الجزء 1 · صفحة 5
العفاف عن وضع اليد في الطواف في الطواف
تأليف العلامة
المَلا عَلَى القَارِي
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ الذي أنزلَ الكتاب غير ذي عِوَج، وأرسلَ الرَّسُولَ بسنةٍ ليس فيها حَرَج، والصَّلاة والسَّلامُ على مَن بَيَّنَ الحُجَج، وعيّن طريق الحِجَج، وسائرَ النَّهْجِ، وعلى آله وصحبه التَّابعين لهُ فِي سُلوكِ كُلٌّ نوعٍ مِنَ الفَجِّ.
أما بعد:
فيقولُ المُلتَجِى إلى حَرَمِ رَبِّه الباري، عليُّ بنُ سُلطانِ محمَّدٍ الهَرَوِيُّ القاري: طالما سُئِلْتُ عن وَضْعِ اليد على الصدر في الطُّوافِ، وأقولُ: لا يجوز، حتّى في مذهبِ العَجوز، لَمَنْ أرادَ اللهُ لعَينِهِ وَصْفَ الانكشافِ، إلى أن طالبني بعضُ إخواني، وأعز أقراني، بنقل صريح، أو دليل صحيح، في منع ذلك المطلب، بناءً على أنَّه رُوِيَ عن بعض عُلَمائِنا، ممَّنْ هو مُعتَبَرُ عِنْدَ فُضَلائِنَا: أَنَّ الحنفي المذهَبِ، ينبغي له هذا الوَضْعُ المُستَحَبُّ.
فأقول وبالله التوفيق، وبعنايته عِنانُ أَزِمَّةِ التَّحقيق: إِنَّ الأصل في الأشياء المُمكِنَةِ هو العَدَمُ، وإنَّما احتيج إلى إثباتِ وُجوبِ وُجودِ ذي الكَرَمِ والجُودِ بنَعْتِ القِدَمِ؛ لئَلَّا يلزَمَ التَسَلسُلُ الغَيرُ المُتناهي، فلا بد من معرفة الأشياء كما هي، على ما هو مُقَرَّر في محله الأليق به.
ثمَّ من آدابِ البَحثِ والجَدَلِ؛ كما عليه أربابُ النَّحَلِ والمِلَلِ: أَنَّ المَانِعَ لا يحتاج إلى إثبات؛ بل المُثبِتُ مُفتَقِرُ إلى نقلِ ثِقات، إن كانت القضيَّةُ مِن قَبيلِ النَّقَليَّاتِ،
الجزء 1 · صفحة 7
ونَقلُ ثِقَةٍ عن ثِقَةٍ بعدَها قَطْعُ علاقةِ نِسبَةٍ، غيرُ مُعتبر عند أربابِ العُقولِ كما هو مُصَرَّح في الأُصولِ؛ إذ من شُروطِ التَّواتُرِ فَضْلاً عن الآحادِ أنْ ينتهي إلى مَحسوس لِيَصلُحَ للاعتماد، وينبني عليه الاعتقاد.
فإذا عرَفْتَ ذلك كذلك، ولم يبقَ لكَ شُبهَةٌ هنالك، فأقولُ - وَلِيْ مَن سَنَدِ المَنْعِ ما وَصَلَ إلى حَدَّ الجَمْعِ: منها: أنه صلى الله عليه وسلم قالَ لصَحْبِه المُكَرَّم: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم»؛ فإِنِّي الآمِرُ المُعْتَنَمُ، فلو وَضَعَ يده عليه الصَّلاة والسَّلامُ لاقتدى به أصحابه الكرام، وتبعهم السَّلَفُ العِظامُ، ولَنَقَلَه إلينا علماء الإسلام، ولا يُتَصَوَّرُ زيادة الأدب على كمال
آدابه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، حيثُ قالَ: «أَدَّبَني ربِّي، فأحسَنَ تَأْدِيبي». ومنها: أنَّ الأئِمَّةَ الأربعة، وأتباعهم من فُقَهَاءِ الأُمَّةِ، لم يذكروا وَضْعَ اليد للطَّوافِ في هذا الباب؛ لا من السُّنَنِ، ولا من المُستَحبَّاتِ، ولا من الآداب، فعلِمَ بذلك أنه غيرُ مَشروع، وأَنَّ نَقْلَ خِلافِه صَرِيحٌ مَصنوع، معَ أَنَّ فِعلَه يُوهِمُ العوام بأنه خير موضوع.
ومنها: أَنَّ عَمَلَ أهلِ الحَرَمَينِ حُجَّةٌ، لا سيّما وإذا انضم إليهم من غيرِهم جماعة، وقد أجمعوا بحَسَبِ فعلهم، واعتبارِ نَقلِهم: أَنَّ وَضْعَ اليَدِ ليسَ بِسُنَّةٍ،
وقد ثَبَتَ في الحديثِ: «أنَّ هذه الأُمَّةَ لا تجتمع على الضَّلالة ..
الجزء 1 · صفحة 8
فإن قلت: هل يجوز القياسُ على الصَّلاةِ؟ لِما صَحَ في الحديث: الطَّوافُ حَوْلَ البيت مثلُ الصَّلاةِ، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير». رواه الترمذي في «جامعه»، والحاكِمُ في «مُستَدرَكِه»، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِه، عن ابنِ عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوع 2. وفي رواية عنه أنَّ: «الطَّوافُ بالبيت صلاة، ولكنَّ اللهَ تعالى أَحَلَّ فيه المَنطِقَ، فمَن نَطَقَ فلا ينطِقُ إلا بخَيرٍ».
وفي رواية عنه أيضاً: «الطَّوافُ صلاةٌ، فأقِلُّوا فيه الكلام».
قلتُ: لا؛ لأنَّ ما قدَّمناه كالنَّصَّ في مقامِ المَرامِ، ولا يجوزُ مُعارَضَةُ النَّصَّ بالقياس عند الكرام، على أنه قياس مع الفارِقِ؛ فإِنَّ مَبَنَى الصَّلاةِ على السُّكونِ، فيُناسِبُه الوَضْعُ على أي هيئة يكونُ، بخِلافِ الطَّوافِ؛ فإنَّ مداره على الحركة، وهو غيرُ مُلائِمٍ إلا بإرسال الجارحة؛ فإنَّ اليدين للسائر بمنزلة الجناحين للطائر. واندَفَعَ بهذا ما تَوَهُمَ ابنُ حَجَرٍ، حيث قال: ويُمكن أن يُؤخَذَ بعموم هذا الحديث أن يكون الوضعُ مُستَحَباً، مع أن هذا القول منه ليس في مذهبه بمعتبر، ولا عَمِلَ بِه لا بنَفْسِه، ولا تَبِعَه أحدٌ من أصحابه، فتَدَبَّرْ.
وأيضاً الطَّوافُ من حيث كونه عبادةٌ سُمِّيت صلاةٌ، المُرادُ أَنَّها كالصَّلاةِ من جهةِ الطَّاعةِ المُوجِبَةِ للسَّعادة، ولذا سُومِحَ فيه استقبال القبلة، ووُجوبُ القراءة، وسائر أركانها؛ من الركوع والسجودِ والقعدة؛ بل بقيَّةُ شروطها؛ من الطَّهارة وستر العورة ونحوها، ليست عندنا من شُروطِ صِحَّةِ الطَّوافِ، إِلَّا النِّيَّةَ؛ فإنَّه لا بُدَّ منها؛ لتمتاز العِبادَةُ عن العادة بإخلاص الطَّوِيَّة.، وما ذلك كله إلا لدفع الحرج عن الأُمَّةِ الأُمِّيَّة، ولاتصاف هذه المِلَّةِ بالسَّهلةِ السَّمْحَاءِ الحَنِيفِيَّةِ، حتَّى يَقدِرَ على القيام بها الضُّعَفَاءُ؛ كالعجوز والصَّبِيَّةِ.
الجزء 1 · صفحة 9
لا يُقالُ: الوَضْعُ والإرسال كِلاهُمَا مُحتاج إلى إثباتِ وُقوع الحالِ. فإنَّا نقولُ: أَصلُ وَضْعِ الإِنسانِ بدونِ الوَضْعِ في جميعِ الأفعالِ، وإِنَّما يعرِضُ وضع اليد في بعض الأحوال إذا ثَبَتَ فيه قول من الأقوال.
لا يُقالُ: سلَّمْنَا أَنَّهُ بِدعَةٌ، لكنَّها مُستَحْسَنَةٌ. فإنَّا نقولُ: كلُّ بِدعَةٍ مُزاحِمَةٍ ِللسُّنَّةِ فإنَّها مَردُودَةٌ غَيْرُ مَقبولةٍ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَن أحدَثَ في أمْرِنا ما ليس منه فهو رَدُّ». رَواهُ الشَّيخان، وفي روايةٍ لمُسلِمٍ: «مَن عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليه أمرنا فهو رَدُّ».
وصَحَّ عن ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه: أنَّ ما رآه المُسلمون حَسَناً فهو عندَ اللهِ حَسَن، ولا شكّ أنَّه أراد به جميعهم، أو الجمهور منهم؛ لقوله: «عليكُمْ بالسَّوادِ الأعظم، فـ»، فلا عِبَرَةَ بما اختاره بعضُ المُتَخَشَّعينَ في الظَّواهِرِ، والله أعلَمُ بالضَّمائر والسرائر، معَ أَنَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ اللهَ لا ينظُرُ إِلى صُوَرِكم ولا إلى أعمالِكُم، ولكِنْ يَنظُرُ إلى قُلوبِكُم وأحوالِكُم، فالعِبرَةُ بالقَلبِ الذي هو في الحقيقةِ بيتُ الرَّبِّ، لا مُجرَّدُ الخُشوع في الهيئةِ المَشوبَةِ بالرِّياءِ والسُّمعَةِ.
فينبغي أن يطوف كابن عمر رضي الله عنهما، حيثُ قال: كنا نَتَراءَى الله، فلا يدري يمينه عن شِمالِه، ولا يلتفتُ إلى سواه، ويكونُ في مَقامِ الإحسانِ مَوصُوفاً بما فسَّرَه بهِ حيثُ قال: هو أن تَعبُدَ اللهَ كَأَنَّك تراه»، رَزَقَنَا اللهُ مُراقَبَتَه في الدُّنيا، ومُشاهَدَتَه في العُقبى، وبلَّغَنا المَقامَ الأسنَى، مع الذين أحسَنُوا الحُسنَى، في خِدمَةِ المولى، بالوجه الأولى، ابتغاء لوَجهِ ربِّه الأَعْلَى.
الجزء 1 · صفحة 10
حرَّرَه مُؤَلّفه صبيحة يومِ الجُمُعة في العشرين من شهر رمضانَ المُبارَكِ عام عشر بعد الألف من هجرة سيد الأنام، على صاحبها أُلوف من التَّحية، وآلاف من السَّلامِ.
والحمدُ للهِ وَحْدَهُ، وصلَّى اللهُ تعالى على مَن لا نبيَّ بَعدَهُ.
***