الجزء 1 · صفحة 5
المورد الرَّوى في المولد النبوي
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد الله الأزَليَّ الأبدِيَّ على ما أضاءَ النُّورَ الأحمَدِيَّ، وأَشْرَقَ الضّياءَ المُحمَّدِيَّ، المنعوت بالمحمودِ في عالمِ الوُجودِ، وأفاءَ على العَرَبِ والعَجَمِ بأنواعِ النّعَمِ وأصنافِ الجُودِ، وأهداه إلى النَّاسِ كَافَّةً إرسالَ هِدايةٍ وهَدِيَّةٍ ورَحمَةٍ ورَأفَةٍ وهو الرَّحيمُ الوَدُود، بإبراز هذا المولودِ في أحسَنِ المَورُود، وهو شهر ربيع الأوَّل، على ما عليه المُعوَّلُ، صلَّى الله وسلَّمَ عليه وشَرَّفَ وكَرَّمَ، وأحسَنَ إليه، وقربه واصطفاه لديه. ولقد أحسَنَ المَقالَ مَن قال من بعض أرباب الحالِ: لهذا الشهر في الإسلامِ فَضْل ومَنقبة تفوق على الشهور فمولود به واسم ومعنى وآياتٌ بَهَنَ لدَى الظُّهورِ ربع في ربيع في ربع ونور فوق نور فوق نور وقد قال تعالى في القُرآنِ العظيم، والفُرقانِ الحكيمِ: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: ???]، وأظهر هذا الإخبار، المُتضَمِّنُ لحُصولِ الأنوار، مُصَدَّراً بالقَسَمِ المُقدَّرِ، ومُؤَكَّداً بحرفِ التَّحقيق، إشارةً إلى أنَّ مجيئه إليهم من علاماتِ العناية، وأماراتِ التَّوفيق، والخِطاب عام شامِلٌ للمؤمنين والكافرين، لكنَّه هُدًى للمُتَّقين، وحُجَّةٌ على الآخرين، كماء النِّيلِ: ماء للمحبوبين، ودماء للمحجوبين.
الجزء 1 · صفحة 7
وإيماءً إلى أَنَّ مَجِينَه موعود إليكم، ومقصود لديكم، بمُقتَضَى قوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِنَايَتِنَا أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: ?? - ??]، وفي الإتيان بـ «إنْ» الشَّرطيّةِ المُؤَكَّدَةِ بـ «ما» المزيدة في إتيانِ الرَّسولِ ومجيئه المقبول؛ دَلالة كاملة وعلامة شاملة إلى أنَّ بعثَ الرَّسولِ ليس بواجب عليه سُبحانَه إِلَّا بِمُوجِبِ وَعَدِه وفَضلِه وكرمه على عباده.
وفيه إشعار بأنَّه لولا إرسالنا إياه بالمجيء إليكم لَمَا تَنَزَّلَ عن مرتبته، ولا نزل باختياره عليكم، فإنَّه من المُقربين إلينا، ومن المُعظَّمين لدينا، وهو لا يحب الغيبة عن حضرة الحقِّ بالإقبال والتوجه إلى الخلقِ. أمَا تَرَى إلى إياز الخاص، حيثُ كان من عبيد الخوَّاصِ، كلَّما عَرَضَ عليه سيده وسلطانه من المناصب الجليلة لم يقبله، وأقبل على إقبال الحضرَةِ العليَّةِ، لكنه ترَكَ ما يُريدُ لِمَا يَختارُه تعالى ويُريدُ، كما هو شأنُ المُرادِ والمُريد، وقد قالَ قائلهم: أُرِيدُ وِصالَهُ ويُريدُ هَجْري فأترك ما أُريدُ لِما يُريدُ فهذه مرتبةُ أهلِ الكَمالِ من أرباب الأحوال، الجامعين بين تجلياتِ الجَمالِ والجَلالِ، الفانين عما سواه في الإدبار والإقبال، ولذا لما قيل لأبي يزيدَ: ما تُريدُ؟ قالَ: أُريد أن لا أُريد.
وقد قال بعضُ أربابِ التَّوفيق من أصحابِ التَّحقيق والتدقيق: هذه أيضاً إرادة عندَ الصُّوفيّة السَّادة؛ إذ إرادةُ عَدَمِ الإرادة من باب الزيادة، تلميحاً إلى مَقامِ الفَناءِ عن السِّوَى، وحالة التسليمِ والرِّضا في فَضاءِ القَضا.
الجزء 1 · صفحة 8
ثم التنوينُ في رَسُولُ للتَّعظيمِ المُحتَوي للتكريم، فكأَنَّه تعالى قال: لقد جاءَكُم أَيُّها الكرام رسول كريم من رب كريم بكتاب كريم، فيه دعاء إلى روح وريحان وجنَّةِ نعيم، وزيادة بشارة إلى لقاء كريم، وإنذار عن الحميم والجحيم، كما قالَ عَزَّ وَجَلَّ: {نَيْ عِبَادِى أَنّ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49 - 50].
ومن عظَمَةِ هذا الرَّسولِ أَنَّه أخذ الميثاق من الأنبياء الكرام، والرُّسل العِظامِ، أَنَّ كلَّ مَن أدرك وقتَ مجيئه بالرسالة، على جهةِ العَظَمَةِ والجَلالة، آمَنَ به ونَصَرَه وأظهر كماله، كما أشار إليه المُفسِّرونَ في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِشَقَ النَّبِيِّنَ لَمَا ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقُ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ} [آل عمران: ??].
وقد هُدِيَ عليه السَّلامُ إلى هذا المَقامِ العالي بقوله: «لو كانَ مُوسى حيَّاً لَما وَسِعَه إلا أتباعي»، وأوما إلى ذلك، بل إلى أنَّه فوق ما هنالك في المرتبة بقوله: «آدَمُ ومَن دونَه تحت لوائي يومَ القيامة.
ثمَّ كأَنه سُبحانَه يقولُ: اعلموا أنه ما جاءَكُم إلى جانبكم إلا باعتبار القالب الصُّورِيٌّ على وَجهِ الظُّهورِ النُّورِيِّ، ولكنَّه باعتبارِ القَلبِ الحُضورِيٌّ واقِفٌ عند بابنا، حاضِرُ في جَنابِنا، لا يغيب من البَينِ لمحة عين، فهو مجمَعُ البَحْرَين؛ لأنَّه غَرِيبٌ
الجزء 1 · صفحة 9
عندكم وقريب إلينا، وبائِنٌ عنكم وكائن علينا، وفَرشِيٌّ معكم وعَرْشِيٌّ لدينا. ومع هذا مرجعه إلى الحضرة، وإن طالتِ الغيبة، كما هو شأنُ الرَّسولِ بالنسبة إلى المُرسل بعدَ حُصولِ المَقصِدِ المُوصِلِ، ففيه مَزْجُ الهنا بالعَزاء، على ما عليه جميع نعيم الدُّنيا بظهور البقاء وتعقيب الفناء، ومن الغريب أنهما وقعا في موسم واحد وربيع مُتَّحِدٍ على السواء، كما وقع من عجائب التاريخ أَنَّ عُرسَ مَيمونَةَ رضي الله عنها كانت بسَرِفَ حيثُ بَنَى بها وهَنَّاها، ووَقَعَ فِيه مَوتُها ودَفْنُها وعَزَاها.
فسبحان الحي الذي لا يموتُ ولا يفوتُ، ولا يزول ولا يحول، والحمد لله الذي أحيانا بالإسلام، وجَعَلَنا من أُمَّةِ محمَّدٍ عليه السَّلام، الذي هو مُتَمَنَّى الأنبياء الكرام، فمَجيتُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من تَمامِ النعمة وغاية الإكرام، فوَجَبَ الإقبال والاستقبال في زمان الإرسال ومَكانِ الإيصال.
وقد جَمَعَ اللهُ تعالى مِن محضِ الإفضالِ بينَ حُصولِ النِّعَمتَينِ العَظيمتَينِ لأهل البقعتينِ الكَريمتين، أعني الحرمين الشريفين، والمَحَلَّينِ المُنيفين، زادَهُما الله تشريفاً وتكريماً، ومهابةً وتعظيماً، حيثُ وَقَعَ المَولدُ المُكرَّمُ بمَكَّةَ الأمينة، والمدفنُ المُعظَّمُ في المدينة السكينة، على ساكنها منَ الصَّلواتِ أفضَلُها، ومنَ التَّحِيَّاتِ أَكمَلُها. وقد قام أهل كلِّ بما هو أهل له، وفعَلَ كلُّ من الجميل بما هو مُيَسَّرٌ وسَهْل له،
الجزء 1 · صفحة 10
من زيارةِ المَولدِ والمَولود، وحَصَلَ لهم غايةُ الفَوزِ ونهايةُ المَقصود. قال شيخ مشايخنا الإمامُ العلامةُ الحَبْرُ البَحْرُ الفَهَّامةُ شمسُ الدِّينِ محمَّدٌ السَّخاوِي، بلغه اللهُ المَقامَ العالي وكنتُ ممَّن تَشَرَّفَ بإدراكِ المَولِد في مكَّةَ المُشرفة عدّة سنين، وتعرَّفَ ما اشتَمَلَ عليه من البركةِ المُشارِ لبَعضِها بالتَّعيين، وتكررت زيارتي فيه لمَحَلَّ المَولدِ المُستفيض، وتصوَّرت فكرتي ما هنالك من الفَخْرِ الطَّويل العريض.
قالَ: وأصلُ عَمَلِ المَولدِ الشَّرِيفِ لم يُنقَل عن أحدٍ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي القُرونِ الثَّلاثةِ الفاضِلَةِ، وإنَّما حَدَثَ بعدها بالمَقاصِد الحسنة والنية التي للإخلاص شاملة. ثمَّ لا زال أهل الإسلام في سائر الأقطارِ والمُدنِ العِظام، يحتفلون في شهر مولده و شرف وكرَّمَ - بَعَمَلِ الوَلائم البديعة، والمَطاعِمِ المُشتمِلَةِ الأمور البهيجة الرفيعة، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصَّدَقات، ويُظهرون
على المسرات، ويزيدون في المبرات.
الجزء 1 · صفحة 11
بل يَعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهَرُ عليهم من بركاته كل فضل عميم، بحيثُ كانَ ممَّا جُرِّبَ - كما قال الإمامُ الشَّمسُ ابنُ الجَزَرِيِّ المَقدِسِيُّ المُقرَّب - مِن خواصه أَنَّه أمانٌ تام في ذلك العام، وبُشرى تُعجِّلُ بنَيلِ ما ينبغي ويُرام، قال: وأكثرهم بذلك عناية أهلُ مِصرَ والشَّام، ولسُلطانِ مِصرَ في تلك الليلة من العامِ أَعظَمُ مَقام. قال: ولقد حضَرْتُ في سنة خمس وثمانين وسبع مئة ليلةَ المَولدِ عندَ الملكِ الظَّاهِرِ بَرْقُوقَ رحِمَهُ اللهُ بقَلعَةِ الجَبَلِ العليَّةِ، فرأيتُ ما هالني وسرني وما ساءني، وحزَرْتُ ما أُنْفِقَ في تلك الليلة على القُرَّاءِ والحاضرين، من الوُعَاظِ والمُنشِدِين، وغيرهم من الأتباع والغلمانِ والخُدَّامِ المُترَدّدين، بنحو عشرة آلافِ مِثقال من الذَّهَبِ العين، بالحَدْسِ المُصيبِ لا المين، ما بينَ خِلَعِ ومَطعوم، ومَشروبٍ ومَشموم، وشموع، وغَيْرِها مما يستقيم به الضُّلوع.
وعَدَدْتُ في ذلك خمساً وعشرينَ جَوْقَةٌ من القُرَّاءِ الصَّيِّتين، المَرجُوِّ كونَهم منبتين، ولم يَنزِل واحد منهم إلا بنحو عشرينَ خِلعَةً من السُّلطانِ، ومن الأمراء الأعيان. قالَ السَّخاوِيُّ: قُلتُ: ولم يزَلْ مُلوكُ مِصْرَ خُدَّامُ الحَرَمَينِ الشَّرِيفَين، ممَّن وفقهم اللهُ لهَدْمِ كثير من المناكير والسين، ونظرُوا في أمر الرعية كالوالد لوَلَدِه، وشَهَرُوا أَنفُسَهم بالعَدْلِ فأسعَفَهُم اللهُ بجُنده ومدَدِه، كالملك السعيد الشَّهِيدِ الظَّاهِرِ المُصدِّقِ أبي سعيدٍ جَقْمَقَ = يعتنون به، ويتوجهون لطَريقِ سببه، بحيث ارتقتْ جُوَقُ القُرَّاء في أَيَّامِه بيقين للزيادة على الثلاثين، فذكَرُوا بِكُلِّ جميل، وكفوا من المُهمات كل عريض وطويل.
الجزء 1 · صفحة 12
وأمَّا مُلوكُ الأندلس والغَرْبِ فلهم فيه ليلةٌ تسير بها الركبان، يجتمع فيها أئمةُ العلماء الأعلامِ فمَن يليهم من كلّ مكان، وتعلوها بينَ أهلِ الكُفْرِ كلمة الإيمان.
وأظنُّ أهلَ الرُّومِ لا يتخَلَّفون عن ذلك، اقتفاء لغيرهم من المُلوكِ فيما هنالك، وبلاد الهند تزيد على غَيْرِها بكثير، كما أعلمنيه بعضُ أولي النَّقدِ والتَّحرير.
قُلتُ: وأمَّا العَجَمُ، فمن حيثُ دَخَلَ هذا الشَّهْرُ المُعظَمُ، والزَّمانُ المُكرَّم، لأهلِها مَجالِسُ فِخَامٌ من أنواع الطَّعام للقُرَّاء الكرام، وللفقراء من الخاص والعام، وقراءات الختمات والتلاواتِ المُتواليات، والإنشادات المُتعاليات، وأنواع السرور وأصنافُ الحُبور، حتّى بعضُ العجائز من غَزّلهنَّ ونَسجِهِنَّ يَجْمَعْنَ مَا يَقْمَنُ بجَمْعِهِنَّ الأكابر والأعيان، وبضيافَتِهِنَّ ما يقدِرْنَ عليه في ذلك الزَّمانِ.
و من تعظيمِ مَشايخهم وعُلمائهم هذا المَولِدَ المُعظَّمَ والمَجْلِسَ المُكرَّمَ: أَنَّه لا يأباه أَحَدٌ في حضوره، رَجَاءَ إِدراكِ نُورِه وسُرورِه.
الجزء 1 · صفحة 13
وقد وَقَعَ لشيخ مشايخنا مولانا زَينِ الدِّينِ محمود البهدايني النَّقشبندِي، قُدَّسَ سِرُّه العَليّ: أَنَّه أَرادَ سلطانُ الزَّمانِ وخاقانُ الدورانِ همايون بادشاه، تغمده الله وأحسَنَ مَثواه، أن يجتمع به، ويحصل له المَدَدُ والمدد بسببه، فأباه الشَّيخُ، وامتَنَعَ أيضاً أن يأتيه السلطان، استغناء بفَضْلِ الرَّحمن، فألح السُّلطانُ على وَزِيرِه بيرم خان، بأنَّه لا بُدَّ من تدبير للاجتماع في المكان، ولو في قليل من الزمان، فسَمِعَ الوزير أنَّ الشَّيخَ لا يحضُرُ في دَعوةٍ مِن هَناء وعَزاء إلا في مَولدِ النَّبيِّ عليه السَّلامُ، تعظيماً لذلك المقام، فأنهى إلى السلطانِ، فأمره بتهيئة أسبابه المُلو كانيَّة؛ من أنواع الأطعمة والأشربة ومما يُشَمُّ به ويبَخّرُ في المجالس العَلِيَّةِ، ونادى الأكابر والأهالي، وحضَرَ الشَّيخُ مع بعض الموالي، فأخَذَ السُّلطانُ الإبريق بيد الأدبِ ومُعاونةِ التَّوفيق، والوزير أخَذَ الطَّسْتَ من تحتِ أمرِه، رجاءَ لُطفِه ونظَرِه، وغَسَلا يدَ الشَّيخِ المُكرَّم، وحَصَلَ لهما ببركة تواضعهما الله ولرسوله صلى الله عليه وسلم المَقامُ المُعظَّم، والجاه المُفخَّم.
قال السَّخاوِيُّ: وأمَّا أهلُ مكَّةَ مَعدِنِ الخير والبركة، فيتوجهون إلى المَكانِ المُتواتر بينَ النَّاسِ أَنَّه محلُّ مَولِده، وهو في سوق اللَّيلِ رجاءَ بلوغ كلِّ منهم بذلك لمقصده، ويزيد اهتمامهم به على يوم العيد، حتَّى قل أن يتخَلَّفَ عنه أحد من صالح وطالح، ومقل وسعيد، سيما الشريف صاحِبُ الحِجاز، بدونِ تَوَارٍ وانحِجاز.
الجزء 1 · صفحة 14
قُلتُ: الآنَ سِيمَاءُ الشَّرِيفِ لا تَبَانُ في ذلك المكان، ولا في ذلك الزمان. قال: وجَدَّدَ قاضيها وعالمها البرهانِيُّ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى إطعام غالب الواردين، وكثير من القاطنينَ المُشاهِدينَ فاخِرَ الأطعمة والحلوى، ويَمُدُّ للجُمهور في منزله صبيحتها سماطاً جامعاً رجاءً لكشف البلوى، وتبعه ولده الجمالي في ذلك للقاطن والسالك.
قُلتُ: أما الآن، فما بقي من تلك الأطعمة إلا الدُّخان، ولا يَظْهَرُ ممَّا ذَكَرَ إلا ريحُ الرَّيحان، فالحالُ كما قال:
أما الخِيامُ فإنَّها كخيامهم لكن نساء الحي غير نسائها قال: ولأهلِ المَدينةِ كثَّرَهُم الله تعالى به احتفال، وعلى فعله إِقبال.
وكان للملكِ المُطَفِّرِ صاحِبِ إِرْبِلَ رحمه الله بذلك فيها أتمُّ العناية، واهتمام بشأنه جاوَزَ الغاية، أثنى عليه به العلامة أبو شامة، أحد شيوخ النُّووِيِّ السَّابِقِ في مجموع امام الملا على القاري الاستقامة، في كتابه: «الباعِثُ على إنكار البدع والحوادِثِ»، وقال: مثل هذا الحَسَنِ يُندَبُ إليه، ويُشكَرُ فاعِلُه ويُثنى عليه.
زادَ ابنُ الجزَرِيّ: ولو لم يكُنْ في ذلك إلَّا إرغامُ الشَّيْطَانِ وسُرورُ أَهلِ الإِيمَانِ. قال ـ يعني الجزَرِيَّ-: وإذا كانَ أهلُ الصَّليبِ اتَّخذُوا ليلةَ مولدِ نبيهم عيداً أكبر، فأهل الإسلامِ أَوْلَى بالتكريم وأجدر.
قُلتُ: ممَّا يَرِدُ عليه أنا مأمورونَ بمُخالفة أهل الكتاب، ولَمْ يَظْهَرْ من الشَّيخِ لهذا السُّؤالِ جَواب.
الجزء 1 · صفحة 15
قال السَّخاوِيُّ على سبيل الإضراب: بل خَرَّجَ [شيخُنا] شيخُ مَشايخ الإسلام، خاتمة الأئمة الأعلام، أبو الفَضْلِ ابنُ حَجَر، الأستاذ المُعتبَر، تَعْمَّدَه الله برحمته، وأسكنه فسيحَ جَنَّتِه فِعْلَه على أصل ثابت إمام، يميل إلى الاستناد إليه كل حَبرٍ هُمَامٍ، وهو ما ثبت في «الصَّحيحَينِ»: من أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدِمَ المدينةَ فَوَجَدَ اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم، فقالوا: هو يوم أغرَقَ اللهُ سُبحانَهُ فِيه فِرعَونَ، وَنَجَّى مُوسَى عليه السَّلامُ، فنحنُ نصومُه شُكراً للهِ عَزَّ وجَلَّ، فقالَ: «فَأَنا أَحَقُّ بِمُوسَى - عليه السَّلامُ مِنْكُم»، فصامه وأمر بصيامه، وقالَ: «إِنْ عِشتُ إلى قابل» الحديثَ.
قُلتُ: وافَقَهم أَوَّلاً للأُلْفَةِ، ثمَّ خَالَفَهم آخِراً تحقيقاً لصُورَةِ المُخالفَةِ. قال - أي: الشَّيخُ: فيُستَفادُ منه فِعلُ الشَّكرِ اللهِ تعالى على ما مَنَّ به في يومٍ مُعيَّنٍ؛ من إسداء نعمةٍ أو دَفعِ نقمَةٍ، ويُعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله تعالى يحصل بأنواعِ العِبادة كالصَّلاةِ والصِّيامِ والتلاوة، وأي نعمة أعظَمُ من نعمة بروز هذا النَّبي نبي الرحمة؟!
قُلتُ: وفي قوله تعالى {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوك} [التوبة: ???] إشعار
بذلك، وإيماء إلى تعظيمِ وَقتِ مَجِيئه لِمَا هُنالِك.
قال: وعلى هذا فينبغي أن يُقتَصَرَ فيه على ما يُفهِمُ الشُّكَرَ اللَّهِ تعالى مِن نحوِ ما ذُكِرَ، وأمَّا ما يتبَعُه منَ السَّماعِ واللَّهوِ وغيرهما فينبغي أن يُقال: ما كانَ من ذلك مباحاً بحَيثُ يُعينُ السُّرور بذلك اليوم فلا بأس بإلحاقه، وما كانَ حَراماً أو مَكَرُوها فَيُمْنَعُ، وكذا ما كان فيه خلافٌ، بل يَحسُنُ في أَيَّامِ الشَّهرِ كلّها ولياليه، يعني: كما جاء عن ابنِ جماعة تمنيه.
الجزء 1 · صفحة 16
فقد اتَّصَلَ بنا: أَنَّ الزَّاهِدَ القُدوَةَ المُعمَّرَ أبا اسحاق إبراهيم بن عبدِ الرَّحمنِ بنِ إبراهيم ابن جماعة لمَّا كانَ بالمدينةِ النَّبويَّةِ - على ساكنها أفضَلُ الصَّلاةِ وأَكمَلُ التَّحِيَّةِ - كانَ يعملُ طَعاماً في المَولدِ النَّبوي، ويُطعِمُ النَّاسَ ويقولُ: لو تمكَّنتُ عَمِلتُ يطول الشهر كل يوم مولداً. قُلتُ: وأنا لما عجَزْتُ عن الضّيافةِ الصُّورِيَّة، كتبتُ هذه الأوراق لتصير ضيافةً
أي: ابن حجر، ففي الأجوبة المرضية»: «قال شيخنا». الكناني الحموي الأصل، المقدسي الشافعي ابن أخي القاضي بدر الدين بن جماعة، ولد سنة ست أو ثمان وسبعين وست مائة، وقد جاور بالمساجد الثلاثة المشرفة زماناً، وقدم القاهرة وحدث بها، كان زاهد وقته، وقال الولي العراقي كان عابداً زاهداً ذا حظ من الخير. ومات ببيت المقدس سنة
معنويَّةً نُورِيَّة، مُستمِرَّةً على صفحاتِ الدَّهر، غير مختصّة بالسَّنةِ والشَّهر، وسميته بـ: «المَورِدِ الرَّوِيِّ في المَولِدِ النَّبوِيِّ».
قال: وأما قراءةُ المَولدِ فينبغي أن يُقتَصَرَ منه على ما أورَدَه أَئِمَّةِ الحديثِ في تصانيفهم المُختصة بذلك، كـ «المَورِدِ الهني»، وغيرِ المُختصة به بل ذُكِرَ ضِمْناً كـ «دَلائلِ النُّبوَّةِ للبَيْهَقِيُّ، ولا بأسَ بـ «لطائِفِ المَعارِفِ» لابنِ رَجَبٍ في ذلك؛ لأنَّ أكثر ما بأيدي الوعاظ منه كَذِب واختلاق، بل لم يزالوا يولدون ما هو أقبَحُ وأسمعُ ممَّا لا تحِلُّ روايته ولا سَماعُه، بل يجب على مَن عَلِمَ بطلانهإنكاره، والأمرُ بتَركِ قِراءته.
على أنَّه لا ضرورة إلى سياق ذكرِ المَولد، بل يُكتفى بالتلاوة والإطعامِ والصَّدَقةِ وإنشادِ شيء من المَدائِحِ النَّبوِيَّةِ والزُّهدِيَّةِ المُحرِّكةِ للقُلوبِ إلى فعل الخيرِ وعَمَلِ الآخرةِ، والصَّلاةِ والسَّلامِ على صاحبِ المَولدِ.
الجزء 1 · صفحة 17
واعلَمْ أَنَّ في قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوك؛ أَي: رجلٌ مَوصوفٌ بوَصفِ النُّبُوَّةِ والرِّسالةِ، ومَنعوتُ بنَعتِ العَظَمَةِ والجَلالةِ، إِمَّا إشارةً إلى مآلِهِ حِينَ
بلوغ زمانِ كماله وظُهورِ أوانِ جَمالِه، أو إيماءً إلى ما وَرَدَ من قوله: «كنتُ نبيَّاً وآدم بينَ الماءِ والطَّينِ»، وهو وإن قال بعضُ الحُفَّاظِ: لم نقف عليه بهذا اللَّفظِ، لكنْ جاءَ معناه في طُرُقِ صحيحةٍ.
منها: ما رواه أحمد والبَيْهَقِيُّ والحاكِمُ وقال: صحيح الإسنادِ، عن العِرْباضِ
ابنِ سارية عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنِّي مَكتوب عندَ اللَّهِ خَاتَمَ النَّبِيينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنجَدِلٌ
في طيئَتِه؛ أي: لَطَريحٌ مَلْقَيٌّ على الأرضِ قبل نفخ الرُّوحِ فيه.
ومنها: ما رواه أحمد والبخارِيّ في «تاريخه»، وأبو نُعَيم في «الحِليةِ»، وصححه الحاكِمُ، عن مَيسَرَةَ الضَّبِّي، قالَ: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ! مَتَى كُنتَ نَبِيَّا؟ فقالَ: «وَآدَمُ بينَ الرُّوحِ والجَسَدِ»، ويُروَى: «كُتِبْتَ» من الكتابة.
ومنها: خبرُ التّرْمِذِي - وحسَّنَه ـ عن أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّهم قالوا: يا رسول الله! متى وَجَبَتْ لك النُّبُوَّةُ؟ قال: «وآدم بينَ الرُّوحِ والجَسَدِ». ووَرَدَ: «أنا أوَّلُ الأنبياءِ خَلْقاً وَآخِرُهم بَعثاً» ه.
وفي صحيح مُسلم من حديثِ عَمرو بن العاص: أَنَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ مقادير الخلقِ قبل أن يَخلُقَ السَّماواتِ والأرضَ بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على
الماء. ومن جُملَةِ ما كتَبَ في الذَّكرِ وهو أمُّ الكتاب: أنَّ محمَّداً خاتَمُ النَّبيين ?. والمُرادُ ظُهورُ نُبُوَّتِه للملائكةِ المُقرَّبين، وعُلُو رُوحِه في أعلى مقام علين، إعلاماً بعظيم شرفه وتميزه على سائر الأنبياء والمرسلين، ثمَّ حَصَّصَ
الجزء 1 · صفحة 18
الإظهار بحالة كون آدم صلى الله عليه وسلم بينَ الرُّوح والجسد؛ لأنَّه أوانُ دُخول الأرواحِ إلى عالم الأجساد، وتميُّز الذُّرِّيةِ والأولاد من الآباء والأجداد.
وأجاب الإمام حُجَّةُ الإسلام في كتاب النفخ والتّسوية» عن وصفه نفسه بالنبوة قبل وُجودِ ذاته وتحقق كمالاتِ صِفاتِه، بأنَّ المُرادَ بالخلقِ هنا التَّقديرُ لا الإيجاد، فإِنَّه قبل أن تحمل به أمه لم يكُنْ مَخلوقاً موجوداً، ولكنَّ الغايات والكمالات سابقة في التَّقديرِ لاحِقَةٌ في الوُجودِ.
قال: وهو معنى قولهم: أَوَّلُ الفكرَةِ آخِرُ العَمَلِ، وَآخِرُ العَمَلِ أَوَّلُ الفكرة، فقوله: «كنتُ نبيَّا»؛ أي: في التَّقديرِ قبلَ تَمامِ خِلقةِ آدَمَ؛ إذ لم ينشَأُ إِلا ليُنتَزَعَ من ذُرِّيته محمد صلى الله عليه وسلم
وتحقيقه أنَّ ِللدَّارِ في ذِهْنِ المُهندِسِ وُجوداً ذِهْنَيَّاً سَبَباً للوُجودِ الخارِجي وسابقاً عليه، فالله تعالى يُقَدِّرُ ثمَّ يُوجِدُ على وَفْقِ التَّقديرِ ثانياً. انتهى مُلَخَّصاً. وذهب الشبكي إلى ما هو أحسَنُ، وللمقصودِ أبْيَنُ، وهو أَنَّه جاءَ أَنَّ الأرواحَ خُلِقَت قبل الأجسادِ، فالإشارة بـ كنتُ نبيَّاً» إلى رُوحِه الشريفة، أو حقيقة من حقائقه، ولا يعلمها إلا اللهُ، وَمَن حَبَاه بالاطلاع عليها.
ثمَّ إنَّه تعالى يُؤتي كل حقيقةٍ منها ما شاءَ في أي وقت شاء، فحقيقته قد تكون من حين خلقِ آدم آتاها الله ذلك الوَصْفَ بأَنْ خَلَقَهَا مُتَهَيِّةً له، وأفاضَ عليها من ذلك الوقت، فصار نبيَّاً، وكتب اسمه على العرش ليعلم ملائكته وغيرهم كرامته الزَّائِدَةَ عنده.
فحقيقته موجودة من ذلك الوقت، وإنْ تأَخَّرَ جَسَدُه الشَّرِيفُ المُتَّصِفُ بها، فحينئذ إيتاؤُه النُّبوَّةَ والحكمة وسائر أوصافِ حقيقته وكمالاتِه مُعَجَّل لا تأخر فيه، وإنَّما المُتأخّرُ تكونُه وتنقله في الأصلاب والأرحام الطاهرة، إلى أن ظَهَرَ على الوجه الأتم.
الجزء 1 · صفحة 19
قالَ: ومَن فسَّر ذلك بعلم الله بأنَّه سيصير نبيَّاً لم يصل لهذا المعنى؛ لأنَّ علمه تعالى محيط بجميع الأشياء، فالوَصفُ بالنُّبوَّة في ذلك الوقتِ ينبغي أن يُفهَمَ منه أَنَّه أمر ثابت له فيه، وإلا لم يختص بأنَّه نبي [حينئذ]؛ إذ الأنبياء كلهم كذلك بالنسبةِ لعِلمِه سُبحانَه.
قال القَسْطَلَانِيُّ: لمَّا تعلَّقتْ إرادة الحقِّ تعالى بإيجادِ خلقه وتقديرِ رِزْقِهِ، أَبْرَزَ الحقيقةَ المُحمَّديّة من الأنوارِ الصَّمَدِيّةِ في الحضرةِ الأَحَدِيَّةِ، ثمَّ سَلَخَ منها العوالم كلَّها - عُلُوّها وسُفلَها - على صورة حكمه، كما سبَقَ في سابق إرادته وعلمه، ثمَّ أعلمه تعالى بنُبُوَّتِه وبشَّرَه برسالته. هذا، ولم يكُنْ آدَمُ إلا كما قالَ: «بينَ الرُّوح والجسَدِ»، ثمَّ انبَجَسَت منه صلى الله عليه وسلم عيونُ الأرواح، فظهر بالملأ الأعلى وهو بالمنظَرِ الأَجلى، فكان لهم المَورِدَ الأَحْلَى، فهو الجنس العالي على جميع الأجناس، والأب الأكبر لجميعِ المَوجوداتِ والنَّاسِ. ولما انتهى الزَّمانِ بالاسم الباطن في حقه صلى الله عليه وسلم إلى وُجودِ جسمه وارتباطِ الرُّوحِ به، انتقل حُكمُ الزَّمانِ إلى اسمه الظاهرِ، فَظَهَرَ محَمَّدٌ، [فهوا وإِنْ تأخَّرَتْ طينتُه فقد عُرِفَتْ قيمته، فهو خزانةُ السِّر، وموضعُ نُفوذِ الأمر، فلا ينفُذُ أمر إلا منه، ولا يُنقَل خيرٌ إلا عنه
الجزء 1 · صفحة 20
ألا بأبي مَن كانَ مَلِكاً وسيّداً وآدم بين الماء والطين واقف فذاكَ الرَّسُولُ الأَبطَحِيُّ محمَّدٌ له في العُلا مجدٌ تَليد وطارِفُ أتى بزَمانِ السَّعِدِ في آخرِ المَدَى وكانَ له في كل عصر مَواقِفُ إذا رامَ أمراً لا يكونُ خِلافُه وليس لذاك الأمر في الكونِ صارِفُ قال: وروينا في جُزءٍ من «أمالي أبي سَهْلِ القَطَّانِ»، عن سهل بن صالح الهمداني، قال: سألت أبا جَعْفَرٍ محمَّد بن علي: كيف صارَ محمد صلى الله عليه وسلم يتقدم الأنبياء وهو آخِرُ مَن بُعِثَ؟ قالَ: إِنَّ الله تعالى لما أخذ من بني آدَمَ من ظهورهم ذرِّيَّتهم وأشهدَهُم على أنفُسِهم ألستُ رَبَّكُم؟ كَانَ محمد صلى الله عليه وسلم أَوَّلَ مَن قال: بلي
وأخرج ابن سعد عن الشعبي: [قال رجل للنبي]: متى استنبثْتَ يا رسول الله؟ قالَ: «وَآدَمُ بينَ الرُّوحِ والجسد، حينَ أُخِذَ مني الميثاق. وهو يدلُّ على أَنَّ آدَمَ لَمَّا صُوِّرَ طيناً، استُخرِجَ منه محمد صلى الله عليه وسلم ونُبِّي، وأُخِذَ منه الميثاق، ثمَّ أُعيد إلى ظهره ليَخرُجَ أوانَ وُجودِه، فهو أَوَّلُهم خَلَقاً، وخَلْقُ آدَمَ السَّابِقُ كانَ مَواتاً لا رُوحَ فيه. وهو صلى الله عليه وسلم كان حيا حينَ استُخرِجَ ونُبِّى وأُخِذَ منه ميثاقه، فهو أَوَّلُ النَّبيينَ خَلْقاً وآخِرُهم بَعثاً، ولا يُنافي هذا أنَّ استخراج ذُرِّيَّةِ آدمَ إِنَّمَا كَانَ بعد نفحَ الرُّوحِ فيه؛ لأَنَّه خص من بين بني آدم بذلك الاستخراج الأوَّلِ.
الجزء 1 · صفحة 21
وفي تفسير العماد ابن كثير، عن علي وابنِ عباس رضي الله عنهم في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِيِّينَ} الآية [آل عمران: ??]: إِنَّ اللهَ لم يبعَثْ نبيَّاً إلا أَخَذَ العهد عليه في محمد صلى الله عليه وسلم لَئِنْ بُعِثَ وهو حَيٌّ لِيُؤْمِنَنَّ بِه ولَيَنصُرَنَّهُ، ويأخُذُ العهد بذلك على قومه. وأخَذَ السبكي من الآية: أنه على تقدير مجيئه في زَمانِه مُرسَلٌ إليهم، فتكون نُبوته ورسالته عامة لجميع الخلق من آدم إلى يوم القيامة، وتكون الأنبياء وأُمَمُهم من أمته، يعني: في الجملة، فقوله: «وبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةٌ» يَتَناوَلُ مَن قَبْلَ زَمانِه أيضاً، وبه يتبَيَّنُ معنَى: كنتُ نبيَّاً وآدم بينَ الرُّوحِ والجَسَدِ»، وحكمة كونِ الأنبياء في الآخرة تحت لوائه، وصلاته بهم ليلة الإسراء. قُلتُ: ويُؤيَّدُه ما ذكرَ الإمامُ فخرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ في قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَالْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * يَسْمَلُ المَلائكَةَ وغيرهم.
قال: ورَوَى عبدُ الرَّزَّاقِ بسَنَدِه عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قُلتُ: يا رسول الله! بأبي أنتَ وأُمِّي، أخبرني عن أَوَّلِ شيءٍ خلقه الله تعالى قبل الأشياء، قال: «يا جابر! إِنَّ اللهَ خَلَقَ قبل الأشياءِ نور نبيك من نُورِه، فَجَعَلَ ذلك النُّورَ يدورُ بالقُدْرَةِ حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم، ولا جنَّةٌ ولا نار، ولا مَلَكٌ ولا سَماء ولا أرضُ، ولا شمس ولا قَمَرٌ، ولا جِنِّي ولا
الجزء 1 · صفحة 22
إنسِيُّ، فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النُّورَ أربعة أجزاء، فخَلَقَ من الجزء الأَوَّلِ القَلَمَ، ومن الثَّاني اللوح، ومن الثَّالِثِ العَرشَ، ثُمَّ قسَمَ الجزء الرَّابِعَ أربعة أجزاء، فخَلَقَ من الأوَّلِ حَمَلَةَ العَرشِ، ومن الثَّانِي الكُرسِيَّ، ومن الثَّالِثِ بقيَّةَ الملائكة، ثم قسَمَ الرَّابِعَ أربعة أجزاء، فخَلَقَ من الأوَّلِ السَّماواتِ، ومن الثَّاني الأرضِينَ، ومن الثَّالث الجنَّةَ والنَّارَ، ثمَّ َقسَمَ الرَّابِعَ أربعة أجزاء، فَخَلَقَ من الأوَّلِ نور أبصارِ المُؤمنين، ومن الثَّاني نورَ قُلوبهم، وهي المَعرِفةُ اللهِ، ومن الثَّالث نورَ السِنَتِهم، وهو التَّوحيد، لا إلهَ إلا الله، محمَّدٌ رسولُ اللهِ»، الحديث. قُلتُ: ويُشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ؟
أي: نور محمد كيشكوة فِيهَا مِصْبَاحُ} الآية [النور: 35].
واختَلَفُوا في أوَّلِ المَخلوقاتِ بعدَ النُّورِ المُحمَّديّ، فقيل: العرشُ، لِمَا صَحَّ من قوله: قدَّرَ اللهُ مَقادير الخلق قبل أن يخلُقَ السَّماواتِ والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء»، فهذا صريح في أنَّ التَّقدير وَقَعَ بعدَ خَلْقِ العَرْشِ، والتَّقديرُ وَقَعَ عندَ أَوَّلِ خَلْقِ القَلَمِ؛ لحديثِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامتِ مرفوعاً: «أَوَّلُ ما خَلَقَ اللهُ القَلَمَ، وقال له: اكتُبْ، قَالَ: رَبِّ وما أكتُبُ؟ قالَ: اكتُبْ مَقادير كلِّ شيءٍ». رواه أحمد والترمذي وصححه.
لكِنْ صَحَ في حديث مرفوع من حديث أبي رزين العقيلي، رواه أحمد والترمذي: أنَّ الماءَ خُلِقَ قبلَ العَرْشِ، وفي قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ
عَلَى الْمَاءِ إشارة إليه ودَلالة عليه.
الجزء 1 · صفحة 23
ورَوَى السُّدِّيُّ بأسانيد مُتعَدِّدةٍ: إِنَّ الله لم يخلُق شيئاً ممَّا خَلَقَ قبل الماء. فعُلِمَ أَنَّ أَوَّلَ الأشياء على الإطلاقِ النُّورُ المُحمَّدِيُّ، ثمَّ الماء، ثمَّ العرشُ، ثمَّ القَلَمُ، فذكرُ الأَوَّليَّةِ في غيرِ نُورِهِ صلى الله عليه وسلم إضافيَّةٌ.
ووَرَدَ: لمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ جَعَلَ ذلك النُّورَ في ظَهرِه، فكانَ يَطْمَعُ في جَبينِه، ثم رفعه الله تعالى على سرير مملكته، وحمله على أكتافِ ملائِكَتِه، وأمرَهُم فطافُوا به في السَّماواتِ لَيَرَى عَجائِبَ مَلَكُوتِه
قالَ جَعْفَرُ بنُ محمَّدٍ: مَكَثَتِ الرُّوحُ في رأسِ آدَمَ مئة عام، وفي صَدرِه مئة عامٍ، وفي ساقيه وقَدَميه مئة عام، ثمَّ علَّمه الله تعالى أسماءَ المخلوقاتِ، ثمَّ أَمرَ جميع الملائكة بالسجودِ له سجود تعظيم وتحيَّة لا سُجودَ عبادة، كسُجودِ إخوة يوسف له، فالمسجود له بالحقيقة هو الله تعالى، وآدَمُ كالقِبلة 3.
وعن ابن عباس: كانَ يومَ الجُمُعةِ من وقتِ الزَّوالِ إِلى العصرِ، ثُمَّ خَلَقَ اللهُ تعالى له حوَّاءَ زَوجَتَه من ضلع من أضلاعه اليُسرى وهو نائم، وسُمِّيت حَوَّاءَ لأَنَّهَا خُلِقَت من حي، فلما استيقظ ورآها سَكَنَ إليها، ومد يده لها، فقالت الملائكةُ: مَنْ يَا آدَمُ، قَالَ: ولِمَ وقد خلَقَها الله لي؟ فقالُوا: حتَّى تُؤَدِّيَ مَهرَها، قال: وما مَهْرُها؟ قالُوا: تُصلِّي على
محمد ثلاثَ مَرَّاتٍ. وذكر ابن الجوزي في كتابِ سَلْوَة الأحزانِ»: أَنَّه لما رامَ القُربَ منها طَلَبَتِ المَهْرَ منه، فقال: يا رَبِّ! وماذا أُعطيها؟ قال: يا آدَمُ صَلِّ على حبيبي محمد بنِ عبدِ اللهِ عشرينَ، فَفَعَلَ.
الجزء 1 · صفحة 24
قُلتُ: ولعلَّ الثَّلاثَ كانَ مَهْراً مُعَجَّلاً، والعِشْرِينَ صَداقاً مُؤَجَّلاً. وعن عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لما اقترف آدَمُ الخطيئة قال: يا رَبِّ أسألُكَ بحَقِّ محمَّدِ لَمَّا غَفَرْتَ لي، فقالَ اللهُ تعالى: يا آدَمُ! وكيف عَرَفتَ محمَّداً ولم أخلُقه؟ قال: لأَنَّكَ يا ربِّ لمَّا خَلَقْتَني بيدِكَ، ونفخت في من رُوحِك، رفعتُ رأسي فرأيتُ على قوائم العرش: لا إلهَ إلا الله محمَّدٌ رسولُ اللهِ، فَعَلِمْتُ أَنَّكَ لم تُضِف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله تعالى: صَدَقتَ يا آدَمُ، إنَّه لأَحَبُّ الخلق إليَّ، وإذا سألتني بحقه فقد غَفَرتُ لك، ولولا محمَّدٌ ما خلَقتُكَ». رَواهُ البَيْهَقِيُّ في «دَلائِلِه» من حديثِ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال: تفرد به عبدُ الرَّحمنِ، ورواه الحاكِمُ
وصححه، وذكرَه الطَّبَرَانِيُّ وزادَ فيه: «وهو آخِرُ الأنبياء من ذُرِّيَّتِك».
وفي حديثِ سلمان عندَ ابنِ عَساكِرَ قالَ: هَبَطَ جبريل على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: إِنَّ رَبَّكَ يقولُ: إِنْ كنتُ اتَّخذتُ إبراهيم خليلاً، فقد اتَّخذتُك حبيباً، وما خَلَقتُ خَلْقاً أكرَمَ عليَّ منكَ، ولقد خلقتُ الدُّنيا وأهلها لأُعَرِّفَهم كرامَتَكَ ومَنزِلَتَك عندي، ولولاك ما خَلَقتُ الدُّنيا.
والله در العارفِ الوَلي سيدي عليّ الوَفَوِيُّ:
الجزء 1 · صفحة 25
سَكَنَ الفُؤادُ عِشْ هَنيئاً يا جَسَدْ هذا النَّعيم هو المُقيم إلى الأبد رُوحُ الوُجودِ خيال من هو واحِدٌ لولاه ما تَمَّ الوُجُودُ لِمَن وَجَدْ عيسى وآدَمُ والصُّدور جميعهم هم أعيُنُ هو نُورُها لَمَّا وَرَدْ لو أبصرَ الشَّيطانُ طَلْعَةَ نُورِهِ في وَجْهِ آدَمَ كَانَ أَوَّلَ مَن سَجَدْ أو لو رأى النُّمرُودُ نُورَ جَمالِه عبد الجليل معَ الخَلِيلِ ولا عَنَد لكنَّ جَمالَ اللهِ جَلَّ فلا يُرَى إلا بتخصيص منَ اللهِ الصَّمَدُ وإِنَّما خَلَقَ الله تعالى حَوَّاءَ لتَسكُنَ إلى آدمَ ويسكُنَ إليها، فحين صارَ لدَيها فاضَتْ برَكاتُه عليها، فولدت له في تلك الأعوام الحُسنَى أربعينَ ولداً في عِشرينَ بطناً، ووضَعَتْ شيئاً وَحْدَه كرامةً لمن أَطْلَعَ اللهُ بالنُّبُوَّةِ سَعدَه، ولمَّا تُوفَّيَ آدَمُ عليه السَّلامُ كانَ شيثٌ عليه السَّلامِ وَصِيَّاً على ولده، ثمَّ أوصى شيت ولده بوصيَّةِ آدمَ أَن لا يَضَعَ هذا النُّورَ إِلا فِي المُطَهَّرَاتِ مِن النِّسَاءِ.
ولم تزل هذه الوصيَّةُ جاريةً تُنقَلُ من قَرْنٍ إِلى قَرْنٍ إِلى أَن أَدَّى اللَّهُ النُّورَ إلى عبدِ المُطَّلبِ ووَلَدِه عبدِ اللهِ، وطَهَّرَ اللهُ تعالى هذا النَّسَبَ الشَّريف من سفاح الجاهلية، كما وَرَدَ عنه في الأحاديث المرضيَّة. قالَ ابنُ عَبَّاسٍ فيما رَواهُ البَيْهَقِيُّ في «سُنَنِه»: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ما وَلَدَني من سفاح الجاهلية شيء، ما وَلَدَني إلا نكاحُ الإسلام».
قالَ القَسْطَلَانيُّ: والسِّفاحُ بكسرِ السِّينِ المُهملة: الزِّني، والمُراد به هاهنا: أَنَّ
المرأةَ تُسافِحُ الرَّجُلَ مُدَّةً، ثمَّ يَتَزَوَّجُها بعد ذلك.
أبيه قال: كتبتُ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم [خمس] مئةِ أُمَّ، فما وجدتُ فيهِنَّ سِفاحاً، ولا شيئاً ممَّا كانَ
عليه من أمر الجاهلية.
الجزء 1 · صفحة 26
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «خَرَجْتُ مِن نِكَاحِ،: ولم أخرج من سفاح، من لَدُنْ آدَمَ إلى أن وَلَدني أبي وأُمِّي، لم يُصِبْني من سِفاحِ أَهْلِ الجاهلية شيء». رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ في «الأوسَطِ»، وأبو نُعَيم، وابنُ عساكِرَ.
ورَوَى أبو نُعَيمٍ، عن ابنِ عباس مرفوعاً: «لم يلتقِ أبوايَ قطُّ على سفاح، لم يَزَلِ الله ينقلني من الأصلابِ الطَّيِّبة إلى الأرحامِ الطَّاهِرَةِ مُصَفِّى مُهَذَّباً، لَا تَتَشَعَبُ شُعَبَتانِ إلا كنتُ في خير هماه. وعنه في قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: ???]؛ قال: من نبي إلى
نبِيِّ حَتَّى أَخرَجْتُكَ نبيَّاً. رَواهُ البَزَّارُ، وَرَواهُ أبو نُعَيمِ نحوه.
وفيه تنبيه على أنَّه عليه السَّلامُ انتقل من أصلابِ الأنبياء الكرام، وليس معناه أنَّ آبَاءَه كلَّهم من الأنبياء؛ فإنَّه خِلافُ ما عليه إجماعُ العُلماء، ولا أنَّ آبَاءَه جميعه
من أهل الإسلام؛ فإنَّ فيهم من أجمعَ على كُفْرِه الفُقَهَاءُ الأعلام، كعبدِ المُطَّلِبِ وأبي إبراهيم عليه السَّلامِ، وأبوَيْهِ كما بيَّنْتُ في هذا المَقامِ، ممَّا أَلفتُ في تحقيق هذه المَسألة رسالةً مُستقِلَّةً، وأتيتُ بالأدِلَّةِ القاطِعَةِ القامِعَةِ، في ردُّ ما أَلَّفَه السُّيوطِيُّ من الرَّسائلِ الثَّلاثَةِ في هذه المادَّةِ اللَّامِعَةِ.
الجزء 1 · صفحة 27
ثم قوله تعالى: مَنْ أَنفُسِكُمْ؛ أي: من جِنْسِكُم، وهو بشَرٌ مثلكم، لكنَّه رسول منَّا مُبلّغ عنا، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَى أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدُ [الكهف: 140]، والحِكمَةُ فيه: أنَّ الجنسيَّةَ علَّةُ الانضمام، وبها يحصل الالتئام وكَمالُ النظام، وأيضاً يسهل الاقتداء به على وَجهِ التّمام؛ إذ لو أُرسِلَ مَلَكٌ لقيل له: القُوَّةُ المَلَكيَّة، ونحنُ عاجزون عن متابعته لضَعْفِ البَشرِيَّة، بخِلافِ ما إذا كانَ الرَّسُولُ بشَراً، فإنَّه يُقتدى به قولاً وفعلاً وحالاً وأثراً، فإنَّه صلى الله عليه وسلم واسِطَةٌ بينَ المُرْسِلِ والمُرْسَلِ إليه، بأخذ الفيض من الحق وإيصاله إلى الخلق.
ولم يَفهَمْ هذا المعنى، وغَفَلَ عن هذا المبنى جمع من الكُفَّار، حيثُ قالُوا بِطَرِيقِ الإنكار: أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا} [الإسراء: 94] وهذا يدلُّ على سَخافة عُقولهم، حيثُ رَضُوا أن يكونَ الإِلهُ حَجَراً، واستبعدوا أن يكونَ الرَّسُولُ بشَراً.
عظيمة.
والحاصِلُ: أَنَّ مَجِيءَ الرَّسولِ نِعمةٌ جَسيمَةٌ، وَكَونَه من جنسِ البَشَرِ مِنحَةٌ وقال بعضُهم: قوله: مِنْ أَنفُسِكُمْ؛ أي: جنس العَرَبِ، وهو لا ينافي ما
في هامش «ف»: «مما يجب أن يُقال في هذا المَقامِ جَزَى الله السُّيوطيَّ ومَن حَذَا حَذْوَه من الأَئِمَّةِ الحنفية والشَّافعيّةِ خيراً، وسامَحَ اللهُ هذا المُؤلَّفَ بما زَلَّ به قدَمُه، ويُرجَى لكثرة عِلمه أن لا يكونَ لعلها: حقيقاً] في آخر أمره». قلت: يشير إلى رسالته: أدلة معتقد أبي حنيفة في والدي النبي الله، فانظرها في موضعها وما تم التقديم لها في هذا المجموع
الجزء 1 · صفحة 28
سبَقَ، ويُؤَيِّدُه قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4]، وقد صح عن ابنِ عباس بأسانيدَ مُتعَدِّدةٍ أَنَّه قال: ليسَ من العَرَبِ قبيلةٌ إلا وقد وَلَدَتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، مُضَرِيُّها وربيعِيُّها ويَمانيُّها 1.
ويُؤيده قوله تعالى: {قُل لَّا أَسْتَكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23]. ورَوَى الإمام أحمد عن ابنِ عباس أنه قال: لم يكن بطن من قريش إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابةٌ، فنزلت: {قُل لَّا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى؛ أَي:
أن تَصِلُوا ما بيني وبينكم وقُرِئَ: مِنْ أَنْفُسِكُمْ بفتح الفاء؛ أي: من أعظَمِكُم قَدْراً، نقله الحاكِمُ
عن ابن عباس.
وأخرج ابنُ مَرْدَوَيهِ، عن أنس قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: القد جاءكم رسول مِنْ أَنْفَسِكُمْ، فقال علي بن أبي طالب: يا رسولَ اللهِ! ما معنَى أَنْفَسِكُمْ؟ فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أنا أنفَسُكُم نَسَباً وصِهْراً وحَسَباً، ليس في ولا في آبائي من لدن آدَمَ سِفاحٌ، كلُّنا نكاح.
وأخرجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائلِ عن أنس قالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: «أنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ بنِ هِشَامِ بنِ عبدِ مَنافِ بنِ قُصَيِّ بنِ كِلابِ ابنِ مُرَّةَ بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بنِ النَّضْرِ بنِ كِنانة بنِ خُزَيْمَةَ بنِ مُدرِكَةَ بن إلياس بن مضر بن نزار، وما افترقَ النَّاسُ فِرقتين إلا جعَلَني الله في خيرهما، فأُخرِجُتُ من بين أبوي فلم يُصِبْني شيء من عهدِ الجاهلية، وخرجتُ من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدُنْ آدَمَ حَتَّى انْتَهَيتُ إلى أبي وأُمِّي، فأنا خيركم نَفْساً، وخيركم أبـ.
الجزء 1 · صفحة 29
وأخرج أحمد، والترمذي وحسَّنَه، عن العبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ حينَ خَلَقَ الخلقَ جَعَلَني في خير خلقه، ثمَّ حِينَ فَرَّقَهم جَعَلَني في خير الفريقين، ثمَّ حينَ خَلَقَ القَبائِلَ جعَلَني من خيرهم قبيلة، وحينَ خَلَقَ الأَنْفُسَ جعلني من خير أنفُسِهم، ثمَّ حينَ خَلَقَ البُيوتَ جَعَلَني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم بيتاً، وخيرهم نفساً» 2.
أي: خيرهم أصلاً ونسَباً، وخيرهم ذاتاً وحَسَباً. وأخرج الحكيمُ التَّرْمِذِيُّ والطَّبَرَانِيُّ وأبو نُعَيمِ والبَيْهَقِيُّ وابنُ مَردَوَيهِ، عن ابنِ عمر قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ خَلَقَ الخلق فاختار من الخلقِ بني آدم، واختار من بني آدَمَ العَرَبَ، واختار من العَرَبِ مُضَرَ، واختار من مُضَرَ قُريشاً، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا من خيار إلى خيار. وأخرج ابن سعد عن قتادة قالَ: ذُكِرَ لنا أنَّ نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذا أَرادَ اللَّهُ أَن
يبعث نبيَّاً نظرَ إلى خير أهل الأرضِ قبيلةً، فيبعَثُ من خيرها رجُلاً.
ويُروى عن زين العابدين عليّ بنِ الحُسَينِ عن جده علي بن أبي طالب رضي الله عنه رفعه: «كنتُ نُورَاً بينَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ قبل أن يخلُقَ آدَمَ بأربعةَ عشر ألف عام، فلمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ جَعَلَ ذلك النُّورَ في صُلبه، فلم يزَلْ ينقله من صُلب إلى صُلْبِ حتّى استقر في صلب عبد المطلب.
وكذا عند القاضي عِياضُ في الشَّفا» بلا سَنَدِ عن ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ قُرَيشاً
الجزء 1 · صفحة 30
كانت نُوراً بين يدي الله تعالى قبل أن يخلُقَ آدَمَ بِأَلفَي عَامِ، يُسبِّحُ ذلك النُّورُ، وتُسبِّحُ الملائكةُ بتسبيحِه، فلمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ أَلقَى ذلك النُّورَ في صُلبه، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «فَأَهْبَطَني اللهُ إلى الأرضِ في صُلْبِ آدمَ، وجعَلَني في صُلْبِ نُوحٍ، وقَذَفَ بي في صلب إبراهيم، ثمَّ لم يزَلِ اللهُ يُقَلِّبُني في الأصلابِ الكريمةِ الطَّاهرة حتّى أخرجني بين أبوي لم يلتقيا على سفاح قط.
ولبعضهم:
حَفِظَ الإله كرامةً لمُحَمَّدٍ آباءه الأمجادَ صَوْناً لاسمه
ترَكُوا السِّفاحَ فلم يُصِبْهم عائِبٌ من آدم وإلى أبيه وأُمه وفي البخاري عن أبي هُرَيرَةَ عنه: «بُعِثْتُ من خيرِ قُرونِ بني آدَمَ قرْنا فَقَرْنا، حتّى كنتُ من القَرْنِ الذي كنتُ فيه».
قال السَّخاوِيُّ: فالرَّسول هو صلى الله عليه وسلم سيّد الأولين والآخرين، والملائكةِ المُقرَّبين،
لم أقف عليه.
وسَنَدُ الخلائق أجمعين، وحبيب رب العالمين، المَخصوصُ بالشَّفاعةِ العُظمى يومَ الدين، مولانا أبو القاسم وأبو إبراهيم، محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، واسمه
شَيبَةُ الحَمْدِ.
قيل: وإِنَّما قيل له: عبد المطلبِ؛ لأنَّ أباه ها شما قالَ لأخيه المُطَّلِبِ وهو بمكَّةَ
حينَ حَضَرته الوَفاةُ: أَدرِكْ عَبدَكَ بِيَثِرِبَ.
وقيل: إنَّ عمه المُطَّلِبَ جاءَ به إلى مكَّةَ رَديفه، وهو بهيئةٍ بَنَّةٍ، فكانَ يُسألُ عنه فيقول: هو عبدي؛ حَياءً أن يقول ابنُ أخي، فلما أدخله وأحسَنَ من حاله أظهَرَ أَنَّه ابن أخيه.
وهو أَوَّلُ مَن خَضَبَ بالسَّوادِ من العَرَبِ، وعاش مئة وأربعين سنةً.
ابن هاشم؛ واسمُه: عَمْرُو، وإِنَّما قيل له: هاشم؛ لأنَّه كانَ يهشِمُ الشَّرِيدَ لقَومِه حينَ الجَدْبِ.
ابنِ عبدِ مَنافِ بنِ قُصَيَّ، تصغير قَصِيَّ؛ أي: بعيد، لأَنَّه بعد عن عَشيرَتِه في بلادِ قضاعَةَ حينَ احْتَمَلَت أمه فاطمه.
الجزء 1 · صفحة 31
ابن كلاب، وهو إما منقول من المصدر الذي في معنى المُكالَبة، نحو: كالبتُ العَدُوَّ مُكالَبة؛ أي: مُشارَّةً ومُضايقَةً، وإمَّا من الكِلابِ جمعُ كلب؛ لأنَّهم يريدون الكثرة كما تَسَمَّوا بسباع
وسُئِلَ أعرابي: لِمَ تُسَمُّون أبناءَكم بشرّ الأسماء نحو كلب وذئب وعبيدكم بأحسَنِ الأسماء نحوَ مَرزُوقٍ ورَباحِ؟ فقال: إِنَّما نُسمّي أبناءنا لأعدائنا، وعبيدنا لأنفُسِنا، يُريدون أنَّ الأبناءَ عُدَّة للأعداء وسهام في نُحورِهم، فاختارُوا لهم هذه الأسماء.
ابنِ مُرَّةَ، بضم الميم وتشديدِ الرَّاءِ.
ابنِ كَعْبٍ، وهو أوَّلُ مَن سمَّى يومَ الجُمُعةِ: يومَ العُروبة، وكانَ يَخطُبُ فيه، وتجتَمِعُ قُرَيس لسَماعِه، وأوَّلُ مَن قالَ: أَمَّا بَعدُ، ورُبَّما أَنذَرَ فِي خُطبَتِهِ بِخُروجِ النَّبِيِّ، ويُعلِمُهم بأنَّه من وَلَدِه، ويأمرُهُم بِاتِّباعه، ويقولُ:
ياليتني شاهِدٌ فَحْواءَ دَعَوَتِه حين العشيرة تنفي الحقِّ خُذلانا ابنِ لُؤَيِّ، تصغيرُ اللَّذْي.
ابن غالب بن فهر، بكسر الفاء، واسمه: قُرَيس، أو لقبه، وفهر اسمه، وإليه ينتهي نسب قريش، فمن لم يكن من وليه فليس بقرشي، بل كناني، وهذا هو الأصح، وعليه تُسابُ قُريش.
ابن مالك بن النضرِ، وقيل: إنَّه لقبه لنضارَةِ وَجهِه، واسمُه: قيس، وعند كثيرين أنه جماع قريش.
ابنِ كِنانَةَ، بكسر الكافِ أبو قبيلَةٍ.
ابن خُزَيمَةَ، تصغير خَزْمَةِ، بالحَاءِ وَالزَّاءِ المُعجَمَتَينِ.
ابن مُدرِكَةَ، على صيغة الفاعل.
ابن إلياس، بكسر الهمزة قطعاً في قولِ ابنِ الأنباري، وقيل: بفتحها وَصْلاً، وهو قول قاسم بن ثابت، ضِدُّ الرَّجاءِ، باسمِ النَّبِيِّ المَشهور، واللَّامُ فيه للتّعريف، وقال السُّهَيلي: وهذا أصح، ويُذكَرُ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ فِي صُلبه تلبية النَّبي بالحج.
ويُذكَرُ أَنَّه صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسُبُّوا إلياس فإنَّه كانَ مُؤمِناً»، ذكر ذلك السُّهَيلي
في رَوضَتِه».
الجزء 1 · صفحة 32
وحَكَى الزُّبَيرُ: أَنَّه كانَ يُنكِرُ على بني إسماعيل ما غيروا من سَنَنِ آبائهم، وكان يقوم فيهم ويَعِظُهم، حتَّى جمَعَهم على رأيه، ورَضُوا به رِضى لم يرضوا من أحد بعدَ أُدَدٍ، وهو أوَّلُ مَن أهدى البُدْنَ إلى البيتِ، ولم تَبَرَحِ العَرَبُ تُعظَّمُه تعظيم أهل الحكمة.
ويُروى عن ابنِ عَبَّاسِ: لا تَسبُّوا مُضَرَ ورَبيعة - يعني: أخاهـ فإنَّهما كانا مُسلِمَينِ على مِلَّةِ إبراهيم.
بل يُروى عن ابنِ عباس معَهما أيضاً خُزَيمَةُ الماضي، ومَعَدُّ وعدنانُ وأَدَدُ وقيس وتميم وأسَدٌ وضَبَّةُ، وأَنَّهم ماتوا على مِلَّةِ إبراهيم، فلا تذكُرُوهم إلا بما يُذكَرُ به المسلمون.
ابن نزار بكسر النون وتخفيف الزَّاي، مأخوذ من النزر وهو القليلُ؛ لأنه كان فريد عصره، وقيل: لأنَّه لَمَّا وُلِدَ ونظَرَ أبوه نور محمد صلى الله عليه وسلم بينَ عَيْنَيْهِ فِرِحَ فَرَحاً شديداً، وأطعَمَ طَعاماً كثيراً وقالَ: إنَّ هذا كلَّه نَزْرٌ؛ أي: قليلٌ لحق هذا المولودِ.
ابن معد، بفتح الميم والعَينِ المُهملة وتشديد الدَّالِ، ويُروَى: أَنَّ بُخْتَ نَصَّرَ لمَّا غَزا بلادَ العَرَبِ أَو حَى الله إلى أَرْمِيَا نبي بني إسرائيل إذ ذاك: أن ائتِ معداً فأخرجه عن بلاده واحمله إلى الشَّامِ، وتولَّ أمره، فإنَّه يخرُجُ من ولده محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، ففعَلَ به ذلك.
ويُروَى: أنَّ أولادَه لما بلغوا عشرين أو أربعينَ أَغارُوا على عَسكرِ مُوسى، فانتَهَبُوه فدعا موسى عليهم، فأوحى الله تعالى إليه: لا تَدْعُ عليهم، وفي لفظ: أنه دعا فلم يُجَبْ حتَّى فعَلُوا ذلك ثلاثاً، فقالَ: يا ربِّ دَعَوتُكَ على قومٍ أَغارُوا علينا فلم فيهم، فقال: يا موسى! دَعوتَني على قومٍ فيهم خِيرَتي في آخرِ الزَّمانِ.
تُجِبْني فيهم، ابن عدنان، بفتح العين.
الجزء 1 · صفحة 33
وإلى هنا من النَّسَبِ الشَّرِيفِ لا خلاف فيه، وإِنَّما الخِلافُ فيمن فوق عدنان، على أقوال كثيرة متباينة جداً، ولذا يُروَى: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا بَلَغَ فِي النَّسب إلى عَدنانَ أَمْسَكَ وقال: «كذَبَ النَّسَّابونَ، قال تعالى: {وَقُرُونَا بَيْنَ ذَلِكَ كثيرا} [الفرقان: ??]»، قال ابن عباس: ولو شاء [رسولُ اللهِ أَن يَعْلَمَه لَعَلِمَه. وقالَ ابنُ دِحيَةَ: أجمَعَ العُلماء - والإجماعُ حُجَّةٌ - على أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا انتَسَبَ إلى عدنان ولم يتَجاوَزْه.
وفي مُسنَدِ الفِردَوس»، عن ابن عباس: أَنه صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذا انتَسَبَ لم يُجاوِزُ مَعْدَ
ابنَ عَدنانَ، ثمَّ يُمسِكُ ويقولُ: «كَذَبَ النَّسَّابون».
وقالَ السُّهَيليُّ: الأَصَحُ في هذا الحديثِ أَنَّه من قولِ ابنِ مسعود.
وقال غيره: كان ابن مسعودٍ إذا قرأ قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ من قبلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ} [إبراهيم: 9] قال: كذَبَ النَّسابون؛ يعني: أنَّهم يدعونَ عِلْمَ الْأَنسابِ، ونفَى اللَّهُ عِلْمَها عن العبادِ في الكتاب.
ورُوِيَ عن عُمَرَ أنَّه قال: أنا أنتسِبُ إلى عدنان، وما فوق ذلك لا ندري ما هو.
وعن ابن عباس: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يُعرفون.
وقالَ عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ: ما وَجَدْنا أَحَداً يعرِفُ بعدَ مَعْدِ بنِ عَدنانَه. وسُئِلَ مالك عن الرَّجُلِ يرفَعُ نسبه إلى آدمَ، فكَرِهَ ذلك وقالَ: مَن أخبره بذلك؟ وكذا رُوِيَ عنه في رفع نسب الأنبياء.
وعن ابن شهاب: أنَّ أوَّلَ ما ذُكِرَ من فضائل عبدِ المُطَّلِبِ: أَنَّ قُريشاً خَرَجَتْ من الحَرَمِ لمَّا قَدِمَ عليهم أصحاب الفيل، وقال هو: والله لا أخرُجُ
الجزء 1 · صفحة 34
حَرَمِ اللهِ أبغي العِزَّ في غيره، ولا أبغي سواه عنه تبديلاً، وأقام عندَ البَيتِ المُحتَرمِ حتَّى كان من أمره مع صاحِبِ الحبشة حينَ خَرَجَ إليه مطلوباً ما عَظُمَ به عنده وعند قومه أُولي الوجاهة والكرم.
وأهلَكَ اللهُ سُبحانَه الحبشَةَ وردَّهُم عن بيته، وأزالَ عن أهلِهِ تلك الوَحْشَة، وكانَ السِّقايةُ والرّفادَةُ لعبدِ المُطَّلب بعد عمه المُطَّلبِ، فَإِنَّه أَقامَ لَقَومِه ما كانَ آبَاؤُه يقيمونه لهم من قبله، فشَرُفَ بذلك شرَفاً لم يبلغه آبَاؤُه، ولا وَصَلَ أحدٌ منهم إلى مثله، وأحبَّه قومُه وعَظُمَ خَطَرُه فيهم، واعتمدوا في إرشادهم وتنبيههم.
والرفادَةُ: شيء كانت قُرَيس في الجاهليَّةِ تتخارجه من بينهم على قَدْرِ طاقتِهم، بحيثُ يجتمع من ذلك شيءٌ كثير، ثمَّ يشتَرُونَ به طعاماً وزَبيباً للنَّبيذ، ويُطْعِمُونَ النَّاسَ، ويسقُونَهم أَيَّامَ مَوسِمِ الحَجِّ حَتَّى ينقضِيَ.
ويُروى عنه صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: «أنا ابنُ الذَّبيحين؛ يعني بهما جَدَّه إسماعيل،
وأباه عبد الله.
والقِصَّةُ أخرجَها الطَّبَرَانِيُّ من طريق ابن وهب عن أسامةَ بنِ زَيدِ عن الزُّهْرِيِّ عن قبيصة بنِ ذُؤَيب: أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ قالَ: كَانَ عبدُ المُطَّلِبِ نَذَرَ إِن كَمُلَ له عشرة من الوِلدانِ ينحَرُ أحدهم، فلمَّا كَمُلَ عشرة أقرَعَ بينَهم، أَيُّهم ينحَرُ؟ فطارَتِ القُرعَةُ على عبدِ اللهِ، وكانَ أَحبَّ النَّاسِ إلى عبدِ المُطَّلبِ، فقالَ: اللَّهُمَّ هو أو مئةٌ من الإبل، ثمَّ أَقرَعَ فطارَتِ القُرْعَةِ على المئةِ من الإبل
وذكرَ الزُّبَيْرُ بنُ بَكَّارٍ: أَنَّه نحَرَها وَتَرَكَهَا لِلنَّاسِ فَأَخَذُوها.
الجزء 1 · صفحة 35
قالَ السَّخاوِيُّ: وصارَتِ الدِّيةُ مَشروعة بتعيين مئة من الإبل بين المُسلمين بعد أن كانت في الجاهليَّةِ عشرةً، ولهذا اقتصر على هذا العدد في القُرعةِ المُتكرّرة، حيثُ كانَ عبد المُطَّلبِ يزيدُ عشرة، ثمَّ عشرة، إلى أن صارَتْ مئة، فجاءَت عليها القُرعةُ.
قال القَسْطَلَانيُّ: وكانَ سَبَبُ نَذْرِه حَفْرَ أَبيه عبدِ المُطَّلِبِ زَمزَمَ؛ لأَنَّ الجُرْهُمِيَّ عَمرو بن الحارِثِ لمَّا أحدَثَ قومه بحَرَمِ اللهِ الحَوادِثَ، وقيَّضَ الله لهم مَن أخرَجَهم من مكَّةَ، فَعَمِدَ عمر و إلى نفائِسَ فَجَعَلَها فِي زَمْزَم وبالغ في طَمِّها، وفَرَّ إلى اليَمَنِ بِقَومِه، فلم تَزَلْ زَمَزَمُ من ذلك العهدِ مَجهولةً إلى أن رُفِعَتْ عنها الحُجُبُ برُؤيا مَنامِ رآها عبدُ المُطَّلبِ، دلته على حَفْرِها بأماراتٍ عليها، فمَنَعَتُه قريش من ذلك، ثمَّ آذاه من السُّفَهاءِ مَن آذاه، واشتدَّ بذلك بلواه، ومعه ولده الحارِثُ، ولم يكن له وَلَدٌ سِواه، فَنَذَرَ لَئِنْ جاءَه عشرة بنين، وصاروا له أعواناً، لَيَذبَحَنَّ أحدهم قرباناً، ثمَّ احتَفَرَ عبد المُطَلبِ زَمزَمَ فكانت له فَخْراً وعِزَّاً. وذكر البَرْقِيُّ في سبب تزويج عبدِ اللهِ بآمنة: أنَّ جِدَّه كَانَ يَأْتِي اليَمَنَ فينزِلُ عِندَ عظيمٍ. من عُظَمائهم، فنزَلَ عنده مرَّةً فإذا عندَه رجلٌ ممَّن قرأ الكتب، فقال له: ائذَنْ لي أُفتِّشَ مَتجَرَكَ فقالَ: دُونَك فانظُرْ، فقال: أرى نُبوَّةً ومُلْكاً، وإِنَّما هي في المَنافِيِّينَ؛ يعني عبد مناف بن قُصَيَّ، وعبدَ مَنافِ بنَ زُهَرَةَ، فلما انصرَفَ عبدُ المُطَّلِبِ انطلَقَ بابنِهِ
عبدِ اللهِ، فَزَوَّجَه بآمِنةَ بنتِ وَهْبِ بنِ عبدِ مَنافِ بنِ زُهرةَ أَم حمزةَ.
الجزء 1 · صفحة 36
قال كعب الأحبار وأعطى الله آمنةَ عندَ ذلك من النُّورِ والبَهَاءِ والوَقارِ والجَمالِ والكَمالِ ما كانت تُدعَى به سَيِّدَةَ قَومِها، وبقي عبد اللهِ وَالنُّورُ بينَ عينيه لا يخرُجُ حَتَّى أذِنَ اللهُ لِلنُّورِ أَن يخرُجَ إِلى بطنِ أُمِّه.
وأخرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائلِ من طريق معمر عن الزهري قال: كانَ عبد الله من أحسَنِ فَتًى في قريش، فمَرَّ بنسوةٍ مُجتَمِعاتٍ، فقالت امرأةٌ منهُنَّ: يا نِساءَ قريش! أَيَّتُكُنَّ تَتَزوَّجُ هذا الفتى فتصطادَ النُّورَ الذي بينَ عَينَيه؟ قالَ: فتَزَوَّجَ آمنةً فحَمَلَت برسولِ اللهِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لَمَّا تَزَوَّجَ عبد الله آمنة كان ابن ثلاثين سنة، وقيل: ابن خمس وعشرين
وقال غيره: ثمانيةَ عَشَرَ.
قالَ السَّخاوِيُّ: وهو الرَّاجِحُ، وقالَ سَهلُ بنُ عبدِ اللهِ التُستَرِيُّ فيما رَواهُ الخطيب البغدادِيُّ الحافِظُ: لمَّا أرادَ اللهُ خَلَقَ محمد صلى الله عليه وسلم في بطن أمه، وذلك في ليلةِ الجُمُعَةِ من رَجَبٍ، أَمَرَ اللهُ في تلك اللَّيلَةِ رِضوانَ حَازِنَ الجِنانِ أَن يَفتَحَ أبوابَ الفِرْدَوس ويُنادِيَ مُنادٍ في السَّماواتِ والأَرَضِين: أَلَا إِنَّ النُّورَ المَحْرُونَ المكنون الذي يكون منه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الهادي في هذه الليلة يستقر في بطنِ أُمّه الذي فيه يَتِمُّ خَلْقُه، ويخرُجُ إِلى النَّاسِ نذيراً.
وذكرَ الزُّبير بنُ بكَارٍ: أَنَّه كانَ في أَيَّامِ التشريق في شعب أبي طالب عندَ الجَمْرَةِ الوسطى.
الجزء 1 · صفحة 37
وللواقدي من جهة [علي بن يزيد بن عبد الله بن] وَهْبِ بنِ زَمعَةَ، عن أبيه]، عن عمَّتِه قالت: كنَّا نَسْمَعُ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا حملت به أمه آمنه كانت تقول: ما شَعَرْتُ أَنِّي حَمَلتُ به، ولا وَجَدْتُ ثِقَلاً كما تجِدُ النِّسَاءُ، إِلا أَنِّي أَنكَرْتُ رَفْعَ حيضَتي، ورُبَّما كانت تقولُ: وأتاني آتٍ وأنا بينَ النَّائم واليقظان فقالَ: هل شَعَرتِ أَنَّكِ حَمَلتِ؟ فكأَنِّي أقولُ: ما أدري فقالَ إِنَّكِ حمَلتِ بسيد هذه الأمة ونبيها، وسميه محمَّداً، وذلك يوم الإثنين.
ولا بنِ حِبَّانَ في صحيحه من حديث عبدِ اللهِ بنِ جَعْفَرٍ، عن حليمَةَ السَّعِدِيَّةِ مُرضِعَتِه، أَنَّ آمنةً قالت لها: إنَّ لابني هذا شأناً، إنِّي حَمَلتُ حَمْلاً، فلم أَحْمِلْ حَمْلاً قط كانَ أَخَفَّ عليَّ ولا أعظَمَ بركَةً منه، ثمَّ رأيتُ نُوراً كأَنَّه شِهَابٌ خَرَجَ مِنِّي حينَ وَضَعتُه أضاءَتْ له أعناق الإبلِ ببُصرَى من أرضِ الشَّامِ، ثمَّ وضَعتُه فما وقَعَ كما يقعُ
الصبيان، وقعَ واضعاً يده بالأرض رافعاً رأسَه إلى السَّماءِ.
وفي صحيح ابنِ حِبَّانِ»، و «مُستَدرَكِ الحاكِم»، و «مُسنَدِ أحمد»، وغيرهم عن العرباض بن سارية السُّلَمِيٌّ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي عندَ اللهِ في أمّ الكِتابِ لخاتَمُ النَّبيين، وإنَّ آدَمَ لمُنجَدِلٌ في طيئَتِه، وسأنبتكم بأوَّلِ ذلك، دَعوه إبراهيم، وبشرى أخي عيسى قومه، ورُؤْيا أمّي التي رأتْ أَنَّه خَرَجَ منها حين وَضَعَتْ نُورٌ أضاءَتْ له قصورُ الشَّامِ.
الجزء 1 · صفحة 38
قالَ السَّخاوِيُّ: قوله «بصرَى»، قال شيخُنا: يحتمل أن يُقرَأ بضَمِّ المُوحَّدةِ وسكون المهملة مقصوراً، ويحتمل أن يُقرأ: ببَصَرِي، بفتح الباءِ والصَّادِ؛ أي: أنَّها رأَتْ رُؤيا عَينِ بِبَصَرِها. قالَ: وبُصْرَى على الأَوَّلِ بلدة معروفةٌ بطَرَفِ الشَّرِقِ مِن عَمَلِ دِمشقَ، ممَّا يلي حَوْرانَ، وهي قصبةٌ من جهة الحِجاز، بينها وبينَ الشَّامِ نحو مرحلتين، والنُّكْتَةُ في تخصيصها بالذِّكرِ ـ معَ أَنَّه في رواية: أضاءَ ما بينَ المَشْرِقِ والمَغربِ، وفي لفظ:
الأرض، وهما أَسْمَلُ - كونه صلى الله عليه وسلم وَصَلَ بنفسه الشَّريفة إليها وما جاوَزَها.
وقال بعضُهم: الإشارة إلى ما خُصَّ الشَّامُ به من نورِ نُبُوَّتِه، فَإِنَّها دارُ مُلكِه كما ذُكِرَ أنَّ في الكتبِ السَّالفة: محمَّدٌ رسولُ اللهِ، مَولِده بمكَّةَ، ومُهاجَرُه يثرِبُ، ومُلكُه بالشَّامِ. فمن مكَّةَ بدأت نُبُوَّةُ محمد صلى الله عليه وسلم، وإلى الشَّامِ تنتهي، ولهذا أُسرِيَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
إلى بيتِ المَقدِسِ، وهو من الشَّامِ، كما هاجر إبراهيم عليه السَّلامُ قبلَه إِلى الشَّامِ. بل قال بعضُ السَّلَفِ: ما بَعَثَ الله نبيَّاً إلا من الشَّامِ، فإِنْ لم يُبْعَثْ منها هاجَرَ إليها، وفي آخرِ الزَّمانِ يستقِرُّ العِلمُ والإيمانُ بالشَّامِ، فيكونُ نورُ النُّبُوَّةِ فيها أظهَرَ منه في سائر البلاد، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 39
وما وَقَعَ من اختِلافِ الرِّواياتِ في خُروجِ النُّورِ، أَهُوَ حِينَ الحمل أو الوضع؟ لا مانع من وقوعه في الوَقتَينِ، وإن كانتِ الرّواية حينَ الوَضْعِ أولى بالاتصال. وبالجملة: فهذا النُّورُ إشارة إلى أنَّ ما يجيء به من النُّورِ الذي اهتدى به أهل الأرض، وامتدادِ ملك أُمَّتِه ودين مِلَّتِه إلى الآفاقِ بالطُّولِ والعَرْضِ، وهو أكثرُ ممَّا بينَ الجُنوبِ والشَّمالِ، بحيثُ زالت به ظُلَمَةُ الشِّركِ منها والضَّلال، كما قال تعالى: قَدْ جَاءَ كُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبٌ مُّبِينٌ يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15 - 16]، وقال: و فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِهِ وَعَزَرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157].
وقد قال صلى الله عليه وسلم كما في «مسلم» وغيره عن ثوبان: الزُوِيَت - أي: جُمِعَت -
لي مَشارِقُ الأرض ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زُوِيَ منها. وقولُها: فَلَمْ أَحْمِلْ حَمْلاً كانَ أَخفَّ عليَّ منه، يُفهَمُ أَنَّهَا حَمَلَت بغَيرِهِ، سَيَّما وعند ابن سعد ـ ممَّا هو أصرَحُ منه - حديث إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: قالَت أُمُّ النَّبِيِّ: قد حملتُ الأولاد فما حملتُ.
وقال ابن سعد: قالَ الواقِدِيُّ: وهذا ممَّا لا يُعرَفُ عندنا، ولا عند أهل العلم، فلَمْ تَلِدْ آمَنَةٌ ولا عبد الله غيرَ رسولِ اللهِ.
قال الواقِدِيُّ: وحدثني - يعني: ابنُ أخي الزُّهْرِيُّ ـ عن عمه قالَ: قالَت آمنةُ:
لقد عَلِقْتُ به، فما وَجَدْتُ له مَشَقَةٌ حَتَّى وضَعتُه؟.
عند غيره بلفظ: ما شعرتُ به ولا وجَدتُ له ثِقَلاً كما تجِدُ النِّسَاءُ.
الجزء 1 · صفحة 40
قال السَّخاوِيُّ: واللفظانِ يُمكِنُ التَّأويلُ فيهما على أنَّ ما سبَقَ عن إسحاق ابن عبدِ اللهِ إِنْ كانَ هو ابن طلحة فهو مُرَسلٌ رِجَالُه رِجَالُ الصَّحِيحِ، لا يمنعُ أن تكون آمنة أسقَطَتْ من عبدِ اللهِ سِقطاً، فأشارَتْ بذلك إليه، وبه تجتمعُ الرّواياتُ إِنْ قبلنا كلامَ الواقدِي.
وقد قال ابن الجوزي: أجمعَ عُلماءُ النَّقل على أَنَّ آمَنَةَ لم تحمِلْ بِغَيْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقولُها: لم أحمِلْ خَرَجَ على وَجهِ المُبالغة، أو على أنَّه وَقَعَ اتَّفاقاً، والجمعُ الذي قيل أنسَبُ.
وأمَّا دَعوَةُ إبراهيم عليه السَّلام فيُشيرُ بها إلى أنَّه لما شرَعَ في بناء الكعبة دعا الله تعالى أن يجعل ذلك البلد آمناً، ويجعل أفئِدَةَ النَّاسِ تَهوي إليهم، ويرزقهم من الثَّمرات، فقالَ: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129]. فاستجاب الله دُعاءَه في هذا النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وجعله الرسول الذي سأله إبراهيم عليه السَّلامُ ودعاه أن يُبعَثَ إلى أهلِ مكَّةَ، والمعنى: أنَّ اللهَ تعالى لما قضَى أَن يجعلَ محمَّداً خاتَمَ النَّبيين، وأثبت ذلك في أم الكتاب، أنجز هذا القضاء بأن قيَّضَ إبراهيم عليه السَّلامُ للدُّعاءِ الذي ذكرَه؛ ليكون إرساله إيَّاه بدعائه، كما يكون نقله من صلبه إلى أصلاب أولاده.
وأمَّا بُشرى عيسى عليه السَّلامُ فيُشيرُ بها إلى أنَّ اللهَ تعالى أَمَرَه به، فبَشَّرَ به قومَه، فعَرَفَه بنو إسرائيل قبل أن يُخلَقَ، كما حَكَى تعالى عنه في قوله: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولِ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6].
قال السَّخاوِيُّ: وقد كانتِ السَّنةُ التي حُمِلَ فيها به صلى الله عليه وسلم - فيما نُقِلَ ـ سنةٌ شَدِيدَةَ
الجزء 1 · صفحة 41
وهب بن زمعة، عن أبيه، عن عمته، وقد تقدم قريباً.
الجَدْبِ والضّيقِ على قريش، فاخضَرَّت لهم الأرضُ، وحملَتِ الأشجار، وأَخْصَبَ أهلُ مكَّةَ خَصْباً عظيماً، بحيثُ سُمِّيت سنةَ الفَتْحِ والابتهاج، وأتاهُم الوَفْدُ من كلَّ مكان بهذا الإفراج. وعبد المُطَّلب - وهو يومَئِذٍ صاحِبُ أحكامِ قُريش وسائر العرب - يخرُجُ كل يوم متوشّحاً يطوف بالبيت ويقول: يا مَعْشَرَ قُريش إنِّي أنظر إلى تمثال شَخْصٌ مُمثَلاً بين عينيَّ كأَنَّه قِطعَةُ نور كامل، لا أمل رؤيته، وتَجحَدُ قُرَيش رؤيته كذلك، إمَّا حَسَداً أَو عَمَّى.
بل نُقل عن ابنِ عبَّاس: أنَّ كلَّ دابَّةٍ لقُرَيش نطَقَتْ تلك الليلةَ، وقالت: حُمِلَ بمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ورب الكعبة، وهو إمامُ الدُّنيا وسراجُ أهلها، ولذا لم يبقَ كَاهِنَةٌ فِي قُرَيْشٍ، ولا قبيلةٌ من قَبائلِ العَرَبِ إلا حُجِبَت عن صاحبها، وانتزع علمُ الكَهَنةِ منهم، ولم يبقَ سريرُ مَلِكِ من مُلوكِ الدُّنيا إلا أصبَحَ مَنكوساً، وأصبَحَ كُلُّ مَلِكِ أَخرَسَ لا ينطِقُ يومه ذلك، ومرَّتْ وَحْشُ المَشارِقِ إِلى وَحْشِ المَغارِبِ بِالبِشاراتِ، وكذا بشَّرَ أَهلُ البحار بعضهم بعضاً، ونُودِيَ في كلِّ شَهْرٍ من شُهورِه في كلِّ مِنَ السَّمَاءِ والأَرضِ: أن أبشروا، فقد أنَ لأبي القاسم محمد صلى الله عليه وسلم أن يخرُجَ إِلى الأَرْضِ مَيمُوناً مُبارَكاً. قال: وبقي في بطن أمه تسعة أشهرٍ، لا تشكُو وَجَعاً ولا ريحاً، ولا ما يعرِضُ للنِّساءِ ذَواتِ الحَمْلِ.
قال الواقِدِيُّ: وفي غُضون هذا الحملِ المُكمَّلِ بَعَثَ جَدُّه عبدُ المُطَّلِبِ بابنه عبدِ اللهِ إلى غزّةَ من بلادِ الشَّامِ يَمتارُ لهم طعاماً معَ تُجَارِ قُرَيْشٍ، وَلَمَّا رَجَعُوا مَرِضَ فتخَلَّفَ لذلك بالمدينةِ النَّبويَّةِ عندَ أخوال أبيه، بني عَدِيٍّ بنِ النَّجَارِ شهراً، ثمَّ مَاتَ بالمدينة، ودُفِنَ في دارِ النَّابغة.
الجزء 1 · صفحة 42
وعندَ ابنِ وَهْبٍ عن يُونُسَ عن ابنِ شِهَابٍ: أَنه بعثَه يَمْتارُ لهم تمراً من يثرب فمات بها.
وهذا القول هو الذي رجّحه ابن إسحاق، ورواه ابنُ سَعدٍ أيضاً وجرم به الزبير بن بكار، وغير واحد.
وقال ابن الجوزي: هو الذي عليه مُعظَمُ أهلِ السِّيرِ، وأطلَقَ غيرُه عَزْوَه للجمهور.
وقال بعضُهم: ماتَ بعدَ وَضْعِه، فقد أخرجه يحيى بن سعيد الأموِيُّ في «المغازي من طريق عثمانَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ الوَقَاصِيُّ أَحدِ الضُّعَفَاءِ عن الزهري عن سعيد بنِ المُسَيِّبِ: أَنَّ آمَنَةَ لمَّا وضَعَتْه أمرَ عبدُ المُطَّلِبِ ابنَه عبدَ اللَّهِ أَن يَأْخُذَه فيطوفَ
به في أحياء العرب، فطاف به حتّى استأجر حليمة على إرضاعه. وذَكَرَ: أَنَّه أقامَ عندَهم ستّ سنين، حتّى كانَ من شق صدرِه ما كانَ، فَرَدَّتْه إلى أمه واختَلَفُوا كم كانَ سِنه حينئذ، فقيل: كان ابن سنتين وأربعةِ أَشْهُرٍ، حكاه ابنُ إسحاق، وقيل: كانَ ابن سبعة أشهر، حكاه ابنُ سعد
ويُقالُ: إِنَّ عبدَ اللهِ خَرَجَ وهو في هذا السِّنَّ إلى أخوال أبيه بالمدينة زائراً، فتُوفَّيَ بها.
ويُقالُ: إِنَّ المَلائكة قالت: إلهنا وسيِّدَنا بقي نبيك يتيماً، فقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لهم: أنا له ولي وحافظ ونَصير.
وقيل لجعفرِ الصَّادِقِ لِمَ يُتمَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من أبويه؟ فقالَ: لئَلَّا يكون عليه حَقٌّ لمخلوق. نقله عنه أبو حيان في البَحرِ».
قالَ السَّخاوِيُّ: وقد خَلَّفَ أبوه جاريَتَه أَمَّ أيمَنَ بَرَكَةَ الحبشيَّةَ، وخمسة أجمالٍ،
الجزء 1 · صفحة 43
وقطعَةً غَنَمٍ، فَوَرِثَ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت أُمُّ أَيْمَنَ رَضِيَ اللهُ عنها تحضُنُه. ثمَّ إِنَّ الخُؤولةَ المُشار إليها كَونُ هاشمِ بنِ عبدِ مَنافٍ تَزَوَّجَ فِي المَدِينَةِ سَلْمَى ابنة عمرو، أحد بني عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ، فولدت له عبد المطلبِ، وقد ثبت في الصَّحِيحِ في حديث الهجرة قوله: إني أنزل على [بني النَّجار] أخوال عبدِ المُطَّلبِ، أُكرِ مُهم بذلك» 4. وأما ما وَقَعَ في روايةٍ أُخرَى من قوله: نَزَلَ على أخواله»، أو قالَ: «على أجداده»؛ فالشَّكُ فيه من رواية أبي إسحاقَ السَّبيعِيِّ، وأَيَّاً ما كانَ فَمَجازُ، فالخؤولةُ من جهةِ الأُمومة، والتُّزولُ إنَّما كانَ على بني مالك بنِ النَّجَّارِ، لا على بني عَدِيٍّ. ورَوَى البَيْهَقِيُّ في الدَّلائلِ»، والطَّبَرَانِيُّ وأبو نُعَيم، من طريق محمَّدِ بنِ أبي سُوَيدِ الثّقفي، عن عُثمانَ بن أبي العاص، حَدَّثَتني أُمِّي فَاطِمةُ ابنه عبدِ اللَّهِ الثَّقفيَّةُ إحدى الصحابياتِ: أَنَّها حَضَرَتْ آمَنةَ لمَّا ضَرَبَها المَحَاضُ ليلاً، قالت: فجعلت أنظُرُ إلى النُّجومِ تُدلي وتَدنُو، حتَّى قُلتُ: لَيَقَعْنَ عَليَّ، فلمَّا وَلَدَتْ خَرَجَ منها نورٌ أضاءَ له البيتُ والدَّار.
قالَ ابنُ سعد: أخبرنا الهَيثَمُ بنُ خارِجَةَ، ثنا يحيى بن حمزةَ، عن الأوزاعي، عن حسَّانِ بنِ عطيَّةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا وُلِدَ وَقَعَ على كفَّيْهِ ورُكَبَتَيهِ، شاخصاً بصَرَه إِلى السَّمَاءِ. وهو مُرْسَلٌ قوِيٌّ.
ومن مُرسَل إسحاق بن أبي طلحةَ أنَّ آمنةً قالت: وضَعتُه نظيفاً، ما 4 وَلَدتُه كما يُولَدُ السَّخْلُ - أي: المَولودُ المُحبَّبُ إلى أهله ـ ما به قَذَرُ، ووقع إلى الأرضِ] وهو جالس على الأرض بيده
الجزء 1 · صفحة 44
ولأبي الحسينِ بنِ بَشْرانَ، عن ابنِ السَّمَّاكِ، أنا أبو الحَسَنِ بنُ البَراء، قال: قالت آمَنَةُ: وَلَدْتُه جاثِياً على رُكَبَتَيهِ ينظُرُ إِلى السَّماءِ، ثمَّ قَبَضَ قبضةً من الأرضِ، وأهوى ساجداً، قالت: وكبيتُ عليه إناءً، فوَجَدتُه قد انفَلَقَ الإناء وهو يَمَصُّ إبهامه يَسْخُبُ لبَنا
قالَ السَّخَاوِيُّ: وكانت آمنةُ لمَّا وَضَعَته صلى الله عليه وسلم أرسلَتْ إِلى جَدِّه أَنَّه قد وُلِدَ لك اللَّيْلَةَ غُلامٌ فانظُرْ إليه، فلما جاءَ أخبرته خبره، وحَدَّثَته بما رَأَت حينَ حَمَلَت به، فأَخَذَه وقامَ يدعو الله ويشكره لما أعطاه، ويقولُ:
الحمد لله الذي أعطاني هذا الغُلامَ الطَّيِّبَ الأردانِ قد ساد في المهد على الغلمان أعيده بالبيت ذي الأركان وذهبَتْ تُوَيبَةُ جارية أبي لهب عمه الله فبشَّرَته أَنَّه وُلِدَ لأخيه عبدِ اللهِ غُلامٌ فأعتقها في الحال. قال القَسْطَلَانيُّ: وهي ممَّن أَرْضَعْنَه، قال: وقد رُئي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له: ما حالك؟ فقال: في النَّارِ، إلا أنَّه خُفِّفَ عَنِّي كُلَّ ليلةِ إِثْنَيْنِ، وأَمَصُّ من بين أصبعي هاتين ماءً، وأشارَ لرَأسِ أُصبعه، وأنَّ ذلك بإعتاقي لنُوَيبَةَ عندما بشَّرَتني بوِلادَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له.
قال ابنُ الجَزَرِيٌّ: فإذا كانَ هذا أبو لهب الكافِرُ الذي نزَلَ القُرآنُ بذَمه جُوزِيّ في النَّارِ بفَرَحِه ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم به، فما حالُ المُسلِمِ المُوحِدِ من أُمَّتِه عليه السَّلامُ يُسَرُّ بمولده، ويبذُلُ ما تصل إليه قُدرَتُه في محبَّتِهِ؟ لَعَمري
إِنَّما يكونُ جَزاؤُه من الله الكريم أن يُدخِلَه بِفَضلِهِ العَمِيمِ جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
الجزء 1 · صفحة 45
ورَوَى الحاكِمُ في صحيحه» عن عائشة قالت: كانَ بمَكَّةَ يهودِيٌّ سَكَنَ سَكَنَها يتَّجِرُ بها، فلما كانتِ اللَّيْلَةُ التي وُلِدَ فيها رسولُ الله، قالَ: يا معشرَ قُرَيش! هل وُلِدَ فيكم اللَّيْلَةَ مَولودٌ؟ قالوا: لا نعلَمُه، قال: انظُرُوا فإنَّه وُلِدَ في هذه الليلة نبيُّ هذه الأُمَّةِ الأخيرة، بين كتفيه علامةٌ فيها شَعَراتٌ مُتَواتِراتٌ كأَنَّهُنَّ عُرْفُ فَرَسٍ - بضَمِّ العَينِ، وقد تُضَمُّ راؤُه؛ أي: شَعرُ عُنُقِه - لا يرضَعُ ليلتين؛ لأنَّ عِفريتاً من الجِنِّ وضَعَ يَدَه على فيه، فانصَرَفُوا فَسَأَلُوا، فقيل لهم: قد وُلِدَ لعبدِ اللهِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ غُلامٌ، فَخَرَجُوا باليهودي حتَّى أدخَلُوه على أُمِّه، فقالوا لها: أخرجي إلينا ابنَكِ، فَأَخْرَجَتْه وَكَشَفُوا عن ظهره، فرأى تلك الشَّامَةَ، فوقَعَ اليَهودِيُّ مَعْشِيَّاً عليه، فلمَّا أَفاقَ قيل له: وَيْلَكَ، ما لَكَ؟ قَالَ: ذَهَبَتْ واللهِ النُّبوَّةُ من بني إسرائيل، يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! أَمَا وَاللَّهِ لَيَسطُوَنَّ بكم سَطوَةً يخرُجُ خَبَرُها بينَ المَشْرِقِ والمَعْرِبِ. قالَ السَّخاوِيُّ: وهو دليل على أنه ولد بخاتَمِ النُّبُوَّةِ بينَ كتِفَيه، وهو من العلامات التي كانَ يعرِفُه بها أهل الكتابِ، ويسألون عنها، ويطلُبُونَ الوُقوفَ عليها. حتَّى إِنَّه رُوِيَ: أَنَّ هِرَقْلَ بعثَ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَن يَنظُرُ له خاتَمَ النُّبُوَّةِ، ثمَّ يُخبِرُه ولكِنْ سيأتي أنَّ الملكين اللذين شقّا صَدْرَه ومَلاه حِكمَةٌ هُما اللَّدَانِ خَتَمَاهُ بخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، وهو أَصَحُ مِمَّا قبلَه.
قُلتُ: الجمعُ بينهما مُمكِنُ.
الجزء 1 · صفحة 46
قالَ: وأَمَّا ما رُوِيَ مِن رَفْعِه بعدَ مَوتِه من بين كتِفَيهِ؛ فَسَنَدُه ضَعِيفٌ. وللخطيب من حديثِ محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ عُثمانَ، عَن أُمِّه فاطمَةً ابنةِ الحُسَينِ بنِ عليٍّ، عن أبيها قالَ: لمَّا كانتِ اللَّيلةُ التي وُلِدَ فيها النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ حَبْرٌ كانَ بمكَّةَ: يُولَدُ اللَّيلةَ في بلدِكُم هذا النَّبيُّ الذي وُصِفَ بأَنَّه يُعظَّمُ مُوسى وهارونَ، ويَقتُلُ أمَّتَهُما، فإنْ أخطَأَكُم فَبَشِّروا به أهلَ الطَّائف أو أهلَ ليلة، قالَ: فوُلِدَ في تلكَ الليلة، فخرَجَ الحَبرُ حتَّى دخَلَ الحِجْرَ، ثمَّ َقالَ: أَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله، وأَنَّ موسى حق، وأنَّ محمداً حقٌّ، قال: ثمَّ فُقِدَ الحَبرُ فلم يُقدَرُ عليه.
ورَوَى أبو نُعَيمٍ في «الدَّلائلِ من طريقِ شُعَيبِ بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ قالَ: كانَ بمَرَّ الظَّهرانِ راهِبٌ يُدعَى عيصا، فذَكَرَ حديثاً، وفيه: أَنَّه أَعْلَمَ عِبدَ اللهِ بنَ عَبدِ المُطَّلِبِ ليلةَ وُلِدَ له النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بأنه نبيُّ هذه الأُمَّةِ، وذكر له أشياء من صِفَتِه.
قالَ السَّخاوِيُّ: والعلامات التي ظَهَرَت عندَ مَولِدِه وبعدَه جَمَّةٌ، فَضْلاً عمَّا وَقَعَ في الإسلام من حينِ المَبْعَثِ وهَلُمَّ جراً، ممَّا هو مشهورٌ بينَ الأَئِمَّةِ من الأُمَّةِ، وقد اعتنى بجمعها جماعةٌ كأبي نُعَيم، والسُّهَيلي، وجمَعَ مَا وَقَعَ من ذلك قبلَ المَبْعَثِ - بل قبل المولد - الحاكِمُ في «الإكليل»، وأبو سعد النيسابورِيُّ فِي شَرَفِ المُصطَفَى»، وأبو نُعَيمِ والبَيْهَقِيُّ في «دلائلِ النُّبُوَّةِ»، وصاحِبُ «الشَّفاء».
وقد أخرج ابنُ السَّكَنِ وغيره في «معرفَةِ الصَّحابة» من حديثِ مخزوم بن هاني
الجزء 1 · صفحة 47
عن أبيه، وكان قد أتَتْ عليه مئة وخمسون سنةً، أَنَّه ارتَجَسَ إِيوانُ كِسَرَى.:أي: اضْطَرَبَ وتحرَّكَ حركةً سُمِعَ لها صوتٌ مَهُولٌ، بحيثُ انصَدَعَ وانشق من عُلاه.
قال شيخ مشايخنا ابنُ الجزَرِيّ: وهذا الشَّقُ إلى الآنَ باقٍ، أخبرنا بذلك جماعةٌ ممَّن رَآه بالمدائن، وأنَّه سَقَطَ عن أعلى الإيوان أربع عشرَةَ شُرِفةٌ، وهي واحِدَةُ الشُّرَفِ
التي تكون على حيطانِ السُّورِ وغيرِها؛ ليَحسُنَ منظَرُها.
وخَمَدَت نار فارسَ التي كانوا يعبُدونَها، ولم تَخمد قبل ذلك بألفي عامٍ يَعدُّونَها، بل كانت تُوقَدُ وتُضْرَمُ ليلاً ونهاراً، فلم يستطع أحد تلك الليلة إضرامَها عَجْزاً لا اختياراً.
وغاضَتْ بُحَيرَةُ ساوَةَ المُظهِرُ أهلها للشِّركِ والعداوة، وكانت بحيرةً كبيرةً أكبر من فرسخ، بمملكةِ عِراقِ العَجَمِ بين هَمَدانَ وقُمْ، تُركَبُ فيها السُّفُنُ ويُسافَرُ بها إلى ما حولها من البلادِ والمُدُنِ، مثلُ فَرْغَانَةَ والرَّيّ، فأصبَحَتْ من ليلة مولده ناشِفَةٌ يَابِسَةَ الأرضِ، كأَنْ لم يكُنْ بها شيء من الماء في الطُّولِ والعَرْضِ، بل غارَ ماؤها وذهب، حتى بني موضعها مدينةٌ تُسمَّى ساوَةً، باقيةٌ إلى اليومِ حَصينةٌ. ورأى المُؤيدان - وهو قاضِيهِمُ الأَعلى بتلك الجهات والبلدان ـ إبلاً صعاباً، تقودُ خَيْلاً عِراباً، قد قَطَعَتْ دِجْلَةَ وانتشرت في بلادها ووهادِها.
ووَقَعَ مِن تلك اللَّيلِةِ رَمْيُ الشَّياطين بالشُّهُبِ الشَّواقِبِ، وكانت قبل ذلك تستَرِقُ السَّمعَ من كل جانب، وحُجِبَ إبليس عن السَّماءِ كما يُروَى، ولعلَّه كَانَ يَقعُدُ فيستَرِقُ السَّمعَ ويُشيرُ إليه بالإيماء.
أو حين وضعه، أو ختمه أحدُ المَلَكَين حينَ شقَّ صَدرَه عِندَ مُرضِعَتِه، وممَّن حَكَى الأَوَّلَ ابنُ سيّدِ النَّاسِ، والثاني مُغلطاي عن يحيى بن عائذ بصيغة التمريض، والثالثُ أثبَتُ.
الجزء 1 · صفحة 48
ففي حديث عائشة عن الطيالسي والحارِثِ في «مُسنَدَيهما»، وأبي نُعَيمٍ في «الدلائل»: قوله: وخَتَمَ - يعني جبريل - في ظَهرِي حَتَّى وَجَدتُ مسَّ الخاتم في قلبي، ومثله في حديث أبي ذرّ عند أحمد والبيهقي في «الدَّلائلِ».
قُلتُ: والجمعُ ممكن بظهورِ الزّيادةِ في كلِّ مَرتبةٍ وإفادَةٍ.
وكذا اختُلِفَ أَوُلِدَ وهو مختون، أو خُتِنَ بعد ذلك؟ فَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وأبو نُعَيمِ وغيرهما من طريق الحسَنِ عن أنس: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من كَرامَتِي على اللَّهِ أَنِّي وُلِدتُ مختوناً، ولم ير أحدٌ سَوْءَ تي.
وعند ابن سعدٍ من حديثِ عَطاءِ الخُراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أبيه: أَنَّه وُلِدَ مَختوناً مَسرُوراً - أي: مَقطُوعَ السُّرَّةِ - فَفَرِحَ بِهِ جَدُّه وقالَ: ليَكونَنَّ لابني هذا شأن.
وقال أبو جَعفَرِ الطَّبريُّ في تاريخِه»: وُلِدَ مَعذُوراً؛ أي: مَحْتُوناً.
وقال الحكيم أبو عبدِ اللهِ التَّرْمِذِيُّ: إِنَّه وُلِدَ مَختُوناً.
ورَوَى ابنُ عبدِ البَرِّ في «التَّمهيد»: أنَّ جَدَّه حَتَنَهُ يومَ السَّابِعِ وعَمِلَ له مَأْدُبَةٌ. قُلتُ: لعلَّه لَمَّا عَمِلَ المَأدبة وقتَ الختان، ظنَّ أَنَّه خُتِنَ في ذلك الزَّمان، فمعنى قوله: خَتَنَه: أظهَرَ الخِتان، وأنَّه عليُّ الشَّأن جلي البرهان؛ إذ في رواية لا بنِ عبدِ البَرِّ: أَنَّهُ لمَّا كانَ يومُ السَّابِعِ ذَبَحَ كَبْساً ودَعا إلى طَعَامِه قُرَيشاً، فلمَّا أكَلُوا قالواله: يا عبد المُطَّلبِ أرأيتَ ابنَكَ هذا الذي أكرَمْتَنا على وَضْعِه، ما سميته؟ فقال: محمَّداً، فقالوا له: فلِمَ رَغِبتَ به عن أسماء أهل بيته؟ قالَ: أَرَدْتُ أن يحمده الله عَزَّ وجَلَّ في السَّماءِ، وخلقه في الأرض".
هذا وقد أعْرَبَ مَن قالَ: خَتَنَه جبريلُ.
وقال العراقي: لا يثبتُ في هذا كله شيء.
الجزء 1 · صفحة 49
وتوقَّفَ الإمام أحمد في كونِ جَدِّه خَتَنَه، وكذا توَقَّفَ فِي مُقابله، فقالَ المُرِّيُّ:
إِنَّه سُئِلَ: هل وُلِدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مختوناً؟ فقال: اللهُ أَعلَمُ، ثمَّ قَالَ: لا أَدرِي. قال أبو بكر عبد العزيز بنُ جَعفرٍ من أئمة الحنابلة: قد رُوِيَ أَنَّه ولد مختوناً مسروراً، ولم يَجتَرِئ أبو عبد الله - يعني الإمام أحمد بن حنبل - على تصحيح هذا الحديث.
وقال بعضُ الأئمةِ: إِنَّ خِتانَ جَده له على ما في المَروِيِّ به أشبَهُ، لَكِنْ قال الحاكم: إن الأول قد توالرَتْ به الرواية.
قالَ السَّخاوِيُّ: وهو الذي أَميلُ إليه، سيما مع قولِ أُمِّه: وَلَدتُه نَظيفاً. قال بعضُ الأئمةِ: أَلهَمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أهله صلى الله عليه وسلم أَن يُسَمُّوه مُحمَّداً؛ لِمَا فِيه من الصفاتِ المحمودة، ليُطابق الاسمُ المُسمَّى، وقد قيل: الأسماء تنزِلُ من السَّماءِ، وما أحسَنَ قولَ حَسَّانَ:
فضَمَّ الإله اسمَ النَّبيِّ إلى اسمه إذْ قال في الخمس المُؤَذِّنُ أَشْهَدُ وشَقَّ له من اسمِهِ ليُجِلَّهُ فَذُو العَرْشِ مَحمودٌ وهذا مُحَمَّدُ
قالَ السَّخاوِيُّ: وتسميةُ جَده له بذلك كانَ بتوفيق من الله تعالى، إمَّا ابتداءً، أو بمنام رآه، فقد قال أبو الرَّبيع بن سالم الكُلاعِيُّ: زَعَممُوا أَنَّهُ رَأَى فِي نَومِه كَأَنَّ سِلْسِلَةٌ من فِضَّةٍ خَرَجَت من ظهره، لها طرَفٌ في السَّماءِ، وطَرَفٌ في الأرضِ، وطَرَفٌ في المَشْرِقِ، وطَرَفٌ في المَغرِبِ، ثمَّ عادَتْ كأَنَّها شجرَةٌ على كلِّ ورَقَةٍ منها نور، وإذا أهلُ المَشْرِقِ والمَعْرِبِ يتعلَّقُونَ بها، فقَصَّها؛ فعُبِّرت له بمولود يكون من صلبه، يتبعه أهلُ المَشْرِقِ والمَغرِبِ، ويحمده أهلُ السَّماء والأرض، فلذلك سماه به، مع ما حدثته به آمنةُ من أمرِها بتَسمِيَتِه بذلك.
الجزء 1 · صفحة 50
فمُحمَّدٌ وأحمد اسمان له كما نطق به القُرآنُ في قوله: تُحَمَّدٌ رَسُولُ الله} [الفتح: 29]، وفي قوله: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولِ يَأْتِي مِنْ بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6]. وأخرج الحاكِمُ في صحيحه»: أنَّ آدَمَ عليه السَّلامُ رأى اسم محمد صلى الله عليه وسلم مَكتوباً
على العَرشِ، وأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ لآدمَ: لولا محمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ. وأما حديث: «لولاكَ ما خَلَقتُ الأفلاكَ»؛ فمعناه صَحِيحٌ، وإِنْ قالَ الصغاني: إنه موضوع.
قال القاضي عياضُ: فأَمَّا «أحمد» فأفعَلُ تفضيل مُبالغَةٌ من صفة الحمدِ منه، ومُحمَّدٌ مُفَعَلٌ مُبالَغَةٌ من كثرة الحمدِ فيه، فهو أجَلُّ مَن حَمِدَ، [وأَفضلُ مَن حُمِدَ] وأكثَرُ النَّاسِ حمداً في الدُّنيا والآخرة، فهو أحمد المحمودين وأحمد الحامدين، ومعه لواء الحمد في المَحشَرِ يومَ القِيامَةِ ليَتِمَّ له كمال الحمدِ، ويشتَهِرَ فِي العَرَصاتِ بصِفَةِ الحمد، ويُبعَثَ المَقامَ المَحمود ويحمَدَه فيه الأولون والآخرون، ويُفتَحَ عليه فيه من المحامد ـ كما ثبَتَ في «الصَّحيحَينِ» ـ ما لم يُعطَ غيرُه.
وسُمِّيَت أمَّتُه في كُتُبِ أنبيائه بالحمَّادِين، فحَقيقُ أن يُسمَّى صلى الله عليه وسلم محمَّداً وأحمد. وفي هذين الاسمينِ من عَجائِبِ خَصائصِه وبَدائِعِ آيَاتِهِ فَنْ آخَرُ، وهو أن الله عَزَّ وجَلَّ حَمَى أَن يُسمَّى بهما أحَدٌ قبلَ زَمانِه، أمَّا أحمَدُ الذي ذُكِرَ فِي الكُتُبِ وبَشَّرَت به الأنبياء فمَنَعَ اللهُ بحِكمَتِه أن يُسَمَّى به أحَدٌ غيره، ولا يُدعَى به مَدعُو قبله، حتَّى لا يدخُلَ اللَّبسُ ولا الشَّتُ على ضَعيف القلبِ.
الجزء 1 · صفحة 51
وكذلك محمد - أيضاً - لم يُسَمَّ به َأحَدٌ من العَرَبِ ولا غيرهم، إلى أن شاعَ قبيل وُجودِه و ميلادِه أَنَّ نبيَّاً يُبعَثُ اسمه محمَّدٌ، فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاءَ أن يكون أحدهم هو، واللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124]، ـمَّ حَمَى اللهُ تعالى كلَّ مَن يُسمَّى به أن يدَّعِيَ النُّبوَّةَ، أو يدَّعيها أحدٌ له، أو يظهر عليه سببٌ يُشَكَّكُ أحداً في أمره، حتّى تحققت السمان له، ولم ينازع له أحد فيهما.
قالَ السَّخاوِيُّ: وأسماؤُه كثيرةٌ جداً، قيلَ: إنَّها بلَغَتْ أَلفاً، لكنَّ أكثرَها اشتُقَّ من أفعال وُصِفَ بها، ولا شَكٍّ أنَّ كثرة الأسماء دليلٌ على جَلالةِ المُسمَّى، وناهيك بشَرَفِه تشريف اللهِ عَزَّ وجَلَّ له بما سماه به من أسمائه الحُسنَى، وَوَصَفَه به من صفاته العلا، كما بينَه صاحِبُ الشَّفا» وغَيرُه.
قُلتُ: وقد جَمَعَها شيخُ مَشايخنا الحافِظُ جَلالُ الدِّينِ السُّيوطِيُّ في رسالة له أيضاً بلَغَت خمس مئةٍ، وأخَذتُ منها عُمدَتَها وزُبدَتَها العليا، واقتَصَرْتُ على تسعة
وتسعينَ، وِزانَ أَسماءِ اللَّهِ الحُسنَى:
هذا الحبيب فمِثلُه لا يُولَدُ والنُّورُ من وَجَناتِه يَتَوَفَّدُ جبريل نادَى فِي مَنَصَّةِ حُسْنِهِ هذا مَديحُ الكَوْنِ هذا أحمدُ هذا مَليحُ الوَجهِ هذا المُصطَفَى هذا جميلُ الوَصف هذا المَسيدُ هذا الجَليلُ النَّعَتِ هذا المُرتَضَى هذا كحيل الطَّرفِ هذا الأمجد هذا الذي خُلِعَت عليه ملابس ونفائس فنظيره لا يُوجَدُ وكان مولده لال له عام الفيل، كما رواه الترمذي في «جامعه» من حديثِ قَيسِ بنِ مَحْرَمَةَ بنِ أَشيَمَ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائلِ من حديثِ سُوَيدِ بنِ غَفَلَةَ أَحَدِ المُخَضِرَ مين، والبيهقي أيضاً، وشيخه الحاكم وصححه، كلاهما من طريق حَجَّاجِ بنِ محمَّدٍ، عن يونُسَ بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابنِ عباس.
الجزء 1 · صفحة 52
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: إنَّه يحتمل أن يكونَ أرادَ باليوم الذي حَبَسَ الله الفيل فيه عن
وَطءِ الحَرَمِ، وأهلَكَ الذين جاؤوا به، ويحتمل أن يكون أرادَ باليوم العام. قال السَّخاوِيُّ: ومالَ شيخُنا إلى الأوَّلِ، حيثُ قالَ: يُطلَقُ اليومُ ويُراد به مُطلَقُ الوقت، كما يُقالُ: يومُ الفَتح، ويومُ بَدرٍ؛ فإنَّ المُرادَ حقيقةُ اليوم، فيكونُ أَخَصَّ من الأَوَّلِ، وبذلك صرَّحَ ابنُ حِبَّانَ في أَوَّلِ «تاريخه» فإنَّه قالَ: وُلِدَ عامَ الفيل في اليوم الذي بعَثَ اللهُ الطَّير الأبابيل على أصحاب الفيل2.
وأخرجه البَيْهَقِيُّ أيضاً من مُرسَلِ محمَّدِ بنِ جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ بلفظ عام. وقد عاين ذلك حكيم بن حزام، وحُوَيطِبُ بنُ عبدِ العُزَّى، وَحَسَّانُ بنُ ثابت، وكلّ منهم عاش مئة وعشرين سنة.
وقال إبراهيمُ بنُ المُنذِرِ: هو الذي لا شك فيه عند أحدٍ من عُلمائنا. وممَّن حَكَى الإجماع: ابن قتيبة، ثمَّ عِياضُ، وقالَ ابنُ دِحيَةَ: اتَّفَاقُ العُلماءِ بالأثر والسُّنَنِ عليه، انتهى.
وكأَنَّهم عُمدَةُ ابن القيم في الاتِّفاقِ، ولكنَّ الخِلافَ فيه ثابت، ويتحصل منه
أقوالٌ أُخَرُ:
بعد الفيل بأربعين سنةً، قاله أبو زَكَرِيَّا العجلانيُّ، وحَكَاهُ ابنُ عَسَاكِرَ في
الترجمةِ النَّبويَّةِ من أوَّلِ «تاريخه».
أو بثلاثين سنةً، حَكاهُ مُوسَى بْنُ عُقبَةَ عن الزُّهْرِيِّ.
أو بثلاثٍ وعشرينَ، أَورَدَه ابنُ عَساكِرَ من رِوايةِ شُعَيْبِ بنِ شُعَيْبٍ.
أو بخَمْسَ عَشرَةَ، حَكاهُ ابنُ الكَلبِيِّ عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس لكنَّ المُعْتَمَدَ عن ابنِ عَبَّاسٍ ما تقدَّمَ.
أو بشَهْرٍ، حَكاهُ ابنُ عبدِ البرّ ه.
أو بعشر، أورَدَه ابن عساكر من طريق عبدِ الرَّحمنِ بنِ أَبْزَى.
أو بثلاثين يوماً، أو بأربعين يوماً.
الجزء 1 · صفحة 53
قالَ السَّخاوِيُّ: وأمَّا ما يُذكَرُ على الألسنة بلفظ: وُلِدتُ في زَمَنِ الملكِ العادِل؛ فشيء لا أصل له، على أن بعضهم اغتر به وقالَ ممَّا جَازَفَ فيه: إِنَّه لا خلاف بين العلماء أنه صلى الله عليه وسلم وُلِدَ بمَكَّةَ في أَيَّامِ كِسْرَى أَنُوشَرْوَانَ العادِلِ. قُلتُ: وقد قالَ الزَّرْكَشِيُّ: كذب باطِلٌ.
قال السُّيوطِيُّ: قالَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ»: تكلَّمَ شيخُنا أبو عبدِ اللهِ الحافظ في بطلان ما يرويه بعضُ الجُهَلاء عن نبينا: وُلِدتُ في زَمَنِ الملكِ العادل، يعني: أَنُوشَرْوَانَ، ثمَّ رأى بعضُ الصَّالحينَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم في المَنامِ فَحَكَى له ما قال أبو عبد الله، فصدَّقَه في تكذيب هذا الحديث وإبطاله، وقال: ما قلته قطُّ. فإِنْ قُلتَ: تُربَةُ الشَّخص مَدفَنُه، فكان مُقتضَى هذا أن يكونَ مَدفَنُه عليه السَّلامُ بمَكَّةَ حيثُ كَانَ تربته منها.
فقد أجاب عنه صاحِبُ العَوارِفِ» أفاضَ الله علينا من عَوارِفِه، وتعَطَّفَ علينا بعواطفه، بأنَّه قيلَ: إِنَّ المَاءَ لَمَّا تَمَوَّجَ رَمَى الزَّبَدَ إِلى النَّواحِي، فَوَقَعَتْ جَوهَرَةُ النَّبِيِّ إلى ما يُحاذِي تُربَتَه بالمدينة، فكانَ مَكِّياً مَدَنيَّاً، حنينه إلى مكَّةَ وتُربتُه بالمدينة. ثم اختُلِفَ في الشهر الذي وُلِدَ فيه، والمشهورُ أنَّه وُلِدَ في شهر ربيع الأوَّلِ، وهو قَولُ جُمهورِ العُلَماءِ، ونقَلَ ابنُ الجَوزي الاتفاق عليه، وفيه نظر، فقد قيل: في صفر، وقيل: في ربيع الآخر. وقيل: في رَجَبٍ، ولا يصِحُ.
وقيل: في شهرِ رَمَضانَ ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ بإسنادٍ لا يصح، وهو مُوافِق لمَن قالَ: إِنَّ أُمَّه حَمَلَتْ به في أيام التشريق.
وأعْرَبَ مَن قالَ: وُلِدَ في عاشوراء.
الجزء 1 · صفحة 54
وكذا اختلف أيضاً في أي يوم من الشَّهِرِ، فَقِيلَ: إِنَّه غيرُ مُعَيَّنِ، إِنَّمَا وُلِدَ يوم الإثنين من ربيع الأوَّلِ من غير تعيين، والجمهور على أنَّه يوم مُعيَّن منه:
فقيل: لِلَيلتَينِ خَلَتا.
وقيلَ: لثَمانِ خلَتْ منه.
قالَ الشَّيخُ قطبِ الدِّينِ القَسْطَلَانيُّ: وهو اختيار أكثر أهل الحديث ونقل عن ابن عباس، وجُبَيرِ بنِ مُطعِم، وهو إطلاق أكثر من له معرفة بهذا الشَّانِ، واختاره الحميدي، وشيخه ابنُ حَزْمٍ، وحَكَى القُضاعِيُّ في عيونِ المَعارِفِ إجماع أهل الزيج عليه.
وقيل: لعشر.
وقيل: لاثني عَشَرَ، وعليه أهلُ مكَّةَ في زيارتهم مَوضِعَ وِلادَتِه في هذا الوقت. وقيل: لسبعَ عَشرةَ، وقيلَ: لثَمانِ بقينَ منه.
والمشهور: أنه وليوم الإثنين ثاني عَشَرَ رَبيع الأوَّلِ، وهو قولُ ابنِ إسحاق وغيره.
واختُلِفَ أيضاً في الوقت الذي وُلِدَ فيه، والمشهورُ أَنَّه يوم الإثنين، فعن
أبي قتادة الأنصاري: أنَّه سُئِل صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الإثنين، قال: «ذاك يوم وُلِدتُ فيه، وأُنزِلَت عليَّ فيه النُّبوَّةُ». رَواهُ مُسلِمٌ، وهذا يدلُّ على أَنَّه وُلِدَ نَهَاراً.
وفي «المُسنَدِ» عن ابنِ عباس قالَ: وُلِدَ صلى الله عليه وسلم يومَ الإِثْنَيْنِ، واستُنبِي يوم الإثنين، وخَرَجَ مُهاجِراً من مكَّةَ إلى المدينةِ يوم الإثنين، ودخَلَ المَدينةَ يوم الإثنينِ، ورَفَعَ الحَجَرَ يوم الإثنينِ قال القَسْطَلَانيُّ: وكذا فتح مكَّةَ، ونزول سورة المائدة يوم الإثنين. يعني: المشتملة على آيةِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وهي آخر سورة نزلت. وقد رَوَى ابنُ أَبي شَيبةَ وأبو نُعَيمٍ في «الدَّلائلِ»: أَنَّه وُلِدَ عندَ طُلوعِ الفَجرِ.
وقيل: وُلِدَ ليلاً.
الجزء 1 · صفحة 55
قال الزَّركَشِيُّ: والصَّحيحُ أنَّ ولادته عليه السَّلامُ كانت نهاراً. قُلتُ: وأعْرَبَ القَسْطَلَانيُّ وقال: ليلة مولده صلى الله عليه وسلم أَفضَلُ من ليلةِ القَدْرِ من وجوه ثلاثة ... ذكرها، حيثُ لا يُفيدُ الإطلاق، مع أنَّ الأفضلية ليس إلا لكون العبادة فيها أفضَلَ بشَهادةِ النَّيِّ القُرآني: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3]، ولا تُعرَفُ هذه الفضيلةُ لِلَيلة مولده عليه السَّلامُ والتَّحِيَّة الله ولا من الكتاب ولا من السُّنَّةِ، ولا من أحدٍ من عُلماء الأمة.
وأما تضعيفُ ابنِ دِحيَةَ روايةَ سُقوطِ النَّجم عندَ مَولِده بأنَّه وُلِدَ نَهارا2 فَغَيرُ صحيح؛ لأنَّ سُقوطها خارِقٌ للعادة، فلا فرق فيه بينَ اللَّيلِ والنَّهَارِ، على أنَّه بعد الفَجْرِ، وللنُّجومِ حينَئِذٍ سُلطان كما في اللَّيلِ، أو يُقالُ: سُقوطُ النَّجمِ كَانَ في ليلةِ مولده إظهاراً لدُنوه وقُربه، وما قارَبَ الشَّيءَ يُعطَى حُكمَه.
ثم اختلف في مُدَّةِ الحمل، فقيل: تسعة أشهر، وقيل: عشرة، وقيل: ثمانية، وقيل: سبعة، وقيل: ستة.
قال القَسْطَلَانيُّ: َووُلِدَ عليه السَّلامُ في الدار التي كانت لمُحمَّدِ بنِ يوسف أخي الحجاج، ويُقالُ: بالشعب، ويُقالُ: بالرَّدْمِ، ويُقالُ: بعسفان. قال شيخُنا ابنُ حَجَرِ المَكِّيُّ: الصَّحيحُ - بل الصَّوابُ ـ بمَكَّةَ بمولده المشهور الآن.
قال العلماء: ولم يكن مولده صلى الله عليه وسلم في المُحرَّمِ، ولا في رَجَبٍ، ولا في
الجزء 1 · صفحة 56
رَمَضانَ، لئَلَّا يتشرف بالزَّمانِ، وإِنَّما الزَّمانُ يتشرفُ به كالمكان. قال القَسْطَلَانيُّ: وقد ذُكِرَ أَنَّه لمَّا وُلِدَ صلى الله عليه وسلم قيلَ: مَن يكفُلُ هذه الدُّرَّةَ اليتيمةَ التي لا يُوجَدُ لمثلها قيمة؟ فقالت الطيور: نحن نكفله ونعْنَمُ خِدمته العظيمة، وقالت الوحوش: نحن أولى بذلك، ننالُ شَرَفَه وتعظيمه، فنادى لسانُ القُدرَةِ: أن يا جميع المخلوقاتِ! إِنَّ الله تعالى قد كَتَبَ في سابقِ حِكمَتِهِ القَديمةِ أَنَّ نبيَّه الكريم يكونُ رضيعاً لحليمة الحليمة.
قالت حليمة فيما رواه ابنُ إسحاق، وابنُ رَاهَوَيهِ، وأبو يَعْلى، والطَّبَرَانِيُّ، والبيهقي، وأبو نُعَيمِ: قَدِمَتْ مكَّةَ نِسوة من بني سعد بن بكرٍ يلتَمِسْنَ الرُّضَعَاءَ في سنة شهباءَ، فَقَدِمتُ على أتان لي ومعي صبي لنا، وشارف لنا ـ أي: ناقة مُسِنَّةٌ مُهرَمَةٌ - والله ما تبضُ بقطرة، وما ننام ليلنا ذلك أجمَعَ معَ صبينا ذاك، لا يجد في ثديي ما يُغنيه، ولا في شارفنا ما يُغَذِّيه، فَقَدِمْنَا مكَّةَ، فَوَاللَّهِ ما علِمتُ منَّا امرأةٌ إلا وقد عُرِضَ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتأباه إذا قيلَ: يتيم، فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذَتْ رضيعاً غيري.
فلما لم أجد غيرَه قُلتُ لزوجي: واللهِ إِنِّي لأكرَهُ أن أرجع من بينِ صَواحبي ليس معي رضيع، لأنطَلِقَنَّ إلى ذلك اليتيم فلا خُذَنَّهُ، فَذَهَبتُ فإذا هو مُدرَجٌ فِي ثوبِ صُوفٍ أبيضَ من اللبن، يفوح منه المسكُ، وتحته حريرةٌ خضراء، راقِدٌ على قفاه يغُطُّ، فأشْفَقْتُ أن أوقظه من نومه لحُسنِه وجَمالِه.
الجزء 1 · صفحة 57
فدَنَوتُ منه رُوَيداً، فوَضَعتُ يدي على صدرِه فتبَسَّمَ ضَاحِكاً، وفتح عينيه ينظُرُ إليَّ، فخرج من عينيه نورٌ حَتَّى دَخَلَ خِلالَ السَّماءِ، وأنا أنظُرُ، فَقَبَّلَتُه بينَ عينيه، وأعطيتُه ثَديي الأيمن، فأقبل عليه بما شاء من لبَنِ، فحولته إلى الأيسر فأبى، وكانت تلك حاله بعد.
قال أهل العلم: أعلمه الله تعالى أنَّ له شَرِيكاً، فألهمه العَدْلَ.
فقالت: فرَوِيَ ورَوِيَ أخوه، ثمَّ أخذتُه فما هو إلا أن جِئْتُ به رَحْلي، وقامَ صاحبي ـ تعني زوجها - إلى شارِفِنا تلك، فإذا إنَّها لحافِلٌ، فَحَلَبَ ما شرِبَ وشَرِبتُ حتَّى رَوِينا، وبتنا بخَيرِ ليلةٍ.
فقال صاحبي يا حليمَةُ! واللهِ إِنِّي لأراكِ قد أخَذْتِ نَسَمَةٌ مُباركةً، أَلَمْ تَرَي مابتنا به اللَّيلةَ من الخيرِ والبَرَكَةِ حينَ أخذناه؟ فلَمْ يَزَلِ اللهُ يَزِيدُنا خَيْراً.
قالت حليمَةُ: فَوَدَّعتِ النَّاسُ بعضهم بعضاً، ووَدَّعْتُ أَنا أُمَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثمَّ رَكِبتُ أتاني، وأخَذْتُ محمَّداً صلى الله عليه وسلم بين يديّ، قالت: فَنَظَرْتُ إلى الأتانِ وقد سَجَدَتْ نحوَ الكَعبة ثلاثَ سَجَدَاتٍ ورَفَعَتْ رأسها إلى السَّماءِ، ثمَّ مَشَتْ حتَّى سبَقَتْ دَوابَّ النَّاسِ الذين كانوا معي، وصارَ النَّاسُ يتعجبون مِنِّي، ويقُلْنَ لي النساء وهُنَّ ورائي: يا بنتَ أبي ذؤيب! أهذه أتانُكِ التي كُنتِ عليها وأنتِ جائِيَةٌ معَنا تخفِضُكَ طَوْراً وترفَعُكِ أُخرى؟!
فأقولُ: تاللَّهِ إِنَّها هي، فيَتَعَجَّبْنَ منها، ويقُلْنَ: إِنَّ لها شأناً عظيماً.
قالت: فكنتُ أسْمَعُ أتاني تنطقُ وتقولُ: إِنَّ لي شأناً ثم شأناً، بعَثَنِي اللهُ بعد موتي، ورَدَّ لي سِمَنِي بعدَ هَزْلي، ويحكُنَّ يا نساء بني سَعدٍ، إِنَّكُنَّ لَفي غفلةٍ، وهل تَدرِينَ مَن على ظهري؟ على ظهري خيرُ النَّبيِّينَ، وسيد المرسلين، وأفضَلُ الأوّلين والآخِرين، وحَبيبُ رَبِّ العالمين.
الجزء 1 · صفحة 58
قالَت حَليمة فيما ذكره ابنُ إسحاقَ وغَيرُه: ثمَّ قَدِمْنا منازِلَ بني سَعدٍ، ولا أَعلَمُ أَرْضاً من أرض الله أجدَبَ منها، فكانَت غَنَمي تروحُ عليَّ حينَ قَدِمنا به شِباعاً لبَناً فنحلُبُ ونشرَبُ، وما يحلُبُ إنسان قطرة لبن، ولا يجِدُ في ضَرْعِ، حَتَّى كَانَ الحاضِرُ من قومنا يقولونَ لرعيانهم: اسرَحُوا حيثُ يسرَحُ راعي غَنَمِ بنتِ أَبِي ذُؤَيبٍ، فتروحُ أغنامهم جياعاً ما تبضُ بقطرَةِ لبَنِ، وتروحُ أغنامي شباعاً لَبَناً. فلِلَّه دَرها من بركةٍ كَثُرت بها مواشي حليمة، ونَمَتْ وارتَفَعَ قَدْرُها به وسَمَتْ،
ولم تزَل حليمَةُ تتعرَّفُ الخيرَ والسَّعادة، وتفوزُ منه بالحسنى وزيادة:
لقد بلَغَتْ بالهاشمي حَليمة مقاماً علا في ذِرْوَةِ العِز والمجد وزادَتْ مواشيها وأَحْصَبَ رَبْعُها وقد عَم هذا السعد كل بني سَعْدِ وفي كتابِ التَّرقيص» لأبي عبدِ اللهِ محمَّدِ بنِ المُعلَّى الأَزْدِيُّ: أَنَّ من شِعْرِ حليمة ممَّا كَانَتْ تُرَقِّصُ به النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:
يا رَبِّ إِذ أعطَيْتَهُ فَأَبقِهِ وأَعْلِهِ إلى العُلا ورَقّهِ وادحض أباطيل العِدَى بحقه
وزدت أنا: بِحَقِّهِ بِحَقِّهِ بِحَقِّهِ
وأخرَجَ البَيْهَقِيُّ، والخطيب وابن عساكر في «تاريخهما»، عن العباس بنِ عبد المُطَّلبِ قالَ: قُلتُ: يا رسول الله! دعاني الدخول في دينك أمارةٌ لنُبُوَّتِك، رأيتُكَ في المَهدِ تُناغي القَمَرَ، وتُشير إليه بأصبعك، فحَيثُ أشرتَ إليه مال، قالَ: «إِنِّي كنتُ
الجزء 1 · صفحة 59
أحدثه ويُحدِّثني، ويُلهيني عن البكاء، وأسْمَعُ وَجْبَتَه يسجُدُ تحت العرش. وفي فتح الباري» عن «سيرةِ الواقِدِي»: أَنَّه صلى الله عليه وسلم تكلَّمَ في أوائلِ ما وُلِدَ. وذكر ابنُ سَبْعِ في «الخصائص»: أَنَّ مَهدَه كانَ يتحَرَّكَ بتحريك الملائكة. وأخرَجَ البَيْهَقِيُّ وابنُ عَساكِرَ عن ابنِ عباس قالَ: كَانَت حَلِيمَةُ تُحدِّثُ أَنَّهَا أَوَّلُ ما فَطَمَتْ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تكلَّمَ فقال: الله أكبر كبيراً، والحمدُ اللهِ كثيراً، وسُبحانَ اللهِ بُكْرَةً وأصيلاً، فلما ترَعْرَعَ كانَ يخْرُجُ فينظُرُ إلى الصبيان يلعبون فيتَجَنَّبهم. الحديث. وقد رَوَى ابنُ سَعد، وأبو نُعَيم، وابن عساكر، عن ابن عباس قال: كانت حليمة لا تدعه يذهَبُ مكاناً بعيداً، فغفلت عنه، فخَرَجَ مَعَ أُختِه الشَّيماء في الظَّهيرة إلى البهم، فخَرَجَتْ حليمة تطلبه حتى تجده مع أُختِه، فقالت: في هذا الحر؟ فقالت أخته: يا أُمَّه! ما وَجَدَ أخي حراً، رأيتُ غَمَامةً تُظِلُّ عليه إِذا وَقَفَ
وَقَفَتْ، وإذا سارَ سارَتْ، حتَّى انتهى إلى هذا الموضع. الحديث.
قالت حليمة: فلمَّا فَصَلْتُه - أي: فَطَمْتُهُ - قَدِمْنا به على أُمِّه ونحنُ أَحرَصُ شَيءٍ على مُكثِه عندَنا؛ لِمَا نَرَى من بَرَكَتِه، فكلَّمنا أُمَّه، قُلنا: لو تَركتِيهِ عندَنا حَتَّى يغلُظَ، فإِنَّا
نَخشى عليه وباءَ مكَّةَ، ولم نزَل بها حتَّى رَدَّتْه مَعَنا، فَرَجَعْنَا بِهِ.
فوَاللهِ إِنَّه لبعدَ مَقدَمِنا بشهرين أو ثلاثة مع أخيه من الرَّضَاعَةِ لَفي بهم لنا خَلْفَ بُيوتِنا جَاءَ أخوه يشتَدُّ، فقالَ: ذاك أخي القُرَشيُّ قد جاءَه رَجُلانِ عليهما ثياب بيضُ، فأَضْجَعَاهُ وشَقَّا بطنَه، فخَرَجْتُ أنا وأبوه نشتَدُّ نحوه، فنَجِدُه قائماً مُنتَقِعاً لونُه، فاعتنقه أبوه وقالَ: يا بُنَيَّ! ما شأنُكَ؟
الجزء 1 · صفحة 60
قال: جاءَني رَجُلانِ عليهما ثياب بيضُ، فَأَضجَعاني، فشَقًا بطني، ثمَّ استَخْرَجا منه شيئاً فطَرَحاه، ثمَّ رَدَّاه كما كانَ، فَرَجَعْنا به معنا، فقال أبوه: يا حليمَةُ! لقد خَشِيتُ أن يكون ابني قد أُصيب، فانطَلِقي نَرُدُّه إلى أهلِهِ قبلَ أَن يَظْهَرَ به ما نتَخَوَّفُ. قالت حليمةُ: فاحْتَمَلْناه حتَّى قَدِمْنا به إلى أُمِّه، فقالت: ما رَدَّكُما به؟ فقد كُنتُما حريصين عليه، قلنا: نخشى الإتلاف والأحداث، فقالت: ما ذاك بكُما فاصدقاني بشَأنِكُما، فلم تدَعْنا حتَّى أخبرنا خَبَرَه، قالت: أخَشيتُما عليه الشَّيطانَ؟ فلا والله ما للشَّيطان عليه سبيل، وإنَّه لكائِن لابني هذا شأنٌ، فدَعاهُ عنكُما.
هذا وقد وَقَعَ شَن صَدره الشريف مرَّةً أخرى عند مجيء جبريل له بالوحي في غارِ حِرَاء، ومرَّةً أُخرَى ليلة الإسراء.
ولما بلغ أربع سنين، وقيل: خمساً، وقيل: سِتّاً، وقيل: سبعاً، وقيل: تسعاً، وقيل: اثنتي عشرة سنة وشهراً وعشرةَ أَيَّامٍ، ماتَتْ أُمُّه بالأبواء، وهو مَوضِعُ بينَ مكَّةَ والمدينة، وقيل: بشعب أبي دُب بالحجونِ.
وفي «القاموس»: ودار رائعة بمكة فيه مَدفَنُ أُمِّ النَّبِيِّ.
وقد أخرَجَ ابنُ سعد عن ابنِ عباس، وعن الزُّهْرِيِّ، وعن عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بنِ قتادَةَ، دَخَلَ حديثُ بعضهم في بعض قالوا: لمَّا بَلَغَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سِتَّ سَنينَ خَرَجَتْ به أُمه إلى أخواله بني عَدِيٍّ بنِ النَّجَّارِ بالمدينة تزورهم، ومعَه أُمُّ أيمن، فنزلت به دارَ النَّابغةِ، فأقامَت به عندَهم شَهْراً، فكان يذكُرُ أموراً كانت في مُقامِه ذلك، ونظر
الجزء 1 · صفحة 61
إلى الدَّارِ فقالَ: ههنا نَزَلَت بي أُمِّي وأحْسَنْتُ العَوْمَ فِي بَيْرِ بنِي عَدِيٍّ بنِ النَّجَارِ. وكان قوم من اليهود يختلفونَ، ينظرون إليَّ، قالَت أُمُّ أَيمَنَ: فَسَمِعتُ أحدهم يقول: هو نبي هذه الأمة، وهذه دارُ هِجرته، فوَعَيتُ ذلك كلَّه من كلامهم، ثمَّ رَجَعَت به أمه إلى مكَّةَ، فلمَّا كانت بالأبواءِ تُوُفِّيَت. وقد جَزَمَ الحافِظُ جَلالُ الدِّينِ السُّيوطِيُّ بأنَّ أَبوَيهِ صلى الله عليه وسلم ناجيان، والجُمهورُ على خلافه، وقد بيَّنتُه في رسالةٍ مُستَقِلَّةٍ ه، وقد كانت أُمُّ أَيْمَنَ بَرَكةُ دايته
349
وحاضنته بعدَ مَوتِ أمه، وكان عليه السَّلامُ يقول لها: «أنتِ أُمِّي بعدَ أُمي. ومات جده عبد المُطَّلِبِ كافِلُه وله ثماني سنين، وقيل: تسع، وقيل: عشر،
وقيلَ: سِتٌ. ولجدّه عَشر ومئة سنة، وقيل: مئة وأربعون سنة. وكَفَلَه أبو طالب، واسمه عبد منافٍ، وكانَ عبد المُطَّلبِ قد أوصاه بذلك لكونه
شقيق عبد الله.
ولمَّا بَلَغَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرَةَ سنةٌ خَرَجَ مَعَ عمه أبي طالبِ إِلى الشَّامِ، حتَّى بلَغَ بُصرى، فرآه بحيرا الرَّاهِبُ، واسمه جرجيس، فعَرَفَه بِصِفَتِه، فقال وهو آخِذُ بيده هذا سيد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين.
فقيل له: وما عِلمك بذلك؟ فقالَ: إنَّكم حينَ أشْرَفْتُم به من العقبة، فلم يبقَ شَجَرٌ ولا حَجَرٌ إِلا خَرَّ ساجداً، ولا يَسجُدُ إلا لنبي، وإِنِّي أَعرِفُه بخاتَمِ النُّبُوَّةِ في أسفل من غُضْروفِ كَتِفِه مثلُ التَّفَّاحة، وإنَّا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب أن يرُدَّه خَوفاً عليه من اليهود .. ، الحديث رواه ابن أبي شيبة، وفيه: أنَّه أقبلَ وعليه غَمامةٌ تُظلُّه.
والله در القائل:
الجزء 1 · صفحة 62
إِنْ قالَ يوماً ظلَّلَتهُ غَمامَةٌ هي في الحقيقة تحت ظل القائل وأخرج ابنُ مَندَه ـ بِسَنَدٍ ضَعيف - عن ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَبا بكرِ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عنه صَحِبَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثماني عشرةَ والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ابنُ عشرين سنةً، وهم يُريدونَ الشَّامَ في تجارة، حتَّى نَزَلا مَنزِلاً فيه سِدرَةٌ، فَقَعَدَ في ظِلُّها، ومضى أبو بكرٍ إلى راهِبٍ يُقال له: بحيرا، يسأله عن شيءٍ، فقال له: مَن الرَّجُلُ الذي في ظِلِّ الشَّجَرَةِ؟ قَالَ: محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ، قالَ: هذا والله نبي، ما استظل تحتها بعدَ عيسى عليه السَّلامُ
إلا محمَّدٌ، ووقع في قلب أبي بكر الصديق، فلمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم اتَّبَعَه. قال الحافِظُ العَسْقَلانيُّ في «الإصابة»: إِنْ صَحَتْ هذه القِصَّةُ فهي سَفْرَةٌ أُخْرَى بعدَ سَفْرَةِ أبي طالب
ثمَّ خَرَجَ ومعَه مَيسَرَةُ غُلامُ خديجة ابنة خُوَيلد بن أسد في تجارة لها، حتّى بلغَ سُوقَ بُصرَى، وله إذ ذاك خمس وعشرون سنةً، فنزلَ تحتَ شَجَرَةٍ، فقالَ نُسْطُورُ الرَّاهِبُ: ما نَزَلَ تحت ظل هذه الشجرةِ إلا نبي، وفي رواية: بعد عيسى، وكانَ مَيسرَةُ يرى في الهاجِرةِ مَلَكَين يُظِلَّانِه من الشَّمسِ.
ولما رجعوا إلى مكَّةَ في ساعةِ الظَّهيرةِ وخَديجةُ فِي عِليَّة لها، فرأتُ رسولَ اللهِ وهو على بعيره ومَلَكانِ يُظِلَّانِ عليه. رَواهُ أبو نُعَيمٍ وتزوج خديجة بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يوماً، وقيل: كان سنه إحدى وعشرين سنةً، وقيل: ثلاثين.
وكانت تُدعى في الجاهليَّةِ بالطَّاهِرَةِ، وكانت تحت أبي هالةَ بنِ زُرَارَةَ التَّميمي، فوَلَدَت له هِنْداً وهالَةَ، وهما ذَكَرانِ، ثمَّ تَزَوَّجَها عَتيق بن عائذ المخزومي فولَدَتْ له هنداً، وكان لها حين تزويجها بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من العُمرِ أربعون سنة.
الجزء 1 · صفحة 63
وكانت عَرَضَتْ نفسها عليه، فذكر ذلك لأعمامه، فخَرَجَ معه منهم حمزة حتّى دخل على خُوَيلِدِ بنِ أسد فخَطَبها إليه، فتزوجها صلى الله عليه وسلم وأصدَقَها عشرينَ بَكْرَةً، وَحَضَرَ أبو بكرٍ ورُؤَسَاءُ مُضَرَ، فَخَطَبَ أبو طالب فقالَ:
الحمد لله الذي جَعَلَنا من ذُرِّيةِ إبراهيمَ، وزَرْعِ إسماعيلَ، وضِنْضِي مَعد، وعُنصُرِ مُضَرَ، وجَعَلَنا حَضَنَةَ بيته، وسُوَّاسَ حَرَمِه، وجَعَلَ لنا بيتاً مَحجُوجاً وحَرَماً آمِناً، وجَعَلَنَا الحُكّام على النَّاسِ، ثمَّ إِنَّ ابنَ أخي هذا محمَّدَ بنَ عَبدِ اللَّهِ لا يُوزَنُ بِرجُلٍ إلا رَجَحَ به، فإنْ كانَ في المالِ قُلّ، فإنَّ المالَ ظِلّ زائِلُ وأَمرٌ حائِلٌ، ومحمَّدٌ مَن قَدْ عَرَفْتُم قرابته، وقد خَطَبَ خديجة بنتَ خُوَيلد، وبذل لها من الصَّداق ما آجِلُه وعاجِله من مالي كذا، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخَطَرٌ جليلٌ، فَتَزَوَّجَها.
ولمَّا بَلَغَ الا خمساً وثلاثين سنةً خافَتْ قُريش أن تَنْهَدِمَ الكعبةُ من السُّيولِ، فأَمروا باقُومَ مَولى سعيد بن العاص بأن يبني الكعبة المُعظَّمة، وحَضَرَ، وكانَ يَنقُلُ معهم الحجارة، وكانُوا يضعونَ أُزْرَهُم على عَواتِقِهم ويحمِلُونَ الحِجَارَةَ، فَفَعَلَ ذلك، فلبط به - أي: سَقَطَ من قيام، كما في «القاموس» ـ ونُودِيَ: عَورَتَكَ، فكانَ ذلك أَوَّلَ ما نُودِيَ، فقال له أبو طالب أو العبّاسُ: يا ابنَ أَخِي! اجْعَلْ إِزارَكَ على رأسك، فقال: «ما أصابني، ما أصابني إلا منَ التَّعري».
الجزء 1 · صفحة 64
ولما بلغ أربعين سنة - قيل: وأربعين يوما، وقيل: وعشرة أيام، وقيل: وشهرين، يوم الإثنين لسبع عشرة خلَتْ من شهر رمضان، وقيل: لسبع، وقيل: لأربع وعشرين ليلة، وقالَ ابنُ عبد البر: يوم الإثنينِ لَثَمانِ من ربيع الأَوَّلِ سنةً إِحدَ وأربعين من الفيل - بعثه الله رحمة للعالمين، ورسولاً إلى كافةِ التَّقلَينِ أجمعين. وأخرَجَ ابنُ جَرِيرٍ، وابنُ المُنذِرِ، وغيرهما، عن قتادة في قوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوءٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ، قالَ: جَعَلَه الله من أَنفُسِكُم، فلا تحشدوه على ما أعطاه الله من النُّبُوَّةِ والكرامة، عَزِيزُ عَلَيْهِ} مَا عَنَتَ مُؤْمِنَهم، حَرِيضُ} [التوبة: ???] على ضالهم أن يهديه الله.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشَّيخ عن ابنِ عباس في قوله: {عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ قال: شديدٌ عليه ما شَقَّ عليكم حَرِيصٌ عَلَيْكُم} أَن يُؤْمِنَ كُفَّارُكُم. والحاصل: أنَّه عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ؛ أي: شاقٌ عليه وصَعَبٌ لدَيه عَنتُكم وتَعَبُكم، ولذا رُفِعَ ببركته الخطأُ والنِّسيانُ والإكراه عنكم، ووُضِعَ عنكم الآصار والأغلال التي كانت على الأُمَمِ الماضية، حيثُ أتى صلى الله عليه وسلم بالمِلَّةِ الحنيفية السمحاء، والطَّريقَةِ المَرضيَّةِ النَّوراء.
ويحتمل أن يكونَ: عَزِيزُ منفصلاً عما قبله 4 متصلاً بما سيق له، فهو صِفَةٌ لـ «رسول»؛ أي: هو عزيزُ الوُجودِ، وكامِلُ الجُودِ، وبديعُ الجَمالِ، عَديمُ المِثالِ. أو عزيزٌ مُكرَّمٌ لدينا، فأعِزُوه وأكرِمُوه، وانصُرُوه وعَظْمُوه، ويُؤَيِّدُه القِراءةُ الشَّاذَةُ بالزَّاءَينِ في قوله: التؤمنوا بالله ورسوله وتعزّزُوهه.
أو معناه: غالب على جميع المُرسَلين، لكونه خاتم النبيين، أو لكون دينه غالباً على جميع الأديان، شامِلاً لكُلِّ زَمَانٍ ومَكانٍ، أو هو مُنتَقِمُ لأعدائه كما هو رَحيم بأحبَّائِهِ.
الجزء 1 · صفحة 65
عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ؛ أي: ضَرَرٌ عليه ضَرَرُكم، وشاقٌ عليه مِحَنكم؛ لكونه رحمة للعالمين، ورأفة للمؤمنين.
حَرِيصٌ عَلَيْكُم؛ أي: على إيمانِكُم وإيقانِكُم وإحسانِكُم. بالمؤْمِنِينَ؛ أي: على الخصوص رَءُوفٌ رَّحِيمٌ في غاية من الرّأفةِ والشَّفَقَةِ، ونهاية من اللُّطفِ والمَرحَمَةِ.
فقد أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جاء جبريل فقالَ لي: يا محمد! إِنَّ رَبَّكَ يُقرِئُكَ السَّلامَ، وهذا مَلَكُ الجِبالِ قد أرسَلَه إِليكَ، وأمَرَه أن لا يفعل شيئاً إلا بأمرِكَ، فقال له مَلَكُ الجِبالِ: إِنَّ اللهَ أمرني ألا أفعَلَ شيئاً إلا بأمرِك، إِنْ شئتَ هدَمْتُ عليهم [الجِبال]، وإِنْ شِئتَ رَمَيتُهم بالحَصباء، وإِنْ شِئتَ خَسَفْتُ بهم الأرض، قال: يا مَلَكَ الجبال! فإنِّي أنى بهم، لعله أن يخرُجَ منهم ذُرِّيَّةٌ يقولونَ: لا إلهَ إلا الله، فقالَ ملَكُ الجِبالِ: أنتَ كما سمَّاكَ رَبُّكَ: رَءُوفٌ رَحِيمٌ. وأخرج ابنُ مَردَوَيهِ، عن أبي صالح الحنفي قال: قال عبد الله: قالَ رسولُ الله: «إِنَّ الله رحيم، ولا يضَعُ رحمته إلا على رحيم»، قُلنا: يا رسول الله! كلُّنا نَرحَمُ أموالنا وأولادنا، قال: «ليس بذلك، ولكن كما قالَ اللهُ: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكَ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128].
ففي الحديثِ إشارَةٌ إِلى أَنَّ الرَّحمةَ ينبغي أن تكونَ عامةً وخاصَّةً؛ كما قال في الحديث الصحيح: «لا يُؤْمِنُ أحدكم حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفْسِه».
وفي الصحيح أيضاً: الرَّاحِمونَ يَرْحَمُهم الرَّحمنُ، ارحموا مَن فِي الأَرضِ يَرحمكم من في السَّماءِ».
الجزء 1 · صفحة 66
فَإِن تَوَلَّوْا؛ أي: أعرَضُوا، يعني الكفَّارَ عن الإيمان بك، أو جميع الخلقِ عنك وعن متابعَتِكَ، فَقُلْ حَسْبِى الله؛ أي: كافي في جميع أُموري، {لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أي: ليس لي رَبِّ سِواه، فلا أعْبُدُ إلا إِيَّاهُ، عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ؛ أَي: اعتَمَدْتُ، وإليه استَنَدْتُ، وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129] بالجر على أنه صفةُ «العرش» - وقُرِئَ بالرفع على أنَّه صِفَةُ الرَّبِّ ـ أي: الهَيكَلُ الجسيم المُحيط بجميع المخلوقات. وقد ورَدَ: أَنَّ الأَرَضِينَ السَّبعَ في جَنْبِ سماءِ الدُّنيا كَحَلْقَةٍ في فلاة، وكذا كلُّ سماء بالنسبة إلى أُخرى، ثمَّ جميعُ الأرضينَ والسَّماواتِ العُلى بِجَنْبِ العَرشِ كَحَلْقَةٍ في فلاة، ومع هذا رُوِيَ في الحديثِ القُدسِيّ: «لا يَسَعُني أرضي ولا سَمائي، ولكِنْ يسَعُني قَلبُ عبديَ المُؤمِنِ».
وأخرج أبو داود عن أبي الدرداء موقوفاً، وابنُ السُّنْيِّ عنه مرفوعاً: «مَن قالَ حينَ يُصبح وحين يمسي: حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} سبعَ مَرَّاتٍ، كفاهُ اللهُ ما أهمه من أمرِ الدُّنيا والآخِرَةِ».
وأخرَجَ ابن أبي شيبة وغيرُ واحد، عن ابنِ عباس، عن أُبي بن كعب قال: آخِرُ آية نزلت على النبي: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكَ مِنْ أَنفُسِكُمْ} [التوبة: ???] إلى آخرِ السُّورَةِ.
وفي رواية: قال أبي: فهذا آخِرُ ما أُنزِلَ من القُرآنِ، فَخُتِمَ الأمرُ بما فُتِحَ به، وهو لا إلهَ إلا الله، يقولُ اللهُ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] 2.
الجزء 1 · صفحة 67
فلْنَحْتِم بما خَتَمَ اللهُ تعالى به نُزولَ كلامه المُبينِ على خاتَمِ النَّبِيِّين، رجاءَ أَن يَختِمَ لنا بالخاتمة الحُسنَى، وأن يُبَلِّغَنَا المَقامَ الأَسنَى، فَضْلاً من الله وتوفيقاً، معَ الذينَ أَنعَمَ اللهُ عليهم من النَّبيِّينَ والصَّدِّيقين والشُّهداء والصَّالحينَ، وَحَسُنَ أولئكَ رفيقاً، ذلك الفَضْلُ منَ الله وكفى بالله عليماً، والحمدُ اللهِ أَوَّلاً وآخراً، وباطِناً وظَاهِراً، وحديثاً وقديماً، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً، وزادَه تكريماً وتشريفاً ومَهابَةً وتعظيماً.