الجزء 1 · صفحة 5
الرسالة التائية في شرح التائية
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
تَائِيةُ ابْنِ المُقْرِي
إلَى كَمْ ثَمَادِ فِي غُرُورٍ وَغَفْلَةٍ وَكَمْ هَكَذَا نَوْمٌ إِلَى غَيْرِ يَقْظَةِ لقَدْ ضَاعَ عُمْرٌ سَاعَةٌ مِنْهُ تُشْتَرى بملء السَّمَا وَالْأَرْضِ أَيَّةَ ضَيْعَةِ أَتُنْفِقُ هَذَا فِي هَوَى هَذِهِ التِي أبى اللهُ أَنْ تَسْوَى جَنَاحَ بَعُوضَةِ وَتَرْضَى مِن العَيْشِ السَّعِيْدِ تَعِيْشُهُ مَعْ المَلَةِ الأَعْلَى بِعَيْشِ البَهِيمَةِ فَيَا دُرَّةً بَيْنَ المَزَابِلِ أُلْقِيَتْ وَجَوْهَرَةٌ بِيْعَتْ بِأَبْخَسِ قِيْمَةِ أَفَانٍ بِبَاقٍ تَشْتَرِيْهِ سَفَاهَةٌ وَسُخْطُ بِرضْوَانٍ ونارٌ بجنَّةِ أَأَنْتَ عَدُوٌّ أَمْ صَدِيقٌ لِنَفْسِهِ فإِنَّكَ تَرْمِيْهَا بِكُلِّ مُصِيبَةِ وَلَوْ فَعَلَ الْأَعْدَا بِنَفْسِكَ بَعْضَ مَا فَعَلْتَ لَمَسَّتْهُمْ لَهَا بَعْضُ رَحْمَةِ لَقَدْ بِعْتَها حَرَّي عَلَيْكَ رَحْيْصَةٌ وكانَتْ بِهَذَا مِنْكَ غَيْرَ حَقِيْقَةِ فَوَيْكَ اسْتَفِقُ لَا تَفْضَحَنْهَا بِمَشْهَدِ مِنَ الخَلْقِ إِنْ كُنْتَ ابْنَ أُمِّ كَرِيمَةِ فَبَيْنَ يَدَيْهَا مَوْقِفٌ وَفَضِيحَةٌ يُعَدُّ عَلَيْهَا كُلُّ مِثْقَالِ ذَرَّةِ كَلِفْتَ بِهَا دُنْيا كَثِيرٌ غُرُورُهَا تُعَامِلُ مَنْ فِي نُصْحِهَا بِالْخَدِيعَةِ إِذَا أَقْبَلَتْ وَلَّتْ وَإِنْ هَيَ أَحْسَنَتْ أَسَاءَتْ وإِنْ صَافَتْ فَشِقٌ بالكُدُورَةِ وَلَوْنِلْتَ مِنْهَا مَالَ قَارُونَ لَمْ تَنَلْ يسوَى لُقْمَةٍ فِي فِيكَ مِنْهَا وَخِرْقَةِ وَهَبْكَ بَلَغْتَ المُلْكَ فِيْهَا أَلَمْ تَكُنْ لِتَنْزِعَهُ مِنْ فِيْكَ أَيْدِي المَنِيَّةِ فَدَعْهَا وَأَهْلِيهَا
الجزء 1 · صفحة 7
تَقِصْهُمْ وخُذْ لِذَا بِنَفْسِكَ عَنْهَا فَهُوَ كُلُّ غَنِيْمَةِ وَلا تَغْتَبِطْ فِيهَا بِفَرْحَةِ سَاعَةٍ تَعُودُ بِأَحْزَانٍ عَلَيْكَ طَوِيلَةِ فَعَيْشُكَ فِيهَا أَلْفَ عَامٍ وَيَنْقَضِ كَعَيشِكَ فِيهَا بَعْضَ يَومٍ وَلَيْلَةِ عَلَيْكَ بِمَا يُجْدِي عَلَيْكَ مِنَ التَّقَى فَإِنَّكَ فِي لَهُرٍ عَظِيمٍ وَغَفْلَةِ مَجَالِسُ ذِكْرِ اللَّهِ تَنْهَاكَ أَنْ تُرَى بِهَا ذَاكِرَا اللَّهِ ضِعْفَ العَقِيدَةِ إِذَا شَرَعُوا فِيهَا تَحَنْحَنْتَ قَائِمَاً قِيامُكَ هَذَا قُلْ إِلَى أَيِّ لَعْنَةِ وَلَوْ كَانَ لَغْوَا أَوْ أَحَادِيثَ رِيبَةٍ وَثَبِّتَ وُتُوبَ اللَّيْثِ نَحْوَ الفَرِيسَةِ تُصَلِّي بِلَا قَلْبٍ صَلَاةٌ بِمِثْلِهَا يَكُونُ الفَتَى مُسْتَوْجِبًا لِلْعُقُوْبَةِ نظلُّ وَقَدْ أَتْمَمْتَها غَيْرَ عَالِم تَزيدُ احْتِيَاطَا رَكْعَةً بَعْدَ رَكْعَةِ فَوَيْلَكَ تَدْرِي مَن تُناجِيْهِ مُعْرِضاً وَبَيْنَ يَدَي مَن تَنْحَنِي غَيْرَ مُخْبِتِ تُخَاطِبُهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ مُقْبِلاً عَلَى غَيْرِهِ فِيْهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةِ ولو رَدَّ مَنْ نَاجَاكَ لِلغَيْرِ طَرْفَهُ تَمَيَّزْتَ مِنْ غَيْظِ عَلَيْهِ وَغَيْرَةِ أَمَا تَسْتَحِيْ مِنْ مَالِكِ الْمُلْكِ أَنْ يَرَى صُدُودَكَ عَنْهُ يَا قَلِيْلَ المُرُوءَةِ صَلَاةٌ أُقِيمَتْ يَعْلَمُ اللهُ أَنَّهَا بِفِعْلِكَ هَذَا طَاعَةٌ كَالخَطِيئَةِ وَأَعْجَبُ مِنْهَا أَنْ تَدِلُّ بِفِعْلِهَا كَمَنْ قَلَّدَ المَدْلُولَ بَعْضَ صَنِيعَةِ وَأَنْ يَعْتَرِيكَ العُجْبُ أَيْضَاً بِكَوْنِهَا عَلَى مَا حَوَتْهُ مِنْ رِيَاءٍ وَسُمْعَةِ ذُنُوبُكَ فِي الطَّاعَاتِ وَهْيَ كَثِيرَةٌ إِذَا عُدَّدَتْ تَكْفِيكَ عَنْ كُلِّ زَلَّةِ سَبِيْلُكَ أَنْ تَسْتَغْفِرَ اللَّهَ بَعْدَهَا وَأَنْ تَتَلَافَى الذَّنْبَ مِنْهَا بِتَوْبَةِ فَيا عَامِلاً لِلْنَّارِ جِسْمُكَ لَيِّنٌ
الجزء 1 · صفحة 8
فَجَرِّبُهُ تَمْرِيْنَا بِحَرِّ الظَّهِيرَةِ وَدَرِّجُهُ فِي لَسْعِ الزَّنَابِيرِ تَجْتَرِي عَلَى لَسْعِ حَيَّاتٍ هُناكَ عَظِيمَةِ فَإِن كُنتَ لَا تَقْوَى فَوَيْحَكَ مَا الَّذِي دَعَاكَ إِلَى إِسْخَاطِ رَبِّ البَرِيَّةِ تُبَارِزُهُ بِالْمُنْكَرَاتِ عَشِيَّةٌ وَتُصْبِحُ فِي أَثْوَابِ نُسْك وَعِفَّةِ فَأَنْتَ عَلَيْهِ مِنْكَ أَجْرَى عَلَى الوَرَى لِمَا فِيكَ مِنْ جَهْلِ وَحُبْتِ طَوِيةِ تَقُولُ مَعَ العِصْيانِ رَبِّيَ غَافِرٌ صَدَقْتَ وَلَكِنْ غَافِرٌ بِالمَشِيْئَةِ وَرَبُّكَ رَزَاقٌ كَمَا هُوَ غَافِرٌ فَلِمْ لاَ تُصَدِّقُ فِيْهَمَا بِالسَّوِيَّةِ لأَنَّكَ تَرْجُو العَفْوَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ وَلَسْتَ تُرجي الرِّزْقَ إِلا بِحِيْلَةِ عَلَى أَنَّهُ بِالرِّزْقِ كَفَّلَ نَفْسَهُ لكل وَلَمْ يَكْفُلْ لكل بجنَّةِ فلم تَرْضَ إِلَّا السَّعْيَ فِيْمَا كُفِينَهُ وَإِهْمَالَ مَا كُلَّفَتَهُ مِنْ وَظِيفَةِ تُسِيءُ بِهِ ظَنَّا وَتُحْسِنُ تَارَةً عَلَى نَحْوِ مَا يَقْضِي الهَوَى بِالقَضِيَّةِ إِلَهِي لَا وَاخَذْتَنَا بِذُنُوبِنَا وَلَا تُخْزِنَا وَانْظُرْ إِلَيْنَا بِرَحْمَةِ وَخُذْ بِنَواصِيْنَا إِلَيْكَ وَهَبْ لَنَا يقيناً يَقِيْنَا كُلَّ شَكٍّ وَرِيْبَةِ إلهي اهْدِنَا فِيْمَنْ هَدَيْتَ وَخُذْ بِنَا إِلَى الحَقِّ نَهْجَا فِي سَوَاءِ الطَّرِيْقَةِ وَكُنْ شُغْلَنَا عَنْ كُلِّ شُغْلٍ وهمنا وَبُغْيَتَنَا عَنْ كُلِّ هَمْ وَبُغْيَةِ وَصَلِّ صَلَاةٌ لَا تَنَاهَى عَلَى الَّذِي جَعَلْتَ بِهِ مِسْكاً خِتَامَ النُّبُوَّةِ وَآلِ وَصَحْبٍ أَجْمَعِينَ وَتَابِعِ وَتَابِعِهِمْ مِنْ كُلِّ إِنْسٍ وَجِنَّةِ
***
مُعَارِضَةُ الثَّانِيَّةِ
لِوَلِدِ العَلَّامَةِ ابْنِ الْمُقْرِي
الجزء 1 · صفحة 9
لِيَ فِي اللهِ حُسْنُ ظَنَّ جَمِيلُ إِنْ تَجَافَى عَنِ الخَلِيْلِ الخَلِيْلُ لِي عُمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَرِزْقُ يَنْقَضِي وَالكَثِيرُ مِنْهُ قَلِيلُ مَا قَضَاهُ الإِلَهُ لَا بُدَّ مِنْهُ فَعَلَامَ مَا هَذَا العَرِيضُ الطَّوِيلُ رُبَّ أَمْرٍ يَضِيقُ ذَرْعَكَ مِنْهُ لَكَ فِيْهِ إِلَى النَّجَاةِ سَبِيْلُ وَمَعَ العُسْرِ إِنْ تَتَابَعَ يُسْرُ لِصُروفِ الزَّمَانِ حَالٌ يَحُولُ لَيْتَ شِعْرِي عَوَاقِبُ الأَمْرِ مَاذَا أَوْ إِلَامَ بِنَا المَالُ يَؤولُ نَعْرِفُ الحَقَّ ثُمَّ نُعْرِضُ عَنْهُ وَنَرَاهُ وَنَحْنُ عَنْهُ نَمِيلُ قَدْ عَلِمْنَا وَمَا انْتَفْعَنَا بِعِلْمٍ إِنَّهُ قَدْ دَنَا وَحَانَ الرَّحِيْلُ لَوْ قَنِعْنَا مِنْ المُحَالِ اسْتَرَحْنَا مِنْ عَنَاءِ لَكِنَّ أَيْنَ العُقُولُ نَحْنُ مُسْتَعْمَلُونَ فِيْمَا خُلِقْنَا مَا لَنَا فِي نُفُوسِنَا مَا نَقُولُ
بسم الله الرحمن الرحيم
رَبِّ زِدْنِي عِلْماً يَا كَرِيمُ
الحمد الله العلي العظيم، على كَرَمهِ العَميم، ولطفهِ الجَسيم؛ بإخر المؤمنين من الظلمات إلى النُّورِ، وبإيقاظ المُنقَطِينَ من نومِ الغَفْلَةِ إلى حياةِ الذَّكرِ والحضور، والصَّلاة والسَّلامُ على مَن خَطَبَنا وَوَعَظنا وأَدَّبنا بما يُؤدِّي بنا إلى الحورِ والقُصور، ويُرقِّينا إلى مَقَامِ الحُبُورِ ومنزل السرور، وعلى آله وأصحابه الآخذين عنه العلم بالحظ الموفور.
أما بعد:
الجزء 1 · صفحة 10
فيقولُ المُفتقر إلى مغفرة ربه الباري، علي بن سلطان محمد القَارِي عامَلَهُما الله بلطفهِ الخَفِي وكرمهِ الوَفِي: إنَّ بعضَ إخواني في الدين الذي أظُنُّ به أنَّه في طلب اليقين، سألني أن أشرح القصيدة التانية المنسوبة إلى الإمام العلامة، والهُمامِ الفهَّامةِ، ذُخر الزمن وفخرِ اليَمَنِ، فريد عصره، ووحيد دهره، شرف الدين إسماعيل بن أبي بكرِ المُقري، جعل الله بركات علومه علينا تجري، و منافع مَدَده إلينا تَسْري، فامتنعتُ لقلة البضاعة في هذه المادة، ولكثرة الخوفِ من الانحراف عن الجادة؛ فالح عليَّ مرَّةً بعد أُخرى؛ فرأيتُ أنَّ إجابته أولى وأحرى؛ لأنَّ الزمان يقتضي ذلك وإن لم يكن المُتصدِّي أهلاً لِمَا هُنالكَ؛ فَإِنَّ البعد عن قُربِ نورِ النُّبوَّة وتعشرِ الاستضاءة بمشاعل الحَضْرَةِ بعدَ بُعدِ ألفِ سنةٍ في غاية من المشقة؛ فإنَّ القُلوبَ قست بطولِ المُددِ، والعيون قحطت من قِلَّةِ المَدَدِ، والجوارح تعطّلت من عدمِ العُدَدِ، وقد قال تعالى في زمن نزول الوحي على الرسول الأمجد صلى الله تعالى عليهِ وسلَّمَ وشرفه وعظَّمه لديهِ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ [الحديد: (16)]، وجاء في الآثار: أن القرآن واعظ ناطق والموت واعظ صامت
وقد قال تعالى: {وَيَتَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ تَكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [يونس: (57)]، وفي الحديثِ: «كفى بالموت واعظاً».
لكن لفساد الزمانِ وبُعده عن عصر أهل الإيقان، لم يتأثر القُرَّاء بالقرآنِ، ولا زُوَّارُ الموتى بالعبرة عن الأقران، وهذا الغلبة الغَفْلة وقلة اليقظة، وطول الأمل وتسويف العمل، وتأخير الإيقاظ عن حلول الأجل.
الجزء 1 · صفحة 11
فخطر بالبال الفاتر مع الحالِ القَاصِرِ أنْ أشرحَ هذه الأبيات، المشتملة على المواعظ البينات، التي جاءتنا في قوالب العبارات اللطيفة، وصنفها في مراتب الإشاراتِ الشريفة؛ لعل الله أن يشرح صدورنا بذكره، ويفسح قلوبنا بفكره، ويُقوّي جوارحنا بشكره، ويُنورَ أعيننا بنوره؛ لنزهد في الدُّنيا الدَّنيَّةِ الفانية، ونرغب في العُقْبَى العَلِيَّةِ الباقية.
وقد ورد في الأحاديث النبوية على صاحبها أُلوفُ التسليم والتحية في تفسير قوله تعالى: أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} [الزمر: (22)]: «إذا دخل النورُ في القلبِ انشرحَ وانفسح، فقيل له: هل له علامة؟ قال: «نعم؛ التجافي عن دارِ الغُرورِ، والإقبال على دارِ الخُلودِ، والاستعداد للموت قبل نزوله».
وفقنا الله تعالى وإيَّاكم على أن نجمع بين العلم والعمل والتعليم والإخلاص لما هنالك؛ فإنَّ الخلقَ كلَّهم هَلْكى إلا العالمونَ، وَالعَالِمُونَ كلَّهم هَلْكَى إِلا العامِلُونَ، والعاملونَ كلُّهم هَلْكَى إلا المُخلصون، والمخلصون على خطر عظيم. وفي الحديثِ العِيسوي: أَنَّ مَن عَلِمَ وعَمِلَ وعلَّمَ يُدعى في الملكوتِ عظيماً، وقد قال: «مَنْ عَمِلَ بما عَلِمَ ورَّتْهُ اللهُ بما لا يعلم» ?، قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ} [البقرة: ???]، وقال عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: (69)]. وقد سميت هذهِ العجالة بـ «الرسالة التائبية في شرح التائية».
قال الشيخ رحمه الله:
الجزء 1 · صفحة 12
إِلَى كَمْ تَمَادٍ فِي غُرُورٍ وَغَفْلَةٍ وَكَمْ هَكَذَا نَوْمٌ إِلَى غَيْرِ يَقْظَةِ التّمادِي: التَّماهلُ والتَّكاسلُ والغُرورُ بالضم: مصدر غرَّهُ بالفتح: الدُّنيا، وما غرَّكَ، أو يُخصُّ بالشيطانِ وغَفَلَ عنهُ غُفُولاً: تركه، وسَها عنه، والاسمُ الغَفْلَةُ، واليقظة - محركةٌ: نقيضُ النوم، كذا في «القاموس». فالسكون من بابِ الضَّرورة، أو المراد به المصدر للمرَّةِ، ثم كم هنا استفهامية، وتماد تمييزه، وهو مجرور، وجوزه الفرَّاءُ وغيره، وأصلُه: تَمَادِي استثقلت الكسرة؛ فحذفت ثُمَّ الياء لالتقاء الساكنين؛ فبقي مجروراً تقديراً، وفي غُرُور متعلق به، وإلى خبر لمبتدأ محذوف، أنت، أو في غُرور هو الخبرُ، و إلى متعلّق بمدخوليه على التنازع، وكم الثانية عطف على الأولى، وحُذَفَ مميزه للعلمِ بهِ.
هو و نوم مبتدأ، وسوعه التنوين للتعظيم، أو صفةٌ مُقدَّرة، هي منك، والخبرُ إِلَى غَيْرِ يَقْظَةِ متعلق بمنته، أو نوم مع الجار مبتدأ، خبره إلى كم، وهَكَذا حال؛ أي: مُشابهاً لِمَا سبق.
ويحتمل أنَّ أصل البيت: كانَ تمادي بصيغة المضارع على حذفِ إحدى التاءين؛ فحينئذ تتعلق به الظروف في المصراع الأول، ثم وقع التغيير من تصرفات النساخ؛ فتأمل.
ثم في المصراع الثاني من صنيع البديع: الطباق بين النوم واليقظة، وفي الأول أو في الكلِّ صَنعةُ التجريد.
الجزء 1 · صفحة 13
وحاصل المعنى: أنَّ الشيخ رحمه الله جرَّدَ من نفسهِ مُخاطَبَاً، يصير له معاتباً في سلوكه ذاهباً وآيباً؛ بناءً على قضية: عِظْ نفسك؛ فإن اتعظت، فعظِ الناس، أو أراد به نصيحة ولدهِ وفِلْدَةِ كَبِدِهِ؛ لاحتراقه على كبده، ويحتمل أن تكونَ العبارة من قبيل: اسمعي يا جارة، أو خطاب العام للخواص والعوام؛ لأنَّ أكثرهم كالأنعام غافلينَ عمَّا يمضي عليهم من الليالي والأيام، ويقول لكل منهم: من أول ما بلغت وابتداء ما كُلفت بما بلغت إلى كم وقت وزمان وإلى متى من الأيام والأوانِ مُعرِضٌ عمَّا أُمرت فيه بالطاعة، ونُهِيتَ عن الطغيانِ، وواقع في حضيض غرور من مال أو جاء، أو علم أو عمل، وتابع لغرور من شيطان؛ إنس أو جن، أو من دنيا و أمل، وراسخ في غَفْلَةٍ مما صدر عنكَ من زلل أو فيما يأتيك من أجلٍ، وإلى كم هكذا على التمادي لك؛ نوم غفلةٍ مُنتهِ إلى غيرِ يَقَظَةٍ.
وفيه إشعار: إلى أن أول بابِ السُّلوكِ هو اليقظةُ من نومِ الغَفْلَةِ؛ فإِنَّهُ بمنزلة الحياة بعد الرحلة؛ فتحصل بها الرَّجعة والتوبة والإنابة والأوبة، ولذا جعلها صاحبُ منازل السائرين أولَ مقاماتِ السَّالكينَ المشتملة على ألفِ مرحلةٍ للنازلين بخلاف المجذوبين الطائرينَ؛ فَإِنَّ جَذْبةٌ من جَذَبَاتِ الحقِّ تُوازي عملَ التَّقلينِ؛ ففي خَطرة قلب ولمحة عين يتجاوزُ المَجذوب عن حُجُبِ الكَونِينِ المُشير إليها: فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه: (12)]، {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: ??]، مُشعر بعينِ عِنايته عليك.
الجزء 1 · صفحة 14
وفيه إيماء إلى ما ورد عن بابِ مدينة العلم عليٌّ كَرَّم الله وجهَهُ: الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا، ولكنَّ الله تعالى يقول: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام: ??]، تنبيهاً على ما قدره وقضاه، ومنعه وأعطاه، وفعل ما شاءَهُ وأمضاهُ، قَسَمَ القِسَامَ والناسُ نيام، قال عزّ وجلَّ: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} [الأنبياء: (1)] و يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: ??]، وفي الحديثِ: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبُوا. ومع هذا لولا أهلُ الغَفْلِةِ والحمقى لخَرِبَت الدُّنيا، وقد قال تعالى: {يَأْتِها النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغْرَنَكُمُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغْرَنَكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [فاطر: (5)]، ويقولُ سبحانهُ يومَ القيامةِ: مَا غَرَكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الانفطار: (6)]، متعنا بكرمه العميم لعبده الخائف من العذاب الأليم أن يقول: ما غرَّني إلا كرمُكَ القديم؛ فاغفر لي إنكَ أَنتَ الغفور الرحيم، وتفصيل أصنافِ الغُرورِ في إحياء العلوم» مسطور، ومجمله في تلبيس إبليس» مذكور.
والغفلة أنواع، وعدَّها بعض المشايخ كفراً، بل إنهم جعلوا الذكر شكراً، وكأنه أُخذَ من قوله تعالى في حق الكافرينَ أُوْلَيْكَ هُمُ الْغَفِلُونَ} [الأعراف: (179)]،
والعارف ابنُ الفَارِضِ رحمه الله تعالى أشار إليه بقوله:
ولو خطرتْ لِي فِي سِواكَ إرادة على خَاطِري سهواً حَكَمْتُ بردَّتِي وبينت بعض التوجيهاتِ الصَّفِيَّةِ التي على مُصطلحاتِ السَّادَةِ الصُّوفية تجري، وبركاتُها على صفحاتِ صُدورِ أرباب القُلوبِ تَسري، في «شرح حزب الفتح لمولانا وشيخ مشايخنا أبي الحسن البكري روح الله رُوحَهُ، ونور ضريحه، ورزقنا فتوحه.
الجزء 1 · صفحة 15
لقَدْ ضَاعَ عُمْرٌ سَاعَةٌ مِنْهُ تُشْتَرَى بملء السَّمَا وَالأَرْضِ أَيةَ ضَيْعَةِ اللام جواب قسم مُقدَّرٍ، وقصرتِ السماءُ ضرورة. أَيَّةَ ضَيْعَةِ منصوب على المصدرية. وملء الشيء: ما يُملأ به، وتنوين عُمر للتعظيم، وتنوين سَاعَةٌ للتقليل، ثم عُمر فاعل ضَاعَ، والجملة بعده صفة له، والرابط ضمير منه، والباء للبدلية متعلقة بـ تُشْتَرى على صيغة المجهول داخلة على المتروك، سواء كان الاشتراءُ بمعنى الابتياع، أو الاختيار.
ولَمَّا نَبَّه الشيخ للسَّالك على اليقظة من نومِ الغفلة، والرجوع عن العُجبِ والغُرورِ بالتوبةِ والأَوْبَةِ؛ حرّضه وحرصه على اغتنام بقية عمره؛ لئلا يمضي على غَفْلَتِهِ وغُروره؛ بأن قال: والله لقد ضاع عمر شريف، صفته أنه لو فُرضَ أَنَّ كلَّ ساعة ـ والمراد منها: كلُّ نَفَسٍ ولَمْحَةٍ - تُباع بملء السماء والأرض من الذهب، أو أشياء نفيسة من المطلب، ولعلَّ حذف التمييز، لأنْ يذهب التمييز إلى كل مذهب، لاشتراها العاقل الكامل، الذي هو عبارة عن العالم العامل.
وأشار به إلى قوله: «اليسَ يَتحسَّرُ أهل الجنة يومَ القيامةِ إِلَّا على ساعة مرَّت بهم ولم يذكروا الله فيها»، وإلى قول عمر رضي الله عنه: إنِّي لأكره أن أرى أحدكم سبَهْلَلاً؛ لا في عمل دنياه، ولا في عمل آخرته؛ أي: في عمل دنياه الضرورية المعينة على الأمور الأخروية والأمور الدينية أيضاً، إن لم تكن على تصحيح النية، فتُعدُّ من الأمور الضائعةِ الدُّنيوية؛ ولذا قالَ الغَزالي: ضيَّعتُ قطعةً من العُمْرِ العزيز في تصنيف «البسيط»، و «الوسيط»، و «الوجيز»، وأوماً إلى قول أَبي ذر رضي الله عنه: الدُّنيا ثلاث ساعات؛ ساعة مضت، وساعةٌ أنتَ فيها، وساعةٌ لا تَدْرِي أَتُدْرِكُها أم لا.
الجزء 1 · صفحة 16
فلستَ تملك بالحقيقة إلَّا ساعةً واحدةً؛ إذ الموتُ من ساعة إلى ساعة؛ ولهذا اختارَ السَّادةُ النَّقشبندية محافظة الأنفاس في الأذكار الإلهية، ويقولونَ: كُلُّ نَفَسٍ خُطوة إلى أَجَلِكَ، فلا تُضَيَّعَها في طُولِ أَمَلِكَ، مَعَ أَنَّهُ يَحتمل أن تكونَ تلكَ السَّاعَةِ النَّفَسُ الأخير فكن حاضراً؛ لأنَّ الموتَ على الغَفْلَةِ أمر خطير، وقد ثبت عنهُ: أَنَّهُ قالَ لأصحابه: «أمَا تَعجبونَ من أسامةَ المُشتري الوليدة إلى شهرٍ، إِنَّ أُسامةَ لَطويل الأمل، والله ما وضعت قدماً فظننتُ أني أرفعها ولا لقمتُ لُقمةً، فظننتُ أَنِّي أَسيعُها، حتى يُدركني الموتُ، والذي نفسي بيده؛ إنَّ ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزينَ». والحاصل: أن ما لا يُدركُ كُلُّه لا يُتركُ كُلُّه، ولذا جاء في حديث: نافق حنظلة: «ساعة فساعة، وفي لسان العامة: ساعة لربي، وساعة لقلبي، وحَسْبِي رَبِّي من كلِّ مُربِّي. قال الغزالي: وفي الخبر: «أعددتُ لِعبادِي الصَّالحين ما لا عين رأت ولا أذُنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، هذا يومُكَ الذي قيمتُه دِرهمانِ مع التّعب العظيم صارت له هذهِ القيمةُ بتأخير غداء إلى عَشَاءِ، ولو قُمْتَ ليلةً للهِ تعالى، فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَةٍ أَعْيُنِ} [السجدة: (17)]، بل لو جعلت الله ساعةً تُصلّي فيها ركعتين خفيفتين، بل نَفساً، قلتَ فيه: لا إله إلا الله، فقد قالَ عزَّ وجلَّ: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَبِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: (40)].
الجزء 1 · صفحة 17
فهذه ساعة من ساعاتِكَ ونفس من أنفاسِكَ التي لا قيمة لها عند أهلِ الدُّنيا ولا عندك؛ فلِمَ تُضيعها في لا شيء، وكم تَمرُّ عليك بلا فائدة، فصار لها كُلَّ هذا القَدْرِ، لماذا لِمَا أَنَّهُ وقعَ مَرضياً الله تعالى، فعظم قدرها وأكثر قيمتها بفضله العميم وكرمه القديم؛ إنه هو البر الرحيم.
أَتَنْفِقُ هَذَا فِي هَوَى هَذِهِ التِي أَبَى اللَّهُ أَنْ تَسْوَى جَنَاحَ بَعُوضَةِ ثم الهمزة للإنكار، و هذا إشارة إلى العُمرِ، وهذه إلى الدُّنيا، وإن لم يجرِ ذكرها؛ لدلالةِ سَوْقِ الكلام عليها، وانتقالِ ذِهنِ المُستقيم إليها، والإشارة في الأول للتعظيم، وفي الثاني للتحقير، و أبى بمعنى امتنع، وحذفُ من مع أن مطرد، أو أن مع مدخولها مفعوله، ففي القاموس» أبى الشيء يأباه: كرهه.
وتَسْوَى بفتح حرفِ المُضَارعةِ، بمعنى تُساوي وتعدل، وهي لغةٌ قليلةٌ على ما في «القاموس»، ومفعوله الجناح - بفتح الجيم - الرِّيشُ والبَعوضُ: فَعولٌ مِنَ البَعْضِ؛ غَلَبَ على هذا النوع، وهو البَقُ، والتاء فيه للوحدة.
يقولُ: أَتصْرِفُ هذا العُمرَ الشَّرِيفَ الذي هو أشرفُ من ملء السَّماءِ والأرضِ
من الجوهر اللطيف، في محبة هذهِ الدّنيا الحقيرةِ الفانية المانعة عن الباقية الذخيرة المشغلة عن الوصول إلى المراتبِ العَليَّةِ الخطيرة، والنعم الأخروية الأبدية الأخيرة، التي لم يرضَ الله تعالى أن تَسْوى عندَ عبادهِ الصَّالحين جناح بعوضةٍ واحدةٍ، التي هي أحقرُ أعضاءِ أَدْونِ الحيوانات الطائرة الحائرة.
والبيتُ مُقتبس من الحديث النبوي والخبرِ المُصطفوي صلى الله عليه وسلم وشرَّفَ وكَرَّمَ وعظَمَ: «لو كانتِ الدُّنيا تَعدِلُ عندَ الله جَناحَ بعوضةٍ لَمَا سَقَى كافراً منها شربة ماء».
الجزء 1 · صفحة 18
ولعل الحديثَ مُستفاد من قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقْفًا مِن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِلُونَ وَزُخْرُفَا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف: (33) - (35)].
ووردَ: «إِنَّ الله تعالى لَيَحْمِي عبدَهُ المؤمنَ عن الدُّنيا وهوَ يُحِبُّهُ كما تَحمُونَ
مريضَكُم الطعام والشرابَ؛ تخافون عليه رواه أحمد في المسند ?. ثم اعلم: أنَّ الدُّنيا والعقبي خُلقنا نقيضتين، وأن مثلهما كمثل الصرتين والكفتين، وقد أشار إليه بقوله: «مَنْ أحبَّ دُنياهُ أضر بآخرته، ومن أحبَّ آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يَفْنَى» رواه أحمد والحاكم. وقال بعضُ الصُّوفية: تركتُ الدُّنيا لقلةِ غَنائها، وكثرة عَنَائِها، وسرعة فنائها،
وخِسَّةِ شُركائها.
قال بعضُ العارفين في فاتحة هذهِ اللائحة: رائحةُ الرَّعْبَةِ فَائحةٌ. وما أحسن ما قال الحسن: إن بقيت لكَ الدُّنيا لم تُبقَ لَهَا؛ يعني: فأَيُّ فائدة في
الميل إليها وإنفاقِ العُمرِ العزيزِ عَلَيها.
هَبِ الدُّنيا تُسَاقُ إليكَ عَفْواً أليس مصير ذاكَ إلى الزَّوالِ وما دنياكَ إِلَّا مثل ظلّ أظلك ثم آذن بارتحال
قال تعالى: {وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَنعُ الْغُرُورِ} [الحديد: (20)]، ولقد صدق
الجزء 1 · صفحة 19
القائل: أضغات نو أو كظل زائل إنَّ اللبيب بمثلِهَا لا يُخْدَعُ وقد صح في الخبرِ: كُنْ في الدُّنيا كأَنَّكَ غَرِيبٌ، أو عابر سبيل، وعُدَّ نفسك من أصحابِ القُبورِ»؛ أي: لتتخلَّص من آفاتِ الدُّنيا، وما يتعلق بها من الأمور؛ كالحرص والطمع، وطول الأمل، ونوم الغفلة، والتمني والغُرورِ، وتوجه إلى ذكر الله تعالى وعبادته ومُراقبتهِ المُؤدِّيةِ إلى كمال الحضورِ؛ إنه هو الغفورُ الشَّكورُ، وما أحسن ما قال من أهل الحال: إذا أبقتِ الدُّنيا على المرء دينَهُ فما فاته منها فليس بضائرِ
فلنْ تَعْدلَ الدُّنيا جَناحَ بعوضة ولا وزن ريش من جَناح لطائر وَتَرْضَى مِن العَيْشِ السَّعِيدِ تَعِيْشُهُ مَعْ المَلَةِ الْأَعْلَى بِعَيْشِ البَهِيمَةِ تَرْضَى عطفٌ عَلَى تنفق، و العَيْشِ مصدر عاش، و من للبدلية، و السعيد صفته، وهو أن يكون محتوياً على سعادةِ الدُّنيا في طاعة المولى، وسيادةِ العُقبى بالدَّرجَاتِ العُلَى، وتَعِيشُهُ حال من الفاعل، وضميره البارزُ البيتان نسبا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه مع اختلاف في البيت الثاني.
إلى العيش توسعاً، والتقدير: تعيش فيه؛ كقوله تعالى: {إِنَّمَا نَقْضِي هَذِهِ الْحَيَوَةَ الدنيا} [طه: (72)]، و مع الملأ الأعلى حالٌ؛ أي: مُرافقاً معهم ومُصاحِباً بهم، و بعيش البهيمة مُتعلّق بـ تَرْضَى.
الجزء 1 · صفحة 20
والبيتُ مُقتبس من قوله تعالى: {أَرَضِيتُم بِالْحَيَوةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ} [التوبة: (38)]، وتقديم من على الباء في البيت للضرورة. والمعنى: أترضى أيُّها العالم العامل أو الفاضل الكامل بعيش البهائمِ الشَّاملِ لوصفِ الغافل عمَّا خُلِقَ لهُ العاقل، بدلاً من العيش السعيد على وجه التوفيق والتأييد بسلوك طريق التسديد من دوامِ الذَّكرِ وتمام الفكر، مصاحباً مع الملأ الأعلى من الملائكة المقربين ومرافقاً مع الرفيق الأعلى من أرواح الأنبياء والمرسلين والشهداء
والصَّالحين. وفي البيت تلويح إلى قوله تعالى في حق العوام: {وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعمُ} [محمد: ??]، وقوله عزّ وجلَّ: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَل
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: (3)]؛ أي: جزاء ما كانوا يعملون، وفي معناه أنشدوا: نَهَارُكَ يَا مَغْرُورُ سَهْرٌ وَغَفْلَةٌ ولَيْلُكَ نَوْمٌ وَالرَّدَى لَكَ لاَزِمُ وَسَعْيُكَ فِيمَا سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ كَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا تَعِيشُ البَهَائِمُ
وقد ورد في الحديثِ: «إِنَّ الله ملائكةً يطوفون في الطرق يلتمسون أهلَ الذِّكرِ؛ فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله عزّ وجلَّ، تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحقُونهم بأجنحتهم إلى السَّماء ... » الحديث، رواه الشيخان.
وفي حديث رواه مسلم وغيره: «لا يقعد قومٌ يذكرون الله تعالى إلا حفَّتَهُم الملائكة وغشيتهم الرحمةُ، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده؛ أي: من أرواح الأنبياء والمرسلين ومن حمَلَةِ العرش والملائكَةِ المُقرَّبِينَ؛ مباهاة بعباده المؤمنينَ المُخلصين.
الجزء 1 · صفحة 21
وفي البيت إشارة إلى قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً [النحل: ??]، فقيل: هيَ الرِّزْقُ الحلال؛ فإنه يؤدي إلى العبادة لا محال، كما قال تعالى: كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون: (51)]، وقيل: هي القناعةُ؛ لأنها تُورثُ الطاعة، وقيل: هي حَلاوة الطاعة؛ فإنها تَجرُّ إلى زيادة العبادة، وقد ورد في الدعواتِ النبوية: «اللهُمَّ إِنِّي أسألُكَ عِيشةً نقيةً، وميتةً سَويَّة.
ثم زبدة الكلامِ وعُمدة المَرامِ: أن الإنسانَ مُركَّب من نُعوتِ الملائكةِ وصفات الحيوان؛ فإن غلبت عليه أحوال الملأ الأعلى؛ غَلَبَ عليهم في الدرجاتِ العُلى، وإن غلبت عليه أحوال السَّبعية وأوصاف البهيمية؛ نزلَ إلى الدرجاتِ السفلية، ودخل فيما قال تعالى: {أَوَلَيْكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَيْكَ هُمُ الفَفِلُونَ} [الأعراف: (179)]، وانتقل إلى نار جهنم هم فيها خالدونَ.
وقد شبه جنس الحيوان الشامل للإنسان بجنسِ الحَديدِ فِي كِيْرِ الحَدَّادِ؛ فَإِنَّهُ يُخرج منه تارةً قطعةً، يَستعمل منها مِرآةً لِمُشاهدة المحبوبِ، وتارةً أُخرى يُخرجُ منه قطعةً يجعلها نعلاً للمركوب؛ فسبحانَ مَن جَعلَ المَراتب بين أفرادِ المخلوقاتِ؛ من عالم الحيوان والإنسان والنباتات والجمادات بتشريف فَضْلي وتكريمٍ عِندي بالنسبة إلى أوليائه من بينِ عِبادِهِ لا سيّما الفردِ الأكمل والرسول الأفضل، عليه من التحياتِ أتمها، ومن الصلوات أعمُّها، وكتخصيص البيتِ والحَجَرِ والمَقَامِ وناقةِ
الجزء 1 · صفحة 22
صالح وكلب أصحاب الكهف وسائر الأنام، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألونَ. فَيَا دُرَّةٌ بَيْنَ المَزَابِلِ أُلْقِيَتْ وَجَوْهَرَةٌ بِيْعَتْ بِأَبْخَسِ قِيْمَةِ المَزَابل جمعُ مَزبلة، وهو مكانُ الزَّبْلِ من الأنجاس والأوساخ، والبَخْسُ: النقصُ، و دُرَّةٌ منصوبة على أنها نكرةٌ غير مقصودة؛ كقولهم: يا رجلاً خُذ بيدي، والمُراد بالمُنادى المُشبَّهُ بها؛ فليس من قبيل: {يَحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} [يس: (30)] في النداء المَجَازِي، و أُلْقِيَتْ صفتها؛ أي: طُرحت بينَ المَزابل، وجَوْهَرَةٌ عطف على دُرَّةٌ، والفاء تفريعية على ما قبلها من الجمل الإنكارية.
والمعنى فَيَا أَيُّها المُشبَّهُ باللؤلؤ المكنونِ الذي كان مكانَهُ الصَّدفُ المَصون، باعتبار أصل فطرتهِ السَّليمةِ وخلقته المُستقيمة اللائق به أن يكونَ هِمَّتُهُ عاليةً بحيثُ لا يَرضَى إلا أن يكون في الدُّنيا في عيشة راضية، وفي العُقْبَى في جنةٍ عالية؛ لأنها محلُّ الدررِ ومَنبعُ جَواهِرِ الغُررِ أُلقِيتُ في مَزابل الدُّنيا الدنيَّةِ، وطُرحتْ فِي مَنازِلِ الهَوى السفلية، ونسيت وطنها الأصلي، وغويتْ مكانَها الفضلي، الذي خلق الله أصله فيهِ،
وأسكنه وأخرجه ليعرف ربَّهُ كمال المعرفة، ويعلم قدر ما أنعم عليه وأكرمَهُ. ويا مُشبَّهاً بجوهرة أبدلت بأخسَّ مَدَرةٍ أو حَجَرة عند من لم يعرف قيمتها، وليس له حظ من رؤيتها، فيكون كالبهائم التي ليسَ تمييز عندها، بل أضل منها، حيثُ
لم يُفرّق هو بينَ الأمور خيرها وشرها، وهيَ تُفرِّقُ بَينَ حُلْوِ مَذَاقها ومُرّها.
الجزء 1 · صفحة 23
والمقصود من هذا النداء والخطاب إنما هو التنبيه، والعِتَابُ من جهةِ الغَفْلَةِ عن معرفة نفسه وعدم التأمل في مُحاسَبةِ يومهِ وأمْسهِ؛ فَإِنَّ مَن عرف نفسَهُ بالعُبودية فقد عَرَفَ ربَّهُ بالربوبيةِ، ومَن عرف نفسَهُ بالفقرِ والفَناءِ؛ عرف ربَّهُ بالغِنَى والبقاء، ومَن عرف نفسَهُ بالذُّلِّ والعَجْز؛ عرفَ رَبَّهُ بالقوَّةِ والعِز.
والحاصلُ: أَنَّ نفس الإنسانِ لها القابليةُ العَظيمةُ؛ فَإِنْ تَطَهَّرتْ عن الذُّنوبِ الجَسيمةِ ولم تتلوث بالعُيوبِ الوَسيمةِ وصلت إلى المراتبِ العَليَّةِ، والمَقاماتِ الرضية، والحالاتِ السَّنيَّةِ البَهيَّة، التي فاز بها السادةُ الصوفيةُ الصَّفيَّةُ من الحضورِ الله في الدُّنيا والوصول إلى لقائه في العُقبى، وإن تنجستْ بقاذوراتِ المعصية وتلطَّختْ بأقذار التعلُّقاتِ الدُّنيويَّةِ الدنيَّةِ؛ وقعت في أسفل السافلين من المراتبِ الطبقية، وبعدت عن منازل العلوم العقلية والنقلية، وحُرمت عن الأعمال الشرعية
مع المُبرَّأةِ عن الحالاتِ الريائيةِ والسَّمعيَّةِ؛ فيا حسرةً عليها، ويا خسارةً لديها. قال الغزالي: مَن كانَ لَهُ جوهر نفيس يُمكنه أنْ يأخذَ في ثمنه ألفَ أَلْفِ دينارٍ، فباعه بفليس؛ أليس يكون ذلكَ خُسراناً عَظيماً، وغُبْناً جَسِيماً، ودَليلاً بَيِّناً على خِشَةِ الهِمَّةِ وقُصورِ العِلمِ وضَعفِ الفِطنة، وما يناله العبد بعمله من الخلق من مِدْحةٍ وحطام بالإضافة إلى ربِّ العالمينَ وشكرهِ وثنائه وثوابه لأقل من فُلَيسِ فِي جَنْبِ أَلْفِ أَلْفِ ديناً، بل في جَنْبِ الدُّنيا وما فيها أكثر.
الجزء 1 · صفحة 24
أفلا يكون من الخُسرانِ المُبينِ أن تُفوِّتَ نفسك تلك الكراماتِ العزيزة الشريفة بهذه الأمور الحقيرة الدنيَّةِ، ثم إن كانَ ولا بُدَّ لكَ من هذهِ الهِمَّةِ الخَسِيسةِ؛ فاقْصِدْ أَنتَ الآخرة تتبعكَ الدُّنيا، بل اطلب الربَّ وحدَهُ يُعْطِكَ الدارين؛ إذ هو مالكهما جميعاً؛ قال تعالى: {وَإِنَّ لَنَا الْآخِرَةَ وَالْأُولَى} [الليل: (13)]، وقال عزَّ وجلَّ: {مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النساء: (134)]، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ يُعطِي الدُّنيا بعمل الآخرة، ولا يُعطِي الآخرة بعمل الدُّنيا».
فإنْ أنتَ أخلصت النية، وجرَّدتَ الهِمَّةَ للآخرةِ؛ جُعلتْ لكَ الآخرةُ والدُّنيا جميعاً؛ وإن أردتَ الدُّنيا ذهبتْ عنكَ الآخرةُ في الوقتِ، وربما لا تَنالُ الدُّنيا كما تُريدُ، وإن نلتها، فلا تبقى لكَ، فتكون قد خسرت الدُّنيا والآخرة؛ فتأمل أيُّها العاقل الغافل، يجعلك العامل الكامل.
أَفَانٍ بِبَاقٍ تَشْتَرِيْهِ سَفَاهَةٌ وَسُخْطُ بِرضْوَانٍ ونارٌ بجنَّةِ الهمزة للإنكار، وهو منصب على تشتريه، وضميره راجع إلى الفاني، و فان و باقٍ اسما فاعل حُذفَ ياؤهما لاستثقال الضمة عليها والتقاء الساكنين بعد حذفها، والأول مرفوع تقديراً كما أن الثاني مجرور مقدراً، ونصب سَفَاهَةً على العلة، أو على التمييز، ومعناها: الجَهَالَةُ، وسُخْطُ بالرفع عطفٌ على فان وهو بضم السين وسكون الخاءِ؛ لغةٌ في السَّخَطِ ـ بفتحتين ـ ومعناه: الغضب، ولذا قابلهُ بِرضْوَانٍ وهو بكسر الراءِ وضمها بمعنى الرّضا، ونار بالرفع أيضاً، والتركيب من قبيل العَطْفِ على معمولي عاملين مختلفين. والبيتُ فيه الطباق من البديع؛ في ثلاث مواضع.
الجزء 1 · صفحة 25
ومعناه مُقتبس من قوله تعالى: {أَوَلَبِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تَجَرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة: (16)]، ومُستفاد من قوله عزّ وجلَّ: {أَوْلَبِكَ الَّذِينَ
اشتروا الحَيَوةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: (86)]. يعني: أيُّها العاقل الغافل عن وصف الكامل! أتشتري وتختار الأمر الدني الفاني، وتبذل وتترك الأمرَ العَلِيَّ الباقي لأجل جهالتك بحقيقة الأمر، أو من جهة ضلالتك عن معرفةِ القَدْرِ؛ فإنَّ الدُّنيا لو كانت ذهباً فانيا والآخرة كانت خَزَفاً باقياً لكانَ مُقتضى العقل أن يختار الخزَفَ البَاقِي على الذهب الفاني، فكيف وإنَّ القضية منعكسة والقصة منطمسةٌ، وهي مشاهدة في نظر العارفين، ومكشوفة في بصر الناظرين، وقد قال تعالى: {وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَنعُ الْغُرُورِ} [الحديد: ??] وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ??]؛ أي: في كيفية السُّرورِ وكميَّةِ الحُبُورِ. وقد قالَ الغَزالي: أقل العلم بل أقل الإيمان أن يعرف مسالك طريق الإيقانِ
أن الدُّنيا فانية، وأن الآخرة باقيةٌ، ونتيجة هذا العلم وثمرة هذا الإيمان أن يُعرضَ عن الفاني، ويُقبل على الباقي؛ فينبغي للمريدِ وطالب المزيد أن يجعلَ الدُّنيا وسيلةً للعقبى، ووصيلة للوصول إلى المراتبِ العُلْيَا، ومن المعلوم أن الجمع بينهما على وجهِ الكَمَالِ من جملة الأمورِ المُتعسّرة أو المُتعذِّرة القريبة إلى المُحالِ، ولذا قالَ عيسى عليهِ السَّلامُ: يا طالب الدُّنيا لتبرَّ، تركُكَ للدُّنيا أبر.
وفي حديث النبي الأكمل: «لو أنَّ رجلاً في حُجْرِهِ دراهمَ يَقسِمُها، وآخرُ
يذكر الله لكانَ الذاكرُ اللهِ أفضلَ».
الجزء 1 · صفحة 26
وأما قوله تعالى: مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران: (152)]؛ فلا تظنَّ أنَّ أحداً من الصَّحابة رضوانُ اللهِ تعالى عليهم أجمعين كانَ يُريدُ الدُّنيا لذاتها، بل كانَ بعضُهم أرادها ليستعين بها على الأخرى ولذاتها، ومع هذا لَمَّا سَمِعَ الشَّبلي هذه الآية صاحَ صيحةً من غلبة الحال، وقال: آه آه فأينَ مَن يُريدُ الله، وأجَبْنَا في شرح حزب «الفتح» عن هذا السؤال بلسان القال والحال؛ ختم الله لنا بحُسنِ المَآلِ.
أَأَنْتَ عَدُوٌّ أَمْ صَدِيقٌ لِنَفْسِهِ فإِنَّكَ تَرْمِيْهَا بِكُلِّ مُصِيبَةِ الهمزة للإنكار زيادة للزجر عن الإصرار، و عدو فعُول؛ يصدق على المُفردِ والجمع، وأمْ مُتصلةٌ، وصَدِيقٌ بمعنى مُحبّ، عطفٌ على عدو، ولنَفْسِه متعلق الوَصْفين على سبيل التنازع، والمراد بالمُصيبة: المعصية، وما يُصيبُ السَّالك من النقصان في الطاعة، وفي المصراع الأول من صُنعة البديع: طباقُ المُقابلة. والمعنى: أنتَ باختياركَ الدُّنيا وإعراضِكَ عن العقبى ممن هو عدو لنفسه النفيسة أم صديق لروحه الدَّسيسة؛ فإنَّكَ ترميها كل ساعةٍ في مَعْصية هي أقوى من كلِّ مُصيبة؛ فإنَّ مِحَنَ الدُّنيويةِ مِنَحُ الأُخروية، والنِّعمَ العَاجِلَةَ هِيَ النَّقْمُ الآجلة، وأعدى عدُوكَ نفسُكَ التي بين جنبيك، حيثُ لم تدرِ دَسَائِسَها الآتية من جانبيك؛ فاشتغل بمخالفتها في هواها، واصْرِفْ عَنانَ تَوجُهِكَ إلى ما ينفعُها في دينها ودنياها. ثم احذر من تلبيس إبليس، الذي وصاكَ اللهُ تعالى بعَداوتِهِ، وبَيَّنَ لكَ في مواضع من كتابهِ مُشيراً إلى عِلَّتِهِ؛ منها: قوله عزّ وجلَّ: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: (6)].
الجزء 1 · صفحة 27
فمن كان صديقاً لنفسه ما سمع كلام عدده، ومن لم يكن عدواً لنفسه لم يتبع عدوه، ولا مشى في إثره، وقد قال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مبِينُ} [البقرة: (168)]. وسبحانَ اللهِ ما أعظم الله في ما قدَّره وقضاهُ؛ حيثُ كُلُّ من عبادِهِ يُظهِرُ أَنَّهُ من أهل محبته، ومع هذا ما يخلُو سالك عن مخالفته، وكلٌّ يُبغضونَ الشَّيطانَ وهُم متفقون في موافقته ومتابعته، فنرجو من الله تعالى أن يعفو عن مخالفته ببركة محبتِهِ، ويغفر موافقةَ الشَّيطانِ بسبب بُغضهِ وعَداوتِهِ، وقد أشارَ صاحب «البُردةِ»، وطالب البرءة إلى هذا المعنى، وأوما إلى هذا المُعين؛ حيثُ قال:
وخَالفِ النَّفْسَ والشَّيطانَ واعْصِهِمَا وإِنْ هُمَا محضّاكَ النُّصْحَ فَاتّهم فإن أردتَ شرحه مع البيتِ الذي بعدَهُ؛ فعليك بشرحنا المُسمَّى بـ «العمدة في شرح البردة».
ثم الفرق بين الخَطرةِ النفسانية واللمَّةِ الشَّيطانية: أن الأُولى هي متابعةُ اللذة بخصوصها أعم من أن تكون صالحةً أو طالحةً في حد ذاتها، والثانية هي إرادة المعصية بعمومها وجدت في أي فرد من أفرادها.
ثم من أحوال النفس الرديَّةِ وإرادتها واختيارها الأمور الدنية: أنها في حال الشهوة بهيمة، وفي حال الغضبِ سَبع، وفي المُصيبة طفل، وفي النعمة فرعون، وفي الجوع مجنون، وفي الشِّبَعِ مُختال؛ إِنْ أَشْبَعتَهَا بَطِرتْ، وإِنْ جَوَّعتها جَزِعت؛ فهي كحمارِ السُّوءِ؛ إنْ أقضمتَهُ رمَحَ وحَيْقَ، وإِن جَاعَ حَمِقَ ونَهِقَ؛ فنعوذُ بالله من شرور أنفسنا، وما أحسن ما قالَ مِن أهل الحالِ:
الجزء 1 · صفحة 28
توفَّى نَفْسَكَ لا تأمَنْ غَوائِلَها فالنَّفس أخبتُ من سَبعينَ شَيْطَانا وَلَوْ فَعَلَ الأَعْدَا بِنَفْسِكَ بَعْضَ مَا فَعَلْتَ لَمَسَّتْهُمْ لَهَا بَعْضُ رَحْمَةِ الأَعْدَا بالمد جمع عدوٌّ قُصِرَ للضرورة، والباء للتعدية، وبَعْضَ الأول منصوب على أنه مفعول به، و بَعْضَ الثاني مرفوع على أنه فاعل مست بمعنى أصابت، واكتُسِيَ التأنيثُ من المُضاف إليه، وهو الرَّحمةُ.
يعني: وأنتَ لكونك لم تعرف العداوة منَ الصَّداقةِ، ولم تُميِّز بينَ المحبة والبَغَاضةِ؛ حيثُ تفعل أشياء من السيئاتِ تضرُّكَ في دينك ودنياك حتى لنفسك وهواك، وتتركُ أشياءَ من الطَّاعاتِ لو فعلتها لنفعتُكَ في دنياك وأُخراك، ويكفيك هذا وقد قمنا بتحقيقه ونشره ضمن هذا المجموع المبارك، فلله الحمد.
أَنَّكَ في ارتكاب المحظورات واجتناب الطاعاتِ مخالف لربِّكَ وموافق لشيطانِكَ ونفسك؛ بحيثُ لو فعل جميع الأعداء بنفسك بعض ما فعلتَ أنتَ بالنسبة إلى نفسِكَ لأصابتِ الأعداء بعضَ الرَّحمةِ لها، وأنتَ فعلتَ هذه الأشياء جميعها ولم ترحم نفسَكَ بالرُّجوع إلى مرضاةِ رَبِّكَ، والحالُ أنَّ الله تعالى غني عن عبادتِكَ وطاعة غيرِكَ، وإنما يَرجعُ نفعُ صلاحِكَ في الحالِ والمآلِ إلى أمرك؛ قال تعالى: {إن أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: (7)]، وقال عزَّ وجلَّ: {وَمَن جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: (6)]، وفي الحديث الصحيح: من لا يرحم لا يُرحم» (1)، وفي حديث آخر: «مَنْ لا يَرحمِ النَّاسَ لا يرحمهُ الله ?. فمَنْ لا يرحم نفسَهُ التي هي أعزُّ الأشياء إليه بإيقاعها في أحسنِ الصَّفاتِ لديه، كيف يُرجى أنهُ يَرحمُ غيرَهُ أو يَدفعُ عن النَّاسِ ضَيرَهُ، ومَنْ لم يكنْ مُتصفاً بصفة الرّحمةِ استحق أن يُعاقب بالمذلة.
الجزء 1 · صفحة 29
فاستمع الموعظة والنصيحة قبل وقوعِكَ في الخِزْيِ والفَضيحة من النذير العريان، الذي ليس له غرض سوى رضا الرحمنِ في محبة الإخوانِ، جمع الله ببيننا وبينهم في دار الرضوان، وتأمل في بمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} الذي صدَّرَ به الكتاب الكريم، واقتصر من بين أوصافه على الوَصفَينِ المخصوصينِ إشارة إلى عُمومِ رحمته في الدارين بالنسبة إلى التَّقلينِ؛ إيماءً إلى أنَّ رحمته سبقتْ غضبَهُ وغلبتْ عِقابَهُ، وقد قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: (156)].
والمساء: «اللهم ارحمني بتركِ المَعاصِي أَبَداً ما أَبْقَيتَنِي، يا أرحمَ الرَّاحِمينَ، يا أرحمَ الرَّحِمينَ، يا أرحمَ الرَّاحِمينَ.
لَقَدْ بِعْتَهَا حَرَّى عَلَيْكَ رَحْيْصَةً وكانَتْ بِهَذَا مِنْكَ غَيْرَ حَقِيقَةِ اللام جواب لقسم مُقدَّرٍ، والضمير في بِعْتَها للنفس، ورَحْيْصَةً حالٌ منها، و حَرَّى عَلَيْكَ جملةٌ مُعترضةٌ؛ أي: احتراقي ثابت عليك وتأسفي حاصل لَدَيكَ، ويُؤيّده ما في نسخةٍ حُزني عَلَيْكَ، وضمير كانت اسمها، وخبرها غَيْرَ حَقِيقَةِ بمعنى لائقة، ولو قال: حَرِيَّةِ موضعَ حَقِيقَةِ لكان أولى؛ لحصول نوع من الجناس في صنائع البديع.
الجزء 1 · صفحة 30
ومعناه: والله لقدْ بِعْتَ نفسكَ النفيسة المُشبَّهَةَ بِالدُّرَّةِ المَكنونة والجوهرة المصونة التي لا يعلمُ قدرها إلا خالقها ومُصوِّرُها ومُرَبِّيها ومُصلِحُها وحافِظها ورازقها بالقيمة الخسيسة والخسارة الدَّسيسة، واخترت في مُقابلها توهم الحظوظ الدُّنيويةِ الدَّنِيةِ، وتصوُّرَ الشَّهواتِ واللَّذاتِ النفسية البهيمية، المؤدية إلى الدَّركَاتِ الجَحِيميةِ والشَّراباتِ الحَمِيمية حال كونها رخيصةً، حيثُ كانت تصلُحُ أن تكونَ قيمة للدرجات العالية، والمنازلِ الغَالية، في جنة نعيم ونعيم مقيم، وقُربِ ربِّ كريم، ولهذا حُزني وتأسُّفِي عَلَيْكَ، حاصلٌ، وحَرِّي واحتراق قلبي لديك واصل، وكانت نفسك التي هي أقرب الأشياء إليكَ، وأعزُّ الأشياء لديك غيرُ حَرِيةٍ وحقيقة ولائقة بهذا البيع الذي صدر منكَ.
وبهذهِ الخَسَارةِ التي ظهرت منكَ حيثُ فاتك من البيع ما قال الله تعالى في حقه: إنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَاهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةً يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: (111)].
ثم وصف سبحانه وتعالى أهلَ هذه البيعة بقوله: التَّبِبُونَ الْعَبدُونَ الحَمدُونَ السَّبِحُونَ الرَّكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْأَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: (112)]. وقال في موضع آخرَ: رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَإِبْنَاءِ الزَّكَوةِ يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ} [النور: (37)].
الجزء 1 · صفحة 31
وقال في موضع آخرَ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلوةَ وَآتَوُا الزَّكَوةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: (277)]. وقال في موضع آخرَ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَبَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَرَةً لَّن تَبُورَ} [فاطر: (29)]. وقد قال في موضع من كتابه في حقٌّ الكفَّارِ وإخوانهم من الفُجَّارِ: أُوْلَيْكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَوةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: (86)] وفي آيةٍ أُخرى: {فَمَا رَبِحَت تَجَرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة: (16)].
فَوَيْكَ اسْتَفِقُ لَا تَفْضَحَنْهَا بِمَشْهَدِ منَ الخَلْقِ إِنْ كُنْتَ ابْنَ أُمُّ كَرِيمَةِ قالَ الكِسَائِيُّ: ويك بمعنى وَيْلَكَ، وفي «القاموس»: وَيْ كلمةُ تعجب: يُقالُ: وَيْكَ، ووَيْ لزيد، ويُكْنَى بها عن الوَيْلِ، وقوله: اسْتَفِقُ أمر من الاستفاقة، وهيَ طلب الإفاقة من الإغماء، أو الجُنونِ أو السُّكْرِ أو النومِ، وَفَضَحِهُ كَمَنَعَهُ: كَشَفَ مَسَاوِءَهُ فافتُضِحَ، والمَشْهَدُ: اسم مكانٍ أو زمان؛ من الشُّهودِ بمعنى الحُضُورِ، وَالكَرَمُ مُحريَّةٌ: ضدُّ اللُّوْمِ؛ فكَرِيمةٌ نقيضُ لَئيمة، ويقال: أَرضُ كَرِيمَةٌ؛ أي: طيِّبَةٌ، وَأَبْوَانِ گريمان مؤمنان، والفاء في أول البيتِ فصيحة.
الجزء 1 · صفحة 32
أي: إذا كان الأمر كذلك منَ الغَفْلَةِ وعدم الاستعدادِ لِمَا هُنالك بناءً على أَنَّكَ سكرانُ من حُبِّ الدُّنيا، أو مجنون ليسَ لكَ عقلُ العُقْبَى؛ فَوِيلَكَ اطلبِ الإفاقة من نومِ غَفلتك إلى يوم يقظتكَ، والعمل بمقتضى العقل لأمر دينك ونفع آخرتك حتى لا تكون سبباً لفضيحة نفسك في موقف مُخالفة نصيحة ربِّكَ في مَحضَرِ مَنْ خلق الأولين والآخرين والملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين، المُعَبَّرِ عنه بيوم عظيم يومَ يقومُ الناسُ لربّ العالمين، حينَ قالَ الخَليلُ الجليل في دعائه: وَلَا تَخزِنِي يَوْم يُبْعَثُونَ} [الشعراء: ??]، وقال الحبيب الطبيب في مُناجاته: وَلَا تُخزِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةِ} [آل عمران: (194)]، وقد من الله تعالى على الأنبياء وأتباعهم من الأولياء، بقوله: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِى وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [التحريم: ?]. ثم اعلم أنَّ مِن هولِ هذا اليوم انقطعَ قلوب القوم، وقد ورد: «لو علمتُمْ ما أعلم، لبكيتُم كثيراً ولضحكتُم قليلاً.
ورُويَ: أَنَّ المُنادي يُنادِي من السَّماءِ ليتَ هذا الخلق لم يُخلقوا، وليتهم إذا خُلِقوا علموا لماذا خُلِقوا.
وعن الصّديقِ الأكبرِ رضيَ الله الله عنه: أنه قال: وددتُ أَنِّي أكونُ خَضِراً تأكلني الدواب مخافة العذابِ، وعن عمر الفاروق رضي الله عنه: أَنه سَمِعَ إنساناً يقرأُ: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان: (1)]، فقالَ: ليتها تمَّتْ.
الجزء 1 · صفحة 33
وعن الفضيل: أنه قال: إنّي لا أغبِطُ مَلَكاً مُقرَّباً، ولا نبيَّاً مُرسلاً، ولا عَبْداً صالحاً؛ أليس هؤلاء يُعاينونَ القيامة، إنما أغبِطُ مَنْ لا يُخلَقُ، وقد قال الله تعالى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُحَدِلُ عَن نَّفْسِهَا} [النحل: (111)]، وقال سبحانه وتعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرَهُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِهِ، وَأَبِيهِ وَصَحِبَلِهِ، وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِي مِنْهُمْ يَوْمَيذٍ شَأْنُ يُغْنِيهِ} [عبس: (34) - (37)]، وقال عزّ وجلَّ: يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ يَوْمِيذٍ بِبَنِيهِ و وَأَخِيهِ الوَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُنْوِيهِ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ} [المعارج: (11) - (14)]. فلا حيلة للعبد إلا الاعتصام بحولِ اللهِ وقُوَّتِهِ؛ بالعصمة عن معصيته، والإعانة على طاعته المقرونة بالإخلاص المُوجبِ للخلاص والقبولِ من كرمهِ العَمِيمِ، وحُسنِ الخَاتِمةِ بفضلهِ القديمِ؛ إِنَّهُ رؤوف رحيمٌ. فَبَيْنَ يَدَيْهَا مَوْقِفٌ وَفَضِيحَةٌ يُعَدُّ عَلَيْهَا كُلُّ مِثْقَالِ ذَرَّةِ الفاء للتفريع، و بينَ ظرف، وهو خبر مقدَّم، وقولُه: مَوْقِفٌ مبتدأ مؤخَّرُ، لكونه نكرة، والضمير في يَدَيْهَا للنفس، والمَوقِفُ: مصدر ميمي، أو اسم مكانٍ، أو زمانٍ، وأوسطها أظهرها ?، وفَضِيحَةٌ عطفٌ عليه، والتنوين فيهما للتعظيم، و يُعَدُّ مجهول من العد، أو من الإعدادِ، و كُلُّ مرفوع على نيابة الفاعل، والمثقال: معناه المقدار من الوزن، والذرَّةُ: النملةُ الصغيرة، أو الهَبَاءُ الحقير.
والمعنى: أيُّها الغافل عن الساعةِ والعاطل عن الطاعة، والمتكاسل عن العبادة، والمائل إلى التنعم والراحة لنفسه الأمارة في طلب هواها وميلانها إلى تحصيل شهواتِ هذه الدار الغدارة.
الجزء 1 · صفحة 34
فاعلم أن بين يدي النفس وقُدَّامها موقفٌ مُشتمل على مواقف كثيرة أمامَهُ؛ من شِدَّةِ الحساب، وإعطاء الكتاب، وحضور الميزان، ومرورِ الصّراطِ، وعُبورِ الحَوضِ، ودخولِ الجنةِ أو النار، ومراتب أهل السعادة، ومنازل أهلِ الشَّقاوة، والدرجاتِ العَلِيَّةِ، والدَّركاتِ السفلية، مما يُوجب تصورها وتعقُلُها أن لا يكونَ للنفس ساعة من الاستراحة إلا في تحصيل ما يقتضي في عاقبة أمره الراحة؛ من ارتكاب المأمورات، واجتناب المحظورات؛ فإنَّ الكرام الكاتبين المأمورين من ربِّ العالمين لا يعصونَ الله ما أمرهم، ويفعلونَ ما يُؤمرون، فيكتبون على الخلقِ جميع ما يفعلون، فيُعدُّ على كل نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون؛ بنقص، ثواب، أو زيادةِ عِقاب، بل كما قال تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَهُ} [الزلزلة: ? - ?]؛ فهذه السورةُ هيَ الجامعةُ المانعة، والفاذَةُ الجالبة الدافعة، ولذا ورد في حقها: أنها نصفُ القُرآنِ؛ لِمَا اشتمل على التقوى التي بها يحصلُ الفُرقانُ، قال تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: (29)].
وفي الحديث: أن رجلاً قال: يا رسول الله! أقرئني سورةً جامعة؛ فأقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِذَا زُلْزِلَتِ حتى فرغ منها، فقال الرجل: والذي بعثك بالحقِّ؛ لا أزيد عليه أبداً ـ يعني: كأَنَّهُ قالَ: حَسْبِي ما سمعتُ ـ ولا أبالي أن لا أسمع غيرها؛ لاشتمالها على شر الأمور وخيرها، ثم أدبرَ الرَّجلُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح الرُّويجِلُ» مرتين، والتعظيم لبعدِ غوره في علمه وقُوَّةِ إدراكه في فهمه.
فعلى السالك أن لا يترك شيئاً من السيئاتِ إلا اجتنبها، ولا يدع أمراً
الجزء 1 · صفحة 35
من الطاعات إلا ارتكبها، ولا يحتقر شيئاً منها، ولا يُعرض في جميع ميع الأحوالِ عنهما؛ أما سمعت أنَّ أُمَّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت تأكل العِنبَ، فسألها سائل بحُسنِ الأدب؛ فأمرت بمُناولته حبةً، وأرادت بها قُربةً، فاستقلها السائل؛ نظراً إلى عُرفِ الناس وعاداتهم في المحافل؛ فقالت عائشة رضيَ اللهُ عنها: هذهِ الحبَّةُ تأتي كذا من الذرة، ويأتي ما يترتب على قبولها من الجوهرة والدرة، وفي الحديثِ: «اتَّقُوا النَّارَ ولَوْ بِشَقٌ تَمْرةٍ.
يوم تتحسّرُ النَّفْسُ ولا تنفعُها الحَسْرةُ؛ حيثُ ما نظرت إلى الدُّنيا بعينِ العِبرة، ولا خرجت من عينها قطرة من العبرة، وأما الفضيحة الناشئة من عدم قبولِ النَّصيحة؛ فئتان: إحداهما: فضيحة السرّ، وهي على رؤوس الملائكة، وذلك ما رُوِيَ: أن الملائكة تصعد بعملِ العَبدِ مُبتهجين، فيقولُ اللهُ تعالى: رُدُّوهُ إِلى سِجِّينَ؛ فإنه لم يُردْنِي بِهِ؛ فيُفتضَحُ ذلك العمل والعبد عند الملائكة.
والثانية: فضيحة العلانية، وهي يومَ القيامةِ على رؤوسِ الخَلائِقِ؛ رُويَ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أنَّ المُرائي يوم القيامةِ يُنادى بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا خاسر! ضل سعيكَ، وبَطَلَ أجرُكَ، ولا خَلَاقَ لكَ؛ التمس الأجر ممن كنت تعمل له يا مخادع.
عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
أي: عن الاجتناب والارتكاب.
فإذا كانَ هذا حال العالِمِ العاملِ إذا لم يكنْ مُخلِصاً، فكيفَ يكونُ الجاهل الفاسق مُخلِصاً.
وفي نسخة صحيفة بدل فَضِيحةٍ.
الجزء 1 · صفحة 36
كَلِفْتَ بِهَا دُنْيا كَثِيرٌ غُرُورُهَا تُعَامِلُ مَنْ فِي نُصْحِهَا بِالْخَدِيعَةِ الكلف؛ بالكسر: الرجلُ العاشق، والكُلفة بالضم: ما تكلفته من نائبة، أو حقٌّ، وكفَرِحَ: أُولِعَ، وضمير بها مُبهمةٌ بيَّنها ما بعدها، وجملةُ كَثِيرٌ غُرُورُهَا صِفةٌ لـ دنيا، وفي تُعَامِلُ ضمير للدُّنيا، وهي حال، أو استئنافُ مُتضمن للعلة، ومَنْ موصولةٌ مفعولُ تُعَامِلُ حُذَفَ صدرُ صلته؛ أي: هو في نُصحِها، وبالْخَدِيعَةِ متعلق بـ تعامل. والمعنى: أولعتَ وعَشِقت بمحبوبة وهمية هيَ الدُّنيا السفلية الدنِيَّةُ، المُشغلةُ عن المراتبِ العَليَّةِ، والمُلهية عن تحصيلِ مَلَكاتِ العِلمية والعملية، المَانِعَةُ عن العوارفِ والحَقَائِقِ الإلهية، الحاجزةُ عن المَعَارفِ والدقائق اللدنية، الباعثة على التوجه بالشَّهواتِ البهيمية واللذاتِ السَّبعية؛ غُرورُها كثير، وغَورُها كبير، وعظيمها حقير، بل هي كَسَرابٍ بِقِيعةٍ يحسبُهُ الظَّمَآنُ ماءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لم يجده شيئاً ووَجَدَ اللَّهَ عنده، وصادف ما سواه في الهَوَى مباينٌ مِن شأنها أن تُعامِلَ مَن هوَ في خدمتِها ماش على النصيحة، ومن لا يُبالي في طَلَبِها، التي طُلابها كلاب من الفضيحة بالخديعة العُظمى والمَكيدةِ الكُبرى من إعراضها عنه وإقبالها على مَن هو أدنى منه، كما أشارَ الشيخ إليها، ودلَّ السَّالك عليها بقوله:
إِذَا أَقْبَلَتْ وَلَّتْ وَإِنْ هَيَ أَحْسَنَتْ أَسَاءَتْ وإِنْ صَافَتْ فَشِقُ بالكُدُورَةِ إذَا ظرفيةٌ لـ وَلَّتْ، أو شرطيةٌ، ويُناسبه ما بعدها من الشُّروط، والتولية: هي الإدبار، وضميرُ هي لمجرَّدِ التأكيد، أو لإفادةِ الحَصْرِ، وصَافَتْ بالصَّادِ
الجزء 1 · صفحة 37
المهملة والفاء، وهوَ مِن صَافَى يُصَافِي، مُفَاعَلَةٌ من الصَّفْو، وبابُ المُفَاعلة إذا لم يكُن للمغالبة؛ فهي للمُبالغة، مع أَنَّهُ يُمكن تصحِيحُها مِنَ الجَانبين، بمعنى أَنَّكَ تُرِيدُ صفاءها، وهي تُظهرُ صفوها وجلاءَها، والفاء جزائية، وحُذفت فيما قبلها إشارة إلى الجواز والتفنن في العبارة، وثق أمرٌ من الوثوق، وهو الاعتماد، والكدورة: ضد الصفوة، وأما ما في النسخ المضبوطة بالضَّادِ المُعجمةِ والقَافِ؛ فتصحيفٌ. وفي البيت ثلاث طباق من صنيع البديع؛ يعني: من صفةِ الدُّنيا: عدمُ الصَّفاءِ، ووجود العناء، وقلةُ الوفاء، وكثرةُ الجَفَاءِ؛ فإنَّكَ إذا تَعِبتَ في تحصيل جاهها ومالها، وتوجهت إلى حصولِ نَيلها في مآلِها؛ فبمجرد أنَّها أقبلت إليك أدبرت عليك، وهو إِمَّا حقيقةً؛ كما هو مُشَاهَدٌ في الناس؛ بأن واحداً منهم أصبحَ في مِلكِ أو مُلكِ مغروراً بالاستئناس؛ فإذا هو أمسى فَقِيراً حُكم عليه بالقِلَّةِ والذُّلة والإفلاس، وإِمَّا حُكْماً؛ فإِنَّهُ لو عاش ما عاش؛ كفرعونَ أربعَ مِئَةٍ سَنَةٍ؛ يكون جميعُ أَيَّامٍ مُلكه وتنعمهِ كَمُدَّةِ سَنَةٍ، قال تعالى: {أَفَرَيْتَ إِن مَّتَعْنَهُمْ سِنِينَ تُرَ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء: ?? (5) - ???]، وقال تعالى: كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا} [الأعراف: (92)]، وقال سبحانه وتعالى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَهَا} [النازعات: (46)]. وفي الخبر: «أَنَّهُ يُؤتَى بأنعَمِ أهل الأرض، فيُغمس في النارِ غمسةً، فيُخرجُ منها، فيقال له: هل رأيت في عُمرك نعيماً قط؟ فيقول: لا، ويُؤْتَى بأفقرِ أَهْلَ الْأَرْضِ فَيُعْمَسُ في أنهار الجنة، فيُخرج منها، فيُقال له: هل رأيتَ في الدُّنيا بؤساً قط؟ فيقول: لا.
الجزء 1 · صفحة 38
بل إذا نظرت بعين اعتبارها؛ هي في عين إقبالها يحق إدبارها؛ لأنها مُشغلةٌ عن مولاها، ومُذهلةٌ عن طاعةِ مُنعم أعطاها وأولاها فيما يتعلق بأخراها وأولاها، وهذا المعنى ظاهر في كون إذا لمُجرَّدِ الظرفية، لا بمعنى إنْ الشرطية؛ فيُستفاد منه: أنها
من حين أقبلت أدبرت، ولذا قالتِ الصَّادةُ الصُّوفية والقادةُ الصَّفيَّةُ: إنما يدُ العَلياء؛ أي: يدُ المُعطِي خير من يدِ السُّفْلى، وهي يدُ الآخِذِ؛ لأنَّ الأول: بسبب إعطاء شيءٍ ما تقرَّب إلى المولى، والثاني: بسببِ أخذه شيئاً ما تبعد عن المقامِ الأولِ. وسببه: أنَّ الدُّنيا عدوةٌ الله سبحانه وتعالى؛ لأنَّها في أصلها وَسِخةٌ جيفةٌ، وثقيلةٌ خَفيفةٌ، ألا ترى أنَّ آخرها إلى القَذَرِ والفَسَادِ والتَّلاشِي والاضمحلال في نظرِ العِبادِ، لكنَّها جيفةٌ ضُمِّحَتْ بتطييب وتطيين، وطليتْ بِزُخرفٍ وتزيين؛ فاغتر بظاهرها الغافلون، وزَهِدَ فيها العاقلونَ، وإنْ هيَ أحسنت إليك صورةً أساءت إليكَ حقيقةً؛ فإنَّها بمنزلةِ السُّمِّ في الدَّسَم، وبمرتبة النَّارِ في الدينار والهم في الدرهم، وإِنْ أظهرت الصفاء والوفاء، فاعتمد مَجِيءَ الكُدُورةِ والجَفَاءِ؛ إِمَّا فِي الدُّنيا وإِمَّا فِي العُقْبَى، وهذا معنى قوله تعالى: {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا} [لقمان: (33)] وقوله سبحانه وتعالى: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: (17)].
هيَ وَلَوْ نِلْتَ مِنْهَا مَالَ قَارُونَ لَمْ تَنَلْ سِوَى لُقْمَةٍ فِي فِيكَ مِنْهَا وَخِرْقَةِ لَوْ شرطية فرضيَّةٌ، ونِلْتَ بكسرِ النُّونِ؛ مِنْ نالَ الشيءَ ينالُه: إذا أصابَهُ، وضميرُ مِنْهَا في الموضعينِ يرجعُ إلى الدُّنيا، وفي نسخة منه بإشباع الهاء؛ فهوَ عائد إلى المال الذي هو مالُ الدُّنيا.
الجزء 1 · صفحة 39
و مال قارونَ مَثَلٌ في الكثرة مع بُعْدِ صاحبه عن الحضرة، قال تعالى: {إِنَّ فَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى؛ أي: ابنُ عَمِّهِ، وقيل: عمه، ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة منه؛ من كثرة علمهِ، فَبَغَى عَلَيْهِمْ، أي: تكبَّرَ وتجبَّرَ، ولم يلتفت إليهم بكثرة المال، ودوامِ الاشتغال حتى زادَ في طُولِ ثيابه شبراً زيادة على سائر الأذيال، قال تعالى: {وَانَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ؛ أي: مفاتيح خزائنه منَ الغَلَبَةِ لَتَنُوا بِالْعُصْبة؛ أي: لَتَنْقِلُ وتغلِبُ وتَميلُ بِجَمَاعَةِ أُولِي الْقُوَّةِ
الجزء 1 · صفحة 40
والشَّجاعة، قيل: أربعون، وقيل: سبعون، وقال بعضُهم: وجدتُ في الإنجيل: أن مفاتيح خزائن قارون وفرستين بغلاً، ما يزيد منها مفتاح على إصبع، لكل مفتاح كنز، وكان قارون أين ما ذهب يحمل معه مَفاتِيحَ كُنوزه، وكانت من حديد، فلما ثقلتْ عليهِ جُعلت من خَشَبٍ، فَتَقُلتُ، فجعلت من جُلُودِ البَقَرِ على طُولِ الإِصْبَعِ؛ وَإِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَح؛ أي: بالدُّنيا وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص: (76)] أي: بغيرِ المَولى، ولذا قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ؛ أَي: بما ذُكِرَ، وهو الإيمان والقرآنُ، فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: (58)]. وابتغ؛ أي: اطلبْ فِيمَا آتَنكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ أَي: بصرفِ الفَاني لتحصيل الباقي، وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا أي: لقمَتَكَ وخِرقتكَ، وفي آخرِ الأمرِ: كَفَنَكَ وحُفرتَكَ وَأَحْسِن أي: إلى نفسك بإحسانِكَ إلى إخوانكَ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ} [القصص: ??]، وتفضّل بكرمه عليكَ، وقصته بطولها مشهورة، وفي كتب التفسير مسطورة، وفيما ذكرناه من معنى الآية لمناسبة المَقَامِ كِفَايَةٌ. والحاصلُ: أَنَّكَ أَيُّها الطالب للدُّنيا الفانية والمعرضُ عن تحصيل الأُخرى الباقيةِ لا يَغُرُّكَ كثرةُ المالِ والجاهِ، وحصول السَّعَةِ، والتنعم والمنال، كما قال تعالى: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ} [آل عمران: (196)] أي: تصرفهم في تجاراتهم وتقلبهم في زراعاتهم، وترك الصلاح، واختيار الفَسادِ {مَتَعُ قَلِيلٌ؛ أي: كميَّةً وكيفيَّةً ثُمَّ مَأْوَنهُمْ جَهَنَّمُ، وهيَ عذابُ النارِ؛ جِسمِيَّةً ورُوحِيةً، وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران: ???]؛ أي: ساءَ ما مهدوه لأنفسهم من بينِ العِبادِ.
الجزء 1 · صفحة 41
وأَمَّا اللقمة والخرقة فهما من الأمور الضرورية فلا يُعدان من الدُّنيا بل من الأمور الأُخروية؛ فلا يكون الطالب مذموماً في تحصيلهما، بل يَصيرُ مَلُوماً في تضييعهما وتعطيلهما، وإذا فُرضت الزيادة في المال وصرفت في مرضاة
المولى وتحسين المال، فليس في جمعه شيء من الوَبَالِ، ولذا قيل: الدُّنيا مزرعة الآخرة؛ إذ بها يُحصِّلُ المنازل الفاخرة، والكنوز الأبدية الزاخرة، وقد قالَ: «نِعْمَ المالُ الصَّالِحُ للرَّجُلِ الصَّالح.
الجزء 1 · صفحة 42
قال بعضُ العارفينَ: إِنَّ الدُّنيا كالحيَّةِ؛ فمن عرفَ رُقيَّتَها جازَ لَهُ صُحبتها ورؤيَتُهَا، ومَن لا فلا. فسُئل عن الرقية، فقال: هي أن يعرفُ مِن أينَ يَأخُذها، وفي أينَ يصرفها، فتأمل بالتأمُّلِ الحَثِيثِ، يظهر لك معنى الحديث؛ فتجنَّب المال الخبيثَ. وَهَبْكَ بَلَغْتَ المُلْكَ فِيْهَا أَلَمْ تَكُنْ لِتَنْزِعَهُ مِنْ فِيْكَ أَيْدِي المَنِيَّةِ في «القاموس»: هَبْنِي فَعَلْتُ؛ أي: احسبني واعْدُدني؛ كلمةٌ للأمر فقط، والواو عاطفة، و لِتَنْزِعَهُ بكسر اللام وفتح العين، واللام للجحود، وهي ولهذا تُقدَّرُ بعدها أنْ فإن قيل: إذا صارَ الفعلُ بمعنى المصدر بـ أن المُقدَّرة، فكيفَ يَصِحُ الحمل؟ قيل: على حذف مضافٍ من الاسم؛ أي: أَمَا كانتْ صفتها نزع المُلك، أو من الخَبرِ؛ أي: أما كانتْ ذاتُ نزعة، أو على تأويل المصدر باسم الفاعل؛ أي: أمَا كانتْ مُنزِعِةٌ المُلكَ؛ أي قد كانتْ؛ فالاستفهام للتقرير، وفِيْكَ لغة بمعنى فَمِكَ، وأيْدِي جمعُ اليد، بمعنى الجارحة، والمَنيَّة بفتح الميم وتشديد الياء؛ وهي: الموتُ. شبهه الشيخُ في نفسه بالسَّبع في اغتيالِ النُّفُوسِ بالقهرِ والغَلَبة من غير تفرقةٍ بن نفاع وضرار؛ فأثبت لها الأيدي التي لا يكمل ذلك الاغتيالُ في السَّبُعِ بدونِها؛ تحقيقاً للمبالغة في التشبيه؛ فتشبيه المَنيَّة بالسبع استعارة بالكناية، وإثباتُ الأيدي لها تخييلية، كذا بَيَّنَهُ عُلماءُ البَيانِ في قوله:
وإذا المَنِيَّةُ أنشبتْ أظفارها
يعني: يا أيها الغافل عن الحالِ والمآلِ احسب نفسكَ البَاغِيةَ للمُلكِ والمَالِ، وعُدَّ ذاتَكَ الطالبة للأماني والآمال؛ أنكَ بلغت ووصلت وحصلت مُلكَ العالم بكماله في الدُّنيا، واشتغلت به عن طاعةِ المَولى والاستعدادِ لدارِ العُقْبَى، وظننتَ أنها تدوم لك بالهنيَّةِ والمِرْيَةِ، ألم تكُنْ أيدِي المَنيَّةِ تنزعه من فِيكَ الماسكِ بأضراسه ونواجذه الحِسّية والمعنوية.
الجزء 1 · صفحة 43
وفيه إشارة إلى أن الدُّنيا لو صفيت وبقيت بالفَرضِ والتقدير؛ أنتَ ما تبقى لها؛
لِمَا كتب الله عليك الموت بحسب القضاء والتقدير.
وفيه إيماء لطيف إلى أنَّ حُصول الهُلْكِ قد يكونُ قبلَ وُصولِ المُلْكِ إِلى فَمِكَ
وسائرِ بَدَنِكَ من ظاهرِكَ وباطنكَ؛ بناءً على طُولِ أَمَلِكَ وقُرْبِ أَجَلِكَ. وفيه إشعار إلى أنَّكَ إذا كُنتَ في طلبِ المُلْكِ والمال، معرضاً عن طاعةِ المَلِكِ المُتَعَالِ؛ يصعب عليك سكراتُ الموتِ ومُنكراته، وتشتد حالاته وزفراته وحسراته، فتكون في أيدي ملائكة العذابِ كالواقع في فم السباع من الدوابِ؛ حيثُ تتشبَّثُ بأظفارها في كلِّ موضع من أعضاء الرَّمِيَّةِ وأوطارها من العين والأذن واللسان وسائر الجوارح والأركان التي يتعلَّق بكلِّ منها الرَّوحُ والجَنَانُ، فيكونُ نزعُ روحِهِ مُشبَّهاً بالسَّفُودِ المُسْتَبِكِ بِشَوكِ السَّعْدَانِ، وَاللَّهُ المُستَعانُ.
فَدَعْهَا وَأَهْلِيهَا تَقِصْهُمْ وخُذْ لِذَا بِنَفْسِكَ عَنْهَا فَهُوَ كُلُّ غَنِيْمَةِ
صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلي، وتمامه:
أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمةٍ لا تَنْفَعُ.
الجزء 1 · صفحة 44
الفاء تفريعيَّةٌ أو فَصيحيَّةٌ، ودَعْ: بمعنى اترك، والواو عاطفة، أو بمعنى مع، ووقصَ عُنقَهُ، كَوَعَدَ: كَسَرها، وفي نسخةٍ: تفتُهُم مِن فَاتَه يفوتُه؛ مِن الفَوْتِ، وخُذْ عطف على فدغ، وبنَفْسِكَ متعلّق به، ولِذَا باللامِ عِلَّةٌ مُعترضةٌ، والإشارة إلى المصدر المفهوم من الفعل الذي قبلَهُ، وفي نسخةٍ بالكافِ، والظاهرُ أَنَّهُ تَصحِيفٌ؛ اللهُمَّ إلا أن يُقالَ: إنهُ كِنايةٌ عن الشيء، والكافُ للتشبيه، وذا للإشارة على ما في «القاموس»، ويُراد به هنا مجرد الكناية عن الشيء، ويُقصد بالشيء طريقُ الآخرةِ، والباء للتعدية، وعنها متعلّق بمُقدَّرٍ؛ أي: معرضاً عنها؛ فهي تُقرأُ بسكون الهاء، والضمير راجع إلى الخَصْلَةِ المَفهومة من السياق؛ وهي: تركها وأهليها عليها، وأخذُ النفس عن المَيْلِ إليها.
والمعنى: إذا عرفت زوال المالِ وهُلْكَ المُلْكِ في المالِ؛ فاترك متابعةَ الدُّنيا المُشغلةِ الفَانية، ومُصاحبةَ أهلها الجانية، أو اتركها مع أهلها بالكُليَّةِ، وأقبل على الأمورِ المَرضية المورثة للنعيمِ المُقيم والمُلكِ العظيم، وزيادة لقاء الرب الكريم، كما قيل: متى ما تلقَ مَن تهوى دعِ الدُّنيا وأهلها؛ فإنكَ إِنْ لم تتركها تركتكَ، وإنْ تبعتها أهلَكتْكَ؛ إذ مِنْ شأنها أنها تهدم بنيان أهلها؛ ممن يعمرها ولم يقبرها بعقلها، وتكسر رقابَهُم، وتُكثرُ عِقابَهُم، وأمسك بالجد والاجتهاد، في طريقِ المَعَادِ، بأخذ الزادِ؛ لِمَا علمت من خراب الدُّنيا، الدنِيَّةِ، وهلاكِ أهلِها المُتعلّقين بالأمورِ اللهوية والشَّهوية، واخلُصْ نفسَكَ النفيسة عن محبةِ الدُّنيا الخسيسة؛ بترك تحصيل أغراضها من جواهرها وأعراضها. فهذهِ الخَصلة الجامعةُ - من تركِ الدُّنيا وأهلها المانعة من كنوز الجنة ورموز المحبة - هي كلُّ الغَنيمة التي هي مُوجِبةً للمنازل الكريمة، وإنما لزمك تركُ الدُّنيا
الجزء 1 · صفحة 45
بالتجرُّدِ عنها والزهد فيها؛ لتستقيمَ لكَ العبادةُ، وتَحصُلُ لكَ كثرةُ الطاعة؛ فإِنَّ الرغبةَ في الدُّنيا تُشغلك عن العُقبى، وتمنعُكَ عن خدمة المولى، وتحجبُكَ عن المَقامِ الأعلى ظاهراً وباطناً، أما ظاهرُكَ؛ فبالطلب والمُجاهدة، وأما باطنكَ؛ فبحديثِ النفس والإرادة والمراودة، حتّى قيلَ: تَضُرُّ السَّالك المشاهدة.
قال بعضُ العارفين: لا يُنظرُ إلى الدُّنيا وأربابها، ولا يُقربُ إلى زينتها وأصحابها؛ فإن بريقة أموالهم تُذهب بحلاوة إيمان أهل الآخرة وأحوالهم. ويُشيرُ إليه قوله تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: ???].
وسبب ذلك: أنَّ الله سبحانه وتعالى ما جعل لأحدٍ من قلبين في جوفه، والقلبُ الواحد إذا اشتغل بشيء انقطع عن ضده، والدُّنيا والآخرةُ ضِدَّانِ لا يجتمعان، ولذا قيل في حقهما: إنَّهما الضَّرتان، أو الكفتَانِ، وأمَّا تركُ أهلِها؛ فإنما يلزمُكَ لِمَا قالَ بعضُ العارفين: التشنُّقُ بالخَلَقِ خيرٌ من التعلَّقِ بالخَلْقِ؛ فإِنْ كنتَ للعُقبَى راغباً، وللمولى طالباً؛ فدع الخلق جانباً، وسببه: أنهم يشغلونَكَ عن المطلوبِ ويَمنعونك عن المحبوب؛ لأنك في زمان كثير سفهاؤه، وقليلٌ فقهاؤه، ولذا قالَ الثَّوري ـ وهو من أرباب هذا الشأن: والذي لا إله إلا هو؛ لقد حلَّتْ العزلة في هذا الزمان.
قالَ حُجَّةُ الإسلام: ولئنْ حلَّتْ في زمانه؛ ففي زماننا هذا وجبت. وقال الفضيل: هذا زمان احفظ لسانك، واخف مكانك، وعالج قلبك وشأنك.
التشنُّقُ: لُبْسُ الثّيابِ والتَّزَيُّنُ بالثياب البالية. كما في «المحيط» للصاحب بن عباد (1) / (438) مادة: شنق.
وقيل: هذا زمانُ السُّكوتِ، ولزوم البيوت، والرضا بالقوتِ إلى أن تموت.
وقالَ الشَّاطبي:
الجزء 1 · صفحة 46
وهذا زمانُ الصَّبرِ مَن لكَ بالتي كقَبْض على جَمْرٍ فتنجو منَ البَلَا وقال إبراهيم بن أدهم: كُن واحداً جامعياً، ومن ربك ذا أنس، ومن الناس وحشِيَّ.
وقيل: كن وسطاً، وامش جانباً.
ومن كلام بعض العارفين: الصُّوفي كابن بائن.
وقيل: هو القريب الغريب.
وقيل: هو الفرشي العرشي.
و مُجمل ضَرِرِ الخَلْقِ شُعْلُهم عن الحقِّ.
وأشار حاتم الأصم إلى بيانِ مُجمَلهِ؛ لتعرف ضرر مفصله، بقوله: طلبتُ من الخلق خمسة أشياء فلم أجد؛ طلبت منهم الطاعة والزهادة؛ فلم يفعلوا، فقُلتُ: أعينوني عليها إن لم تفعلوا، فلم يفعلوا، فقلتُ: ارضوا عني إن فعلتُ، فلم يفعلوا، فقلتُ: لا تمنعوني عنها إذاً، فمنعوا، فقلت: لا تدعوني إلى طلب الدُّنيا، ولا إلى ما لا يُرضِي المولى، ولا تُعادوني عليها إن لم أتابعكم، فلم يقبلوا؛ فتركتهم واشتغلت بخاصة نفسي.
وزبدة الكلام في تحصيلِ المَرامِ: أَنَّ كُلَّ ما شغلك عن المولى من الدُّنيا وأهلها من أهل، وولد، وصاحب وطالب، وفقر وغنى، وجوع وشبع، وشهرة وحمول، وعلم وعمل، ونظر وخطر؛ فهو ضررٌ إليكَ وشومٌ عليكَ.
وَلا تَغْتَبِطْ فِيهَا بِفَرْحَةِ سَاعَةٍ تَعُودُ بِأَحْزَانٍ عَلَيْكَ طَوِيلَةِ الغبطة بالكسرِ: حُسنُ الحالِ والمَسرَّةُ، وقد اغتبطَ؛ أي: صارَ مغبوطاً، والحسد كالغبطة، وقد غَبَطَهُ؛ كَضَربَهُ وسَمِعَهُ: تمنّى نعمةً على أن لا تتحوّل عن صاحبها، وفي
الجزء 1 · صفحة 47
الحديثِ: «اللهُمَّ غَبْطَاً لا هَبْطَاً»؛ أي: نسألكَ الغِبْطةَ؛ أي: منزلةٌ نُعْبَطُ عليها. والفرحة بالضم: المسرَّة، ويُفتح، وما يُعطيه المُفرَحُ لكَ؛ الكلُّ من «القاموس» ?، وضمير فيها إلى الدُّنيا وما فيها؛ فالباء للسببية، وفي نسخة منها بدل فيها؛ أي: لا تقنع منها؛ فالباء للبدلية، وضمير تعود بمعنى تنقلب وترجع، تعود إلى فَرْحة، وعليكَ صفة لـ أحزان بتقدير: كائنةً، والتنوين للتكثيرِ، و طَوِيلَةِ صفةٌ ثانية، وبين الفرح والحُزنِ صَنعة طباق من البديع، والواو في صدر البيت للعطف على الأمر السابق.
والمعنى: لا تفرح فرحَ البَطَرِ والمَرَحِ، ولا تُظهر السرور بأسبابِ الفَرح، ولا تظُنَّ أَنَّكَ مغبوط بما أُعطيت، أو محسودٌ بما أُوتيتَ في الدُّنيا التي هي كساعةٍ بجنبِ السَّاعةِ، بسبب حصولِ مسرَّةٍ ووصولِ مبرَّةٍ في مُدَّةٍ يسيرة تنقلب تلكَ الفَرْحةُ بأحزانِ كثيرة كائنةً عليك مضرَّتها في بُرهةٍ طويلةٍ، ترجعُ إليكَ حسرتها؛ فإنَّ الله لا يُحبُّ الفرحين بغير طاعته، بل يُحبُّ كلَّ قلب حزين في تحصيل عِبادته، بل كُنْ مُغتبطاً بالساعة التي تذكر الله فيها، وتترك ما يَشغلك عن الطاعةِ ويُنافيها، قال تعالى: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: (58)]؛ لأنَّ ما يكونُ مآلهُ إلى الزوالِ والفناءِ لا يصلح أن يكون فيه خيرٌ وصلاح بالنسبة إلى مآله الكمال والبقاء.
الجزء 1 · صفحة 48
والحاصل: أنَّ الدُّنيا كالساعةِ؛ فاجعل أعمالك كلَّها فيها الطاعة، لتتخلص من الندامة والملامة في يوم الحسرة، وساعة القيامة، وقد ورد: ليسَ يتحسّرُ أهل الجنة يوم القيامة إلا على ساعةٍ مرَّتْ بهم ولم يذكرُوا اللهَ فِيهَا، وقد قال تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيِّمَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَامَةِ [القيامة: ? - ?]، قيل: المُرادُ بالنَّفْسِ الجنسُ؛ لِمَا رُويَ: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قال: ليسَ من نفس برَّةٍ ولا فاجرة إلا وتلوم نفسها يوم القيامة؛ إن عملت خيراً؛ قالت: كيف لم أزد، وإن عملت شراً؛ قالت: ليتني كنتُ قصرتُ». وزبدة الكلام وعُمدةُ المَرامِ: أَنَّ الزمن اليسير في الدُّنيا ينبغي أن يُصرف في تحصيل المُلكِ الكبير في العقبى، ولا ينبغي أن يلهو ويلعب ويشتغل بالفرح الفاني غافلاً عن الكُرَبِ، أو الفرح الباقي؛ فإنَّه لا عيش إلا عيش الآخرة؛ كما ورد في الحديث، ومفهومه: أَنَّهُ لا مشقة إلا مشقة الآخرة، وجاء في الكلام القديم: وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: (185)]، ومفهومه: أن الحياة العقبى هي التي في الحقيقة متاعُ الحُضُورِ، كما صرح به في آية أخرى من القرآنِ: وَإِن الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} [العنكبوت: (64)]، ونص في موضع آخر، وقالَ: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: ??]، وقيَّده في محل آخر بقوله سبحانه
وتعالى: والآخرة خير لمن اتقى} [الأعلى: (17)]، والله أعلم.
فَعَيْشُكَ فِيهَا أَلْفَ عَامٍ وَيَنْقَضِي كَعَيشِكَ فِيهَا بَعْضَ يَومٍ وَلَيْلَةِ الفاء تفريعية، أو فصيحةً، وعيشُك مبتدأً، وفيها متعلق به، والضمير للدُّنيا، تقدم تخريجه في البيت الأول.
و ألف عام منصوب على الظرفية، ويَنْقَضِي جملةٌ حالية، والضمير إلى الألف، والخبرُ كعيشك، و بعض ظرف أيضاً.
الجزء 1 · صفحة 49
والمعنى: لَمَّا كانَ فرحُ الدُّنيا - ولو طال المدى ـ كفرحة ساعة بجنب طول يوم القيامة، أو مدة أيام الآخرة؛ فتعيشك وتصرُّفك في الدُّنيا ولو كانَ ألف عام، الذي هوَ مَثَلٌ في طولِ المَقامِ والحال أنَّ آخره ينقضي، وإلى الفناء والزوال ينتهي، يكون كبقائك ودوام حالِكَ في الدُّنيا القليلةِ مُقدَّراً توقف بعض يوم أو بعض ليلةٍ، والبعض يصدق عليه أنه مقدار ساعة ولحظة ولمحة؛ إشارةً إلى قوله تعالى في إطالة مُدَّةِ العذابِ على الفُجَّارِ: وَكَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ} [الأحقاف: (35)].
وفيه إيماء إلى أن طول العُمرِ في غير مرضاتِه تعالى وبالٌ على المُعمَّرِ؛ لأنهُ به يزيد تحصيل الشرِّ على الشرِّ؛ قالَ عزَّ وجلَّ: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} [آل عمران: ???]، ومع هذا لا يُغنيه الإملاء والإمهال عن العذاب والأغلال والأنكالِ، بل سبب لزيادةِ حُصولِ الوَبَالِ ووصولِ النَّكَالِ؛ قالَ تعالى: {وَلَتَجِدَتَهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [البقرة: (96)]. فطوبى لِمَن طال عمره و حسن عمله، وويلٌ لمن طالَ عُمره وساءَ عمله، ولهذا وردَ في الدُّعاءِ: «اللَّهُمَّ أخيني ما كانتِ الحياةُ خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي، واجعل الحياة زيادةً إليَّ في كل خير، واجعل الموتَ راحةً لي مِنْ كُلِّ شر. وفي حديث آخر: «الموتُ تُحفةُ المؤمنِ، وأَسَفُ الفَاجِرِ.
الجزء 1 · صفحة 50
فاغتنم بعضَ عمركَ، وخُذْ من صحتِكَ لمرضك، ومن قوَّتك لضعفك، ومن غناك لفقرك، ومن حياتِكَ لموتِكَ، واعلم أن الدُّنيا مَعْبَرٌ وممر، وليست هي دار ثباتِ ومقر، كما ورد في الحديثِ: «الدُّنيا دارُ مَن لا دارَ لهُ، ومالُ مَن لا مالَ لهُ، ويجمعها من لا عقل له».
عَلَيْكَ بِمَا يُجْدِي عَلَيْكَ مِنَ التَّقَى فَإِنَّكَ فِي لَهْوِ عَظِيمٍ وَغَفْلَةِ عَلَيكَ اسم فعل بمعنى الزم وخُذْ، والباء للتعدية، وما موصولة، أو موصوفة، ويُجدِي بضم الياء، وكسر الدال بمعنى ينفع ويغني، وعَلَيكَ جار ومجرور متعلق به، وبين عَلَيكَ الأول والثاني جناس تام، ومن التقى بضم التاء المُبدلة من الواو؛ بيان لـ ما، وتنوين غَفْلَة للتعظيم.
والمعنى: الزم طريقة الأنبياء والمرسلين، واسلك سبيل الأولياء والمؤمنينَ بالتزامِ ما يَعفيكَ في الدُّنيا وينفعُكَ في العُقبى؛ بمُلازمة مراتبِ التقوى من الشّركِ الجَلِيِّ والخَفِيُّ، ومواظبة المأمورات، ومجانبة المحظورات، ومعالجة النفس بالتخلي عن الأخلاقِ الدَّنيَّة، والتحلي بالأوصاف الرَّضِيَّةِ، والتحلي بتخلُّقِ الصفاتِ الربوبية؛ قالَ الشَّاطبي:
عَلَيْكَ بِهَا مَا عِشْتَ فِيْهَا مُنَافِساً وبِعْ نَفْسَكَ الدُّنْيَا بِأَنْفَاسِهَا العُلَا واستيقظ من سِنَةِ النوم إلى سِنَةِ اليقظة، ومن ضيقِ القَلبِ إلى شرحِ الصَّدِرِ والسَّعة، وانتقل من سَننِ اللهوِ عن المالِ والتكاثُرِ بالمالِ إلى سَننِ أرباب الكمال وأصحاب الجمال؛ لتتخلص من عذابِ الحجاب، وعقاب النكالِ، وتدخل دار الوصال، وتأمنَ النقص والزوال؛ فإِنَّكَ في لهو عظيم مما يظهرُ من أفعالك، وغفلةٍ عظيمةٍ مما تبيَّنَ من أحوالِكَ.
الجزء 1 · صفحة 51
مَجَالِسُ ذِكْرِ اللَّهِ تَنْهَاكَ أَنْ تُرَى هَا ذَاكِرَاً للهِ ضِعْفَ العَقِيدَةِ مجالس جمعُ مَجلس، وهو موضِعُ الجلوس، مُضافُ إلى ذكرِ اللهِ، والإضافة بمعنى في أي: مجالس فيها ذكرُ اللهِ من باب إضافة المصدر إلى مفعوله؛ أي: ذكر الناس الله، وهو مبتدأ، خبره تنهاكَ بتاء التأنيث، وضميره المستتر رابط عائد إلى المبتدأ، وأن بتقدير: مِنْ أنْ تُرى، بصيغة المجهول المُخاطَبِ، بمعنى: تُبصر، وضمير بها إلى المجالس، والباء بمعنى في، وذاكراً منصوب على الحالية، و الله متعلّق به، أو بمعنى لأجلهِ و ضِعْفَ العَقيدةِ منصوب على العلة، وفي نسخة برفعه على أنه فاعل لـ تنهاك على أنَّهُ بصيغة التذكير، وهو الأظهر؛ فعليه الاعتماد، والعقيدة: ما عَقَدَ عليه القلبُ من الاعتقادِ والنهي على التقديرين مجازي الإسناد. والمعنى: إنكَ في لَهْوِ عظيم واشتغال جسيم في الدُّنيا عمَّا يُجدي عليكَ في العقبى من ملازمة التقوى؛ بحيثُ مجالس ذكر الله من المساجد والمعابد التي هي أماكن كل سالك وعابد و زاهد، خاليةٌ عن حُضورك ووجودك، وفارغةٌ عن ركوعك وسُجودك؛ فكأنها لبعدِكَ عنها، وتنقُركَ منها تنهاك أن تدخلها ليراك الناسُ بها حال كونك ذاكراً لله فيها، وما ذاك إلا لضعفِ اعتقادِكَ وعدم الاستعدادِ لزادِ معادكَ، مع أنه قد ورد في الحديث الشريف عن أبي هريرةَ رضي الله عنه: «إذا مررتُم برياض الجنة فارتعوا قلتُ: وما رياض الجنة؟ قال: «المساجد» ـ وفي رواية: «حِلَقُ الذُّكرِ» ـ قلتُ: وما الرتَّعُ يا رسول الله؟ قال: سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وفي حديث آخر: «إنَّ مجالس الذكر تتباهى بها الملائكةُ».
الجزء 1 · صفحة 52
وفي حديثِ مُسلم: «لا يقعد قوم يذكرونَ الله تعالى إلا حفتهم الملائكةُ، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده»، وجاءَ في رواية: «يقول للملائكة: اشهدوا أنّي قد غفرت لهم، فيقول ملك من الملائكة: إنَّ فلاناً جاءَ لحاجة وليس منهم؟! قال الله تعالى: هُمُ القومُ لا يَشقى بهم جليسهم». وفي حديث: «أكثروا ذكر الله حتى يقولُوا: مجنون.
وفي حديث: «ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه، ولم يُصلُّوا على نبيهم إلا كان عليهم ترةً؛ أي: تبعةً وحَسْرةً؛ فإن شاءَ عَذَّبهم، وإنْ شاءَ غفرَلهم».
ومن اللطائف: أن عبداً دخل مسجداً بإذنِ مالكهِ أَنَّ يُصلَّي، وأبطأ فيه، فناداه سيده، فقال: يمنعني أن أخرج، فقال: مَن يمنعُكَ منَ الخُروج، فقال: الذي يمنعك من الدخول.
وقد قال الصّديقُ الأكبر: ليتني كنتُ أخرس إلا عن ذكرِ اللهِ.
والمقصود من جميع الطاعات والعبادات إنما هو ذكر الله تعالى، قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِي} [طه: (14)]، وقال سبحانه: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: (152)]، وقال تعالى: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: (45)]؛ أي: لذكر الله إيَّاكم أكبر من ذكر كم إيَّاهُ.
وفي الحديثِ القُدسي: «أنا جليس من ذكرني، وأنا معه إذا تحركت شفتاه، وفي حديث آخر: «فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإنْ ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه.
الجزء 1 · صفحة 53
إِذَا شَرَعُوا فِيهَا تَحَنْحَنْتَ قَائِمَاً قِيامُكَ هَذَا قُلْ إِلَى أَيِّ لَعْنَةِ إذا ظرفيةٌ، عاملها، تَحَنْحَثْتَ بمعنى: أسرعت، وضميرُ فِيهَا راجع إلى مجالس الذكرِ؛ أي: في إقامتها والشروع في كلماتها، أو إلى الأذكار؛ بإطلاق المحل وإرادة الحال، أو على طريق الاستخدام، وقَائِمَاً حال من الفاعل، وقِيامُكَ مبتدأ، وهَذَا بدل منه؛ إشارة إلى القيام المذموم والفعل الملومِ، والخبرُ إِلَى أَيِّ لَعْنَةِ، و قُلْ جملةٌ مُعترضةٌ، ويُمكنُ أن يكونَ الأمرُ خبراً بتأويل: يُقالُ فيه، والمقول قِيامُكَ إِلَى أَيِّ لَعْنَةِ على تقدير مبتدأ.
والمعنى: إذا شرع الذاكرون والزاهدونَ، وابتدأ العابدون والحامدون في ذكره وشكره، وما يتعلَّق بنهيه وأمره تعالى، وقيلَ لكَ بلسانِ القال، أو ببيان الحال: تعال إلى ما به حصول الدّرجاتِ العُلى والوصول إلى الرفيق الأعلى، والحضور بين يدي المولى، أسرعت بالإعراض وأوجبتَ على نفسك الاعتراضَ بأنَّكَ طالب الجواهر والأعراضَ، وعُبوديتُكَ إنما هي للأعواض والأغراض حال كونك قائماً في مقام الهوى ومائلاً عن طريق الهدى. قل لي أيُّها العاطلُ الغافل عما ينفعُكَ في العاجل والأجلِ: قيامك هذا عن الذِّكرِ ومجالسه التي هي محلُّ تنزّلاتِ الرحمة إلى أيّ لعنة وبُعدٍ وطَردٍ من موجباتِ اللعنة
حيثُ تشبهت بهذا الفعلِ الشَّنيعِ والصُّنعِ الفَظِيعِ للكافرينَ الفُجَّارِ، وخرجت عن التشَّبُهِ بالمُوحّدين الأبرار، كما قال تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: (45)].
الجزء 1 · صفحة 54
وهذا أمرٌ مُشاهَدٌ في هذا الزمانِ حالَ مُجالسةِ الإخوانِ؛ فإِنَّكَ ما دمت معهم في كلامِ الدُّنيا وما يتبعها من مقدّماتِ الهوى بل في غيبة العلماء وأكل لحوم الصلحاء؛ فهم في غاية من البسط معكَ في الكلام، ونهاية الانبساطِ في تمامِ المَرامِ وقيامِ النظامِ، وإذا شرعت في تفسير آية من كلامه القديم، أو في تعبير حديث من أخبار رسوله الكريم، أو في أخبارٍ من أخبار أوليائه، وما يتعلق بأخلاق أصفيائه ـ على ما قِيلَ: إِنَّهُ عندَ ذِكرِ الصَّالحين تنزلُ الرَّحمةُ، وتَحصُلُ السَّكينة - ضاق عليهم المجالس بسعتها، وانقلبت حلاوة كلامهم بمرارتها، وقاموا بالقلبِ معرضاً عن سماع كلامك، بل معترضاً في الباطن على مرامكَ، ويعدُّونكَ ثقيلاً ومُرائياً وعويلاً، وهذا لأنَّ كلَّ حزب بما لديهم فرحون، وعمَّا خُلِقوا لأجله غافلون، وبهذا المعنى أشار الشيخ رحمه الله بقوله:
وَلَوْ كَانَ لَغْوَا أَوْ أَحَادِيثَ رِيبَةٍ وَثَبْتَ وُثُوبَ الَّليْثِ نَحْوَ الفَرِيسَةِ اسم كَانَ إلى المجلس الدال عليهِ المجالس، أو إلى الكلام الدالِ عليه الذكر، و أو للتنويع، أو بمعنى بل، والريبة بالكسر: الشَّكُ والشَّبهة، و وَثَبت بالخطاب جواب لو من الوتُوبِ، وهو القيام بالسرعة، ونصب وُنُوبَ الَّليْثِ على أنه مفعول مطلق، ونصبَ نَحْوَ الفَرِيسَةِ على أنه ظرفٌ للوثوب، وهي فعيلةٌ بمعنى المفعول؛ ففي القاموس»: الفرَّاسُ: الأسد، وفَرَسَ
فَرِيسَتهُ: دَقَّ عُنُقَها، والفَرِيسُ: القَتِيلُ.
الجزء 1 · صفحة 55
يعني: هذا حالهم في مجالس الذكرِ ومالهم، ولو كان المجلس مجلس لهو، أو الكلام كلام لغو، وهو ما لا يعنيك في الدُّنيا ولا ينفعك في العُقبى، بل ولو كانَ أحاديث ريبة من كذب وبهتان وغيبةٍ، قُمتَ إليه بجملتك، وأقبلت عليه بكليتك مثل وثوب الأسد إلى جانبِ مَصِيدِهِ، ومثل قيامِ الكلب إلى أخذِ عَظْمِهِ الذي غايةُ قصدهِ؛ غافلاً عما قال تعالى في المؤمنينَ: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: (3)] وعما ورد في كلام نبيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِن حُسنِ إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. وهذا الحال وما يترتب عليه المقالُ أوجبَ عُزلةَ أهل الكمال عن مجالسِةِ الناس؛ فإن الاستئناس بالناس من علامةِ الإفلاس، ومن اختارَ العُزلةَ اختارَ العِزَّ لَهُ، لكن قال بعضُ العُرفاءِ ومال إلى سبيلِ الظُّرفاء: العُزلةُ بدونِ عينِ العلم زلَّةٌ، وبغيرِ زاي الزُّهدِ عِلَّةٌ؛ فعليك بما قاله الشيخُ حُجَّةُ الإسلام:
اتخذ الله صاحباً
ودع الناس جانباً
وصُنِ الود شاهداً كنت فيه وغائباً
قلب الناس كيف شئ ت تجدهم عقارباً
ثم آفاتُ الخُلطة كثيرة، كما هي معروفة شهيرة، ومن جملتها الحسد حتّى من العلماء والفقهاء، فضلاً عن السُّفَهاءِ والجُهَلاءِ، ولهذا المعنى قال سفيانُ الثّوري: ما أخافُ على دمي إلَّا من القُرّاءِ والعُلماء، فاستنكروا ذلك منه، فقال: ما أنا قلته إنما قاله إبراهيمُ النَّخعي. وهو أستاذ أبي حنيفة الكوفي رحمة الله عليه الباري.
وعن عطاء قال: قال لي الثَّوريُّ: احذروا القُرّاء واحذَرُوني معهم، فلو خالفت أودَهُم لي في رُمَّانةٍ؛ فأقول: إنها حُلوةٌ، ويقول: إنها حامضة، ما أمنته أن يسعى بدمي إلى سلطان جائر. انتهى
الجزء 1 · صفحة 56
وقد وقعت لي واقعة قريبة من هذا المعنى، وهي أنه كان لي صاحب متفق معي في المعنى، ومشارك معي أربعين سنةً في علم التفسير والحديث والفقه والتصوف وعلم النحو والمبنى، وما كُنتُ أشُكُ أَنَّهُ من أوليائِهِ الكُمَّل وأصفيائه إلى أن وقع لي اعتراض على عالم من علماء مذهبهِ؛ فبحث معي وتحرَّكَ معهُ عِرقُ تعصُّبهِ، وترك وفاءَ عَهْدِهِ، وصفاء مشربه، وقابلني قبالة الشريفة والكعبة المُنيفة بقوله: إِنَّكَ تشتمُ العُلماء، وتسبُّ الفُضَلاءَ؛ وهذا والله العظيم محض الافتراء، ونطق به على طريق الجهر والنداء؛ بحيثُ إنه لو سمِعَ بعضُ السُّفهاء على صورةِ الفُقَهَاءِ هذا الكلام عنه، ونقل هذا النقل منه؛ لسعوا بي إلى الهلاكِ، لكنْ عصَمَنِي الذي بتصرُّفه الأملاك والأفلاك.
تُصَلِّي بِلَا قَلْبٍ صَلَاةٌ بِمِثْلِهَا يَكُونُ الفَتَى مُسْتَوْجِبًا لِلْعُقُوْبَةِ قوله: تُصَلَّيْ يَحتمل أن يكونَ خبراً، ويحتمل أن تكون همزة الاستفهام للإنكار؛ مُقدَّراً في أولها، و صَلَاةٌ يَحتمل أن يكون مفعولاً به، وأن يكون مفعولاً مطلقاً، والجملة بعدها صفةٌ لها، والباء في بِمِثْلِهَا للسببية متعلقة بـ يَكُونُ. والمعنى: أتُصلِّي بلا حُضورِ قلب، بل بمجرَّدِ قالب صلاةٍ غير صحيحة للتقصير في بعض شرائطها وأركانها أو للرياء في السُّمعة في تطويلها وإحسانها؛ يكون الشخص بمثل تلك الصلاةِ مُستحقاً للعقوبة، ومحروماً عن المثوبة مع تعالى إنما يتقبل العبادات من المتقين، والتقوى على حقيقتها عزيزة عند المحققين، ولذا قالت رابعة العدويةُ: استغفارُنا يحتاج إلى استغفار كثير.
ولعلَّه صلى الله عليه وسلم كانَ إذا فرغ من الصلاة استغفر ثلاثاً؛ إظهاراً للعبودية، وتقصيراً في القيام بحق الربوبية.
الجزء 1 · صفحة 57
قال الغزالي: سمعتُ الأستاذ أبا الحسنِ يَحكي عن أُستاذه أبي الفضل: أنهُ كانَ يقولُ: إِنِّي أعلمُ أنَّ ما أعمله من الطاعاتِ غير مقبول عندَ اللهِ تعالى، فقيل له في ذلكَ، فأجابَ: إِنِّي أعلمُ ما يحتاجُ إليه الفعل حتّى يكون مقبولاً، واعلم أني لستُ أقوم بذلك فعلمتُ أنها غير مقبولةٍ، قيل له: فلِمَ تفعلها؟ قالَ: عسى اللهُ أَنْ يُصلِحَني يوماً فتكون النفسُ متعودة لعمل الخير؛ فلا أحتاج أن أُعودها ذلك من الرأس. انتهى. ولذا قال: «أنا أتقاكم الله وأخوفُكُم»، وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَموا [فاطر: ??].
تَظَلُّ وَقَدْ أَتْمَمْتَها غَيْرَ عَالِمٍ تَزيدُ احْتِيَاطَاً رَكْعَةً بَعْدَ رَكْعَةِ جملة وَقَدْ أَتْمَمْتَها حال من المُخاطَبِ، غَيْرَ عَالِمٍ حال آخرَ مُترادفٌ أو متداخل، وكذا جملة تَزيدُ، أو هو استئنافٌ مُبيِّنٌ، أو في معنى العلة، اختياطاً مفعول
له، ورَكْعَةً مفعولٌ به، و بَعْدَ رَكْعَةِ صفةٌ؛ أي: كائنة بعد ركعة، أو ظرف لـ تَزيد. والمعنى: أنَّكَ تدومُ نهارك على صلاتِكَ في بعض أحوالِكَ، والحالُ أَنَّكَ قد أتممتها صُورةً على زعمِكَ حالَ كونِكَ من كَمَالِ نُقصانِكَ غيرَ عالم بتمامِ رُكنكَ؛ تزيد بحكم الوَسْوسةِ الشَّيطانية والهوى النفسانية؛ للاحتياط على حُكْمِ عُجْبِكَ وتوهم غُرورك ركعة بعد ركعة؛ بناءً على وسوسة بعد وسوسة، وشُبهة بعدَ شُبهة، وهذا كله نشأ من الغَفْلة، وعدم الحضور في العبادة.
وإذا كانتِ الصَّلاةُ التي هيَ أُسُّ الطاعاتِ وأُمُّ المأمورات، التي تنهى عن السيئاتِ حالها معكَ على هذا المنوال؛ فكيف سائر الأقوال والأفعالِ والأحوال. فَوَيْلَكَ تَدْرِي مَن تُنَاجِيْهِ مُعْرِضاً وَبَيْنَ يَدَي مَن تَنْحَنِي غَيْرَ مُخْبِتِ الفاء تفريعية، والويل بمعنى الهلاك، والإضافة بمعنى اللام، ونصبه على
الجزء 1 · صفحة 58
المصدرية، وتَدْرِي بتقدير همزة الاستفهام الإنكاري، ويُؤيَّده ما في نسخةٍ فويلٌ أتدري، ومَنْ موصولة معلقة صلته تُناجِيهِ، والضميرُ اللهِ، ومُعْرِضاً حال من الفاعلِ، وَبَيْنَ يَدَي مَن ظرف مضافُ إلى الموصول، صلته تَنْحَنِي عطفاً على مَنْ تُنَاجِيْهِ، و غَيْرَ مُخْبِتِ حالٌ من فاعل تَنْحَنِي.
طاعتك، ومن
أي: فالهلاكُ لكَ، حاصل، والعذابُ بكَ واصل مِن غفلتكَ في قلة عنايتك واهتمامك في عبادتِكَ، أتعلمُ مَن تُقابله في استقبالِكَ ومَن تُواجهه في حالِ خَيالِكَ، ومَن تُخاطبه عندَ خِطَابِكَ في سؤالِكَ؛ فإن الصلاةَ مِعراج المؤمنِ ومدرَاجُ المُوقِنِ، ومعَ هذا ما لكَ مُعرضُ عنه بظاهركَ، ومُلتفت عنه بخاطرك، فتنوي نيةً غير خالصة من الرياء والسمعة، وتقول: الله أكبرُ، وتوجهكَ إلى غيره أكثر، وتقرأُ قراءةً غير صحيحة لفظاً ومعنى وقصداً لمفاسد صريحة؛ فمتى قرأت جهراً بمحضر الخلق راعيت مخارج الحلْقِ وتعديتَ عن حدودِ المداتِ بالتمطيطات، وراعيت الوقوف والترتيل والكيفيات، ومتى قرأتَ وحدكَ حَدَرتَ وهَذَرتَ، وكَسَرتَ الحروف والكلمات.
وعلى هذا القياس جميع أدائك في ركوعك وسجودك وقُعودكَ وخُشوعك، وهذا معنى قوله: وَبَيْنَ يَدَي مَن تَنْحَنِي أي: في حال الركوع والسجودِ حال كونك غير حاضرِ القلب، ولا خاشع القالب، ولا متواضع للشهود، ولا مطمئنُ الوجود، وقد قال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحج: (34) - (35)] أي: اضطربت وخافت في أمر الدين.
وصلاتُكَ إنْ كنتَ بذلت المجهود في إحكامها وإتقانها وإخلاصها وإحسانها
الجزء 1 · صفحة 59
لا تكاد تصلح لحضرة هذا المَلكِ الكريم والسُّلطانِ العظيمِ؛ لا سيما في جَنْبِ طاعاتِ المُقرَّبين من الملائكة والمرسلين، كيف وقد كانت منك عن قلب غافل مختلط بأنواعِ العُيوبِ، وقالب متنجس بأصنافِ الذُّنوبِ، ولسان متلطَّخ بالمناهي، وجوارح متضمخة بأقذار الملاهي، فكيف تصلُحُ هذهِ العِبادة أن تُحمل إلى تلك الحضرة، وكيف تستأهل أن تُهدى إلى ربِّ العِزَّةِ؟! بل تليقُ أن تُلَفَّ وتُردَّ إلى وجهِ مُهدِيها، ويُعاقَبُ فاعلها على تقصيراته فيها. فتأمل أيُّها الغافل، وإنْ كنتَ تظنُّ أَنَّكَ العاقل، هل وجهت قط صلاةً من صلواتِكَ إِلى السَّمَاءِ كَمَائدة بعثتها إلى بيت من بيوتِ الأغنياء، ولهذا كان أبو بكر الورّاقُ شيخُ المشايخ بالاتفاق يقولُ: ما فرغتُ قطُّ من صلاةٍ إلا استحييتُ حينَ فرغَتُ منها أشدَّ حياءً من حياء امرأةٍ فرغت من الزنا.
تُخَاطِبُهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ مُقْبِلاً عَلَى غَيْرِهِ فِيْهَا لِغَيرِ ضَرُوْرَةِ محلُّ جملة إِيَّاكَ نَعْبُدُ منصوب على المفعول الثاني بنزع الخافض، أو مقول لحالٍ مقدَّرٍ؛ أي: قائلٌ: إِيَّاكَ، نعبدُ، و مُقْبلاً حال من فاعل تُخَاطِبُهُ، أو مفعوله، وضمير فيها للصلاةِ، أو للقراءة، ولِغَيرِ ضَرُورَةِ عَلَّةٌ متعلقةٌ بـ مُقْبِلاً.
والمعنى: تُخاطِبُ الله تعالى وتناجيه عند قراءتِكَ؛ نحو: وإِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة: (5)]، غافلاً عما فيه بل فاعلاً لِمَا يُنافيه، وهو إعراضُكَ بالقلب عن الله، والتفاتك بالقالب عن بيته وحذاه، ومُقبلاً ومُتوجّهاً إلى ما سواه، خصوصاً في تلك الساعة، ولا سيما في تلك الطاعة من غير ضرورة دينية أو دنيوية أحوجتك إليه، أو ألجأتك عليه.
ومعنى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: (5)]: نخصُّكَ بالعبادة والاستعانة في أمرِ الدُّنيا والدين، وهذهِ الآيةُ مُشتملةٌ على سائر منازل السائرين، ومحتوية على جملة مقامات السالكين.
الجزء 1 · صفحة 60
وقد قيل: الفقرة الأولى تفرقةٌ، والثانيةُ جَمْعِيَّةٌ، كما أنَّ الأُولى رد على الجَبْرِيةِ، والأُخرى إبطال للقدرية، لكنَّ القيام بهما مقام خاص، ولا يثبت عليهما إلا الخواص، ولذا قال مالك بن دينار لولا أنَّ هذه الآيةَ أمرُ من أمرِ اللهِ لَمَا قرأتُها قط؛ لعدم صدقي فيها؛ يعني: خوفاً من العمل بما ينافيها، ورُوي في الحديث القدسي والكلامِ الأُنسي: «أنَّ العبد إذا قرأ هذه الآية ـ أي: على وجهِ الغَفْلَةِ أو الرياءِ والسُّمْعَةِ - يقول الله تعالى له: كذبت؛ لو كُنتَ إِيَّايَ تعبد لمْ تُطِعْ غيري، ولم تلتفت إلى ما سواي، ولو كنتَ بي تستعين لم ترفع حوائجك إلى ذليل مثلك، ولم تسكن إلى مالِكَ وكَسْبِكَ»، والله تعالى أعلم.
ولو رَدَّ مَنْ نَاجَاكَ لِلغَيْرِ طَرْفَهُ تَمَيَّرْتَ مِنْ غَيْظٍ عَلَيْهِ وَغَيْرَةِ الواو حالية، ولو شرطيةٌ، ومَنْ موصولةٌ، فاعل رَدَّ، وطَرْفَهُ مفعوله، و لِلغَيْرِ مُتعلّق بـ رَدَّ، واللام بمعنى إلى، وتَمَيَّزْتَ جواب الشرط، و عَلَيْهِ متعلق به، و من تعليلية له، وغَيْرَةِ بالفتح عطف على غَيظ والتنوين فيهما للتعظيم، وبين الغَيرِ والغَيْرَةِ صنيع تجانس من البديع. والمعنى: أن هذا الذي سبقَ حالك مما يدلُّ على أنه يقبحُ مَالُكَ حينَ أعرضتَ عن إقبال الله وأقبلت على ما سواه، والحال أنه لو رَدَّ أحدٌ من المخلوقينَ ممَّنْ ناجاكَ أو دعاك أو ناداك نظرَهُ وبصرَهُ إلى ما سواكَ؛ لتقطَّعت وتشققت عليه، وغضبتَ غضباً شديداً بالنسبة إليه؛ من أجلِ الغَيْظِ الحاصل من الغَيرةِ في نظره إلى الغَيرِ، سواءٌ طلب
منه دفعَ الضيرِ أو جلب الخير، مع أنَّ ما سواه تعالى يكون عنده هباءً منثوراً، لا يملكونَ لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا يملكون موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.
الجزء 1 · صفحة 61
أَمَا تَسْتَحِيْ مِنْ مَالِكِ الْمُلْكِ أَنْ يَرَى صُدُودَكَ عَنْهُ يَا قَلِيْلَ المُرُوءَةِ الهمزة استفهامية إنكارية، و ما نافية، والمراد منهُمَا التقرير، ويُقالُ: استحيى
يستحيي، واستحى يستحي، بحذفِ الياء بعد نقل حركتها إلى ما قبلها، والبيتُ من اللغة الثانية، ومِنْ صلته، وأَنْ يَرَى محله النصب على أنه مفعوله بتأويل المصدر، و صُدُودَكَ مفعولُ يَرَى يُقالُ: صدَّ صُدُوداً؛ أي: أعرضَ وصَدَّ صَدَّاً؛ أي: منعَ، وضمير عنه بالإشباع راجع إلى مَالِكِ المُلْكِ، والمُرُوءَةِ بالهمز والتشديدِ أيضاً، وهي التخلق بأخلاقِ أمثالِ المَرءِ من الكَمَالاتِ الإنسانية.
عن
يقول: استحي يا قليل المروءة، يا كثير الغفلة في مباشرة طاعتِكَ فضلاً معالجة معصيتكَ من مالكِ المُلكِ الذي تحتَ أمرهِ كلَّ مَلِكِ وَمَلَكِ، وبيدِ تصرُّفه كلُّ مُلْكِ ومِلْكِ؛ فهوَ مالكُ المُلكِ والأملاكِ، وخالق الأرضين والأفلاكِ؛ أن يرى إعراضَكَ بالقلب والقالب عن عبادته، أو اعتراضك على أمر من قضائه وقدره ومشيئته وإرادته، أو التفاتِكَ إلى ما سواه، واعتمادك على غيره في جميع تصرفاته. وفي البيتِ إشارة إلى ما وردَ: «إِنَّ مِمَّا أدركَ الناسُ من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئتَ»، والرواية برفع النَّاسُ، وجُوزَ نصبه، ومعنى الحديثِ: إذا أردتَ أن تفعل شيئاً؛ فإن كانَ بحيثُ لا تستحي من الله ومن الناس في فعله؛ فافعله، وإلا فلا. ذكره النووي. فالأمرُ للإباحة، ويجوز أن يكونَ للتهديد؛ نحو قوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِنْتُمْ} [فصلت: (40)]؛ أي: إذا نُزع منك الحياءُ فافعل ما شئتَ؛ فإِنَّ الله يُجازيك عليه، ويكون هذا تعظيماً لأثر الحياء وتنبيهاً لموضعه عند فقده، ولذا ورد:
الحياءُ شُعبةٌ من الإيمانِ». قال الجنيد: الحياءُ: رُؤية الآلاء، ورُؤية التقصير، فيتولد مما بينهما حال
الجزء 1 · صفحة 62
تُسمى: الحياءُ، وقال الدَّقاقُ: هو ترك الدعوى بين يَدَيْ المَولى.
وأنشد بعضُ أهل التقوى مُناسباً لِمَا تقدَّمَ من المعنى:
إذا لم تخش عاقبة الليالي ولمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا تَشاءُ فَلَا واللهِ مَا في العَيْشِ خَيْرٌ وفي الدُّنيا إِذَا ذَهَبَ الحَيَاءُ صَلَاةٌ أُقِيمَتْ يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهَا بِفِعْلِكَ هَذَا طَاعَةٌ كَالخَطِيئَةِ صَلَاةٌ مبتدأ، و أُقِيمَتْ صفتها، وجملة يَعْلَمُ اللهُ المرادُ فيها القَسَمُ المُؤكَّدُ خبره، و أنَّ مع مدخولها سدَّتْ مسدَّ المفعولين، والباء سبيةٌ، وطاعة خبر أَنَّ و كَالخَطِيئَةِ صفةٌ لها، أو حالٌ عنها.
والمعنى: أنَّ صلاةً تُقيمُها أَيُّها الغافل وعبادةٌ تُديمُها أَيُّها العاطلُ الله يعلمُ أنَّها بسبب فعلك هذا الذي سبق وصفه من التقصير في شرائطها وأركانها وإخلاصها وإحكامها وإتقانها وإحسانها ومن الإعراض عن خشوعها وخضوعها في سجودِها وركوعها، ومن عدم القيام بحق قُعودها ومراعاة شهودها، ومن تركِ رعاية القراءة ومبانيها، والغيبة عن حضور معانيها؛ لا سيما إذا انضمَّتْ بالشمعة والرياء والغُرورِ والعُجب والكبرياء، هي في الصورة طاعة، وفي السيرة مشابهة للخطيئة، بل في الحقيقة عين المعصية، بل أقبحُ من الكبيرة فضلاً عن الصغيرة، ولذا قيل: معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير ن طاعة أورثتْ عُجْبَاً واغتراراً.
الجزء 1 · صفحة 63
وَأَعْجَبُ مِنْهَا أَنْ تَدِلَّ بِفِعْلِهَا كَمَنْ قَلَّدَ المَدْلُولَ بَعْضَ صَنِيعَةِ دَلُّ المرأةِ ودَلالُها: تَدَلُّلُها على زوجها؛ تُرِيهِ جَرَاءَةً عليهِ فِي تَعْنُجِ، وَتَسْكُلِ؛ كأَنَّها تُخَالِفُهُ وما بها خلافٌ، وقد دلَّتْ تَدِلُّ بكسر الدال ويجوزُ ضمها، وأدَلَّ عليه انبسط؛ تَدَلُّلٍ؛ فقوله: تَدِلَّ ينبغي أن يُضبطَ بكسر الدال مع فتح حرفِ المُضَارِعةِ أو معَ ضَمَّها، و أَعْجَبُ أفعل تفضيل، لا صيغةُ مُتكلّم، وفي نُسخةٍ أَقْبَحُ وهو خبرٌ مُقدَّم، وأَنْ تَدِلَّ محلُّهُ الرَّفعُ على أنهُ مُبتدأ، والضمير في مِنْهَا، وبِفِعْلِهَا، وفي نسخة بمثلها راجع إلى الطاعةِ أو الصَّلاةِ المذكورة في البيت السابق، ونصبَ بَعْضَ على أنه مفعولٌ ثانٍ لـ قَلَّدَ، وفي نسخة الصَّنيعة وهي: الإحسانُ. والمعنى: إنَّ سوءَ عِبادتِكَ معَ كمالِ غفلتِكَ وتقصيرك في صنيعتِكَ مما يَتعجَّبُ منها الكامل ويستغرب منها العاقل، وأعجب من تلك الطاعةِ المُشبَّهة بالخطيئة والعبادةِ المُناسبة أن تُسمَّى المعصية؛ دلالُكَ على اللَّهِ بفعلها وانبساطُكَ على الخلق بعملها؛ فكأنَّ لك فيها صنيعاً على صانعك، أو إحساناً بديعاً على أهلِ صَنائعكَ؛ كَمَنْ قلَّدَ مَن يتدلّل عليه وينبسط لديه منهُ بعضَ الصَّنيعة الواقعة على يديه. ولا شك أن هذا نقصان في طور الإنسان، ولا يقعُ غالباً إلا في النِّسوان، وما أشبَهَهُنَّ من ناقصي الإيمانِ؛ فإنّ الواجب على كامل الإيقان أن يعلم أن الله تعالى لا تنفعه طاعةٌ ولا تضره معصيةٌ؛ فمَن أحسنَ فلنفسه، ومَن أساءَ فعليها؛ لأنَ ثوابَ الطاعة وعقاب المعصية راجع إليها، بل يُحبُّ أن يعرف نعمة الله في هدايته إلى الإيمان، وعصمته عن العصيان، وتوفيقه على عبادته بالجوارح والأركان، ويطلب من فضله العميم، وكرمه القديم أنْ يقبل هذهِ البضاعةَ المُزجاة، وأنْ يستر عليه ما وقع لَهُ من أفعالِ العُصاةِ.
الجزء 1 · صفحة 64
وَأَنْ يَعْتَرِيكَ العُجْبُ أَيْضَاً بِكَوْنِهَا عَلَى مَا حَوَتْهُ مِنْ رِيَاءِ وَسُمْعَةِ وَأَنْ عطفٌ على أَنْ تَدِلَّ، وسُكِّنتِ الياءُ ضرورة، والعُجْبُ فاعل، و بِكَوْنِهَا مُتعلّق بالفعل، أو بـ العُجْبُ، و عَلَى بمعنى مع، وما موصولةٌ، أو موصوفةٌ، ومِنْ بيانية لـ مَا، ورِيَاء بهمز، ويجوز إبداله بياء. والمعنى: وأعجبُ مِن طَاعتكَ، وأقبحُ مِن عِبادتكَ أن يُصيبكَ أَيُّها الغافل، ويَحصُلُ لكَ أيُّها العاطلُ العُجْبُ أيضاً مع الغُرورِ والدَّلالِ، والغَفْلَةِ عن معرفة نُقصانِ الطَّاعةِ، وتوهم الكمال بوجودِ هذهِ الطاعة المعدومة، وثُبوتِ هذهِ العِبادةِ المَشؤومة مع ما اشتملت عليه من الرِّياءِ والسُّمعة؛ حيثُ قصدَّتْ أن يرى عملك الحاضرون، ويَسمعَ فِعلك الغائبون، وهُما من المُفسدات للعبادات؛ كما أن العُجْبَ والدَّلال من المُبطلات للطاعات. فحق للعاقل أن يرى حَقَارةَ عمله وعظمة ربِّه وكثرة فضله، وأن لا يرى إلا منة الله عليه فيما وفقه للطاعة، وأحسن إليه، وجعل له أهلية بالقيام بينَ يديه، ويُعرض الحاجاتِ لديه، وأن يُعرضَ بالإعراض الكلي عن الشِّركِ الجَلِي والخَفِيّ، ويَنظر إلى ما قال بعض أرباب الحالِ:
يا مُبْتَغِي الحمدَ بِالثَّوابِ في عمل تبتغي المُحالَا قد خيَّبَ اللهُ ذَا رِياءِ وأبطل السعي والكلالاً مَنْ كانَ يرجُو لقاءَ رَبِّ أخلصَ مِنْ خوفهِ الفِعَالا الخُلدُ والنَّارُ في يديه فرائهِ يُعْطِكَ النوالا والناسُ لا يملكونَ شَيئاً فکيف رأيتَهُمْ ضُلالا ذُنُوبُكَ فِي الطَّاعَاتِ وَهْيَ كَثِيرَةٌ إِذَا عُدِّدَتْ تَكْفِيكَ عَنْ كُلِّ زَلَّةِ ذُنُوبُكَ مبتد، و فِي الطَّاعَاتِ صفةٌ، وجملةُ وَهْيَ كَثِيرَةٌ مُعترضةٌ، والواو حالية، والهاء ساكنة، وهي لغةٌ، و إِذَا ظرفيةٌ، وعُددَتْ صيغة مجهول؛ أي: جُعلتْ معدودة، والخبرُ تَكْفِيكَ.
الجزء 1 · صفحة 65
والمعنى: ذُنُوبُكَ الكائنةُ في الطَّاعات، والكامنة في طي العبادات؛ من العُجب والغُرورِ والرِّياءِ والسمعة، وسائر المُخالفات، وهي كثيرة، بل كلُّ واحدة كبيرة إذا ذُكرت واحدةً بعد واحدة، وبينت عائدة بعد عائدة؛ تكفيكَ أيُّها المُعجِبُ المَغرورُ والمُبعَد عن مرتبةِ الحُضور عن كل زلَّةٍ ومعصية وخطيئة وسيئة، تستحقُ بها العذاب، وتستوجب بها عقاب الحجابِ؛ فكيف إذا انضمَّتِ السيئات الخارجة عن تقصيراتِ الطَّاعات.
فغفلتك عن هذه الحالات من الغرائب والأعجوبات، وأنتَ عبده وفي جرايته ومقبوض تحت قدرته وإرادته، والله سبحانهُ لا يَظلمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِن نقص ثواب أو زيادةِ عِقاب، مع أنه لو عذَّب أهل سماواته وأرضه على طُولِ مُلكه وعَرضهِ عذَّبهم وهو غير ظالم لهم؛ فكن بين الخوف والرجاء، ولا تعدل عن اعتدال أهل الصفاء والوفاء.
سَبِيْلُكَ أَنْ تَسْتَغْفِرَ اللَّهَ بَعْدَهَا وَأَنْ تَتَلَافَى الذَّنْبَ مِنْهَا بِتَوْبَةِ سَبِيْلُكَ مبتدأ خبرهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ الله بتأويل المصدر، وبَعْدَهَا ظرف له، وضميرها، ومنها إلى الطاعةِ المُشبَّهة بالخطيئة، وأَنْ تَتَلافَى خبرٌ بعدَ خبر وبِتَوْبَةِ متعلق به.
يعني: ليس طريقك إذا عملت طاعةً من الأعمال أن يترتب عليها العُجب والدَّلال، بل سبيلك أن تستغفر الله بعدَ تِلكَ العِبادة من التقصيرات الواقعة في تلك الطَّاعة، وأن تتدارك جنسَ الذَّنْبِ الصَّادِرِ منها فضلاً عما وقع وصدر في أمر خارج عنها بتحصيل التوبةِ، وهي الرجوع عن المعصية إلى الطاعة بالندامة، والإقلاع عن المعصية، والعزم على ألا يعود إليها ألبتة.
الجزء 1 · صفحة 66
والحاصل: أنَّ جملة طاعاتِكَ مخلوطة بالمعاصي في عينِ عِباداتك فضلاً عن سائر حالاتِكِ؛ فكنْ مُستغفراً بلسانك بعد تمامها مُعترفاً بنقصانها وعدم إلمامها، مُقرَّاً باستحقاق العقوبة على فعلها؛ لولا أنَّ الله تعالى يتفضَّلُ عليك بتقبلها، وراجعاً بقلبكوقالبكَ إليه للندامة على ما صدر عنك لديه.
وقد ثبت أنَّهُ و شرف وكرَّمَ لمَّا صلَّى صلاته وسلَّم قال: أستغفرُ اللهَ ثلاثاً، ولعلَّ الاستغفار الأول من التقصير في العمل، والثاني من خُطورِ رؤيته، والثالث من حوله وقُوَّته، وهذه مرتبة الجمع بعد التفرقة، والتفرقة بينهما تَجُرُّ إلى جمع الزندقة. فَيَا عَامِلا لِلنَّارِ جِسْمُكَ لَيْنُ فَجَرَّبْهُ تَمْرِيْنَا بِحَرِّ الظَّهِيرَةِ فَيَا عَامِلاً مُنادى نكرة؛ كيا رجلاً، أو منادى مُشبَّهاً بالمضاف؛ ك: يا طالعاً جَبَلاً، و جِسْمُكَ لَيْن مبتدأ وخبر، والفاء فصيحةٌ، وتَمْرِيْنَا عَلَّةٌ، يُقالُ: مَرَّنهُ فتَمَرَّنَ؛:أي: درَّبهُ فتدرَّبَ، و بِحَرِّ يتعلَّق بالفعل، أو بالمصدر، والظهيرة: هي وقتُ اشتدادِ الحر، والباء ظرفية.
يعني: أيها العامل للنارِ الفاعل صنيعَ الفُجَّارِ؛ بالطاعة المخلوطة بالمعصية، وبالعبادة المُشبَّهة بالخطيئة، وبسائر أنواعِ الذَّنْبِ والسيئة، جسمُكَ لَيِّنٌ، ورسمُكَ هيِّنٌ، وخطؤكَ بَيِّنٌ، وعذابُكَ عين، فجرب كل بدنِكَ أو بعضَ عُضوك بالوضع على رمل حار، أو على جمرة نارٍ؛ لكي تتعود بها وتتمرَّنَ بقربها قريب الزوالِ؛ حيثُ أثرُ شُعاعِ الشمس على وجه الكمال، مع البعد بينك وبينها من المسافة المديدة، وهي من جملة
الجزء 1 · صفحة 67
أجزاء النارِ المعدودة العديدة؛ فإذا كانَ الأمر كذلكَ؛ فارحم نفسك العاجزة لذلك. وفي البيتِ إشارة إلى قوله تعالى تعجيباً منْ عملِ الفُجَّارِ: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: (175)]، وإلى قوله صلى الله عليه وسلم على ما في الصحيحين»: «ناركُم جُزء منْ سبعينَ جُزءاً من نارِ جهنَّمَ، قيل: يا رسولَ اللهِ إنْ كانتْ لكافية! قال: «فُضّلتْ عَلَيْهِنَّ بتسعة وستِّينَ جُزءاً؛ كُلُهُنَّ مثلُ حَرِّها.
وقد وضع إصبعه المُباركة في أطعمة حارة؛ فأثرت فيها الحرارة الطبيعية بمقتضى الانفعالات البشرية، فقال ما معناه: «آه؛ لا نصبر على حَرِّ ولا بردِ ممَّا شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله».
فتأمل أيُّها الغافل في لين جسمِكَ، وضعف صبرك، وقلة حيلتك على ذلك؛ فإِنَّ مَن لا يحتمل حر شمس، ولطمة شرطي، وقرصة نملة في الدُّنيا، كيف يحتمل في دارِ العُقبى حر نار جهنم، وضربَ مَقامعِ الزبانية، ولسعَ حيَّاتِ كأعناقِ البُخْتِ، وعقارب كالبغالِ خُلقت من النار في دار الغضب والبَوارِ، وبهذا الحال أشارَ الشيخُ حيث قال:
وَدَرِّجُهُ فِي لَسْعِ الزَّنَابِيرِ تَ الزَّنَابِيرِ تَجْتَرِي عَلَى لَسْعٍ حَيَّاتٍ هُناكَ عَظِيْمَةِ
***
الواو عاطفة على جَرَّبْهُ، والتدريجُ: فعلُ الشيء درجةً درجةً، ومرتبةً مرتبةً، واللسعُ: اللدغ، والزَّنابيرُ جمعُ الزُّنبور، وتَجْتَرِي من الجُرأَةِ؛ سُكِّنَ همزتُه ضرورةً، ثم أبدلت ياء، أو على مذهب حمزة في الوقف على الهمزة، وهمزة الاستفهام مُقدَّرةٌ على أول الفعل، وهُناكَ ظرف للبعيد، والمُراد: الدار الآخرة، قال تعالى: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بعيدا وَنَرَتَهُ قَرِيبًا} [المعارج: (6)].
الجزء 1 · صفحة 68
والمعنى: ودرّج بدنك اللطيف وجسمك الظريف في لدغ الزنابير هنا في دار الهناء؛ اختباراً وامتحاناً، أتقدرُ للجُرأة على لَسْعِ حَيَّاتٍ عَظيمةٍ وعقاربَ جَسيمةٍ؛ كأمثالِ البُختِ، تلسع إحداهُنَّ اللسعة فتجد حموتها أربعين خريفاً، وإن في النار عقارب كأمثال البغال المؤلفة تلسعُ إحداهُنَّ اللسعة فتجد حموتها أربعين خريفاً هذا.
وفي الحديث الصحيح: «لو أنَّ قطرة من الزَّقُومِ قُطرتْ في دارِ الدُّنيا لأفسدت على أهلِ الأرضِ معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه؟!»، وورد: «لو أنَّ دَلواً من غَسَّاق يُهرَاقُ في الدُّنيا لأنتن أهل الدُّنيا» وعن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: كَالْمُهْلِ [الدخان: (45)]؛ أي: كعَكَر الزيتِ؛ فإذا قُرِّبَ إلى وجهه سقطتْ فَروةُ وجهه فيه، وقد قال تعالى: {وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَزَعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ، وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتِ وَمِن وَرَأَىبِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم: (16) - (17)].
فَإِنْ كُنْتَ لَا تَقْوَى فَوَيْحَكَ مَا الَّذِي دَعَاكَ إِلَى إِسْخَاطِ رَبِّ البَرِيَّةِ فجملة لاَ تَقْوَى محلُّها النصب على أنها خبر كان، وجزاء الشرطِ قوله: فَوَيْحَكَ، و ما استفهامية مبتدأ خبره الموصول بصلته، والبَرِيَّةِ بالهمز على أصله، ويُشدَّد عند الجمهور، ومعناه الخليقة، ومنه قوله تعالى: أُوْلَيْكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} [البينة: (7)]، وشَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: (6)].
الجزء 1 · صفحة 69
أي: فإن كنتَ أَيُّها الضعيفُ بالبدنِ الطري في الدُّنيا لا تقوى على العذابِ الأدنى، ولعَذَابُ الآخرة أشدُّ وأبقى؛ فويحكَ، بل فويلك ثم ويلك ما الباعث الذي دعاك إلى إسخاطِ ربِّ الخلائق بتركِ ما أُمرتَ بهِ من قطع العلائق، ومنع العوائق، ومن الاشتغال بموجباتِ رحمته والإعراض عن المعاصي المُقتضيةِ لسَخَطِهِ وعقوبته؛ فإنَّ رحمة الله قريب من المحسنين، وإِنَّ جهنم لمُحيطة بالكافرين. وخلاصةُ الكلامِ وزُبدة المرام: أنَّ الله تعالى صفات الجلال ونعوت الجمال، وبهما تجتمع أوصاف الكمال، ولكل منهما أعمال، ورجال، ومقام، ومقال؛ فالأنبياء والأولياء مظاهرُ النُّعوتِ الجمالية، والشياطين والكفَّارُ مظاهرُ الصِّفاتِ الجلالية؛ فينشأ من كلِّ من المظهرين ما ناسبهما من العقائد والأعمال والأخلاق والأحوالِ المرضية، أو المُعتقداتِ والأفعالِ والشَّمائلِ الدَّنِيَّةِ؛ كما قال تعالى: {الْخَبِيثَتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَتِ وَالطَّيِّبَتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النور: (26)]. ومال كلِّ من الفريقين إلى ما يليقُ بهما من المكانين، كما قال تعالى: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: (7)]؛ فهم درجات عندَ اللهِ، كما أنهم دركات عندَ اللهِ، فاعملوا فكلُّ مُيَسَّرُ لِمَا خُلِقَ له، وسبحانَ مَن أقامَ العبادَ فيما أراد، وقسَّم القسام والناسُ نيام، والعبرة بالخواتيم، سواء المُسافرُ والمُقيم، ولا نفتح باب القضاء والقدرِ؛ فإنَّ ليسَ لأحد عن حقيقته خبر حتّى العلماء العاملون، بل قل كما قال سبحانه وتعالى: {لَا يسْلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ} [الأنبياء: (23)].
الجزء 1 · صفحة 70
تُبَارِزُهُ بِالمُنْكَرَاتِ عَشِيَّةٌ وَتُصْبِحُ فِي أَثْوَابِ نُسْكٍ وَعِفَّةِ المُبارزةُ: المُظاهرة، والمُفاعلة إذا لم تكن للمغالبة فهي للمبالغة، والضمير راجع إلى الله تعالى، والباء للتعدية، وعَشِيَّةً ظرفٌ، وأراد بها ليلاً بقرينة مقابلته بقوله: تُصْبِحُ ففيهِ صَنعةُ الطَّبَاقِ من البديع، والنسك؛ بضم وسكون: العِبادة، والعِفَّةُ، بالكسر: التعفُّفُ عن المعصية.
والمعنى: إِنَّكَ تُخالِفُ المُطَّلِعَ على الخَفِيَّاتِ من الكليات والجزئيات بفعل المنكرات، وإظهار السيِّئاتِ الواقعة منكَ في الليالي من الساعات التي كانت أولى أن تُصرفَ إلى الطاعاتِ، وتُصبحُ وتدخل في النهارِ حال كونك متلبساً بلباس الأخيار، مُشعراً بشعار الأبرار، مُظهراً أَنَّكَ صاحبُ عبادة، ومُشيراً إلى أَنَّكَ ذُو عِفَّةٍ؛ فهذا واللهِ صفةُ المُنافقين الذينَ يُخادعون الله والمؤمنينَ ونعتُ المُوافقين؛ لِمَا قال تعالى فيهم: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: ???]، وهذا عكس حالِ الخائفين والمخلصين؛ حيثُ يُخفونَ عِباداتهم ويُسرُّونَ طاعاتهم، ويتلبسون بلباس عامة
الناس، ويُظهرون الإفلاس من الاستئناس. بل بالغ منهم جماعةٌ من الصُّوفية؛ تُسمَّى المَلامِيَّة؛ حيثُ يفعلون ما يُتوهَّمُ منه أنَّ صاحبَهُ مُرتكب المعصية؛ دفعاً للخواطر الرديَّة، الحاصلة لهم من الرياء والسمعة، ومنعاً للناس عن الاعتقادِ بهم؛ حيثُ يشغلونَهُم عن الحضرةِ، لكنَّ الكُمَّل منهم مُستقيمون على الجَادَّةِ؛ تارةً في السوق، ومرَّةً في السجادة، لا يطعمون من أحد شيئاً من الملائم، ولا يخافون في الله لومة لائم، ولذا قال الفضيل: العمل للناسِ شركٌ، وتركه للناس رياء، والإخلاص: أن يُخلِّصَكَ اللهُ منهما.
الجزء 1 · صفحة 71
وفيه إشارة لطيفة إلى أن المُخلَصينَ - بفتح اللام - أعلى مرتبةً من المُخلِصينَ بكسرها ـ بل قال بعضُ العارفين في قولهم: المُخلِصونَ على خَطَرٍ عظيم؛ يعني: بنسبته الإخلاص إلى نفسه اللئيم، وبالغَفلة عن فعل ربه الكريم. فَأَنْتَ عَلَيْهِ مِنْكَ أَجْرَى عَلَى الوَرَى لِمَا فِيْكَ مِنْ جَهْلٍ وَخُبْثِ طَوِيَّةِ الفاء تفريعية، أو فَصيحةٌ، وعَلَيْهِ بإشباع الضمير الراجع إلى الله، ومِنْكَ متعلق بـ أجرى أفعل تفضيل منَ الجُرْأَةِ؛ خُفَّفت الهمزةُ، وكذا يَتعلَّقُ به عَلَى الوَرَى وهوَ الخَلْقُ، ولامُ لِمَا عِلَّةٌ، و ما موصولةٌ أو موصوفةٌ، وفِيْكَ معَ مُتعلّقهِ المُقدّر صلته، ومِنْ بيان لـ ما، والتنوينُ في جَهْلِ للتعظيم، والطويَّةُ:
الضمير والنية.
والمعنى:
: فأنتَ بالعمل السَّابقِ على ربِّكَ الخالقِ الرازق أكثرَ جُرأة منكَ على الخلائقِ؛ حيثُ تُبارزه بالمعاصي سراً، وتُظهرُ العبادات للمخلوقين جهراً، وقد قال تعالى: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: (175)].
ودم سبحانَهُ في مواضع من كتابه المنافقين والمرائينَ؛ وهذا كلُّه منكَ إنما هو لِمَا فيكَ من جهل عظيمٍ بمعرفةِ ربِّكَ بل بمعرفة نفسك وغيرك، ممن هو مخلوق و عاجز مثلُكَ، ولِمَا فيكَ من خَباثة ضميرك ونيَّتك، والله أعلم.
تَقُولُ مَعَ العِصْيانِ رَبِّيَ غَافِرٌ صَدَقْتَ وَلَكِنْ غَافِرٌ بِالمَشِيْئَةِ مَعَ العِصْيانِ حال، والمقول جملة رَبِّي غَافِرُ وهو بفتحِ ياء الإضافةِ، والمَشيئة بالهمز ويُبدلُ ويُدعم. والمعنى: تقولُ حالَ كونِكَ مُباشراً للعصيانِ ومُعاشراً لأربابِ الظُّلم والطغيانِ: ربِّي موصوفٌ بنعتِ الغُفرانِ صدقت في هذا القولِ بالاتفاق؛ لكن أخطأت حيثُ عبرت عنه بالإطلاق؛ فإِنَّهُ لا شكَّ أَنَّهُ غافرٌ لِأهلِ المَعْصية ولكنْ غافر مُقيَّد بالمشيئة؛
الصفحة 302
الرسالة ?? - الرسالة التائبية في شرح التائية
الجزء 1 · صفحة 72
حيثُ قالَ: يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء} [آل عمران: ???]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: (48)].
فالحكم إذا كانَ مُقيَّداً بالمشيئة لا يُحكم بتعلُّقها بكُلِّ معصية، فكنْ بين الخوفِ والرجاء، واتركِ السُّمعةَ والرياءَ؛ فلا يأمن مكر الله إلا القومُ الخاسرون، ولا ييأس من روحِ اللَّهِ إلا القومُ الكافرونَ.
وَرَبُّكَ رَزَّاقُ كَمَا هُوَ غَافِرٌ فَلِمْ لا تُصَدِّقُ فِيْهَمَا بِالسَّوِيَّةِ الكاف للتشبيه، و ما كافَّةٌ، وسُكِّنَ ميمُ فَلِمْ والقافِ للنظم، والضميرُ فِيْهَمَا
راجع إلى الوَصفين، و السَّوِيَّةِ صفةٌ لموصوف محذوف؛ أي: بالطريقِ السَّوِيَّة.:يعني: وَرَبُّكَ رَزَّاقُ أي: كثيرُ الرِّزْقِ لعباده، كما أنه غافر لعباده فلم لا تُصَدِّقُ في الوصفين بالاستواء بين النعتين؛ حيثُ تسعى وتجتهد في أمرِ المَعيشة إلى أن ترتكب كثيراً من المعصية، ولم تتوجه إلى الطاعة والعبادة، ولم تتوكل على الله، ولم تخترِ العِفَّةَ والزَّهادة، ولم تقل: هو رازق ولو ترك العبد اجتهاده، وإذا صدر منك شيءٌ من الصَّغائر والكبائر؛ تقول: ربي غفور وكريم وغافر، مع أنه قيد المغفرة؛ حيثُ قال: {وَإِنِّي لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ} [طه: ??]، وجعلها مُبهمةً تحت المشيئة في مواضع من الكتاب، وأطلق باب الرزق على وجوه الخلق؛ حيثُ قالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: (58)]، {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ} [الروم: (40)]؛ تعميماً للمؤمنين والكافرين، وكان مقتضى المقابلة أن يقول: غَفَّارُ بصيغة المُبالغة لكن عدل عنه للضرورة.
الجزء 1 · صفحة 73
هذا؛ وقد قال أبو مطيع لحاتم الأصم: بلغني أنك تقطعُ المفاوزَ بالتوكُل بغيرِ زادٍ؟! قال حاتم زادِي أربعة أشياء، قال: وما هي؟ قال: أرى الدُّنيا والآخرة مملكة الله، وأرى الخلقَ كلَّهم عَبيداً للهِ وعِيالَهُ، وأرى الأرزاق والأسباب كلَّها بيد الله، وأرى قضاء الله تعالى نافذاً في جميع أرض الله تعالى؛ فلا يهولني شيئاً غير الله تعالى، قال أبو مطيع: نِعْمَ زادُكَ يَا حَاتِمُ، وَإِنَّكَ لَتَجُوزُ يها مفاوز الآخرة أيضاً.
ولقد صدق من قال من أرباب الحالِ:
أَرَى الزُّمَّادَ فِي رَوْحِ وَرَاحَةً قُلُوبُهُمُ عَنِ الدُّنْيا مُزَاحَةً إِذَا أَبْصَرتَهُم أَبْصَرتَ قَوْماً مُلُوكُ الأرض سيمتُهمْ سماحة لِأَنَّكَ تَرْجُو العَفْوَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ وَلَسْتَ تُرجي الرِّزْقَ إِلَّا بِحِيْلَةِ تُرجي بتشديد الجيم؛ مِن رَجَا؛ مبالغةُ رجاء، وجملة وَلَسْتَ حالٌ، أو
عطف على تَرْجُو. يعني: عدم تصديقك في وضفَي ربِّكَ من الغَفَّارِيةِ والرَّزاقِيَّةِ على طريقِ السَّويَّة إنما عُلِمَ لأنكَ ترجو العفو من غير توبة جزماً، ولا تُقيّده بالمشيئة جزماً، مع أنَّ المغفرة المُطلقة مُقيّدة بالمشيئة، والمغفرة المجزومةُ مُعلَّقة بالتوبة، والحال أنك لم ترجو رزق المعيشة إلا بِكَدٌ وجِدٌ، وَمَكْرٍ وحِيلةٍ.
الجزء 1 · صفحة 74
عَلَى أَنَّهُ بِالرِّزْقِ كَفَّلَ نَفْسَهُ لكلِّ وَلَمْ يَكْفُلْ لكل بجنَّةِ على بمعنى مع، و كَفَّلَ بالتشديد؛ بمعنى ضَمِنَ، وَلَمْ يَكْفُلْ بضم الفاءِ مخفّفاً بمعناه، والجارانِ متعلقان بهما؛ يعني: أنك عكست القضية، وقلبت المسألة؛ حيثُ تجزم بالعفو من غير التوبة وتجتهد في تحصيل المعيشة بالحيلة، مع أنَّهُ تعالى جعل ذاتَهُ سُبحانَهُ كفيلاً لأرزاق جميع عباده، وضامناً لِمَعاش كلّ عباده، ولم يضمن لكل من المخلوقات بدخول الجنة وحصول الدرجات، بل قال: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَيْنِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجزَنهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى} [النجم: (39) - (41)]، وهذا معنى قوله:
قلم تَرْضَ إِلَّا السَّعي فِيْمَا كُفِينَهُ وَإِهْمَالَ مَا كُلَّفَتَهُ مِنْ وَظِيفَةِ كُفِيْتَهُ و كُلُّفْتَهُ مجهولان، و إِهْمَالَ منصوب على السَّعْي، ومِنْ بيانُ
ما الثانية، وبيانُ الأُولى محذوف، وهو من رزق.
يقول: فلم ترضَ أيُّها السَّالك في الدينِ والمُعتقدِ أَنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذو القوَّةِ المتين، إلا السَّعْيَ والإسْراعَ في تحصيلِ المَعَاشِ على وجهِ الجِدِّ والجَهْدِ والكَدِّ والاجتهاد، وإهمالِ ما كُلَّفتَهُ من وظيفةِ العِبادات على العِبادِ؛ من ارتكاب المأمورات واجتناب المحظورات، وكانَ القياسُ العقلي بمقتضى النص النقلي: أن تُهملَ السَّعي في المعيشة وتُجاهِدَ في فعل الطاعة وتركِ المعصية، كما هو شأنُ أكابر الصُّوفية، ولذا قالُوا: العَوَامُّ في أمرِ الدُّنيا قَدَري، وفي أمرِ السَّعْيِ جَبْرِيٌّ، والخَوَاصُّ في أمرِ المَعَاشِ جَبْرِيُّ، وفي أمرِ المَعَادِ قَدَرِيٌّ، والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 75
تُسِيءُ بِهِ ظَنَّا وَتُحْسِنُ تَارَةً عَلَى نَحْوِ مَا يَقْضِي الهَوَى بِالقَضِيَّةِ ساءَ لازم، وأساءَ مُتعدِّ، ومنه البيتُ، وكَذَا حَسَنُ وأَحْسَنُ، و ظَنَّاً مفعولُ بهِ وتَارَةٌ بمعنى مرة، مفعول مطلق، و عَلَى متعلق بمقدر؛ أي: على نحو؛ بمعنى مثل، و ما موصولةٌ، أو موصوفةٌ، أو مصدرية، واللام في الهوى معهودة، أو بدل عن المُضاف إليه؛ أي: هوى النفس، وبينَ تُسِيءُ و تُحْسِنُ صنعةُ الطباق، وبينَ يَقْضِيْ والقَضِيَّةِ صَنعةُ الاشتقاق.
يعني: تُسيء الظن به تعالى مرَّةً، وتُحسنه به كرَّةً؛ بناءً على وفق ما يحكمُ به هوى نفسك الأمارة في القضية التي فيها الأَمَارَةُ والعَلَامَةُ بالتسوية في أنه موصوف بالصفاتِ العُلى والأسماء الحسنى، وأنتَ مأمورٌ بأَنَّكَ تُحسِنُ الظَّنَّ بالمولى في أمور الدنيا والأخرى.
ففي الحديث القدسي: «أنا عِندَ ظَنِّ عبدِي بِي فليظُنَّ بِي مَا شَاءَ»، وقالَ: «لا يموتَنَّ أَحَدُكُم إِلَّا وهوَ يُحسنُ الظَّنَّ بِاللهِ تعالى.
لكن هنا دقيقة بالتحقيقِ حَقِيقيَّةٌ، وهيَ أَنَّهُ لا يَشتبه عَلَيكَ حُسنُ الظَّنِّ والرجاء بالتمني والغُرورِ والهوى؛ فإنَّ الأول محله إذا قام بالطاعة ورجاء المثوبة؛ كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَولَتَبكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ} [البقرة: ???]، والثاني محمله إذا عَمِلَ المعصية وجزم بحصول المغفرة، ولذا قال: «العاقل مَن دانَ نفسَهُ وعَمِلَ لِمَا بعد الموتِ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله.
الجزء 1 · صفحة 76
هذا؛ واعلم أنَّ الحجاب الأكبر بالنسبة إلى الأكثر هو هم الرِّزْقِ في الدُّنيا، والغَفْلَةُ عن هَمَّ العُقْبَى؛ فمسكين ابنُ آدمَ لو اهتم بأمرِ الأُخرى كما يعتني بأمرِ الدُّنيا لكفي همَّهُما وتمَّ له جمعُهُما، لكن غلبت عليه الأُولى؛ فضاعت أيضاً عليه الأخرى. وقد ذكرَ الله سبحانه أمرَ الرِّزْقِ في كتابه وأمر الخلق بالتوكل عليه في
بابه، وعرفهم بالعبارة، وبيَّنَ لهم بالإشارة؛ حيثُ قَالَ اللهُ: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ} [الروم: ??] فدل على أنَّ الرزق من الله لا من غيره كالخلق وسائر الأمور من قضائه وقدره، ثم لم يكتف بالدلالة والإشارة حتى وعد بصريح العبارة؛ فقالَ: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ} [الذاريات: (58)]، ثم لم يكتفِ بالوعد لمُخالفة المخلوقينَ في العهد حتى ضَمِنَ؛ فقالَ: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: (6)]، ثم لم يكتف بالضمان حتى أقسم: فقالَ: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقُّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تنطقون} [الذاريات: (23)]، ثم لم يكتف بذلك كلَّه حَتَّى أَمَرَ بالتوكُل وأبلغ وأنذر، فقالَ: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: (58)]، وقال: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} [الشعراء: ???]، وقال: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: (23)]. فمَن لم يعتبر قولَهُ، ولم يكتفِ بوعده، ولم يطمئنَّ بضمانه، ولم يقنع بقسمته، ثم لم يُبالِ بأمره ووعده ووعيده؛ فانظر ماذا يكونُ مال حاله؛ فانتبه أيَّةً مِحنةٍ تجيئه من هذه، وأية مصيبة شديدة، ومحنة أكيدة، ونحنُ منها في غفلة عظيمة، وغيبة وسيمةٍ. ثم اعلم أنَّ الرزق أربعة أقسام: مضمون، ومقسوم، ومملوك، وموعود: فالمضمون: هو الغذاء، وما به قوام البناء؛ فالضّمان من الله تعالى لهذا النوع، ويجب التوكَّلُ بإزائه.
الجزء 1 · صفحة 77
وأما المقسوم: فما كتبه الله في اللوح المحفوظ مما يأكله ويشربه ويلبسه كل أحد بمقدار مقدرٍ ووقت مؤقت لا يزيد ولا ينقص، ولا يتقدم ولا يتأخَّرُ؛ فقد ورد: الرِّزْقُ مُقسَّم مفروغ منه، ليس تقوى تقي بزائده، ولا فجور فاجر بناقصه، ولهذا قيل:
وكَمْ قَوِيٌّ قَوِيٌّ فِي تَقَلُّبِهِ مهذب الرأي عنه الرزق منحرف وكَمْ ضَعِيفَ ضَعِيفٌ فِي تَقَلُّبِهِ كَأَنَّهُ مِنْ خليج البَحْرِ يَغْتَرِفُ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الإِلَهَ لَهُ فِي الخَلْقِ سِرٌّ خَفِيٌّ لَيْسَ يَنْكَشِفُ
وأما المملوك: فما يملكه كلُّ واحدٍ من أموالِ الدُّنيا على حسبِ ما قَدَّرَ الله عزّ وجلَّ، وقسم لهُ أن يَملكه، وهو من رزق الله تعالى، قال تعالى: {أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم [البقرة: (254)]؛ أي: مما ملكناكُم.
وأما الموعود فهوَ ما وعد الله المتقين من عباده بشرط التقوى حلالاً من غير كد وتعب، قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: ? - ?]، وفي الحديثِ: «أبى الله أن يرزق عبدَهُ المُؤمِنَ إِلَّا مِنْ حيثُ لا يحتسب»، ولهذا قالتِ الصُّوفية: المعلومُ شُومٌ، فلعلَّهُ لِمَا يتعلَّقُ به النفس المشؤوم، ويصيرُ الشَّخصُ به الملوم، وقد ورد: «أربعة قد فرغ الله منهُنَّ: الخَلْقُ، والخُلُق، والرِّزْقُ، والأجلُ»، انتهى
الجزء 1 · صفحة 78
فإِيَّاكَ والأمل، وعليك بحُسنِ العَمَلِ حتى يأتيك الأجل، وقد قالَ: «مَن جعلَ الهُمومَ همَّاً واحداً هم آخرته؛ كفاه اللهُ همَّ الدُّنيا والآخرة». وفي الدُّعاء النبوي: «اللهُمَّ اقْسِمْ لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبينَ معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتكَ، ومن اليقين ما تُهوِّنُ به علينا مصائب الدُّنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارِنا وقُوَّتِنا ما أحْيَيْتَنا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدُّنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، يا ذا الجلال والإكرام، يا
أرحم الراحمين، وسلامٌ على المرسلين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ. إِلَهِيَ لَا وَاخَذْتَنَا بِذُنُوبِنَا وَلَا تُخْزَنَا وَانْظُرْ إِلَيْنَا بِرَحْمَةِ حذف حرفُ النداء مِن إِلَهِي وهو بفتح الياء لغةٌ في يا غُلَامِي، والمُواخذةُ بالواو لغةٌ في المُؤاخذة بالهمز، والجملة المنفية خبرٌ معناه الإنشاء، فأُريد به الدعاء، فيؤول الكلام إلى لا تُؤاخذنا؛ فصح عطف ما بعدَهُ عليهِ، و بِرَحْمَةِ متعلق بـ انْظُرْ وهي صفةٌ لموصوف محذوف؛ أي: بنظرة رحمة. و في البيت التفاتُ من الخَلْقِ إلى الخالقِ؛ فإن النهاية هي الرُّجوع إلى البداية، وهو المبدأ، وإليه المنتهى سبحانه وتعالى.
وفيه إشارة إلى عجز العبد، وضعف حالته، والرجوع إلى قدرة الرب وقوته، وأن كل أحد لا يخلو من الذُّنوبِ، ولا يطهر بالكلية من العيوب، ولذا أكمل البشر صلوات الله وسلامه عليه قال: «استغفروا؛ فإنِّي أستغفرُ اللهَ في كلِّ يوم سبعين مرةً»، وفي رواية «مئةَ مرة».
الجزء 1 · صفحة 79
وفي هذه النسبة رجوع من مقامِ التفرقة إلى حال الجمع، ومن الفناء إلى البقاء، ومن الغَيبةِ إلى الحضور، وقد ورد في الدعاء المأثور: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك»، وفي رواية: «فإنَّكَ إنْ تكلني إلى نفسي تكلني إلى ذنب وعورة وخطيئة؛ فإني لا أثق إلا برحمتك».
وحاصل البيتِ إلهي لا تُؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا بذنوبنا، ولا تفضحنا يوم القيامةِ على رؤوس الأشهادِ بعيوبنا، وانظر إلينا بنظر الرحمة ليحصل مطلوبنا؛ فإِنَّكَ أرحم الراحمين، ونحنُ من جملة الظالمين، ولو عمِلْتَ بالعدل فينا لكُنَّا الهالكين، ولكنْ فضلُكَ قديم، وكرمُكَ عميم، وأنتَ الرؤوف الرحيم. وَخُذْ بِنَوَاصِيْنَا إِلَيْكَ وَهَبْ لَنَا يقيناً يَقِيْنَا كُلَّ شَكٍّ وَرِيْبَةِ الواو عاطفة، والباء للتعدية، وإليكَ حال متعلق بمقدَّرٍ وهَبْ أمرٌ من الهبة، ويقيناً مفعوله، وجملة يَقِيْنَا صفته، وهو فعل مذكرٌ غائب، من وَقَى يَقِي؛ بمعنى حَفِظَ، وضميره المستتر راجع إلى اليقين، وضمير المتكلم مفعوله الأول، والثاني كُلَّ شَكٍّ، ثم الناصيةُ: قصاص الشعر على ما في «القاموس»، وقد قال تعالى: {مَا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَآخِذُ بِنَاصِيَنَهَا} [هود: (56)]؛ أي: إلا هو مالك لها، قادر عليها، يصرفها على ما يُريد بها، والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك؛ ذكره البيضاوي. والمراد هنا: أخذ خاص يحصل للخواص، وهو أن يوجه وجه عبده عما سواه
إليه، حتى يتوكل في جميع أموره عليه، فالمعنى: وخُذْ يا إلهي بنواصينا ومَلاكِ قُلوبنا وقوالبنا وأهلينا؛ متوجهين وقاصدين، ومنتهين عما سواكَ إِليكَ مُعرضين عن غيرِكَ، معتمدين عليك، وهب لنا من لدنك علماً يقيناً دائماً صادقاً حتى نعلمَ أَنَّهُ لا يُصيبنا إلا ما كتبت لنا، ويقينا ذلك اليقين، ويحفظنا من كل شكٍّ ورِيبةٍ في الدينِ؛ فإِنكَ أَنتَ المُوفّق والمُعين.
الجزء 1 · صفحة 80
إلهي اهْدِنَا فِيْمَنْ هَدَيْتَ وَخُذْ بِنَا إِلَى الحَقِّ نَهْجَا فِي سَوَاءِ الطَّرِيْقَةِ الهداية: الدَّلالةُ المُوصلِةُ إلى المطلوبِ والنَّهْجُ؛ بالفتح والسكون: الطريقُ الواضح؛ كالمنهج.
والمعنى: إلهي! دلنا على المطلوب، واهدنا إلى المحبوب، وثبتنا على الصراط المستقيم، مندرجين في سِلكِ مَن أنعمت عليهم من الأنبياء والأولياء بالدين القويم، وخُذ بنا وبقلوبنا وأبداننا ووجوهنا وتوجهنا على كل جهة ووُجهةٍ إلى سبيل الحقِّ من العدل والصدق، حال كون ذلك الحق يكونُ واضحاً ظاهراً لائحاً في الطريقةِ الجادّةِ المُستوية، غير الزائغة إلى الطُّرقِ
المنحرفة المائلة إلى الكَفَرةِ أو المبتدعة والفَجَرة.
وحاصل البيت معنى ما ورد في أُمّ الكتاب من الدُّعاء الجامع لكلِّ بابٍ، ولذا قالَ الغَزالي: هو أفضل الأدعية، كما أنَّ ما قبلَهُ أَفضلُ الأَثْنيةِ، وَلِذَا طُولِبَ العبد بقراءته في كل يوم خمسَ مرَّاتٍ لاشتماله على ما يَعجَزُ عن تفصيلهِ مُجلَّدات. ومجمله: أن الصراط المستقيم في الدُّنيا كالجسرِ المُعبَّرِ فِي العُقبَى في كونِ كلَّ منهما أحد من السيف وأدقُّ من الشَّعرِ في نظر أولي النُّهَى، وقد قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: (153)]،
وهو طريق الإسلام، والأخذُ بالكتاب وسنة النبي عليه الصلاةُ والسلام، كما أشار إليهِ في حديث: «استفترقُ أُمَّتِي على سبعينَ فِرقةٍ كلُّهم في النارِ إلا واحدةً، وهي ما أنا عليه وأصْحَابِي».
وَكُنْ شُغْلَنَا عَنْ كُلِّ شُغْلٍ وَهَمِّنَا وَبُغْيَتَنَا عَنْ كُلِّ هَمْ وَبُغْيَةِ الهَمُّ هنا: بمعنى القَصْدِ والإرادة، والبُغْيِةُ، بالضم والكسر: الطلب والمطلوب.
وفي البيتِ لف ونشر مُرتبيَّن من صنيع البديع.
الجزء 1 · صفحة 81
يعني: وكُنْ إلهي بذكرك وشكرك وتوفيق أمركَ شُغلَنا بدلاً عن كلِّ شُغْلِ؛ مِنْ كُلِّ قول وفعل يُشغلنا عن معرفةِ ذاتِكَ وصِفَاتِكَ، وعن العمل بطاعاتك وعباداتِكَ، وكُنْ قصدَنا وإرادتنا وبُغيتنا وطلبتنا بدلاً عن كلّ قصد وإرادةٍ وبُغية وطلبة تكونُ
متضمنةً لغرض من الأغراض الفاسدة، أو مُشتملةً على الأعراض الحاسدة. وَصَلَّ صَلَاةً لَا تَنَاهَى عَلَى الَّذِيْ جَعَلْتَ بِهِ مِسْكَا خِتَامَ النُّبُوَّةِ صَلَاةٌ تنوينها للتعظيم، وهي منصوبةٌ على المصدرية أو على المفعولية؛ على تجريد صل بمعنى بلغ، وتَنَاهَى حُذف منه إحدى التاءين، وعَلَى متعلّق بـ صَلّ، أو بالصلاة، والموصول صفةٌ لموصوف محذوف، وجَعَلْتَ بمعنى صيَّرت، والمنصوبانِ مفعولاهُ. يعني: اللهم بلغ صلاةً عظيمة حاوية تسليمة وسيمةً، من كثرتها لا تتناهى على النبي الذي جعلت بسبب ظهوره ووجودِ نوره ختام نبوتهِ مُشَابهةً بالمِسكِ وفَوْحتِهِ؛ حيثُ وصلت صيته شرقاً وغرباً، وعُجْماً وعَرَباً، وإنساً وجِنَّاً، ومُلْكاً وفَلَكاً.
وَآلِ وَصَحْبِ أَجْمَعِيْنَ وَتَابِعِ وَتَابِعِهِمْ مِنْ كُلَّ إِنْسٍ وَجِنَّةِ جُرَّ آل بالعطف على الموصول إشارة إلى أنهم ومَنْ بعدهم تابعونَ في انسحابِ الصَّلاةِ عليهم، والمُرادُ بِالآلِ: أهل بيت النبوة من عشيرته الأقربين، وبالصَّحَابي: كلُّ مَن لَقِيه مؤمناً به ومات على الإيمان، والتابعي: مَن رأى الصحابي بشرط الإيمان.
الجزء 1 · صفحة 82
وفي تأكيد أجمَعينَ لشمول جميعِ أفرادِ الآل والأصحاب على وجه الاستيعاب إشارة إلى بطلان مذهبِ الخوارج والرافضة؛ حيثُ ترك الأولون محبة بعض أهل بيتِ النُّبوَّة، والآخرون محبةَ بعض الصحابة، وإنَّ الصوابَ حُبُّ الجميعِ كما عليه أهل السنة والجماعة. والمراد بالتابع الجنس، ولذا صح إتيان ضمير الجمع في قوله: وتابعهم، وأُريد بأتباع التابعين: جميع المؤمنين إلى يوم الدين من كُلّ إنس وجِنِّ، المُعبّر عنهما بالتَّقلَينِ، وتخصيصهما لكونهما من المُكلَّفين بالمتابعة في أمور الدين رضي الله عنهم أجمعين.
ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غِلًّا للذين آمنوا، ربَّنا إِنَّكَ رؤوفٌ، رحيم، فأَمِتْنا على الصراط المستقيم ببركة القرآن العظيم، وبجاهِ الرَّسولِ الكريم، والحمدُ لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على خُلاصةِ المَوجوداتِ، وسلامٌ على المرسلين، والحمدُ للهِ رَبِّ العالمينَ. قال مؤلّفه: فرغَ بمكة المكرمة قبالة الكعبة المُعظَّمة في شهرِ ذِي القَعْدَةِ، عامَ
ست بعد الألف من الهجرة، على صاحبها أُلوفُ التحية.
والحمد الله وحده، وصلَّى اللهُ علَى مَنْ لا نبِيَّ بَعْدَهُ.
***
جاء في آخر النسخة الخطية المرموز لها بـ «ح»: قابلت هذه النسخة وصححته في غرة ربيع الآخر، سنة اثنتان وعشرين ومئة بعد الألف، وأنا الفقير عبد الوهاب الشهير بذاكر زاده