الجزء 1 · صفحة 5
النسب المرتبة في المعرفة والمحبة
تأليف العلامة
الملاعلي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي تَعرَّف إلى أوليائه بتَجَلِّي نَعْتِ جمالِهِ فَعَرَفوه وأَحَبُّوه، وتنكَّرَ على أعدائه بتَجَلِّي صِفة جَلالِه فأَنكروه ولم يُجِيبُوه، والصَّلاةُ وَالسَّلامُ على سَيِّدِ العارفين، وسَنَدِ المحبّينَ، وعلى آله المَحْبُوبينَ، وأصحابه المَجْذُوبين، وعلى أتباعه الذين صاروا بين المعرفة والمحبَّةِ جامعين. أما بعد: فيقولُ أقل أصحاب المعرفة، وأذَلُّ أرباب المحبَّةِ، عليُّ بنُ سُلطانِ محمد القاري، الهَرُويُّ الحَنَفَيُّ، عاملهما اللهُ بِلُطْفِه الخفي، وكَرَمِه الوفي: إنَّه نُقل عن بعض العارفين من مشايخنا المعروفين: أنَّه قال: المعرفة فوق مرتبة المحبَّة بتسع من الدرجةِ.
وهذه مسألةٌ مُشكِلةٌ، ونُقِلَتْ بعينها عن بعض الحكماء أيضاً مُجمَلَةٌ، من غيرِ أن يتبيَّنَ حِكمَتَها مُفصَّلَةٌ، فَسَنَحَ ببالي، وخطرَ في خَيالي، أنَّ سببها هو أنَّ المعرفة موجب المحبَّةِ، ونتيجةُ المودَّةِ المورثة للعبادة، المُفضية إلى السَّعادةِ، كما أنَّ الشَّجرة أصلُ الثَّمرةِ، ويُشيرُ إلى هذا المعنى قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: (56)]؛ أي: ليعرفونَ، كما فَسَّرَ به حَبْرُ الأُمَّةِ.
وقد وَرَدَ على ما ذَكَرَه بعضُ الصُّوفيَّةِ: كنتُ كَنْزاً مَخْفَيَّاً، فأَحببْتُ أن أعرف، فخَلَقْتُ الخَلقَ لأَنْ أُعرف.
فالمدار كلُّ المدار على المعرفة، ولهذا فُسِّرَ الإيمان بها في بعض الأحاديثِ المَرْوِيَّةِ، واختارها بعض علماءِ الأُمَّةِ.
الجزء 1 · صفحة 7
وممَّا يُستأنس به في مَرامِ هذا المقام: حديث: «الأرواح جنود مجندة؛ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف».
بقي الإشكال في بيانِ خُصوص عددِ التّسع من جهةِ عُلُو الدَّرجةِ، ورفع المرتبة، فأقولُ، وبحَوْلِه أَصُولُ:
إنَّ جميع المخلوقاتِ مُعترِفونَ بالعُبوديّة، ومُعْتَرِفونَ من بحرِ محبَّةِ الرُّبوبيَّةِ، إلَّا طائفةٌ من جَهَلَةِ الدَّهْريَّةِ، وسَفَلَةِ الطَّبيعيّة، حتى أخبر الله سبحانَه عن أهل الجاهلية، بقوله: {وَلَبِن سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: ??]، فأقروا بأنَّه لا خالق سواه، وقالوا في شأن آلهتهم، وبيان عبادتهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:؛ أي: قُرْبةً ووسيلة. ويطول شرح هذه الحكمة.
فنرجع إلى ما كنَّا بصَدَدِه من بيانِ المعرفة والمحبَّةِ:
ونقول: المعرفة على نوعين: ناقصة، وكاملة. فمن عرف الله حق معرفته وعَظَمَه حَقَّ عَظَمَتِه، لا يكونُ في قلبه سوى محبته أو محبَّة ما يَنتَسِبُ إلى جهته، وكمال معرفته إنَّما يكون بحسب مراتب معرفة ذاته سبحانه وتعالى وصفاته. ثم صفاته التي مدار المعرفة عليها ثمانية: حياة، وعلم، وإرادة، وقدرة، وسمع، وبَصَرُ، وكلام، وبقاء. فمن عرف ذات الله بهذه الصفاتِ الثَّمَانِيةِ صحتْ له المحبَّةُ الذَّاتِيَّةُ والصفاتيَّةُ الشاملة.
الجزء 1 · صفحة 8
فتبين لكَ أَنَّ المحبَّةَ وقعَتْ في الدرجة العاشرة الكاملة، وأنَّ ما بين بداية المعرفة ونهاية المحبَّةِ تسعة من الدرجةِ، فالمراد بالفَوقِيَّةِ تحققها قبل وجودها؛ نظير تقدمِ الشُّروط الصَّلاتِيَّة على أركانِ المَاهِيَّةِ، وليس المراد أنَّ المحبَّةَ دون المعرفة في الرتبة؛ فإنَّها بمنزلة الوسيلة لتلك المنزلة العَليَّةِ، ولهذا جعلها السادةُ الصُّوفيَّةُ في أواخرِ منازل السائرين ومراحل الطائرين، ولا يبعُد تقدُّمُها في الرتبة أيضاً؛ لاستلزامها المحبَّةَ في كل مرتبة من مراتب الصفة دون لزوم عكس القضيَّة، مع أنه قيل بتلازمهما؛ كما أنشدوا: ولولا الهوى ما عَرَفْنَاكُمُ ولولاكمُ ما عَرَفْنَا الهَوَى
إِلَّا أَنَّ الأَوَّلَ هو المُعَوَّلُ كما أشار إليه بعضُهم بقوله شعراً:
وهَوَاكَ أَوَّلُ ما عَرَفْتُ من الهَوَى والقلبُ لا يَنْسَى الحَبِيبَ الأَوَّلَا
فإن قلت: رُوي أنَّ ما بينهما ثمانية عشر درجةً، فما وجه هذه الرواية؟ قلتُ: وجهها أوجهُ في مرتبة الدّرَايةِ؛ فإنَّ معرفة صفاته سبحانه تتوقَّفُ على
ما يُستدل به، وما يُستدل عليه من أفعاله.
فأَمَّا الأوَّلُ: فثلاثةٌ، كما بيّنه قوله سبحانه: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةً لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: (78)]؛ فإنَّ الأدلَّةَ إِمَّا سمعيَّةٌ أو بَصَريَّةٌ أو عقليّةٌ.
وأمَّا الثَّاني، وإنْ كانَ أفراده كثير؛ كما قيل:
الجزء 1 · صفحة 9
وفي كُلِّ شَيءٍ له شَاهِدٌ دَليلٌ على أنه واحِدُ لكن أصوله المُجْمَلةَ سبعةُ كما ذكرَه الله عَزَّ وَجَلَّ في قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ أي: خَلْقِ العُلْوِيَّاتِ وخَلْقِ السُّفَلَيَّاتِ، وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ؛ أي: تعاقبهما وتفاوتهما قَدْرَاً وظُلمةً ونُوراً وبَرْداً وحَرَّاً، وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ؛ بحراً وبراً، وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ؛ أَي: مطراً، فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ؛ بإنْبَاتِها بَعْدَ مَوْتِهَا؛ أي: بعد يُبْسِها، {وَبَثَّ؛ أي: فَرَّقَ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ؛ أي: وحشِيَّةٍ وإِنسِيَّةِ وَتَصْرِيفِ الرِّيح؛ أي: تغييرها يميناً وشمالاً، وشرقاً وغرباً، ورُخَاءً وعاصفةً، وباردةً وحارَّةً، وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} من غير عَمَدٍ ترونَها لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: (164)]؛ لدَلالات لقوم يستعملون عقولهم، أو لقوم يُريدون أن يعقلوا الآياتِ ويستدلُّوا بها على الذَّاتِ المنعوت بكمال الصّفاتِ.
والحاصل: أنَّ هذه الآياتِ السَّبع، والآياتِ الثَّلاثَ السَّابقة كلَّها مظاهرُ أفعال الحقِّ كما أشار إليه سبحانَه بقولِه سَنُرِيهِمْ آيَتِنَا فِي الْآفَاقِ، كما في الآية الثانية {وَفِي أَنفُسِهِمْ، كما في الآية الأولى حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: (53)]؛ أي: حتى يظهر لهم طريق معرفة الحقِّ؛ فِعلاً وصفةً وذاتاً؛ لأنَّ الفعل يدلُّ على الصفة، والصّفةُ على الذَّاتِ، فتَتَمُّ المراتب على أحسن الجهات.
كما ورد في الحديثِ الشَّرِيفِ إيماء إلى هذه الدرجاتِ؛ حيثُ قال: «أعوذُ بعفوك من عقابك، وبرضاكَ من سَخَطِك، وبكَ منكَ»، ثم أظهر العجز في معرفة الذَّاتِ وقال: «لا أُحْصي ثناء عليكَ أنتَ كما أَثْنيتَ على نَفْسِكَ».
الجزء 1 · صفحة 10
ثم هذه المحبَّةُ الكاملةُ المُرتَّبَةُ على المعرفةِ الشَّاملةِ ما وُجِدَتْ مجتمعةً إِلَّا الحضرة المصطفويَّة الجامعة للمرتبة المُحِبَّيَّةِ والمَحْبُوبيَّة، وإِنَّما حصل لأتباعه من السابقين واللاحقين بمقدارِ اتِّباعه، كما أخبر الله سبحانه عنه بقوله: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: (31)].
قال صاحبُ التَّعَرُّفِ» في كتابه الذي هو زُبدَةُ التَّصوُّفِ عن بعض الشَّيوخ: المعرفةُ معرفتان: معرفة حقٌّ، ومعرفة حقيقة. فمعرفة الحقِّ: إثبات وحدانيته على ما أبرز من الصفات، ومعرفة الحقيقة: على أن لا سبيل إليها؛ لامتناع الصَّمَديَّةِ وتحقيق الربوبيَّةِ، قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} [البقرة: (255)]؛ لأنَّ الصَّمَدَ هو الذي لا تُدرَكُ حقائقُ نُعُوتِه وصفاته
أقولُ: فمَنْ قالَ: عرفتُ اللهَ حَقَّ معرفتِه، نَظَرَ إلى معرفةِ الصِّفاتِ، ومَن قالَ:
ما عرفناكَ حق معرفتِك (4)، نَظَرَ إلى معرفةِ الذَّاتِ، وإلى هذا المعنى الأ. قوله: «لا أُحْصي ثناء عليكَ، أنتَ كما أثنيت على نَفْسِك».
وأما ما رُوي عن بعض العارفين، وليس بحديث كما صرح به بعضُ المحدثين: مَن عَرَفَ نفسه، فقد عَرَفَ رَبَّه؛ فمعناه: من عرف نفسه بالعَدَمِ، عَرَفَ رَبَّه بالقِدَمِ، ومَن عرف نفسه بالفَناءِ، عرف ربه بالبقاء، ومن عرف نفسه بالعجز، عرفَ رَبَّه بالقُدْرَةِ.
وقال بعضُ أرباب التحقيق وأصحابِ التَّدقيق: إِنَّ هذا تعجيز للخَلْقِ عن دَرْكِ الحقِّ؛ فإنَّ الشَّخصَ إذا كان عاجزاً عن معرفة نفسه وروحه وحقيقة ذاته وصفته، كيف يُتَصَوَّرُ أن يعرف حقيقةَ ذاتِ اللهِ وكُنْهَ أفعاله وصفاته.
وكذا ما ورد في الخبر: أَعرَفُكم بنفسه، أَعرَفُكُم بِرَبِّه.
وفيه تنبيه نَبية على ما ورد من الصِّدِّيقِ الأكبر من قوله: العَجْزُ عن دَرْكِ الإِدْرَاكِ إِدْرَاكُ.
الجزء 1 · صفحة 11
وعن سَيِّدِ البشر: «أنت كما أثنيت على نَفْسِكَ».
وبهذا التقرير، وتقديرِ التَّحريرِ، ارتفعَ التَّناقُضُ بين قول بعضهم: مَن عرف اللهَ كَلَّ لِسانُه. وبين قول آخرين: مَن عرف الله طالَ لِسانُه. فالأول مشير إلى الذَّاتِ والثَّاني معبر عن الصفاتِ، على أنَّه قد يُقالُ: مَن عَرَفَ اللَّهَ بصفاتِ الجمالِ، طالَ لِسانُه في بيانِ الحالِ وبُرهانِ المَقالِ، وحصل له البَسْطُ والصَّحْوُ والبقاء، ومَن عرف الله بصفاتِ الجلالِ، كَلَّ لِسانُه عن كُلِّ مَقالٍ، وتغيَّر في جميعِ حالٍ، وتَحَيَّرَ في مَقامِ القبض والشكر والفناء.
ولعله سبحانه أشار إلى المقامين بقوله مخاطباً لإبليس، ومعاتباً على ما وقع له من التلبيس: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: (73)]، وإِنَّما حُرمَ عن هذا المعنى؛ لأنَّه في تركيب المبنى كان من مظهر الجلالِ الذي يقتضي عدم مبالاته بما يقعُ من أهلِ الضَّلال، وهذا قول بعض أرباب الحال ه من أصحاب الكمال: لا تُنكر الباطل في طَوره؛ فإنَّه بعضُ ظهوراته (6). ولما كان الملائكة من أهل الجمالِ، صَدَرَ منهم. ما كان على وَفْقِ الكمال، وتوضيحه: أَنَّ الشَّياطين مظهر صفاتِ الجلالِ، وكذا أنواع الظُّلُماتِ وأصنافُ الضَّلال، والمكروهات ودارُ البَوارِ والنَّكالِ والأَغلال، وأنَّ الملائكة مظهرُ نُعُوتِ الجمال، وكذا أجناس الأنوار وأنواع الهدايةِ والمُستَحسَناتُ وأصنافُ النَّعيمِ ودار القرار ومجلس الآمال.
وبيانه أنَّ الآدمي - لكونه من أرباب الكمال - مُرَكَّب فيه ما يصلحُ أن يكون مظهراً للجمال والجلال، فإنْ غَلَبَ عليه آثار الجمال، ترقّى من مقامِ الملائكة المقربين حتى صارَ أعلى منهم، وإنْ غَلَبَ عليه آثارُ الجلالِ، تَدَلَّى إلى مقامِ مَرَدَةِ الشَّياطين حتى كان أدنى منهم.
الجزء 1 · صفحة 12
وفي الجملة: نبينا رئيسُ المحبوبين من مظاهرِ الجَمَالِ، وإبليس رئيسُ المحجوبين من مظاهر الجلال، وبَحْتُ هذا يطولُ على الملُولِ، فنرجع ونقول: قد قال بعضُ الكُبَراءِ: المعرفةُ: إحضارُ السِّرِّ بصنوفِ الفكرِ، في مراعاة
مَوَاجِيدِ الأذكار، على حسَبِ تَوَالي أعلامِ كُشوفِ الأَستارِ. قال بعض العارفين: معناه: أنْ يُشاهِدَ السِّرُّ من عَظَمَةِ اللهِ تعالى وتعظيمِ حقه وإجلالِ قَدْرِه ما تعجز عنه العبارة.
وسُئل الجُنَيدُ قُدَّسَ سِرُّه عن المعرفة، فقال: هو تردُّدُ السِّرِّ بين تعظيم الحق عن الإحاطة وإجلالِه عن الدَّرْكِ. فيَالَها حَيرة لا لها حَقٌّ من أحدٍ، ولا لأحدٍ منه حظ، وإذا هو وجود يتردَّدُ في العَدَمِ لا تتهَيَّأُ العبارة عنه؛ لأنَّ المخلوق مسبوق، والمسبوق غير محيط بالسابق.
قيل: معنى هو وجود يتردَّدُ في العَدَمِ: أنَّ صاحبَ الحالِ يقولُ: هو موجودٌ عياناً وشَخصاً، وكأَنَّه معدوم صفةً ونَعْتاً.
وعن الجنيد قال: المعرفةُ هي: شهودُ الخواطر بعواقب المصير، وأن لا يتصرّف العارف بسرف ولا تقصير.
قيل: معناه: لا يشهد حاله، وإنما يشهد سابق علم الحقِّ فيه، وأنَّ ما سبق له منه، ويكون مصروفاً في الخدمة والتقصير.
وقال بعضُهم: المعرفة إذا وردَتْ على السِّرِّ، ضاقَ السِّرُّ عن حَمْله؛
كالشَّمس يمنعُ شُعاعُها عن إدراك نهايتها وجوهرها. قال ابنُ الفَرْغَانيّ: مَن عَرَفَ الرَّسمَ تَجَبَّرَ، ومَن عرفَ الوَسْمَ تَحَيَّرَ، ومَن عرف السَّبْقَ تَعَطَّلَ، ومَن عرف الحقِّ تمكَّنَ، وَمَن عرفَ التَّولِّيَ تَمَسْكَنَ.
الجزء 1 · صفحة 13
قيل: معناه: من شاهد نفسه قائماً بوظائف الحقِّ أُعجب، ومن شاهد ما سَبَقَ له من الله تحيَّرَ؛ لأنَّه لا يدري ما عَلِمَ الحق سبحانه فيه، وماذا جرى له القلم، ومن عرف أنَّ ما سبق له من القسمة لا يتقدَّمُ ولا يتأخَّرُ تعطل عن الطَّلبِ، ومن عرف الله سبحانه بالقُدْرَةِ عليه والكفاية له تمكَّنَ فلا يضْطَرَبُ عند المَخُوفاتِ ولا عند الحاجاتِ، ومَن عرف أنَّ اللهَ متَوَلِّيَ أمره تَذَلَّلَ له في أحكامه وأقضيته.
قال بعضُ الكبار: إذا عَرَّفَه الحقُّ إيَّاه، أوقف المُعرَّفَ حيث لا يشهد محبَّة، ولا خوفاً ولا رجاءً، ولا فقراً ولا غنى؛ لأنها دون الغايات، والحق وراء النهايات.
قيل: معناه لا يشهد هذه الأحوال؛ لأنَّها أوصافه، وأوصافه أقصر من أن تَبْلُغَ ما يستحقه الحق من ذلك.
وأنشدوا لبعض الكُبَراء شعراً:
مجموع السلامة الملا على القاري
رَاعَيْتَني بالحفاظ حتّى حُمِيتُ
فأنت عند الخامِ عُذْرِي
إذا امْتَطَى العارفُ المُعَلَّى
مَرْتَعِ وَبِيٌّ
ظَمَائِي فَأَنتَ
وخَاضَ في أَبْحُرٍ غِزَارٍ تفيضُ بالخَاطِرِ الوَصِـ فُؤَادُ الشَّجِيِّ الوَليّ
فاخِتَامَ الغُيُوبِ حتى
مَن حَارَ في دَهْشَةِ التَّلاقِي أَبْصَرْتَهُ مَيْتاً كَحَيٌّ يعني: مَن حَيَّرتْهُ دَهْشَةُ ما يبدو له من شاهد تعظيم الله وإجلاله، أبصَرْتَه حَيّاً كَمَيِّتِ؛ يعني: عن رؤيةٍ تأمَنُه، ولا يجد له متقدماً ولا متأخراً، والحمدُ للهِ أَوَّلاً وآخراً.
وهذا شَمَّةٌ من روائحِ فَوائح المعرفة، وإِنْ أَرَدْتَ أنْ تذوقَ طَعَمَ حَبَّةٍ من شجرة المحبَّةِ، أو تشرب قطرة من بحر المودة.
فقالَ الجُنَيدُ رحمه الله: المحبَّةُ مَيْلُ القلبِ.
ومعناه: أن تميلَ حَبَّةٌ قلبه إلى محبَّةِ ربه.
وقيل: معناه: أن يميل قلبه إلى الله، وإلى ما الله، من غير تكلُّفٍ في مبناه، وأن
يُعرض عما سواه من حيث إنَّه سواه.
وقال غيره: المحبَّةُ: هي الموافقة.
الجزء 1 · صفحة 14
ومعناه: الطَّاعةُ له فيما أمر، والانتهاء عمّا زَجَرَ، والرّضا بما حَكَمَ وقَدَّرَ. ومجمله: قوله سبحانه: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: ??].
واللهِ دَرُّ القائل: تَعْصِي الإله وأنتَ تُظْهرُ حُبَّهُ هذا لَعَمْرُكَ في الصَّنيعِ بَدِيعُ لو كانَ حُبُّكَ صَادِقاً لَأَطْعْتَه إِنَّ المُحِبَّ لمَن يُحِبُّ مُطِيعُ وقال محمدُ بنُ عليّ الكَتَّانيُّ: المحبَّةُ: هي الإيثار للمحبوب.
ومعناه: أنَّك تختارُ رضا الله على ما تُحبُّه وتهواه. وقال بعضُهم: المحبَّةُ لَذَّةُ في المخلوق، واستهلاك في الخالق. والاستهلاك: أنْ لا يبقَى لك حَقٌّ، ولا يكونَ لمحبَّتِكَ عِلَّةٌ، ولا تكون قائماً بعِلَّةٍ. وقال سهل التُسْتَريُّ: مَن أحبَّ الله، فهو العيش، ومَن أحب غير الله، فلا عيش له.
قيل: معنى فهو العَيشُ: أنْ يطيب عيشه؛ لأنَّ المحبَّ يتلذَّذُ بكل ما يرد عليه من المحبوب؛ من مكروه أو مطلوب.
ومعنى: لا عيش له؛ لأنَّه يطلبُ الوصول إليه، ويخافُ الانقطاع دونَه، فيذهب عيشه.
أقولُ وهذا المعنى مُقتبس من قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً} [النحل: (97)]، ومن قوله سبحانه: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: (46)]؛ جنَّةٌ في الدُّنيا: وهي مقامُ المُراقبة، وجنَّةٌ في العقبى وهي مقام المشاهدة.
وفي الحديثِ: «اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِيشَةً نَقِيَّةً، ومِيتَةً سَوِيَّةٌ».
وقال بعضُهم: المحبَّةُ على وجهين: محبَّةُ الإقرار: وهو للخاص والعام. ومحبَّةُ الوَجْدِ: من طريق الإصابة، فلا يكون فيه رؤيةُ النَّفْسِ والخَلْقِ، ولا رؤية الأسباب والأحوالِ؛ بل يكونُ مُستغرقاً في رؤيةِ اللهِ المَلِكِ المُتَعَالِ.
وأنشد بعضُ أرباب الأقوال:
الجزء 1 · صفحة 15
أُحبك حبينِ: حُبَّ الهَوى وحُبّاً لأَنَّكَ أهل لذاكَا فأما الذي هو حُبُّ الهوى فشغلي بذِكْرِكَ عَمَّا سواكَا وأما الذي أنتَ أهل له فلستُ أَرَى الكونَ حَتَّى أَرَاكَا فمَا الحَمْدُ في ذا ولا ذَاكَ لي ولكن لكَ الحَمْدُ في ذَا وَذَاكَا
***
وإن أردْتَ استيفاء المعرفة، واستقصاء المحبَّةِ، فعليك بـ «إحياء عُلُومِ الدِّينِ» وبكتاب منازل السائرين»، لتحصل لك مراتب اليقين، وتدخل في زُمْرَةِ العارفينَ وروضة المحبّينَ، وسلامٌ على المرسلين، والحمدُ للهِ رَبِّ العالمينَ، وصلَّى اللهُ على سَيِّدِنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدِّينِ.