الجزء 1 · صفحة 5
الذخيرة الكثيرة في رجاء مغفرة الكبيرة
تأليف العلامة
المَلا عَلَى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
الحمدُ للهِ المُطَّلِع على الظواهِرِ والسَّرائر، والغافِرِ لمَن شاءَ ما شاءَ من الكَبائِرِ والصَّغائِرِ، والصَّلاة والسَّلامُ على نور الأبصار والبصائر، وعلى آله وصحبه نُجومِ الدَّوائِرِ ورُجومِ الزَّواجِرِ.
أَمَّا بعد: فيقولُ المُفتَقِرُ إِلى عَفْوِ ربِّه البارِي، علي بن سلطانِ محمَّدٍ القارِي: لمَّا رأيتُ كلام الإمامينِ الهُمامينِ، أحدُهُما من أعلم علماءِ الشَّافعيّة، وثانيهما من أفضَلِ فُضَلاء الحنفيّة، وهما الشَّيخُ ابنُ حَجَرِ المكَّيُّ، وأميرُ بَادْشَاهِ البُخَارِيُّ، رَحِمَهُما اللهُ تعالى ونفعنا ببركة علوم كلِّ منهما وتقواه؛ مُتَعارِضَينِ مُتَناقِضَين، حيثُ نفى الأَوَّلُ تكفير الكبائرِ مُجمَلاً بسبب أداء الحج المبرور، وأثبته الثاني مُطلَقاً من غير تفصيل. وصارَ أحدهما موقعاً للنَّاسِ في اليأس، والآخَرُ أوقَعَهُم في الأمن والالتباس، ولا شكّ أنَّ كلَّا منهما وقع في جانب من الإفراط والتفريطِ، وحَصَل من كِلَيهما نوع من التخليطِ والتَّخبيط؛ لأنَّ الأدلَّةَ السَّمعيَّة من الآثار الحديثيَّةِ كَثُرَت ممَّا يُشْعِرُ بتكفير الكبائر مع الاتفاق على مَحوِ الصَّغائرِ، لكنْ من المعلومِ عند أرباب البصائر أنَّ من جملة الكبائر بعضَ حُقوقِ اللهِ؛ كتركِ الصَّلاةِ والصَّومِ، ممَّا أجمع العلماء على أنَّه لا بد من قضائهما ولو بعدَ التَّوبة التي هي أقوى أنواع الكفَّارة، ومن جُملَتِها بعضُ حقوقِ العبادِ؛ كقَتلِ النَّفْسِ وأخذِ مالِ النَّاسِ ظُلماً في البلاد.
الجزء 1 · صفحة 7
ولا ريب في أنَّ مُجرَّدَ أَداءِ الحَجِّ لا يُكفِّرُ نحوَهما من غير تمكين للنَّفْسِ، ورَدَّ مال المظلومين، أو الاستحلال من أصحابه الموجودين.
نَعم؛ الكبائر المُتعلّقةُ بحق الله تعالى التي لا قضاء فيها ولا استدراك منها؛ كشُرب الخمر ونحوها، وكذا المُتعلّقة بحقوق العبادِ التي لا يُتَصوَّرُ تَدارُكُها لعَدَمِ علم بوجود أهلها، أو لعَدَمِ قُدرة على استحلالها، يُرجَى أن تكونَ مَغفورةٌ إِذا كانت الحَجَّةُ مبرورة.
إلا أنَّ الحج المبرور على ما نقَلَه العَسْقَلانِيُّ عن ابن خالويه هو المقبولُ. وهو كما تَرَى أمرُه مَجهولٌ.
وقال غيره: هو الذي لا يُخالطه شيءٌ من المعاصي، ورَبَّحَه النَّووِيُّ 2. وهذا هو الأقرَبُ وإلى قواعِدِ الفِقهِ أَنسَبُ لكِنْ معَ هذا لا يخلو عن نوع من الإبهام؛ لعَدَمِ جَزْمِ أحدٍ بِخُلُوه عن نوع من الأنام.
وقيل: الذي لا رياءَ فيه ولا سُمعَةً، ولا رَفَثَ ولا فُسوق. وهذا داخِل فيما قبله. وقيل: الذي لا مَعصِيَةَ بعده.
وقال الحسَنُ البَصْرِيُّ: الحج المبرور أن يرجع زاهِداً في الدُّنيا راغباً في العقبى.
وقالَ القُرطبيُّ: الأقوال التي ذُكِرَت في تفسيره مُتقارِبةُ المَعنى، وأنَّه الحج الذي وفيت أحكامه، ووَقَعَ مَوقِعاً كما طُلِبَ من المُكلَّف على الوجه الأكمل. انتهى
وأَمَّا مَنَّ حجّ بمال حرام وارتكاب آثامٍ فإذا قالَ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيكَ، يُقال له: لا لبَّيْكَ ولا سَعدَيكَ، وحجُكَ مَردودٌ عليك.
وقد رُوي عنه: «إذا حَجَّ الرَّجُلُ بالمال الحرام، وقال: لبيكَ اللَّهُمَّ لبَّيْكَ، قال الله تعالى: لا لبيك ولا سَعْدَيكَ، حتّى تردَّ ما في يديكَ». وزاد في رواية: «وحَجُكَ مَردُودٌ عليكَ».
وفي أُخرَى كَسْبُكَ حَرامٌ، وثيابُكَ حَرام، وزادك حَرامُ، ارْجِعْ مَأْزُوراً لا مَأجُوراً، أَبشِرْ بمَا يَسوؤُكَ».
وما أحسَنَ مَنْ قالَ من أرباب الحالِ:
الجزء 1 · صفحة 8
إذا حَجَجْتَ بمالٍ أصله سُحْتُ فما حَجَجْتَ ولكِنْ حَجَّتِ العِيرُ لا يقبل الله إلا كل طيبة ما كلُّ مَن حَجَّ بَيتَ اللهِ مَبْرُورُ وقد حَجَّ زين العابدين رضي الله عنه، فلما أحرَمَ واسْتَوَتْ به راحِلَتُه اصفر لونه وارتَعَدَ بدَنُه، ولم يستطع أن يُلبّي، فقيل له: ما لَكَ لا تُلبّي؟ فقالَ: أَخشَى أَن يُقالَ لي: لا لبيك ولا سَعدَيكَ، فلمَّا لبى غُشِيَ عليه، وسَقَطَ عن ناقَتِه، فهُشِمَ وَجهُهُ 4. وقال بعضُ السَّلَفِ: كنتُ بذي الحليفة وشاب يريد أن يُحرِمَ، فكان يقولُ: يا ربِّ أُريدُ أن أُلبي وأخشى أن تُجيبني بلا لبيك ولا سَعْدَيكَ، وَجَعَلَ يُردِّدُ ذلك مراراً، ثمَّ قالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبّيك، مدَّ بها صَوتَه، وخَرَجَت معها رُوحُه، رحمه الله تعالى، ورَحِمَنا به وبأمثاله.
وعن بعضهم: رأيتُ بذي الحليفة شاباً وقد لبس إحرامه، والنَّاسُ يُلبونَ، وهو لا يُلبي، فقلتُ: جاهل، فدَنَوتُ منه، فقلتُ: يا فتى، فقالَ: لبَّيْكَ، فَقُلتُ: لِمَ لا تُلبي؟ قال لي: يا شَيخُ، أخافُ أن أقول: لبيك، فيقول: لا لبيك ولا سَعدَيك، ولا أسْمَعُ كلامك ولا أنظُرُ إليك، فقلتُ: لا يفعَلُ؛ إنَّه كريمٌ، إذا غَضِبَ رَضِيَ، وإِذا رَضِيَ لم يغضَبْ، وإذا وَعَدَ وَفَى، وإذا أَوعَدَ، عفى، فقال: يا شيخُ أَتُشيرُ عليَّ بالتَّلبية؟ فقلتُ: نعم، فبادَرَ إلى الأرض واضطجَعَ وجَعَلَ حَدَّه على الأرضِ، وأَخَذَ حَجَراً فَجَعَلَه على خده الآخر، وأسبَلَ دُموعَه، وأقبَلَ يقولُ: لبيك اللهم لبَّيْكَ، وهذا مَصْرَعي بينَ يَدَيكَ، فأَقامَ ساعةً وقامَ ومَضَى. فإذن يجب على العبدِ أن يكونَ بينَ الرَّدُّ والقَبولِ، وبينَ الخَوفِ والرَّجاءِ في حصولِ المَسؤولِ وَنَيْلِ المَأْمولِ.
الجزء 1 · صفحة 9
إذا عَرَفْتَ هذا فقوله: «مَن حَجَّ فلم يرفث ولم يفسق، رَجَعَ كيوم وَلَدَته أُمه، على ما رواه البخاري في صحيحه»، والإمام أحمد في مسنده»، والنسائي وابن ماجه في «سُنَنِهما»؛ ليس فيه دلالة صريحة على تكفير الكبائر، كما لا يخفى على أرباب البصائر؛ لأنَّه مَشروط بعدَمِ وُجودِ الفِسْقِ سابقاً ولاحقاً وحالاً، وفيما بينهما محققاً، لا سيما إذا جَعَلتَ الجُملة حاليَّة، ولا شكّ أنَّ المُصِرَّ على المعصية فاسق، وصاحِبُ كبيرة، فلا يكون داخلاً في الجزاء على أداء الحج، مع أنَّ الشارع كثيراً ما يُطلق مثل هذه العبارة في بابِ الترغيب والترهيب على وجه المُبالغة في الوعد والوعيد، والتقريب والبعيد. فاندَفَعَ به من وجوه كثيرة قول القائل: وهل يُقالُ لِمَن بقيت عليه الكبائر: رَجَعَ كيوم ولدته أُمَّه، لا يقول مثل هذا أحد من أهلِ اللَّسانِ، فما ظَنُّكَ بمَن أَفْحَمَ
بفَصاحتِه فُصَحاءَ عَدنانِ، وَبِبَلاغَتِهِ بُلغاءَ قَحْطَانِ؟
وأما قوله: مَن أضحى يوماً مُلبياً حتَّى غَرَبتِ الشَّمسُ غَرَبَتْ بِذُنوبِهِ، فعادَ كما وَلَدَته أُمُّه»، على ما رواه أحمد في «مُسنَدِه»، وأبو داود في «سُنَيْه» عن جابر رضي الله عنه، فهو يدلُّ على ما ذكرناه مُفَصَّلاً، وإلا فالإجماع على أنَّ مَن أَضحَى يوماً مُلبياً لا يكونُ مُكَفِّراً لكبائره أصلاً، إلا إن أرادَ الله تعالى به فَضْلاً، ونظير هذا الترغيب كثير.
منها: ما أخرجه أبو ليلى عن عُقبة بن عامر رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «مَن قامَ إذا استقبلته الشَّمسُ فتَوضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضوءَه، ثمَّ قامَ فصلَّى ركعتين، غُفِرَ له خَطاياه، وكان كما وَلَدَتْه أُمُّه».
الجزء 1 · صفحة 10
وأَمَّا قَولُه: مَن قَضَى نُسُكَه، وسَلِمَ المُسلِمون من لسانه ويده، غُفِرَ له ما تقَدَّمَ من ذَنبِه، على ما رواه عبدُ بنُ حُمَيدٍ؛ فصَريح فيما قررناه ومُقيَّد بما قَدَّرناه، فلا يُنا في أنَّ كلمة ما تُعَدُّ من ألفاظ العُموم، فتَعُمُّ الصَّغائر والكبائر، كما هو من المعلومِ.
وأما قوله: «الحُجَّاجُ والعُمَّارُ وَفدُ الله يُعطيهم ما سألوا، ويستجيب ما دَعوا، ويُخلِفُ عليهم ما أنفَقُوا الدَّرْهَمَ أَلفَ ألفٍ على ما رواه البَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمان»، فلا شُبهَةَ أَنَّه لا دَلالة فيه على المُدَّعَى، كما لا يخفى.
وأما قول القائِلِ: لا شَكٍّ أنَّهم يسألون مغفرة الكبائر، وقد أَخبَرَ المُخبِرُ الصَّادِقُ بالاستجابة لهم مُطلَقاً؛ فلا يُفيدُ المقصود الذي يصلح للاستدلال معَ وُجودِ الاحتمال، وإن كانَ مَقامُ التَّرغيب دلَّ على الاسْتِمَالِ.
وأما قوله: «أَمَّا خُروجُك من بيتِكَ تؤُمُّ البيت الحرام؛ فإنَّ لك بكلِّ وَطْأَةٍ تَطَوُّها راحِلَتُك يكتب الله لك بها حَسَنةً، ويمحو عنكَ بها سيِّئَةً، وأَمَّا وُقوفُكَ بعَرَفَةَ، فإِنَّ الله تعالى ينزل إلى السَّماءِ الدُّنيا فيُباهي بهم الملائكة، فيقولُ: هؤلاء عِبادي جاؤُوني شُعْثاً غُبراً من كلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، يرجُونَ رَحمَتي ويخافون عذابي ولم يروني، فكيف لو رَأَوني؟ فلو كانَ مثلَ رَملِ عالج، أو مثلَ أَيَّامِ الدُّنيا، أو مثلَ قَطْرِ السَّمَاءِ ذُنوباً غَسَلَها الله، وأمَّا رَميكَ الحِمارَ؛ فإنَّه مَدْخُورٌ لك، وأمَّا حَلقُكَ رأسَكَ؛ فإِنَّ لك بكل شعرة تسقُطُ حَسَنَةً، فإذا طُفْتَ بالبيتِ خَرَجْتَ مِن ذُنُوبِك كما وَلَدَتكَ أُمُّكَ». على ما رواه الطبراني في «الكبير؛ فلا يدلُّ على تكفير الكبائر مطلقاً، فضلاً عن حُقوقِ العِبادِ ومظالم البلاد.
الجزء 1 · صفحة 11
وأما قول القائل: ودَلالته على العُموم أظهَرُ من أن تخفى على أحدٍ؛ لا يُنكِره إلا مُعانِدُ أو جاهل لا يُعبَأَ به؛ فلا يُعبأ به؛ لأنَّ مثل هذه التعميماتِ كَثُرَ وُرودُها في التَّرغيباتِ، مثل حديثِ: «مَن تَوَضَّأَ كما أَمَرَ، وصَلَّى كما أَمَرَ، غُفِرَ لَهُ مَا قَدَّمَ من عَمَلٍ»، على ما رواه أحمد والنسائي وابن ماجه وابنُ حِبَّانَ عن أبي أيُّوبَ وعُقبَةَ بنِ عامرٍ رضيَ الله عنهما.
ولم يقُل أحدٌ بشموله الصَّغائر والكبائر وحُقوق العبادِ والمظالم وغيرها كما لا يخفى على من له إلمام باصطلاح الفقهاء.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «الحَجُ يُكفِّرُ ما بينه وبين الحج الذي قبله»، على ما رواه أبو الشيخ عن أبي رضي الله عنه؛ فهو وإن كان يدلُّ على عموم الذَّنبِ الشَّامِل للكبائر، لكِنْ خَصَّه العلماء بالصَّغائر كما في نظائِرِه ممَّا ورَدَ من أَنَّ: «الوضوء إلى الوضوء، والصَّلاةُ إِلى الصَّلاةِ، ورمضان إلى رمضانَ مُكفِّرات لما بينهما»، لا سيما وقد صُرِّحَ في بعض الروايات: «ما اجتنب الكبائر».
ويُقويه قوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء: 34]، ولعلَّ هذا مَأخَذُ قولِ عِياض والنَّوَوِيِّ وغَيْرِهما: أَنَّ التَّكفير في العباداتِ مُختَصّ بالصَّغائرِ من السَّيِّئاتِ.
وأما قوله: مَن طَافَ بالبيتِ سَبْعاً، وصَلَّى خَلَفَ المَقامِ رَكَعَتَينِ، وشَرِبَ من ماءِ زمزَمَ، غَفَرَ اللهُ ذُنوبه كلَّها بالِغَةٌ ما بَلَغَت على ما رواه الدِّيلَمِيُّ وابنُ النَّجَّارِ ه؛ فقد قالَ السَّخاوِيُّ: لا يصح، وقد وَلِعَ به العامَّةُ كثيراً، لا سيما بمَكَّةَ حيثُ كُتِبَ على بعض جدرانها المُلاصِقِ لَزَمْزَمَ، وتعلَّقوا في ثبوته بمنام وشبهه ممَّا لَا تَثبتُ الأحاديث
الجزء 1 · صفحة 12
النبوية بمثله، وقد ذكره المَنُوفِيُّ في «مُختَصَرِه» وقال فيه: إِنَّه باطِلٌ لا أصل له. وإذا كان الحديثُ بهذا المنوال فلا يصلُحُ في المُدَّعى الاستدلال، مع العلم بسَعَةِ فضل الله تعالى، والترجي لما هو أعلى.
وأمَّا الجزم بتكفير الكبائِرِ الشَّامِلَةِ لحُقوقِ اللهِ تعالى وحقوق العبادِ بمثل هذا الحديثِ، وبارتكاب مُجرَّدِ هذا الفعل؛ فبعيد عن شأنِ العُلماء، ومُستَبعَدٌ عن قوانين الفقهاء، وسببُ جُرأَةٍ عَظيمةٍ للسُّفَهاءِ.
وأما قوله: تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنَّهما ينفِيانِ الفَقرَ والذُّنوبَ كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ، وليسَ للحَجَّةِ المَبرورة ثواب إلا الجنَّةُ»، على ما رواه أحمد والترمذي والنسائيُّ، عن ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه؛ فليس فيه إلا أَنَّه يُذيبُ الذُّنوبَ.
وهذا ممَّا اتَّفَقَ عليه العُلماء حيث قالوا فيما وَرَدَ من المُكفِّرَاتِ: إِنَّهَا تُكفِّرُ الصَّغَائِرَ، فإن لم تجدها تُخفِّفُ الكبائر، وإن لم تجدها فتكونُ سَبَباً لرَفْعِ الدرجات، كما في الأنبياء والأولياء، وقد علمت معنى المبرور.
فقوله: «ليس للحَجَّةِ المَبرورَةِ ثَواب إلا الجنَّةُ يُشيرُ إلى أنَّ ثوابَها كثيرٌ لا ينتهي، ولا يحصُلُ بكماله إلا في الجنَّةِ، وفيه إيماء إلى حُسن الخاتمة، ولا دَلالة فيه أصلاً على تكفير الكبائر عنه بلا مرية.
وأما قوله: مَن حَجَّ عن مَيِّتٍ كُتِبَ عن الميِّتِ، وكُتِبَ للحاج براءة من النَّارِ»، على ما رواه الديلمي؛ فهو من بابِ التَّرغيب، ويُحمل لصاحبِ الكبيرة على البَراءةِ من النَّارِ المُؤَيَّدةِ، أو يُقَيَّدُ بكَونِه تحتَ المَشيئَةِ.
وأَما قوله: إِنَّ الملائكة تُصافِحُ رُكَّابَ الحُجَّاجِ وتَعتَنِقُ المُشاةَ»، على ما رواه ابن ماجه؛ فلا يَتَصَوَّرُ ذو لُبِّ فِيهِ دَلالةً على مَغْفِرَةِ الذَّنبِ.
الجزء 1 · صفحة 13
وقوله: وهل يُصافِحُ المَلَكُ أو يَعتَنِقُ من فيه الكبائر نزعَةٌ من الاعتزال، ونَزغَةٌ من الشَّيطان في الإضلالِ حال الاستدلال؛ إذ يجوزُ مُلاقاة الملائكة لأهلِ الطَّاعة، وإن كان لهم بعضُ المَعصِيةِ.
وأما قوله: إِنَّ عُمَّارَ بيت الله هُم أهل الله»، على ما رواه عبدُ بنُ حُمَيدٍ، وأبو يعلى في «مُسنَدِه، والطَّبراني في «الأوسَطِ»، والبَيْهَقِيُّ في «السُّنَنِ»، عن أنسٍ رضي الله عنه ?؛ فنَظيرُه ما وَرَدَ من أنَّ «أهلَ القُرآنِ أهل الله وخاصَّتُه» 4، ولم يقُلْ أَحَدٌ: إنَّهم مغفرون من الكبائر على إطلاقه، فبَطَلَ قول القائل: وهل يكون من عليه الكبائر أهل الله تعالى؟.
وأما قوله: إِذا لَقِيتَ الحاج فسَلّم عليه، وصافِحْهُ ومُرْهُ أَن يستَغفِرَ لك قبلَ أن يدخُلَ بيته؛ فإنَّه مغفور له»، على ما رواه أحمد في «مُسنَدِه»، ومعناه: أَنَّه مَغفورٌ له في الجُملة، وإلا فيُتَصَوَّرُ ارتكابه الذَّنب معَه بعدَ رُجوعه قبل وصوله إلى محله، فليس الحديث على إطلاقه. وأمَّا قولُ الحافِظ ابنِ حَجَرِ العَسْقَلانِيُّ: إِنَّ قولَه: رَجَعَ كيومِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» ظاهِرُه غُفرانُ الصَّغائرِ والكَبائِرِ والتَّبِعاتِ، وهو من أقوى الشواهد لحديث العباس ابن مرداس المُصرِّح بذلك، وله شاهِدٌ من حديث ابنِ عُمَرَ في تفسيرِ الطَّبَرِيُّ؛ فهو على ما قاله من أنَّه ظَاهِرُه.
لكنَّه يُعارِضُه ما وَرَدَ في حُقوقِ العبادِ من أنَّ اللهَ تعالى لا يغفِرُها إلا بأدائها حقيقةً أو حكماً كما قرّرناه سابقاً، وسيأتي زيادة بيانٍ له لاحقاً، معَ أَنَّ مَذهَبَ أَهلِ السُّنَّةِ أَنَّ ما عدا الشَّركَ تحتَ المشيئة، وإنَّما الكلامُ فِي الجَزْمِ بِالمَغفِرَةِ؛ فإِنَّه يُنافي قواعد الأئِمَّةِ.
نعم، يُؤخَذُ من الدَّلالةِ الظَّاهِرَةِ غَلَبَةُ الرَّجاءِ فِي عُمُومِ المَغْفِرَةِ.
الجزء 1 · صفحة 14
وأما قول الإمامِ ابنِ الهُمام في «شرح الهداية» عند قول صاحب «الهداية»: إنَّه اجتَهَدَ في الدُّعاءِ في هذا الموقف لأُمَّتِه، فاستجيب له إلا في الدماء والمظالم، قد روى ابن ماجه في «سُنَنِه» عن عبدِ اللهِ بنِ كِنانَةَ، عن عبّاسِ بنِ مِرْداس: أنَّ أباه أخبره عن أبيه: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَعا لأُمَّتِه عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَأُجِيبَ: إِنِّي قد غَفَرْتُ لهم ما خلا المظالم؛ فإِنِّي أَخُذُ للمظلومِ منه، فقالَ: «أَيْ رَبِّ؛ إِن شِئْتَ أَعطَيتَ المَظْلُومَ الجنَّةَ وغَفَرْتَ للظَّالم»، فلم يُجَبْ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فلما أَصبَحَ بِالمُرْدَلفَةِ أَعادَ الدُّعاءَ
فأُجيبَ إلى ما سألَ قالَ: فَضَحِكَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أو قالَ: تَبَسَّمَ.
فقال له أبو بكرٍ رضيَ الله عنه: بأبي أنتَ وأُمّي؛ إِنَّ هذه لساعَةً ما كُنتَ تَضِحَكُ فيها، فما الذي أَضحَكَكَ؟ أَضحَكَ اللهُ سِنَّكَ، قالَ: «إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبليسَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ قد استجاب دعائي، وغَفَرَ لأُمَّتِي أَخَذَ التُّرابَ فَجَعَلَ يحثو على رأسه، يدعو بالوَيلِ والنُّبورِ، فَأَضْحَكَني ما رأيتُ من جَزَعِه»، ورواه ابنُ عدِيٌّ، وأعلَّهُ بكِنانة، ورواه البَيْهَقِيُّ، وقال: هذا الحديثُ له شواهد كثيرة، وقد ذكرناها في كتاب «الشُّعَبِ»، فإن صَحَ بشَواهِدِه ففيه الحُجَّةُ، وإن لم يصح، فقد قالَ اللهُ تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يشاء [النساء: 48]، وظلمُ العِبادِ بعضهم بعضاً دُونَ الشَّركِ، انتهى.
فأقولُ: قد ضَعَفَ البُخارِيُّ وابن ماجه اثنين من رُواتِه.
وقال ابنُ الجَوزِيّ: إِنَّه لا يصِحُ تفرَّدَ به عبد العزيز، ولم يُتابع عليه. قالَ ابنُ حِبَّانَ: وكانَ يُحدِّثُ على التَّوَهُم والحُسبان، فبَطَلَ الاحتجاج به، انتهى
الجزء 1 · صفحة 15
ثمَّ ظاهِرُ الحديث: أنه دعا لأُمَّتِه مُطلَقاً من غيرِ قيد بمَن حَجَّ معه أو لا، فعلى تقدير صحة روايته، يُحمَلُ على ذُنوبِ بعض أُمَّتِه؛ لِما وَرَدَت أحاديثُ كَادَتْ أن تكونَ مُتواتِرةً أنَّ بعضَ عُصاةَ هذه الأمَّةِ يُعذَّبون في نَارِ جَهَنَّمَ جُملةً، ثمَّ يخرجون بالشَّفاعة. وبهذا التقرير يندفعُ مُناقضَتُه بما رواه الحافظ المنذِرِيُّ، عن ابنِ المُبارَكِ، عن سُفيانَ الثَّورِيُّ، عن الزُّبيرِ بنِ عدِيٌّ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ بعرفات، وكادَتِ الشَّمسُ أَن تَعْرُبَ، فقالَ: «يا بلالُ اسْتَنْصِتِ النَّاسَ»، فقامَ بلال فقال: أنصِتُوا لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَنَصَتَ النَّاسُ، فقالَ: «مَعاشِرَ النَّاسِ، أَتاني جبريلُ آنفاً، فأَقرأني السَّلامَ من رَبي، وقالَ: إِنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ قد غَفَرَ لأَهلِ عَرَفاتٍ وأهلِ المَشعَرِ، وضَمِنَ عنهم التَّبِعاتِ». فقامَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، هذا لنا خاصَّةً؟ قالَ: هذا لكُم ولمن أتى بعدَكُم إلى يوم القيامة»، فقالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه: كَثُرَ خَيرُ ربنا وطابَ.
فهذا بظاهِرِه يدلُّ على مُدَّعى العُمومِ، لكنَّه يُحمَلُ على غُفرانِهم في الجُملة؛ جمعاً بينَ الأدِلَّةِ، مع أنَّه ليس فيه دَلالة على كُلِّ فَردٍ من أهلِ الوَقْفَةِ، لا سيما ووُقوع مَن يحبُّ أداءَ حُقوقِ الله، أو إمكانَ تمكين النَّفْسِ في حقوق العبادِ واستحلالها من أهلِ البِلادِ من الوَقائِعِ المُحتملة، فلا يكون نصَّاً في المسألة، فينبغي أن تُحمَلَ التَّبِعاتُ على الصغائرِ منها؛ جمعاً بينَ الرّواياتِ.
الجزء 1 · صفحة 16
هذا وقد قالَ الشيحُ التُورْبِشْتِيُّ من أَئِمَّتِنا في «شرح المَصابيح»: إِنَّ الإسلام يهدِمُ ما كانَ قبلَه مُطلَقاً، مَظلَمَةً كانت أو غيرها، صغيرة أو كبيرةً، وأمَّا الهجرة والحج فإنَّهما لا يُكفِّرانِ المَظالم، ولا يُقطَعُ فيهما بغُفْرانِ الكبائر التي بين العبد ومولاه، فيُحمَلُ حديث: «إنَّ الإسلام يهدِمُ ما كانَ قبله، وإنَّ الهجرة تهدِمُ ما كانَ قبلَها، وإِنَّ الحج يهدِمُ ما كانَ قبله؛ على هَدْمِهما الصَّغيرة، ويحتمل هدمهما الكبائر التي تتعلق بحقوق العبادِ بِشَرْطِ التَّوبةِ، عَرَفْنا ذلك من أُصولِ الدِّينِ، فَرَدَدْنَا المُجْمَلَ إِلى المُفَصَّلِ، وعليه اتِّفاقُ الشَّارِحين.
وقال شارح آخِرُ من عُلمائِنا أيضاً: إن الإسلامَ يَمْحُو ما كانَ قبلَه من كُفْرٍ وعِصيان، وما يترتب عليهما من العقوبات التي هي حُقوقُ الله تعالى، وأمَّا حُقوق العبادِ فلا يسقُطُ بالحج والهجرة إجماعاً. انتهى.
وكذا المنقولُ عن قاضي عِياضٍ أَنَّ غُفرانَ الصَّغَائِرِ مَذهَبُ أَهلِ السُّنَّةِ، والكبائِرُ لا يُكفِّرُها إلا التَّوبةُ، أو رَحمةُ اللهِ تعالى، ذكره ابنُ حَجَرِ المَكِّيُّ.
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: التكفيرُ خاص بالصَّغائر، قالَ: وغَلِطَ مَن عَمَّمَ الكبائر أيضاً. ذكره السُّيوطِيُّ. وأما ما ذكره ابنُ حَجَرٍ العَسْقَلانِيُّ من اختِلافِ العُلماء في الحج: أنَّه هل يُكفِّرُ الصَّغائر والكبائر؟ أو الصَّغائِرَ فقط؟ وهل يُسقط التَّبِعاتِ أم لا؟ فينبغي أن يُحمَلَ الخِلافُ على بعض الكبائر، ونوع من حقوق العبادِ، كما بيناه وفصلناه، ليرتفع النزاعُ في مَقامِ الإجماع.
جَعَلَنَا اللهُ وإِيَّاكم من المغفورين أجمعين، وسلامٌ على المُرسَلينَ، والحمدُ اللهِ ربِّ العالَمينَ.