الجزء 1 · صفحة 5
الوقوف بالتحقيق على موقف الصديق
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خَلَقَ الخَلْقَ وعَرَّفَهم طريق الحقِّ، والصَّلاة والسَّلامُ على أفضل العارفين بطرقِ المَعارِفِ، وأكمل الواقفين في أحسَنِ المَواقِفِ، وعلى آله وأصحابه التابعين له بإحسانٍ في كل بابه.
أما بعد:
فقد سُئِلتُ: هل وَقَفَ أمير المؤمنين أبو بكر رضي الله عنه، ويَعسُوبُ المُسلمين عليٌّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، حينَ جُعِلَ الصِّدِّيقُ أمير الحاج، وجُعِلَ المُرتَضَى لَنَبدِ عَهْدِ الكُفَّارِ المُشَبَّهِينَ بالدَّاج.، في زمانِ الْوَقْفَةِ بِمَوقِفِ عَرَفَةَ، أو ما تَجاوَزا عن حَدَّ المُزدَلِفَة، ولا ثالث إذ لا تُتَصَوَّرُ المُخالَفَةُ؟
فأجَبتُ بعَونِ اللهِ تعالى وحُسنِ توفيقه، والهداية إلى مَعرفَةِ المَبْحَثِ وتحقيقه: أنهما إنَّما وَقَفا في المَوقِفِ الأعظم والمقام الأنْخَمِ الأَكْرَم؛ لأنَّ من المحال العقلي عادةً، والمُخالفِ لظواهر الأقوالِ رِوايةٍ ودِرايةً أنَّهما خالفا مُتابعَةَ الأنبياء، منهم آدم وإبراهيم وغيرهما عليهمُ السَّلامُ، مع ما ثَبَتَ أنَّه لا الله في حِجَجه قبل الهجرة إلى مدينة الإسلام، كان يتعدى عن المَشعَرِ الحرام، مُخالِفاً لكُفَّارِ قُريش ومُوافِقاً لسائِرِ الأَنامِ من الخواص والعوامِ ..
هذا مُجمَلُ الكلام في مقام المَرامِ، وأمَّا تفصيله: فاعلَمْ أَوَّلاً وَجْهَ تسمية عَرَفاتٍ جَمْعَ عَرَفَةَ؛ ليَحصُلَ لك بعضُ المعرفة.
فقيلَ: إِنَّما جُمِعَت بما حولها، وإن كانت بقعَةً واحدةً، كقولهم: ثوبٌ أخلاق،
ويُؤَيَّدُه قوله: «عَرفَةُ كلُّها مَوقِفٌ» الحديث.
الجزء 1 · صفحة 7
وقيلَ: إنَّما سُمِّيت «عرفات» كما قالَه الضَّحَّاكُ أَنَّ آدَمَ عليه السَّلامَ لَمَّا أُهبِطَ وَقَعَ بالهند، وحَوَّاءُ بجُدَّةَ، فَجَعَلَ كلُّ واحدٍ منهما يطلب صاحبَه، فاجتمعا بعَرَفاتٍ يومَ عَرَفَةَ، فَتَعارَفا، فسُمِّيَ اليومُ عَرَفَةَ، والموضِعُ عَرَفاتٍ.
وروى عبدُ الرَّزَّاقِ عن ابنِ جُرَيجِ، قال: أَخبرني ابنُ المُسَيَّبِ، قَالَ عَليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه: بعث الله جبريل عليه السَّلامُ إلى إبراهيم عليه السَّلامُ فَحَجَّ به، حتّى إذا أتى عَرَفَةَ قالَ: عَرَفْتَ؟ َقالَ: عَرَفْتُ، وكان قد أتاه مرَّةً قبل ذلك، فلذلك سُمِّيَت عَرَفاتٍ 4، ولا مُنافاة بين الأقوالِ؛ لصِحَّةِ كُلٌّ من الأحوال.
ثمَّ المقصود الأعظَمُ، والمطلوب الأفخَمُ، ما استفيد ممَّا حَرَّرْنا وعُلِمَ ممَّا قرَّرْنا: أَنَّ عَرَفاتٍ هو مَوقِفُ آدم وإبراهيم عليهما السّلامُ، وسائر أولادهما من أتباعهما الكرام، بل وكافة الأنام، إلى أن أحدثَتْ قُرَيضٌ مُخالفة جَدِّهم، ومُجاوَزَةَ حَدِّهم، ميلاً إلى ما به الامتياز عن عامَّةِ النَّاسِ النَّاشئ من خُطُواتِ الوَسْوَاسِ الخَنَّاسِ، فوقَفُوا بمُزدَلِفَةَ يومَ عَرَفَةَ قائلين بأنَّا حَمَامُ الحَرَمِ، فلا نَخْرُجُ من محلنا المُحترَمِ.
وكان قبلَ البَعثَةِ يقفُ بعَرَفَةَ بما أَلهَمَهُ اللهُ وعَرَّفَه من مقامِ الأنبياء وموقف الأصفياء، ومن المعلومِ القَطعِيُّ الدَّلالةِ أَنَّه بعد البعثَةِ لا يُخالِفُ تلك الطَّريقةَ، لا سيّما بعد قوله تعالى: أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل: 123]،
وقوله
الجزء 1 · صفحة 8
عَزَّ وَجَلَّ: {أَوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَهُمُ اقْتَدِهُ} [الأنعام: 90]. وقد روى الإمام أحمد عن جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ رضيَ الله عنه قالَ: أَضْلَلْتُ بعيراً لي، فذهَبتُ أطلبه يومَ عَرَفَةَ، فرأيتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم واقفاً معَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، فقلتُ: وَاللَّهِ إِنَّ هذا لَمِنَ الحُمْسِ، فما شَأْنُه ههنا؟ وكانت قُرَيشُ تُعَدُّ من الحُمْسِ.
أخرجه البخارِيُّ ومُسلِمُ والنَّسائِيُّ والطَّبَرَاني وزاد: وكانَ الشَّيطانُ قد استهواهُم، فقال لهم: إِنْ عَظَمتُم غيرَ حَرَمِكُم استَخَفَّ النَّاسُ حَرَمَكُم، وكانوا لا يخرجون من الحَرَمِ.
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ قَالَ: لقد رأيتُ النَّبِيَّ قبل أن يُنَزَّلَ عليه وإنَّه لواقِفٌ على بعير له بعرفات معَ النَّاسِ، يدفَعُ معَهم منها .. وما ذاك إلا توفيق من الله تعالى.
فإذا تقرر هذا أنَّه الله لم يقف يومَ عَرَفَةَ بالمَشعَرِ الحَرامِ لا في أَيَّامِ جاهليَّةِ الأنام، ولا في زمان الإسلام، كما يدلُّ عليه القِياسُ الأَوْلى المُعتبَر عند العلماءِ الأعلام، فهل يُتَصَوَّرُ أنَّ الصِّدِّيقَ الأكبرَ معَ عَدَمِ انفكاكه عن صُحبَتِه في الأغلبِ الأكثَرِ خُصوصاً في مُدَّةِ عَشْرِ سنينَ بعد دخوله في زُمرةِ المُسلمينَ أَن يَقَعَ منه مُخالفَةٌ لفعله في موقفِ حَجّه؟ أم يُمكِنُ مُوافَقَةُ أبي بكرٍ لكُفَّارِ قُريش وحِزبِه أَوْ: لا ولا؟ هذا من المُحالِ العقليّ عُرْفاً وعادَةً، مع أنَّ الوُقوفَ بِالمُرْدَلفةِ يومَ عَرَفَةَ لا يصح أن يكون عبادة؛ لكونه مُخالِفاً لجميع أربابِ المِلَّةِ.
الجزء 1 · صفحة 9
وعلى التّنزلِ في ذهوله عن المسألة: هل يُعقل أنَّه وَ لا يُعرِّفُه أَدَبَ وُقوفِهِ بعَرَفَةَ ابتداء، أو بسؤال من الصِّدِّيقِ لأجل التحقيق انتهاء، والحالُ أنَّه أميرُ الحاج بعد فتح مكَّةَ، وقوَّةِ الشَّوكةِ، وتَزَحْزُحِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ وتَزُلزُلِهم وتقهقُرِ أَمرِهم، ومعَ مُصاحِبَةِ المُرتَضَى، لنبذ عُهودهم، وأَمْرِهم بأن لا يَحُجَّنَّ بعدَ العام مُشرِكٌ، ولا يطُوفَنَّ بالبيتِ عُريان، فكيفَ يخطر ببالِ العُقَلاءِ فَضْلاً عن ضَمِيرِ الفُضَلاءِ أنَّ الأميرَينِ الجَليلين، والإمامين المُختارَينِ في ذلك الزَّمانِ، يَحُجَّانِ حَجَّاً غير صحيح في جميع الأديانِ؟!
هذا ومن المنقولِ المُؤَيَّدِ للمَعْقولِ: ما رواهُ النَّسَائِيُّ عن جابر رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر على الحج، فأرَسَلَ عَلِياً بـ «بَراءةُ» ليقرأها على النَّاس في مَواقِفِ الحج، فقَدِمْنا مكَّةَ، فلمَّا كانَ قبلَ التَّروية بيوم، قامَ أبو بكرٍ فَخَطَبَ النَّاسَ فعَلَّمَهُم مَناسِكَهُم، حتَّى إذا فَرَغَ قامَ علي فقرأ على النَّاسِ بَراءَةٌ» حَتَّى خَتَمَها، ثمَّ خَرَجْنا معه حتى إذا كانَ يومُ عَرَفَةَ قامَ أبو بكرٍ فخَطَبَ النَّاسَ فَعَلَّمَهُم مَناسِكَهُم، حَتَّى إِذا فَرَغَ قامَ عليٌّ فقرأ على النَّاسِ بَراءةٌ حَتَّى خَتَمَها. الحديث
ففيه إشارةً خَفِيَّةٌ إلى أنَّ خِلافَةَ عليّ مُتأخّرة عن الصِّدِّيقِ، وَأَنَّه كسائِرِ الحُجَّاجِ مأمور، والأمير أبو بكر كما صرح به علي حين قال له أبو بكر: أمير أم رسول؟ قال: لا، بل رسول، أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ «براءة» أقرؤها على النَّاسِ في مَواقِفِ الحج. كما أنَّ فيه دلالةً جليلةً على أنَّ أبا بكرٍ وَقَفَ بِعَرَفَةَ.
فإن قلت: لا يُستفاد صريحاً وقوفه المذكورُ من الحديث المسطور. قلتُ: هذا واضح جداً لمن ألهم الصواب، وأُوتِيَ فَصْلَ الخِطاب؛ فَإِنَّ
الجزء 1 · صفحة 10
قوله: «فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَدَّثَهم عن مناسكهم»، ففيه ثلاثُ دَلالاتٍ لائحاتٍ واستدلالات واضحاتٍ
منها: أنَّ الخُطبة غيرُ مَشروعةٍ إجماعاً في المُزدَلفةِ، فيتعيَّنُ أن تكونَ بعَرَفَةَ. ومنها: أنَّ لفظ النَّاسِ بعمومه المُطابِق لقوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199] يدلُّ على أنَّ المُرادَ بهم النَّاسُ عَامَّةً، لا جَماعة قريش خاصةً.
ومنها: أنَّ تحديثه إيَّاهم عن مَناسِكِهم يدلُّ على أَنَّه إِنَّما يُعلِّمُ المؤمنين مَناسِكَهم المشروعة في دين المسلمين التي من جُملَتِها عدَمُ الوُقوفِ بمُزدَلفَةَ يومَ عَرَفَةَ، فلو كانَ خُطبَتُه بِمُزدَلِفَةَ كَانَ لتَعليم المَناسِكِ لكُفَّارِ قُرَيْشٍ، مَعَ عَدَمِ نَفْعِهِم به خصوصاً، وحرمان المسلمين وغيرهم من هذا التّعليمِ عُموماً، فثَبَتَ المُدَّعى بالأدِلَّةِ العقلية والنقلية التي كادت أن تُصير المسألةَ قطعيَّةً، مع أنَّ في مثل هذه المسائل يُكتفى بالبراهين الظَّنِّيةِ.
ثم رأيتُ هذه المسألةَ المُسْتَمِلَةَ عليها الرسالة صريحة في «شرح سيرة عبد الغني حيث قال: وقد كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَهِدَ إلى أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنه أن يُخالِفَ المُشركينَ فيقِفَ بعَرَفَةَ، وكانوا يقفُون بجَمْعِ، ولا يُدفَعُ مِن عَرَفَةَ
حتّى تغرُبَ الشَّمسُ، ويُدفَعُمن جَمْعِ قبلَ طُلوعِ الشَّمس. ذكره الحاكِمُ. هذا ومن مُتعَلَّقاتِ هذه القضيَّةِ: أَنَّ حَجَّةَ أبي بكرٍ رضي الله عنه هل كانَ في ذي الحِجَّةِ أو في غيره؟ بناءً على قاعدةِ النَّسيء في تقديم شهرٍ وتأخير شهر.
الجزء 1 · صفحة 11
والصَّوابُ: أَنه كانَ حَجُّه في ذي الحِجَّةِ سواءٌ طَابَقَ حِسَابَ الكُفَّارِ أم لم يُطابقه؛ فإنَّهم كانوا مغلوبين مقهورين بينَ حِزب الله الغالبين المنصورين. ومن القَواعِدِ المُقرَّرةِ المَعلومة من الشَّريعةِ المُحرَّرة قديماً وحديثاً: أنَّ الحج لا يصح إلا بالوقوفِ بعَرَفَةَ في تاسع ذي الحِجَّةِ، فكيفَ يَختَلِجُ بال مؤمن أنَّه يُرسل الصدِّيقَ أميراً للحاج والمُرتَضَى رَسولاً إلى أهل الاعوجاج في وقت لا تصح تلك العبادة فيه؟
ومما يُؤيده نقلاً المُقوِّي لما ذكرناه عقلاً: ما ذكره شيخُ مَشايخنا العلَّامةُ القَسْطَلانِيُّ في المَواهِبِ اللَّدُنْيَةِ: أَنَّ حَجَّةَ أبي بكر رضي الله عنه كانت بالنَّاسِ سنة تسع في ذي القَعْدَةِ، كما ذكره ابن سعد وغيره بسند صحيح. وقال قوم: في ذي الحِجَّةِ، وبه قال الدَّاوِدِيُّ والثَّعْلَبِيُّ والمَاوَرْدِيُّ، ويُؤيِّدُه أَنَّ ابن إسحاق صرَّحَ بأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَقامَ بعد ما رَجَعَ من تَبُوكَ رَمَضانَ وشوّالاً وذا القَعْدَةِ، ثمَّ بَعَثَ أبا بكر أميراً على الحج، فهو ظاهِرُ في أَنَّ بَعْثَ أبي بكرٍ كَانَ بعد انسلاخ ذي القعدة، فيكونُ حَجُّه في ذي الحِجَّةِ على هذا. والله أعلَمُ.
قلتُ: إذا تعارَضَ النَّقَلانِ فيُجمَعُ بينهما بأن يُقال: معنى قوله: «أقامَ ذَا القَعْدَةِ»؛ أي: بعضه أو أكثره، فلا تنافي بين ما قال بعضُهم: أنَّه أرسله في ذي القَعْدَةِ، وبين ما قال بعضُهم: أنَّه أرسله في ذي الحِجَّةِ؛ لأنَّ ما قارَبَ الشَّيءَ يُعطَى حُكمه، أو كانَ أَمَرُه إيَّاه في آخرِ ذي القَعْدَةِ، وخُروجُه بعد تهيئته للسَّفَرِ وَقَعَ فِي أَوَّلِ ذِي الحِجَّةِ، مَعَ أَنَّه لا يلزم من إرساله في ذي القَعْدَةِ ولو من أوَّلِه وقوع حجه في ذي القَعْدَةِ.
الجزء 1 · صفحة 12
ويُؤَيَّده ما نقَلَه السَّيِّدُ جمالُ الدِّينِ المُحدِّثُ في «روضة الأحباب: أنَّ أرباب السِّيَرِ ذكروا أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يحُجَّ في آخر ذي القَعْدَةِ سَنَةَ تَسعِ، فَسَمِعَ أَنَّ المُشْرِكِينَ على عادة الجاهلية يطوفون بالبيت عرياناً، فكرة صلى الله عليه وسلم مُخالَطَتهم، فَأَخَرَ الحَجَّ وأَمرَ الصِّدِّيقَ
أن يحُجَّ، ويقول: ألا لا يَحُجَّنَّ بعدَ العامِ مُشرِكٌ، ولا يطُوفَنَّ بِالبَيتِ عِريان، انتهى. وأما ما نقله البَغَوِيُّ وغيره عن مُجاهِد أَنَّه كانَ حَجُّ أبي بكرٍ في تاسع ذي القَعْدَةِ.؛ فَمَبْنِيٌّ على فهم مَن تَوَهَّمَ لُزوم الإرسال في ذي القَعْدَةِ أَنَّ الحجّ لا يكون في ذي الحِجَّةِ، ولا يدلُّ عليه شيءٌ لا شَرْعاً ولا عُرْفاً، ثمَّ على تقدير تحققِ التّعارُضِ بلا إمكان تعيينِ الجَمعِ الرَّافع للتّناقُضِ فلا شك في ترجيح الحج في الوقتِ المُعتبَرِ شَرْعاً، لا سيما ولا مانع هناك عُرْفاً.
ويُؤيده إجماعُ العُلماءِ على أنَّ حَجَّ أبي بكر كان صحيحاً، وإنَّما الخِلافُ في أنَّه وَقَعَ تطوُّعاً، لكون الحجّ فُرِضَ سنَةَ عَشر، أو فرضاً على أنَّه فُرِضَ سَنَةَ تسع، وهو المُعتمد.
قال صاحِبُ «المواهب»: واستدل بهذه القِصَّةِ ـ يعني قصة أبي بكرٍ من الخطب وتعليم المناسكِ على ما قدَّمناه ـ على أَنَّ فَرْضَ الحَجِّ كَانَ قَبلَ حَجَّةِ الوداع، والأحاديثُ في ذلك شهيرة كثيرة، وذهَبَ جماعةٌ إلى أَنَّ حَجَّ أبي بكرٍ هذا لم يُسقِطِ الفَرْضَ عنه، بل كانَ تطوعاً قبلَ الفَرْضِ، انتهى.
ولا يخفَى بُعْدُه، ثمَّ كيفَ يُتصَوَّرُ أنَّ أبا بكر يُعلِّمُ النَّاسَ مسائل الحجِّ مِمَّا يَتَفَرَّعُ على صلاحه وفساده، وهو بنفسه يُخالِفُ مكانَ المَوقِفِ وزَمَانَهُ الْمِشْرُوطَينِ لِصِحَّةِ الجمع قديماً وحديثاً؟
الجزء 1 · صفحة 13
ثمَّ ممَّا سنَحَ بالبال، والله أعلم بالحالِ: أنه لا إذا كانَ تأخيرُ حجّه بعدَ فَرْضِه، لا سيما على الأصح من وُجوبِ فَوْرِه معَ عادةِ مُبادرة فِعله لأمرِه تعالى، لأجلِ رُؤيَةِ مُنكَرِ شرعي، من خَلْطِ المُشركين، وطَوافِ العُرْيانين، على أنَّه لا يتعلَّق به صِحَّةُ الحج، فكيف لم يكُنْ يُؤَخِّرُ حَجَ الصِّدِّيقِ إلى أن يقَعَ حَجُّه في وقتِه المُعتبَرِ شرعاً، هذا لا يكون أبداً، والله سُبحانَه أَعلَمُ بِما خَفِيَ وما بدا. ثم رأيتُ ما ينصُرُه، بل يدلُّ على المُدَّعى صريحاً، ما ذكَرَه السُّيوطِيُّ في «الدُّرِّ المنثور في التَّفسير بالمأثور»: أنَّه أخرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وأبو الشَّيخِ وابنُ مَردَوَيهِ، عَن عَمْرِو ابنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جده قالَ: كانتِ العَرَبَ يُحِلُّونَ عاماً شهراً وعاماً شَهرين، ولا يُصيبون الحَجَّ إلا في كلِّ سِ وعشرين سنةً مرَّةً، وهو النَّسيء الذي ذَكَرَ اللهُ في كتابه، فلمَّا كانَ عامُ حَجَّ أبو بكر بالنَّاسِ، وافَقَ ذلك العام الحجَّ، فسماه الله: الحج الأكبر، ثمَّ حَجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من العامِ المُقبِلِ فاستقبَلَ النَّاسُ الأَهِلَّةَ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الزَّمانَ قد استَدارَ كهيئته يومِ خَلَقَ الله السَّماواتِ والأرض»، انتهى.
وقوله: وافَقَ ذلك العام الحجَّ صريح في أنَّه وافَقَ زمن الحج المُعتبَر، وهو ذو الحِجَّةِ، لا زَمَنَ الحَجِّ المُغيَّرَ، وهو ذو القَعْدَةِ؛ لظهورِ بطلانه وتحصيل حاصل زمانه، وممَّا يُؤَيَّدُ هذه الرواية، وما يتعلق بهذه الدراية من كون أبي بكر رضي الله عنه حَجَّ في ذي الحِجَّةِ، وكذلك رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّه نقله شارِحُ «سيرة عبدِ الغَنِي»: أنَّهم كانوا يحُجُّونَ في كلّ شهرٍ عامين.
الجزء 1 · صفحة 14
فإن قلت: قد ذكر أيضاً أنَّه أَخرَجَ عبدُ الرَّزَّاقِ وابنُ المُنذِرِ وابنُ أَبي حاتم وأبو الشَّيخ عن مُجاهِدٍ في قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: ??]، قالَ: فَرَضَ الله الحج في ذي الحِجَّةِ، وكانَ المُشْرِكونَ يُسمُّونَ الأَشْهُرَ: ذا الحِجَّةِ، والمُحرَّمَ، وصَفَرَ، وربيعاً، وربيعاً، وجُمادَى، وجُمادَى، ورَجَباً، وشَعبان، ورَمَضانَ، وشَوَّالاً، وذا القعدة، وذا الحِجَّةِ، ثمَّ يحجُّونَ فيه، ثمَّ يسكتون عن المُحَرَّمِ فلا يذكرونه، ثمَّ يعُودُون فيُسمُونَ صَفَرَ صَفَرَ، ثُمَّ يُسمُونَ رَجَباً جُمادَى الْآخِرَةِ، ثمَّ يُسمُّونَ شَعبانَ رَمَضانَ، ورَمَضانَ شَوَّالاً، ويُسمون ذا القَعْدَةِ شَوَّالاً، ويُسمون ذا الحِجَّةِ ذا القَعْدَةِ، ثمّ يُسمون المُحرَّمَ ذا الحِجَّةِ، ثمَّ يحجُّونَ فيه، واسمه عندهم ذو الحِجَّةِ، ثمَّ عادوا مثل هذه القِصَّةِ، فكانوا يحُجُون في كلِّ شهرٍ عاماً، حتَّى وافَقَ حَجَّةَ أبي بكر الآخرة من العام في ذي القَعْدَةِ، ثمَّ حَجَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حجَّته التي حَجَّ فيها، فوافَقَ ذا الحِجَّةِ، فذلك حين يقولُ النَّبِيُّ الله في خُطبَتِه: «إِنَّ الزَّمانَ قد استَدارَ كهيئته يومَ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ». قلتُ: إذا تعارَضَتِ الرِّوايتانِ فلا بُدَّ من تأويل يجمعُ بينهما إن أمكن، أو ترجيح لإحداهما على الأُخرى.
الجزء 1 · صفحة 15
فاعلَمْ أنَّ القول بوقوع حَجٌ أبي بكرٍ في ذي القَعَدَةِ إِنَّما انفرد به مُجاهِدٌ، وقد بينا فيما سبق وجه الجمعِ بينَ مَن قالَ: حجه رضيَ اللهُ عنه كانَ في ذي القعدَةِ أو ذي الحِجَّةِ، وتبيَّنَ منه منه أنَّه جاءَ الوَهْمُ لمُجَاهِدٍ من رواية إرساله صلى الله عليه وسلم أبا بكر في ذي القعدة، فظَنَّ أَنَّه من أَوَّلِ ذِي القَعَدَةِ. وقد عَرَفتَ أنَّه مُعارَضُ بقولِ جماعة أنَّ إرساله كان بعد انسلاخ ذي الحِجَّةِ، ومُناقِض لنقل جماعة، بل اتّفاقُ أربابِ السَّيَرِ أَنَّ إرساله كانَ في آخرِ ذي القعدة، وهو حينئذ من المُحالِ أن يكونَ حَجه في غير ذي الحجة.
هذا، وعلى تسليم تحقق التعارض وارتفاع الجمع الدَّافِعِ للتّناقُضِ، والقول بأنَّ الدليلين إذا تَعارَضا تساقطا، لا سيما وقد وقع اضطراب قوي في نقل طريق النسيء، فيرجعُ كُلُّ شيءٍ إلى أصله.
ومنه الحج في ذي الحِجَّةِ على ما كانَ عليه الأنبياء عليهم السلام، إلى أن أحدَثَه جماعةٌ من أهل الجاهلية في بعض الأعوام.
ثم لا شكّ أنَّ حديث عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ عن جده، وهو عبد الله بن عمرو ابن العاص الذي هو من أكابرِ الصَّحابةِ مُقدَّم على حديثِ مُجاهد الذي هو من أفراد التابعين، وقد وَقَعَ له وَهم كثير كما هو معلوم عندَ المُحدِّثين، معَ أَنَّ رُواةَ قضيَّةِ النَّسيء اختَلَفُوا فِي أَنَّ النَّسيءَ كَانَ بينَ صَفَرَ وَالمُحَرَّمِ فقط، أو بينَ سَائِرِ الأشهر مع احتمال استثناء ذي الحِجَّةِ من التّغيير؛ لكون الحج فيه مُتَّفقاً بينَ الأنبياء، ومنهم جَدُّهم إبراهيم عليهم السلام.
الجزء 1 · صفحة 16
ويُؤيده أنه لو كانَ النَّسيءُ في ذي الحِجَّةِ أيضاً لما حَجَّ أَكثرُ النَّاسِ إِلا فِي السَّنةِ التي تُوافِقُ ذا الحِجَّةِ، ولا أظُنُّ بل أقطَعُ أَنَّه الله لم يكُنْ يَحُجُّ معَهم حينَئِذٍ، لا سيّما بعد البعثة، وهو مأمورٌ باتِّباعِ مِلَّةِ إبراهيم، والاقتداء بهَدْيِ سَائِرِ الأنبياء عليهم السّلامُ. وأيضاً: يلزَمُ من قولِ مُجاهِدِ أَنَّه قرَّر إحداث المُشركين من حجَّتِهم في غيرِ وقتِه المشروع معَ الأمرِ بقراءة سورة براءة» عليهم، ومن جُملَتِها آيةُ النَّسيءِ، وتقبيحُ أمرِهم فيه، فكيفَ يُتَصَوَّرُ تقريرُ حُكمِهم ووقوفُ أبي بكرٍ رضيَ الله عنه على حساب أشهرهم الحادثِ في زَمانِهم؟! فهذا من المُحالِ العقلي والشَّرعيّ؛ إذ يلزَمُ منه نَسْخُ أديان الأنبياء بفعل أبي بكر، بناءً على أمره، ثمَّ نَسْخُه بفعله ثانياً. ولا يَخفَى بُعْده أيضاً، على أنَّ النَّسخَ لا يثبت إلا بدليل قوي، وهو مفقود غير موجود. وهناك احتمال ثالث: وهو عَدَمُ صِحَّةِ حج أبي بكر، وإنما حج صورة، فنقول: ما المُحْوج إلى ذلك بعد فتح مكَّةَ وغَلَبة المسلمين وخُذلانِ المُشركين؟ معَ أَنَّ العُلماء أجمعوا على صحةِ حَجّه، على خلاف في وصفه، كما سبق على وجه التحقيق، والله ولي التوفيق.
ثمَّ رأيتُ المسألةَ مُصرَّحةً على جهةٍ مُصحَحَةٍ، ذكرَه السَّيِّدُ مُعينُ الدِّينِ الصَّفَويُّ، وهو من أرباب الإيقان، وأصحاب الإتقان، في كتابه «التبيان» وهذا نصه بلا زيادة ولا نقصان:
الجزء 1 · صفحة 17
كانتِ العَرَبُ لا عَيشَ لأكثرهم إلا من الغارات وأعمال السلاح، وهم يدعون أنهم على دين إبراهيم عليه السَّلامُ، وكانت إذا توالت عليهم الثَّلاثةُ الحُرُمُ صَعُبَت عليهم، وكان فيهم مَن يُبيِّنُ دينهم، فهو الذي شَرَعَ لهم النَّسيءَ، وبقي فيهم إلى زَمَنِ رسول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى ضَلَّ فيهم ذو الحِجَّةِ، وأَمَّا أَنَّ سَنَةَ حَجَّ فِيها أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنه في ذي القَعْدَةِ؛ فليس بشيءٍ وإن قاله بعضُ المُؤَرِّخين؛ لأنَّه نُودِيَ فِي حَجِّ أَبي بكر بتحريم النَّسيء وغيره من أمور الجاهلية.
وأيضاً: لما مضى من حجّه عشرة أشهرٍ وكان الحادي عَشَرَ في أَواخِرِه، سارَ موافياً لهلال ذي الحِجَّةِ، فلمَّا وَقَفَ بعَرَفَةَ أُخبَرَ أَنَّ الزَّمَانَ قد استَدارَ، فَعَلِمَ أَنَّ استِدارَتَه كانت في حجَّةِ أبي بكر. والحمد للهِ وَحدَه، انتهى.
وبه انتهى الكلام، والحمدُ للهِ ذي الجَلالِ والإكرام، والصَّلاة والسَّلامُ على وَجْهِ الكَمالِ والتَّمامِ، على مَنْ به تَمَّ الإسلام، وظَهَرتِ المَشاعِرُ العِظامُ، بحَسَبِ الزَّمانِ والمكان، وآداب الوقوفِ وسائر الأحكام.
وصلَّى الله على سيدنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه وسلَّمَ.