نفعل إذا جاءَنا أمر لم نجده في كتاب ولا سُنَّةٍ؟ فقال صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ: «سَلُوا الصَّالحين، واجعلوه شُورَى بينهم». الطَّبَرَانِيُّ من حديث ابن عباس رضي الله عنه، فيه عبد اللهِ بنُ كَيسانَ، ضعَّفَه الجُمهورُ
ومن هنا قيلَ: عُلَماءُ الظَّاهِرِ زِينَةُ الأرض والمُلكِ، وعُلماء الباطِنِ زينة السَّماواتِ والمَلكوتِ.
الجزء 1 · صفحة 23
?? - وقالَ التَّورِيُّ لرفيق له كانَ يمشي معه فنَظَرَ إِلى بَابِ دَارٍ مَرفوع معمورٍ: لا تفعل ذلك؛ فإنَّ النَّاسَ لو لم ينظروا إليه لكانَ صاحِبُه لا يتعاطى هذا الإسراف، فالنَّاظِرُ إليه مُعين له على إسراف ما في يديه.
وفي قوله سبحانه وتعالى: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ [طه: (131)]. دلالة عليه.
?? - وقال بعضُ العارِفينَ: لا تنظر إلى الأغنياء؛ فإِنَّ بَرِيقَة أموالهم تُذهِبُ برَوْنَقِ أحوالِكُم. (94) - وقال الجُنَيدُ: قال لي السَّرِي شَيخي يوماً: إذا قُمْتَ من عندي، مَن تُجالِسُ؟ قلتُ: المُحاسِبي، قال: نعم، خُذ من علمه وأدبه، ودَعْ عنك تشقيقه للكلام، ورده على المتكلمين، ثمَّ لمَّا ولَّيتُ، سمعته يقولُ: جَعَلَكَ اللهُ صاحبَ
حديث صُوفِيَّاً، ولا جعَلَك صُوفِيَّاً صاحِبَ حديث.
وأشار إلى أنَّ مَن حصَّلَ العِلمَ ثمَّ تصوّفَ أفَلَحَ، ومَن تَصَوَّفَ قبلَ العِلم خاطر بنفسه.
***
اعرف الحق تعرف أهله]
ثمَّ اعْلَمْ: أَنَّ مَن عَرَفَ الحَقِّ بِالرِّجالِ حارَ في مَقاماتِ الضَّلَالِ.
(95) ـ ولذا قال بعضُ أهل الحالِ انظُرُ إلى ما قال، ولا تنظر إلى مَن قال. فاعرِفِ الحقِّ تَعرِفْ أهله، إن كُنتَ سالِكاً طريق الحقِّ، وإن قنعت بالتقليد والنَّظر إلى ما اشتهر من درجاتِ الفَضْلِ بينَ النَّاسِ من عُلماءِ الدُّنيا، ولا تغفل عن الصحابة الكرام، وعلو منصِبَهم في هذا المَرامِ، رِضوان الله تعالى عليهم أجمعين. فقد أجمعوا على أنَّه لا يُدرَكُ في الدُّنيا شأوهم، ولا يُشَقُّ غبارهم، ولم
يكُن تقدمهم بالكلام والفقه، بل بعلم الآخِرَةِ وسلوك طريقها.
(96) ـ وما فُضّل أبو بكرٍ رضيَ اللهُ تعالى عنه بكثرة صلاة ولا صيام، ولا بكثرة رواية ولا فتوى ولا كلام، ولكن بسِرِّ وَقَرَ في صَدرِه، كما شَهِدَ له سيِّدُ المرسلين صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ. كذا ذكرَه الغزاليُّ
الجزء 1 · صفحة 24
قال العراقيُّ: أخرجه الترمذي في «النَّوادِرِ من قَولِ بكرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزَني، قال: ولم أجده مرفوعاً.
قلت: لكنه في حكم المرفوع؛ فإن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي، وقد تلقته المشايخ بالقبولِ، وَأُورَدُوهُ فِي مَعرِضَ التَّقولِ!
?? - ويُؤيده كلامُ ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه: ليسَ العِلم بكثرة الرواية، إنما العلم نورٌ يُقذف في القلب".
فليَكُنْ حِرْصُك في طَلَبِ ذلك السِّرِّ، فهو الجوهَرُ النَّفيس، والدُّرُ المكنون، ودَعْ عنكَ ما تَطابَقَ أكثَرُ النَّاسِ عليه، وعلى تفخيمه وتعظيمه لأسباب ودواع يطول تفصيلها، فلقد قُبِضَ الرسول صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ عن آلافٍ من الصَّحابة كلُّهم علماء بالله، أثنى عليهم رسولُ اللهِ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ، ولم يكُنْ فيهم أحَدٌ يُحسِنُ صَنعة الكلام، ولا نصب نفسه للفتيا منهم أحدٌ إلا بضعَةَ َعشَرَ رجُلاً، ولقد كانَ ابْنُ عُمَرَ منهم رضي الله تعالى عنهم. ?? ـ وكانَ إِذا سُئِلَ عن الفتيا يقولُ للسَّائلِ: اِذْهَبْ إِلى هذا الأميرِ الذي تَقَلَّدَ أمورَ النَّاسِ، وَضَعْهَا فِي عُنُقِه. إشارة إلى أنَّ الفتيا في القضايا والأحكام من توابع الوِلاية والسلطنة.
(99) - ولما مات عمرُ رَضِيَ الله تعالى عنه قالَ ابنُ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه: ماتَ تسعة أعشار العلم، فقيل له: أتقول ذلك وفينا جُملةُ من الصَّحَابَةِ؟! قالَ: لم أُرِدْ علم الفتيا والأحكام، وإنَّما أريدُ العِلم بالله.
أفترى أنَّه أراد صنعة الكلام والجدل؟ فما بالك لا تحرص على مَعرِفَةِ ذلك العلم الذي ماتَ بمَوتِ عُمَرَ، وهو الذي سدَّ بَابَ الكلامِ والجدل.
??? ـ فَضَرَبَ صَبِيغَاً بالدُّرَّةِ لمَّا أَوْرَدَ عليه سؤالاً في تعارض آيتين في
كتابِ اللهِ عزَّ وجَلَّ، وهجَرَه وأَمرَ النَّاسَ بهَجره. والحاصِلُ: أنَّ أقسام ما يُتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى ثلاثة:
الجزء 1 · صفحة 25
علمٌ مُجرَّدٌ، وهو عِلمُ المُكاشَفَةِ. وعَمَلٌ مُجرَّدٌ، كَعَدْلِ السُّلطانِ مَثَلاً.
ومُرَكَّب من علمٍ وعَمَلٍ، وهو علم طريق الآخرة، فإنَّ صاحِبَه من العلماء
والعُمَّالِ جميعاً.
فانظر إلى نفسك، أتكونُ يومَ القيامة في حِزْبِ عُلماءِ اللَّهِ، أَو عُمَّالِ اللَّهِ، أو
في حزبيهما، فتضرِبَ بسَهمِك معَ كلِّ فريق منهما. خُذْ ما تَراهُ ودَعْ شيئاً سَمِعْتَ به في طَلْعَةِ الشَّمْسِ مَا يُغنيك عن زُحَلِ
(101) ـ وفي وكلامُ الشَّافعي رحمه الله: مَن ادَّعَى أَنَّه جمع بين حب الدُّنيا وخالقها في قلبه؛ فقد كَذَبَ.
(102) - وكتبَ حَكيمٌ إلى حكيم قد أُوتيتَ عِلماً فلا تُدَنّس علمك بظُلْمَةِ
الذُّنوبِ، فَتَبقَى في الظُّلْمَةِ يومَ يسعى أهل العلم بنُورِ عليهم. (103) ـ وقال عيسى عليه السَّلامُ ما أكثَرَ الشَّجَرَ! وليسَ كلُّها بِثَمَرٍ، وما أكثَرَ
الثّمرا وليس كلها بطيب، وما أكثر العلوم وليس كلها بنافع.
(104) ـ وأمَّا ما في «الإحياء من حديثِ: «قليلٌ من التّوفيقِ خيرٌ م من العلم». فقال العراقي: لم أجد له أصلاً.
(105) ـ وكذا ما ذكره من: أنَّ عليَّاً أخرَجَ القُصَّاصَ من جامعِ البَصَرَةِ، فلمَّا سمع كلام الحسن البصري لم يُخرِجه؛ إذ كان يتكلم في علم الآخرة. فلم يصح؛ إذ المُحدِّثون اتَّفقوا على عَدَمِ اجتِماعِ الحَسَنِ بعَليَّ رَضِيَ الله عنه.
[لب العلم التوحيد]
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ لُبَّ العلم هو التَّوحيد، وغايته عندَ ذَوي التاييد أن تُرى الأمور كلُّها من الله تعالى رُؤيةً تقطع التفاته عن الأسباب والوسائط والإضافات، فلا يرى الخير والشَّرَّ كلَّه إلا منه، وهذا مقام شريف إحدى ثمَرَاتِهِ التَّوكُلُ، ومنه تَرْك شكاية الخلق، وتركُ الغَضَبِ عليهم، والرّضا والتسليم لحُكمِ اللهِ تعالى.
الجزء 1 · صفحة 26
(106) ـ وكان إحدى ثمَراتِه قَولُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه لما قيلَ له في مَرَضِه: أنطلُبُ لك طبيباً؟ فقالَ: الطَّبيبُ أمْرَضَني.
??? - وقولٌ آخَرُ: لَمَّا مَرِضَ فقيل له: ماذا قال لك الطَّبِيبُ فِي مَرَضِك؟ فقالَ:
قالَ: إني فاعِلٌ لما أريدُه.
وإذا عرفت هذا فإليك الخِيَرةُ في أن تنظر لنفسك، فتَقتَدِيَ بالسَّلَفِ، أو تتدَلَّى بحبلِ الغُرورِ وتتشَبَّه بالخَلَفِ، فكل ما ارتضاهُ السَّلَفُ من العُلومِ فقد اندَرَسَ أَكثَرُه، وما أكَبَّ عليه النَّاسُ فَأَكثَرُه مُبْتَدَعُ مُحدَثٌ.
??? ـ وقد صَحَّ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ: «بدَأَ الإسلام غريباً، وسيعودُ غَريباً كما بدأ، فطُوبَى للغُرَباءِ»، فقيلَ: مَن الغُرَباءُ؟ فقالَ: «الذين يُصلِحونَ ما أَفسَدَه النَّاسُ من سُنَّتي، والذين يُحيون ما أماتوه من سُنَّتي». مُسلم من حديث أبي هريرةَ رَضِيَ الله عنه مُختَصَراً، وهو بتمامه عند الترمذي من. حديثِ عَمْرِو ابنِ عَوْفٍ وحسَّنَه.
(109) ـ وفي حديث آخرَ الغُرَباءُ ناس قليلون صالحون بين ناس كثير، من
يُبغِضُهم في الخلقِ أكثَرُ ممَّن يُحبُّهم». أحمد من حديث عبدِ اللهِ بنِ عَمرو؟. وقد صَدَقَ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ، فإنَّ تلكَ العُلوم قد صارَتْ غَرِيبةً اليومَ
بحيثُ يُمْقَتُ ذاكِرُها.
(110) - ولذا قالَ الثَّورِيُّ: إذا رأيتَ العالِمَ كثير الأصدقاء فاعلَمْ أَنَّهُ مِخْلَط ه؛ لأنَّه إن نطق بالحقِّ أبغَضُوه.
الجزء 1 · صفحة 27
والحاصِلُ: أنَّ القِسم المَحمود من العلوم بالأشياء إلى أقصى غايات الاستقصاء: هو العِلمُ بالله تعالى وبصفاته وأفعاله، وسُنَنِه في مَصنوعاتِه، وحكمته في ترتيب العُقبى على الدُّنيا، فإنَّ هذا علم مطلوب لنفسه والتوسل به إلى سعادة الآخرة، والذَّخائر الفاخرة، بل بَذْلُ المَقدورِ فيه إلى أقصى الجهدِ قصور عن حد الواجب، فإنَّه البحر الذي لا يُدرَكُ غَوْرُه، وإِنَّما يَحومُ الحَائِمُونَ على سواحله وأطرافه، بقَدْرِ ما يُسرَ لهم من إشراقه.
وما خاض أطرافه إلا الأنبياء والأولياء والرَّاسخون في العلم من الأصفياء على اختلاف درجاتِهم، بحَسَبِ قُوَّةِ حالاتِهم، وتفاوت تقدير الله تعالى في مراتب عناياتهم.
وهذا هو العلمُ المَكنونُ لا يُسَطَّرُ في الكتب، وإِنَّما يُعينُ على التَّنبه له التَّعلُّم ومُشاهدة أحوالِ عُلماءِ الآخرةِ، ويُعينُ عليه في آخرِ الأمرِ المُجاهَدَةُ والرِّياضةُ، وتصفية القلب وتفريغه عن علائقِ الدُّنيا وعوائقها، والتشبه فيها بالأنبياء والأولياء بالقطع من خلائقها، ليتَّضِحَ منه لكلِّ ساع إلى طلبِهِ بِقَدْرِ الرِّزْقِ لَا بِقَدْرِ الجُهَدِ، ولا غنى فيه عن الاجتهاد؛ فإنَّ المُجاهَدَةَ مفتاح الهداية، لا مفتاح لها سواها.
[دورُ العلماء معَ الخُلفاء]
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ الخلافة بعد رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ تولاها الخُلفاء الراشدون المَهْدِيُّون، فكانُوا أَئمَّةً عُلماء بالله تعالى، فقهاء في أحكامه، ومُستقلين بالفتاوى في الأقضية، فكانوا لا يستعينون بالفقهاء إلا نادراً في وقائع لا يُستَغنَى فيها عن المُشاوَرةِ، فتفرَّغَ العُلَماءُ لعلم الآخرة، وتجرَّدُوا لها، وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلق بأحكام الخلق من الدُّنيا، وأقبَلُوا على المَولى بكُنْهِ اجتهادهم، كما نُقِلَ في سِيَرِهم.
الجزء 1 · صفحة 28
فلمَّا أفضَتِ الخِلافةُ بعدهم إلى أقوامٍ تَوَلَّوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلمِ الفتاوى والأحكام اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء، واستصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في مجاري أحكامهم في أفعالهم وأقوالهم.
وقد كان بقي من عُلماءِ التَّابعين مَن هو مُستَمِرٌّ على الطَّرَازِ الأَوَّلِ من اليقين، ومُلازِمٌ صفوَ الدِّينِ، ومُواظب على سَمْتِ السَّلَفِ الصَّالحين، وكانوا إذا طُلِبوا أعرَضُوا وهرَبُوا، فاضطَرَّ الخُلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتوليَةِ القَضاءِ والحكوماتِ، فرأى أهل تلك الأعصارِ عزّ العُلماءِ في الأمصار وإقبال الأئمةِ والوُلاةِ عليهم معَ إعراضهم عنهم وعَدَمِ التفاتِهم إليهم، فاشرَ أَبُوا لِطلَبِ العلمِ تَوَصُّلاً إلى نَيْلِ العِزّ وطَلَبِ الجاءِ من قِبَلِ الوُلاةِ، فأكبُّوا على عِلمِ الفَتاوى، وعَرَضُوا أَنفُسَهم على الوُلاةِ، وتعرَّفُوا إليهم وطلبوا الولاياتِ والصَّلاتِ لديهم، فمنهم مَن حُرِمَ وَمِنْهُم مَن أَنْجِحَ،
فالمُنجح لم يَخْلُ من ذُلِّ الطَّلَبِ ومَهانِةِ التَّبَذُّلِ، فَأَصبَحَ الفُقَهَاءُ بعد أن كانوا مطلوبينَ طالبين، وبعد أن كانوا أعِزَّةً بالإعراض عن السَّلاطينِ أذِلَّةٌ بالإقبال عليهم، إلا مَن وفقه الله تعالى في كلِّ عصر من عُلماءِ الدِّينِ، وقد كان أكثر الإقبال في تلك الأعصارِ
على علم الفتاوى والأقضِيَةِ؛ لشِدَّةِ الحاجة إليها في الولايات والحكومات. ثم ظهر من بعدهم من الصُّدورِ والأمراء مَنْ يَسْمَعُ مَقالاتِ النَّاسِ فِي قَواعِدِ العقائد، ومالت نفسه إلى سَماعِ الحُجَجِ وما فيها من الفوائد، فغَلَبَت رغبته إلى المُناظرةِ والمُجادَلَةِ في الكلام، فانكبَّ النَّاسُ على علم الكلام وما يتعلق بها من الأحكام، وترَكُوا سائر أحكام الإسلام، واستخرجوا فنونَ المُناقَضاتِ، وأصناف المعارضات في المقالاتِ.
الجزء 1 · صفحة 29
وزَعَمُوا أَنَّ غَرَضَهم الذَّب عن دينِ الله تعالى، وقمع البدعة، والتَّدافع عن السُّنَّةِ، كما زَعَمَ مَن قبلهم أَنَّ عَرَضَهم الاشتغالُ بفَتاوَى الدِّينِ، وتقلد أحكامِ المُرسلين؛ إشفاقاً على خَلق الله ونصيحةً لهم. ثمَّ ظهر بعد ذلك من الصُّدورِ مَن لم يستَصوِبِ الخَوْضَ في الكلامِ، وقبَّحَ فتح بابِ المُناظرة في ذلك المَرامِ، لما كان قد تولّدَ في فتح بابه من التَّعَصُّباتِ الفاحشة، والخُصوماتِ النَّاشئة من العناد، المُفضية إلى إهراقِ الدّماءِ وتخريب البلاد، وسائرِ أنواعِ الفَسادِ فيما بين العبادِ.
الجزء 1 · صفحة 30
و مالت نفسه إلى المُناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذهَبِ أبي حنيفة رحِمَه الله والشَّافِعِيِّ على الخصوص، فترَكَ النَّاسُ الكلام وفنون علوم الإسلام، بين الحنفيَّةِ والشَّافعيّة، وتساهلوا في الخلافِ مع المالكيَّةِ والحنبَلِيَّةِ، وزَعَمُوا أَنَّ غَرَضَهم استنباط دقائقِ الشَّرع، واستخراج حقائق الأصل والفَرْعِ، وتقريرُ عِلَلِ المَذهَبِ وأَدلَّتِها، وتمهيد أصول الفتاوى أو تتمَّتُها، وأكثَرُوا فيها التّصانيف والاستنباطات، وزيَّنو فيها أنواع المُجادَلاتِ. قالَ حُجَّةُ الإسلامِ رَضِيَ الله عنه: وهم مُستَمِرُّون عليه إلى الآن، وليسَ نَدري ما الذي يُحدِثُ الله فيما بعد من الأعصارِ في الأمصارِ، ولو مالَت نُفوسُ أربابِ الدُّنيا إلى الخِلافِ مع إمامٍ آخر، أو إلى علم آخَرَ لَمالوا أيضاً معَهم، وزَعَمُوا أَنَّ مَا اسْتَغَلُوا به هو من علمِ الدِّينِ، وأنْ لا مَطلَبَ لهم سوى التَّقرُّبِ إلى ربِّ العالمين. ثم قاسوا الملوك بالحدادين، وظنُّوا أنَّ عادةَ الصَّحابَةِ فِي مُشاوَراتِهم كتَشاوُرِهم في مسألة الجد والإخوةِ، وحَدٌ شُربِ الخَمرِ، ووُجوبِ الغُرْمِ على الإمامِ إذا أخطأ، كما نُقِلَ من إلقاء المرأة جَنِيْنَها خوفاً من عمر، وكما نُقل من مسائلِ الفَرائض وغيرِها، وما نُقِلَ عن مالك والشَّافِعِيُّ ومحمَّدِ بنِ الحَسَنِ وأبي يوسف وغيرهم من العُلماء في محاوراتهم.
??? - وقد رُئي الثَّورِيُّ حَزيناً، فقيل له ما لك؟ فقالَ: صِرْنا مَتْجَراً لأبناءِ
الدُّنيا، يلزَمُنا أحدهم، حتّى إذا تعلَّم جُعِلَ عامِلاً أو قاضياً أو قَهرمانا. وقد ذَكَرْنا نَزْراً يسيراً في فضل العلم، وميّزنا بينَ العُلومِ المَحمودةِ والمَذمومةِ
[آداب العلماءِ أُولي الألباب]
بقي بعضُ الآدابِ اللَّازِم لأولي الألباب:
? - منها: تصحيحُ النّيّة في جميع الأبواب من العباداتِ والمُعامَلاتِ: ???
ـ لحديثِ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ».
الجزء 1 · صفحة 31
وتقديم طهارةِ النَّفْسِ عن الأخلاقِ الرَّدِيَّةِ والأفعالِ الدَّنِيَّةِ، فقد ورَدَ:
??? - مَن طَلَبَ عِلماً مما يُبتَغَى به وجه الله؛ ليُصيب به عَرَضاً من الدُّنيا، لم
يَجِدْ عَرْفَ الجنَّةِ يومَ القِيامة»؛ أي: ريحها. أبو داود وابن ماجه بإسناد جيد. وقال بعضُ المُحققين: معنى قول بعضهم: تعلَّمْنَا العلم لغَيرِ اللهِ فأبى أن يكون إلا لله: أنَّ العلم أبى وامتنع علينا، ولم تنكشف حقيقته لدينا، وإِنَّما وَصَلَ حديثه وألفاظه إلينا.
والظَّاهِرُ أنَّ معناه: أنا تعلَّمْنا العلم لغير الله، فأبى العلمُ لشَرَفِه أَن يكونَ إِلا اللَّهِ، فببركة العلمِ حَصَلَ تصحيحُ العمل.
وهذا خاص لجمع هذبَتهم العناية الإلهيَّةُ، وأخلَصَتْهم من التعلُّق بالأمورِ الملاهية، وإنَّما يكون هذا نتيجةَ علم الكتابِ والسُّنَّةِ، دون سائر العُلومِ المُحدثة لأهل البدعة، حتّى قال بعضُ أهلِ الظاهر ببطلانِ النَّظرِ في العقليَّاتِ والفقهيَّاتِ، متعللين فيها بأنَّها لو كان لها أصل لأدرَكَه أربابها وحقَّقَهُ أصحابها.
(2) - ومنها: أنَّ يُقلّل العلائق والعوائق، والتَّعلق بالخَلائِقِ، فإنها شاغلة ومانعة عن خدمة الخالقِ مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب: (4)]. (114) - ولذا قيل: العلمُ لا يُعطيك بعضَه حتَّى تُعطيه كلك، فإذا أعطيته كلَّكَ فأنتَ من إعطائه إياكَ بعضَه على خَطَرٍ
الجزء 1 · صفحة 32
(3) - ومنها: أن لا يتكبر على العلم، ويتواضَعَ للمُعلم. (115) - قالَ الشَّعبيُّ رحمه الله: صلَّى زيدُ بنُ ثابت ـ رضي الله تعالى عنه ـ على جَنازَةِ أُمِّهِ، فقُرِّبَت إليه بغلته ليركبها، فجاءَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما، فَأَخَذَ برِكابِه، فقال زيدٌ: خَلَّ عنها يا ابنَ عَمَّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ، فقالَ ابنُ عباس: هكذا أُمِرْنا أن نفعَلَ بالعُلماء والكُبَراء، فقبل زيد بن ثابتٍ يدَه وقالَ: هكذا أُمرنا أن نفعل بأهل 1 بيتِ رسولِ اللهِ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ. كذا في «الإحياء».
وقال العراقيُّ: ذكره الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في «المَدخَلِ»، إلا أَنَّهم قالُوا: هكذا
نفعَلُ، قال الحاكِمُ: صحيح الإسنادِ على شرط مسلم. (116) - وقد قيل: العلمُ حَرْبٌ للمُتعالي، كالسَّيل حرب للمكان العالي (2). (4) ـ ومنها: أن يعمَلَ بعِلمه ويُزيَّنَه بحِلْمِه، قالَ اللهُ تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: (2)].
??? ـ وقالَ النَّبيُّ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذاباً يومَ القِيامَةِ عالم لم ينفعه اللهُ بعِلمِه». الطَّبَرَانِيُّ والبَيْهَقِيُّ
??? - وقال: «لا يكونُ المَرءُ عالماً حتّى يكونَ بعِلمه عامِلاً». ابنُ حِبَّانَ.
(119) - وقال أسامة بن زيدٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما: سمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ يقولُ: «يُؤتَى بالرَّجلِ يومَ القيامةِ فيُلقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقتابه، فيدورُ بها كما يدورُ الحِمارُ بالرَّحَى، فيطوفُ به أهلُ النَّارِ، فيقولونَ: ما لك؟ فيقولُ: كنتُ آمُرُ بالخير ولا آتيه، وأنهى عن الشَّرِّ وآتيه». متفق عليه.
الجزء 1 · صفحة 33
ولعل هذا الحديثِ مُقتبس من قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِلُوا النَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: (5)]، وأبلغ من هذا قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَهُ وَايَيْنَا فَأَنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخَلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَنَةٌ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِنَايَتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: (175) - (176)]؛ أي: سواءٌ أُوتِيَ الحِكمَةَ أو لم يُؤتَ، فهو يَلْهَثْ إِلى الشَّهَواتِ، ويخوضُ إِلى اللَّهواتِ.
??? ـ وقال سفيان الثوري: يَهْتِفُ العلم بالعمل، فإِن أَجَابَه وإلا ارْتَحَل ه ـ ومنها: أن يكونَ حَريصاً على طلب زيادته؛ لقوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي
عِلْمًا} [طه: (114)].
??? - ولقوله صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ: «لا بُورِكَ لي في يومٍ لا أزداد فيه علماً».
??? - ولقولهم: مَن لم يكُن في زيادة فهو في نقصان، ومن استوى يوماه فهو مغبون (2).
??? - وقالَ ابنُ المُبارَكِ: لا يزالُ المَرءُ عالماً ما طلب العلم، فإذا ظَنَّ أَنَّه قد عَلِمَ فقد جَهِلَ. (124) - ويُؤَيَّده حديثُ: «مَنهُومانِ لا يشبعان: طالِبُ العِلم، وطالبُ الدُّنيا» 4.
(126) - ومنها: التَّباعُدُ عن مُصاحبة أهلِ الدُّنيا، والتَّساعدُ بمُرافقة أهلِ العُقبي.
(125) - قالَ الفُضَيلُ: إِنِّي لأرحَمُ ثلاثة: عزيز قومٍ ذَلَّ، وغنيَّ قَومِ افتقَرَ، وعالماً
يلعب به الجُهَّالُ الحمقى أبناء الدُّنيا.
(126) - وقيل ليَحيَى بنِ مُعاذِ الرَّازِيِّ: متى يذهَبُ بهاءُ العلمِ والحِكمَةِ؟ قَالَ: إذا طلب بهما الدنيا.
الجزء 1 · صفحة 34
??? - وقال عمرُ رضي الله تعالى عنهما: إذا رأيتُم العالمَ مُحِبّاً للدُّنيا فاتَّهموه على دينه، فإنَّ كلَّ مُحِبِّ يخوضُ فيما أَحَبَّ.
??? من حديث ابن مسعود مرفوعاً. وفي إسناده عبد الله بن حكيم أبو بكر الداهري، قال ابن حبان: كان يضع الحديث على بعض الثقات
??? - قُلتُ: ويُؤَيَّدُه حديث: «مَن أحَبَّ شيئاً أكثَرَ ذِكرَه».
??? - وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: إِذا رَأَيْتُمُ العالمَ يغشَى الأمراءَ فهو لِضٌ وقد أنشد في ذلك فقال:
عجبتُ لمُبْتَاعَ الضَّلالة بالهُدَى ومن يشتري دنياه بالدِّينِ أعجَبُ وأعجَبُ من هَذَينِ مَن باع دينه بدنيا سواه ذاك من ذين أعجَبُ - ومنها: أن لا يطلُبَ الدُّنيا بعلمه؛ لما قدَّمناه، ولأنَّ أقل دَرَجاتِ العالم أن يُدرِكَ حقارةَ الدُّنيا وخِسَّتَها، وكُذورَتَها وانصرافها، وعِظَمَ الآخرةِ وعِزَّتَها، وصفاءَها ودوامها، ويعلم أنَّهما، مُتضادَّتان، كالضَّرَّتَينِ، مهما أرضَيتَ إحداهما أسخَطْتَ الأُخرى، وككِفَّتَي الميزان، مهما رَجَحَتْ إحداهُما خَفَّتِ الأُخرَى، وكالمَشْرِقِ والمَعْرِبِ، فَمَتَى قَرُبتَ من أحدهما بَعُدْتَ عن الثاني، وكقَدَحَين أحدهما مملوء فبِقَدرِ ما تصُبُّ منه في الآخر، حتَّى يمتلئ يفرغ من الآخر.
كما نبه على هذا الأمر قوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَنْ أَحَبَّ آخِرَتَه أَضَرَّ بدنياه، ومَن أحَبَّ دُنياه أضَرَّ بآخِرَتِه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى». كذا ه رواه أحمد، والحاكم، عن أبي مُوسَى رَضِيَ اللهُ تعالى عنه
ثمَّ مَن لا يَعرِفُ حَقارَةَ الدُّنيا وخَساسَتَها، وانقلابها، وامتزاج لذَّاتِها بآلامها وكُدُوراتها، ثمَّ انصرام ما يصفُو في بعض حالاتها، فهو فاسِدُ العقل فيما هنالك؛ فإنَّ
الجزء 1 · صفحة 35
المُشاهَدَةَ والتَّجربةً تُرشِدُ إلى ذلك، فكيفَ يكونُ من العلماءِ مَن لا عقل له؟ ومَنْ لا يعلَمُ عَظَمَةَ الآخرةِ ونفاسَتَها ودَوامَها فهو كافِرُ مَسلوب الإيمانِ، فكيف يكون من العلماءِ مَن لا إيمانَ له؟
ومَن لا يعلَمُ مُضادَّةَ الدُّنيا للعُقبى، وأنَّ الجمعَ بينَهُما طَمَعُ فِي غَيْرِ مَطْمَعِ، فهو جاهِلُ بشَرائعِ الأنبياء كلهم، بل هو كافِرٌ بالقُرآنِ من أَوَّلِه إِلى آخرِه، فكيفَ يُعَدُّ من
زُمْرَةِ العُلماء.
ومَن عَلِمَ هذا كله ثمَّ لم يُؤثِرِ الآخرة على الدُّنيا فهو أسيرُ الشَّيطانِ، وقد أهلَكَتْه
شهوتُه، وغَلَبَت عليه شِقْوَتُه، فكيفَ يُعَدُّ من حزبِ العلماءِ مَن هذه دَرَجتُه؟! (130) ـ وفي أخبارِ داود عليه السَّلامُ حِكايةً عن الله تعالى: أنَّ أدنى ما أصنَعُ بالعالم إذا أَثَرَ شَهوته على محبَّتي أن أحرمه لذيذ مُناجاتي، يا داود! لا تسأل عنِّي عالماً قد أَسْكَرَتْهُ الدُّنيا فيصُدَّكَ عن طَريقِ محبَّتي، أولئك قُطَّاعُ الطَّريقِ على عبادي، يا داود! إذا رأيت لي طالباً فكن له خادِماً، يا داود! مَن رَدَّ إليَّ هارباً كتبته جهبذاً، ومن كتبته جهبذا لم أُعذبه أبداً.
(131) ـ ولذا قال الحسَنُ: عقوبةُ العُلماءِ مَوتُ القلب، ومَوتُ القَلبِ طَلَبُ الدُّنيا بعمَل العُقبى
(132) - وكان يحيى بن معاذ يقولُ لعُلماء الدُّنيا: يا أصحاب العلم قُصوركم قيصَرِيَّةٌ، وبيوتكم كسرَوِيَّةٌ، وأثوابكم طالوتيَّةٌ، وأخفافكم جالوتيَّةٌ، ومَرَاكِبُكم قارُونيَّةٌ، وأوانيكُم فِرعَونِيَّةٌ، ومآثِمُكُم جَاهِليَّةٌ، وَمَذاهِبكُم شَيطانيَّةٌ، فأينَ المَسالِكُ المُحَمَّديَّةُ والمَسالِكُ الأَحمَدِيَّةُ؟!
الجزء 1 · صفحة 36
ثمَّ لا يُظَنُّ أنَّ ترك المالِ يكفي للحوقِ بعُلماء الآخِرة في المنالِ والمآلِ، فَإِنَّ محبَّةَ الجاهِ أضر من المال. ??? - ولذا قالَ بِشَرٌ: «حَدَّثَنَا» باب من أبواب الدُّنيا، فإذا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يقولُ: «حَدَّثَنَا» فإِنَّما يقولُ: أَوسِعُوا لي.
(134) - وقالَ الثَّورِيُّ رحمه الله: فتنةُ الحديث أشدُّ من فتنة الأهل والمال والولد.
(135) - وقال سهل: النَّاسُ كلُّهم مَوتَى إلا العلماء، والعُلماء كلُّهم سُكَارَى إِلا العاملين، والعاملون كلُّهم مغرورون إلا المُخلِصين، والمخلص على وَجَلٍ حَتَّى يدري بما يُختم له ه.
وفي رواية: «والمُخلِصونَ على خَطَرٍ عَظيمِ وهو انقلاب الإخلاص رياءً ونفاقاً.
وقال بعضُ المُحققين: خَطَرُه: أن يَظُنَّ أَنَّ خلاصه بإخلاص نفسه. ولذا قيلَ: مَرتبةُ المُخلَصين - بفتحِ اللَّامِ ـ أعلى من منزِلَةِ المُخلِصين بكسرها، وإن قُرِئَ بالوَجهَينِ في السَّبعة قوله تعالى: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: (24)]. وكأنَّ في القراءتين تنبيه نَبِيه على الحالتينِ والنِّسبَتَينِ من المعنى المَجازِيُّ الكَسْبِيِّ والحقيقي الوَهْبِي، كما حُقِّقَ في قوله تعالى: {وَمَا رميت إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} [الأنفال: (17)]، وهذا مرتبه جمع الجمع التي هي نهايةُ المَقْصِدِ الأقصى في المَنزِلَةِ الأَسْنَى.
(136) - وقال أبو سُليمانَ الدَّارانيُّ: إذا طَلَبَ الرَّجُلُ الحديثَ، أو تَزَوَّجَ، أو
سافر في طَلَبِ المَعاشِ، فقد رَكَنَ إلى الدُّنيا (2).
وإِنَّما أرادَ به طَلَبَ الأسانيد العالية، أو طلب الحديثِ الذي لا يحتاج إليه في
طلب الآخِرَةِ.
??? - وقال بعضُ السَّلَفِ: العلماء يُحشرون في زُمْرَةِ الأنبياء، والقُضاة
يُحشرون في زمرة السلاطين والأمراء.
وفي معنى القُضاة: كلُّ فَقيهِ يَقْصِدُ بعلمه الجاه والمال.
الجزء 1 · صفحة 37
??? - ورُوِيَ: أَنَّه حَمَلَ إِلى الحَسَنِ - رحمه الله - رجلٌ من خُراسان كيساً بعد انصراف الحسنِ من مجلسه فيه خمسة آلاف درهم وعشَرَةُ أثواب من رقيق
البز، وقال: يا أبا سعيد! هذه نَفَقَةٌ وهذه كسوَةٌ، فقالَ الحَسَنُ: عافاك اللهُ ضُمَّ إليك نَفَقَتَك وكسوتك، فلا حاجة لنا بذلك، إنَّه مَن جَلَسَ مَثَلَ مَجلِسي هذا،
وقَبِلَ منَ النَّاسِ مثل هذا، لقِيَ الله تعالى يوم القيامة ولا خلاق له. ـ ومنها: أن يكون غير مائل إلى التّرفَّهِ في المَطعَمِ والمشرَبِ، والتَّنَعُمِ في المَلبَسِ والتَّجُمُّلِ في الأثاث والمَسكَنِ، بل يُؤثِرُ الاقتصاد أو الاقتصار في جميعِ ذلك، ويتشبه بالسلف الصالح فيما هنالك، وكلما ازدادَ إِلى طَرَفِ القِلَّةِ مَيلُه ونَهْمَتُهَ ازدادَ من اللهِ قُربتُه ومَنزِلتُه، وارتفَعَ فِي عُلماء الآخرةِ درجتُه ومَرتَبتُه.
??? - ويشهد لذلك ما يُحكي عن أبي عبدِ اللهِ الخواص رحمه الله، وكان من أصحاب حاتم الأصم، قالَ: دخَلْتُ مَعَ حاتم الرَّيَّ ومعنا ثلاثَ مئة وعشرون رَجُلاً نُريد الحج وعليهم الزُّرمانات، وليس معهم جراب ولا طعام، فدخَلْنا على رجُل من التجار مُتقَشِّف يحِبُّ المَساكِينَ فَأَضافنا تلك اللَّيلةَ، فلمَّا كانَ من الغَدِ قال لحاتم: ألك حاجة، فإني أريد أن أعود فقيهاً لنا هو عليلٌ؟ فقال حاتم: عِيادةُ المَريض فيها فَضْل، والنَّظر إلى الفقيهِ عِبادة، فأنا أيضاً أَجِيءُ معك، وكانَ العليل محمَّدَ بنَ مُقاتِل قاضي الرَّيِّ. فلمَّا جِئْنا البابَ فإذا هو مُشْرِفٌ حَسَنُ، فبقي حاتم مُتفَكَّراً يقولُ: باب عالم على هذه الحالة، ثمَّ أُذِنَ لهم فدَخَلوا، فإذا دار قوراءُ، وبزَّةٌ وسعةٌ، وستور، فبقي حاتم مُتَفَكِّراً، ثمَّ دخَلُوا إلى المجلس الذي هو فيه، وإذا بفُرُشٍ وَطيئَةٍ، وهو راقد عليها، وعند رأسه غُلامٌ، وبيدِه مَذَبَّةٌ.
الجزء 1 · صفحة 38
فقعَدَ الرَّازِيُّ وسأل عن حاله، وحاتم قائِمٌ على حيالِهِ، فَأَوْمَا إِليه ابنُ مُقاتِلِ
أن اجلس، فقال: لا أجلِسُ، فقال: لعل لك حاجةً؟ فقال: نعم، فقال: ما هي؟ فقال: مسألة أسألك عنها، قالَ: سَلْ، قالَ: قُمْ َواستَوِ حتَّى أسألك عنها، فاستَوَى. فقال حاتم رحمه الله: عِلمُك هذا من أينَ أخَذْتَه؟ فقال: من الثَّقَاتِ حَدَّثُوني به، قال: عمن؟ قال: عن أصحاب رسولِ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ، قال: وأصحاب رسولِ اللهِ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ عمن؟ قال: عن رسول الله، قال: ورسولُ اللهِ عمَّن؟ قال: عن جبريل عن الله عزّ وجَلَّ، قال حاتم ففيم أداه جبريل عليه السَّلامُ عنِ اللهِ عزَّ وجَلَّ إلى رسولِ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ وأَدَّاهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ إلى أصحابه، وأصحابه إلى الثّقاتِ، وأدَّاهُ النّقاتُ إليك؟ هل فيما سمعت مَن كانَ في داره إشراف وكانت سعتها أكثر كانَ له عندَ اللهِ المنزلة أكثر؟ قال: لا، قال: فكيف سمِعتَ؟ قال: سمعتُ: مَن زَهِدَ في الدُّنْيا وَرَغِبَ فِي العُقْبَى، وأَحَبَّ المساكين وقدَّمَ لآخِرَتِه كان له عند الله المنزلة، قال له حاتم: وأنتَ بمَن اقتديت أبالنَّبيِّ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ وأصحابه والصالحين من أحبابه؟ أم بفرعون ونمرود وأضرابه؟
يا عُلماءَ السُّوء! مِثْلُكم يَراهُ الجاهِلُ المُتكالب في الدُّنيا الرَّاغِبُ فيها، فيقولُ:
العالم على هذه الحالة لا أكون أنا شَرَّاً منه؟! وخرَجَ من عنده. فلمَّا دَخَلَ حاتم بغداد اجتمعَ إِليه أهله، فقالوا: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، أنت رجلٌ أَلْكن أعجَمِيٌّ ليسَ يُكلِّمك أحدٌ إلا قطعته؟
قال: معي ثلاثُ خِصالٍ أَظْهَرُ بِهِنَّ على خصمي، أَفرحُ إِذا أَصابَ خَصْمي، وأحزَنُ إذا أخطأ، وأحفَظُ نفسي أن لا تجهَلَ عليه.
الجزء 1 · صفحة 39
فبلغ ذلك أحمدَ بنَ حَنْبَلٍ، فقالَ: سُبحانَ الله ما أعقَلَه! قوموا بنا إليه، فلما دخَلُوا عليه قال أحمد: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ ما السَّلامَةُ من الدُّنيا؟ قالَ: يا أبا عبدِ اللَّهِ، لا تسلم من الدُّنيا حتَّى يكونَ معَك أربع خصالٍ: تَغْفِرُ للقَومِ جَهْلَهُم، وتمنَعُ جَهْلَكَ منهم، وتبدل لهم شيئك، وتكون من شيئهم آيساً، فإذا كنتَ هكذا سلِمْتَ من الدُّنيا.
وفي سيرةِ السَّلَفِ في البَذاذَةِ وتَركِ التَّجَمُّل ما يشْهَدُ لذلك. والتحقيق فيه: أَنَّ التَّرين بالمباح ليس بحرام، ولكنَّ الخَوْضَ فِيهِ يُوجِبُ الأُنسَ به، حتَّى يَشُقُّ تَركُه.
واستدامة الزّينةِ لا يُمكِنُ إلا بمُباشَرَةِ أسباب في الغالبِ يلزَمُ من مُراعاتها ارتكاب المعاصي من المُداهَنَةِ في الحقِّ، ومُراعاة الخلق، ومراءاتهم، وأُمورٍ أُخر هي حَرامٌ مَحظورة، فالحزم اجتناب ذلك؛ لأنَّ مَن خاص في الدُّنيا لا يسلم منها البتَّةَ هُنالِك.
ولو كانَتِ السَّلامة مبذولةٌ معَ الخَوضِ فيها لكانَ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ
لا يُبالِغُ في تركِ الدُّنيا حتَّى نَزَعَ الخَمِيصَةَ المُطَرَّزة بالعلَمِ. كما في «الصَّحيحَينِ».
(140) ـ وقد حُكِيَ: أَنَّ يحيى بن يزيدَ النَّوفِليَّ - رَحِمَهُ اللهُ ـ كتبَ إلى مالكِ بنِ أنس رحمه الله بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، وصلَّى الله على محمد وآله في الأولين والآخرين،
من يحيى بن يزيد بن عبد الملك إلى مالك بن أنس، أما بعد: فقد بلغني أنك تلبسُ الدّقاق، وتأكلُ الرّقاق، وتجلس على الوطاء، وتجعَلُ على بابك حاجِباً، وقد جَلَسْتَ مجلساً للعلم، وقد ضُرِبَت إليك المُطِيُّ، وارتحل إليك النَّاسُ واتَّخذوك إماماً، ورَضُوا بِقَولِك، فاتَّقِ اللهَ يَا مَالِكُ، وعليك بالتّواضُع كتبتُ إليك النَّصيحَةَ منّي كتاباً ما اطَّلَعَ عليه غيرُ اللهِ سُبحانَه،
والسلام.
فكتب إليه مالك بن أنس:
الجزء 1 · صفحة 40
اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، من مالِكِ بن أنس إلى يحيى بنِ يَزِيدَ: سلامُ اللهِ
بسمِ اللهِ الرَّح
عليك، أما بعد:
فقد وَصَلَ إليَّ كتابك، فوَقَعَ مِنِّي مَوقِعَ النَّصيحة في الشَّفَقَةِ والأَدَبِ، أمتَعَكَ اللهُ بالتَّقْوَى، وجزاك بالنصيحة خيراً، وأسألُ الله تعالى التوفيق، ولا حول ولا قُوَّةَ إلا بالله العلي العظيم.
فأما ما ذكَرْتَ لي أني أكُلُ الدَّقاق، وألبسُ الرّقاق، وأحتَجِبُ وأجلِسُ على الوطاء، فنحن نفعل ذلك، ونستغفر الله تعالى، وقد قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: ??]، وإِنِّي أَعلَمُ أَنَّ تَرْكَ ذلك خير من الدخول فيه، ولا تدعنا من كتابك، فلسنا ندَعُك من كتابنا، والسلام. فانظر إلى إنصافِ مالِكِ مَعَ جَلالةِ مَقامِه هُنالك، بحيثُ اعترف بأنَّ ترك ذلك خير منه، وأفتى بأنَّه مُباح، وقد صدَقَ فيهما جميعاً، ومثل مالك في منصبه إذا سمَحَتْ نفسه بالإنصاف والاعترافِ في مثل هذه النَّصيحة فتقوى أيضاً نفسه على الوقوف على حدودِ المُباح، حتّى لا يحمله ذلك على المُداهَنَةِ والمُراءاة والتَّجاوُزِ إِلى المَكْرُوهاتِ.
وأما غيره فلا يقدِرُ عليه فالتَّعريجُ على التّنعم بالمُباحِ خَطَرٌ عظيم، وهو بعيد من الخوف والخشية، وخاصية العلماء الخشية، وخاصّيَّةُ الخشية التَّباعُدُ عن مظان الخطر والفتنة.
الجزء 1 · صفحة 41
? - ومنها: أن يكونَ مُنقَبِضاً عن السلاطين، فلا يدخُلُ عليهم ألبتة، ما دامَ يجد إلى الفرار عنهم سبيلاً، بل ينبغي أن يحتَرِزَ عن مخالطَتِهم، وإن جاؤُوا إليه، فإنَّ الدُّنيا حلوةٌ خَضِرةٌ، وزمامها بأيدي السَّلاطينِ والظَّلَمَةِ، والمُخالط لا يخلو عن تكلُّف في طلب مرضاتهم، واستمالة قُلوبهم في تزيين حالاتهم، معَ أَنَّهم ظَلَمةٌ في حكوماتهم، ويجب على كلِّ مُتدَيِّنٍ أَن يُنكِرَ عليهم، ويُضَيِّقَ صدورهم بإظهار ظلمهم، وتقبيح فعلهم.
والدَّاخِل عليهم إمَّا يلتَفتُ إلى تجمُّلِهم فيزدَرِي نعمة الله تعالى عليه، أو يسكت عن الإنكار عليهم، فيكونُ مُداهِناً لهم، أو يتكلَّفُ في كلامه لمرضاتهم
وتحسين حالاتهم، وذلك هو البهتُ الصَّريح، أو أن يطمَعُ في أن ينال من دنياهم، وذلك هو الشحتُ الفَضيح.
(10) - ومنها: أن لا يُعامل كلَّ منسوب إلى ظُلم، فلا يُعامِلُه، وكذا الأجناد والظَّلَمَةُ لا يُعامِلُهم ألبيَّةَ، ولا يُعامِلُ أصحابهم وأعوانهم؛ لأنَّه يكونُ مُعيناً لهم بذلك على الظلم. كذا في «الإحياء.
(141) ـ وحُكي عن رجل: أنَّه تولَّى عَمَل سور لعمارَةِ ثَغْرِ من النُّفُورِ، قال: فوقع في نفسي من ذلك شيء، وإنْ كانَ ذلك العمل من الخيراتِ، بل من فَرائض الإسلام، لكنْ كانَ الأميرُ الذي تولّى عن جهتهِ من الظلمة، قال: فسألتُ سُفيان، فقال: لا تكُن عوناً لهم على قليل ولا كثير، فقُلتُ: هذا سور في سبيل الله للمُسلمين، فقال: نعم، ولكن أقل ما يدخُلُ عليك أن تُحِبَّ لقاءَهم ليُوفُوكَ أجرك، فتكون قد أحببْتَ لقاءَ مَن يعصي الله تعالى (6). (142) - وقد جاء عن الحَسَنِ: مَنْ دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يُعصَى الله في أرضه.
(143) - وقال صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لِيَغْضَبُ إِذا مُدِحَ الفَاسِقُ».
(144) - وقال: «مَن وَقَر صاحِبَ بِدعةٍ فقد أعانَ على هَدْمِ الإِسلامِ». ابنُ عَدِيٌّ
الجزء 1 · صفحة 42
من حديث عائشة رضي الله عنها.
(145) - وقد أُدخِلَ سُفيانُ الثَّورِيُّ على المَهدِي وبيده دَرْجُ أَبْيَضُ، فقالَ: يَا سُفيانُ! أعطني الدواة حتَّى أكتُبَ، فقال: أخبرني أي شيء تكتب، فإنْ كانَ حقاً أعطَيْتُكَ (2). وهو مقتبس من قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبَرِ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ
وَالْعُدْوَنِ} [المائدة: (2)].
ومن هذا القبيل: أَنَّ بعضَ الأُمَرَاءِ طَلَبَ من بعض العُلماءِ المحبوسين
(146) – ومن عنده أن يُناوِلَه طيناً، ليختم به الكتاب، فقال: ناوِلْني الكتابَ حَتَّى أَنظُرَ ما فيه.
(11) - ومنها: أن لا يكونَ مُسارِعاً إلى الفتيا، بل يكونُ مُتوقفاً ومُحتَرِزاً ما وُجِدَ إلى الخلاص سبيلاً، فإنْ سُئِلَ عمَّا يعلَمُ تحقيقاً بنص كتاب؟، أو بنص حديث أو إجماع، أو قياس جلي؛ أفتى، وإن سُئِلَ عما يشُكُّ فيه قال: لا أدري، وإن سُئِلَ عمَّا يظنُّه باجتهادٍ أو تخمين احتاطَ ودَفَعَ. احتاط ودَفَعَ عن نفسه، وأحالَ على غيرِه إِنْ كانَ في غيرِه غنية، هذا هو الحَزْمُ، لأَنَّ تقلُّدَ خَطَرِ الاجتِهادِ عظيمٌ.
(147) ـ وقد كانَ ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما إذا سُئِلَ عن الفتيا قالَ: اذْهَبْ إِلى الأمير الذي تقلد أمورَ النَّاسِ وَضَعْها في عُنُقِه.
(148) - ويقولُ: تُريدونَ أَنْ تَجعلُونا جِسْراً تعبرون علَينا إلى َجهَنَّمَ
(149) - وقالَ ابنُ مَسعودٍ رَضِيَ الله عنه: إِنَّ الذي يُفتي النَّاسَ في كلِّ ما يستفتُونَه، إِنَّه لمجنون.
(150) ـ وقالَ: جُنَّةُ العالم: لا أدري. فإنْ أخطأها فقد أُصيبت مقاتله. (151) - وقال صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ: «ما أَدْري أَعُزَيرٌ نبي أَمْ لا، وما أدري أتبع ملعون أَمْ لا، وذو القَرْنَينِ نبي أم لا؟!». رواه أبو داود والحاكِمُ وصححه من حديث أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه.
الجزء 1 · صفحة 43
(152) - ولمَّا سُئِلَ عليه الصلاة والسَّلامُ عن خَيرِ البقاع وشَرِّها قالَ: «لا أدري» حتَّى نزَلَ عليه جبريل عليه السَّلامُ فسأله، فقالَ: «لا أدري»، إلى أن أعلَمَه الله تعالى: أنَّ المساجد خير البقاع، وشرَّها الأسواق». أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والحاكم، وصحح إسنادَه الطَّبَرَانِيُّ من حديثِ حُبَيرِ بنِ مُطعمٍ رَضِيَ اللهُ عنه. ولا بنِ حبَّانَ والحاكم وصححه نحوه من حديث ابنِ عمرَ رَضِيَ الله عنهما
(153) - وكان ابنُ عُمَرَ َرضِيَ اللهُ تعالى عنهما يسأل عن عشرِ مسائل، فيُجيبُ عن واحدة ويسكُتُ عن تسع.
(154) ـ وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يُجيب عن تسع ويسكُتُ عن واحدة.
(155) ـ وكان في الفُقَهَاءِ مَن يقولُ: «لا أدري» أكثر من أن يقول: «أدري»، منهم
سفيانُ الثَّورِيُّ، ومالك، وأحمدُ بنُ حَنبل، والفُضَيلُ، وبشرُ بنُ الحارِثِ. (156) - وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي ليلى: أدرَكتُ في هذا المسجدِ مئةً وعشرينَ من أصحاب رسولِ اللهِ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ ما منهم أحَدٌ يُسأَلُ عن حديث أو فتيا إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كفاه ذلك (2).
وفي لفظ آخَرَ: كانَتِ المسألةُ تُعرَضُ على أحدهم، فيردُّها إلى الآخَرِ، ويرُدُّها
الآخَرُ إلى الآخَرِ، حَتَّى تعود إلى الأَوَّلِ.
(157) - ونظيره: ما رُوِيَ أَنَّ أَصحابَ الصُّفَةِ أُهدِيَ إلى واحدٍ منهم رأسٌ مَسْوِيٌّ وهو في غاية من الضُّرّ، فأهداه إلى الآخَرِ، وأهداهُ الْآخَرُ إلى الآخَرِ، هَكَذَا دارَ بينهم حتَّى رَجَعَ إِلى الأَوَّلِ.
(158) - وقال بعضُهم: كانَ الصَّحابةُ َرضِيَ اللهُ تعالى عنهم يتدافعونَ أربعةَ أشياء: الإمامَةَ والوَصيَّةَ والوديعة والفُتْيا ه.
(159) - وقال بعضُهم: كانَ أَسْرَعُهم فتيا أقلهم علما، وأشدهم دفعاً لها أورَعُهم.
وكانَ شُعْلُ الصَّحابة والتابعينَ في خَمسة أشياء: قراءةِ القُرآنِ، وعمارة
الجزء 1 · صفحة 44
المسجدِ، وذكرِ الله تعالى، والأمر بالمعروفِ، والنَّهي عن المُنكَرِ
(160) - وكانَ أَنسُ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه إذا سُئِلَ يقولُ: سَلُوا مَولانا الحسَنَ.
(161) ـ وكان ابنُ عبَّاس رَضِيَ الله تعالى عنهما يقولُ: سَلُوا جَابِرَ بنَ زِيدٍ.
(162) - وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقولُ: سَلُوا سعيدَ بنَ المُسَيَّبِ.
(163) ـ وقد حُكِيَ: أَنَّه رَوَى صحابيٌّ في حَضْرَةِ الحَسَنِ عشرينَ حديثاً، فسُئِلَ عن تفسيرها، فقال: ما عندي إلا ما رَوَيتُ فأَخَذَ الحَسَنُ في تفسيرها حديثاً حديثاً، فتَعَجَّبوا من حُسنِ تفسيره وحِفْظِه، فأخَذَ الصَّحابي كفّاً من حصى ورَماهُم به، وقال: تسألوني عن هذا العِلمِ وهذا الحَبْرُ بينَ أَظْهُرِكُم؟! ا
(12) ـ ومنها: أن يكون أكثر اهتمامه بعلم الباطن، ومُراقبة القلب، ومعرفة طريق الآخرة، وصِدْقِ الرَّجاءِ في انكشاف ذلك من المراقبة والمجاهدة:
وإِنَّ المُجاهَدَةَ: تُفضي إلى المُشاهَدَةِ في دقائقِ عُلومِ القلب، ويتفَجَّرُ بها ينابيع الحكمة من فَيضِ الرَّبِّ.
أما الكتبُ والتَّعلُّم فلا تفي بذلك؛ إذ الحكمةُ خارجة عن الحضر والعد هنالك، وإنما تنفتحُ بالمُجاهَدَةِ والمُراقَبَةِ ومُباشَرَةِ الأعمالِ الظَّاهِرَةِ والبَاطِنَةِ والجُلوس مع الله في الخلوة معَ حُضورِ القَلبِ وصَفَاءِ الفِكْرَةِ مَعَ الحَقِّ، والانقطاع عن الخلق، فذلك مفتاح الإلهام، ومنبَعُ الكَشْفِ المُحكَمِ والأحكام.
فكم من متعلم طالَ تعلمه ولم يقدِرْ على مُجاوَزَةٍ مَسموعه بكلمةٍ؟ وكم من مُقتَصِر على المُهم في التعلُّمُ ومُتوفِّرٌ على العَمَلِ ومُراقِبَةِ القَلْبِ فتح الله تعالى له من لطائفِ الحِكمَةِ ما تَحارُ فيه عُقولُ أولي الألباب؟ قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ} [البقرة: ???].
(164) - وقال صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ: «مَن عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللهُ عَلمَ ما لم
الجزء 1 · صفحة 45
يعلَمْ». أبو نُعَيمٍ في «الحلية»، من حديث أنس رضي الله تعالى عنه. وفي بعض الكُتُبِ السَّالفة: يا بني إسرائيل! لا تقولوا: العِلمُ في السَّمَاءِ مَن ينزِلُ به؟ ولا في تُخومِ الأَرضِ مَن يصعد به؟ ولا من وراء البحار من يعبر يأتي به؟ العلمُ مَجْعول في قلوبكم، تأدبوا بينَ يَدَيَّ بآدابِ الرُّوحانيين، وتخلَّقُوا لي بأخلاقِ الصِّدِّيقين أُظهِرُ العلم في قُلوبِكم، حتَّى يُعطيكم ويغمركم. (165) - وقد وَرَدَ: مَنْ أَخلَصَ اللهِ أربعين يوماً ظَهَرَتْ يَنابيعُ الحِكمَةِ من قلبه على لسانه». أبو نعيم في الحلية»، عن أبي أيُّوبَ رَضِيَ الله تعالى عنه.
(13) - ومنها: أن يكون شديد العناية بتقوية اليقين؛ فإنَّ اليقين هو رأسُ مالِ وهو في التَّوحيد: بأَنْ يَرى الأشياء كلها من مُسبب الأسباب، ولا يلتفتُ إلى الوَسائِطِ، بل يرى الوَسائِط مُسخَّرةً لا حُكمَ لها، فيَزولُ عنه الغَضَبُ على الوسائط والرّضا عنهم والشَّكرُ لهم، ويُنَزِّلُ الوسائط في قلبه بِمَنزِلَةِ القَلَمِ واليد في حقٌّ المُنعِمِ بالتوقيع منه، فإنَّه لا يشكرُ القَلَمَ ولا اليدَ، ولا يغضَبُ عليهما، بل يراهما التَينِ مُسخَّرتين وواسطتين، ومتى تحقَّقَ أَنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ والنُّجوم والجمادَ والنَّبات والحيوان وكل مخلوق فهي مُسخَّراتُ بأمرِه حسب تسخيرَ القَلَمِ في يد الكاتب، فإِنَّ القُدرة الأزليَّةَ هي المصدر للكُلِّ، استولى على قلبِه التَّوكَّلُ والرِّضا والتّسليم، وصارَ بريئاً من الغَضَبِ والحَسَدِ وسُوءِ الخُلُقِ.
ومن ذلك: الثَّقَةُ بِضَمَانِ اللهِ تعالى للرِّزْقِ، وَقَطْعِ الطَّمَعِ، والنَّظر إلى الخلقِ. ومن ذلك: أن يغلب على قلبه أنَّ مَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، ومَن يعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّاً يَرَهُ.
الجزء 1 · صفحة 46
وثمَرَةُ هذا اليقينِ صِدقُ المُراقبة في الحركاتِ والسَّكَناتِ والخَطَراتِ، والمُبالغَةُ في التَّوقِّي والاحتراز عن كلّ السَّيِّئَاتِ، وكلَّما كانَ اليقينُ أَعْلَبَ كَانَ الاحترازُ أَشَدَّ، والتَّشميرُ أبْلَغَ.
ومن ذلك: اليقين بأنَّ اللهَ سُبحانَه مُطَّلِع عليك في كلِّ حالٍ، ومُشاهِدٌ لهَواجِسِ
ضميرِك وخفايا خَواطِرِك وفِكرِكَ.
وثَمَرَتُه أن يكونَ الإِنسانُ في خَلوَتِه مُتأدباً في جميع حالِهِ وجَلْوَتِه، كالجالس بمَشهد ملك مُعظَّم ينظُرُ إليه، فإنَّه لا يزالُ مُطرِقاً مُتأدباً مُتماسكاً مُحتَرِزاً عن كلِّ حَرَكَةٍ تُخالِفُ هيئة الأدب. (166) - كما يُشيرُ إليه قوله صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك».
ويكون في فِكْرتِه الباطنة كهوَ في أفعاله الظاهرة، إذ يتحقق أنَّ الله تعالى مُطَّلِعُ على سَرِيرته كما يَطَّلِعُ الخَلْقُ على ظاهره، فتكون مبالغته في عمارة باطنه وتطهيره
وتزيينه بعين الله تعالى الحافظةِ أشدَّ من مُبالغتِه في تزيين ظاهره لسائر الناس.
(167) - لما وَرَدَ: «إِنَّ اللهَ لا ينظُرُ إلى صُوَرِكُم وأعمالكم، ولكِنْ يَنظُرُ إلى قُلوبِكُم وأحوالِكُم».
وهذا المقام في اليقينِ يُورِثُ الحياءَ، والخوف والانكسار والاستكانة والخُضوع والوقار، وجملة من الأخلاق المحمودةِ للأبرار، ثمَّ هذه الأخلاقُ تُورِثُ أنواعاً من الطَّاعات، وأصنافاً من الحالاتِ.
(14) - ومنها: أن يكونَ اعتماده في عُلومِه على بصيرته وإدراكه بصفاء قلبه وطهارته، لا على الصُّحُفِ والكُتُبِ، ولا على تقليد ما يسمَعُه مِن غَيْرِه، فإِنَّمَا المُقلَّدُ صاحِبُ الشَّرع صَلَواتُ الله وسلامه عليه فيما أمَرَ به وقاله، وإنما نُقلِّدُ الصَّحابة من
الجزء 1 · صفحة 47
حيثُ إِنَّ فِعْلَهم يدلُّ على سماعهم من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ. ثمَّ إذا قَلَّدَ صاحِبَ الشَّرع في تلقّي أقواله وأفعاله ينبغي أن يكون حريصاً على فَهم أسراره وأحواله، فأَمَّا المُقَلِّدُ إنَّما يفعَلُ الفِعلَ لأَنَّ صاحِبَ الشَّرع عليه السَّلامُ فعله، والنَّبيُّ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ لمَّا فعله لا بُدَّ وأن يكونَ لسِر فعله، فينبغي أن يكون شديد البَحثِ عن أسرارِ الأعمال والأقوالِ، فإِنَّه إِن اكْتَفَى بِحِفظِ مَا يُقالُ كَانَ وعاء للعلم، ولا يكون عالماً.
(168) - وقالَ ابنُ عَبَّاس رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما: ما من أحد إلا يُؤْخَذُ من علمه ويُتْرَكُ إلا رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ. رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ من حديث يرفعه بلفظ: «يدَعُ» بدلَ: «يتركُ».
وقد كانَ ابْنُ عَبَّاسِ يتعلَّمُ من زيدِ بنِ ثابت الفقه، وقرأَ على أُبي بن كعبٍ، ثمَّ خالفهما في الفقه والقراءة جميعاً.
(169) ـ وقد قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: ما جاءَنا عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ تلقيناه على الرَّأْسِ والعَينِ، وما جاءَنا عن أصحابه فنأخذ منه ونترك، وما جاءَنا عن التابعين فهم رِجالٌ ونحنُ رِجالٌ.
وإذا كان الاعتماد على المسموع من الغَير تقليداً غيرَ مَرضِيٌّ، فالاعتماد على الكُتُبِ والتّصانيف أبعد، بل الكُتُبُ والتصانيفُ مُحدَثةٌ لم يكُنْ شَيءٌ منها فِي زَمَنِ الصَّحابة وصَدْرٍ من التّابعين، وإِنَّما حَدَثَت بعد سنة مئة وعشرين، وبعد وفاة الصَّحابةِ وجُملةِ التّابعين رضي الله عنهم، وبعد وفاة سعيد بنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ وخيار التابعين.
بل كان الأولون يكرَهُونَ كَتْب الحديثِ وتصنيف الكُتُبِ؛ لئَلَّا يَسْتَغِلَ النَّاسُ بها عن الحفظ، وعن القُرآنِ، وعن التَّدبرِ والتَّذكُرِ، وقالوا: احفَظُوا كما كُنَّا نحفَظُ.
الجزء 1 · صفحة 48
??? - ولذا كَرِهَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ الله عنه وجماعةٌ من الصَّحابة تصحيف القُرآنِ في مُصحَفٍ، وقالوا: كيف نفعَلُ شَيئاً ما فعله رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ وخافُوا اتِّكَالَ النَّاسِ على المصاحفِ، وقالوا: نترُكُ القُرآنَ يتلقَّاهُ بعضُهم من بعض بالتلقينِ والإقراء، ليكونَ هذا شُغلَهُم وهَمَّهم، حتَّى أشارَ عُمَرُ رَضِيَ الله تعالى عنه وبقيَّةٌ من الصَّحابة بكتبِ القُرآنِ خَوفاً من تخاذُلِ النَّاسِ وتكاسُلِهم، وحَذَراً من أن يقَعَ نِزاع، فلا يُوجَدُ أصل يُرجَعُ إليه في كلمةٍ أو قراءة من المُتَشَابِهَاتِ، فانشرَحَ صَدرُ أبي بكرٍ رضِيَ اللهُ تعالى عنه لذلك، فجَمَعَ القُرآنَ في مُصحَفٍ واحدٍ هنالك
(171) ـ وكانَ أَحمدُ بنُ حَنْبَلٍ يُنكِرُ على مالك في تصنيفه «المُوطَّأ»، ويقول: لا نبتدِعُ ما لم تفعله الصَّحابةُ. كذا في «الإحياء»، لكِنْ يُشكِلُ بِأَنَّه صَنَّفَ «المُسنَدَ»، ولعله بعدما استقر عليه الآراء.
وقيلَ: أَوَّلُ كتابٍ صُنّفَ في الإسلامِ كتاب ابنِ جُرَيج» في الآثار، وحروفُ التفاسير عن مُجاهِدٍ وعَطَاءٍ وأصحابِ ابنِ عباس بمَكَّةَ.
ثمَّ «كتابُ مَعْمَرِ بنِ راشد الصَّنعاني باليَمَنِ، جَمَعَ فِيهِ سُنَنَا مَنشُورَةٌ مُبوَّبَةٌ.
ثمَّ كتاب «الموطأ» بالمدينةِ لمالكِ بنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللهُ.
ثم جامع سفيان الثوري.
ثمَّ من القَرْنِ الرَّابِعِ حَدَثَت مصنفاتُ الكلامِ، وكَثُر الخَوضُ في الجِدالِ، وكَثُر الخوضُ في إبطال المقالاتِ.
ثمَّ مالَ النَّاسُ إليه وإلى القصص والوعظ بها، فأخذ علم اليقين في الاندراس من ذلك الزَّمانِ، فصارَ بعد ذلك يُستَعْرَبُ علمُ القُلوبِ والتَّفتيش عن صفات النَّفْسِ ومَكائِدِ الشَّيطان، وأعرض عن ذلك إلا الأقلون.
الجزء 1 · صفحة 49
هكذا ضَعُف الدِّينُ في قرون سالفة، فكيفَ الظَّنُّ بَزَمانِك هذا؟! وقد انتَهَى الأمرُ إلى أنَّ مَظْهَرَ الإنكار يستهدفُ للنّسبة إلى الجُنونِ، فالأَوْلى أَن يَسْتَغِلَ الإنسانُ بنفسه ويسكت. كذا قاله الغزالي.
وهو في قرنِ خمس مئةٍ، فكيف بزماننا هذا وقد زاد على الألف من الهجرة؟!
ولا شكّ أنَّ البُعْد عن زمانِ الحَضْرَةِ بمنزلةِ البُعدِ عن المَشْعَلِةِ، فَإِنَّ كلَّ من يبعد يَقعُ في زيادةِ الظُّلمة.
??? ـ ولذا قال صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ: «لا يأتي عليكم عام ولا يوم، إلا والذي بعده شر منه، حتّى تلقوا ربكم». أحمد، والبخارِيُّ، والنسائي، عن أنس رضي الله عنه.
(15) - ومنها: أن يكون شديد التَّوقّي من مُحدَثاتِ الأمور، وإن اتَّفَقَ عليه الجمهور، ولا يغُرَّنَّه إطباق الجماعةِ على ما أُحدِثَ بعدَ الصَّحابة، وليَكُنْ حَريصاً
على التفتيش عن سِيَرِ السَّلَفِ وأحوالهم، وما كانَ فيه أكثر همهم من أقوالهم وأفعالهم، أكانَ في التَّدريس والتَّصنيف والمُناظرة، والقضاء والوِلاية، وتوَلَّي الأوقاف والوصايا ومالِ الأيتام، ومُخالطَةِ السَّلاطينِ ومُجامَلَتِهم في العِشْرِةِ، أَمْ كَانَ في الخَوفِ والحُزنِ، والتَّفَكُرِ والمُجاهَدَةِ، ومُراقَبَةِ الظَّاهِرِ والباطن، واجتناب دقيق الإثم وجليله، والحرص على إدراكِ خَفايا شَهَواتِ النَّفْسِ ومَكائِدِ الشَّيطانِ، إلى غيرِ ذلك من عُلومِ الباطن؟
[أعرفُ الناس أَشبههم بالسّلَفِ]
واعلم تحقيقاً: أنَّ أعلَمَ أهلِ الزَّمانِ وأقربهم إلى الحق في العِرفانِ أشبَهُهُم بالصَّحابة، وأعرَفُهم بطَريقِ السَّلَفِ الصَّالحين، فمِنْهُم مَن أخذَ مَعرِفَةَ الدِّينِ بالوَجْهِ اليقين.
الجزء 1 · صفحة 50
??? ـ ولذا قال عليّ: خَيرُنا أتبَعُنا لهذا الدِّين. لما قيل له: خالَفْتَ فُلاناً. فلا ينبغي أن تكتَرِثَ بمُخالفة أهلِ العَصْرِ في مُوافِقَةِ عَصْرِ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّ النَّاسَ رأوا رَأْياً فيما هُم فيه لمَيلِ طِباعِهم إليه، ولم تسمَحْ نُفوسُهم بالاعترافِ بأنَّ
ذلك سببُ الحِرْمَانِ عن الجنَّةِ، فادَّعَوا أَنَّه لا سبيل إلى الجنَّةِ سِواهُ.
(174) ـ وعن ابن مسعودٍ رَضِيَ الله تعالى عنه مرفوعاً: «إِنَّما هُما اثْنَتَانِ، الكلامُ والهَدْي، فأحسَنُ الكلام كلامُ اللهِ تعالى، وأحسَنُ الهَدْيِ هَدْيُ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلَّمَ، ألا وإيَّاكم ومُحدَثاتِ الأُمورِ، فإِنَّ شَرَّ الأمورِ مُحدَثاتُها، وإِنَّ كلَّ مُحدثة بدعة، وإنَّ كلَّ بدعةٍ ضَلالةٌ، أَلا لا يَطُولَنَّ عليكم الأمَدُ فَتَقْسُوا قُلوبُكم، ألا كُلُّ ما هو آت قريب، ألا وإنَّ البعيد ما ليس بآتِ». رَواهُ ابنُ مَاجَه بسَنَدِ جيد.
(175) ـ وقال حُذَيْفَةُ َرضِيَ اللهُ تعالى عنه: إِنَّ مَعروفكم اليومَ مُنكَرُ زمان قد مضَى، ومُنكَرُكُم مَعروفُ زمانٍ قد أتى، وإنَّكم لا تَزالُونَ بِخَيْرٍ مَا عَرَفْتُم الحقِّ، وَكَانَ العالم فيكم غيرَ مُستَخَفْ به.
ولقد صَدَقَ؛ فأكثَرُ مَعروفاتِ هذه الأعصارِ مُنكَراتٌ فِي عَصْرِ الصَّحابةِ الأبرار؛ إذ من أعدادِ المعروفاتِ: تزيينُ المَساجِدِ وتَرفيعُها، وإنفاقُ الأموال العظيمة في دقائق عمارتها (2)، وفَرْشُ البُسُطِ الرَّفيعة فيها، وقد كانَ يُعَدُّ فَرْشُ البَواري في المسجد بدعةً، وقيل: إنَّه من مُحدَثاتِ الحجَّاج، فقد كانَ الأَوَّلُونَ قلما ما يجعلون بينهم وبينَ التُّرابِ حاجزاً.
ومن ذلك التَّلحين في القُرآنِ والأذانِ.
الجزء 1 · صفحة 51
ذلك التّعسُّفُ ه في النَّظافَةِ، والوَسْوَسَةُ في الطَّهارة، وتقديرُ الأسباب البعيدة، في نَجاسةُ الثَّيابِ، مَعَ التّساهل في حِلَّ الأَطْعِمَةِ وتحريمها، إلى نظائر ذلك.
(176) - ولقد صَدَقَ ابن مسعودٍ حيثُ قال: أنتُم اليومَ في زَمَانِ، الهَوَى فيه تابع
للعِلم، وسيأتي عليكُمْ زَمانُ يكونُ العِلمُ فيه تابعاً للهوَى.
??? ـ وكان أبو سليمان الداراني يقولُ: لا ينبَغِي لَمَن أُلهِم شيئاً من الخيرِ أَنْ
يعمل به حتّى يسمع به في الأثر، فيحمد الله تعالى إذا وافق ما في نفسه.
??? - وقال بعضُ العلماءِ ما تكلَّفَ فيه السَّلَفُ فالسكوت عنه جَفاء، وما سَكَتَ عنه السَّلَفُ فالكلامُ فيه تكلُّفُ.
وقال بعضُ العارفين: إنما انقَطَعَ الأبدال في أطرافِ الأرضِ واستتروا عن أعيُنِ الجمهور، لأنَّهم لا يُطيقونَ النَّظَرَ إِلى عُلماءِ الوَقتِ؛ لأنَّهم عندَهم جُهَّالٌ بالله تعالى، وهم عندَ أنفُسِهم وعند الجاهلينَ عُلما.
وفي «الإحياء»: قالَتِ الصُّوفيَّةُ: العلمَ حِجاب، وأرادوا بالعلم العقائد التي استمرَّ عليها أكثَرُ النَّاسِ بِمُجرَّدِ التَّقليد، أو بمُجرَّدِ كلماتٍ جدَلِيَّةٍ حَرَّرَها المُتعَصِّبونَ للمذاهب وألقوها إليهم توافقهم في المشارب، وأمَّا العلم الحقيقي الذي هو الكشفُ
والمُشاهَدَةُ بنورِ البَصيرة، فكيفَ يكونُ حجاباً وهو منتهى المطلب؟! أقولُ: وقد يُقال: العلمُ حِجابٌ نُوراني، والجهل حجاب ظلماني.
الجزء 1 · صفحة 52
[العوام العصاة أحسن حالاً من الجهال بالدين الظَّانين أنفسهم علماء] ثمَّ اعْلَمْ: أَنَّ العَوام العُصاةَ أَحسَنُ أحوالاً من الجُهَّالِ بِطَرِيقِ الدِّينِ، المُعتقدين أنَّهم من العلماء المجتهدين؛ لأنَّ العاميَّ مُعترِفُ بتقصيره، فيتوب ويستغفِرُ، وهذا الجاهِلُ الظَّانُ أَنَّه عالمٌ، وأنَّ ما هو مُشتغِلٌ به من العلوم التي هي وسائله إلى الدُّنيا من سلوك طريقِ الدِّينِ، فلا يتوب ولا يستغفِرُ، بل لا يزالُ مُستَمِرَّاً عليه إلى المَوتِ، فنسأل الله العافية وحُسن الخاتمة.
[العقل منبع العلم]
اعلَمْ أنَّ العقلَ مَنبعُ العلم، ومُطلَقُه وأساسه ومداره، والعِلمُ يجري منه مَجرَى الثَّمرة من الشَّجرةِ، والنُّورِ مِنَ الشَّمسِ، والرُّؤيا من العَينِ.
??? - وقد وَرَدَ: «يا أَيُّها النَّاسُ! اعقِلُوا عن ربكم، وتواضعوا بالعقل، تعرفوا به ما أُمِرتُم به، وما نُهيتُم عنه، فاعلموا أَنَّه مَجْدُكم عندَ رَبِّكم، واعْلَمُوا أنَّ العاقِلَ مَن أطاع الله، وإنْ كانَ ذَميمَ المَنظَرِ، حَقيرَ الخَطَرِ، دنيَّ المَنزلةِ، رَبَّ الثوب والهيئة، وأنَّ الجاهلَ مَنْ عصى الله وإنْ كانَ جميل المنظَرِ عظيمَ الخَطَرِ شريف المنزلةِ حَسَنَ الهيئةِ فَصيحاً نَطُوقاً، فالقردة والخنازير أعقَلُ عندَ اللهِ ممَّن عصاه، ولا تغتَرُّوا بتعظيم أهلِ الدُّنيا إيَّاكم وإيَّاهُم، فإنَّهم من الخاسرين». رَواهُ داودُ بنُ المُحَبِّرِ، أحد الضعفاء في كتاب «العقل»، من حديث أبي هريرة، وهو في مسند الحارث بن أبي أسامة» عن داود.
الجزء 1 · صفحة 53
??? - وورَدَ: «لمَّا خَلَقَ الله تعالى العقلَ قالَ له: أقبل، فأقبَلَ، ثم قال له: أدبر، فأَدبَرَ، ثمَّ قالَ اللهُ عزَّ وجَلَّ: وعِزَّتي وجلالي ما خَلَقْتُ أكرَمَ عليَّ منك، بك آخُذُ، وبك أُعطي، وبك أُثيب وبك أعاقب». رَواهُ ابنُ عبدِ الله بنِ الإمامِ أحمدَ في «زوائد الزهد عن الحسن مرفوعاً مُرسَلاً بسند جيد، فزعم ابن تيمية والزَّركشِيُّ أَنَّه باتفاقِ أهل العلم: كذب موضوع مَردودٌ ومَدفوع.
(181) ـ وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: أثنى قوم على رجل عند رسولِ اللهِ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ حتّى بالغُوا، فقال صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ: كيفَ عَقلُ الرَّجُلِ؟» فقالوا: نُخبِرُك عن اجتهاده في العبادة وأصناف الخير، وتسألنا عن عقله؟ فقالَ: «إِنَّ الأحمَقَ يُصِيبُ بحُمْقهِ أكثر من فُجورِ الفاجِرِ، وإنَّما يرتفع العباد غداً في الدَّرَجاتِ زُلفى من ربهم على قَدْرِ عُقولهم». ابن المُحبَّر بتمامه، والترمذي الحكيم في «النَّوادِرِ مُختَصَراً.
??? ـ عن عُمَرَ رَضِيَ الله تعالى عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه
وسلَّمَ: «ما اكتَسَبَ رَجُلٌ مثلَ فَضْلِ عقلِ يَهْدي صاحبه إلى هُدًى، أو يرُدَّه عن ردّى، وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتّى يكمل عقله». ابنُ المُحَبَّرِ في «العقل»، وعنه الحارِثُ بنُ أبي أسامة.
??? - وقال صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ: «إِنَّ الرَّجُلَ ليُدرِكُ بحُسنِ خُلُقِه درجة الصَّائمِ القائم، ولا يتمُّ لرجُل حُسنُ خُلُقِهِ حَتَّى يَتِمَّ لَه عَقْلُه، فعند ذلك يتم له إيمانه، وأطاعَ ربَّه وعصى عدوه: إبليس». ابنُ المُحَبَّرِ من رواية عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، والحديث عندَ التَّرْمِذِي مُختَصَرٌ دونَ قوله: «ولا يتم من حديث عائشة وصححه.
الجزء 1 · صفحة 54
(184) ـ وعن أبي سعيد الخُدرِيٌّ َرضِيَ الله تعالى عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ: «الكُلِّ شيءٍ دِعامَةٌ، ودِعامَةُ المُؤْمِنِ عَقله، فَبِقَدرِ عقله تكونُ عبادَتُه، أما سمِعتُم قولَ الفُجَّارِ في النَّارِ: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا ففِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: (10)]. ابنُ المُحَبِّرِ، وعنه الحارِثُ.
(185) ـ وعن أبي هريرةَ رَضِيَ الله تعالى عنه قالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسولُ الله صلَّى
الله تعالى عليه وسلَّمَ من غَزوة أُحدِ سمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ: كَانَ فُلانٌ أَسْجَعَ من فلان وفلان أَبلى ما لم يُبْلِ فُلانٌ، ونحو هذا، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ: «أما هذا فلا عِلْمَ لكم به، قالوا: وكيف ذاك يا رسولَ اللهِ؟ فقال: «إنَّهم قاتَلُوا على قَدْرِ ما قَسَمَ الله لهم من العَقْلِ، وكأَنَّ نُصرَتَهم ونيَّتهم على قَدْرِ عُقولهم، فأصيب منهم مَن أُصيب على مَنازِلَ شَتَّى، فإذا كانَ يوم القيامةِ اقتَسَمُوا المَنازِلَ على قَدْرِ نَيَّاتِهم، وقَدْرِ عُقولهم». ابنُ المُحَبَّرِ.
(186) ـ وعن البَراءِ بنِ عَازِبٍ رَضِيَ الله تعالى عنهما، أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ قالَ: «جَدَّ الملائكةُ واجتهدوا في طاعة الله تعالى بالعقل، وجَدَّ المؤمنون من بني آدَمَ على قَدْرِ عُقولهم، فأعمَلُهم بطاعة الله تعالى أو فَرُهم عَقلا». ابنُ المُحبَّرِ، وعنه الحارِثُ في «مُسنَدِه»، ورَواهُ البَغَوِيُّ في مُعجَمِ الصَّحابةِ» من حديث أبي عازب رجلٌ من الصَّحابةِ غيرُ البَراءِ، وهو بالسَّنَدِ الذي رَواهُ ابنُ المُحَبَّرِ.
الجزء 1 · صفحة 55
??? - وعن عائشةَ رضِيَ اللهُ تعالى عنها قالت: قلت: يا رسول الله! بأي شيء يتفاضَلُ النَّاسُ في الدُّنيا؟ فقال: «بالعقل»، قلتُ: ففي الآخرة؟ فقال: «بالعقل»، قلتُ: أليسَ إنَّما يُجزَونَ بأعمالهم؟ فقال: وهل عَمِلُوا إلا بِقَدْرِ ما أعطاهُم الله من العقل؟ فبِقَدْرِ ما أُعطوا من العقل كانت أعمالهم، وبقَدْرِ ما عَمِلُوا يُجْزَونَ». ابنُ المُحبَّرِ، والترمذي الحكيم في «النَّوادِرِ» ونحوه.
??? - وقال صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ: «أتمُّكم عَقْلاً أَشدُّكُم للهِ خَوْفاً، وأحسنكم فيما أمر به ونهى عنه نظراً، وإنْ كانَ أقلكُم تطوعاً». ابنُ المُحبَّرِ من حديث أبي قَتَادَةَ رَضِيَ الله عنه.
ثمَّ اعْلَمْ أنَّ العقل هو الوَصْفُ الذي يتميز به الإنسان عن سائر الحيوان، وهو الذي استَعَدَّ به لقبولِ العُلوم النَّظَرية، وتدبير الصناعات الخفيَّةِ الفِكريَّةِ، وكماله أن تنتهي قوة تلك الغَريزة إلى أن يعرِفَ عَواقِبَ الأُمورِ وآخرها، ويقمَعَ الشَّهوةَ الدَّاعِيَةَ إلى اللَّذَّةِ العاجلة ويَقْهرها، وهي الغايةُ القُصَوَى، والدَّرَجَةُ العُليا.
(198) - وعن عليّ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه:
رأيتُ العَقل عقلَين فمَطبوع ومسموع
ولا ينفَعُ مَسموع إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفَعُ الشَّمسُ وضَوء العين ممنوع
??? ـ وقد وَرَدَ: «ما خلق اللهُ خَلقاً هو أكرَمَ عليه من العَقلِ». الترمذي الحكيم.
في النَّوادِرِ» بسنَدِ ضعيف من رواية الحسَنِ عن عدَّةٍ من الصَّحابة.
??? - ورَوَى أبو نُعَيمٍ في الحلية من حديث عليّ: إذا اكتَسَبَ النَّاسُ من أنواع البر ليتَقَرَّبُوا بها إلى ربنا عزَّ وجَلَّ فاكتَسِبْ أَنتَ أنواع العَقلِ تسبقهم بالزُّلفةِ والقُربة. وإسناده ضعيف.
الجزء 1 · صفحة 56
??? - وقال صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ لأبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: «إذا از دَدْتَ عَقْلاً از دَدْتَ من ربِّكَ قُرْباً»، فقالَ: بأبي أنتَ وأُمِّي، فكيف لي بذلك؟ فقال له: اجْتَنبْ مَحارِمَ اللهِ، وأَدْ فرائضَ الله تكُنْ به عاقلاً، واعمل بالصَّالِحاتِ من الأعمال تَزْدَدْ في عاجِلِ الدُّنيا رِفْعةً وكرامةً، وتَنَل بها من ربِّكَ قُرْبةً وعِزَّة». ابنُ المُحبَّرِ، ومن طريقه الحارِثُ بنُ أبي أسامة، والتّرمذيُّ الحكيمُ في «النَّوادِرِ».
??? ـ وقالَ ابنُ المُسَيَّبِ: إِنَّ عمرَ وأُبي بن كعبٍ وأَبا هريرةَ رَضِيَ الله تعالى عنهم دخلوا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ فقالوا: يا رسولَ اللهِ، مَن أعلَمُ النَّاسِ؟ فقالَ: «العاقِلُ»، وقالُوا: مَن أعبَدُ النَّاسِ؟ فقالَ: «العاقِلُ»، قالوا: فمَن أَفضَلُ النَّاسِ؟ قالَ: «العاقِلُ»، قالوا: أليس العاقِلُ مَن تَمَّت مُروءَتُه، وظهَرَتْ فصاحته، وجادَتْ كفُّه، وعَظُمَت مَنزِلَتُه؟ فقالَ: {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف: (35)]، إنَّ العاقِل هو المُتَّقي وإن كان في الدنيا خسيساً دَنِيَّاً». ابنُ المُحبرِ.
(194) - وفي حديث آخر: «إِنَّما العاقِلُ مَنْ آمَنَ باللهِ، وصدق رسوله، وعَمِلَ بطاعته». ابنُ المُحبّرِ من حديث سعيد بنِ المُسيَّبِ مُرسَلاً، وفيه قِصَّةٌ (3). ثمَّ التَّفاوُتُ في العقل الذي هو الغَريزة، فلا سبيل إلى جَحْدِه، فإِنَّه مثل نُورٍ يُشرِقُ على النَّفس، ويطلُعُ صُبحه، ومَبادِئُ إشراقه عندَ سِنَّ التَّمييز، ثمَّ لا يزال ينمو ويزدادُ نُمُوا فِي التَّدريج إلى أن يتكاملَ بِقُربِ أربعين سنةً، ومثاله نورُ الصُّبح، فإنَّ أوائله يخفى خفاء يشقُ إدراكه، ثم يتدرج إلى الزيادة إلى أن يكملَ بِطُلوعِ قُرصِ الشَّمسِ.
الجزء 1 · صفحة 57
وتفاوُتُ نُورِ البَصيرةِ كتَفاوُتِ نورِ البَصَرِ، والفَرقِ بينَ مُدْرَك الأعمش وبين مُدْرَك الحاد البصر، بل سنة الله جاريةٌ في جميعِ خَلقِه بالتَّدريج، حَتَّى إِنَّ غريزةً الشَّهوةِ لا تُركَبُ في الصَّبي عند البلوغ دفعةً وبغتةً، بل يظهر شيئاً فشيئاً على التدريج، فكذلك جميع القوى والصِّفاتِ، ومَن أنكَرَ تفاوُتَ النَّاسِ في هذه الغَرِيزِةِ كَانَ مُنْخلِعاً عن رِبقَةِ العقلِ الغَريزةِ، ومَن ظَنَّ أَنَّ عقلَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ مِثْلُ عَقْلِ أَحدِ السَّوادية وأَخْلافِ البادية، فهو أَخشُ فى نفسه من آحاد السواديَّة، وكيف يُنكَر تفاوتُ الغَريزة، ولولاه لما اختلف الناسُ في فَهم العلوم.
ولما انقَسَمُوا إلى بليد لا يفهَمُ بالتَّفهيم إلا بعد تعب طويل من المُعلِّم، وإلى ذكي يفهم بأدنَى رَمزِ وإشارة في عبارة، وإلى كامِل ينبَعِثُ من نفسه حقائق الأمور دونَ التَّعلم، يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِي وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارُ نُورُ عَلَى نُورٍ} [النور: (35)]، وذلك مثلُ الأنبياء عليهم السلام؛ إذ يتَّضِحُ لهم في بواطنهم أمورٌ عَامِضَةٌ من غير تعلم وسماع، ويُعبر عن ذلك بالإلهام.
(195) - وعن مثله عبر النَّبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ حيثُ قالَ: «إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نفَثَ في رُوْعي: أَحْبِبْ مَنْ أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مُفارِقُه، وعِشْ مَا شِئْتَ فإنَّك ميت، واعملْ ما شِئتَ فإِنَّكَ مَجزِيٌّ به». الشيرازي في «الألقاب» من حديث سهل بن سعد، والطبراني في «الأصغر» و «الأوسط» من حديث عليّ رضِيَ الله تعالى عنه، وكِلاهُما ضَعيف
الجزء 1 · صفحة 58
(196) ـ ومما يدلُّ على تفاوتِ العَقلِ من جهةِ النَّقَلِ: ما رُوي أَنَّ عبدَ اللَّهِ بِنَ سَلامِ رضِيَ الله تعالى عنه، سأل رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ في حديثٍ طويل في آخرِه وَصْفُ عِظَمِ العَرْشِ، وأنَّ الملائكة قالت: يا ربَّنا، هل خَلَقْتَ خَلْقاً أعظَمَ من العَرْشِ؟ قال: نعم، العقل، قالوا: وما بلَغَ مِن قَدْرِهِ؟ قال: هيهات لا يُحاط بعلمه، هل لكم عِلم بِعَدَدِ الرَّملِ؟ قالوا: لا، قال الله تعالى: فَإِنِّي خَلَقَتُ العقل أصنافاً شَتَّى كَعَدَدِ الرَّمْلِ، فمِنَ النَّاسِ مَن أُعطِي حَشْيةً، ومِنهُم مَن أُعطِيَ حثيتين، ومنهم مَن أُعطِي الثَّلاثَ، ومنهم مَن أُعطِي الأربع، ومنهم مَن أُعطِيَ فَرْقاً، ومنهم مَن أُعطِي وَسْقاً، ومنهم مَن أُعطي أكثر من ذلك. ابنُ المُحبّرِ من حديث أنس بتمامه، والترمذي الحكيمُ في نَوادِرِه مُختَصَراً.
ثم كلُّ أحَدٍ من العُقَلاءِ يصرف عقله في شيء من الأشياء، ويصير في ذلك الفن من العلماء وغيره فيه من الجهلاء.
وإذا أردتَ أن تُفرّق بين العلم والعقل فاعلَمْ أَنَّ أَحَداً من السَّلاطين سلَّمَ ولداً له إلى أحدٍ من الرمالين ليتعَلَّمَ علمَ الرَّمل على وجهِ التَّحْمِينِ، فَاجتَهَدَ الرَّمَّالُ في تعليم الوَلَدِ مُدَّةً في زمن الاستقبال، إلى أن صار من جهة العلم في غاية من الكمال، فأتى به إلى السلطانِ، وقال: ما كانَ في وسعي من العلم فعلَّمتُه في غايته، لكن ليسَ لي بالعلاج في قلَّةِ عَقلِه وعَدَمِ فطانيه، فقال له: كيفَ هذا؟ فقالَ: يُخفي السُّلطانُ في يده شيئاً ويُجرِّبه، فأخذ خاتمه في كفّه، وقال له: ارمِ الرَّملَ فرماه، وقال: شيء معدني، ورماه ثانياً وقال مدور ورماه ثالثاً: وقال مجوّف، فقيل له: فماذا يكونُ؟ قال: رحى، فلو كانَ له عقل لعرَفَ أنَّه لا يُتَصَوَّرُ وُجودُ الرَّحَى في كفِّ أولي النُّهى
الجزء 1 · صفحة 59
??? ـ ونظيره: أنه قال أبو يوسف يوماً في حد الصوم: إنَّه هو الإمساك من طلوعِ الصُّبحِ إلى غُروب الشمس، فقال له قائل: فإذا لم تَغْرُبِ الشمس فإلى متى يصوم الواحد؟. ??? ـ وقد ورد: ابن آدم أطع ربَّك تُسمَّى عاقلاً، ولا تَعْصه فتسمى جاهلاً. رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله تعالى عنهما.
هنا قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا ومن الْعَلِمُونَ} [العنكبوت: (43)]، وقال عزّ وجَلَّ: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأنعام: (37)]. ثمَّ مُجمَلُ الكلام: أنَّ العقل سُمِّيَ به؛ لعَقلِه ومَنْعِه صاحبَه عمَّا لا يَليقُ به، كم سُمِّيَ نُهى؛ لنَهْيِه عن الفحشاء والمُنكَرِ، ونحوه.
والحاصِلُ: أنَّ العقل لا ينفَعُ بدونِ النَّقلِ، ولا النَّقل بدونِ العقل.
وهذا نهاية التحقيق، والله ولي التوفيق.
وهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله وحده، وصلَّى الله على من لا نبي بعده.