الجزء 1 · صفحة 5
المقالة العذبة في العمامة والعذبة
تأليف العلامة
المَلا عَلَى القَاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
ربِّ زِدْنِي عِلماً يا كريمُ
الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الخَلْقَ خاصَّةً وعامَّةٌ، وهَدَاهم إلى المحَجَّةِ بالحُجَّةِ التّامَّةِ، والصَّلاة والسَّلامُ على المُظَلَّلِ بالغَمَامة، والمُنَزَّلِ لإعانته الملائكةُ
المُسَوَّمِينَ بالعمامة، وعلى آله وصحبه أصحاب العزّ والكرامة. أمَّا بعد: فيقولُ المُلتَجي إلى عفو ربِّه الباري، علي بن سُلطان محمد القَارِي، غَفَرَ ذنوبه، وستر عيوبه:
هذه رسالةةٌ حاويةٌ لمسألة مشتَمِلةٍ على: العِمَامِةِ، والعَذَبَةِ، كَمِّيَّةً وكيفيَّةٌ. فاعلم أوَّلاً: أنَّه قال تعالى إظهاراً لكمال مرتبة حبيبه: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: ?]، فجُعلَتْ المتابعَةُ شرطَ صِحَّةِ محبَّةِ العبدِ اللهِ سبحانه، وسبب محبَّتِه تعالى لعبده، وقد قالَ عَزَّ وَجَلَّ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمِ الْآخِرَ [الأحزاب: 21]. ثم اعلم: أنَّ أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ـ التي هي اختياريَّةٌ صالحة للاقتداء - أربعةُ: مُباحُ، ومُسْتَحَب، وواجب، وفَرضٌ.
والصَّحيح عندنا معشر الحنفية - على ما صرَّحَ به علماءُ أصولنا -: أَنَّ ما عَلِمْنا من أفعاله واقعاً على صفةٍ، نقتدي به في إيقاعه على تلك الجهة حتى يقوم دليل الخصوص، وما لم نعلم على أي جهةٍ من الجهات الأربع المتقدِّمِ ذِكرُها فَعَلَه، فلنا فِعْلُه على أدنى منازل أفعاله وهو: الإباحةُ.
وحاصلُ المَرامِ في هذا المقامِ: أَنَّ فِعْلَه:
الجزء 1 · صفحة 7
إنْ عُرفَ أنَّه كان سهواً؛ كالتسليم على ركعتي العصر، أو طبعاً؛ كالأكل والشرب والقيام وغيرها، أو مخصوصاً به كوجوب التهجد والضُّحى والزيادة على الأربع في النكاح وغيرها، لا يلزمنا الاتِّباعُ.
وإن كان غيرها: فقيل: يجب الوقوف فيه حتى يظهرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم على أي وجه فَعَلَه؛ من الإباحةِ والنَّابِ والوجوبِ؛ لأنَّ المتابعة لا تتحقق قبل معرفة صفة الفعل. وقيل: يجبُ اتِّباعُه ما لم يقم دليل المنع؛ لقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء: 59]. والمعتمدُ: أَنَّه يُعتقد فيه الإباحةُ؛ لتيقنها، إِلَّا إِذا دلَّ الدَّليلُ على الوجوبِ أو الندب، والله أعلم.
ثم اعلم: أنه ثبت في الأخبار والآثارِ: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم تَعَمَّمَ بِالعِمَامِةِ، مِمَّا كَادَ أَنْ يكون متواتراً في المعنى. وكذا ورد تحريضه على التَّعَمُّمِ في أحاديثَ كثيرة، ولو من طُرُقِ ضعيفة يحصل من مجموعها قوَّةٌ تُرقّيها إلى مرتبةِ الحَسَنِ؛ بل الصحة، وتفيد استحباب العمامة.
1 - منها: قوله: «اعْتَموا تزدادوا حِلْماً». رواه الطبراني والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً.
2 - ومنها: «اعْتَمُّوا وخالِفُوا الأُمم قبلكم». رواه البيهقي عن خالد بنِ مَعْدَانَ مرسلاً.
3 - ومنها: «اعتموا تزدادوا حِلْمَاً، والعَمَائمُ تِيجَانُ العرب». رواه ابنُ عَدِيٌّ والبيهقي عن أسامة بن عُمَيرٍ.
4 - ومنها: «إن الله أكرمَ هذه الأمة بالعمائم والألوية». رواه ابن وضاح عن مَعْدَانَ مرسلا.
5 ـ ومنها: «لا تزالُ أُمَّتي على الفطرةِ ما لَبِسُوا العمائم على القَلَنْسُوة». رواه الديلمي عن رُكَانة.
6 - ومنها: «فَرقُ ما بيننا وبين المشركين العمائم على القَلَانِس». رواه أبو داودَ والتّرْمِذِيُّ عن رُكَانةَ.
الجزء 1 · صفحة 8
7 - ومنها: «العِمَامةُ على القَلَنْسُوةِ فَصْل ما بيننا وبين المشركينَ، يُعطى المؤمنُ يومَ القيامةِ بكلِّ كَوْرَةٍ يُدَوِّرُها على رأسه نوراً». رواه البَاوَرْدِيُّ عن رُكَانةَ.
8 - وفي أخرى: ومَن اعْتم، فله بكُلِّ كَوْرَةٍ حَسَنةٌ، فإذا حَطَّ، فله بكل حَطَّةٍ حَطُّ خطيئة». ولولا شِدَّهُ ضَعف هذا الحديثِ لَكَانَ حُجَّةً لتكبير العمائم.
? - ومنها: «ركعتانِ بعِمامة خيرٌ من سبعين ركعةً بلا عمامة». رواه الديلمي في
مسند الفردوس عن جابر.
10 - ومنها: «صلاة تطوُّع أو فريضة بعمامة تعدِلُ خمساً وعشرينَ صلاةً بلا عمامة، وجُمُعة بعمامةٍ تَعْدِلُ سبعينَ جُمُعةً بلا عمامة». رواه ابن عساكر عن ابن عمر.
11 - ومنها: «إنَّ الله ملائكةٌ تَسْتَغفرُ للابسي العمائم يومَ الجُمُعَةِ». كذا رواه بعضُهم
12 - ومنها: «إنَّ للهِ عَزَّ وَجَلَّ ملائكةٌ يُصلُّونَ على أصحاب العمائم يومَ الجُمُعَةِ». كذا ذكره بعضُهم.
13 - ومنها: «العمائمُ وَقَارٌ للمؤمن، وعِز للعرب، فإذا وضعت العرب عمائمها، وَضَعَتْ عِزَّها». رواه الديلمي عن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ.
14 ـ ومنها: «العمائم تيجانُ العرب، فإذا وَضَعُوا العمائم، وَضَعُوا عِزَّهم». رواه الديلمي في مسند الفردوس عن ابنِ عباس رضي الله عنهما.
15 - ومنها: «العمائمُ تِيجَانُ العرب، والاختِباءُ حِيطَانُها، وجُلُوسُ المؤمِنِ في المسجدِ رِبَاطُه». رواه القُضَاعِيُّ والدَّيلَميُّ عن علي
16 - ومنها: «إنَّ العمائم تيجانُ المسلمين». رواه ابنُ عَدِيٌّ عن علي رضي الله عنه.
17 - ومنها: أنه كان يلبسُ القَلَانِسَ تحت العمائم وبغيرِ العمائم، ويلبس العمائم بغيرِ قلانس، وكان يلبسُ القَلَانِسَ اليَمَانيَّةَ؛ وهُنَّ البيضُ المُضْرَبَةُ، ويلبس ذواتِ الآذانِ في الحربِ، وكان رُبَّما نَزَعَ فَلَنْسُوَتَه فجعلَها سُترَةٌ بين يديه
الجزء 1 · صفحة 9
18 - وأما حديث: «خالفوا اليهود فلا تُصَمِّموا، فإِنَّ تَصْمِيمَ العَمَائِمِ من زِيِّ أهل الكتاب»، وحديثُ: «أعوذُ باللهِ من عمامةٍ صَمَّاءَ»، فقد قال الحافظ السيوطي: لا أصل لهذين الحديثين، انتهى.
وقال جماعة من الحُفَّاظِ: لم يتحرّر لنا شيء في طول عمامته وعَرْضِها، ومن ثَمَّ لمَّا سُئل عن ذلك الحافظ عبد الغني لم يُبدِ فيه شيئاً، وقال: قال بعضُ الحُفَّاظ المتأخرينَ: ورأيتُ مَن نَسَبَ لعائشةَ رضي الله عنها: أنَّ عِمامَه كانت في السَّفرِ بيضاءَ، وفي الحَضَرِ سوداء من صُوف، وكانت سبعة أذرع في عَرْضِ ذِراع، وكانت العَذَبَةُ في السَّفرِ من غيرها، وفي الحَضَرِ
منها. وهذا شيء ما علمناه، انتهى.
فتبيَّن أنَّ هذا المنقول عن عائشةَ لا أصل له وإِنْ قَلَّدَه صاحب «المدْخَلِ». إذ البَياضُ في السَّفرِ والسَّوادُ في الحَضَرِ، قَلْبُ الموضوع وعكس المطبوع، وخلافُ المعروف في المشروع؛ إذ ورد: أنه دخل مكَّةَ عام الفتح وعليه عمامة سوداء. فقيل: إنَّها على حقيقتها. وقيل: المراد بها أنَّها تسوَّدَتْ من المِغْفَرِ؛ فإِنَّهَا كَانَتْ فوقه على رواية. وقيل: سوداء من الوَسَخِ والغُبارِ، أو لتلطَّخِها بدُسُومَةِ الشَّعَرِ ودُهْنِهِ؛ لرواية أُخرى: دَسْمَاءُ.
وفي شرح «الكنز» للزيلعي من علمائنا: يُسَنَّ لُبسُ السَّوادِ؛ لحديث فيه. واستدلَّ غيرُه من العلماء بهذا الحديثِ على جواز لباسِ الثِّيَابِ السُّودِ وإِن كان البيضُ أفضل؛ لما ثبت في الحديثِ الصَّحيح: خيرُ ثِيابكم البيض
وقال: إنَّما لَبِسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم العمامة السوداء بياناً للجواز، كما ذَكَرَه النَّوويُّ في شرح مسلم.
وذكر في «الروضة»: أنَّه لم يَلْبَسُ السَّوادَ إِلَّا يومَ فتحِ مكَّةَ.
الجزء 1 · صفحة 10
وأمَّا طُولُ العِمامَةِ وعَرْضُها، فلم يُعلَم من الأحاديث ولا من السير على ما صرح به السَّيِّدُ جمالُ الدِّينِ المُحدِّثُ في كتاب «روضة الأحباب، لكن بعض علماء الحنفية ذكروا أنَّ العمامة التي كان يَلْبَسُ دائماً طوله سبعة أذرع، والتي يلبس في الجمعة والعيدِ طُولُه اثنا عشرَ ذِراعاً.
ويؤيده ما ذكره الجَزَرِيُّ في تصحيح المصابيح: قد تتبعتُ الكتب، وتطلبت من السِّيرِ والتَّواريخ لأقف على قَدْرِ عِمامَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فلم أقف على شيء حتى أخبرني من أثق به أنَّه وقف على شيء من كلامِ الشَّيخِ مُحي الدِّينِ النووي ذَكَرَ فيه: أَنه كان له عمامة قصيرة وعمامة طويلة، وأنَّ القصيرة كانَتْ سبعة أذرع، والطويلةُ اثنا عشر ذراعا، والله أعلم، انتهى. فقد عُلمَ: أَنَّه لم يَرِدْ في طُولِها وعَرضِها شيءٌ يُعتمدُ عليه، فلْيَقتَصِر الإِنسانُ على ما يليق به باعتبارِ عادةِ غالبِ أمثاله في محله الساكن فيه من البلاد.
وتبيَّنَ مُجمَلاً: أنَّ عِمامَته لم تكن بالكبيرةِ التي يُؤذي حَملُها ويُضعفه ويجعله عُرضةً للآفاتِ كما يُشاهَدُ من حال أصحابنا، ولا بالصَّغيرة التي تقصُرُ عن وقايةِ الرَّأْسِ من الحَرِّ والبرد؛ بل وَسَطاً بينهما.
ثم الفضائل الواردة في لبس العمامة مأخوذة من قوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31].
19 - وما وَردَ من: أنَّه ل كان يكتفي بالقَلَنْسُوَةِ أحياناً. ينبغي أنْ يُحمل على أيضاً ويسمى
ضرورة؛ من حَرِّ ونحوه، أو على استراحة في بيته، أو عند القُعود بين أصحابه، على بَيانِ الجواز، أو على غير حالة صلاة، أو في صلاةٍ نافلة، وهو مَحمَلُ كلام الإمامِ الغَزَالي: من أنَّه لا بأسَ بنزع العِمامَةِ قَبلَ الصَّلاةِ؛ للحَرِّ.
الجزء 1 · صفحة 11
وأما ما أحدَثَه فقهاء زماننا من أنَّهم يأتونَ المسجد بعمامة كبيرة، ثم يضعونها ويلُقُونَها بلفافة صغيرة، ويُصلُّونَ بغير عمامة، فمكروه غايةَ الكراهة، ولَيتَهم يتعمَّمُون بمناديل أكتافهم؛ فإنَّ الظَّاهِرَ أَنَّه يحصل به ثوابُ أصلِ التَّعمُّمِ على مقتضى اللُّغةِ وظاهر الشريعة، وإن لم يُعتَبر في العُرفِ العام.
ثم رأيتُ كلام الإمامِ في شرحِ شِرعَةِ الإسلام، في باب صلاةِ الجُمُعةَ:
العمامة مستحبة في هذا اليوم.
20 - فقد روى وَائِلَةُ بنُ الأَسْقَعِ: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللهَ وملائكته يُصلُّونَ على أصحاب العمائم يوم الجمعة.
21 ـ وفي الحديثِ: «جُمُعة بعمامةٍ أفضل من سبعين صلاةً بلا عمامة. . فإِنْ أَكْرَبَه الحَرُّ، فلا بأس بنزعِها قبلَ الصَّلاةِ وبعدها، ولكن لا ينزع في وقتِ السَّعي من المنزل إلى الجُمُعَةِ، ولا في وقتِ الصَّلاةِ، ولا عند صُعُودِ الإمام المنبر، ولا في حالِ الخُطبةِ، انتهى
22 - وروى التُّرْمِذِيُّ عن أبي كَبْشَةَ الأَنْمَارِيِّ رضي الله عنه قال: كانت كمام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بطحاً. رواه الترمذي.
وفي رواية: أَكِمَّة، وهما جمعُ كَثرَةٍ وقِلَّةٍ للكُمَّةِ؛ وهي القَلَنْسُوَةُ؛ يعني: أَنَّها كانَتْ منبطحة غير منتصبة ?.
23 - وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كانت له كُمَّةٌ بيضاء. رواه الدارقطني؟.
وليس كما وَهِمَ بعضُهم من أنَّ الكِمامَ جمعُ الكُم بالضَّمِّ، فما اختاره بعض مشايخ اليمن من طولِ القَلَنْسُوَةِ والاكتفاء بها غالباً، مخالف للسُّنَّةِ المستقرَّةِ والطَّريقة المستمرة.
وما أقبحَ فِعل بعضهم حيث جعلوها من ثوب الكعبة؛ فإنَّها تحرُمُ إجماعاً؛ لكونها من الحرير مع الخلافِ في صِحَّةِ تملكه.
ومما ورد في تحسينِ الهَيئةِ والتَّحملِ فِي البَدنِ واللُّبَاسِ:
الجزء 1 · صفحة 12
24 - ما رُوي: أَنَّه لو كان إذا أراد الخروج على أصحابه، نَظَرَ في الماء وسوَّى عِمامَتَه وشَعرَه، فقالَتْ له عائشة: أو تفعل ذلك؟ فقال: «نَعَمْ، إِنَّ اللهَ يُحبُّ للعبد أن يتزيَّنَ لإخوانه إذا خرج عليهم.
25 ـ وقد ورد في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ جَميلٌ يُحِبُّ الجمال»
26 ـ وفي حديث آخر: «إِنَّ اللهَ نظيف يُحِبُّ النَّظافة».
27 ـ وفي حديث جابر رضي الله عنه: أنه رأى رجلاً شعثاً قد تفرَّقَ شعره فقال: «ما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه؟» ورأى رجلاً عليه ثاب وَسِخَةٌ، فقال: «ما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه؟».
2? - وفي السُّنَنِ»: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ يَرى أثر نعمتِه على عبده.
وأكثرُ النَّاسِ واقعونَ في طَرَفَي الإفراط والتفريط في التَّجَمُّلِ والتَّقَسُّفِ، والمحمود هو المتوسط المعتدل، كما هو المعتبر في جميع الأحوال؛ من العقائد والأخلاق وسائر الأعمال، وهو الموافق لمتابعيه.
29 ـ وقد روى الترمذي والحاكم عن معاذ بن أنس مرفوعاً: «مَن تركَ اللَّبَاسَ تواضُعاً الله وهو يَقْدِرُ عليه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائقِ حتى يُخيّره من أي حُلَلِ الإيمانِ شاءَ
30 ـ وقد وردَ: احذروا الشُّهرَتينِ الصُّوفَ والخَزَّ». رواه أبو عبدِ الرَّحمنِ السلمي في سُننِ الصُّوفيَّةِ»، والدَّيلَميُّ في مسندِ «الفردوس عن عائشة رضيَ اللهُ
وقد لَبِسَ أبو حنيفة رحمه اللهُ رِدَاءً بأربع مئة دينار، وكان يقول لأصحابه: تجمَّلُوا كَيْلَا يُنظر إليكم بعين الحَقَارةِ، لكنَّه محمول على قصدِ التَّجمل، والاستغناء عن النَّاسِ، وتعظيمِ العِلمِ والتَّكبر على المتكبرين من أرباب الدُّنيا، والتبعد عن الظلمة والتذلل لهم، لا التفاخر والتعاظم على النَّاسِ سيما على الفقراء والصَّالحين، فالمدار على تحسين النية وتزيين الطَّوِيَّةِ.
وقد ورد في الحديث:
الجزء 1 · صفحة 13
31 - «إِنَّ الله لا ينظر إلى صُوَرِكم وأعمالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكمرونيَّاتِكم.
32 - و «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ».
?? - ونيَّة المؤمن خير من عمله. وفي الشرعة الإسلام لبعض علمائنا الأعلام: إنَّ من سنة الإسلام لبس المُرَقَّعِ والخَشِنِ من الشَّيَابِه.
34 ـ وفي الحديثِ: «مَن رَقَّ ثوبه، رَقَّ دِينُه».
35 - وقيل: كان عمر رضي الله عنه إذا رأى على رجل ثوبين رقيقين، علاه بالدرة، وقال: دعوا هذه للنساء.
نعم، قد تُرخُصَ في ذلك لمَن لا يلتزم بالزُّهد ويقف على رُخصةِ الشَّرِعِ. على ما في «العوارف».
36 -:ورُويَ: أنَّه لما جاءَ عبد الله بن عامر في بُرْدَةٍ إلى أبي ذَرٍ وسأله عن الزُّهد، جعلَ يَضْرِطُ ? في كَفَّه، ثم أعرضَ عنه ولم يُكلِّمه، فغضبَ ابن عامر وشكى إلى ابن عمر، فقال له: تأتي أبا ذر في هذه الثّيابِ وتسأله عن الزُّهْدِ وهم يقولون: الرِّيابُ الرّقاقُ ثيابُ الفُسَّاقِ.؟! كذا في «شرح الخطب». وأمَّا لُبسُ النَّاعم، فلا يصلحُ إِلَّا لعالم بحاله، بصير بصفاتِ نفسه، مُتفقد خَفِيّ شهواتِ النَّفس، يلقى الله بحُسنِ النِّيَّةِ في ذلك على ما نواه، ولحُسنِ النِّيَّةِ في ذلك وجوه متعددة يطولُ ذِكرُها، وقد كان الشَّيخُ أبو النَّجيبِ السُّهْرَ وَرْديُّ 1 لا يتقيَّدُ بهيئةٍ من الملبوس؛ بل كان يلبس ما يتفق من غير تعمل وتكلُّف واختيار، وقد كان يلبسُ العمامة بعشر دنانير، ويلبس العمامة بداني.
وسمعتُ من بعض المشايخ: أنَّ جُنَيداً قد لبس في بعض الأَيَّامِ صوفاً أخضر ثميناً في غاية البرق ونهاية اللطافة، فقيل له في ذلك، فقال: مَنْ يا عبدَ اللَّهِ! فَإِنَّ العِبرةَ للحرقة لا للخرقة.
والحاصلُ: أَنَّ الأنسب للمبتدئ أنْ يختارَ الدُّونَ من أمورِ الدُّنيا في كلِّ شيءٍ؛ من مأكوله ومشروبه ولباسه ومسكنه ونحو ذلك، وللمنتهي كذلك على الأفضل؛ للاقتداء، إلَّا إذا كان له نِيَّةٌ حسنةٌ، والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 14
وأمَّا الطَّيْلسَانُ، فقد استعمله الله على ما بيّنه السُّيوطي في رسالة سماها: طَيُّ اللَّسانِ عن ذَمَّ الطَّيْلَسَانِ، لكنْ حمله بعضُهم على أوقاتِ الضَّرورة كما ذكرهصاحب القاموس» في «الصراط المستقيم».
وقال ابن القيم: وأمَّا هذه الأكمام الواسعةُ الطُّوال التي هي كالأَخْرَاجِ، وعمائمُ كالأبراج، فلم يلبسها عليه السَّلامُ ولا أحدٌ من أصحابه، وهي مخالفةٌ لسُنّته، وفي جوازها نَظَرُ؛ فإِنَّها من جنس الخيلاء.
وقال صاحب المدخل: ولا يخفى على ذي بصيرةٍ أَنَّ كُمَّ بعض من يُنسب إلى العلم اليوم فيه إضاعةُ المالِ المنهي عنها؛ لأنَّه قد يُفصل من ذلك الكم ثوباً لغيره.
قال القَسْطَلَّانيُّ: لكنْ حَدَثَ للنَّاسِ اصطلاح بتطويلها، وصار لكل نوع من النَّاسِ شِعارٌ يُعرفون به، ومهما كان من ذلك على سبيل الخيلاء، فلا شَكٍّ في تحريمه، وأما ما كان على طريق العادة، فلا تحريم فيه ما لم يَصِلْ إلى جَر الذيل الممنوع منه، انتهى.
والحاصل: أنَّ الزّيادةَ على قَدْرِ السُّنَّةِ؛ فإمَّا مكروهة تحريميَّة أو تنزيهيَّةٌ، فالحَذَرَ كلَّ الحَذَرِ من الموافقةِ النَّفسيَّةِ وتركِ المتابعةِ القُدسيّة.
وقد أغرب ابنُ حَجَرٍ حيث قال في شرح الأربعين»: وقد اختلف العلماء في توسيع الأكمام؛ فجعله بعضُهم مكروهاً وبعضُهم سنة، انتهى. وقد علمت أنه ما ثبت توسيع الأكمام له ولأصحابه عليه وعليهم السلام، فالصَّوابُ أنْ يُقالَ: وجعله بعضُهم مباحاً، والله أعلم.
وأما أحاديثُ العَذَبَةِ:
?? - فمنها عن عمرو بن حُرَيْثٍ قال: رأيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أَرخى طَرَفَها بين كَتِفَيهِ. رواه مسلم وأبو داود.
وقوله: «طَرَفها»: في أكثرِ نُسخ «مسلم» بالتثنية، وفي بعضها بالإفراد. قال القاضي عياض: وهو الصَّوابُ المعروف.
الجزء 1 · صفحة 15
وقال القَسْطَلَّانيُّ: وفي رواية المسلم: أنه دخل مكة بعمامة سوداء من غيرِ ذِكرِ سَدْلٍ فيها. وهو يدلُّ على أنَّه لم يكنْ يَدُلُ دائماً.
??- ومنها: عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: كانَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا اعْتَمَّ سَدَلَ عمامته بين كَتِفَيه. قال نافع: وكان ابن عمر يفعل ذلك. رواه الترمذي في «الشمائل.
39 ـ ومنها: عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ رضيَ الله عنه قال: عَمَّمَني رسولُ اللهِ فَسَدَلَها بين يدي ومن خلفي. رواه أبو داوده.
40 ـ ومنها: عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: عَمَّمَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عبدَ الرَّحْمنِ ابن عوف، وأَرْخَى أربع أصابع. رواه الطبراني في «الأوسط» عن شيخه مقدامِ بنِ داود، وهو ضعيف.
41 - ومنها: عن ثوبان رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا اعْتَمَّ أَرْخَى عِمَامَتَهُ بين يديه ومن خلفه. رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه الحجَّاجُ بنُ رِشْدِينَ، ضُعَفَ.
42 - ومنها: عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنْ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عَمَّمَ عبد الرَّحمنِ ابنَ عَوْفٍ، فأرسلَ من خَلفِه أربعَ أصابع ونحوَها، ثم قال: «هكذا فاعْتَمَّ؛ فَإِنَّه أَعْرَبُ وأحسنُ». رواه الطبراني في «الأوسط»، وإسناده حسن.
وفيه إشعار بأنَّ العِمامة مع العَذَبَةِ أحسن، فيدلُّ على حُسنِ العِمامة بدون العَذَبَةِ، فيكون فيه رداً على من قال بالكراهة.
43 ـ ومنها: عن أبي عبدِ السَّلامِ قال: قلتُ لابنِ عمرَ: كيف كانَ رسولُ اللهِ يعْتَم؟ قال: كان يُديرُ كَوْرَ العِمامَةِ على رأسه، ويغْرِزُها من ورائه، ويُرسلها بين كَتِفَيهِ. رواه الطبراني في «الكبير»، وإسناده على شرطِ الصَّحِيحِ إِلَّا أَبا عبدِ السَّلامِ، وهو ثقة
الجزء 1 · صفحة 16
44 ـ ومنها: عن أبي موسى: أنَّ جبريل عليه السَّلامُ نزل على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وعمامته سوداء قد أَرْخَى ذَوائِبَها من ورائه. رواه الطبراني في الكبير عبد الله بن عامر وهو ضعيف
45 ـ ومنها: عن السَّائبِ بنِ يزيد قال: رأيتُ عمرَ بنَ الخَطَّابِ قد أَرْخى عمامته من خَلفِه. وفيه إيماء إلى اختصاصه.
46 ـ ومنها: عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَا يُوَلِّي وَالِيَاً حتى يُعَمِّمَه ويُرخي لها من جانبه الأيمن نحوَ الأُذُنِ. رواه الطبراني في الكبير وفيه إشارة إلى تخصيص هذه العِمَّةِ بأمراء هذه الأُمَّةِ؛ تمييزاً لهم عن العامَّةِ. 47 ـ ومنها: عن عبدِ اللهِ بنِ بُسْرٍ رضيَ الله عنه قال: بعث رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليَّا إلى، فعَمَّمَه بعمامة سوداء، ثم أرسلها من ورائه، أو قال: على كتفيه. رواه الطبراني
على ما في «القاموس» و «النّهاية» - ثم قال: رأيتُ أكثر الملائكةِ مُعْتَمِّينَ». هكذا أخرجه ابن عساكر.
49 ـ ومنها: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعْتَمُّ، قال: ويُدير
كَوْرَ العِمامة على رأسه، ويغْرِسُها من ورائه، ويُرخي لها ذُوَابةً بين كَـ كَتِفَيه وجاءَ عن وَايْلَةَ وابن الزبير رضي الله عنهما: أَنَّهما أَرْخَياها من خَلفِهما نحو ذراع.
وقد قال بعضُ الحُفَّاظِ: أقل ما ورد في طُولِها أربع أصابع، وأكثر ما ورد ذراع وبينهما شبر.
لكنَّ في عينِ العِلم مختصر الإحياء»: أنَّه يُرسلُ الذَّيْلَ بين الكَتِفَينِ إِلى قَدْرِ الشبر، أو موضعِ القُعود، أو نصفِ الظَّهرِ، وهو وَسَطٌ مُرخي. والكُلُّ مَروي. ـ
الجزء 1 · صفحة 17
ومنها: عن علي رضي الله عنه قال: عَمَّمَني رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يومَ غَدِيرِ خُم بعِمامةٍ، فَسَدَلَها خَلفِي - وفي لفظ: فَسَدَلَ طَرَفَها على مَنكِبي ـ وقال: «إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّني يومَ بَدْرٍ ويومَ حُنين بملائكةٍ مُعْتَمِّينَ هذه العِمَّةَ»، وقال: «إِنَّ العِمامة حاجزةٌ بين الكفر والإيمانِ»، وفي لفظ: بين المسلمين والمشركين». رواه ابنُ أَبي شَيبةَ والبيهقي والطَّيالسي.
52 ـ ومنها: عن ابن عمر رضي الله عنهما: «عليكم بالعمائم؛ فإِنَّه سِيمَاءُ الملائكةِ، وأَرْخُوا لها خَلفَ ظُهورِكم». رواه الطبراني، وكذا البيهقي عن عبادة.
53 ـ ومنها: عن عبد الأعلى بن عدي: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دعا عليَّاً فَعَمَّمَه
وأرخى عَذَبَةَ العمامة من خَلفه، ثم قال: «هكذا فاعْتَمُوا؛ فإِنَّ العِمامَةَ سِيمَاءُ الإسلام، وهي حاجزة بين المسلمين والمشركين». رواه الدِّيلَميُّ
54 ـ ومنها: عن علي رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَمَّمه بيدِهِ، فَذَنَّبَ العمامة من ورائه ومن بين يديه، ثم قال له النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَدْبِرْ» فأَدبر، ثم قال له: «أَقْبلُ فأَقبلَ، فأقبل صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقال: «هكذا يكونُ تيجان الملائكة». رواه ابنُ شَاذَانَ فِي مَشيَخَتِه».
55 ـ وفي رواية: أنه كان له عمامةٌ تُسمَّى السَّحَابَ، فَأَلْبَسَها إِيَّاهُ وأَرْخَى طَرَفَها.
56 ـ ومنها: عن ابن أبي رزين قال: شهدت عليَّ بن أبي طالب يوم عيد مُعْتَماً قد أَرْخَى عِمامَتَه من خَلفِه.
الجزء 1 · صفحة 18
وفيه إشعار بأن إرخاءَ العَذَبَة من الطَّرفين ملائم للإمارة وحال المُحارَبةِ، والإرخاء من خَلَفٍ في المحافلِ العِظامِ، أو مُختص بأئمة الأعلامِ وخُطباء الأنام، وفيما قبله إشعار بشعار الملائكة حين نَزَلُو المعاونيه صلى الله عليه وسلم كما أخبرَ اللهُ تعالى عنه بقوله: {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ الفِ مِنَ الْمَلَكَةِ مُسَوّمِينَ} [آل عمران: 135] بكسر الواو المشدّدة وفتحها؛ أي: مُعَلَّمِينَ.
57 ـ قال عُروة بن الزبير: كانت الملائكةُ على خَيلٍ بُلْقِ، عليهم عمائم صفرٌ مُرْخَاةٌ على أكتافهم.
58 ـ وجاء في رواية: عمائمُ سُودٌ على ما رواه ابنُ عبّاسٍ رضي الله عنهما. 59 - وفي أخرى: عمائم بيضٌ. على ما رواه أبو هريرَةً
وذَكَرَ السَّخَاوِيُّ عن «معجم الطبراني الكبير» بسند ين: أنَّه بعث عليَّاً حسن: إلى خيبر، فعَمَّمَه بعمامة سوداء، ثم أرسلها من ورائه، أو قال: على كَتِفِه الأيسر وتردَّدَ فيه، وربَّما جَزْمَ بالثاني.
قال الحافظ السيوطي بعدما ذكر بعض الأحاديثِ السَّابقة: هذا ما حَضَرَني الأحاديثِ في العَذَبَةِ، فقولُ الشَّيخ مجدِ الدِّينِ: «كان لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَذَبَةٌ 6. صحيحٌ. وقوله: «طويلةٌ». لم أرَه، لكن يُمكنُ أَنْ يُؤخذ من أحاديثِ إِرخائها بين كتفيه. وقوله: «بين كتفيه». صحيح، كما تقدَّمَ. وقوله: «وتارةً على كتفه». لم أقف عليه من لبسه، لكن من الباسِه، كما تقدَّمَ في تعميمه عليَّاً وعبدَ الرَّحمنِ بنَ عوفٍ رضيَ اللهُ عنهما.
وقوله: «ما فارقَ العَذَبَةَ قَطُّ». لم أقف عليه في حديث؛ بل ذَكَرَ صاحب «الهدي» أَنَّه كان يَعْتَمُّ تارةً بِعَذَبَةٍ وتارةً بلا عَذَبَةٍ، انتهى.
وتَبعَه ابنُ حَجَرٍ ولم يُسند إليه، وشَنَّعَ بقوله وهو مردود.
الجزء 1 · صفحة 19
أقول: لكن في هذا النقل عن المَجْدِ نَظَرُ؛ فإنَّه مخالف لمَا ذَكَرَ في كتابه المسمى بـ «الصراط المستقيم حيث قال: كانَ يُرسلُ عَذَبَةَ العِمامَةِ بينَ كَتِفَيه أحياناً، وتارةً يلبس العمامة بلا عَذَبَةٍ، وتارةً كان يُحَنَّكُ، وتارةً يلبس العمامة بلا فَلَنْسُوَة، وأُخرى معها، وتارةً يلبسُ فَلَنْسُوَةً بلا عِمامةٍ ويُرسلُ عَذَبَةَ العِمامة بين كتفيه في أكثر الأحوال، انتهى. فقوله: «ما فارق العَذَبَةَ قَطُّ محمول على المبالغة في المداومة، أو مُنَزَّلُ للأكثرِ منزلةَ الكُلِّ كما في رواية عائشةَ: كان يصوم شعبانَ كُلَّه.
وقال النووي في «شرح المهذب»: يجوز لبس العمامة بإرسالِ طَرَفِها وبغير إرساله، ولا كراهة في واحد منهما، ولم يصح في النهي عن ترك إرسالها شيء، وإرسالها إرسالاً فاحشاً كإرسال الثّوبِ فيحرُمُ للخيلاء، ويُكرَهُ لغيرِ الخيلاء؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «الإسبال في الإزار والقميص والعمامةِ، مَن جَرَّ شيئاً خُيلاء لم ينظر الله إليه يومَ القيامةِ». رواه أبو داودَ والنَّسَائِيُّ بإسناد صحيح
وأما إذا اقتدى الشخص به صلى الله عليه وسلم في عمل العَذَبَةِ وحصل له من ذلكَ خُيلاءُ، فدواؤُه أَنْ يُعرِضَ عنه ويُعالج نفسه على تركه، ولا يوجب ذلك ترك العَذَبَةِ؛ فإن لم تزل إلَّا بتركها، فليتركها مدَّةً حتى تزولَ؛ لأنَّ تركها ليس بمكروه، وإزاله الخُيْلَاءِ واجبةٌ، انتهى قال ابنُ حَجَرٍ: ويلزمه تركُ فَرْض أو نَفْلٍ خَشِيَ فيه الرياءَ مُدة كذلك، وفيه نَظَرُ ظاهر. انتهى
وأغرب فيه حيث قال: ويلزمُه ترك فرض، وليس الكلام فيه ولا في السُّنَّةِ؛ بل في عبادة تركها ليس بمكروه.
ثم تعقب ابن أبي شريف النووي: بأنَّ ظاهر كلامِه أَنَّ إرسال العَذَبَةِ من المباح المستوي الطرفين، قال: وليس كذلك؛ بل الإرسال مُستحَبُّ وتَرْكُه خلافُ الأولى. كذا ذكره الحَطَّابُ.
الجزء 1 · صفحة 20
لكن فيه بحث، إذ قوله: «لا كراهة في إرسال العذبة ولا عدم إرسالها». مبني على أنه لم يصح نهي عن ترك إرسالها، وهو لا ينافي كون الإرسال مستحبَّاً وتركه خلافُ الأولى.
وقد صرّح علماؤنا الحنفية باستحباب إرسالِ العَذَبَةِ أيضاً، وعرَّفوا المُستحَبَّ بأنه: ما كان يفعله أحياناً ويتركه أحياناً، بخلافِ السُّنَّةِ، فإنَّه: مواظبةٌ
مع ترکه نادراً. وقد سبق أنه كان يُرسل أحياناً ولا يُرسل أوقاتاً. وفي شرح الشَّمائل لميرك شاه رحمه الله: وقد ثبت في السِّيرِ بروايات صحيحة: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُرخي علاقته أحياناً بين كتفيه، وأحياناً يلبس العمامة من غيرِ عَلَاقَةٍ. فعلمَ أَنَّ الإتيان بكُلِّ واحدٍ منهما سُنَّةٌ. انتهى.
وأمَّا النَّهيُّ عن عدمِ الإرسال، فلم يرد في شيء من الطُّرُقِ، وتصريحُ الشَّيخ عبد القادر الجيلي من الحنابلة في كتاب «الغُنية» باستحباب إرسالها وكراهة الاقْتِعَاطِ وهو: أن يعتم بالعمامة ولا يجعل منها شيئاً تحتَ ذَقَنِه 4 ليس بحُجَّةٍ، مع أنَّ ظاهر بعض أحاديثِ العَذَبَةِ أَنَّها مختصَّةٌ بالأُمراء وأمثالهم؛ للتمييز عن أقرانهم. ولعل هذا هو الوجه الأوجَهُ المناسبِ لأَنْ يكونَ مختصاً بالمشايخ المُرشدِينَ والعلماء المُفيدين.
وأمَّا محصلُ كلام صاحب المدخل من المالكيَّةِ من أنَّ العِمامَةَ بغيرِ عَذَبَةٍ ولا تخنيك بدعةٌ مكروهة، فإنْ فُعِلا فهو الأكمل، وإنْ فُعَلَ أحدهما، فقد خُرجَ به من المكروه. فمدخول؛ إذ مع ثبوت عدم إرساله صلى الله عليه وسلم أحياناً كيف يتصوَّرُ كونه بدعة؟ ومع عدم وجودِ النَّهي عن تركِ الإرسال كيف يُعدُّ مكروهاً؟ مع أنَّ التَّحْنيكَ ليس بمذكور في الأحاديثِ إِلَّا ما ذكره صاحب «القاموس» فيدلُّ على أَنَّه صَدَرَ عنه نادراً.
الجزء 1 · صفحة 21
وأما ما نقله صاحب المواهب» عن عبد الحقِّ الإشبيلي من المالكية: أَنَّه قال: وسُنَّةُ العِمامة بعد فعلها: أنْ يُرْخيَ طَرَفَها، ويُحنِّكَ به، فإِنْ كَانَتْ بغيرِ طَرفٍ ولا تَحْنيك، فتكرَهُ عند العلماء. فينبغي أنْ يُحمل على أنَّ مراده بالعلماء علماء المالكية.
ثم قال: واختلف في وجه الكراهة؛ فقيل: لمخالفة السُّنَّةِ، وقيل: لأنَّها عمائمُ الشَّياطين، انتهى وفي التعليلين نَظَرُ؛ إذْ الثَّاني لم يَثْبُتْ، وقد ألَّفَ في نَفْيِه بعض العلماء، والأوَّلُ ثبت فعله صلى الله عليه وسلم بعدم الإرسال، فتركه لا يكون مخالفاً للسُّنَّةِ.
قال ابن أبي شريف: وههنا تنبيه وهو: أنَّ العَذَبَةَ صارت من شِعارِ السَّادَةِ الصُّوفيَّةِ وأكابر العلماء، فإذا تلبس بشعارهم ظاهراً مَنْ ليس منهم حقيقةً بِقَصْدِ التَّعاظم على غيره، أثمَ باتِّخاذها بهذا القصدِ [وكذلك لو فُرضَ اتخاذها بهذا القَصْدِ] مِن عالمٍ أو صوفي، فإنَّه يأثم به؛ سواءٌ أَرْسلَها أو لم يُرسلها، طالَتْ أو لم تَطْلُ، انتهى. وحاصله: أنَّ قصدَ التَّعاظم مذموم مطلقاً، وهو لا ينافي معالجته بتركِ الإرسال الناشئ منه هذا القصد مع ما فيه من الرِّياءِ والسُّمعةِ والتَّشبع بما لم يُعطَ، والتَّلبس بلباس النُّورِ، والتَّحمُّدِ بما لم يفعل، ونحو ذلك، ولعلّ هذا هو وجه تركِ أكثر العلماء والصلحاء للإرسال في أكثر البلاد.
وقد قال الزَّرْكَشِيُّ: وينبغي أنْ يُحرَّمَ على غيرِ الصَّالِحِ التَّرَبِّي بِزِيَّهِ إِذا كان فيه تغرير للغير حتى يَظنَّ صلاحه ليُعطيه.
الجزء 1 · صفحة 22
ويؤيده قولُ ابنِ عبدِ السَّلامِ: لِغَيْرِ الصَّالِحِ لُبسُ زِيَّهِ ما لم يخف فتنةً. ومن ثَمَّ صرَّحَ جماعةٌ من العلماء منهم الغَزَاليُّ: بأنَّ كلَّ مَن أُعطيَ شيئاً لصفة ظُنَّتْ به لا يجوز له القبولُ إلَّا إذا كان كذلك باطناً. انتهى فيُؤخذ من مجموع ذلك: أنَّ مَن يكون من السفهاء، ليس له أن يلبس عِمامة الفقهاء، ولا عبرة بكون أحد آبائه من العلماء.
قال ابنُ حَجَرٍ: وقد ثبت إرسال العَذَبَةِ بين الكتفين وإلى الجانب الأيمن، والأوَّلُ أفضل؛ لأنَّ حديثه أصح، ولا يُسن إرسالها إلى الأيسر؛ لأنه لم يرد، ولذا اعترض على الصُّوفيَّة في إيثار هم له؛ نظراً إلى أنَّه جانب القلبِ فيُذكِّرَه تفريغه مما سوى ربه، ولم ينظروا إلى الوارد، اللهمَّ إِلَّا أَنْ يُلتمس لهم العُدْرُ بأنَّ ذلك الوارد لم يبلغهم.
قلت: قد ورد في حديث عليّ كرَّمَ اللهُ وجهَه ـ على ما رواه الطبراني في «الكبير»
كما سبق من نَقْل السَّخاوي -: أنَّه أرسلها على كَتِفه الأيسر؟. فلعلهم اختاروا هذه الرواية لما ظهر لهم من النكتة والحكمة، مع أنَّ هذه الهيئة غير معروفة عند أكثرهم، ولا مذكورة في كتبهم، فَيُحمل إطلاق الصُّوفيَّةِ على بعضهم.
وفي «المواهب»: قال ابن القيم في «الهدي النبوي»: وكان شيخ الإسلام ابنُ تَيميَّةً يذكرُ في س سببِ الذُؤابة شيئاً بديعاً، وهو: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إِنَّما أَتَّخِذَهَا صبيحة المنام الذي رآه بالمدينةِ لمَّا رأى رَبَّ العِزَّةِ، فقال: «يا محمد! فِيمَ
يختصم الملأ الأعلى؟ قلتُ: لا أدري. فوضَعَ يده بين كَتِفَيَّ فَعَلِمْتُ ما بينَ السَّماءِ والأرض ... الحديث». وهو في الترمذي، وسئل عنه البخاري فقال: صحيح. قال: فمن تلك المدة أرخى الدُّوَابةَ بين كتفيه. قال: وهذا من العلم الذي تُنكرُه أَلسِنةُ الجُهَّالِ وقلوبهم. قال: ولم أرَ هذه الفائدة في شأنِ الدُّوَابَةِ لغيره. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 23
وعبارة غير «الهدي»: وذَكرَ ابنُ تَيْمِيَّةَ: أَنَّه صلى الله عليه وسلم لَمَّا رأى رَبَّه واضعاً يده بين كَتِفَيه أَكرَمَ ذلك الموضع بالعَذَبَةِ. انتهى?. لكن قال العراقي بعد أن ذكره: لم نجد لذلك أصلاً، انتهى.
وقد اعترف ابنُ القَيِّمِ أيضاً بذلك كما تقدَّمَ، لكنَّ ابنَ حَجَرٍ شنَّعَ عليه تشنيعاًبليغاً فظيعاً في شرح الشَّمائل للتَّرْمِذِيّ حيث قال بعد كلام العراقي: بل هذا من قبيح رأيهما وضَلالهما؛ إذْ هو مبني على ما ذهبا إليه وأطالا في الاستدلال له والحَطَّ على أهلِ السُّنَّةِ في نَفْيهم له، وهو إثباتُ الجِهَةِ والجسمية لله، تعالى عمّا يقولُ الظَّالمونَ والجاحدون علوّاً كبيراً، ولهما في هذا المقامِ من القبائح وسوء الاعتقادِ ما تُصَمُّ عنه الآذان، ويُقضَى عليه بالنُّورِ والكذب والضَّلالِ والبُهتانِ، قبَّحهما اللهُ وقَبَّحَ من قال بقولهما، والإمام أحمد وأجلاء مذهبه مبرَّؤونَ عن هذه الوَصْمَةِ القبيحةِ، كيف وهي كُفر عند كثيرين.
قلتُ: صانَهما الله عن هذه الصَّمَةِ القَبيحة، والسِّمَةِ الفضيحة.
الجزء 1 · صفحة 24
ومن طالع شرحَ منازل السائرين، تبيَّن له أنهما كانا من أكابر أهل السُّنَّةِ والجماعة، وممَّا ذكره ابن القيم في الشرح المذكور ما نصه: وهذا الكلام من شيخ الإسلام - يعني: الشيخ عبد الله الأنصاري قُدَّسَ سِرَّه صاحبَ «المنازلِ - يُبَيِّنُ مرتبته من السُّنَّةِ، ومقداره من العلم، وأنه بريء ممَّا رَمَاه به أعداؤُه الجَهْمِيَّةُ من التشبيه والتَّمثيل، على عادتهم في رمي أهل الحديث والسُّنَّةِ بذلك؛ كرَمْي الرافضة لهم بأنهم نواصب، والمعتزلة بأنهم نابتُ ه حَشْوِيَّةٌ، وذلك ميراث من أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم في رميه ورَمْي أصحابه بأنَّهم صَبَأَةُ وقد ابتدعوا دِيناً مُحدَثاً، وهذا ميراثُ لأهل الحديث والسُّنَّةِ من نبيهم بتلقيب أهل الباطل لهم بالألقاب المذمومة، وقدَّسَ اللهُ رُوحَ الشَّافعي حيث يقول وقد نُسب إلى الرَّفْضِ:
إنْ كانَ رَفْضاً حُبُّ آلِ محمد فلْيَشْهَدُ الثَّقَلانِ أَنِّي رَافِضِي
ورضي الله عن شيخنا أبي عبدِ اللهِ ابن تيميَّةَ حيثُ يقولُ:
إنْ كانَ نَصْباً حُبُّ صَحْبِ محمَّدٍ فلْيَشْهَدِ الثَّقَلانِ أَنِّي نَاصِبي وعفا الله عن الثَّالِثِ حيثُ يقولُ:
فإِنْ كانَ تَجْسِيماً تُبوتُ صِفَاتِه وتَنْزِيهُهَا عَنْ كُلِّ تَأْوِيلِ مُفْتَرِ
فإنّي بحَمْدِ اللهِ رَبِّي مُجَسم هَلُمُوا شُهُودَاً واملَؤوا كَلَّ مَحْضَرِ ومما ذكره في الشَّرحِ المذكورِ ممَّا يدلُّ على حُسنِ عقيدَتِه وزَينِ طَوِيَّتِه ما نصه:
الجزء 1 · صفحة 25
إِنَّ حفظَ حُرمة نصوص الأسماء والصفاتِ بإجراء أخبارها على ظواهرها، وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى أفهام العامَّةِ، ولا نعني بالعامَّةِ الجُهَالَ؛ بل عامَّةَ الأُمَّةِ، كما قال مالك رحمه الله وقد سُئل عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] كيف استوى؟ فأَطرَقَ مالكٌ حتى علاه الرُّحَضَاءُ، ثم قال: الاستواء معلوم، والكيف غيرُ معقول، والإيمان به واجب والسُّؤال عنه بدعةٌ. فرَّقَ بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة وبين الكيف الذي لا يعقله البشر، وهذا الجواب من مالك رحمه الله شافٍ عام في جميع مسائلِ الصِّفاتِ ?؛ من السَّمع والبصر والعلم والحياةِ والقُدْرَةِ والإرادة والنزولِ والغضبِ والرَّحمةِ والضَّحِكِ، فمعانيها كلُّها معلومةٌ. وأمَّا كيفيتها، فغيرُ معقولة؛ إذْ تَعقُلُ الكيف فرعُ العلم بكيفيَّةِ الذَّاتِ وَكُنْهها، فإذا كان ذلك غير معلوم، فكيف يُعقل لهم كيفيَّةُ الصِّفاتِ؟
والعِصْمةُ النَّافعةُ في هذا البابِ أنْ يَصفَ الله بما وَصَفَ به نفسَه، وبما وَصَفَ به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ بل تُثبت له الأسماء والصِّفاتِ، وتنفي عنه مشابهة المخلوقات، فيكونُ إثباتُكَ مُنزَّهاً عن التَّسْبِيهِ، ونَفْيُكَ مُنزّهاً عن التَّعطيل؛ فمَنْ نَفَى حقيقة الاستواء فهو مُعطل، ومَن شَبَّهَهُ باستواء المخلوقِ على المخلوق فهو مُمَثَلٌ، ومَن قال: هو استواء ليس كمثله شيء فهو الموحد المُنزّه. انتهى كلامه وتبيَّن مَرامه، وظهر أنَّ معتَقَدَه هو معتَمَدُ. جمهورِ السَّلفِ وأكثر الخَلفِ من أهلِ السُّنَّةِ والجماعة، وحيث انتفى عنه وعن شيخه التجسيم، فالمعنى البديعُ الذي ذَكَرَه في الحديثِ له وجهٌ وَجِيه عند أربابِ الذَّوقِ السَّليم؛ سواء كان الرُّؤية من باب الرُّؤيا المناميَّةِ، أو من التَّجَلَّياتِ الصُّورِيَّةِ.
الجزء 1 · صفحة 26
هذا، وقد قال المَجدُ الفَيرُوزُ آبادي في الصِّراط المستقيم»: جاءَ في بعض الأحاديث: أنَّ ليلة رأى النبي الا الله فيها رَبَّه عَزَّ وجَلَّ فقال له: «يا محمد! فيمَ يختصمُ الملأُ الأعلى؟ قلتُ: لا أدري، قال: فوضع يده بين كَتِفَيَّ فَعَلِمتُ ما بين السَّمَاءِ والأرضِ»، فأرَسَلَ العَذَبَةَ صبيحةَ تلك الليلة بين كَتِفَيهِ. ولا شكٍّ أنَّ مَن حفظَ حُجَّةٌ على من لم يحفظ، وحُسنُ الظَّنِّ بِالنّقاتِ من مُسْتَحْسَنِ الصِّفاتِ، والحمدُ للهِ الذي بنعمته تتم الصالحات.