الفصول المهمة في حصول المتمة
للإمام علي القاري الحنفي
توفي في سنة (1014 هـ)
تحقيق:
قيس العنبتاوي
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
جارٍ تحميل الكتاب…
الفصول المهمة في حصول المتمة
للإمام علي القاري الحنفي
توفي في سنة (1014 هـ)
تحقيق:
قيس العنبتاوي
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
الفصول المهمة في حصول المتمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أقام أمر الدين، بإقامة الصلاة وأدائها (¬1)، وأمر بالمحافظة عليها، والقيام بشروطها وأركانها وواجباتها، ووعد بالإثابة على تحسينها (¬2)، بإتيان سننها ومستحباتها، وأوعد على تقصيرها بارتكاب مفسداتها، ومحرماتها ومكروهاتها، والصلاة والسلام على من جعل قرّة عينه في الصلاة على كل حال، حتى كان يقول: «أرحنا بها (¬3) يا بلال») (¬4) (أي بالصلاة على (¬5) سائر الأشغال، فإنها معراج المؤمن ومناجاته بالمهيمن المتعالي (¬6)، فيالها من سعادة لمن قام (¬7) بها (¬8)، ويالها (¬9) من شقاوة لمن أعرض عنها.
ورضي الله عن آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه أرباب المعرفة والشهود، وأصحاب القيام بالركوع والسجود.
أما بعد:
¬
(¬1) في نسخة (ب) و (ج): إدامتها.
(¬2) في نسخة (ب): أقام.
(¬3) في نسخة (ج): محسّنيها.
(¬4) في المعجم الكبير 6: 277، وفي سنن أبي داود 4: 453 عن سالم بن أبي الجعد قال: «قال رجل قال مسعر: أراه من خزاعة ليتني صليت فاسترحت. فكأنهم عابوا ذلك عليه، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا بلال، أقم الصلاة، أرحنا بها.»، وفي مسند أحمد 38: 225 بلفظ: «قم يا بلال، فأرحنا بالصلاة»، وفي مشكاة المصابيح 1: 393 وقال: صحيح.
(¬5) في نسخة (ج): عن.
(¬6) في نسخة (ج): عن.
(¬7) زيادة في نسخة (ج).
(¬8) في نسخة (ج): لها.
(¬9) في نسخة (ج): مالها.
فيقول المحتاج إلى كرم ربه الباري علي بن سلطان محمد القاري: لمّا رأيت عامة الناس من الجهلاء بل أكثر العلماء والفضلاء، بل من يدعي المشيخة ويزعم أنه من الأولياء والأصفياء، أهملوا أمر عبادة الصلاة على ما يجب عليهم أعمالها ويتعين لهم إكمالها، لا سيما في ركني (¬1) الركوع (¬2) والسجود (¬3)، وما يتبعهما من القومة والجلسة والقعود، وصارت القضية من عموم البلوى لهذا البلاء في كل مكان وزمان من الخلأ والملأ، وجرت العبادة جريَ العادة ممن له الفطانة (¬4) والبلادة (¬5)، واقتدى الخاصة بالعامة ولم يدروا لجهلهم الطامة، أن لا يجوز الاقتداء بأفعال علماء هذا (¬6) الزمان، بل يحسن الاقتداء بأقوالهم بناء على الضرورة في هذا الشأن، ففساد العَالَم مترتب على فساد العَالِم من بني آدم، فضلّوا عن الطريق الأقوم إلا القليل، وأضلوا كثيرًا عن سواء السبيل، حيث تركوا طريق سلف الصالحين من الاحتياط في أمر العبادات.
¬
(¬1) الركن: جمع ركن وهو في اللغة: الجانب الأقوى، وفي الاصطلاح الجزء الذاتي الذي تتركب الماهية منه ومن غيره كالأركان الستة القيام والقراءة والسجود والركوع والانتقال من ركن إلى ركن والقعدة الأخيرة ينظر: مراقي الفلاح: 81.
(¬2) الركوع: وهو الإنحناء بالظهر والرأس جميعا" هذا معناه الشرعي ومعناه لغة مطلق الإنحناء والميل يقال ركعت النخلة إذا مالت وأدناه شرعا إنحناء الظهر بحيث لو مد يديه ينال ركبتيه ينظر: حاشية الطحطاوي ص299.
(¬3) السجود لغة: هو وضع الجبهة على الأرض ينظر: المغرب ص218.
(¬4) (فطن) الفاء والطاء والنون كلمة واحدة تدل على ذكاء وعلم بشيء. يقال: رجل فطن وفطن، وهي الفطنة والفطانة، ينظر: معجم مقاييس اللغة 4: 510.
(¬5) البلادة: بالفتح ضد الذكاء، إذا لم يكن ذكيا. والبلدة والبلدة والبلادة ضد النفاذ والذكاء والمضاء في الأمور. ينظر: تاج العروس 7: 477، والمغرب ص87.
(¬6) ساقطة في نسخة (ب).
وحق عليهم ما ثبت في الآيات:
{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} [سورة مريم: 59]،
{إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَائِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [سورة الفرقان: 40]
ولمح في الخاطر الفاتر (¬1) ولمع في البال القاصر، أن ينبّه إخوان الزمان وأقران الأوان، بناء على أن الدين هو النصيحة الناشئة من الإيمان، وكمال الإحسان وتمام الإيقان، ولكي (¬2) يتنبّه هو أيضًا من نوم (¬3) الغفلة إلى يقظة الحضرة، ويترقى في (¬4) مقام التوبة، إلى مرتبة الأوبة، فها أنا أشرع هنا في ذكر ما يحصل به الهناء ويزول العناء، ويدوم الغنى في الدنيا والعقبى، بلّغنا الله المقام الأسنى والمرتبة الحسنى، وزيادة النظر إلى لقاء المولى على الوجه الأعلى.
فأقول: وبالله التوفيق وبيده عنان التحقيق (¬5).
إن الله حيث ذكر الصلاة في كتابه عبّر عنها بالإقامة والمحافظة ونحوها (¬6)،
¬
(¬1) اسم فاعل من فتَرَ، فتَرَ إلى، فتَرَ عن، فتَرَ في، أي: خفيف، ضعيف، ساكن، ينظر: معجم اللغة العربية المعاصرة 3: 1667، وفي مختار الصحاح ص 233: الفترة: الانكسار والضعف، وقال: طرف فاتر: إذا لم يكن حديدا.
(¬2) في نسخة (ج): ولكن.
(¬3) في نسخة (ج): يوم.
(¬4) في نسخة (ب): من.
(¬5) في نسخة (ج): التوفيق.
(¬6) كقوله عز وجل: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]،
وقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: 9]، وقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 110]، وقوله: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء: 78].
إلا في موضع أريد ذم القائمين بها؛ لأنهم كانوا غير (¬1) غافلين عنها ملتفتين إلى مراعاتها من تحسين (¬2) هيهاتها (¬3) وهيئاتها، حيث قال: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [سورة الماعون: 5]، ي معرضون عنها بالكلية، أو غافلون عن مراعاة حقائقها الجزئية (¬4).
ولذا لم يقل: في صلاتهم ساهون، فإن الإنسان مأخوذ من النسيان، فسبحان العلي الأعلى، من لا يسهو ولا ينسى، وقد ورد في الحديث الصحيح ما يدل على هذا المعنى بالصريح كما يشير قوله - صلى الله عليه وسلم - إليه: «رُفِعَ عن أُمَّتي الخطأَ والنِّسيانَ وما استُكْرِهوا عليهِ» (¬5).
¬
(¬1) زيادة في نسخة (ب).
(¬2) في نسخة (ب): هيهاتها.
(¬3) زيادة في نسخة (ب) و (ج).
(¬4) أي: كانوا يؤخرونها حتى يخرج الوقت، ينظر: الجامع لعلوم الإمام أحمد 13: 520، وعن الحسن في قوله عز وجل: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} [الماعون: 6] قال: إن صلاها رياء، وإن لم يصلها لم يبالها، ينظر: الزهد ص221، قال الطبري رحمه الله: لا يريدون الله عز وجل بصلاتهم، وهم في صلاتهم ساهون إذا صلوها، ينظر: جامع البيان ص24.
(¬5) فعن عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله عز وجل تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، ينظر: في المعجم الكبير 2: 97، وسنن ابن ماجه 3: 200، والسنن الكبرى للبيهقي 8: 410، وسنن الدار قطني 5: 300،وفي مشكاة المصابيح 3: 1771 وقال: صحيح لطرقه، وفي المستدرك 2: 216 قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
ثم إقامة الصلاة: «تعديل أركانها (¬1)، وحفظها من أن يقع زيغ في أفعالها وشأنها». على ما قاله «الكشاف» (¬2) (¬3)، وصاحب «المدارك» (¬4)
¬
(¬1) تعديل الأركان: تعديل الأركان في الصلاة: هو تسكين الجوارح في الركوع والسجود والقومةِ والجلسةِ حتى يطمئن مفاصلُه، وأدناه مقدارُ تسبيحة قال النسفي: "تسويتُها: إتمام فرائضها"، ينظر: التعريفات الفقهية ص58، وينظر: جامع العلوم في اصطلاحات الفنون 1: 224
(¬2) ينظر: تفسير الكشاف، للزمخشري 1: 39.
(¬3) هو الكشاف عن حقائق التنزيل للإمام، العلامة، أبي القاسم، جار الله: محمود بن عمر الزمخشري، الخوارزمي المتوفى: سنة (538هـ)، قال ابن خلكان: وكان الزمخشري، معتزلي الاعتقاد، واشتهر هذا التفسير في الآفاق، واعتنى الأئمة المحققون بالكتابة عليه لما فيه من أسرار في علم المعاني والبيان، التي يدرك بها وجوه الإعجاز القرآني، وفنون النحو، ومحاسن النكت. ينظر: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون 2: 1475.
(¬4) هو مدارك التنزيل، وحقائق التأويل في التفسير. للإمام، حافظ الدين: عبد الله بن أحمد النسفي (ت 701هـ)، وهو: كتاب وسط في التأويلات، جامع لوجوه الإعراب، والقراءات، متضمنا لدقائق علم البديع والإشارات، حاليا بأقاويل أهل السنة والجماعة، خاليا عن أباطيل أهل البدع والضلالة، ليس بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل. ينظر: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون 2: 1640.
(¬1)، والقاضي (¬2) (¬3) وغيرهم من المفسرين، والعلماء المعتبرين.
فإنْ قلت: هذا يدل على الفرضية؟
¬
(¬1) ينظر: مدارك التنزيل وحقائق التأويل 1: 41.
(¬2) وهو المفسر البيضاوي عبد الله بن عمر بن محمد بن علي أبو الخير قاضي القضاة ناصر الدين البيضاوي كان إماما علامة، عارفا بالفقه والتفسير والأصلين والعربية والمنطق؛ نظارا صالحا متعبدا شافعيا، من مؤلفاته: «مختصر الكشاف» و «لمنهاج في الأصول و شرحه أيضا» و «شرح مختصر ابن الحاجب في الأصول» و «شرح المنتخب في الأصول للإمام فخر الدين» و «شرح المطالع في المنطق»، و «الإيضاح في أصول الدين، الغاية القصوى في الفقه» و «الطوالع في الكلام»، (ت 691 هـ). ينظر: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة 2: 50، طبقات الشافعية الكبرى 8: 157، العقد المذهب في طبقات حملة المذهب ص172.
(¬3)، ينظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل 1: 38.
قلت: هو كذلك عند جمهور علماء الأمة (¬1)، لكن المحققين من الفقهاء حيث قالوا: الفرض ما ثبت بدليل قطعي (¬2)، والواجب ما ثبت بدليل ظني (¬3)، وقد فُسّر الإقامة أيضًا بنحو المحافظة والمداومة، فلا تكون الآية قطعية الدلالة (¬4).
فإن قيل: لا يصح الاستدلال مع وجود الاحتمال (¬5)!
قلنا: قد يكون حجة بالترجيح على القول الصحيح، فالأكثر على القول الأول، فيكون هو المعوّل، وهو في المعنى أظهر، فالمدار عليه أكثر وهو إلى الحقيقة أقرب، فالاعتماد عليه أنسب.
بل (¬6)
¬
(¬1) وهو قول الشافعية والحنابلة والمالكية، ينظر: الغاية والتقريب ص9، وينظر: الروض المربع بشرح زاد المستقنع 282:1، ينظر: خلاصة الجواهر الزكية 20ص.
(¬2) الفرض: لغة هو التقدير ومفروضات الشرع مقدراته بحيث لا يحتمل الزيادة والنقصان وفي الشرع ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه وحكمه لزوم العمل به والاعتقاد به، ينظر: أصول الشاشي ص379، ينظر: مسار الوصول إلى علم أصول ص311.
(¬3) الوجوب: هو السقوط يعني ما يسقط على العبد بلا اختيار منه وقيل هو من الوجبة وهو الاضطراب سمي الواجب بذلك لكونه مضطربا بين الفرض والنفل فصار فرضا في حق العمل حتى لا يجوز تركه ونفلا في حق الاعتقاد فلا يلزمنا الاعتقاد به جزما وفي الشرع وهو ما ثبت بدليل فيه شبهة كالآية المؤولة والصحيح من الآحاد وحكمه، ينظر: أصول الشاشي ص379، وحكمه يلزم الاعتقاد حقيّته لثبوته بدليل ظني ينظر: مسار الوصول إلى علم أصول ص312.
(¬4) أي أنها ظنية الدلالة تحتمل أكثر من معنى واحد، والقطعي الثبوت إن كان ظني الدلالة يثبت به الإيجاب والكراهة التحريمية، ينظر: مسار الوصول ص68.
(¬5) أي الاستدلال بالدليل الظني على فرضية تعديل الأركان، فلا بد من أن يكون الدليل قطعي الثبوت وقطعي الدلالة ليثبت به الفرض.
(¬6) ساقطة من نسخة (ب) و (ج).
قال صاحب «الكشف» (¬1): «إن الإقامة في معنى تعديل الأركان هو الحقيقة»، وضعَّف سائر المعاني المجازية الخارجة عن الطريقة، ثم هو مؤيد بالأحاديث النبوية، ومؤكد بالأدلة الشرعية، ومنقول عن أكابر الملة الحنفية (¬2)، وأعاظم أئمة النعمانية (¬3).
فلنقدم ما حقه التقديم مما ثبت عن الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -، ثم نتبعه نقل العلماء ورواية الفقهاء:
¬
(¬1) وهو كشف الأسرار للإمام علاء الدين: عبد العزيز بن أحمد البخاري، الحنفي المتوفي سنة (730هـ) وهو شرح على أصول الإمام، فخر الإسلام: علي بن محمد البزدوي، وقد شرحه: أعظم الشروح، وأكثرها إفادة وبيانا. ينظر: كشف الظنون 1: 81.
(¬2) وهو قول أبي يوسف بفرضية الكل واختاره في المجمع والعيني، ورواه الطحاوي عن أئمتنا الثلاثة، ينظر رد المحتار 1: 465.
(¬3) في نسخة (أ): الحنفية.
فمنها: ما روى أصحاب الكتب (¬1) الست إلا مالكًا عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أنَّ رَسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ المَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، ثمَّ جَاءَ وَسَلَّمَ علَى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، [فَرَدَّه وقالَ: ارجِع فَصَلِّ، فإنَّكَ لَم تُصَلِّ، فَرَجَعَ فَصَلًّى كما صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ علَى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -] (¬2)، فَرَدَّه وقالَ: ارجِع فَصَلِّ، فإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثَلَاثًا، فَقالَ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ ما أُحسِنُ غَيْرَهُ، عَلِّمْنِي، فَقالَ: إذَا قُمْتَ إلى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقرَأ ما تَيَسَّرَ معكَ مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ اركَع حتَّى تَطمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وافْعَلْ ذلكَ في صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (¬3)،
وقد شرحنا الحديث مفصلًا في «المرقاة شرح المشكاة» (¬4) (¬5)، لكن هنا نقتصر على المورود الدال على المقصود عند المخالف والموافق (¬6)، فقد قال الشيخ (¬7)
¬
(¬1) زيادة في نسخة (ج).
(¬2) ساقطة من نسخة (ج).
(¬3) صحيح البخاري1: 274، وفي صحيح مسلم1:10، وفي سنن أبي داود 1: 318، سنن الترمذي 2: 103، سنن النسائي 2:124، وفي سنن ابن ماجه 2: 169.
(¬4) ينظر: المرقاة شرح المشكاة 2: 649.
(¬5) وهو مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح علي بن (سلطان) محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري. ينظر: الأعلام للزركلي 5: 12.
(¬6) في نسخة (ب): الموافقة.
(¬7) ساقطة من نسخة (ج).
أكمل الدين (¬1) في «شرح المشارق» (¬2) قوله: «ثم ارفع حتى تعتدل»، يدل على أن تعديل الأركان فيها واجب) (¬3) (». انتهى.
¬
(¬1) هو محمد بن محمد بن محمود، أكمل الدين أبو عبد الله بن الشيخ شمس الدين ابن الشيخ جمال الدين الرومي البابرتي: علامة بفقه الحنفية، عارف بالأدب، نسبته إلى بابرتي، قرية من أعمال دُجيل ببغداد أو بابرت التابعة لأرزن الروم - أرضروم - بتركيا. رحل الى حلب ثم إلى القاهرة، من مؤلفاته «العناية في شرح الهداية في فروع الفقه الحنفي»، «السراجية في الفرائض»، «حاشية على الكشاف للزمخشري في التفسير»، «شرح مشارق الأنوار النبوية من صحاح الاخبار المصطفوية للصغاني وسماه تحفة الابرار في شرح مشارق الانوار» (ت 786) ينظر: الأعلام للزركلي 8: 213، ينظر معجم المؤلفين 11: 298
(¬2) وهو شرح لكتاب مشارق الأنوار النبوية، من صحاح الأخبار المصطفوية للإمام، رضي الدين: حسن بن محمد الصغاني جمع فيه: من الأحاديث الصحاح، عدده على تعداد الشارح الكازروني: ألفان ومائتان وستة وأربعون حديثا، شرحه الشيخ أكمل الدين: محمد بن محمود البابرتي وسمَّاه: «تحفة الأبرار، في شرح مشارق الأنوار» ينظر: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون 2: 1689، ينظر معجم المؤلفين 11: 298.
(¬3) والوجوب هو السقوط يعني ما يسقط على العبد بلا اختيار منه وقيل هو من الوجبة وهو الاضطراب سمي الواجب بذلك لكونه مضطربا بين الفرض والنفل فصار فرضا في حق العمل حتى لا يجوز تركه ونفلا في حق الاعتقاد فلا يلزمنا الاعتقاد به جزما وفي الشرع وهو ما ثبت بدليل فيه شبهة كالآية المؤولة والصحيح من الآحاد وحكمه ما ذكرنا ينظر أصول الشاشي ص379، وقال فخر الإسلام البزدوي: الوجوب = أي الواجب فلزومه عملا لا علما أي يجب إقامته بالبدن، ولكن لا يجب اعتقاد لزومه؛ لأن دليله لا يوجب اليقين ولزوم الاعتقاد مبني على الدليل اليقيني، ينظر: كشف الأسرار2: 303.
وفي كلامه دلالة على شمول تعديل الأركان لطمأنينة القومة على ما صرح به في (¬1) «المغرب») (¬2) ((¬3)، واختاره صاحب «الاختيار» (¬4)) (¬5) (،
- ومنها:
¬
(¬1) زيادة في نسخة (ج).
(¬2) وهو كتاب المغرب في ترتيب المعرب في اللغة تكلم فيه على الالفاظ التى يستعملها الفقهاء من الغريب مؤلفه المطرزى ناصر الدين أبو الفتح الاديب الحنفي الشهير بالمطرزى ولد سنة 538 وتوفى سنة 610، ينظر هدية العارفين 2: 488.
(¬3) والمراد بتعديل أركان الصلاة تسكين الجوارح في الركوع والسجود والقومة بينهما والقعدة بين السجدتين. ينظر: المغرب في ترتيب المعرب ص306.
(¬4) الاختيار لتعليل المختار، لأبي الفضل الموصلي وهو عبد الله محمود بن مودود بن محمود الموصلي أبو الفضل الإمام الملقب مجد الدين ولد (599هـ) وتوفي (683هـ)، وهو شرح متن المختار للفتوى الذي ألفه في عنفوان شبابه، واختر فيه قول الإمام أبي حنيفة، ثم صنف شرحاً له وسماه: «الاختيار» كما ذكر ذلك في مقدمة شرحه، وقال اللكنوي في الفوائد البهية: " وقد طالعت المختار والاختيار، وهما كتابان معتبران عند الفقهاء، واختصره: أبو العباس: أحمد بن علي الدمشقي. وسماه: «التحرير».ثم شرحه، ولم يكمله، وشرحه: الجمال، أبو إسحاق: إبراهيم بن أحمد الموصلي، الحنفيوسماه: «توجيه المختار»، وشرحه: ابن أمير، الحاج: محمد بن محمد بن محمد الحلبي، وخرَّج أحاديثه الشيخ: قاسم بن قطلوبغا الحنفي. ينظر: الفوائد البهية ص106، كشف الظنون 2: 1622، أسماء الكتب المتم للكشف ص26.
(¬5) قال صاحب الاختيار: والأمر بالفعل لا يقتضي الدوام عليه، ولا تجوز الزيادة على الكتاب بخبر الواحد، وما رواه يقتضي الوجوب، وهي واجبة عندنا حتى يجب سجود السهو بتركها ساهيا; وقيل: هي سنة. ينظر: الاختيار 1: 53.
ما روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ» (¬1) والإتمام [إنما يكون] (¬2) بالطمأنينة، فيدل على وجوبها.
- ومنها:
ما روى الطبراني في «الكبير»، وأبو يعلى، وابن خزيمة، عن عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وشرحبيل بن حسنة رضي الله عنهم: أنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجُلًا لا يُتِمُّ رُكوعَهُ وينقرُ (¬3) في سجودِهِ وَهوَ يصلِّي،
فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو ماتَ هذا على حالِهِ ماتَ على غيرِ ملَّةِ محمَّدٍ» (¬4)، وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، يخاف منه سوء الخاتمة، فنسأل الله العافية من دخول الهاوية.
- ومنها:
ما روى البخاري عن زيد بن وهب قال: «أنَّ حذيفة رأى رجُلًا لا يُتِمُّ رُكوعَهُ ولاَ سُجودَه، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ دعاهُ، فَقالَ له حُذَيْفَةُ: ما صَلَّيْتَ؟
قالَ: وأَحْسِبُهُ، قالَ: لو مُتَّ مُتَّ علَى غيرِ سُنَتِه» (¬5) وفي رواية: «لو مُتَّ مُتَّ علَى غيرِ الفِطرة التي فَطرَ الله محُمَّدًا عَليّها» (¬6)
- ومنها:
ما رواه مالك في الموطأ عن النعمان قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا تَرَوْنَ فِي الشَّارِبِ وَالزَّانِي وَالسَّارِقِ؟ - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ فِيهِم الحُدود-، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ،
قال: هُنَّ فَوَاحِشُ، وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ، وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ الَّذِي يَسْرِقُ صَلاَتَهُ،
قالوا: وَكَيْفَ يَسْرِقُ صَلاَتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
¬
(¬1) في صحيح بخاري 6: 2449، وصحيح مسلم 2: 28.
(¬2) ساقطة من نسخة (ج).
(¬3) في نسخة (ب): يقصر.
(¬4) ينظر في مسند أبي يعلى9: 573، وفي صحيح ابن خزيمة1: 355، وفي المعجم الكبير 4: 115.
(¬5) في صحيح بخاري 1: 87.
(¬6) في صحيح بخاري 1: 158.
قال: لاَ يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلاَ سُجُودَهَا» (¬1)
- ومنها:
ما رواه أبو داود والنسائي عن عبد الرحمن ابن شبل قال: «نهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن نَقرةِ الغرابِ وافتراشِ السبعِ وأنْ يوطِّنَ الرجلُ المكانَ في المسجدِ كما يوطِّنُ البعيرُ» (¬2).
- ومنها:
ما رواه أبو يعلى (¬3) والإمام أحمد (¬4) وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان عن عليّ بن شيبان قال: «خرَجْنا حتى قَدِمْنا على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فبايَعناهُ وصَلَّينا خلْفَه، فلَمَح بمؤْخِرِ عينِهِ رجلًا لا يُقيمُ صلاتَه، فلمَّا قضَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - صَلاتَهُ، قال: يا معشَرَ المُسلِمينَ! لا صلاةَ لمنْ لا يُقيمُ صُلبَه في الركوعِ والسجودِ») (¬5) (، أي لا يسوّي ظهره في عقب الركوع والسجود، فهذا الحديث يدل على وجوب القومة والجلسة.
- ومنها:
ما رواه أبو يعلى والأصبهاني، عن علي كرّم الله وجه قال: «نهاني رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن أقرأ وأنا راكعٌ، فقال: يا عليّ مثل الذي لا يقيم صلبه في صلاته، كمثل حبلى حبلت (¬6)، فلما دنى نفَاسُها أسقطت، فلا هي ذات حمل، ولا هي ذات ولد» (¬7).
- ومنها:
¬
(¬1) في موطأ مالك 1: 167.
(¬2) في سنن النسائي 2: 214، وفي السنن الكبرى للنسائي 1: 352، والسنن الكبرى للبيهقي 2: 170، وسنن أبي داود: 2: 147، وقال في المستدرك صحيح تفرد تميم عن ابن شبل ينظر 1: 352.
(¬3) ساقطة من نسخة (ب) و (ج).
(¬4) في نسخة (ب): أحمد بن حنبل.
(¬5) في سنن ابن ماجه 2: 47، مسند أحمد 26: 224، وفي صحيح ابن خزيمة 1: 300، وصحيح ابن حبان 3: 414.
(¬6) في نسخة (ب) و (ج): حملت.
(¬7) في الترغيب والترهيب 2: 422، وفي السنن الكبرى 2: 541، وفي مجمع الزوائد 2: 122، وفي المقصد العلي في زوائد أبي يعلى 1: 139.
ما رواه الإمام أحمد عن طلق بن عليّ رضي الله عنه، أنه (¬1) قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، «لا ينظرُ اللهُ تعالى إلى صلاةِ عبدٍ لا يُقِيمُ فيها صُلبَه بين ركوعِها وسجودِها» (¬2).
- ومنها:
ما رواه مسلم وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كانَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يفتتِحُ الصَّلاةَ بالتَّكبيرِ والقراءةِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكانَ إذا رَكعَ لم يُشخِّصْ رأسَهُ ولم يصوِّبْهُ ولَكن بينَ ذلِكَ، وَكانَ إذا رفعَ رأسَهُ منَ الرُّكوعِ لم يسجُدْ حتَّى يستَوِيَ قائِمًا، وكان إذا رفَعَ رَأْسَه مِنَ السُّجدِة لم يَسجُد حتى يَستَويَ جالسًا» (¬3)،
وهذا الحديث يدل على المواظبة، فتكون القومة والجلسة من الأفعال الواجبة.
- ومنها:
[ما رواه الأصبهاني عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «أن الرجل يصلي ستين سنة (¬4) وما تقبل له صلاة لعله يتم الركوع ولا يتم السجود أو يتم السجود ولا يتم الركوع» (¬5)] (¬6).
- ومنها:
ما رواه الطبراني (¬7) في الأوسط (¬8) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا لأصحابه وأنا حاضر: «لو كانَ لأَحَدِكُمْ هذِه الشاة لَكَرِهَ (¬9) أنْ تُجْدَعَ،
¬
(¬1) زيادة في نسخة (ب).
(¬2) في مسند أحمد 26: 211، وفي مشكاة المصابيح صحيح ينظر1: 284 وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات، ينظر 2: 120.
(¬3) في صحيح مسلم 2: 54، وفي سنن ابي داود 1: 208، وفي السنن الكبرى للبيهقي 2: 163.
(¬4) في نسخة (ج): ركعة.
(¬5) في الترغيب والترهيب 2: 426، وفي مصنف ابن أبي شيبة 3: 134.
(¬6) ساقطة من نسخة ب.
(¬7) في نسخة (ب): الاصبهاني.
(¬8) ساقطة من نسخة ب.
(¬9) في نسخة (ب): لكن.
كَيْفَ يَعْمَدُ أَحَدُكمْ فَيَجْدَع صلاتَهُ التي هي لله تعالى؟ فَأَتِموا صلاتَكُمْ؛ فإِنّ اللهَ لَا يَقْبَلُ إِلاّ تَامًّا» (¬1)
- ومنها:
ما رواه الأصبهاني، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعًا: «ما من مصلٍ إلا وملك عن يمينه وملك عن يسيره، فإن أتمها عرجا بها، وإن لم يتمها ضربا بها (¬2) وجهه» (¬3).
- ومنها:
ما رواه ابن خزيمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر فلمّا سلّم نادى رجلًا كان في أخر الصفوف فقال: يا فلان ألا تتقي الله؟ ألا تنظر كيف تصلي؟ إن أحدكم إذا قام يصلي، إنما يقوم يناجي ربه، فلينظر كيف يناجيه» (¬4).
- ومنها:
¬
(¬1) في الأوسط 6: 241، وذكر في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن، ينظر 2: 122.
(¬2) ساقطة من نسخة ب
(¬3) في الترغيب والترهيب 2: 423، الفتح الكبير 3: 115، وذكر الدارقطني في الأفراد: هذا حديث غريب من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب، تفرد به عبدالله بن عبدالعزيز الليثي عنه، ولم يروه عنه غير الوليد بن عطاء 99: 14.
(¬4) في صحيح ابن خزيمة 1: 241،وفي مسند البزار 15: 123، وقال صاحب المستدرك: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه على هذه السياقة، ينظر 1: 361.
ما رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله، صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر» (¬1).
- ومنها:
ما رواه الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن قرظ مرفوعًا: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله» (¬2)
فثبت بهذه الأحاديث وإن كانت ظنية (¬3) لكنها من حيث المجموع كادت أن تكون قطعية.
إنّ تعديل الأركان في الركوع والسجود والقومة بينهما والقعدة بين السجدتين فرض، وهو مذهب جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد (¬4) وأبي يوسف (¬5)،
¬
(¬1) في سنن الترمذي 2: 269،وفي مصابيح السنة 1: 458، والأحكام الوسطى 1: 249، وفي مشكاة المصابيح 1: 419، وفي سنن النسائي بلفظ أخر: عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن وجدت تامة كتبت تامة، وإن كان انتقص منها شيء قال: انظروا هل تجدون له من تطوع، يكمل له ما ضيع من فريضة من تطوعه، ثم سائر الأعمال تجري على حسب ذلك» ينظر 1: 232، وكذا في مسند، ومسند أبي داود 4: 212، والسنن الكبرى 2: 540، وذكره الأصبهاني بلفظ أخر ولكن بذات المعنى ينظر: 3: 31.
(¬2) في المعجم الأوسط 2: 240، والجامع الكبير 2: 490.
(¬3) أي خبر الواحد، فهو يفي الظن لا القطع كالخبر المتواتر والمشهور، ولكنه يوجب العمل دون العلم، ينظر: التلويح على التوضيح 2: 6.
(¬4) ينظر: الغاية والتقريب ص9، وينظر: الروض المربع بشرح زاد المستقنع 282:1، ينظر: خلاصة الجواهر الزكية 20ص.
(¬5) ينظر: في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 1: 162، وفي الاختيار 1: 52، وفي العناية 1: 300، ورد المحتار 1: 464،،وقد قال المحقق ابن الهمام: ويحمل قول أبي يوسف بالفرضية على الفرض العملي، وهو الواجب فيرتفع الخلاف، ينظر: البحر الرائق 1: 317.
وذهب جماعة من أئمتنا (¬1) إلى الوجوب وهو مختار المحققين، وذهب جَمَع أنه من السنن المؤكدة القريبة إلى الوجوب (¬2)، فها أنا أبيّن لك ما اطّلعت عليه من أقوال العلماء وروايات (¬3) الفقهاء.
ففي «شرح مجمع البحرين» (¬4)
¬
(¬1) هذا قول الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه على تخريج أبو الحسن الكرخي رضي الله عنه على أنها واجبة، توجب سجود السهو، ينظر: النهاية في شرح الهداية 2: 249، كما قال السمرقندي رضي الله عنه في تحفة الفقهاء: أن تعديل الأركان ليس بفرض عند أبي حنيفة ومحمد وعندهما - الشافعي وأبو يوسف- فرض، وعلى هذا القومة التي بعد الركوع والقعدة التي بين السجدتين والصحيح قول أبي حنيفة ومحمد لقول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [سورة الحج: 77] والركوع هو الانحناء والسجود هو الوضع يقال سجد البعير إذ وضع جرانه على الأرض والطمأنينة دوام عليه والأمر بالفعل لا يقتضي الدوام فلا تجوز الزيادة عليه بخبر الواحد. ينظر: 1: 133.
(¬2) وهو على تخريج الجرجاني رضي الله عنه، ينظر: النهاية في شرح الهداية 2: 198، وينظر: البحر الرائق 1: 317، كما في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص250.
(¬3) في نسخة (ج): رواية.
(¬4) وهو شرح لكتاب مجمع البحرين وملتقى النيرين لابن الساعاتي، حيث أن ابن الساعاتي كتب المجمع ثم شرحه، وقد جمع فيخ مختصر القدوري ومنظومة النسفي ثم شرحه في مجلدين، وكان بخطه، من الكتب الموقوفة بجامع السلطان: محمد الفاتح، وفرغ من تأليفه: في ثامن رج (690هـ)، وهو: كتاب حفظه سهل، لنهاية إيجازه، وحله صعب، لغاية إعجازه، بحر مسائله، جم فضائله. ينظر: كشف الظنون 2: 1599.
لمؤلفه (¬1) (¬2): «قال أبو يوسف: تعديل أركان (¬3) الصلاة وهو الطمأنينة في الركوع والسجود، وكذا إتمام القيام بينهما وإتمام القعود بين السجدتين فرض تبطل الصلاة بتركه وبه قال الشافعي» (¬4).
وعبارة صدر الشريعة (¬5)
¬
(¬1) وهو الإمام مظفر الدين أبي العباس البغدادي المعروف بابن الساعاتي، ولد في بغداد ونشأ فيها في 651 هـ، وتصدر للإفتاء والتدريس، والإشغال، مدة طويلة، وكان الشيخ شمس الدين الأصبهاني يفضله ويثني عليه كثيراً. مؤلفاته: «البديع في أصول الفقه»، وكتاب «الدر المنضود في الرد على فيلسوف اليهود»، وكتاب «مجمع البحرين» جمع فيه بين مختصر القدوري ومنظومة النسفي مع زوائد، ورتبه فأحسن وأبدع في اختصاره إلى الغاية، ورتبه على جملة يعرف منها الخلاف بين الإمام والصاحبين والأئمة الأربعة، وشرحه في مجلدين كبيرين. (694ت).
ينظر: المنهل الصافي 2: 421، وتاج التراجم ص95، الأعلام للزركلي 1: 175.
(¬2) في نسخة (ب) و (ج): لمصنفه.
(¬3) في نسخة (ب) و (ج): الأركان في.
(¬4) ينظر شرح مجمع البحرين وملتقى النيرين لابن الساعاتي 2: 53.
(¬5) وهو صدر الشريعة الثاني - عبيد الله بن مسعود بن تاج الشريعة عمر بن صدر الشريعة الاول احمد بن جمال الدين عبيد الله المحبوبى البخاري الفقيه الحنفي المعروف بصدر الشريعة الثاني من علماء الحكمة والطبيعيات وأصول الفقه والدين، من مؤلفاته: «التنقيح» في أصول الفقه، وشرحه المسمى بـ «التوضيح» و «شرح الوقاية» و «مختصر الوقاية»، توفى سنة (747 هـ)، ينظر: هدية العارفين 1: 649، وفي تاج التراجم ص203، و الأعلام للزركلي 4: 198.
حيث قال في شرح قول تاج الشريعة (¬1) عند (¬2) عدِّ واجبات الصلاة: «وتعديل (¬3) الأركان خلافًا لأبي يوسف والشافعي فإنه فرض عندهما، وهو الاطمئنان في (¬4) الركوع وكذا في السجود، وقدّر بمقدار تسبيحة، وكذا الاطمئنان بين الركوع والسجود وبين السجدتين» (¬5)، وقوله: «وقدّر بمقدار تسبيحة» تقديرًا أدناه، فقد صرّح به الزيلعي (¬6) حيث قال: «وأدناه مقدار تسبيحة» (¬7).
¬
(¬1) وهو تاج الشريعة محمود بن عبيد الله المحبوبي وقال صاحب كشف الظنون اسمه عمر وأنه ابن صدر الشريعة، وهو عالم كامل، حبر فاضل، وهو من أكابر عصره، من مؤلفاته: «شرح الهداية المسمى بالكفاية» و «مختصر الهداية المسمى بالوقاية» ينظر تاج التراجم ص291، ينظر: كشف الظنون 2: 2022.
(¬2) في نسخة (ب): عنده.
(¬3) في نسخة (ب): تعدّ.
(¬4) في نسخة (ج): بين.
(¬5) ينظر: شرح الوقاية 1: 120.
(¬6) وهو عبدالله عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي، أبو محمد، جمال الدين: فقيه، عالم بالحديث، أصله من الزيلع - في الصومال- من مؤلفاته: «نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية»، «تخريج أحاديث الكشاف»، «تخريج أحاديث الإحياء» توفى في القاهرة (762هـ) تفقّه على الفخر الزيلعي عثمان شارح الكنز والعلاء ابن التركماني وغيرهما ينظر: الأعلام للزركلي 4:،147 ومعجم المؤلفين 6: 165، سلم الوصول إلى طبقات الفحول 2: 236.
(¬7) قال الزيلعي في تبيين الحقائق: تعديل الأركان وهو تسكين الجوارح في الركوع والسجود حتى تطمئن مفاصله وأدناه مقدار تسبيحة. ينظر: تبيين الحقائق1: 106.
ثم اعلم: أن التعديل (¬1) سنة على تخريج الجرجاني (¬2) (¬3)، وواجب على تخريج الكرخي (¬4) (¬5)
¬
(¬1) في نسخة (ج): تعديل الأركان.
(¬2) هو محمد بن يحيى بن مهدي أبو عبد الله الجرجاني الفقيه، ذكره تفقه على أبي بكر الرازي وتفقه عليه أبو الحسين القدوري وأحمد بن محمد الناطفي وكان يدرس بالمسجد الذي بقطيعة الربيع، من مؤلفاته: «القول المنصور في زيارة سيد القبور، و «ترجيح مذهب أبي حنيفة»، توفي (397 هـ) ودفن إلى جانب قبر أبي حنيفة رحمه الله، ينظر: الجواهر المضية 2: 143، والأعلام للزركلي 7: 136، ومعجم المؤلفين 12: 112.
(¬3) ينظر: بدائع الصنائع1: 162، وفي النهاية 2: 198، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص250، ورد المحتار 1: 464.
(¬4) وهو الكرخي عبيد الله بن الحسين بن دلال، الشيخ، الإمام، الزاهد، مفتي العراق، شيخ الحنفية، أبو الحسن عبيد الله بن الحسين بن دلال البغدادي، الفقيه، انتهت إليه رئاسة المذهب، وانتشرت تلامذته في البلاد، واشتهر اسمه، وبعد صيته، وكان من العلماء العباد ذا تهجد وأوراد وتأله، وصبر على الفقر والحاجة، وزهد تام، ووقع في النفوس، ومن كبار تلامذته أبو بكر الرازي، من مؤلفاته: «رسالة في الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية»، و «شرح الجامع الصغير»،و «شرح الجامع الكبير» توفى (340 هـ)، ينظر سير أعلام النبلاء: 14: 426، والأعلام للزركلي 4: 193.
(¬5) كان أبو الحسن الكرخي -رحمه الله- يقول: إنه واجب على قول أبي حنيفة -رحمه الله- حتى لو تركه ساهيا كان عليه سجدة. ينظر النهاية 2: 249وكذا ذكر في رد المحتار 1: 465، وتبيين الحقائق 1: 118، بدائع الصنائع 1: 162.
كذا في «الهداية» (¬1) (¬2)، وفي «التاتارخانية» (¬3) (¬4)،
وفي «صلاة الأثر» (¬5)
¬
(¬1) وهو كتاب الهداية شرح بداية المبتدي الإمام، أبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني الحنفي المتوفى (593هـ)، له شرحات كثيرة والمشهور منها العناية للإمام أكمل الدين البابرتي وفتح القدير للإمام ابن الهمام ينظر: كشف الظنون 1: 227، والفوائد البهية ص78، والبدور المضية 12: 400
(¬2) قال صاحب الهداية: وفي تخريج الكرخي رحمه الله واجبة حتى تجب سجدتا السهو بتركها ساهيا عنده، ينظر: الهداية 1: 51.
(¬3) وهي الفتاوى التاتارخانية لعالم بن العَلَاء الأنصاري الحنفي، صنفه سنة (777هـ) للأمير الكبير تاتار خان وسماه باسمه، وكان فيروز شاه يريد أن يسميه باسمه فلم يقبله لصداقة كانت بينه وبين تاتار خان المتوفى ينظر: نزهة الخواطر 2: 169، وسلم الوصول إلى طبقات الفحول 2: 193
(¬4) قال أبو عبدالله الجرجان: لو تركه ساهيًا لا يلزمه سجدة السهو، ولو تركه متعمدًا يكون مسيئًا، وذكر الكرخي أنه واجب لو تركه ساهيًا يلزمه سجدتا السهو ينظر: الفتاوى التاتارخانية 2: 127
(¬5) وهو كتاب لهشام بن عبد الله الرازي الحنفي تلميذ أبي يوسف ومحمد رضي الله عنهم
عن هشام (¬1) عن محمد مسألة تدل على أن قول محمد مثل قول أبي يوسف (¬2)، وقال المحقق ابن الهمام (¬3): «سئل محمد عن ترك الاعتدال في الركوع والسجود فقال إني أخاف أن لا تجوز صلاته» (¬4) وكذا في «الخلاصة» (¬5)
¬
(¬1) وهو هشام بن عبيد الله الرازيّ: فقيه حنفي، من أهل الري. أخذ عن أبي يوسف ومحمد، صاحبي الإمام أبي حنيفة، مات محمد بن الحسن فى منزله بالري، وله نوادر الفروع وكان يقول: لقيت الفاً وسبعمئة شيخ، وأنفقت في العلم سبعمئة ألف درهم. له كتاب «صلاة الأثر» توفي (201هـ)، ينظر: سير أعلام النبلاء: 8: 475، والأعلام للزركلي 8: 87، ومعجم المؤلفين 13: 149
(¬2) لم أقف على كتاب الأثر لهشام بن عبيد الله، إلا أن المسألة ذكرت في الفتاوى الفتاوى التاتارخانية 2: 127، وهو قول محمد وأبي يوسف رضي الله عنهما بالفرضية
(¬3) محمد بن عبد الواحد، العلامة المحقق الكمال ابن الهمام، السيواسي الأصل، نزيل القاهرة، الحنفي، اشتهر بها كمال الدين إمام، من علماء الحنفية ولد بـ (790هـ) وهو عالم عارف بأصول الديانات والتفسير والفرائض والفقه والحساب واللغة والموسيقى والمنطق، من مؤلفاته «تحرير الاصول»، و
«زاد الفقير في الفروع»، و «شرح بديع النظام»، و «فتح القدير للعاجز الفقير من شروح الهداية»، توفى (861هـ) ينظر: الجواهر والدرر 3: 1149، البدور المضيئة 21: 6257، الأعلام للزركلي 6: 255، هدية العارفين 2: 201
(¬4) ينظر: فتح القدير 1: 301، والبحر الرائق 1: 316
(¬5) خلاصة الفتاوى خلاصة الفتاوي للشيخ، الإمام: طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد، البخاري. المتوفى: سنة (542هـ)، وهو كتاب، مشهور، معتمد، أملاه حافظ الدين الملقب افتخار الدين ووالده أحمد تقدم، وللزيلعي المحدث تخريج أحاديثه ينظر: كشف الظنون 1: 718، الجواهر المضية 1: 256
وكذا روي عن أبي حنيفة ذكره في «شرح المنية» (¬1) (¬2).
وفي «الظهيرية» (¬3) قال القاضي الإمام صدر الإسلام أبو اليسر (¬4): «إن (¬5) من ترك الاعتدال في الركوع والسجود يلزمه الإعادة، وإذا أعاد يكون الفرض الثاني لكماله (¬6)، أي لكماله دون الأول أو (¬7)
¬
(¬1) وهو كتاب غنية المتملي في شرح منية المصلي لإبراهيم الحلبي رحمه الله المتوفى (956هـ) وهو شرح لكتاب منية المصلي للإمام الكاشغري شرحه الإمام إبراهيم الحلبي فأقبل عليه الناس، وتلقاه الفضلاء بالقبول، ثم اختصره، تسهيلا للطالبين، ينظر: اسماء الكتب المتمم لكشف الظنون ص219، الأعلام للزركلي 1: 67، كشف الظنون 2: 1886
(¬2) ينظر غنية المتملي في شرح منية المصلي ص294
(¬3) الفتاوى الظهيرية لظهير الدين، أبي بكر: محمد بن أحمد القاضي، المحتسب ببخارا، البخاري، الحنفي. المتوفى سنة (619هـ)،
ذكر فيه: أنه جمع كتابا من الواقعات والنوازل، مما يشتد الافتقار إليه، وفوائد غير هذه، وانتخب: الشيخ، العلامة، بدر الدين، أبو محمد: محمود بن أحمد العيني. منها: ما يكثر الاحتياج إليه، بحذف ما كثر الاطلاع عليه، ينظر: كشف الظنون 2: 1226
(¬4) محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البَزْدَويّ، أبو اليسر، ويلقب بالقاضي الصدر، هو العلامة، شيخ الحنفية بعد أخيه الكبير، أبو اليسر محمد بن محمد بن الحسين ابن المحدث عبد الكريم بن موسى بن مجاهد النسفي، قال عمر النسفي: كان شيخ أصحابنا بما وراء النهر، وكان إمام الأئمة على الإطلاق، والموفود إليه من الآفاق، من مؤلفاته: «المبسوط في الفروع»، و «أصول الدين»، توفي (493هـ) ينظر: سير أعلام النبلاء 19: 49، والجواهر المضيئة 2: 270، هدية العارفين 2: 77، والأعلام للزركلي 7: 22
(¬5) ساقطة في نسخة (ج)
(¬6) زيادة في نسخة (ب)
(¬7) في نسخة (ج): أي
لنقصانه» (¬1).
وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي (¬2): إنه يلزم الإعادة ولم يتعرض أن الفرض هو الثاني أو الأول (¬3)، بناء على القول المعوّل المنقول عن بعض السلف أن أمره إلى الله سبحانه.
¬
(¬1) قال أبو اليسر من ترك الاعتدال تلزمه الإعادة ولو أعاد يكون الفرض الثاني لا الأول وذكر السرخسي لزوم الإعادة ولم يتعرض إلى أن الفرض أيهما. ينظر: تبيين الحقائق 1: 106، كما في رد المحتار 2: 64
(¬2) محمد بن أحمد بن أبي سهل السَّرَخْسِيّ، أبي بكر، شمس الأئمة، والسَّرَخْسِيُّ نسبة إلى سَرَخْس من بلاد خُراسان، أحد الفحول الأئمة الكبار أصحاب الفنون كان إماما علامة حجة متكلما فقيها أصوليا مناظرا لزم الإمام شمس الأئمة أبا محمد عبد العزيز الحلواني، عدَّه ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل، من مؤلفاته: «المبسوط» أملاه: من خاطره، من غير مطالعة كتاب، وهو في السجن بأوزجد، بسبب كلمة كان فيها من الناصحين، وكان تلامذته يجتمعون على أعلا الجبّ يكتبون، ومن مؤلَّفاته: «شرح السير الكبير»، و «أصول السرخسي»، و «شرح مختصر الطحاوي»، توفي حدود الـ (500هـ)، ينظر: تاج ص366، الجواهر المضية 2: 28، الفوائد ص158، كشف الظنون 2: 1580، والأعلام 5: 315
(¬3) ينظر: تبيين الحقائق 1: 106، والبناية 2: 232، وفتح القدير1: 301
وفي «شرح المنية» للحلبي (¬1) على السرخسي: «من ترك الاعتدال يلزمه الاعتدال، أي يلزمه أن يعيد الصلاة بالاعتدال» (¬2)،
ومن المشايخ من قال يلزمه ويكون الفرض هو الثاني (¬3)، [يعني إعادة الصلاة بالاعتدال، والمختار هو الأول، يعني الصلاة بغير الاعتدال] (¬4)،
¬
(¬1) إبراهيمُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إبراهيم الحَلَبي، الإمام والخطيب بجامع السُّلطان مُحَمَّد خان بقسطنطينية، ذكره الشيخ بدر الدين الغزي، في رحلته، وقال في حقه: الشيخ الصالح، العالم الأوحد، الكامل الخير، الجيد، المقري المجود، وذكره صاحب «الشقائق» وحكى وأنه كان ماهراً في العلوم العربية، والتفسير، والحديث، وعلوم القراءات، والفقه، وكانت له فيهما يد طولى، وكان أكثر فروع المذهب نصب عينيه، من مؤلفاته: «ملتقى الأبحر»، و «غنية المستملي شرح منية المصلي»، (ت956هـ). ينظر: الطبقات السنية ص67، الكواكب السائرة 2: 78، سلم الوصول 1: 4.
(¬2) ينظر: غنية المتملي في شرح منية المصلي ص294.
(¬3) وهذا يلزم من أن يكون الاعتدال فرض على قول أبي يوسف.
(¬4) في نسخة ب: والمختار أن الفرض هو الأول.
والثاني جبر للخلل الواقع فيه بترك الواجب وكذا كل صلاة أديت مع الكراهة التحريمية، يجب إعادتها، والفرض هو الأول أي مع كراهتها والثاني جابر (¬1)، قال ابن الهمام في «شرح الهداية» (¬2) (¬3) انتهى
وقال ابن الهمام (¬4):
¬
(¬1) ينظر: البحر 1: 316، وتبيين الحقائق 1: 106، قال ابن عابدين في حاشيته على المختار: اي الفعل الثاني جابر للأول بمنزلة الجبر بسجود السهو وبالأول يخرج عن العهدة وإن كان على وجه الكراهة على الأصح، كذا في شرح الأكمل على أصول البزدوي، ومقابله ما نقلوه عن أبي اليسر من أن الفرض هو الثاني واختار ابن الهمام الأول قال لأن الفرض لا يتكرر، وجعله الثاني يقتضي عدم سقوطه بالأول إذ هو لازم ترك الركن لا الواجب إلا أن يقال المراد أن ذلك امتنان من الله تعالى إذ يحتسب الكامل وإن تأخر عن الفرض لما علم سبحانه أنه سيوقعه اهـ يعني أن القول بكون الفرض هو الثاني يلزم عليه تكرار الفرض لأن كون الفرض هو الثاني دون الأول يلزم منه عدم سقوطه بالأول، وليس كذلك لأن عدم سقوطه بالأول إنما يكون بترك فرض لا بترك واجب. ينظر: رد المحتار 1: 475
(¬2) ينظر: فتح القدير 1: 301
(¬3) وهو فتح القدير للعاجز الفقير العلامة الحنفي الكمال ابن الهمام، المتوفي (681 هـ)، شرح فيه الهداية للإمام المرغناني إلى كتاب الوكالة وهو ثماني مجلدات، وتوفي قبل تمام الشرح فأكمله شمس الدين قاضي زادة في كتابه نتائج الأفكار، وكان ابن الهمام يقول: قرأت الهداية على وجه الإتقان ثماني عشرة مرة على قارئ الهداية، ينظر: كشف الظنون 2: 2022، سلم الوصول 3: 183، الأعلام للزركلي 6: 255، الطبقات الكبرى ص490.
(¬4) ساقطة من نسخة ب: وقد أكمل قول ابن الهما دون ذكره مرة ثانية كنسخة أ.
«ولا اشكال في وجوب الإعادة إذ هو الحكم في كل صلاة أديت مع الكراهة التحريمية، وتكون جابرًا للأولى لأن الفرض لا يتكرر، وجعله الثاني يقتضي عدم سقوطه بالأول وهو لازم ترك الركن لا الواجب، إلا أن يقال إن ذلك امتنان من الله تعالى إذ يحتسب الكامل وإن تأخر عن الفرض لما علم سبحانه أن سيوقع له» (¬1). انتهى.
والظاهر من عبارة الإعادة في كلام السادة (¬2): أنه ينوي الصلاة الثانية بالفرض لا النّفل، كما قال بعض علمائنا، لأنه (¬3) لا يصدق عليه الإعادة حينئذ، وكذا لا يتصور عنده القول بأن الفرض هو الثاني دون الأول،
فتأمل: نعم، إذا صلّى منفردًا ثم لحق جماعة فيقتدي متنفلًا كما في «متن النقاية» (¬4) (¬5).
¬
(¬1) ينظر: فتح القدير 1: 301، والبحر 1: 316، وتبيين الحقائق 1: 106
(¬2) وهم أبو يوسف والسرخسي وأبو اليسر، ورواية عن محمد، رضوان الله عليهم بإعادة الفرض مرة ثانية، إذا ترك الاعتدال.
(¬3) في نسخة (ب): أنه
(¬4) النقاية مختصرالوقاية، للشيخ، الإمام، صدر الشريعة: عبيد الله بن مسعود الحنفي المتوفى: سنة (745هـ)، وهو مختصر لشرح الوقاية، الذي شرح فيه متن الوقاية لجده برهان الشريعة، وقد أجاد وبالغ في إيجازها، وقد شرحه ابن العيني، وقاسم بن قطلوبغا ولم يكمله، وكذا القهستاني، وهذا يدل على مكانة هذا المختصر في مذهب السادة الحنفية. ينظر: كشف الظنون 2: 1979، والفوائد البهية ص109
(¬5) ينظر: فتح باب العناية بشرح النقاية 1: 352
قال البرجندي (¬1): «قوله متنفلا احترازًا عن أحد قوليّ الشافعي وهو أن الفرض أحدهما لا بعينيه». انتهى.
ومفهومه أن الفرض عندنا هو الأول بلا خلاف (¬2)، وإنما الخلاف في المُعاد ولذا (¬3)، ينوي الشافعي في هذه الصورة إعادة أيضًا، ونحن ننوي النفل لأن الإعادة مكروهة إلا إذا وجبت الإعادة (¬4)، والله سبحانه أعلم.
¬
(¬1) عبد العلي بن محمد بن البيرجندي الحنفي، وقد يقال: البرجندي، كان من أفاضل عصره جامعًا أصناف المنقول والمعقول، له مهارة تامة في الرياضيات، من مؤلفاته: «شرح المجسيطي»، و «شرح المنار للنسفى في الاصول»، وحوا «شرح النقاية مختصر الوقاية»، توفي (932هـ) كما ذكره صاحب الكشف عند ذكره تراجم من شرح آداب العلامة عضد الدين وكذا ذكره صاحب هدية العارفين، ثم ذكر صاحب الكشف أنه توفي (930هـ) عند ذكر شراح متن المنار. ينظر: كشف الظنون2: 1823، هدية العارفين 1: 586، سلم الوصول 4: 241
(¬2) لأن الفرض لا يتكرر وبجعله الثاني يقتضي عدم سقوطه بالأول وهو لازم ترك الركن لا الواجب إلا أن يقال المراد أن ذلك امتنان من الله تعالى إذ يحتسب الكامل وإن تأخر عن الفرض لما علم سبحانه أنه سيوقعه، وأما الثاني يكون جابرًا له. ينظر: البحر 1: 316، رد المحتار: 2: 64، تبيين الحقائق 1: 106.
(¬3) في نسخة (ب) و (ج): لهذا
(¬4) ينظر: غنية ذوي الأحكام في بغية درر الأحكام 1: 116
ثم اعلم أنه لا يجوز الإعادة الواجبة في الأوقات المكروهة لما صرّحوا: أن من صلّى الصبح أو العصر منفردًا لا يصلي جماعة إذا أدرك الإمام (¬1)، ثم تكرار الجماعة مكروهة عندنا (¬2) ومالك (¬3) والشافعي في الأصح، خلافًا لأحمد (¬4)، وما فعله بعض الناس من الاقتداء بالشافعي في الصبح أولًا ثم إعادته مع الحنفي معللًا بأن صلاة الشافعي أول صلاة (¬5) أقيمت، فيصلي معه ويعيدها لأنها وقعت (¬6) مكروهة،
¬
(¬1) قال صاحب الهداية المرغناني رحمه الله: وإذا أتمها – أي الظهر- يدخل مع القوم والذي يصلي معهم نافلة " لأن الفرض لا يتكرر في وقت واحد " فإن صلى من الفجر ركعة ثم أقيمت يقطع ويدخل معهم " لأنه لو أضاف إليها أخرى تفوته الجماعة وكذا إذا قام إلى الثانية قبل أن يقيدها بالسجدة وبعد الإتمام لا يشرع في صلاة الإمام لكراهة التنفل بعد الفجر وكذا بعد العصر لما قلنا وكذا بعد المغرب في ظاهر الرواي. ينظر: الهداية 1: 71. وكذا في بدائع الصنائع 1: 53 وفتح القدير 1: 437، والنهر 1: 31، ورد المحتار 1: 55.
(¬2) كما ذكر الجصاص: «وجه الكراهة فيما ذكر: اتفاق الفقهاء على ترك إعادة الأذان والإقامة، فوجب أن تكون الجماعة مثله؛ لأن الجماعات لا تصلى بغير أذان، ولا إقامة. وأيضا: قد روي (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان غاب عن المسجد، فصلى أصحابه في المسجد، فلما رجع عدل إلى أهله، فجمع بهم)، ولو كانت إعادة الجماعة سائغة في المسجد، لما تركها؛ لأن فعلها في المسجد أفضل منه في غيره وأيضا: لو جازت إعادة الجماعة، لما احتيج إلى إمام راتب لإقامة الصلوات، ولكان لكل طائفة أن تجيء، فتؤذن وتقيم، وفي هذا دليل على أنها لا تعاد» ينظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص 8: 519،.
(¬3) ينظر: منح الجليل 1: 351
(¬4) ينظر: المقنع ص60، والروض المربع ص12
(¬5) ساقطة من نسخة ب
(¬6) في نسخة (ب): وقت
فعجيب وغريب لأن الشروع في الصلاة مع احتمال الفساد وتحقق الكراهة قبيح، لما فيه من تعريض العمل على البطلان أو النقصان فتعين الاحتراز عنه كما لا يخفى على الأعيان.
ثم اعلم: أن ههنا ستة أشياء:
أحدها: الركوع والسجود، ولا خلاف (¬1) ولا شبهة في ركنيهما.
وثانيهما: تعديلهما، أي: تسكين الجوارح حتى (¬2) يطمئن الفاعل فيهما، وقد ذكر أدناه تسبيحة، وهو ركن عند جمهور المجتهدين، وواجب عند المحققين، وسنة مؤكدة في قول بعض المتأخرين.
وثالثها: الانتقال منهما، وهو ركن أيضًا، وإن كان مقصودًا لغيره، إذ لا يتحقق ما بعدهما من الأركان إلا به.
ورابعها: رفع الرأس منهما.
ففي «التاتارخانية»: «اختلفت الروايات عن أبي حنيفة، ففي بعضها: أن رفع الرأس في (¬3) الركوع والسجود فرض، فأما عوده إلى القيام عند رفع الرأس من الركوع والجلسة بين السجدتين ليسا بفرض، وهو قول محمد» (¬4).
«ثم تكلموا في مقدار الرفع من السجود، والأصح: أنه إذا كان إلى السجود أقرب لا يجوز؛ لأنه يعدُّ ساجدًا، وإن كان إلى الجلوس أقرب جاز؛ لأنه يعدُّ جالسًا، فتتحقق السجدة الثانية»، كذا في «الهداية» (¬5).
وأما الركوع: فالانتقال منه إلى السجود ممكن من غير رفع أصلًا، فلا يجعل رفع الرأس عنده ركنًا (¬6).
¬
(¬1) ساقطة من نسخة (ج)
(¬2) ساقطة في نسخة (ب)
(¬3) في نسخة (ب): من
(¬4) ينظر: الفتاوى التاتارخانية 2: 129
(¬5) ينظر: الهداية 1: 52
(¬6) ذكر في النوازل: سئل عن رجل ركع فلم يرفع رأسه من الركوع وخر ساجدًا؟ قال أبو بكر: قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، جازت صلاته ينظر: الفتاوى التاتارخانية 2: 124
وفي «الحاوي» (¬1): «إذا ركع المصلي فلم يرفع رأسه من الركوع حتى خرَّ ساجدًا وهو ساهٍ، يحكى عن عدة من أصحابنا أنه يجب عليه سجدتا السهو» (¬2).
وخامسها: القومة والجلسة.
وسادسها: الطمأنينة فيهما، قال الزيلعي: «ثم الجلسة والطمأنينة فيها، والقومة والطمأنينة فيها سنة عند أبي حنيفة ومحمد» (¬3)
وفي «القنية» (¬4): «وقد شدد (¬5)
¬
(¬1) الحاوي القدسي في الفروع للقاضي، جمال الدين: أحمد بن محمد بن نوح القابسي، الغزنوي، الحنفي. المتوفى في حدود (600هـ) أو (593هـ)،. ذكره ابن الشحنة في هوامش الجواهر المضية، قال: وإنما قيل فيه القدسي؛ لأنه صنفه في القدس، نقلته من خط تلميذه حسن بن علي النحوي. ينظر: كشف الظنون 1: 627،
(¬2) لم أجد هذا اللفظ في فتاوى الحاوي، ولكن وقفت على مثله في الفتاوى التاتارخانية، قال: «وفي الكافي: إذا ركع المصلي فلم يرفع رأسه من الركوع حتى خر ساجدًا وهو ساه، حكي عن عدة من أصحابنا: أنه يجب عليه سجدة السهو» ينظر: الفتاوى التاتارخانية 2: 130
(¬3) ينظر: تبيين الحقائق1: 118
(¬4) قنية المنية، على مذهب أبي حنيفة للشيخ، الإمام، أبي الرجاء، نجم الدين: مختار بن محمود الزاهدي، الحنفي، المتوفى: سنة (658هـ) ذكر في أولها: أنه استصفاها من: «منية الفقهاء»، لأُستاذه: بديع بن منصور العراقي، وسماها: «قنية المنية، لتتمم الغنية»، وقال المولى البركلي: «والقنية: وإن كانت فوق الكتب الغير المعتبرة، وقد نقل عنها بعض العلماء في كتبهم، لكنها مشهورة عند العلماء بضعف الرواية، وأن صاحبها معتزلي» ذكرها صاحب: «الأشباه» واختصرها: جمال الدين: محمود بن أحمد، المعروف: بابن السراج القونوي، ينظر: كشف الظنون 2: 1357، والأعلام للزركلي 7: 193
(¬5) كذا في نسخة (ب)، وفي نسخة أ: شذ
القاضي الصدر في شرحه: في تعديل الأركان جميعها تشديدًا بليغًا، فقال: وإكمال كل ركن واجب عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف والشافعي فرض، فيمكث في الركوع والسجود في القومة والجلسة بينهما حتى يطمئن كل عضو منه، وهذا هو الواجب عند أبي حنيفة ومحمد، حتى لو ترك شيئًا منها ساهيًا يلزمه السهو، ولو تركها عمدًا يكره أشد الكراهة، ويلزمه أن يعيد الصلاة» (¬1).
وفي «شرح الطحاوي»: «ولو ترك القومة جازت صلاته ولكن تكره أشد الكراهة»،
وفي «الظهيرية»: «وعند أصحابنا يأثم بترك قومة الركوع».
وقال الإمام ابن الهمام في شرح قول صاحب (¬2) «الهداية» (¬3): «ثم القومة والجلسة سنة عندهما أي باتفاق المشايخ، بخلاف الطمأنينة على ما سمعت في (¬4) الخلاف، وعند أبي يوسف هذه فرائض للمواظبة الواقعة بيانًا، وأنت علمت حال الطمأنينة، فينبغي أن تكون القومة والجلسة واجبتين للمواظبة،
ولما روى أصحاب السنن الأربعة (¬5) والدار قطني والبيهقي في (¬6) حديث ابن مسعود رضي الله عنه: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها ظهره في الركوع والسجود» (¬7) قال: الترمذي حديث حسن صحيح (¬8).
¬
(¬1) ينظر: قنية المنية لتتميم الغنية ص39، ورد المحتار 1: 464
(¬2) ساقطة من نسخة ب
(¬3) يقصد فتح القدير وقد ذكرناه سابقًا
(¬4) في نسخة (ب) و (ج): من
(¬5) وهم النسائي، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه.
(¬6) في نسخة (ب) و (ج): من
(¬7) ينظر: سنن النسائي 2: 183 بلفظ «لا يقيم الرجل فيها صلبه»، وكذا في سنن الترمذي 1: 303، و سنن ابن ماجه 2: 47، والسنن الكبرى 3: 517، و سنن الدارقطني 2: 155، وفي سنن أبي دواد بلفظ «لا تُجزئُ صلاةُ الرجلِ حتى يُقيمَ ظهرَه» ينظر: 2: 142.
(¬8) ينظر: سنن الترمذي 1: 303
ولعله كذلك عندهما، ويدل عليه: إيجاب سجود السهو فيه، لما ذكر في «فتاوى قاضي خان» (¬1) في فصل ما يوجب السهو: المصلي إذا ركع ولم يرفع رأسه من الركوع حتى خرّ ساجدًا ساهيًا تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد، وعليه السهو ويحمل قول أبي يوسف أنها فرائض على الفرائض العملية (¬2)، وهي الواجبة فيرتفع الخلاف» (¬3)
ثم قال (¬4): «وأنت علمت أن مقتضى الدليل في كل من الطمأنينة والقومة والجلسة الوجوب» (¬5)، ثم قال: «واعتقادي أنه إذا لم يسوّي (¬6) صلبه في الجلسة والقومة، فهو يأثم لما تقدم، والله أعلم» (¬7).
¬
(¬1) وهي فتاوى الإمام حسن بن منصور بن محمود بن عبد العزيز الأُوزْجَنْدِي الفَرْغَانِي الحَنَفِي، أبو القاسم، فخر الدين، المشهور بقاضي خان المتوفي (592 هـ)، اشتهرت هذه الفتاوى باسم: «فتاوى قاضى خان»، و «الفتاوى الخانية»، ثم غلب على بعض المتأخّرين من الفقهاء اختصار اسم هذا الكتاب، فيذكرون عند إحالاتهم إليه: وفي «قاضي خان" أو: وفي «الخانية» بـ «فتاواه» وهي من الفتاوى المعتمدة في المذهب الحنفي، ومن كتب الفتاوى التي نالت أسمى مكانة في الإفتاء، وقال اللكنوي: انتفعت بفتاواه، وهى في أربعة أسفار معتمدة عند أجلّة الفقهاء. ينظر البدور المضيئة 6: 255، 6:273، والفوائد البهية ص 65، سلم الوصول 4: 216، كشف الظنون 1: 563
(¬2) وهو أقوى نوعي الواجب وأضعف نوعي الفرض، فلا يكفر جاحده ينظر: رد المحتار 1: 89، يقول الطحطاوي في حاشيته على المراقي: «وقد يطلق الفرض ويراد به ما يشمل القطعي والعملي ويطلق الواجب ويراد به الفرض العملي أيضا ولهذا قال بعض المحققين إنه أقوى نوعي الواجب وأضعف نوعي الفرض» ينظر: حاشية الطحطاوي ص57
(¬3) ينظر: فتح القدير 1: 302
(¬4) أي ابن الهمام رحمه الله
(¬5) ينظر: فتح القدير 1: 302
(¬6) في نسخة (ج): يستوي
(¬7) ينظر: فتح القدير1: 305
وخلاصة الكلام وزبدة المرام في هذا المقام، أن مذهب الإمام أحمد، وكذا مذهب الإمام (¬1) مالك، وعلى الرواية الصحيحة كمذهب الشافعي وأبي يوسف، في ركنية الأمور الستة السابقة وفرضيتها، فلا خلاف في الركوع والسجود أنهما ركنان وفرضان، وإنما الخلاف في الأربعة الباقية، فعن أبي حنيفة ومحمد ثلاث روايات أصحها الوجوب ودونها السنية وأضعفها احتمال الركنية.
ثم اعلم: أن أكثر الناس تركوا القومة والجلسة فضلاً عن الطمأنينة، فإنها صارت كالشريعة المنسوخة (¬2) حتى يسمي العامة فاعلها من أرباب الرياء والسمعة، ولو ترك سنة مختلفة فيها كوضع اليد لبادروا فيه إلى الطعن بالرفض والبدعة (¬3)، مع أن في ترك التعديل آفات (¬4) كثيرة في الدنيا قبل العقوبة في العقبى:
- منها:
إيراث الفقر، فإن تعديل أركان الصلاة وتعظيمها من أقوى الأسباب الجالبة لرزق الحلال، وتركه من الأمور السالبة له على وجه الكمال، كما (¬5)
¬
(¬1) زيادة في نسخة (ب)
(¬2) منسوخة: أي زالت، نسخت الشمس الظل، وانتسخته أزالته، ونسخ الآية بالآية: إزالة مثل حكمها ينظر: مختار الصحاح ص309
(¬3) البدعة: اسم من ابتدع الأمر إذا ابتدأه وأحدثه وهو زيادة في الدين أو نقصان منه، ينظر: المغرب ص: 37، وقسمها ابن عابدين في حاشيته إلى خمسة أقسام، فقال: «البدعة خمسة أقسام، أي محرمة، وإلا فقد تكون واجبة، كنصب الأدلة للرد على أهل الفرق الضالة، وتعلم النحو المفهم للكتاب والسنة ومندوبة كإحداث نحو رباط ومدرسة وكل إحسان لم يكن في الصدر الأول، ومكروهة كزخرفة المساجد. ومباحة كالتوسع بلذيذ المآكل والمشارب والثياب». ينظر: رد المحتار 1: 560
(¬4) جمع آفة، و الآفة: العاهة وقد (إيف) الزرع على ما لم يسم فاعله أي أصابته (آفة) فهو مئوف بوزن معوف. ينظر مختار الصحاح ص25
(¬5) ساقطة من نسخة ب
ذكره في «تعليم المتعلم») (¬1) ((¬2).
- ومنها:
إيراث البغض، لمن يرى في (¬3) العلماء والفضلاء لا سيما من (¬4) المشايخ ومن يدّعي أنه من الصلحاء، وسقوط حرمته عندهم حيث لا يبقى له اعتماد على أقوالهم وأفعالهم.
فقد حكي أن أبا يزيد البسطامي (¬5) قدس الله سره السامي، سمع أن شخصًا يدّعي أنه من الأولياء والعلماء الأصفياء، فقصده ليستفيد من نوره في مقام حضوره، فرآه من بعيدٍ بعيدًا عن مراتب القربة، لأنه بزق إلى جهة القبلة، فرجع وقال: هذا غير مأمون على هذا الأدب، فيبعد أن يكون من أرباب قرب الرب.
- ومنها:
¬
(¬1) كتاب تعليم المتعلم للإمام: برهان الدين الزرنوجي، برهان الإسلام، من تلامذة صاحب الهداية - المرغناني - توفى في حدود سنة (610هـ)، وهو كتاب نفيس مفيد مشتمل على فصول قليل الحجم كثير المنافع، وقد شرحه العلامة إبراهيم بن إسماعيل، قال الحافظ عبد القادر القرشي: وهو عزيز في بلادنا. ينظر: الجوهرة المضية: 2: 364، كشف الظنون 1: 425، والفوائد البهية ص54، البدور المضية 5: 195.
(¬2) قال برهان الإسلام الزرنوجي رحمه الله: «وأقوى الأسباب الجاذبة للزق إقامة الصلاة بالتعظيم والخشوع وتعديل الأركان وسائر واجباتها وسننها وآدابها». ينظر: تعليم المتعلم طريق التعليم ص 136
(¬3) في نسخة (ج): من
(¬4) زيادة في (ب)
(¬5) أَبُو يَزِيد البِسْطامي، طيفور بن عيسى البِسْطامِيّ، من الأعلام كان جده مجوسياً وأسلم، وهم ثلاثة إخوة، وطيفور، وعلى. وكلهم زهاد عّباد، وأبو يزيد أجلهم حالا ولد سنة (18هـ)، له أخبار كثيرة. كان ابن عربي يسميه أبا يزيد الأكبر. نسبته إلى بسطام (بلدة بين خراسان والعراق) أصله منها، ووفاته فيها. قال المناوي: وقد أفردت ترجمته بتصانيف حافلة، توفي سنة (261هـ). ينظر: طبقات الأولياء ص 398، الأعلام للزركلي 2: 235
إهانة نفسه، وإضاعة حق غيره بسقوط شهادته، فإن من اعتاد ترك القومة والجلسة أو الطمأنينة في أحدهما صار مصّرًا على المعصية فلا تقبل له الشهادة.
- ومنها:
إيقاع الناس في المعصية، فإنه يجب الإنكار على كل قادر يرى منكرًا، فإذا لم ينكر صار سببا لمعصية الغير.
- ومنها:
إظهار المعصية للناس في كل يوم وليلة مرات كثيرة، وهي أبعد من المغفرة، لأنها معصية وإظهارها معصية أخرى، بخلاف المعصية المخفية، فإنها للمغفرة أحرى، فقد جاء في حديث قدسي أن الله تعالى يقول لبعض عباده عند عرض ذنوبه: «سترتها عليك في الدنيا وكذلك اليوم (¬1) أسترها عليك» (¬2)
وإليه الإشارة بقوله سبحانه: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ} [سورة فصلت: 22]
- ومنها:
وجوب الإعادة، أو فرضيتها على خلاف ما (¬3) تقدّم، فإذا لم يعدها تعددت من المعصية وكثرت المصيبة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [سورة المطففين: 14].
ثم اعلم: أنه من صلى النوافل، وترك تعديل الأركان، بها (¬4) (¬5)
¬
(¬1) زيادة في نسخة (ج)
(¬2) عن صفوان بن محرز المازني قال: بينما أنا أمشي مع ابن عمر رضي الله عنهما آخذ بيده، إذ عرض رجل فقال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النجوى؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا: أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأما الكافر والمنافق، فيقول الأشهاد: {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين}، ينظر: صحيح بخاري 2: 862، وصحيح مسلم 8: 105
(¬3) ساقطة من نسخة (ج)
(¬4) ساقطة من نسخة (ب)
(¬5) في نسخة (ج): كان بها
يكون (¬1) عاصيًا مستحقًا للعقاب في العقبى، ويجب عليه قضاؤها في الدنيا، فلو لم يقض تكون معصية أخرى مثل الأولى، ولو سلمنا أنها سنة مؤكدة، كان مستحقًا للعقاب، وحرمان الشفاعة، وفقدان الثواب، ولو لم يصلِّ النوافل يتخلص من ذاك كله، فترك أفعاله خير من أعماله، وهو مع ذلك من الأخسرين أعمالًا الذين [ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا] (¬2) وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وقد قال تعالى: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [سورة الزمر: 47]
- ومنها:
ضرر اقتداء العالَم به على ظن أنه العالِم بحكمه، فلولا أنه جاز تركه لما أصرَّ عليه، مثله فيكون ضالًّا مضلاًّ، وكان ينبغي له أن يكون كاملًا مكملاًّ.
فقد روى مسلم وغيره عن جرير رضي الله عنه مرفوعًا: «من سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (¬3)
- ومنها:
العجلة من الشيطان (¬4)، والتَّؤدة من الرحمن، وبيانه في هذا الشأن أن يلزم في الاستعجال مسابقة للإمام في الأفعال، وهي حرام بالإجماع بل مبطل للصلاة عند ابن عمر ضي الله عنهما من السلف، وعند زفر من خلف، فالحذر الحذر من التلف.
- ومنها:
أنه سبب لإتيان الأذكار المشروعة في الانتقالات بعد تمام الانتقال، وهو مكروه كما صرح به في «التاتارخانية» (¬5)،
¬
(¬1) ساقطة من نسخة (ج)
(¬2) زيادة في نسخة (ج)، ولعله قصد الآية من سورة الكهف
(¬3) ينظر: صحيح مسلم 2: 704، المعجم الكبير 2: 315، وفي مسند أحمد بلفظ قريب: «من سن سنة ضلال فاتبع عليها، كان عليه مثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» ينظر: 16: 326
(¬4) فعن سهل بن سعد -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «العجلة من الشيطان». أخرجه الترمذي، وقال: حسن ينظر: بلوغ المرام ص455
(¬5) ينظر: الفتاوى التاتارخانية 1: 412
بل قال في «المنية»: فيه كراهتان: تركها عن موضعها، وإتيانها في غير محلها.
وتوضيحه: أنه مثلاً إذا ترك القومة أو الطمأنينة فيها يقع التسميع والتحميد أوهما معًا حين الانخفاض، بل قد يقع التكبير بعد السجود، والسنة أن يقع التسميع حين رفع الرأس والتحميد حين الطمأنينة والتكبير حين الانخفاض.
- ومنها:
أنه باعث للّحن في الأذكار، وهو حرام بلا خلاف كما صرح به (¬1) في «البزازية» (¬2)، وبيانه: أن الإسراع يوجب ترك الحركة أو تحريك (¬3) السكون بلا مهلة، بل قد تقتضي ترك الحرف من غاية السرعة، وهو إن كان مغيّرًا للمعنى فمبطل، وإلا فمكروه وفعلٌ مضل.
¬
(¬1) زيادة في نسخة (ب)
(¬2) وهو الجامع الوجيز المعروف الفتاوى البزازية للإمام محمد بن محمد بن شهاب بن يوسف، الكردري، البريقيني، الخوارزمي، الحنفي، المعروف بالبزازي المتوفى (827هـ)، وهو كتاب جامع لخص فيه: زبدة مسائل الفتاوى، والواقعات، من الكتب المختلفة، ورجح ما ساعده الدليل، وذكر الأئمة: أن عليه التعويل. وسماه: «الجامع الوجيز» فرغ من جمعه وتأليفه: كما ذكره في أواسط كتابه: 812 هـ، قيل لأبي السعود المفتي: لم، لم تجمع المسائل المهمة، ولم تؤلف فيها كتابا؟ قال: أنا أستحيي من صاحب (البزازية) مع وجود كتابه، لأنه مجموعة شريفة، جامعة للمهمات، على ما ينبغي ينظر: الدور المضية، 3: 183، كشف الظنون 1: 242، الأعلام للزركلي 7: 45، معجم المؤلفين 11: 224
(¬3) زيادة في نسخة (ب)
إذا عرفت هذا: فاعلم مجملًا، وقس عليه مفصلاً، أنك إذا اقتصرت في يوم وليلة على الفرائض المكتوبة والواجب والسنن المؤكدة يكون عدد ركعاتك اثنتين وثلاثين ركعة، وفي كل ركعة قومة وجلسة فلو تركت طمأنينة كل منهما يصير أربعة وستين معصية، ولو تركت نفسهما أيضًا يبلغ مائة وثمانية وعشرين سيئة، وإذا ضم إليه معصية الإظهار صار مائتين وستة وخمسين، وإذا ضم إليها الهويّ من الركوع إلى السجدة الأولى، ومنها إلى الثانية قبل الإمام في كل ركعة مع إظهارها صار المجموع ثلاثمائة وأربع وثمانين، وإذا ضمّ إليه عدم أعادة الواجبة صار المجموع ثلاثمائة وخمسة وتسعين،
وإذا ترك القومة صار في كل ركعة أربع مكروهات:
أولها: ترك التسميع (¬1) عن محله، وهو رفع الرأس إلى القومة.
وثانيها: إتيانه في غير موضعه، وهو الهويّ إلى السجدة.
وثالثها: ترك التحميد عن محله، وهو طمأنينة القومة.
ورابعها: إتيانه [في غير] (¬2) موضوعه، وهو الهويّ إلى السجدة.
وإذا اشتغل بالنوافل كالتهجد، والضحى ونحو ذلك، فتزداد الذنوب والمكروهات كذلك (¬3)، ولو تنزّلنا إلى (¬4) سنية القومة والجلسة والطمأنينة فيهما (¬5) صار تاركًا مثلا، كذا من السنن المؤكدة في كل يوم وليلة، فعلى العاقل أن يتدارك أحوال بقية عمره في (¬6) تحصيل كمال علمه وعمله، ويصرف زيادة أوقاته من فرائضه وواجباته وسنن مؤكداته، إلى قضاء صلاته في أيام حياته، لئلا يكون عاصيًا حين مماته، نعوذ بالله من ذلك ونستعين به على دفع (¬7) المهالك.
فصل:
ومن المسائل المهمة والفضائل المتمة: معرفة وجوب المتابعة
فمن الكتاب قوله تعالى {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} [سورة آل عمران: 31]،
وفي (¬8)
¬
(¬1) في نسخة (ج): التسبيح
(¬2) زيادة في نسخة (ب)
(¬3) في نسخة (ب) و (ج): هنالك
(¬4) ساقطة من نسخة (ج)
(¬5) زيادة في نسخة (ج)
(¬6) ساقطة من نسخة (ب)
(¬7) زيادة في نسخة (ج)
(¬8) في نسخة (ب) و (ج): ومن
الأحاديث الشريفة:
ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا» (¬1)
- ومنها:
ما رواه أبو داود عنه أيضًا مرفوعا: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد، وفي رواية ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد» (¬2).
- ومنها:
ما رواه مسلم والنسائي عن أنس رضي الله عنه قال: «صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، فلمّا قضى الصلاة، أقبل علينا بوجهه، فقال: يا أيها الناس، إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالقيام ولا بالانصراف» (¬3).
قال النووي: «فيه تحريم هذه الأمور، وما في معناها، والمراد بالانصراف السلام عنها» (¬4).
- ومنها:
ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلّمنا، يقول: لا تبادروا الإمام إذا كبر فكبروا (¬5)، وإذا قال: ولا الضالين فقولوا آمين، وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد» (¬6)، «زاد في الرواية ولا ترفعوا قبله» (¬7)
¬
(¬1) في صحيح بخاري 1: 253
(¬2) في سنن أبي داود 1: 234، وفي سنن البيهقي 3: 132، قال ابن حجر: وأصله في الصحيحين، ينظر: بلوغ المرام ص178
(¬3) ينظر: صحيح مسلم 2: 28، في سنن النسائي: 3: 83
(¬4) ينظر: المنهاج شرح صحيح مسلم 4: 150
(¬5) في نسخة (ب): وكبروا
(¬6) ينظر: صحيح مسلم 2: 20
(¬7) ينظر: صحيح مسلم 1: 310
قال النووي: «وفيه وجوب متابعة المأموم لإمامه في التكبير والقيام والقعود والركوع والسجود وأنه يفعلها بعد الإمام، لتكون صلاته على وجه الإتمام» (¬1).
- ومنها:
ما رواه (¬2) مالك في «الموطأ»، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا، قال: «الذي يرفع رأسه ويخفضه (¬3) قبل الإمام، فإنما ناصيته بيد الشيطان (¬4)» (¬5)
- ومنها:
ما رواه الستة (¬6) إلا مالكًا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أما يخشى أو ألا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه من ركوع أو سجود، بل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، ويجعل صورته صورة حمار» (¬7).
قال الشيخ أكمل الدين في «شرح المشارق»: «ويقاس عليه المسابقة (¬8) بالخفض إلى الركوع والسجود بجامع المخالفة».
قال النووي: «هذا كله بيان لغلظ تحريم ذلك» (¬9).
وقال (¬10)
¬
(¬1) ينظر: المنهاج شرح صحيح مسلم 4: 150
(¬2) في نسخة (ب): إمام، وهي ساقطة عن النسخة أ
(¬3) الضمير الهاء: زيادة في نسخة (ب) و (ج)
(¬4) في نسخة (ج): الشيطان: الألف وللام زيادة
(¬5) ينظر: موطأ مالك 1: 92
(¬6) وهم: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داوود، الجامع للترمذي، سنن النسائي، سنن ابن ماجه.
(¬7) ينظر: صحيح بخاري 1: 245، صحيح مسلم: 2: 28، وسنن أبي داود 1: 240، وسنن الترمذي 1: 579، وسنن النسائي 2: 96، وسنن ابن ماجه 1: 308.
(¬8) في نسخة (ج): السابقة
(¬9) ينظر: المنهاج شرح صحيح مسلم 4: 150
(¬10) في نسخة (ج): في
الكرماني (¬1): «هذا وعيد شديد وذلك أن المسخ عقوبة لا تشبه العقوبات، فضرب المثل ليتقي هذا الصنيع ويحذر كل الحذر» (¬2).
وكان ابن عمر رضي الله عنهما، لا (¬3) يرى صلاة (¬4) لمن يفعل ذلك.
وأما أكثر العلماء، فإنهم لم يروا عليه إعادة الصلاة مع شدة الكراهة والتغليظ فيه، وقالوا: كان عليه أن يعود إلى الركوع والسجود حتى يرفع الإمام.
- ومنها:
ما رواه الطبراني في «الأوسط» عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «أيأمن (¬5) أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحوّل الله (¬6) رأسه رأس كلب (¬7)» (¬8).
- ومنها:
¬
(¬1) محمد بن يوسف بن علي بن سعيد، شمس الدين الكرماني: عالم بالحديث. أصله من كرمان. اشتهر في بغداد، قال ابن حجي: تصدى لنشر العلم ببغداد ثلاثين سنة. وأقام مدة بمكة. وفيها فرغ من تأليف كتابه «الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري»، قال ابن قاضي شهبة: فيه أوهام وتكرار كثير ولا سيما في ضبط أسماء الرواة. وله «ضمائر القرآن»، و «النقود والردود في الأصول» ومختصره، و «شرح لمختصر ابن الحاجب» وكان تام الخلق، فيه بشاشة وتواضع للفقراء وأهل العلم، غير مكترث بأهل الدنيا، ولا يلتفت إليهم، يأتي إليه السلاطين في بيته، ويسألونه الدعاء والنصيحة ومات راجعا من الحج في طريقه إلى بغداد، ودفن فيها سنة (786هـ) , ينظر: الأعلام للزركلي 7: 153، بغية الوعاة 1: 279، وسلم الوصول 3: 291
(¬2) ينظر: الكواكب الدراري 5: 74
(¬3) في نسخة (ب): ألا
(¬4) ساقطة من نسخة ب
(¬5) في نسخة (ج): مايأمن
(¬6) زيادة في نسخة (ب) و (ج)
(¬7) في نسخة (ج): الكلب، الألف واللام زيادة
(¬8) لم أجد الحديث في المعجم الأوسط للطبراني، إلا أنه ذكر في المعجم الكبير. ينظر: المعجم الكبير 9: 239، وكذا ذكر في منصف عبد الرزاق 3: 98
ما رواه الشيخان عن البراء رضي الله عنه قال: «كنا نصلي خلف النبي ? فإذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يحنِ أحد منا ظهره، حتى يضع النبي ? جبهته على الأرض» (¬1).
- ومنها:
ما رواه مسلم عن عمرو بن حريث رضي الله عنه قال: «صليت خلف رسول الله ? الفجر فسمعته يقرأ:
{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} [سورة التكوير: 16]، فكان لا يحني رجل منا حتى يستقيم ساجدًا» (¬2).
ومن أقوال الفقهاء:
ما في «التاتارخانية»: «لو رفع المقتدي رأسه في (¬3) الركوع والسجود قبل الإمام يجب عليه أن يعود، يعني: يركع ويسجد» (¬4)
وفي موضع آخر:
«إذا سجد قبل الإمام وأدركه الإمام فيها، جاز عند علمائنا الثلاثة، ولكن يكره للمقتدي أن يفعل ذلك، وقال زفر لا يجوز» (¬5)
وفي الكافي (¬6): «ركع مقتد فلحقه إمامه صح وكره» (¬7).
وقد عرفت فيما سبق، أن الصلاة المكروهة يجب إعادتها.
وقد قال صاحب «الهداية»: «وتعاد ليقع الأداء على غير وجه مكروه، وهو الحكم في كل صلاة أديت مع الكراهة» (¬8)
¬
(¬1) في صحيح بخاري 1: 280، وكذا في صحيح مسلم مع زيادة لفظ: «ثم يخر من وراءه سجدا» ينظر: صحيح مسلم 2: 45
(¬2) في صحيح مسلم 2: 46
(¬3) في نسخة (ب): من
(¬4) ينظر: التفاوى التاتارخانية 2: 172
(¬5) ينظر: التفاوى التاتارخانية 2: 172
(¬6) هو الكافي في فروع الحنفية للحاكم، الشهيد: محمد بن محمد الحنفي، الشهير بالحاكم الشهيد قاض وزير كان عالم مرو وأمام الحنفية فى عصره المتوفى: سنة (334هـ)، جمع فيه: كتب محمد بن الحسن «المبسوط»، وما في جوامعه، وهو: كتاب معتمد في نقل المذهب، وشرحه: جماعة من المشايخ، منهم: شمس الأئمة، السرخسي، وهو المشهور: «بمبسوط السرخسي». ينظر: كشف الظنون 2: 1378، الطبقات السنية ص13، موسوعة الاعلام 1:.120
(¬7) ينظر: درر الحكام 1: 124
(¬8) ينظر: الهداية 1: 65
وقال ابن الهمام: «وقد صرح بلفظ الوجوب الشيخ قوام الدين الكاكي (¬1) في «شرح المنار» (¬2)، ولفظ الخبر المشهور يفيده أيضًا على ما عرف» (¬3)
وفي «الكشف» «إعادة الطواف بالجنابة واجبة كوجوب إعادة الصلاة التي أديت مع الكراهة على وجه غير مكروه») (¬4) (.
فصل
ومن المهمات: معرفة الاقتداء بالإمام حال الركوع.
¬
(¬1) وهو محمد بن محمد بن أحمد الخجنديّ السنجاري، قوام الدين الكاكي: فقيه حنفي سكن القاهرة وتوفي فيها وهو مفت في يدرس فيها سنة (749هـ)، من مؤلفاته: «معراج الدراية في شرح الهداية»، جامع الأسرار في شرح المنار»، و «عيون المذاهب الكاملي» مختصر جمع فيه أقوال الأئمة الأربعة، وأهداه إلى السلطان شعبان بن محمد الملك الكامل ينظر: الفوائد البهية ص186، الأعلام للزركلي 7: 36، معجم المؤلفين 11: 182
(¬2) وهو شرح الشيخ محمد بن محمد بن أحمد الكاكي المتوفي سنة (749هـ) رحمه الله تعالى واسمه «جامع الأسرار في شرح المنار» ينظر: كشف الظنون 2: 1823، الأعلام للزركلي 7: 36
(¬3) قال ابن الهمام في فتح القدير: «صرح بلفظ الوجوب الشيخ قوام الدين الكاكي في شرح المنار، ولفظ الخبر المذكور: أعني قوله وتعاد، يفيده أيضا على ما عرف، والحق التفصيل بين كون تلك الكراهة كراهة تحريم فتجب الإعادة أو تنزيه فتستحب، فإن كراهة التحريم» ينظر: فتح القدير 1: 416
(¬4) قال صاحب الكشف: «وأما وجوب إعادة طواف الجنب والعريان والطواف المنكوس فليس لعدم الجواز بل لتمكن النقصان الفاحش فيه كوجوب إعادة الصلاة التي أديت مع الكراهة» ينظر: كشف الأسرار 1: 83
فإنه إن كبَّر وسبقه (¬1) الإمام إلى الركوع، وركع المقتدي بعده، ولحقه (¬2) في السجود صح اقتداؤه، وتلك الركعة محسوبة (¬3).
وإن كبَّر، فرفع الإمام رأسه قبل أن يركع المقتدي، فالاقتداء صحيح، والركعة غير محسوبة: لكن هذا إذا كبَّر وهو قائم (¬4)
وأما لو كبر منحنيًا، كما يفعله العامة والجهلة من جهة (¬5) العجلة، فلا تنعقد صلاته (¬6)، إذ القيام شرط في تكبير التحريمة للقادر عليه، كيف وبعضهم يكبرون حال الركوع؟ وحينئذ لا يكون محسوبًا أبدًا.
نعم، إن كبَّر تكبيرة التحريمة قائمًا، ثم كبّر تكبيرة الركوع في الركوع (¬7)، أو تركها، صحّت صلاته مع الكراهة، والنقول في هذه المسائل مشهورة، وفي كتب المذهب مسطورة، وإنما أردنا تنيبه الغافلين، ولو كانوا بزعمهم من العلماء العاملين، أو المشايخ الكاملين.
فصل
ومن المهمات أيضًا: معرفة آداب السجود.
¬
(¬1) الضمير الهاء: زيادة في نسخة (ب) و (ج)
(¬2) الضمير الهاء: زيادة في نسخة (ب) و (ج)
(¬3) كما في النهر، قال: «وأجمعوا أنه لو أدركه في القيام كان مدركًا للركعة ركع أو لا، وأنه لو اقتدى به في قومة الركوع لا يصير مدركًا»، ينظر: النهر 1: 313، وكذا في الدر المختار ص97، وحاشية الطحطاوي على المراقي ص445، وفي تحفة الملوك ص118
(¬4) قال صاحب المحيط: «وإذا جاء إلى الإمام وقد رفع الإمام رأسه من الركوع، فدخل في صلاته وركع وسجد معه السجدتين لا يصير مدركاً للركعة» ينظر: المحيط البرهاني 1: 404، وقال الرازي في تحفة الملوك: «ولو أدرك الإمام راكعا فكبر ووقف حتى رفع الإمام رأسه لا يصير مدركا لتلك الركعة» ينظر: تحفة الملوك ص118، وكذا في المراقي ص167
(¬5) في النسخة (ج): وجهة
(¬6) ينظر: النهر 1: 313
(¬7) ساقطة من نسخة (ج)
فإنه لابد في صحته من وجدان حجم الأرض عند وضع الجبهة، فلو سجد على حائل (¬1) ولم يطمئن في السجود، بحيث لم يجد حجمها لا تصح صلاته اتفاقًا (¬2)، وهذا يقع كثيرًا، خصوصا ممن يستعجل في صلاته ويضع منديلًا فوق سجادته، ويحط رأسه من غير اتكاء واعتماد [فيقع في حرج عظيم، وذنب جسيم حيث بطلت صلاته وضاعت] (¬3) حياته.
وأما إذا سجد على كور (¬4)
¬
(¬1) حالَ عن يَحُول، حُلْ، حَوْلاً وحَيْلولةً، فهو حائل، والمفعول مَحُول عنه، حال بين الشَّيئين: حجز وفصل بينهما "حالت عقباتٌ بين مشاريعه وتحقيقها- حال بين المتخاصمين- قال الليث: الحوال بالكسر: كل شيء حال بين اثنين، يقال: هذا حوال بينهما: أي حائل بينهما كالحجاز والحاجز .. قال الله تعالى: {يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [سورة الأنفال: 24] ينظر: تاج العروس 28: 373، ؤ 1: 585.
(¬2) قال صاحب في البدائع: «ولو سجد به على حشيش أو قطن إن تسفل جبينه فيه حتى وجد حجم الأرض أجزأه، وإلا فلا، وكذا إذا صلى على طنفسة محشوة جاز إذا كان متلبدا، وكذا إذا صلى على الثلج إذا كان موضع سجوده متلبدا يجوز وإلا فلا». ينظر: بدائع الصنائع 1: 210
(¬3) ساقطة من نسخة ب
(¬4) كور: كار الرجل العمامة كورا من باب قال أدارها على رأسه وكل دور كور تسمية بالمصدر والجمع أكوار مثل ثوب وأثواب وكورها بالتشديد مبالغة ومنه يقال كورت الشيء إذا لففته على جهة الاستدارة وقوله تعالى {إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [سورة التكوير: 1] المراد به طويت كطي السجل والكور مثل قول أيضا الزيادة ونعوذ بالله من الحور بعد الكور أي من النقص بعد الزيادة ويروى بعد الكون بالنون وهو بمعناه ويقال هو الرجوع من الطاعة إلى المعصية. ينظر: المصباح المنير 2: 543
عمامة (¬1)، أو طرف ثوبه من كمّه أو ذيله (¬2)، ولو وجد حجمها فإنه تكره صلاته، ويجب إعادتهما (¬3) لما تقدم، ولا تصح صلاته عند الإمام الشافعي (¬4) وغيره، فالحذر كل الحذر.
فقد روى أبو داود والنسائي والترمذي: «أنه عليه السلام كان إذا سجد، مكّن أنفه وجبهته، [ونحّى يديه عن جنبيه] (¬5)، ووضع كفه (¬6) حذو منكبيه» (¬7)
فصل
ومن المهمات: معرفة متابعة الإمام حتى في السلام، لما سبق حديث في ضمن الكلام.
ثم فيه تفصيل حسن، وتقييد مستحسن، ذكره الإمام ابن الهمام حيث قال: «ولا يقوم المسبوق قبل السلام بعد قدر (¬8) التشهد إلا في مواضع:
¬
(¬1) لو سجد على كور العمامة ووجد صلابة الأرض جاز عندنا كذا ذكر محمد في الآثار، وقال الشافعي: لا يجوز، والصحيح قولنا؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يسجد على كور عمامته»؛ ولأنه لو سجد على عمامته وهي منفصلة عنه ووجد صلابة الأرض يجوز فكذا إذا كانت متصلة به. ينظر: بدائع الصنائع 1: 210، وقال الزيلعي: «كره السجود على كور عمامته ويجوز عندنا» ينظر: تبيين الحقائق 1: 117.
(¬2) فعن أنس بن مالك قال: «كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه» في صحيح مسلم 2: 109
(¬3) في نسخة (ب) و (ج): إعادته
(¬4) ينظر: فتح العزيز 3: 456، وبحر المذهب 2: 50،
(¬5) في نسخة (ب): تجريد يد عن أصبعيه
(¬6) في نسخة (ب): كفيه
(¬7) في سنن ابي داود 1: 267، وفي سنن الترمذي 1: 309 بزيادة لفظ «إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض» وقال: حديث حسن صحيح، وفي شرح معاني الآثار، قال الطحاوي: «فذهب قوم إلى هذا فقالوا: الذي ينبغي للمصلي أن يجعل يديه في سجوده حذاء منكبيه. وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل يجعل يديه في سجوده حذاء أذنيه واحتجوا في ذلك» ينظر: معاني الآثار 1: 257
(¬8) في نسخة (ج): قراءة
- إذا خاف وهو ماسح انقضاء تمام المدة لو انتظر سلام الإمام.
- أو خاف المسبوق في الجمعة والعيدين والفجر.
- أو المعذور، خروج الوقت.
- أو خاف أن يبتدره الحدث.
- أو أن يمر الناس بين يديه.
ولو قام في غيرها بعد قدر التشهد صح ويكره تحريمًا، لأن المتابعة واجبة بالنص، قال ?: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه» (¬1)
وهذه مخالفة له في غير ذلك من الأحاديث المفيدة للوجوب، ولو قام قبله.
قال في «النوازل»: «إن قرأ بعد فراغ الإمام من التشهد ما تجوز به الصلاة، جاز وإلا فلا، هذا في المسبوق بركعة أو ركعتين، فإن كان بثلاث، فإن وجد منه قيام بعد تشهد الإمام، جاز وإن لم يقرأ؛ لأنه (¬2) سيقرأ في الباقين والقراءة فرض في ركعتين ولو قام حيث تصح، وفرغ قبل سلام الإمام، وتابعه في السلام قيل تفسد، والفتوى على أن لا تفسد وإن كان اقتداؤه بعد المفارقة مفسدًا، لأنه هذا مفسد بعد الفراغ، فهو كتعمد الحدث في هذه الحالة» (¬3)
فصل
ومن المهمات: أن لا يحسن ظاهره بإصلاح طاعته ويخبث (¬4) باطنه بمراعاة مراءته، بل يخلص أعماله بتحسين نيّاته، وتزيين طويّاته، كما بيّناها في رسالة على حدة.
وقد قال تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [سورة الكهف: 110]
قال القاضي (¬5): «بأن يرائيه ويطلب منه أجرًا» (¬6)
وقال العلامة (¬7)
¬
(¬1) في صحيح بخاري 1: 253، والسنن الكبرى 2: 139، وموطأ مالك 1: 92، ومسند أحمد 8: 212، ومصنف عبد الرزاق 2: 461
(¬2) في نسخة (ب): وإلا
(¬3) ينظر: فتح القدير 1: 309
(¬4) في نسخة (ب): يجتنب
(¬5) القاضي ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي، وقد ذكرنا ترجمته سابقا.
(¬6) ينظر: تفسير البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل 3: 295
(¬7) زيادة في نسخة (ب) و (ج)
الزمخشري: «المراد بالنهي عن الإشراك في (¬1) العبادة، أن لا يرائي بعمله وأن لا يبتغي (¬2) به إلا وجه ربه خالصا، لا يخلط به غيره» (¬3).
وقد قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} [سورة الماعون: 6]
وروي أن عمر رضي الله عنه رأى بدويًا يصلي ويسيء في صلاته، فحمل عليه بالدرة،
فقال: علّمني، حتى لا أترك من الدرة، فأمره أن يصلي بتمام الأركان، وتحصيل الاطمئنان، وأنواع الإحسان،
ثم قال: له أعد صلاتك وزد حياءك، فصلاها كما عُلِّمها، فقال: له هذه أحرى أو الأخرى؟
فقال: الأولى أولى، لأنها كانت لله، وهذه من خوف الدرة، فابتسم عمر رضي الله عنه وتعجب منه.
وقد قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ، أُولَائِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة هود: 16]
قال صاحب «الكشاف»: «لم يكن لهم ثواب، لأنهم لم يريدوا به ثواب الآخرة، وإنما أرادوا به الدنيا، وقد وفىّ إليهم ما أرادوا، {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة هود: 16]، أي: كان عملهم في نفسه باطلًا، لأنه لم يعمل لوجه صحيح، والعمل الباطل لا ثواب له» (¬4)
¬
(¬1) ساقطة من نسخة ب، وفي نسخة (ج): بالعبادة
(¬2) في نسخة (أ): يتقي
(¬3) ينظر: الكشاف 2: 751
(¬4) ينظر: الكشاف 2: 384
وقال الإمام الرازي (¬1) في «تفسيره الكبير» (¬2): «اعلم أن العقل يدل عليه قطعًا، وذلك لأنه من أتى بالأعمال الصالحة لأجل طلب البقاء، ولأجل الدنيا، فذلك لأجل أنه غلب على قلبه حب الدنيا، ولم يحصل في قلبه حب الآخرة، إذ لو عرف حقيقة الآخرة وما فيها من السعادات لامتنع أن يأتي بالخيرات لأجل الدنيا، فثبت أن الآتي بأعمال البر لأجل الدنيا لا بد وأن يكون عظيم الرغبة [في الدنيا] (¬3)،،
¬
(¬1) فخر الدين الرازي، محمد بن عمر بن الحسن البكري، الشافعي المفسر المتكلم، إمام المتكلمين، وهو قرشي النسب ولد سنة (544هـ)، وكان من تلامذة محيي السنة البغوي، قال ابن خلكان فيه: فريد عصره، ونسيج وحده، شهرنه تغني عن إستقصاء فضائله، وتصانيفه في علم الكلام والمعقولات سائرة، وله «التفسير الكبير»، و «المحصول في أصول الفقه،» و «شرح الأسماء الحسنى» و «شرح المفصل للزمخشري»، و «شرح وجيز الغزالي» توفي (606 هـ). ينظر: طبقات الشافعية 8: 83، وطبقات المفسرين للسيوطي ص115، الأعلام للزركلي 6: 313
(¬2) التفسير الكبير للإمام فخر الرازي المتوفى: (606 هـ).، وهو ثماني مجلدات في تفسير القرآن الكريم، سمي بمفاتيح الغيب، قال في مقدمته: «اعلم أنه مر على لساني في بعض الأوقات، أن سورة الفاتحة، يمكن أن يستنبط من فوائدها ونفائسها: عشرة آلاف مسألة. فاستبعد هذا بعض الحساد. فشرعت في تصنيف هذا الكتاب. وقدمت مقدمة، لتصير كالبينة على أن ما ذكرناه أمر ممكن الحصول ... الخ»، قال ابن خلكان: جمع فيه كل غريب. وهو: كبير جدا، لكنه لم يكمله، وصنف: الشيخ، نجم الدين: أحمد بن محمد الفمولي. تكملة له وسمي بمفاتيح الغيب ينظر: كشف الظنون 2: 1756، و الأعلام للزركلي 6: 313
(¬3) زيادة في نسخة (ب) و (ج)
عديم الطلب للآخرة، وإذا كان كذلك، فإذا مات فاته جميع منافع الدنيا، ويبقى عاجزًا عن وجدانها، قادر على تحصيلها، ومن أحب شيئًا، ثم حيل بينه وبين المطلوب، فإنه لابد وأن يشتغل قلبه بالحسرات، فثبت بهذا البرهان العقلي: أن الآتي بعمل من الأعمال لطلب الأحول الدنيوية، فإنه يجد تلك المنفعة الدنيوية اللائقة بذلك العمل، ثم إذا مات فإنه لا يحصل له منه (¬1) إلا النار، ويصير ذلك العمل في الدار الآخرة محبطًا باطلًا، عديم الأثر» (¬2) انتهى.
ويوضحه قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [سورة الشورى: 20]
وقال تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَائِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} [سورة الإسراء: 19]
قال القاضي: «فائدة اللام في -لها- اعتبار النية والإخلاص فيها» (¬3).
قال الزمخشري: «اشترط ثلاث شرائط في كون السعي مشكورًا إرادة الآخرة:
- بأن يعقد بها همة
- ويتجافى عن دار الغرور
- والسعي فيما كلّف من الفعل والترك والإيمان الصحيح الثابت» (¬4)
¬
(¬1) ساقطة من نسخة (ج)
(¬2) ينظر: التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) 17: 328.
(¬3) ينظر: تفسير البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل 3: 251
(¬4) ينظر: الكشاف 3: 656
وقال أبو الليث (¬1): «بيّن الله تعالى في هذه الآية، أن من عمل لغير وجه الله تعالى فلا ثواب له في الآخرة ومأواه جهنم، ومن عمل لوجه الله تعالى فعمله مقبول وسعيه مشكور» (¬2)
ثم الأحاديث في هذا الباب كثيرة شهيرة منها: ما رواه البزار والبيهقي عن الضحاك بن قيس رضي الله عنه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تعالى يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكًا فهو شريكي.
يا أيها الناس! اخصلوا أعمالكم، فإن الله تبارك وتعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له (¬3)،، ولا تقولوا: هذا لله وللرحم، فإنها للرحم وليس لله منها شيء، ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم وليس لله فيها شيء» (¬4).
- ومنها:
ما رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد عن أبي أمامة رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أرأيت رجلًا غزى يلتمس الأجر والذكر، ماله؟
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا شيء له، فأعادها ثلاث مرات، ويقول - صلى الله عليه وسلم - لا شيء له،
ثم قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا، وابتغى وجهه لله سبحانه» (¬5)
- ومنها:
¬
(¬1) نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السَّمَرْقَنْدِيّ الحَنَفِي، أَبو اللَّيْث الفقيه، إمام الهدى، قال الداودي: هو الإمام الكبير صاحب الأقوال المفيدة، والتصانيف المشهورة، من مؤلفاته: «مختارات النوازل»، و «خزانة الفقه، و «عيون المسائل»، و «تفسير القرآن»، و «بستان العارفين»، و «تنبيه الغافلين»، (ت375هـ). ينظر: تاج التراجم ص310، طبقات المفسرين للداووي 2: 346، الفوائد ص220.
(¬2) ينظر: تنبيه الغافلين ص24
(¬3) ساقطة من نسخة ب
(¬4) في مسند البزاز 15: 392، وفي شعب الإيمان للبيهقي 5: 336، وسنن الدارقطني 1: 77، ومسند أبي دواد 2: 444
(¬5) في سنن النسائي 6: 25، ورواه أبو داود والنسائي والطبراني بسند جيد، ينظر: تخريج أحاديث الإحياء 5: 1979
ما رواه الطبراني: عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قال الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ما ابتغى به وجه الله تعالى» (¬1)
- ومنها:
ما رواه الطبراني في «الأوسط» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من تزين بعمل الآخرة وهو لا يريدها، لعن في السموات والأرض» (¬2)
- ومنها:
ما ورواه الطبراني في «الكبير» عن الجارود، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من طلب الدنيا بعمل الآخرة طمس وجهه ومحق ذكره واثبت اسمه في النار» (¬3).
- ومنها:
ما رواه ابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تعوّذوا بالله من جبّ الحزن
قالوا يا رسول الله وما جبّ الحزن؟
قال وادٍ في جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم أربعمائة مرة، قيل يا رسول الله من يدخله
قال: أعد للقراء المرائين بأعمالهم، إن أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزورون الأمراء» (¬4).
- ومنها:
ما رواه أحمد بإسناد جيد وابن أبي الدنيا والبيهقي عن محمود بن لبيد رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر،
قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟
¬
(¬1) في المعجم الأوسط بلفظ: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا عالم أو متعلم، وذكر الله، وما والاه» ينظر: 4: 236، وكذا في سنن الترمذي 4: 561، وفي سنن ابن ماجه 5: 231، ومصنف أبي شيبة 7: 200.
(¬2) في المعجم الأوسط 5: 95
(¬3) في المعجم الكبير 2: 268
(¬4) في سنن ابن ماجه 1: 171، وفي سنن الترمذي 4: 191، والمعجم الأوسط 3: 261، وفي المشكاة قال: ضعيف جدا. ينظر مشكاة المصابيح 1: 90
قال: الرياء، يقول الله عز وجل إذا جزي الناس بأعمالهم، اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء») (¬1) (
- ومنها ما رواه ابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ? قال:
«قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل لي عملاً أشرك فيه غيري فإني منه بريء، وهو للذي أشرك» (¬2).
- ومنها:
ما رواه ابن جرير الطبري مرسلًا عن القاسم بن مخيمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقبل الله عملاً فيه مثقال حبة خردل من رياء» (¬3)
- ومنها: ما رواه البيهقي عن أبي الدرداء عن رسول الله ? قال:
«إن الإتقاء على العمل أشدّ من العمل، فإن (¬4)
¬
(¬1) في مسند أحمد 39: 39، وفي المعجم الكبير 4: 253، وشعب الإيمان 9: 155، والترغيب والترهيب 1: 124، قال صاحب مجمع الزوائد: «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح» ينظر: 1: 102
(¬2) في سنن ابن ماجه 5: 290، وصحيح ابن خزيمة 2: 67، والمعجم الأوسط 6: 324، وشعب الإيمان 9: 144، وفي مسند أحمد بلفظ «أنا خير الشركاء» 13: 377، وكذا في مسند البزاز 15: 74، قال في مشكاة المصابيح 3: 1462: «صحيح»، وفي صحيح مسلم معنى قريب من هذا الحديث عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه»، ينظر: صحيح مسلم 8: 223
(¬3) لم أقف على هذا اللفظ عند الطبراني، إلا في تخريج أحاديث الإحياء، قال: «قال نبينا - صلى الله عليه وسلم - لا يقبل الله عملاً فيه مثقال ذرة من رياء» قال العراقي: لم أجده هكذا قلت: هو من كلام يوسف بن أسباط أخرجه أبو نعيم في الحلية من طريق عبد الله بن خبيق قال سمعت يوسف بن أسباط يقول فذكره إلا أنه قال مثقال حبة بدل ذرة، قال ابن السبكي: (6/ 350) لم أجد له إسناداً. ينظر: 5: 1973، انتهى.
(¬4) ساقطة في نسخة (ب)
الرجل ليعمل العمل فيكتب له عمل صالح معمول به في السر، يضاعف أجره سبعين ضعفًا، فلا يزال به الشيطان حتى يذكره للناس ويعلنه فيكتب علانية ويمحى تضعيف أجره كلّه، ثم لا يزال له (¬1) الشيطان حتى يذكره للناس ثانيا، ويحب أن يذكر به ويحمد عليه فيمحى من العلانية ويكتب رياء، فليتق الله امرء صان دينه، وإن الرياء شرك» (¬2).
وأما ما روي من أن جندب بن زهير قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إني لأعمل العمل لله تعالى فإذا اطلع عليه الناس (¬3) سرّني، ففي رواية: قال - صلى الله عليه وسلم -: لا يقبل الله ما شورك فيه (¬4).
وفي رواية: أنه - صلى الله عليه وسلم -: قال: لك أجران، أجر السر وأجر العلانية (¬5)»
¬
(¬1) زيادة في نسخة (ج)
(¬2) في شعب الإيمان 9: 142، قال العراقي في تخريج الإحياء: «رواه البيهقي بسند ضعيف ونقل نحوه عن أبي بكر الواسطي قال حفظ الطاعة أشد من فعلها لأن مثلها مثل الزجاج لا يقبل الجبر» ينظر: 5: 1980
(¬3) زيادة في نسخة (ج)
(¬4) روي أن جندب بن زهير قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني فقال «إن الله لا يقبل ما شورك فيه» ينظر: تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي 2: 313، وقال: غريب وذكره الواحدي في أسباب النزول.
(¬5) عن أبي هريرة، قال: قال رجل: يا رسول الله الرجل يعمل العمل فيسره فإذا اطلع عليه أعجبه ذلك؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «له أجران، أجر السر وأجر العلانية» في سنن الترمذي وقال: «هذا حديث غريب» ينظر: 4: 594، وفي صحيح ابن حبان 1: 463، وشعب الإيمان 9: 241، وذكر في تخريج أحاديث الكشاف: رواه الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي صالح عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، ومن طريقه رواه ابن حبان في صحيحه وأبو يعلي الموصلي في مسنده والبزار في مسنده والبيهقي في شعب الإيمان ينظر: تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي 2: 314.
فذلك إذا قصد أن يقتدى به والله أعلم.
- ومنها:
ما أخرجه الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ?: «من تعلم علمًا لغير الله فليتبوء مقعده من النار» (¬1).
- ومنها:
ما اخرجه أبوداود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ?: «من تعلم علمًا مما يبتغي به وجه الله تعالى، لا يتعلم إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة، يعني ريحها» (¬2).
- ومنها:
ما رواه أحمد والطبراني عن أبي علي – رجل من بني كاهل- وقد وثقه ابن حبان،
قال: خطبنا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه فقال: يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل،
فقام إليه عبد الله بن حزن وقيس بن المضارب فقالا: والله لتخرجنّ مما قلت، أو لنأتينّ عمر مأذونا لنا، أو غير مأذون؟
فقال: بل اخرج مما قلت، خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم فقال: «يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل،
فقال له من شاء الله أن يقول له، وكيف نتقيه، وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟
¬
(¬1) عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من تعلم علما لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار» في سنن الترمذي 5: 33، وكذا في السنن الكبرى للنسائي 5: 392، قال في تخريج أحاديث الإحياء: رواه أبو داود والحاكم وصححه. ينظر: 6: 2410
(¬2) في سنن ابن ماجه 1: 169، وسنن أبي داود 3: 361، ومسند أحمد 14: 169، ومسند أبي يعلى 11: 260، وصحيح ابن حبان 3: 490، ومصنف أبي شيبة 14: 366. قال الحاكم في المستدرك: «هذا حديث صحيح سنده، ثقات رواته على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد أسنده ووصله عن فليح جماعة غير ابن وهب» ينظر: المستدرك 1: 160
قال: قولوا اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه» (¬1).
ورواه أبو يعلى بنحوه من حديث حذيفة إلا أنه قال فيه: «يقول فيه (¬2) كل يوم ثلاث مرات» (¬3)،
فتقصرنا على الدعاء، الذي هو سبب الخلاص عن الرياء، الذي هو في غاية من الخفاء، كدبيب النمل على الصخرة السوداء، في الليلة الظلماء.
وحاصل الكلام، ومجمل المرام، في هذا المقام: إن الخلق كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم.
رزقنا الله العلم النافع، ووفقنا للعمل الصالح، وجعلنا من المخلصين، ورقّانا إلى مرتبة المخلصين، وختم لنا بالحسنى، وبلغنا المقام الأسنى، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
¬
(¬1) في المعجم الأوسط 4: 10، ومسند أحمد 31: 384، في منصف أبي شيبة 6: 70 ورواه الإمام البخاري في الأدب المفرد ص250
(¬2) زيادة في نسخة ب
(¬3) في منسد أبي يعلى 1: 98، وكذا في مسند أبي بكر 64: 18