القول السديد في خلف الوعيد
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
القول السديد في خلف الوعيد
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
ربِّ زِدْنِي عِلْماً يا كريم
الحمدُ للهِ الذي هَدَى وأرشَدَ، ووَعَدَ وأَوْعَدَ، ولا خُلْفَ فيما أَخْبَرَ وأَوْرَدَ والصَّلاة والسّلامُ على البشير للمُوافقين، النَّذير للمخالفين، وعلى الآلِه والأصحاب الجامعين بين الخَوفِ من العِقابِ، والرَّجاءِ للثّوابِ.
أما بعد:
فيقولُ المُفتَقِرُ إِلى عَفْوِ ربِّه البارِي، عليُّ بنُ سُلطانِ محمَّدٍ القارِي، عَامَلَهُما اللهُ بلُطفِهِ الخَفِيِّ وكَرَمِهِ الوَفِي:
إنِّي رأيتُ في تصنيف بعض المُتأخرين، بل عُمدَةِ المُعتبَرين، من العُلماء الشّافعيّة، والحاوِي للأقوالِ النَّوَوِيَّةِ والرَّافِعِيَّةِ، في «شرح المشكاة» في الدُّعاءِ المأثور من الدر المنشور: «اللَّهُمَّ لا يُهزَمُ جُندُكَ، ولا يُخْلَفُ وَعْدُكَ»، حيثُ قال: أي: وَعدُكَ بإثابة الطائعين، بخِلافِ تعذيب العاصينَ، فَإِنَّ خُلْفَ الوَعِيدِ گرم، وخُلْفَ الوَعدِ بُخْلٌ ولُوْم.
فظَهَرَ لي أنَّ هذا بإطلاقه غير صحيح؛ لأنَّ ما يَرِدُ عليه ويَرُدُّه كما سنُورِدُه صَرِيح، فَسَأَلتُ بعضَ فُضَلائِهم، بل عَينَ عُلمائِهِم، عن كَشْفِ المَسأَلِةِ
المذكورة، وعلى بيانها في كتبهم المَزْبُورَةِ، رَجاءَ أن أطَّلِعَ على حقيقتها، فلَمْ أَعْدِلُ عن طريقتها، فقال بمُقتَضَى طَبعه السّليم وفهمه القويمِ، بعدَ نُبذة من المذاكرة، وقطعة من المُحاوَرَة: إنَّ الخلاف لفظي، والتَّحقيقُ أَنَّه ليسَ بِمَعنَوِيّ. ثمَّ بعدَ المُفارَقَةِ ذَهَبَ إلى تقليدِ مَذهَبِهِ، ورَجَعَ مَيْلُه إِلى مَشْرَبِه، وأَرسَلَ إِلَيَّ
بكلامٍ مَضمونه هذا: أَنَّه مَذهَبُ الأَشْعَرِيَّة، وعليه مَشْرَبُ الشَّافعيّة. فها أنا أُورِدُ ما بَرَزَ لي من النُّقول، وما ظَهَرَ لي من وَجْهِ المَعقول، وسميته: «القَولُ السَّديدُ فِي خُلْفِ الوَعِيدِ»
فأقول وبالله التوفيق، وبيَدِه أَزِمَّةُ التَّحقيق: إِنَّ الوَعْدَ في اللُّغةِ أَعَمُّ من الوعيدِ ذِكراً، يقالُ: وَعَدتُ الرَّجُلَ خيراً وشراً، فإذا لم تذكُرِ الشَّرَّ قلتَ: وَعَدتُه،
وإذا لم تَذكُرِ الخَيرَ قُلتَ: أَوْعَدتُه.
ومنه قول كعبِ بنِ زُهَيْرٍ رضي الله عنه في قصيدَتِه المشهورة، وأبياته المَسطُورَةِ، في اعتذاره عمَّا وَقَعَ منه باختياره:
نُبِّبْتُ أنَّ رسولَ اللهِ أَوْعَدَني والعفو عندَ رسولِ اللهِ مَأْمُولُ كذا ذكره أصحابُ اللُّغةِ، وأَمَّا في القُرآنِ فقد جاءَ الوَعْدُ المُطلَقُ بمعنَى الوعيد، حيثُ قال تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخلِفَ اللهُ وَعْدَهُ} [الحج: 47] وقالَ عَزَّ وَجَلَّ: {فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ} [إبراهيم: 47]، وهو شامِلٌ للوعد والوعيد، بل يدلُّ على إرادةِ الثَّاني تذييله بقوله: {وَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ
[إبراهيم: 47]. وقال سبحانه: إن اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9]، وهو وَقْتُ الوعدِ ومَوضِعُه، على ما في «القاموس»، لكِنَّ المُرادَ هَا هُنا بالميعاد – والله أعلَمُ ـ هو الإيعادُ ?، وبه يَحصُلُ المُراد.
ولذا قال البَيْضَاوِيُّ: واستَدَلَّ به الوَعِيدِيَّةُ.
أي: الخَوارِجُ والمُعتَزِلَةُ القائِلُونَ بوجوبِ عِقابِ مُرتَكِبِ الكَبيرةِ؛ فَإِنَّ عُقوبةَ الكافِرِ لا نزاع في وقوعه سَمْعاً، وإِنْ وَقَعَ فيه الخِلافُ عَقْلاً كما سيأتي، وإِنَّما الخِلافُ بيننا وبينَ المُعتَزِلَةِ في حقٌّ الكافِرِ، حيثُ إنَّهم يقولونَ بِالوُجوبِ؛ بِمَعنَى أَنَّه يَجِبُ عليه تعالى إيقاعه، ونحنُ نقولُ بوجوبِ وُقوعِه؛ بِمَعنَى ثُبوتِهِ، لَا بِمَعْنَى أَنَّه وَاجِبٌ عليه تعالى، لما سيأتي تحقيقه.
ولذا قالَ البَيْضاوِيُّ: وأُجيبَ بأَنَّ وَعِيدَ الفُسَّاقِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ العَفْوِ لَدَلائِلَ مُنفَصِلة، كما هو مشروط بِعَدَمِ التَّوبةِ وِفاقاً، انتهى. وقَيَّدَ الوَعيدَ بالفُسّاقِ؛ لأنَّ تحققَ وَعِيدِ الكُفَّارِ ممَّا أجمعَ عليه المسلمون، ولعلَّ إطلاق الوعدِ على الوعيدِ في كلامه تعالى ونَفْيَ إِخلافِهِ إِشارةٌ إِلى أَنَّ وَعِيدَه كوَعْدِهِ في عَدَمِ جَوازِ خُلفِه مُطلَقاً، بخلافِ المَخلوقِ، حيثُ يجوزُ الخُلْفُ في وعيده شَرْعاً، وفي وَعْدِه إمكاناً وعَقْلاً.
هذا وقد قيل: يجوزُ الخُلْفُ في الوعيد؛ لأنَّه كَرَم فيليقُ به تعالى، وفيالوَعْدِ لُوْمٌ فُيَنزَّهُ عنه المَنعوتُ بالصَّفاتِ العُلا.
فأُورِدَ عليه: أَنَّه يَلْزَمُ منه الكَذِبُ في خبَرِه، وهو مُنَزَّهُ عمَّا يَكونُ نَقْصَاً فِي أَثَرِه. ودُفِعَ: بأنَّ الكَذِبَ يكونُ في الماضي، وهذا إنَّما هو بالنسبة إلى الآتي، بل يُسمى هذا خُلْفاً، وهو في الوَعِيدِ مَحمُودٌ عُرْفاً.
ورُدَّ بما وَرَدَ: أَنَّهُ اجْتَمَعَ أبو عَمْرِو بنِ العَلاءِ وعَمْرُو بنُ عُبَيد، فتذاكرا عن عَمْرِو وزيد، فقال له أبو عمرو: ما الذي يَبلُغُني عنكَ في الوعيد، فإِنَّكَ ذَهَبْتَ إلى الطَّريقِ الشَّديد؟
فقالَ: إِنَّ اللهَ تعالى وَعَدَ وَعْداً وأَوْعَدَ إيعاداً، فهو مُنجز وعده ووعيده؛ لتأييد صِدْقِه في إخباره وتأكيده.
فقال أبو عَمْرٍو: إِنَّ العَرَبَ لا تَعُدُّ ترك الإيعادِ ذَمَّاً، بل تَعُدُّه لُطْفاً وكَرَماً،
ثمَّ أَنشَدَ:
وإنّي إذا أَوعَدْتُه أو وَعَدْتُه لَمُخلِفُ إيعادِي ومُنجِزُ مَوعِدي فقالَ: أَوَليسَ يُسمَّى تارِكُ الإيعادِ مُخلِفاً؟ فقال: بلى، فقالَ: أَيُسمَّى الله تعالى
مُخلِفاً إِذا أَوْعَدَ؟ فقالَ: لا، فقالَ: أَبطَلْتُ شَاهِدَكَ.
ثمَّ المُحققونَ صَرَّحوا بأنَّ الخُلْفَ على الله تعالى غير جائز؛ لِمَا أَنَّه لو جاز الخُلفُ عليه لجاز أن يُقالَ: إنَّه مُخلف الوعيد، وهو غير جائز إجماعاً؛ لإيهامه النقص.
لا يُقال: إنَّه لا يلزَمُ من عَدَمِ جواز إطلاق هذا الوصف عليه تعالى نفي خُلْفِ الوعيد، فإنَّ الله تعالى قالَ: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 54]، ولا يُقالُ: إِنَّه ماكِرٌ. فإنَّا نقول: إذا لم يجز أن يُقال له ماكِرٌ معَ أَنَّه وَرَدَ إثباتُ المَكْرِ في كلامه؛ لِمَا أَنَّه مُوهِمُ نَقص، وإلا ففي التحقيق أنَّه ليس بمكر إلا صورةً، أو أُطلق عليه مُشاكَلَةً، أو على جزائه مُعاملةً.
فبِالْأَوْلَى أنَّه لا يجوز تجويز أصل فعل يكون في إثباته له إيهام نقص في فعله أو نَعتِه من غير ورودٍ في كلامه القديم، أو حديث رسوله الكريم، لا سيما وقد قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9]، {وَلَن يُخْلِفَ اللهُ وعده} [الحج: 47]، أي: إيعادَه بإجماع المُفسّرين. وما رَوَوا من الشَّعرِ - مع كونه حديث خُرافة من حيث إنه لا يصلح ـ فذا في العباد، وأما في حق الله تعالى فلا يُقاسُ الخالِقُ بالمخلوق، وللهِ المَثَلُ الأَعلى.
ولاستِحالَةِ التَّبَدُّلِ على قوله تعالى: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارِ عَنِيدٍ} [ق: 24]
إلى أن قالَ: لَا تَخْتَصِمُوا لَدَى وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَى وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: ?? - ??].
ولأنَّ الإخبارَ معَ العلم بأنَّ المُخبَرَ به على خِلافِ مَا أَخْبَرَ كَذِبٌ، سواءٌ كَانَ في الماضي أو في المستقبل، قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَبِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ لَنْ أُخْرِجُواْ لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَبِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَن نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُنَ الْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ} [الحشر: ??]، وقال الله تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخلِفَ اللَّهُ وَعَدَهُ} [الحج: 47]؛ أي: لن يُخلِفَ اللهُ الوَعْدَ الذي وَعَدَ فِي نُزولِ العذابِ.
هذا خُلاصَةُ ما ذكروه من غير تفصيل وبيان وتمثيل، لكنَّ المَقامَ يحتاج إلى بسط الكلام، وهو أن يُقالَ: خُلفُ الوَعيدِ لا يجوزُ في الكُفْرِ إجماعاً، وهو مفهوم من شرح المقاصدِ» و «شَرحِ العَقائِدِ»:
أمَّا المُعتَزلةُ ومَن تَبِعَهُم فعلى أصلهم الفاسد، من أنَّه يجِبُ عِقابُ العاصي
وثَوابُ المُطيع. وأَمَّا أَهلُ السُّنَّةِ: فلِقَولِه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ} [النساء: 116،48] كذا صرَّحوا به، وهذا يدلُّ على أَنَّ عَدَمَ تجويز خُلْفِ الوَعِيدِ في الكُفَّارِ، لِمَا يلزَمُ منه الخُلْفُ في الإخبار، وهذه العلَّةُ بعينها موجودَةٌ فيما عدا الشَّركَ، فيتعيَّن أن لا يجوز الخُلفُ فيه أيضاً، إلا أنَّ قولَه تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 116،48] يُفيدُ التَّقييد بالمَشيئَةِ، فلا يُتَصَوَّرُ الخُلْفُ فيه؛ فإنَّه تعالى إذا قالَ: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48، 116]، وحَمَلناه على ما عدا الكُفْرَ، وغَفَرَ لبعض عبادِه من عُصاةِ المؤمنين، وعذَّبَ بعضهم، كيف يصح أن يُقالَ: خالَفَ فِي وَعِيدِه؟ والحالُ أَنَّ
وَعِيدَه مُقيَّدٌ بمشيئة. لا يُقالُ: يجوز أن يكونَ خُلْفُ الوَعِيدِ في حقٌّ مَن لم يشأ اللهُ العَفْوَ عن فإنَّا نقول: هذا باطل قطعاً؛ لِمَا أَطْبَقَ عليه أهلُ السُّنَّةِ من أنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكُن. وأمَّا الآياتُ الوَعِيدِيَّةُ المُطلَقَةُ كقوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا} الآية [النساء: ??]، و: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [النساء: 10]، ونحوهما؛ فمَحمُولَةٌ على هذه الآيةِ المُقيّدة بإجماع أهلِ السُّنَّةِ والجماعة، سواءٌ تكونُ مُقدَّمَةٌ في النُّزولِ أو مُؤَخَّرةً، وتكونُ ناسِخَةٌ أَو مُبيِّنَةٌ؛ إذ لو لم تُحمَل عليها لَزِمَ خُلود قاتلِ النَّفس ودخولُ آكِلِ مال اليتيم حتماً؛ لورودِ الخَبَرِ به، كما استدلَّت به الوَعِيدِيَّةُ.
نعَمْ ثَبَتَ في الأخبار التي تَواتَرَتْ معنى، فأَجمَعَت عليه الأمةُ: أَنَّ بعضَ العُصاةِ
من المؤمنين يُعذَّبون بالنَّارِ، واختَلَفُوا في هذا الوعيد:
فمنهم مَن أثبَتَ الوَعِيدَ المُؤَبَّدَ، وهو قَولُ جُمهورِ المُعتزلة والخَوارِج. ومنهم من أثبَتَ وعيداً حتماً لكل عاص، لكن يكون مُنقَطِعاً، وهو قول بِشْرٍ المَرِيسِي والخالدي.
ومنهم مَن أَثَبَتَ أنَّه سُبحانَه يعفو عن البعض، لكِنْ لا يُدرَى في حقٌّ كلّ واحد على التَّعيين أنَّه هل يعفو عنه أم لا؟ ويُدرَى بأنَّه تعالى إِذا عَذَّبَه فَإِنَّه لا يُؤَبده، وهو قول أكثرِ الصَّحابة والتابعين، وعليه أهلُ السُّنَّةِ والجَماعةِ.
لا يُقالُ: كيف يتحَقَّقُ عدَمُ جوازِ الخُلْفِ فِي الوَعِيدِ مَعَ جوازِ العَفْوِ؟ لانا نقول: يجوز أن يُعذِّبَه ثُمَّ يعفو عنه، كما نطَقَتِ الأخبار بشفاعةِ الأبرار. وزبدة الكلام في تحقيق المَرامِ: أَنَّه لا يجب عليه تعالى النواب في الطَّاعة، ولا العِقاب على المعصية، خلافاً للخوارج والمعتزلة؛ فإنَّهم أو جَبُوا على اللهِ سُبحانَه عِقابَ صاحِبِ الكبيرة إذا مات بلا توبة، وحرَّموا عليه العَفْوَ، واستدلوا عليه بأنَّ الله تعالى أَوْعَدَ مُرتَكِبَ الكبيرة بالعقاب، فلو لم يُعاقَبْ لَزِمَ الخُلْفُ في وعيده، والكذب في خبره، وهما محالانِ على الله تعالى.
وأجيبوا عنه بأجوبة
منها: أَنَّ خُلْفَ الوَعِيدِ كَرَم، وعَرَفْتَ أَنَّه لا يتحقَّقُ كما تقدَّمَ.
ومنها ـ وهي أحسَنُها: أنَّ الوعد والوعيد مشروطانِ بِقُيودٍ وشُروطٍ مَعلومةٍ
من النُّصوص كما أفادَه البيضاوِيُّ، فيجوزُ التَّخَلَّفُ بسببِ انتفاء بعض تلك الشُروطِ، كذا قاله الجلالُ الدَّوَانِيُّ.
لكنَّ قوله: فيجوزُ التَّخلُّفُ، فيه تَجوز من وَجَهَينِ:
أحدهما: أنَّه مُتعيّن، لا أَنَّه جائِز أو واجبٌ.
وثانيهما: أنَّ التَّخلُّفَ غيرُ مُتحقِّقِ عِندَ فَقْدِ القَيدِ والشَّرطِ.
ثمَّ الأخلَصُ في الجواب عن المُعتزلةِ بالفَرقِ بينَ اسْتِحالَةِ وُقوعِ الخُلْفِ في وعيده، وبينَ الوُجوبِ عليه تعالى، فإنَّ إيجادَ المُحالِ مُحالٌ في حقٌّ اللَّهِ تعالى. ولا يُقال: إِنَّه حرام عليه؛ لأنَّ الوُجوبَ والحُرمَةَ ونحوَهُما فَرْعُ القُدرةِ على الواجب والحرام، ولا تتعلق القدرة بالمُحالِ؛ لعَدَمِ مَشيئة به في حالٍ من الأحوالِ. نعم لو قيل: عقاب الكافر واجِب - أي: واجبٌ وُقوعُه لِمَا أَخبَرَ به - ارتَفَعَ مَادَّةُ النزاع، ويرجع إلى الاختِلافِ اللَّفظِيّ كما في مسألَتِنا هذه، فإِنَّ التَّحقيقَ أَنَّ الخِلافَ صُورِيٌّ ولفظي، لأنَّ خُلْفَ الوعيدِ من حيثُ هو في نظر العقل على قياس المخلوقين غير بعيد، وأمَّا من حيثُ إِنَّه يلزم منه خُلْفُ الإخبارِ ووُقوع الكذب غير سديد، وهذا واضح عندَ مَن لم يتقيَّد بقيدِ التَّقليد، ووفقه اللهُ بحُسنِ العنايةِ والتَّأييد.
ولذا قال المُحقِّقُ الصَّمَدانِيُّ، سعدُ الدِّينِ التَّفْتازانِيُّ، في «شرح العقائِدِ»، الذي هو زُبدَةُ المَواقِفِ» و «المقاصدِ»: والله تعالى لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ به بإجماع المُسلمينَ، لكنَّهم اختَلَفُوا أَنَّه هل عَقْلاً أم لا؟
فذَهَبَ بعضُهم إلى أنَّه يجوزُ عَقْلاً، وإنَّما عُلِمَ عَدَمُه بدليلِ السَّمع، وبعضُهم إلى أنَّه يمتَنِعُ عَقْلاً: أي: أيضاً؛ لأنَّ قضيَّةَ الحِكمَةِ التَّفْرِقَةُ بينَ المُسيء والمُحسن، والكفرُ نهاية في الجنايةِ لا يَحتمل الإباحةَ ورَفْعَ الحُرمَةِ أصلاً، فلا يحتمل العفو ورَفْعَ الغَرامة، انتهى.
قالَ صاحِبُ العُمدَةِ» من عُلمائِنا الحَنَفَيَّةِ: تخليد المؤمنين في النَّارِ والكافرين في الجنَّةِ يجوزُ عَقْلاً عندَ الأَشاعِرَةِ، إلا أنَّ السَّمْعَ وَرَدَ بخِلافِه، فيمتَنِعُ وقوعه لدليل السَّمع، وعندنا لا يجوزُ عَقْلاً أيضاً، انتهى.
ويُؤَيِّدُ مَذهَبَنا قوله تعالى: {أَفَتَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}
[القلم: 35 - 36]؛ أي: بعقُولكم الفاسِدَةِ.
وقوله سبحانه بطريقِ الإنكار على ما صَدَرَ من عُقولِ الكُفَّارِ: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَارِ} [ص: ??]. وقوله عَزَّ َوجَلَّ: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن تَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءَ تَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21]. وهذه الآيات فيها دَلالات واضحات، وإشارات لائِحات، أنَّ ما جوَّزَه في زَمَنِ الجاهليَّةِ عُقولُ الكُفَّارِ من تَسوِيَةِ الأبرار والفُجَّارِ، حُكم فاسدٌ في نَظَرِ النُّظَّارِ من أهل الاعتبار، بل استَدَلَّ بعضُ عُقَلاءِ الكُفَّارِ قبل مجيء النَّبِيِّ المُختارِ على صحةِ البَعْثِ بأنَّه لا بُدَّ من دارٍ أُخرَى الله تعالى يُجازِي المحسنين بإحسانهم، ويُعذِّبُ المُسيئينَ بإساءتهم، فإنَّا نرى في هذه الدَّارِ أَنَّ الأمرَ مُنعَكِس غالباً في حقٌّ الأبرار والفُجَّارِ، وقد أوجَبَتِ الوَعِيدِيَّةُ بمُقتَضَى عُقولهم تعذيبَ الفُسَّاقِ والكُفَّارِ، فدلَّ على اختِلافِ العُقولِ، وأنْ لا عِبَرَةَ بالمعقولِ دونَ المَنقول عند أرباب القبولِ.
هذا وفي شرح العقائِدِ»: ويغفِرُ ما دونَ ذلك لمن يشاءُ مِنَ الصَّغائرِ والكَبَائِرِ معَ التّوبة أو بدونها، خلافاً للمعتزلة، انتهى.
وهو مُوهِمْ أَنَّ الخِلافَ مُتعلّق بالتّوبة أيضاً، وإِنَّما الخِلافُ مُتعلّق بدونها؛ إذ الغُفرانُ معَ التّوبةِ مُتَحقق إجماعاً، أمَّا على أصلِ المُعتزلَةِ فبالوُجوبِ، وأمَّا على قَولِ أَهلِ السُّنَّةِ فَإِنَّ الله تعالى أخبَرَ في كلامه بقوله: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ [الشورى: 25]، وقال: «التَّائِبُ من الذَّنبِ كَمَن لا ذَنْبَ له».
وفي شرح المَقاصِدِ»: أجمَعُوا على أنَّه لا عذابَ على التّائبِ، انتهى. ثمَّ عبارةُ السَّعِدِ في «الشَّرح» مُوهِمةٌ أيضاً أنَّ المغفرة معَ التَّوبةِ مُعلَّقةٌ بِالمَشيئةِ، والحالُ أنَّه ليس كذلك؛ لِمَا أَنَّ العُلماء كالغَزالي وغيره من الأئمة الحنفيَّةِ والشَّافعيّة صرَّحُوا بأنَّ التَّوبة إذا اجْتَمَعَتْ شَرائِطها فهي مقبولةٌ غيرُ مَردودَةٍ قَطْعاً بحُكمِ النَّصَّ المذكور، ولا يجوز لأحدٍ أن يقول: إِنَّ قَبول التّوبة في مشيئةِ اللهِ، فَإِنَّ ذلكَ جَهْلٌ مَحضُ، ويُخافُ على قائله الكفرُ؛ لأنَّه يلزم منه الكذبُ في الأخبار، والخُلْفُ الوعد، وهو خِلافُ الإجماع.
وفي المَدارِكِ»: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48، 116]؛ أي: إنْ ماتَ عليه وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ؛ أي: ما دونَ الشَّركِ ـ وإن كان كبيرةً مع عدمِ التَّوبة. والحاصل: أنَّ الشِّركَ مَغفورٌ عنه بالتّوبة، وأنَّ وَعْدَ غُفْرانِ ما دونَه لمَن لم يَتُبْ؛
:أي: لا يَغْفِرُ لمَن يُشْرِكُ وهو مُشرِكٌ، ويغفِرُ لمَن يُذْنِبُ وهو مُذنِبٌ. قالَ: وحمل المعتزلة على التَّائبِ باطِلٌ؛ لأنَّ الكفرَ مَعْفُورٌ عنه بالتَّوبة؛ لقوله
تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: ??]، فما دونَه أولى أن يُغفَرَ بالتّوبة، والآيةُ سيقتْ لبيانِ التَّفرقة بينهما، وذا فيما ذَكَرْنا، انتهى. وفي شرح المقاصدِ»: اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ وأَطلَقَ الكتابُ والسُّنَّةُ بأنَّ اللهَ تعالى يغفرُ عن الصَّغائرِ مُطلَقاً، وعن الكبائر بعد التّوبة، ولا يغفِرُ عن الكُفْرِ قَطعاً، وإن جازَ عَقْلاً، ومنَعَ بعضُهم الجواز الأصلي أيضاً. ثمَّ قال: لا يُقالُ: يجوز حمل النُّصوص على العَفْوِ عن الصَّغائر، أو عن الكبائر بعد التوبةِ، أو على تأخير العقوباتِ المُستَحَقَّةِ، أو على عَدَمِ شَرْعِ الحدودِ في غالب المعاصي، أو على تَرْكِ وَضْع الإخبار عليهم من التكاليف المُهْلِكَةِ كما على الأُمَمِ السَّالِفَةِ، أو على تَرْكِ مَا فُعِلَ ببعضِ الأُمَمِ مِن المَسخِ، وكتابة الآثام على الجباه، ونحو ذلك مما يفضحهم في الدُّنيا.
لانا نقول: هذا معَ كَونِه عُدولاً عن الظَّاهر، وتقييداً للإطلاق بلا قرينة، وتخصيصاً للعام بلا مُخصص، ومُخالِفاً لأقاويل مَن يُعتَدُّ به من المُفسِّرِينَ بلا ضرورة، وتفريقاً بين الآياتِ والأحاديثِ الصَّحيحةِ الصَّريحةِ في هذا المعنى بلا فارِقِ ممَّا لا يكاد يصح في بعض الآياتِ كَقَولِه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} الآية [النساء: 48، 116]، فإنَّ المغفرة بالتوبةِ تعُمُّ الشِّرك وما دونه، فلا تصِحُ التَّفرِقةُ وإثباتُها لِمَا دونَها، وكذا تعُمُّ كلَّ أحدٍ من العُصاةِ، فلا يُلائِمُ التَّعليق بـ مَن يَشَاءُ المُقيّد للبعضيَّةِ، وكذا مَغفِرةُ الصَّغائرِ، هذا معنى قوله في شرح العقائدِ».
والمُعتزِلةُ يُخصّصونَها - أي: المَغفِرَةَ - بالصَّغائر، وبالكبائر المقرونة بالتّوبة،
وتمسكوا بالآياتِ والأحاديثِ الوارِدَةِ في وَعِيدِ العُصاةِ.
والجواب: أَنَّها على تقديرِ عُمومِها إِنَّما تدلُّ على الوقوع دونَ الوُجوبِ.
وخُلاصَةُ كلامه: أنا لا نُسلّمُ عُمُومَها ودَلالتها على أَنَّ كُلَّ عَاصِ يُعاقَبُ، بل لا تَدُلُّ إِلَّا على أنَّ العاصي يُعاقَبُ في الجُملة، ولا يُنافي ذلك غُفرانَ بعض العُصاةِ، ولو سُلَّمَ عُمومُها فيجبُ تخصيصها وإخراجُ المُذنِبِ المَغفور عنها بعد تناولها؛ جَمْعاً بينَ الأدِلَّةِ، وهذا معنى قولِ السَّعد: وقد كَثْرَتِ النُّصوص في العفو، فيُخَصَّص المُذنِبُ المَغفورُ عن عُموماتِ الوَعِيدِ.
قالَ: وزَعَمَ بعضُهم - أي: بعض الأشاعرة وشِرْذِمَةٌ قليلةٌ من الماتُرِيدِيَّةِ، أو بعض العلماء، أو بعضُ النَّاسِ - أنَّ الخُلْفَ في الوَعِيدِ كَرَم، فيجوزُ مِنَ الله تعالى، وأرادَ خُلْفَ وَعِيدِ المؤمنين؛ إذ لا خلاف في عَدَمِ جَوازِ خُلْفِ وَعِيدِ الكافرين على ما قدمناه، وبقرينة ذكره عند قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]، وبدليل القومَ أجابوا به عن استدلالِ المُعتزلة على وُجوبِ عِقابِ مُرتَكِبِ الكبيرة بقوله تعالى:
إن اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9]، وإِلَّا فيلزمُ خُلْفُ الوَعِيدِ كما سَبَقَ.
ثمَّ أشار بقوله: زَعَمَ أَنَّ هذا القول باطِلٌ من أصلِه، إِمَّا مبالغَةٌ في الرَّدُّ عليهم، أو لَعَدَم تصورِ خُلْفِ الوَعِدِ، فَإِنَّ الزَّعَمَ غالباً يُستَعمَلُ في هذا المعنى، قالَ اللهُ تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا [التغابن: 7].
أو أَوْمَاً إلى أنَّه قول ضَعيفٌ، وهو الأظهَرُ؛ لقوله: والمُحققون - أي: من الماتُرِيديَّةِ والأشاعرة - على خلافه؛ أي: كيف يجوزُ خُلْفُ الوَعِيدِ معَ استلزامه الكذب في الخبر، أو البَدْءَ وتغيير الرَّأيِ؟ وهو تبديلُ القَولِ، وقد قال الله تعالى؛ أي: رداً على من جوَّزَه بعدَ ذِكرِ الوَعِيدِ: مَا يُبَدِّلُ الْقَوْلُ لَدَى} [ق: ??]، انتهى. وهو شامل للقَولِ بالوعدِ والوَعِيدِ في الكُفْرِ وسائر المعاصي، وبقيَّة إخباره عن الأمورِ السَّابَقَةِ والأحوالِ اللَّاحِقَةِ.
قال البيضاوِيُّ في قوله تعالى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَى: أي: بوقوع الخُلْفِ فيه، فلا تطمَعُوا أن أُبَدِّلَ وعيدي، ثمَّ قال: وعَفْرُ المُذنبين لبعض الأسباب ليس من التَّبديل؛ فإنَّ دلائل العَفْوِ تدلُّ على تخصيص الوعيد، يعني بمَن شَاءَ من المُؤمنين.
وأما ما قال الخَيَالِيُّ: قوله: زَعَمَ بعضُهم أَنَّ الخُلْفَ .. إلخ هو مَذهَبُ الأشاعرة، بناءً على خَيالِه الفاسِدِ أَنَّ هذا بإطلاقه مَذهَبُهم كلهم، وأنَّ المُحققين هم الماتريديَّةُ ومَن تبعهم فقط = فليس في محله؛ لِمَا عَرَفْتَ من أنَّ المُرادَ بالمُحقِّقين مُحقِّقُو الطَّائفتين.
ومن جُملَةِ المُحققين الإمامُ فَخرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ، حيثُ قالَ على ما نُقِلَ عنه في «شرح المقاصدِ»: من أنَّ صِدْقَ كلامه تعالى لمَّا كانَ عِندَنا أَزَليَّا امْتَنَعَ كَذِبُه؛ لأَنَّ ما ثبَتَ قِدَمُه امتَنَعَ عَدَمُه، انتهى.
وهذا منه يدلُّ على أنَّه لا يُجوِّزُ خُلْفَ الوَعِيدِ عَقْلاً أيضاً، لكنَّ الامتناع ليس لذاته، بل لغيره، وهو أنَّه يَلزَمُ منه الخُلْفُ في الإخبارِ، المُستَلِزِمُ للكَذِبِ في المال، والله أعلم بالحال. وقد قال السيد معينُ الدِّينِ الصَّفَوِيُّ الشَّافعيُّ 4 في رسالته المعمولة لهذه المسألة: الحقُّ أَنَّ الخُلْفَ في الوَعِيدِ أيضاً غير جائز كما اختاره العلامة في «شرح المَقاصِدِ»، وقد قالَ اللهُ تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: ??]؛ أي: وَعْداً ووَعِيداً، قاله ابنُ عبّاس والسَّلَفُ من المفسرين
وفي «الإحياء»: قال بعضُ النَّاسِ: لا يقبحُ مِنَ اللهِ تعالى أن يتوعد بما لا يفعَلُ؛ لأنَّ الخُلْفَ في الوَعِيدِ كَرَم، وإِنَّما يقبُحُ الوَعدُ بما لا يفعَلُ. وهذا غيرُ مَرضِيٌّ عندَنا، فإِنَّ الكلامَ الأزليّ لا يتطرَّقُ إليه الخُلْف وَعْداً كانَ أم وَعِيداً، وإِنَّما يُتَصَوَّرُ هذا في
حَقُّ العِبادِ، وهو كذلك؛ إذ الخُلْفُ في الوعيد ليس بحرام، انتهى كلامه. وفي تعبيره بأنه قاله بعضُ النَّاسِ، وفيما سبق من تعبيرِ السَّعِدِ بأنَّه زَعَمَ بعضُهم؛ إشعار بأنَّ هذا القول ليس مذهَبَ الأشاعرة، فما نَسَبَ الخَيالي إليهم بأنَّه مَذهَبُهم يحتاج إلى سند صحيح، ونقل صريح؛ لأنَّ المُعْتَمَدَ على ما قدَّمنا من «العُمدَةِ» أَنَّ خِلافَ الأشاعرة في تجويز خُلْفِ الوَعِيدِ عَقلاً، وأَنَّهم مُوافِقون للماتُرِيدِيَّةِ سَمْعاً ونَقْلاً، فكانَ حقٌّ الخَيالي أن يقول: المُراد بـ بعضهم بعضُ الأشاعرة إن ثبَتَ النَّقْلُ عنهم.
ثمَّ قالَ الخَيالي: أقولُ - مُخيّلاً أو مُتَخيّلاً أنَّ هذا القول من قوله، والحالُ أَنَّه قد سَبَقَ القَولُ عليه من غيره، وهو - لعلَّ مُرادَهم أَنَّ مَقصودَ الأَشاعِرَةِ أَنَّ الكريم إذا أَخبَرَ بالوَعِيدِ فاللَّائِقُ بِشَأْنِه أَن يَبنِي إِخبارَه على المشيئة، وإن لم يُصرِّح بذلك، بخِلافِ الوَعْدِ فَلا كَذِبَ ولا تبديل. أقولُ: إِنْ أَرادَ به مُطلَقَ الوَعِيدِ الشَّاملِ للكُفْرِ فلا يصح إطلاقه؛ لِمَا تقدَّمَ من الإجماع، وإن أراد به ما عداه فالمشيئةُ مُصرَّحةٌ فلا معنى لقوله: وإن لم يُصَرِّح بذلك، معَ أن تقييده بالمشيئة على وجه الإضمارِ لا يَدفَعُ الخُلْفَ في الإخبارِ، أَلَا تَرَى أَنَّ أحَدَنا إذا أقر، أو حَلَفَ، أو علَّقَ، أو أخبَر، أو وَعَدَ، أو أوعَدَ، ولم ينطق بالاستثناء، لا يُعتبر شرعاً ولو أضمر في باطنه، على أنَّه إِنْ سُلَّمَ الإضمار في وقوعه موقع الاعتبارِ، لا يُتصَوَّرُ خُلْفُ الوَعِيدِ والإخبار، والله أعلم.
ثمَّ العَجَبُ ممَّن يبني عَقيدَتَه على قولِ الخَيالي: لعلَّ مُرادَهُم أَنَّ الكريم من شأنه أن يبني .. إلخ، والعَجَبُ من تحقيق العِصامِ وتدقيقه بالمَرامِ، أَنَّه تَبِعَه بقوله: وقد يقالُ: تُضمَرُ المَشيئَةُ في الوَعِيدِ، وأعْرَبُ منه حيثُ قَالَ: ويُمْكِنُ دَفَعُ مُستَنَدِ المُحقِّقين: بأنَّ الوَعيدَ تخويف للعِبادِ، وتحريض على العبادة، وليس إخباراً حتّى يكونَ الخُلْفُ فيه تبديلاً للقول، انتهى.
ووجه غرابته لا يخفى على ذَوِي النُّهى؛ لأنَّ التَّخويف بالعَذَابِ المُستقبل لا يُمكِنُ خُروجه عن معنى الإخبار، وليس في معنى بعتُ واشتريتُ» ونحوه في إرادة الإنشاء بالخبر كما توَهَّم بعضُهم، بل الآياتُ التَّخويفيَّةُ مُسْتمِلَةٌ على الجُمَلِ الشَّرطيَّةِ والجزائيَّة لفظاً ومعنى، وهي غير قابلةٍ أن تكونَ إنشاء، معَ أَنَّه ـ لو سُلَّمَ - لا يُتصَوَّرُ فيه الخُلْفُ أيضاً، فكيفَ يكونُ دَفعاً لمُستَنَدِ المُحققين؟ وتَوجيه حفيده بأنَّ مُرادَه أَنَّ الخُلْفَ لفظِيٌّ، في غايةٍ منَ البُعدِ؛ فإنَّه خَصمه من جانبِ المُجَوِّزين. وأما ما قال بعضُهم: إِنَّ الكذِبَ يكون في الماضي دونَ المُستقبل؛ فقد قالَ في «شرح المقاصدِ»: هذا ظاهرُ الفَسادِ؛ فإنَّ الإخبار بالشَّيء على خلافِ ما هو كذِبٌ، سواء كانَ في الماضي أو المُستقبل، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا} الآية [الحشر: 11]، على أنَّ المَذهَبَ عندَنا أَنَّ إِخبارَ اللهِ تعالى أَزَلِيُّ لا يتعَلَّقُ بِالزَّمَانِ، ولا يتغير بتغَيرِ المُخبر به على ما سبق في بحثِ الكلام.
ثمَّ قالَ: وأمَّا مَن جَوَّزَ العَفْوَ عَقْلاً، والكَذِبَ في الوَعِيدِ إِمَّا قَولاً بجواز الكذب المُتضَمِّنِ لِفِعلِ الحَسَنِ، أو بأنَّه لا كَذِبَ بالنسبة إلى المُستَقْبَلِ، فَمَعَ صريح إخبارِ اللَّهِ تعالى بأنَّه لا يعفو عن الكافِرِ، ويُخلّده في النارِ، لمَّا كانَ باطِلاً قطعاً، عُلِمَ أَنَّ القولَ بجواز الكَذِبِ في إخبارِ اللهِ تعالى باطِل قطعاً.
هذا وقد تبيَّنَ أنَّه على القَولِ بتجويزِ الخُلْفِ في الوَعِيدِ أيضاً لا يجوز أن يُقالَ في حق الملِكِ المُتعالِ: إِنَّه مُخلِفٌ للوَعِيدِ، لا مُطلَقاً ولا مُقَيَّداً؛ لِمَا فيه من إيهام النَّقص. كما قال بعضُهم: لا يجوز أن يُقالَ: القُرآنُ مَخلوقٌ، مُراداً به لفظه؛ لِمَا فِيه من الإيهام المُؤدِّي إلى الكُفْرِ، وإن كانَ المعنى صحيحاً بهذا الاعتبار. وأَمَّا ما وَرَدَ موقوفاً ومَرفوعاً بلفظ: «لو أنَّ اللهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَماواتِه وأَهلَ أَرضِه عذَّبَهم وهو غَيْرُ ظالم لهم، ولو رَحِمَهُم كانت رَحمَتُه خَيْراً لهم من أعمالهم. فالمراد منه ـ والله أعلم - أنَّه لا يجب على الله تعالى شيء من إثابة المُطيع وعقاب العاصي، فإنَّه لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وإنَّه لا يُتَصَوَّرُ في حقه الظُّلمُ؛ لأنَّه التّعدِّي إلى حقِّ الغَيرِ، أو وَضْعُ الشَّيء في غيرِ مَوضِعِه، وهو يتعالى عن ذلك؛ لأنَّه عَزَّ وَجَلَّ له ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ مِلْكاً ومُلكاً، وهو عليم حكيم، معَ أَنَّ الشَّرطيَّةَ فَرضِيَّةٌ، وهي غير لازمة الوقوع، ولعل الحديث مقتبس من قوله تعالى: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} [الإسراء: 54].
والظَّاهِرُ أنَّ هذا الخطاب عام، وهو يُبطِلُ خُلْفَ الوعيدِ من أصله بلا كلام، ويرُدُّ قَولَ المُعتزلة ومَن حذا حَذْوَهم ممَّن ذهب إلى وُجوبِ ثَوابِ المُطيعِ وعِقابِ العاصي، ولا يُنافيه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 116،48]؛ فإِنَّه
أخبرَ أَنَّ مَشيتَه المُحِمَلَةَ تَعلَّقَت بِعَدَمِ غُفْرانِ الكَافِرِ.
ومَشيئةُ غُفرانِ ما دونَ الشِّركِ مُجمَلَةٌ محتملة بالنسبة إلى بعض دونَ بعض؛ للحِكمَةِ الإلهيَّة المُقتَضِيَةِ أن يكونَ المُؤمِنُ بينَ الخَوفِ والرَّجاءِ، وأن يجتهد في اجتناب المعاصي بأَسْرِها حَذَراً من أن يقع في المعصية التي تعَلَّقَتِ المشيئَةُ بِعَدَمِ غفرانها، ونظيره إخفاء ليلةِ القَدْرِ وساعَةِ الجُمُعَةِ واسمِ اللهِ الأَعظَمِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
ولا يُنافي إرادَةَ العُمومِ من الآيةِ السَّابقةِ ما ذَكَرَه المُفسِّرون من أَنَّ سَبَبَ نُزولِها أنَّ المُشركين أَفْرَطُوا في إيذاء المُسلمينَ، فَشَكُوا إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَنَزَلَتْ، وأُمِرُوا أن يقُولُوا لهم هذه الكلمة ونحوها، ولا يُصرحوا بأنَّهم من أهلِ النَّارِ؛ فإنَّه يُهَيِّجُهم على الشَّرِّ، معَ أَنَّ خِتامَ أمرِهم غَيب لا يعلَمُه إلا اللهُ؛ فَإِنَّ مِن القواعدِ المُقرَّرةِ أَنَّ العبرة بعُمومِ اللَّفظِ لا بخُصوصِ السَّبَبِ.
وقالَ الزَّاهدِيُّ في تفسيره»: معناه: إن يشأ يرحَمْكُم بتأخيرِ العِقابِ إِلى العُقبى، وإن يَشَأْ يُعَذِّبْكُم في الدُّنيا، فإثباتُ المَشيئَةِ إِنَّما هو في العذابِ الدُّنْيَوي، وأمَّا العِقابُ الأُخرَوِيُّ فحُكْمُ مُطلَقٌ في وَعِيدِ الكُفَّارِ بعذابِ النَّارِ، كما أخبر به تعالى بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 116،48]، وحُكمُ مُقَيَّدٌ بالمَشيئةِ في وَعِيدِ عُصاةِ المُؤمنين بقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ.
وأما قولُ الواحِدِيٌّ في تفسيره الوَسيط» عند قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا} الآية [النساء: 93]: الأصل في هذا أنَّ الله تعالى يجوز أن يُخلِفَ الوعيد، وإنْ كانَ لا يجوز أن يُخلِفَ الوَعدَ، وبهذا وَرَدَتِ السُّنَّةُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وذَكَرَ بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَن وَعَدَه الله على عَمَلِه ثواباً فهو مُنجز له، ومَن أَوْعَدَه على عَمَلِهِ عِقاباً فهو بالخيار، انتهى.
فعَلى فَرْضِ صِحَّةِ حديثه محمولٌ على ما عدا الشِّركَ، بدليل إيرادِه فيمَن قَتَلَ مُؤمِناً، وبما في نفس الحديثِ من الإشارة إليه بقوله: «على عَمَلِه»؛ أي: دون اعتقاده. وحاصله: أنَّ الحديثَ مُطابِقٌ ِلمَضمون قوله تعالى {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن
يَشَاءُ، ويُفيدُ عَدَمَ التَّحتُّمِ والوُجوبِ، خِلافَ ما عليه الخوارج والمعتزلة. وقد تَقَدَّمَ أَنَّ الخُلْفَ لا يُتَصَوَّرُ في هذا المَقامِ، وأَنَّ إطلاق الخُلْفِ عليه تجوز باعتبار تصوره الصُّورِيِّ، فتأَمَّلْ فَإِنَّه مَوضِعُ زَلَل.
وكذا يجب أن يُحمل على هذا المعنى قول يحيى بنِ مُعاذ في هذا المَبَنَى: من أنَّ الوعد والوعيدَ حقٌّ، فالوَعدُ حقُّ العبادِ على اللَّهِ؛ إِذْ ضَمِنَ أَنَّهُم إِذا فَعَلُوا ذلك أن يُعطيهم كذا، ومَن أَوْلى بالوفاءِ مِنَ اللهِ تعالى؟ والوَعيدُ حقه على العبادِ؛ إذ قالَ: لا تَفعَلُوا كذا فإنِّي أُعَذِّبُكُم، فَفَعَلُوا، فإن شاءَ عَفا وإن شَاءَ أَخَذَ؛ لأَنَّه حقه، وأَوْلاهُما العَفْوُ والكَرَمُ؛ لأنَّه غفور رحيمٌ، انتهى. ومن المعلومِ أَنَّه لا يصح تنزله على إطلاقه الشَّامِلِ للكُفْرِ ولِمُجمَلِ عَذَابِ
بعض العاصين من المؤمنين في النَّارِ؛ لأنَّه مُخالِفٌ لِمَا أجمعَ عليه المسلمون. وخُلاصَةُ قَصدِه: أَنَّ رَجاءَ المُؤمِنِ وحُسنَ ظَنّه بالله تعالى ينبغي أن يكون غالباً على خوفه، وظاهر قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ مَعَ قَرِينَتِهِ المُقدَّرة، وهي: ويُعذِّبُه لِمَن يشاءُ، أن يكونَ السَّالِكُ بينَ الخَوفِ والرَّجاءِ، وهو مُختارُ الجُمهورِ من المشايخ والعُلماء، بل في الآية إشارةٌ خَفِيَّةٌ إلى أنَّه ينبغي أن يكونَ الخَوفُ غالباً، على ما قاله جماعة من الصُّوفيَّةِ، حيثُ عَلَّقَ المَغفرة بالمَشيئةِ وترك تعليق العقوبة بها، وإن كان مفهوماً ومُراداً أيضاً.
وقد يُقال بلسانِ أرباب الحال: إِنَّ إِظهار المَغفِرةِ وسَتْرَ العُقوبَةِ إِشارة إلى
الحديثِ القُدسِيّ: سَبَقَتْ رَحمَتي - أو غَلَبَتْ رَحمَتي - غَضَبِي ... . والمحققون على أنَّ الاستواء للمُخلَّطين، وغَلَبَةَ الخَوفِ لعُمُومِ المُجرِمين، وغَلَبَةَ الظَّنَّ للخَواصّ المُخلِصين.
وقيل: ينبغي غَلَبَةُ الخَوفِ في الحياةِ، وقُوَّةُ الرَّجاءِ وحُسنُ الظَّنِّ عِندَ المَمَاتِ. وأقولُ: الطَّاعةُ معَ الرَّجاءِ طريقُ الطَّيَّارين، والعبادة مع الخوف سبيل
السائرين، فبينَهُما بَون بين للناظرين، بل المرتبةُ الأولى تُشيرُ إِلى مَرتبَةِ الجَمعِ والأُخرى إلى منزلةِ التَّفْرِقَةِ، فكُنْ من أهلِ التَّفريق، لا من أربابِ التَّغريق؛ فإنَّ هذا هو التحقيق والتدقيق، وهو مَشرَبٌ لِمَن يغرف؛ إذ مَن لم يَذُقُ لم يَعْرِفْ. فتَرجِعُ ونَتَنزَّلُ ونَحُولُ، وبحولِه تعالى نَصُولُ ونَجولُ، ونَقولُ: إِنَّ المُخالف في تجويز الخُلْفِ بإطلاقِ الوَعِيدِ الشَّامل لإبليس والفُجَّارِ، وعذابِ القَبرِ وعِقابِ النَّارِ، قد دَخَلَ عليه وَسوسَةٌ من الشَّيطانِ، أو ممَّن مَذهَبُه الإلحاد من تجويز عَدَمِ حَشْرِ الكُفَّارِ وتَعذيبهم في النَّارِ، وتجويز تخلف أخبار ما في كلامه تعالى من الإخبار، كقوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: ??]؛ فإِنَّه يُجوِّزُ أن لا يكون لهم عَذابٌ، أو لا يكون عظيماً، أو لا يكون مقيماً؛ لتجويزه خُلْفَ الوَعِيدِ في قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [المائدة: 37].
ويلزَمُ منه تجويز أن لا يكونَ عِباده مُنقَسِمينَ إلى المُنعَمِ عليهم والمغضوب عليهم، كما في أُمَّ الكتاب، فإنَّ العَذابَ أثرُ الغَضَبِ، ومن جُملَةٍ صِفاتِهِ الجَلالِيَّةِ: أَنَّه شديدُ العِقابِ والمُنتَقِمُ والقَهَّار، كما أنَّ من جُملَةِ صِفاتِهِ الجَماليَّةِ: العَفْوَ وَالغَفور والغَفَّار، وقد قال سيِّدُ الأبرار إيماء إلى أنَّ مُقتَضَى الصِّفاتِ لا بُدَّ من ظُهورِها في الذُّواتِ: «لو لم تُذنِبُوا لجاءَ اللهُ بِقَومٍ يُذنِبُون فيَستَغفِرُونَ فَيَغْفِرُ لهم.
ثم الكتاب والسُّنَّةُ مملوء ان من الوعد والوعيد، والإخبار بهما عموماً كقوله تعالى: {نَى عِبَادِى أَنِي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ} [الحجر: 49 - 50]، كما أنَّ الإنعام نتيجةُ العَفْوِ والكَرَمِ.
ثم في الحديثِ إشارة إلى قضائه المحتوم وقَدَرِهِ المَحْتُومِ: أَنَّه صلى الله عليه وسلم خَرَجَ وفي يديه كتابانِ، فقالَ: «أَتَدْرُونَ ما هذانِ الكِتابانِ؟» قُلنا: لا يا رسولَ اللهِ، إلا أن تُخبِرَنا، فقالَ للَّذي في يده اليمنى: هذا الكِتابُ من رَبِّ العالمين، فيه أسماء أهل الجنَّةِ، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثمَّ أُجمِلَ على آخرِهم فلا يُزادُ فيهم، ولا يُنقَصُ منهم أبداً»، ثمَّ قالَ للَّذي في شماله: «هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهلِ النَّارِ، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثمَّ أُجمِلَ على آخرِهم، فلا يُزادُ فيهم ولا يُنقَصُ منهم أبداً»، ثمَّ قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه فنبَذَهُما، ثمَّ قالَ: «فَرَغَ ربُّكم من العبادِ، فريق في الجنَّةِ، وفريق في السَّعِيرِ». رواه الترمذي. فهذا المُخالِفُ أَيُجوِّزُ خُلْفَ وَعِيدِه تعالى في حق الكُلِّ، أو في حقٍّ البَعضِ،
وأيُّ البَعض ذلك البَعضَ؟ أهو الذي عُيِّنَ باسمه واسم أبيه وقَبِيلَتِه أَنَّه من أهلِ النَّارِ، أو غيرُه ممَّن ليس له وُجودٌ في الدَّارِ؟
ثم بعد تجويزه خُلْفَ الوعيد: أيدخُلُ الكُفَّارُ في الجنَّةِ، أم يصيرونَ تُراباً،
أم يتنعمون في النَّارِ، أو لا يكونون مُنَعَمين ولا مُعذَّبين، أو لا يُحشرونَ رأساً فَإِنَّ الإعادَةَ في حقهم وعيد شديد؟
وكلُّ واحدٍ ممَّا ذُكِرَ مُخالِفٌ لِمَا عليه أهل الإسلام، بل سائِرُ المِلَلِ الإلهية، إلا المُعطَّلةَ والمَلاحِدَةَ؛ فإنَّ المُشركين كانوا يعبدون الأصنام ويقولون: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا
عندَ اللهِ في الدُّنيا، أو على فَرْضِ الحَسْرِ في العُقبى.
وظاهر الكلام بطريقِ الإلزام أنَّ الخُلفَ لا يخلو أن يكون في وعيد تعلَّق به المشيئة، أو فيما لم يتعلق به المشيئة، والأوَّلُ مُحالٌ، والثاني تحصيل الحاصِلِ، فما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأ لم يَكُنْ.
وهذا البحثُ شُعبةٌ من علم الكلام الذي هو مذموم عندَ الأَئِمَّةِ الأعلام، إذ قد وَرَدَ: مَن أَحْدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد. وقال الغَزاليُّ: السُّكوتُ عمَّا تكلم فيه السَّلَفُ ممنوع، والكلام فيماسَكَتُوا عنه مدفوع.
لكن انجَرَّ الكلامُ إلى الكلام، حيثُ كانَ الباعِثُ الأَعظَمُ والمَرَامُ فِي المَقامِ: أَنِّي لمَّا رأيتُ بعضَ العُلماء الأعلام، بل عُمدَةُ مَشايخ الإسلامِ، أَطْلَقَ جَوازَ خُلْفِ الوعيد في كتابه بلا ذِكْرِ الخِلافِ، ومن غيرِ التَّقييدِ، أَوْجَبَ علينا بيانَه، بأن تُبطِلَ شَانَه، لئَلَّا يطَّلِعَ عليه أحدٌ من أربابِ التَّقليد، فيَعتَقِدَ من كلامه ما يترتب عليه الوَعِيدُ. أقول هذا وأستَغفِرُ الله من كلِّ زَلَل، وأتوب إليه من كلِّ خَطَلٍ، وأسأله السَّدادَ في العلمِ والعَمَلِ، فإنَّه بالإجابةِ جَديرٌ، وعلى ما يشاء قدير، والحمد الله