الجزء 1 · صفحة 5
الدرة المضيئة في الزيارة الرضية
تأليف
العلامة الملا علي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
رب زدني علماً يا كريم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلامُ على سَيِّدِ المُرسَلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقولُ الرَّاجي إلى كرمِ ربِّه، وشفاعةِ نبيه، عليُّ بنُ سُلطانِ محمَّدٍ الهَرَوِيُّ القارِي، عامَلَهُما اللهُ المُصوِّرُ البارِي، بلطفه الخفي، وكرَمِهِ الوَفِي: اعْلَمْ أَنَّ زيارته من أعظَمِ القُرُباتِ، وأفضَلِ الطَّاعاتِ، وأنجَحِ المَساعي لنَيْلِ الدَّرَجاتِ، قريبةٌ من درجةِ الواجبات، ثبتَتْ مَشروعيَّتُها بالكتابِ والسُّنَّةِ وبالإجماع والقِياسِ من عُلماءِ الأُمَّةِ.
أما الكتاب:
فقَولُه تعالى: {وَلَوأَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]، ففي «المواهب»: لا يُقالُ: إِنَّ استغفاره إنَّما هوفي حياته، وليسَتِ الزِّيارة كذلك، لما أجابَ به بعضُ الأئمَّةِ المُحقِّقِينَ: أنَّ الآيةَ دلَّت على تعليق وُجدانِ اللهِ تعالى {تَوَّابًا رَحِيمًا} بثلاثة أمور: المَجيء، واستغفارُهم، واستغفارُ الرَّسولِ لهم، وقد حَصَلَ استغفارُ الرَّسولِ لجميعِ المُؤمنين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد استغفَرَ للجميع، قال الله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: ??]، فإذا وُجِدَ مَجِيتُهم واستغفارُهم تكملتِ الأمورُ الثَّلاثةُ الموجبة لتوبةِ الله تعالى ورحمتِه، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 7
والأظهر أن يُقالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَيٌّ في قبره، ولا يبعد منه الاستغفار لزائره، أويُقالُ: الشَّفاعة الموعودة لزائره هي معنى الاستغفار له. والله أعلَمُ. ومنه قوله تعالى: {وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 100]، كذا ذكره ابنُ حَجَرٍ المَكَّيُّ في «الجوهَرِ المُنظَّمِ في زيارة القبرِ المُكرَّم، ودَلالة الآية على استحباب الزيارة خافية كما لا يخفى، إلا أن يُقالَ: المُهاجَرةُ إِليه صلَّى الله وسلَّم عليه نوع من الزيارة له.
وفي الدُّرِّ المنثور» للسُّيوطِيُّ: أَخْرَجَ سعيدُ بنُ مَنصورٍ، وعبدُ بنُ حُمَيد، وابنُ المُنذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ما من حالٍ يأتيني عليه المَوتُ بعدَ الجِهادِ في سبيلِ اللهِ أَحبَّ إليَّ من أن يأتيني وأنا بينَ شُعَبَتَي رَحل التَمِسُ من فَضْلِ اللهِ، ثم تلا هذه الآية: {وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَعَاخَرُونَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزمل: ??]، (انتهى)
فهذه الآيةُ بعُمومها للرِّزْقِ الظَّاهِرِيِّ والمَعنَوِيِّ، وللسَّيرِ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، يصلُحُ الاستدلال بها على الزيارة؛ فإنَّها أَربَحُ من كلِّ تجارةٍ. والله أعلَمُ.
وأمَّا السُّنة:
فمنها قوله: «مَن زارَ قَبري وَجَبَتْ - وفي رواية: حَلَّت _ له شَفاعَتِي». رَواهُ الدَّارَ قُطنِيُّ وغيرُه، وصححه جماعةٌ من أئمَّةِ الحديثِ.
وفيه إيماء إلى حُسْنِ خاتمته ليفوز بحُلولِ شَفاعتِه، وفي رواية: «مَن زارني بعد موتي فكأَنَّما زارَني في حياتي
الجزء 1 · صفحة 8
وفي رواية: «مَن جاءَني زائراً لا تُعمِلُه حاجةٌ إلا زيارتي كان حقاً عليَّ أن أكونَ شَفيعاً له يومَ القيامةِ». أخرَجَه الدَّارَ قُطنِيُّ، والطبراني، وغَيرُهما (2?). وفي رواية: «مَن جاءَني زائراً كان حقاً عليَّ أن أكونَ له شَفيعاً يومَ القيامةِ». ومنها قوله: «مَن حَجَّ فزارَ قَبري، وفي رواية: «فزارني بعد وفاتي»، وفي رواية: «فزارني بعد وفاتي عند قبري، كان كمن زارني في حياتي». رواه أبويَعْلَى، والدَّارَ قُطنِيُّ، والطَّبَرَانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، وابنُ عَسَاكِرَ، عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما.
وفي رواية: «مَن حَجَّ فزارَ قَبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي، وصَحِبَني.
وفي رواية: «مَن حَجَّ فزارَني في مَسجِدِي بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي».
ومنها قوله: (مَن زارني إلى المدينةِ كُنتُ له شفيعاً وشهيداً». رَواهُ الدَّارَ قُطنِيُّ. وفي رواية: «مَن زارني إلى المدينةِ مُتَعَمِّداً كَانَ في جواري يومِ القيامة». أخرَجَهُ الحافِظُ عبد الواحدِ التّميمي
ومنها قوله: «مَن زار قبري، أوقالَ: مَن زارني كنتُ له شفيعاً أوشهيداً، ومن مات في أحدِ الحَرَمَينِ بعثه اللهُ عزَّ وجَلَّ في الآمنين يوم القيامةِ». رواه أبوداودَ الطَّيالسي
ومنها: قوله: (مَن زارني مُتَعَمِّداً كانَ في جواري يومَ القيامةِ، ومَن سَكَنَ المدينةَ وصَبَرَ على بلائها كُنتُ له شهيداً وشفيعاً يوم القيامةِ». رواه العقيلي وغيره.
ومنها قوله: مَن زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات بأحَدِ الحرمين بُعِثَ من الآمنين يومَ القيامةِ». رَواهُ الدَّارَ قُطنِيُّ وغيره.
وفي رواية عن عُمَرَ رضي الله عنه: «مَن زارَني كُنتُ له شهيداً أوشفيعاً يوم القيامة، ومن مات بأحَدِ الحَرَمَينِ بعثَهُ اللهُ من الآمنين يوم القيامةِ». أخرجه أبوداود الطيالسي
الجزء 1 · صفحة 9
ومنها قوله: «من زارني بعد موتي فكأَنَّما زارَني وأنا حي، ومن زارني كنتُ له شهيداً وشفيعاً يوم القيامةِ». رَواهُ ابنُ مَردَوَيهِ. ومنها: قوله: مَن زارني بالمدينةِ مُحتَسِباً كنتُ له شهيداً وشفعياً يومَ القيامةِ». رواه أبوعَوَانَةَ، والبَيْهَقِيُّ عن أنس.
ومنها: قوله: مَن ماتَ في أحدِ الحَرَمَينِ بُعِثَ من الآمنين يومَ القيامةِ، ومَن زارَني مُحتَسِباً إلى المدينةِ كانَ في جواري يومَ القيامةِ». رَواهُ البَيْهَقِيُّ. ومنها: قوله: مَن زارني ميتاً فكأَنَّما زارَني حَيَّا، ومَن زارَ قَبري وَجَبَتْ له شفاعتي يوم القيامةِ». رَواهُ ابنُ النَّجَارِ.
ومنها: قوله: مَن زارني في مماتي كانَ كمَن زارني في حياتي، ومَن زارني حتّى ينتهي إلى قبري كُنتُ له يوم القيامة شهيداً، أوقالَ: شفيعاً». رَواهُ العَقيلي.
ومنها: قوله: (مَن حَجَّ إلى مكَّةَ ثمَّ قَصَدني في مسجدي كُتِبَتْ له حَجَّتانِ مبرورَتانِ». رَواهُ الدِّيلَمِيُّ في «مُسنَدِ الفِردَوس». ومنها ما رَوَى علي مرفوعاً إلى النَّبيِّ: مَن زارَ قَبري بعدَ مَوتي فكأَنَّما زارني في حياتي، ومن لم يزُرْ قَبري فقد جَفاني».
وجاءَ عنه موقوفاً: مَن زار قبر رسولِ اللهِ الله كان في جوار رسول الله. ومنها: قوله: (مَن حَجَّ وزارَ قَبري بعد موتي كانَ كمَن زارني في حياتي». أخرجه سعيدُ بنُ مَنصورٍ، والدَّارَ قُطنِيُّ
وأما الإجماع:
فقد نقله جماعةٌ من الأئمَّةِ حَمَلَةِ الشَّرعِ، منهم النَّووِيُّ من الشَّافِعِيَّةِ، وابنُ الهمام من الحنفية.
وفي فتح الباري: الزّيارة من أفضل الأعمال، وأَجَلِّ القُرَبِ، المُوصَلَةِ إلى ذي الجلال، ومشروعيَّتُها محل إجماع بلا نزاع. انتهى
الجزء 1 · صفحة 10
وإِنَّما الخِلافُ بينهم في أنّها واجبة أومندوبةٌ، فقيل: واجبةٌ وأُوَّل، وقد يُستدَلُّ لظاهره الذي صرَّحَ به بعضُ الظَّاهِرِيَّةِ بخبر ابنِ عَدِيٌّ بسندٍ يُحتَجُ به، وهوقوله: مَن حَجَّ البيتَ ولم يزُرْني فقد جَفاني»، بِجَعْلِ مَن حَجَّ قيداً لبيانِ الأولى والأهم، أوالأغلَبِ، حتّى لا يكون له مفهوم، ويُؤيد ذلك سقوطه من رواياتٍ أُخَرَ، وإن كانت ضعيفة، مثل قوله: مَن وَجَدَ سَعةٌ ولم يفد إليَّ فقد جَفاني.
وعن أنس رضي الله عنه بلفظ: «ما من أحدٍ من أُمَّتِي له سَعةٌ ثمَّ لم يزُرْني إلا وليس له عُذر. وقوله: «لا عُدْرَ لِمَن كانَ له سَعةٌ من أمَّتي ولم يزُرْني». أخرجه ابن عساكر بمعناه عن أنس.
وقوله: «مَن لم يزُرْ قبري فقد جَفاني». ذكرَه ابنُ عساكِرَ في تُحفةِ الزَّائِرِ)، وجَفاؤُه حرام، فعدم زيارته المُتضَمِّنُ لجَفائِه كذلك.
ويُجاب من جهةِ الجُمهور القائلين بنَدْبِها بأنَّ الحديث في سَنَدِه مَقالٌ، وعلى تسليم صحتِه فالجَفاء من الأمورِ النِّسبيّةِ، فقد يُقالُ في تركِ المَندوبِ: إِنَّه جَفَاءُ؛ إذ هوتركُ البر والصلة، وأكثرُ العُلماء من السَّلَفِ والخَلَفِ على نَدْبِها.
وقال الحنفية: إِنَّها تقرب من درجة الواجبات؛ يعني لن له سَعَةٌ. وقال بعضُ المالكيَّةِ إِنَّها واجبة. وقال بعضُهم أي من السُّنَنِ الواجبة. والله أعلَمُ.
وأما القياسُ:
الجزء 1 · صفحة 11
فقد جاءَ في الأحاديثِ الصَّحيحةِ الأمرُ بزيارة القبور، فقبر نبينا صلى الله عليه وسلم أولى، وأيضاً فقد ثبت أنه زار أهل البقيع وشُهداءَ أُحُدٍ، فَقَبرُه أَولى لما له من الحقِّ، ووُجوبِ التَّعظيم، وليست زيارته إلا لتعظيمه والتبرُّكِ به، ولينالنا عظيمُ الرَّحمةِ والبركة لصلاتِنا وسلامنا عندَ قَبرِه، بحَضْرةِ الملائكة الحافين به. وما وَقَعَ للشَّعبيّ والنَّخَعِيِّ مما يقتضي كراهة زيارة القبورِ؛ شاةٌ لا يُلتَفَتُ إليه؛ لمخالفته إجماع غيرهم، على أنَّه مُؤَوَّلٌ، وبفَرضِ تسليم الاعتداد به هولا يأتي في قبر نبينا للفرق الجلي بينَ قَبرِه وقَبرِ غيره، ومِنْ ثَمَّ عَمَّ النَّدبُ فيه النِّسَاءَ والرِّجالَ، واختَصَّ فيما عدا ذلك بالرّجالِ.
هذا وقد فرط ابن تيمية من الحنابلة؛ حيثُ حَرَّمَ السَّفرَ لزيارةِ النَّبِيِّ، كما أفرط بعضُ الفُضَلاءِ؛ حيثُ قال: كون الزيارة قُربةً معلوم من الدِّينِ بالضرورة، وجاحِدُه محكوم عليه بالكُفر.
فائدة: قد صح أنه نَزَلَ منزِلاً فجاءَتْه شجرةٌ تشُقُ الأرضَ حَتَّى عَشِيَته، ثمَّ رجَعَتْ مكانها، فسُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: «هي هي شجرة استأذنت ربَّها عزَّ وجَلَّ أن تُسلَّمَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فَأَذِنَ لها».
وأما قوله: (لا تجعَلُوا قَبري عيداً»، وهوحديث ثابت على الأصح، فمعناه أَنَّ المُرادَ: لا تملُّوا زيارة قبري حتّى لا تزورُوهُ إِلَّا في بعض الأوقاتِ كالعيدِ، بل أكثروا من زيارتي في سائر الأوقاتِ.
أوالمُرادُ: لا تَتَّخِذوا له وقتاً مخصوصاً لا يُزارُ إلا فيه، كما أنَّ العيدَ لا يكونُ إلا في وقتٍ مخصوص.
الجزء 1 · صفحة 12
أوالمُراد: لا تَتَّخِذوه كالعيد في العُكوف عليه، وإظهارِ الزِّينَةِ عندَه وغيرها ممَّا يُجتَمَعُ له في الأعيادِ، بل لا تأتُوه إلا للزّيارة والدُّعاءِ، ثمَّ انصَرِفُوا عن والأظهَرُ أنَّه إشارة إلى النهي الوارِدِ في الحديث الآخر عن اتخاذ قبرِه مَسجِداً؛ أي: لا تجعلوا زيارَةَ قَبري عيداً من حيثُ الاجتِماعُ لها كَهُوللعيد، وقد كانت اليهودُ والنَّصارى يجتمعون لزيارة قبور أنبيائهم، ويشتغلون عندَها بِاللَّهْووالطَّرَبِ.
ومن أعظَمِ فوائدِ الزِّيارة: أنَّ زائِرَه صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى أوسلَّمَ عند قبرِه سَمِعَه سماعاً حقيقياً، ورَدَّ عليه من غير واسطة، وناهيك بذلك، بخلافِ مَن يُصلِّي أويُسلّم عليه من بعيد، فإنَّ ذلك لا يبلغه إلا بواسطة؛ لما جاء عنها بسند جيد: «مَن صلَّى عليَّ عند قبري سَمِعتُه، ومَن صلَّى عليَّ من بعيد أُعلِمْتُه، ومَن صلَّى عليَّ نائياً بلغته». رَواهُ ابن أبي شيبة وغيره
وفي رواية: «مَن صَلَّى عليَّ عند قبري سَمِعتُهُ، ومَن صلَّى عليَّ نائياً؛ أي: بعيداً، وَكَّلَ الله به مَلَكاً يُبلِّغُني، وكُفِي أمر دنياه وآخِرَتِه، وكنتُ له يوم القيامةِ شفيعاً أوشهيداً».
وفي رواية: «ما من عبدِ مُسلم يُسلّمُ عليَّ عندَ قَبْرِي إِلا وَكَّلَ اللهُ بِه مَلَكاً يُبلغني».
وفي رواية: «أَكثرُوا الصَّلاةَ عليَّ فإِنَّ الله وَكَّلَ بِي مَلَكاً عندَ قَبري، فإذا صلى عليَّ رجل من أمتي، قال لي ذلك المَلَكُ: يا محمَّدُ، إِنَّ فُلانَ بنَ فُلانٍ صلى عليك الساعة»:
وفي رواية: (ما من مُسلم يُسلَّمُ عليَّ في شَرْقٍ أوغَرْبِ إلا أنا وملائكةُ رَبِّي نرُدُّ عليه السّلام»، فقال له قائل: يا رسول الله، فما بال أهل المدينة؟ قالَ: «وما يُقالُ لكريم في جيرانه وجيرته؟ إِنَّهُ ممَّا أُمِرَ به من حِفْظ الجوار، وحفظ الجيران».
الجزء 1 · صفحة 13
وفي أُخرى: «إنَّ أقرَبَكم منّي يومَ القيامة في كلِّ مَوْطِن أكثركم عليَّ صلاةً في الدُّنيا».
وفي رواية: (مَن صلَّى عليَّ في يومِ الجُمُعةِ وليلةِ الجُمُعَةِ مِئَةَ مَرَّةٍ قَضَى اللَّهُ له مئة حاجة، سبعين من حوائج الآخرة، وثلاثين من حَوائِحِ الدُّنيا، ثُمَّ يُوَكَّلُ اللهُ بذلك مَلَكاً يُدخِلُه في قبري كما تدخُلُ عليكم الهدايا، يُخبِرُني مَن صلَّى عليَّ باسمه ونسبه إلى عشيرته، فأُثْبِتُه عندي في صحيفة بيضاء».
وفي رواية زيادة: «إنَّ عِلمي بعدَ المَوتِ كعلمي في الحياة».
وفي رواية: «إنَّ لله مَلَكاً أعطاه الله أسماعَ الخَلائِقِ، فهوقائم على قبري، إِذَا مِتُ فليس أحدٌ يُصلِّي عليَّ صلاةً إلا قالَ: يا محمد، صلَّى عليك فُلانُ بنُ فُلانٍ، فيُصلِّي الرَّبُّ تبارك وتعالى على ذلك الرَّجُلِ بكل واحدةٍ عشراً).
وفي أُخرى: فهوقائمٌ على قبري حتّى تقوم الساعة، فليس أحد من أمتي يُصلي عليَّ صلاةً إلا قال: يا أحمد، فلان بن فلان، باسمه واسم أبيه يُصلي عليك كذا وكذا، وضَمِنَ لي الرَّبُّ أنَّ مَن صلَّى عليَّ صلاةٌ صلَّى اللهُ عليه عشراً، وإِنْ زادَ زادَه الله».
وفي أُخرَى: «إِنَّ اللهَ وَكَّلَ بقَبري مَلَكاً أعطاه أسماعَ الخَلائِقِ، لا يُصلِّي على أحد إلى يوم القيامةِ إلا بلغني باسمه واسم أبيه، هذا فُلانُ بنُ فُلانٍ قد صلَّى عليك».
الجزء 1 · صفحة 14
وفي أُخرى زيادة: وإِنِّي سألتُ ربِّي عزَّ وجَلَّ أن لا يُصلِّي عليَّ واحدٌ منهم صلاةً إلا صلى عليه عشر أمثالها، وإنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أعطاني ذلك». ثمَّ اعلَمْ أَنَّه عُلِمَ من هذه الأحاديث أيضاً: أَنَّه صلى الله عليه وسلم حَيٌّ على الدَّوامِ؛ إذ من المُحالِ العادِيُّ أن يَخلُوالوُجودُ كلُّه عن واحدٍ يُسلَّم عليه في ليل أونهارٍ، فنحنُ نُؤْمِنُ بأَنَّه حي يُرزَقُ، وأنَّ جَسَدَه الشَّريف لا تأكله الأرضُ، وكذا سائر الأنبياء، كما ورد في حديث: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ على الأرضِ أن تأكل لحوم الأنبياء»، والإجماع على هذا، قيل: وكذا العُلماء والشُّهَداءُ. وصحَ أَنَّه كُشِفَ عن غيرِ واحدٍ من العُلماء والأولياء فوَجَدوا لم تتغيَّر أجسادهم، كما صح أنَّ عبد الله أبا جابرٍ، وعَمروبن الجموح، وهما ممَّن اسْتُشْهِدَ يومَ أُحُدٍ حَفَرَ السَّيلُ قبرهما بعد ستٌ وأربعين سنةً فوجدا لم يتغيَّرا، وكان أحدهما جُرِحَ فَوَضَعَ يَدَه على جُرْحِه، فدُفِنَ وهوكذلك، فأُميطَتْ يده عن جُرْحِه فسالَ الدَّمُ منه، ثمَّ أُرسِلَتْ فَرَجَعَت كما كانت.
ولمَّا حَفَرَ مُعاوِيةُ رضي الله عنه العين التي استنبطها بالمدينة، وذلك بعدَ أُحُدٍ بنحوخمسين سنةً، ونقل الموتى أصابت المسحاة قدَمَ حمزة رضي الله عنه فسال منه الدَّمُ.
نعم الظَّاهِرُ من الأدلَّةِ أنَّ حياةَ الشُّهداء أقوى من حياةِ الأولياء؛ للنَّص عليها في القرآن دونَ حياة الأنبياء؛ لأنَّهم بها أولى وأحرى، والتَّفَاوُتُ فيهما بمعنَى التَّفَاوُتِ في ثَمَرَاتِها غير بعيد. فتأمله.
وقد جَمَعَ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ جُزْءاً في «حياة الأنبياء في قبورهم، واستدل بكثير من الأحاديث السابقة، وبالحديث الصحيح: «الأنبياء أحياء في قبورهم يُصلُّون
وقد ثبت حياةُ الشُّهداء في البرزخ بنص القُرآنِ، فصرح ابن عباس، وابنُ مسعود، رضي الله عنهما بأنَّه مات شهيداً.
الجزء 1 · صفحة 15
قالَ العُلماءُ: ليجمَعَ اللهُ له بينَ درجَتَي النُّبُوَّةِ والشَّهَادَةِ.
ثمَّ جمهورُ العُلماء على أنَّ حياةَ الشُّهداء حقيقةٌ، ثمَّ في قول: إنَّها للرُّوحِ فقط، وفي قول: وللجَسَدِ أيضاً، بمعنى: أنَّه لا يبلى، وأنَّه يستمر فيه أمارة الحياةِ من الدَّمِ وطراوةِ البَدَنِ، كما هوالمُشاهَدُ في أبدانهم كما مرَّ.
والأظهر كما ورَدَ في حديث: «إنَّ أرواحهم في حَواصِلِ طيرٍ خُضْرٍ، تسرَحُ في الجنَّةِ، وتأكُلُ من ثمارها، ثمَّ تأوي إلى قَنادِيلَ مُعلَّقةٍ تحتَ العَرْشِ).
فائدةٌ: رُوِيَ أَنَّ يزيدَ بنَ مُعاويةَ لمَّا حاصرَ المَدينةَ وقتَلَ من أَهلِها مَن قَتَلَ، حتى خلا المسجد عن إقامةِ الصَّلاةِ فيه مُدَّةً، قالَ ابنُ المُسَيَّبِ: كنتُ فيه، وما كنتُ أعلَمُ دُخول الأوقات إلا بسماع الأذان والإقامة من داخل القبرِ المُكرَّمِ.
وقد صح عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: «ما من أحدٍ يُسلَّمُ عليَّ إِلا رَدَّ اللهُ عليَّ رُوحي حتَّى أرُدَّ عليه السَّلام، وقد صَدَّرَ به البَيْهَقِيُّ بابَ زيارة قبرِ النَّبِيِّ، وذكرَ ابنُ قدامة الحديث من رواية أحمدَ بلفظ: «ما من أحدٍ يُسلَّمُ عليَّ عند قبري». الحديث. فإن ثبت؛ فهوصريح في تخصيص هذه الفضيلة بالمُسلَّم عندَ القَبرِ، وإلا فالمُسلَّم عندَ القَبرِ امتاز بالمُواجهة بالخطاب ابتداءً وجواباً، وهومُقتَضَى ما فسَّرَ به المَقبُرِيُّ أحد أكابر شيوخ البخاري حديث: «ما من أَحَدٍ يُسلَّمُ عليَّ» فقال: هذا إذا زارني فسلَّمَ عليَّ رَدَّ اللهُ عليَّ رُوحي حتَّى أَرُدَّ عليه.
وأما ما وَرَدَ من حديثِ: «من صلى عليَّ عندَ قَبري وَكَّلَ اللهُ بها مَلَكاً يُبلِّغُني» [فهو] مُعارَضُ بحديثِ: «مَن صلَّى عليّ عندَ قَبري سمِعتُه، ويُمكِنُ حَمْلُه على اختلاف الأحوال والأشخاص.
الجزء 1 · صفحة 16
ورَوَى ابن أبي الدنيا عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: «إِذَا مَرَّ الرَّجلُ بِقَبِرٍ يعرِفُه فسلَّمَ عليه رَدَّ عليه السَّلام، وعَرَفَه، وإذا مرَّ بقبرٍ لا يعرِفُه فسلَّمَ عليه رَدَّ عليه السَّلامَ».
وقد ذكر ابن تيميةَ أنَّ كلَّ المُؤمنينَ إذا سلَّمَ عليهم الزَّائِرُ عَرَفُوه ورَدُّوا عليه السَّلامَ، فإذا كانَ هذا في آحادِ المُؤمنين، فكيف بسيد المرسلين؟ وقد وَقَعَ لجمع من الأولياءِ أَنَّهُم سَمِعُوا ردَّ السَّلامِ عليهم من الحُجَرَةِ الشَّرِيفَةِ.
ورَوَى المُنذِرِي خبر: عِلمي بعدَ وَفاتي كعِلمي في حياتي، ورُوِيَ عنه أنَّه قال: «حياتي خيرٌ لكم، فإذا مِتُ كانَت وَفاتي خَيراً لكم، تُعرَضُ عليَّ أعمالكم، فإنْ رأيتُ خَيْراً حَمِدتُ اللهَ، وإن رأيتُ غير ذلك استَغفَرْتُ اللهَ لكم.
فإن قيلَ: قوله «إِلا رَدَّ الله عليَّ رُوحي» دال على عدم استمرار الحياة، فجوابه:
أنَّ البَيْهَقِيَّ استدَلَّ به على حياة الأنبياء، قال: وإنَّما أَرادَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إلا وقد رَدَّ اللهُ عليَّ رُوحي.
وفيه أجوبةٌ أُخرى في رسالةِ السُّيوطي رحمه الله:
الجزء 1 · صفحة 17
منها: أن يكونَ ردّاً مَعنَوِيَّاً، وأن تكونَ رُوحُه الشريفةُ مُسْتَغِلَةٌ بِشُهودِ الحضرة الإلهية والملأ الأعلى عن هذا العالم، فإذا سُلَّمَ عليه أقبلَتْ رُوحُه الشريفةُ على هذا العالم لتُدرِكَ سَلامَ مَن يُسلَّم عليه، وتردَّ عليه، ولا يلزَمُ عليه استغراقُ الزَّمانِ كله في ذلك؛ نظراً لاتِّصالِ الصَّلاةِ عليه في أقطار الأرض؛ لأنَّ أمور الآخرة لا تُدرَكُ بالعقول، وقيل: المُراد بالرُّوحِ المَلَكُ المُوكَّلُ به، قيلَ: ويحتمل أن يُراد به هنا السرور مجازاً. وأما خبر: «أنا أكرَمُ على ربِّي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث»؛ لا أصل له، وما رُوِيَ عن ابنِ المُسَيَّبِ ما مَكَثَ نبيٌّ في الأرضِ أكثر من أربعين يوماً؛ لم يصح. وقال البَيْهَقِيُّ: إِنْ صَحَ هذا فالمُرادُ: أَنَّه لا يُتَرَكُ لا يُصلِّي إلا هذا القَدْرَ، ثمَّ يكونُ مُصلِّياً بين يدي الله تعالى؛ أي: وإنْ كانَ في قبره.
وقد جاء في حديث ضعيف: «أنَّ الأنبياء لا يُتركون في قبورهم بعد أربعينَ ليلة، ولكِنْ يُصَلُّون بين يدي الله تعالى، حتَّى يُنفَخَ في الصُّورِ. وجاءَ بسند جيد: أَنَّ بلالاً رضيَ اللهُ عنه شَدَّ رَحلَه من الشَّامِ إلى زيارةِ رسول الله.
وفي رواية: أنَّ ذلك لرؤيته لها قائلا له: ما هذه الجَفْوَةُ يا بلالُ؟ أَمَا آنَ لك أن تزورني؟ فأتى قبرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَجَعَلَ يبكي ويُمَرِّغُ وجهه عليه، وكان ذلك في خلافة عمر رضي الله عنه، فاشتهى الحسَنانِ رضي الله عنهما سماعَ أذانِه، فأذَّنَ في محله الذي كانَ يُؤَذِّنُ فيه من سطح المسجد، فما رئي بعد موته أكثر باكياً وباكية من ذلك اليوم".
ورُوِيَ أَنَّه لم يُؤَذِّنُ لأحَدٍ بعدَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلا هذه المرَّةَ، وأنَّه لم يُتِمَّ الأَذانَ لِما غَلَبَه من الوَجْدِ والبكاء، كذا ذكره ابنُ حَجَرٍ المَكِّيُّ.
الجزء 1 · صفحة 18
لكِنْ ذكر الحافِظُ السُّيوطِيُّ في «الدَّيلِ»: أنَّ قصَّةَ رَحيلِ بِلالٍ رضيَ اللهُ عنه، ثمَّ رجوعه إلى المدينة بعد رُؤيَه صلى الله عليه وسلم في المنام، وأذانه بها، وارتجاج المدينة به؛ لا أصل له، وهي بيِّنةُ الوَضْعِ.
ثمَّ اختَلَفُوا هل الأفضَلُ لمُريد الحج والزيارة البداءة بالمدينة قبلَ مكَّةَ، أوعكسه؟
فالجمهور على الثَّاني، ويُؤيَّده: أَنَّ أَحمدَ لمَّا سُئِلَ ابتدأَ بِالمَدينةِ قبلَ مكَّةَ؟ ذَكَرَ بإسناده عن عبد الرحمن بن يزيد وعطاء ومُجاهد والنَّخَعِيُّ: إِذا أَرَدْتَ مكَّةَ فلا تبدأ بالمدينة، واجعَلْ كلَّ شيءٍ لمكَّةَ تبعاً.
وذهَبَ إلى الأوَّلِ علقمة، والأسود، وعمروبن ميمون، من التابعين، والأولى حمله على أنَّه إِنِ اتَّسَعَ الزَّمَنُ للزِّيارة معَ اتساعه بعدها للحَجٌ مُبادرةً لتحصيل هذه القُربةِ العظيمة، فإِنَّه رُبَّما يعوقه عائِق عن التوجه إليها بعد الحج، وأيضاً ليكون وسيلةً؛ أي: وسيلةً إلى قبولِ حجّه.
ورُوِيَ عن أحمدَ أَنَّه قال: إذا حَجَّ الذي لم يحُجَّ قطُّ لا يأخُذُ على طريقِ المدينة؛ لأنّي أخافُ أن يحدُّثَ به حَدَثُ، فينبغي أن يقصد مكة من أقصر الطُّرُقِ، ولا يتَشاغَلُ بغيره.
وقال ابنُ الهُمام: الحجُّ إِنْ كانَ فَرْضاً فالأحسَنُ أن يبدأ به، ثمَّ يُثَنِّي بالزيارة، وإنْ كانَ نَفْلاً كانَ بالخِيارِ. انتَهَى. وما أحسَنَ قولِ الشَّاعِرِ:
تمامُ الحَجِّ أن تقف المطايا على ليلى وتُقرِيَّها السَّلامَ فإِنْ قُلتَ: ما حِكمَةُ دَفِيهِ صلى الله عليه وسلم بالمدينةِ الشَّريفةِ مَعَ أَنَّه جَاءَ أَنَّ كُلَّ أَحدٍ إِنَّمَا يُدفَنُ في المَحَلِّ الذي خُلِقَ منه؟ وهول صلى الله عليه وسلم إِنَّما خُلِقَ من الطَّينة التي خُلِقَت منها الكعبة، فكانَ القِياسُ أن يُدفَنَ فيها، لا سيّما إذا قلنا بما عليه أكثرُ عُلماءِ الأُمَّةِ أَنَّ مَكَّةَ أَفضَلُ من المدينة؟
الجزء 1 · صفحة 19
قُلتُ: أَمَّا حِكمة إفراده عن مكَّةَ بمحل آخر بعيد منها، فهي عظيم إظهارِ فضله، وأَنَّه متبوع لا تابع؛ إذ لودُفِنَ بمَكَّةَ لكان قصده يقعُ تابعاً. وأما الجواب عمَّا مرَّ من أنَّ كلَّ إنسانٍ يُدفَنُ في المحل الذي خُلِقَ منه؛ فهوما قاله العارِفُ الشُّهَرَ وَرْدِيُّ قُدِّسَ سِرُّه - واستَحسَنَه العُلماء - من أنَّ الطُّوفانَ لمَّا علا الكعبة موَّجَ مَوجةً منها فأربا على وجه الماء من أصلها إلى أنْ وَصَلَ به إلى محل قبرِه الشَّريف، فهوفي الحقيقة لم يُدفن إلا في أصل الكعبة الذي خُلِقَ منه.
ويُؤيد قوله: ما جاءَ في بعض الآثار أنَّ سُليمان عليه السَّلامُ زارَ محلَّ قبر نبينا، وأخبر أنَّه سيقبرُ فيه، وترك ثمَّةَ أربع مئة من أحبار بني إسرائيل ينتظرون بعثه وهجرته إليهم، فَلَمَّا جَاءَهُم مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الكَفِرِينَ} [البقرة: 89].
فصل
في آدابِ الزَّائرِ من يوم خُروجه إلى يوم وصوله إلى المدينةِ المُعطَّرةِ
قالَ العُلماءُ: يُستَحَبُّ ِللزَّائِرِ أن ينوِي مع زيارته صلى الله عليه وسلم التَّقرُّبَ بشدَّ الرَّحل إلى مسجده، والصَّلاةَ، والاعتكاف؛ فإنَّه أحدُ المَساجِدِ الثَّلاثَةِ التي تُشَدُّ إليها الرّحالُ، ففي الحديث: «لا تُشَدُّ الرحال إلا لثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى».
قالَ ابنُ الهُمام والأولى عند العبدِ الضَّعيفِ تجريدُ النّيّةِ لزيارة قبرِ النَّبيِّ ثمَّ إِنْ حَصَلَ له إذا قَدَّمَ زيارة المسجدِ أويستَفتِحُ فَضْلَ اللَّهِ سُبحانَه في مرَّةٍ أُخرَى ينويها فيها؛ لأنَّ في ذلك زيادة تعظيمه وإجلاله، ويُوافِقُ ظاهِرُ ما ذكرناه من قوله عليه الصَّلاة والسَّلامُ: مَن جاءَني زائراً لا تُعمِلُه حاجةٌ إلا زيارتي كان حقاً عليَّ أن أكونَ له شفيعاً يومَ القِيامة». انتهى.
الجزء 1 · صفحة 20
ولذا بعض المشايخ ما زارها في سَفَرِ حَجّه، بل ابْتَدَأَ سفراً آخر للزيارة؛ لئلا يكونَ تبعاً له، وقالَ ابنُ حَجَرٍ المَكِّيُّ: المُرادُ بقَولِه: «لا تُعمِلُه حاجَةٌ إلا زيارتي» اجتِنابُ قَصدِ ما لا تعلق له بالزِّيارة أصلاً، فأما ما يتعلَّق بها من نحوقَصْدِ الاعتكاف بالمسجد النبوي، وشدّ الرّحل إليه، وزيارة الصَّحابة، ومسجد قباء، وغير ذلك؛ فلا يمنع قصده حصولَ الشَّفاعةِ له.
قالوا: ويُستَحَبُّ له أن يستشير ويستخير الله تعالى، ففي الحديثِ: «ما نَدِمَ مَن استَشارَ وما خابَ مَن استخارَ، وليست المُشاوَرَةُ والاستخارَةُ في أصلِ الزِّيارة، فإنَّها محض خير، بل فيما يتعلق بها من الأمور الناشئة منها، ويجب أن يتوبَ إِلى اللهِ تعالى دائماً، خصوصاً عند التوجه إليه، إذ لا يحسنُ عادةً زيارته معَ مُخالفَتِه، فإِنَّها تُبعد عن القبولِ. ويقضي حقوق اللهِ وحُقوق عبادِه الواجبة؛ فإنَّها مُقدَّمةٌ على السُّنّة، ويختارُ يوم الإثنين أوالخميس للخروج، ويتصدَّقُ على الفقراء عندَ بُروزِه، ويُودِّعُ أصحابه الصُّلَحاءَ، ويقولُ: أَستَودِعُ الله دينكم وأمانتكم وخواتيمَ عَمَلِكم، ويلتَمِسُ منهم الدُّعاء.
الجزء 1 · صفحة 21
وإذا رَكِبَ الدَّابَّةَ فَلْيَقُلْ: بسم الله الحمد الله، سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (3) وَإِنَّا إِلَى رَبَّنَا لَمُنقَلِبُونَ} [الزخرف: 13 - 14]، اللهم اطولنا البُعد، وهَوّن علينا السَّفَرَ اللَّهُمَّ إنا نعوذ بك من وَعَثاءِ السَّفَرِ، وكآبة المُنقَلَبِ، وسُوءِ المَنظَرِ في الأهل والمال والولد. وإِذا عَلا شَرَفاً كبَّرَ، وإذا هَبَطَ وادياً سبَّحَ، وإذا نَزَلَ مَنزِ لَا يُسْتَحَبُّ أَن يُصلِّيَ رَكَعَتَينِ. قال العلماء: ويُستحَبُّ له إذا توجّه إلى زيارته صلى الله عليه وسلم أن يُكثِرَ من الصَّلاةِ والتسليمِ عليه في طريقه، بل يستغرِقُ أوقاتَ فَراغِه في ذلك وغيره من القُرُباتِ، وكلما ازداد دُنُوّاً ازدادَ غَراماً وحُنُوَّاً، فإذا وَقَعَ بصرُه على أشجارِ المَدينةِ وحَرَمِها زادَ في الصَّلاةِ والسَّلامِ، ويسأل الله أن يُسهل عليه الزيارة، ويتقبَّلَ منه، وينفعه بها، فالإكثار منهما يدل على زيادة محبّته، وذلك مُتكفّل لحصول شفاعتِه، كما وَرَدَ: (مَن صلَّى عليَّ عَشراً صلَّى اللهُ عليهِ مئةً، ومَن صلَّى عليَّ مئة صلى الله عليه ألفاً، ومَن زادَ صَبابَةً وشَوْقاً كُنتُ له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة.
وفي حديث: أنَّه قالَ: «مَن سرَّهُ أن يلقى الله راضياً فليُكثِرُ منَ الصَّلاةِ عليّ».
وجاءَ أَنَّه صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى عليَّ في كلِّ يومٍ مئةَ مَرَّةٍ قضَى الله له مئة حاجة، سبعين لآخِرَتِه، وثلاثينَ لدُّنياه».
الجزء 1 · صفحة 22
وقالَ: «إِنَّ أُولى النَّاسِ بي يومَ القيامةِ أكثرهم عليَّ صلاةً في الدُّنيا». وقد ذكَرَ سُفيانُ الشَّورِيُّ: أَنَّه رأى حاجاً يُكثِرُ من الصَّلاةِ عليه، فقال له: هذا مَوضِعُ الثَّناءِ على الله تعالى، فأخبره أنَّ أخاه لمَّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ اسْوَدَّ وجهُه فَأَحْزَنَه ذلك، فبينما هوكذلك إذ دخَلَ عليه رجُلٌ وجهه كالسِّراجِ المُضيء، فمَسَحَ بيدِه وَجهَه، فزالَ سَواده وصارَ كالقَمَرِ، فَفَرِحَ وسأله عن اسمه، فقال له: أنا مَلَكٌ مُوَكَّلْ بمَن يُصلِّي على النبي، أفعل به هكذا، وقد كانَ أَخوك يُكثِرُ الصَّلاةَ، فَأَزَالَ اللهُ عنه ذلك السواد، وكَساهُ هذا الجَمالَ.
ثمَّ هَلِ الأَولى أن يُصلِّي برفعِ الصَّوتِ أوبخَفْضِه؟ فالمَدارُ على حُضورِ القَلبِ وخُضوعه وخُشوعه، فكُلَّما توفّر فيه فهوالأفضَلُ في حقه، لكِنْ يُشترط في الجهر أن يأمَنَ معَه من الرِّياءِ والتَّشويش على نحومُصَلِّ أوذاكرٍ أونائم، وعند الأمن واستواء الخشوع إنْ كانَ ثمةَ مَن يُصلِّي بصَلاتِه لوجَهَرَ، أَويُصغي إليه ويخشَعُ فَالجَهرُ أَفضَلُ. ومما يتأكَّد على الزَّائِرِ في طريقه أيضاً أنَّه كلَّما رأى أثراً من آثارِهِ صلى الله عليه وسلم لا سيما منازِله ومحال صلاته أن يزيد من الصَّلاةِ والسَّلام عليه، فقد كانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما كلما مرَّتْ بالحَجُونِ قالت له لقد نزَلْنا ههنا رَواهُ البُخارِيُّ
وأخرَجَ أحمد: أنَّ أنساً رضي الله عنه أخرَجَ لجماعة ما بقي من قَدْحِه وفيه ماء، فشرِبُوا وَصَبُّوا على رُؤُوسِهم ووُجُوهِهم وصلوا عليه.
الجزء 1 · صفحة 23
واعلَمْ أَنَّه يُستَحَبُّ زيارةُ المَساجِدِ والآبارِ والآثار المنسوبة إليه، سواء عُلِمَت عَينُها أوجِهَتُها، صَرَّحَ به جماعةٌ منَّا، ومن الشافعية والمالكية وغيرهم. وقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يتحَرَّى الصَّلاةَ، والنُّزول، والمُرورَ حيثُ حلَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَنَزَلَ. وقال فى الشّفا»: ومن إعظامه إعظامُ جميع أسبابه، وإكرام جميعِ وأمكِنَتِه ومَعاهِدِه، وما لمسه بيده، أوعُرِفَ به. فمن المساجد التي تُعزَى إليه صلى الله عليه وسلم مسجد بالتنعيمِ، يُقال له: مسجد عائشة رضي الله عنها، وبعده بثلاثة أميال مسجد سَرِف، بفتحِ السِّينِ المُهملة، وكَسرِ الرَّاءِ، مُنصَرِفُ وغيرُ مُنصَرِف، وبه قبر ميمونة من أزاوج النبي، ومن غريب التاريخ أنه بنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم [به]، وبه تُوفِّيَتْه.
ومنها: مسجد بمرّ الظُّهران، وهوبمفتوحة وشدَّةِ راءٍ وفتح مُعجَمَةٍ وسُكونِ هاء وبراء وألف ونون، وفي القاموس»: ظَهران: وادٍ قُربَ مَكَّةِ، يُضافُ إليه «مَرٌّ»، ويقال له: بطنُ مَرٌّ، موضع على مرحلة من مكة. انتهى. ويُسمَّى: مسجد الفتح.
ومنها: مسجدانِ أحدهما عند عقبةِ خُليص، وآخَرُ عندَ خُلَيص.
ومنها: مساجد بالجُحْفَةِ، بضم الجيم وسكون الحاءِ بعده فاء، والآنَ يُقال لها: رابع، الأوَّل في أوّلها، والثَّاني في آخِرِها عندَ العَلَمين، والثَّالثُ على ثلاثة أميال منها يَسْرةً عن الطَّريقِ.
ومنها: مسجد بدر، كانَ العريس الذي بني له عنده، وهومعروف عند النخيل، وبقربه عين، وبقربه مسجد آخَرُ لا يُعرَفُ أَصلُه، وينبغي أن يُسلَّمَ على مَن بها من الشُّهداء من الصَّحابة رضي الله عنهم.
الجزء 1 · صفحة 24
ثم قيل: بدر اسم حافرِ بئرِها، وقيل: اسم البئر التي بها سُمِّيت لاستدارتها، أولصفائها ورُؤيةِ البَدرِ فيها، قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَةٌ} [آل عمران: 123]؛ أي: قليلٌ عَدَدُكم وعُدَدُكم.
وكانَ خُروجهم من المدينةِ يومَ السَّبتِ لثنتي عشرةَ خَلَتْ من رمضانَ على رأس تسعة عشر شهراً، وكانَ عِدَّهُ مَن خَرَجَ معه له ثلاث مئة وخمسةً، وكان معهم ثلاثة أفراس وسبعون بعيراً، وكانَ المُشركون ألفاً، معهم مئة فرس، وسبع مئة بعير،
وفرغ من بدر في آخر رمضانَ، وأوَّلِ يوم من شوَّالٍ، قال تعالى: {وَيَوْمَذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ} [الروم: 4 - 5]، والشَّقُّ الذي في جبل بعد بدرٍ يصعَدُه النَّاسُ لا أصل له.
قال العلّامة المرزوقي: ومن آياتِ بدر الباقية ما كنتُ أسْمَعُه من غيرِ واحدٍ من الحُجَّاجِ أَنَّهم إذا اجتازُوا بذلك الموضع يسمعونَ كَهَيئةِ طَبَلِ مُلوكِ الوقتِ! ويرونَ أَنَّ ذلك لنَصْرِ أَهْلِ الإيمانِ.
قالَ: ورُبَّما أنكَرْتُ ذلك، وربَّما تأوَّلتُه بأنَّ المَوضِعَ لَعَلَّه صُلْبُ فتستجيب فيه حوافر الدواب، وكان يُقال لي: إِنَّه هَضٌ رَمل، وغالب ما يسير هناك الإبل، وأخفافها لا تُصَوِّتُ في الأرضِ الصُّلبة، فكيف بالرِّمالِ؟!
الجزء 1 · صفحة 25
قالَ: ثمَّ لمَّا منَّ الله عليَّ بالوصول إلى ذلك المَوضِعِ المُشرَّفِ نزَلتُ عن الراحلة أمشي وبيدي عُودٌ طويلٌ من شجرِ السَّعْدانِ المُسمَّى بِأَمِّ غَيْلَانَ، وقد نسيتُ ذلك الخبر الذي كنتُ أسْمَعُ، فما راعَني وأنا أسيرُ في الهاجرةِ إلا وواحِدٌ من عبيد الأعراب الجمالين يقولُ: أَتَسمعونَ الطَّبَلَ؟ وأنا دهش ممَّا أصابني من الفَرَحِ، أوالهَيبة، أوما الله أعلَمُ به فشَكَكْتُ وقلتُ: لعلّ الرِّيحَ سَكَنَت في هذا العُودِ الذي بيدي وحَدَثَ مثل هذا الصَّوتِ وأنا حريص على طَلَبِ التَّحقيقِ لِمِثلِ هذه الآية العظيمة، فألقيتُ العُودَ من يدي، وجَلَستُ إلى الأرضِ، أوثبَتُ قائِماً، أوفَعَلْتُ جميع ذلك، فسمعتُ صوتَ الطَّبَلِ سَماعاً مُحقَّقاً، أوصَوْتاً لَا أَشُكُ أَنَّه صوتُ طبلٍ، وذلك من ناحية اليمن ونحنُ سائرونَ إلى مكَّةَ المُشرَّفِةِ، ثمَّ نَزَلْنا ببدرٍ، فَظَلَلْتُ أسمعُ ذلك الصوت يومي أجمعَ المُرَّةَ بعد المرَّةِ، قال: ولقد أُخبِرْتُ أَنَّ ذلك الصَّوتَ لا يسمَعُه جميعُ النَّاسِ. انتهى. كذا نقله صاحِبُ «المواهب».
أقول: وهذا ما جاءَ به النقل، ولم يقبله العقلُ، أَمَّا الأَوَّلُ فلانه وأصحابه والتابعين لم يسمَعُوا، ولوسَمِعُوا لنُقِلَ إلينا، وأما الثاني فلأنَّ الطبل على تقديرِ صِحَتِه إِنَّما يُضرَبُ عندَ الحرب، وفي موضعه ليُحَرِّكَ داعية الشَّجاعةِ، لا بعده، وفي بعد من محله.
وما أبعد أنَّ الملائكة إلى ما بعدَ ألفِ سنةٍ يضربونَ الطَّبَلَ عَبَثاً في برّيّةٍ مصلحة فيه، وإنَّما هوإنْ لم يكُنْ تخيُّلاً من انضغاط الهوَى في تجاويفِ الرِّمالِ، فهومن فعلِ الجِنِّ إغواء لعقولِ الإِنسِ، والله أعلَمُ بالحال.
ومنها: مسجدُ الصَّفراء، والنَّاسُ يتبركون به، وقد مات أبوعُبيدة بن الحارث بالصَّفراء من جراحتِه ببدر، ودُفِنَ بالصَّفراء.
الجزء 1 · صفحة 26
ومنها: مسجد الغَزالة، آخر وادي الرَّوحاء - بفتحِ الرَّاءِ ـ عند طرف الجبل على يمينِ السَّالك إلى مكَّةَ، رُوِيَ صلاتُه ونُزوله فيه.
قال في «المواهب»: وحديثُ الغَزالةِ رَواهُ البَيْهَقِيُّ من طُرُقِ، وَضَعَفَه جماعة من الأئمة، لكنَّ طُرُقَه يُقوّي بعضها بعضاً، وذكره القاضي عياض في «الشفا»، ورواه أبونُعَيم في «الدَّلائلِ»)، عن أمَّ سَلَمَةَ قالت: بينما رسولُ اللهِ في صحراء من الأرض إذا هاتف يهيفُ: يا رسول الله، ثلاثَ مَرَّاتٍ، فالتَفَتَ فإذا ظبيةً مشدودةٌ في وَثاق، وأعرابي مُنجَدِلٌ في شملةٍ نائِم في الشَّمس، فقال: «ما حاجَتُكِ؟» قالت: صادَني هذا الأعرابي، ولي خشفان - تثنية خشف بتثليث الخاء، ولد الظبي - في ذلك الجبل، فأطلِقْني حتَّى أَذهَبَ فَأُرضِعَهُما وأرجع، قال: «وتفعلين؟» فقالت: عذَّبني الله عذابَ العَشَّارِ - وهوالمكاسُ - إن لم أعُد، فأطلقها، فَذَهَبَت ورَجَعَت، فَأَوْثَقَها النَّبِيُّ، فانتبه الأعرابي وقال: يا رسول الله، ألك حاجة؟ قال: «تُطلِقُ هذه الظبية»، فأطلقها، فخرَجَت تَعدُوفي الصحراء فَرَحاً، وهي تضرِبُ برجليها الأرضَ وتقول: أشهَدُ أن لا إله إلا الله وأَنَّكَ رسول الله، انتهى
وقال ابن حجر المكَّيُّ رحمه الله: رَوَى أبونعيم في الحلية» في قصَّةِ الغَزالة المشهورة أنها قالت للنَّبي: مر هذا أن يُخلِّيني حتَّى أُرضِعَ أولادي، وأعودُ، قالَ: «فإنْ لم تعودي»، قالت: إن لم أَعُدْ فَلَعَتَني الله كمَن تُذكَرُ بين يديه فلا يُصلِّي عليك. ومنها: مسجد الروحاءِ، رُوِيَ أَنَّه صلَّى عند بئر الروحاء، قال في القاموس»:
الروحاء: موضع بين الحرمين على ثلاثين أوأربعين ميلاً من المدينة. ومنها: مسجد عِرْقِ الظُّبية، دونَ الرَّوحاء بميلين، رَوَى التَّرْمِذِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى في وادي الرَّوحاء، وقالَ: «لقد صَلَّى في هذا المسجدِ سبعون نبياً.
الجزء 1 · صفحة 27
ومنها: مسجدُ شَرَفِ الرَّوحاءِ، وهناك مسجدانِ كبير وصغير، رُوِيَ أَنَّه صلَّى بالصَّغير الذي على حافَةِ الطَّريقِ اليُسرى، وأنتَ ذاهِبٌ إلى المدينة، وبينهما رميةُ حَجَرٍ، وعندَه قُبورٌ تُعرَفُ بِقُبورِ الشُّهداء.
قالَ ابنُ حَجَرٍ وصُعود الجبلِ الذي تُسمِّيه العامَّةُ مُفرِحاً بِقَصدِ رُؤيةِ حَرَمِ المَدينةِ؛ ليزدادِ شوقه وخُشوعه وصلاته وتسليمه ودُعاؤُه وتوسله لا بأس به، بل هوسنَةٌ، لأنَّه حينئذ وسيلة إلى هذه الخيراتِ العظيمة، ومن القواعدِ المُقرَّرةِ أَنَّ للوسائل حكم المقاصدِ، ويُؤيَّدُه أَنَّه لما أتى الشَّيخُ أبوالفَضْلِ الجَوهَرِيُّ مدينةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنشد: رفع الحجاب لنا فلاح لناظِرِي قَمَرُ تُقَطِّعُ دُونَه الأوهام وإذا المَطِيُّ بنا بَلَغْنَ مُحَمَّداً فظُهورُهُنَّ على الرّجالِ حَرامُ قربْنَا من خَيرِ مَن وَطِئَ الثَّرَى فَلَها علينا حُرمَةٌ وذِمام وأما ما اعتادَه العامَّةُ من الطَّلوع له على أي حالةٍ، ولوفي الظُّلمةِ، ومن التّسابقِ المُفرِطِ إِليه بضَرْبِ الدَّوابِّ وحَمْلها على ما لا تستطيعه من السَّيرِ؛ فهوبدعةٌ مَذمومةٌ يتعين على كلِّ مَن له قُدرَةٌ مَنعهم منها.
ومنها: مسجد ذي الحليفة، رُوِيَ صلاته ونزوله وإحرامه فيه.
ومنها: مسجد المُعرَّسِ أيضاً بها قريب من الأَوَّلِ.
قالَ ابنُ حجَرِ المَكِّيُّ: وممَّا يُسَنُ للزَّائِرِ فِعله في طريقه، بل يتأكَّد عليه أيضاً، بطرق وألفاظ أخرى في كتب الحديث.
الإناخة بالبطحاء التي بذي الحليفة، وهي المُعَرَّسُ، ويُصلِّي بها تأسياً به. قال السبكي: وينبغي أن يكونَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدةً أكثر من المواضع التي صلَّى بها النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الطَّريقِ اتّفاقاً، ويبعُدُ القَولُ بالوُجوبِ، ولعلَّ مُرادَ مَن قال به كمالكِ وأهلِ المَدينةِ الاستحبابُ المُؤكَّدُ، انتهى
الجزء 1 · صفحة 28
وما ترَجَّاهُ صَرِيحُ كلامِ ابنِ فَرْحُونَ من المالكيَّةِ فإنه قالَ: إِذا وصَلْتَ المُعَرَّسَ فلا تُجاوِزُه حتَّى تُنيخ به، وتُقيم فيه حتَّى تُصلِّيَ ركعتين، أوما بدا لك؛ فإنَّ ذلك من السُّنَّةِ، فإنْ أتيتَ في وقت لا يُصَلَّى فيه فأقِمْ حتّى تحِلَّ النَّافلةُ، ثمَّ صَلَّ به، ثمَّ ارتَحِلْ، وذلك لأنَّ ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذا صَدَرَ مِنَ الحَجِّ أوالعُمرة أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة يُصلّي بها.
قال نافع: وكانَ ابنُ عُمَرَ يفعل ذلك، وقال مالك: لا أُحِبُّ لأحد أن يترك ذلك، والتّعريسُ به والصَّلاةُ فيه من السُّنَّةِ، انتهى
والتّعريسُ هو: النزول ليلاً، أوآخرُ اللَّيل، أومطلقاً.
ومما يُسَنُّ له أيضاً: أنَّه إِذا وَصَلَ قُرْبَ المَدينة أسرع في السَّيرِ، وإنْ كانَ على دابَّة حرَّكَها.
ولوقيل للمجنون أرضُ أصابها غُبارَ ثَرَى ليلى لأنجا وأسْرَعَا واغتسل لدخولها، وبه صَرَّحَ الحنفيّةُ والشَّافعيّةُ والمالكيَّةُ والحنبَلِيَّةُ قال في «الإحياء»: والأولى للزَّائِرِ أن يغتسل من بئرِ الحرَّةِ.
الجزء 1 · صفحة 29
قالَ السَّيِّدُ: الظَّاهِرُ أنَّه أرادَ بئرَ السُّقيا التي بالحرة في طريق الدَّاخِلِ من المدرج، ويحتمل الغُسلُ للدَّخول أوللزيارة، والثاني أظهر قياساً على غُسْلِ الجُمُعَةِ والعيدِ، أَنَّه للوقتِ أوالصَّلاةِ، فإن لم يتيسر هُناكَ فَبَعدَه، وإلا فتَوَضَّأَ. وممَّا يُسَنُّ له أيضاً: لُبْسُ أنظف ثيابه، وهل الأولى هنا الأعلى قيمةً كالعيد أولأبيض كالجُمُعَةِ؟ والأقرَبُ الثَّاني؛ إذ هوالأليقُ بالتَّواضُعِ المَطلوبِ. وفي حديثِ قَيسِ بنِ عاصِمِ رضيَ الله عنه: أَنَّه لَمَّا قَدِمَ مَعَ وَفْدِه أَسْرَعُوا بالدخول، وثبت هوحتَّى أزالَ مِهنته وآثارَ سَفَرِه، ولَبِسَ ثيابه وجاءَ إِلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على تُؤَدَةٍ وَوَقارِ، فَرَضِيَ الله له ذلك وأثنى عليه بقوله: «إِنَّ فِيكَ لَحْصلَتَينِ يُحِبُّهما اللهُ، الحِلْمُ والأَناةُ، وهي بالفَتحِ والقَصْرِ: التَّبُّتُ وتركُ العَجَلةِ.
ومما يُسَنُ له أيضاً: أن يتطيَّب؛ أي: بعد إزالة الروائح الكريهة، ونحوشعور إبطه وعانته وأظفاره وغير ذلك، قياساً على الجمعة أوالإحرام. قالَ ابنُ حَجَرٍ: ويقَعُ لِبَعضِ الجَهَلَةِ أَنَّه يتجرَّدُ عن ملبوسه كالمُحرِمِ، وهذا بهذا القَصْدِ حرام يجبُ مَنعُهم منه، ويُعزّرُونَ عن مثل هذه البدعَةِ القبيحةِ.
الجزء 1 · صفحة 30
وممَّا يُسَنُّ أيضاً للرَّجُلِ القَوِيُّ التُّزولُ عن راحلته عندَ رُؤيةِ المَدينةِ أوحَرَمِها؛ لأنَّ وَفْدَ عبد القيس لَمَّا رَأَوه صلى الله عليه وسلم نَزَلُوا عن الرَّواحِلِ؛ أي: أَلقَوا أَنفُسَهم عنها، ولم يُنيخُوها مُسارَعةً إِليه الله، وتعظيم جهتِه وحَرَمِه المُقدَّس بعد وفاتِه، كهوفي حياتِه. وذكرَ النَّووِيُّ: أَنَّهم لَمَّا وَصَلُّوا المدينةَ بادَرُوا إليه صلى الله عليه وسلم وأقامَ الأَشجُ رئيسهم عندَ رحالهم، فجَمَعَها وعَقَلَ ناقته ولَبِسَ أحسَنَ ثيابِه، ثمَّ ذَهَبَ إِليه صلى الله عليه وسلم فَمَدَحَه. قال القاضي عياض وتبعَه النَّووِيُّ وغيرُه: الأناةُ التي مَدَحَه صلى الله عليه وسلم بها هي ترَبُّصُه حتَّى ينظُرَ في مصالحه ولم يعجَلْ.
قالَ ابنُ حَجَرٍ: وظاهِرُ هذا أنَّ التَّثْبت أولى من الاستعجال، وقد يُجابُ بأَنَّ ههنا تفصيلاً لا بد منه، وهوأنَّ الإنسان إذا كانَ غيرَ مُتعلّقٍ بِغَيْرِه، أوكانَ له مَن يحفَظُ مَتاعَه إذا ذهب من غيرِ منّةٍ ولا استحياء منه، فالأفضَلُ له أن ينزِلَ مُبادِراً حافياً مُتَخَشَّعاً قاصداً للقَبْرِ المُكرَّم، غير مُعوّل على حوائجه، نظيرُ ما قالوه فيمَن قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّه يُبادِرُ إلى طواف القدوم، كذلك وإن كان كبيرَ القَومِ بحيثُ لوذهَبَ ضاعُوا، أوبعضُهم، أوشيء لأحدهم، فالأفضَلُ له أن يتأخَّرَ عندَ أمتعَتِهم حتَّى يَرَى مَن يخلُفُهم فيها؛ لأنَّ هذا فيه غايةُ المَنفَعَةِ للغَيرِ، والهَضْمِ للنَّفْسِ، والأولى له إِذا نَزَلَ أن يمشي حافياً إِنْ أطاقَ وأمِنَ تَنجُسَ رِجلِه، أخذاً ممَّا ذكرُوه في دخول مكَّةَ.
الجزء 1 · صفحة 31
ومما ينبغي للزَّائِرِ أَيضاً: أَنَّه إِذا وَصَلَ حَرَمَ المدينة قالَ: اللَّهُمَّ هذا حَرَمُ رسولك، الذي حرمته على لسانه، ودَعَاكَ أن تجعل فيه من الخير والبركة مثلي ما هوفي حرم البيت الحرام، فحَرِّمْني على النَّارِ، وآمني من عذابك يوم تبعث عبادك، وارزقني من بركاته ما رزقته أولياءَكَ وأهل طاعتك، وارزقني فيه حُسْنَ الأدَبِ، وفعل الخيرات، وترك المُنكَراتِ. هكذا ذكره غير واحد، وإن لم يصح فيه شيء، فهونظيرُ دُعاء دخولِ حرم مكَّةَ زادَهما الله تكريماً وتعظيماً، وممَّا أَنشَدَه صاحِبُ المَواهِب» مُتَمَثَلاً:
أتيتُك زائراً وَوَدِدْتُ أَنِّي جَعَلتُ سَوادَ عيني أمتطيه مالي لا أسير على الأماقي إلى قبر رسولُ الله فيه
فصل
في آداب الزَّائر في دخول المدينةِ
اعلم أنَّ المدينة الرسول صلى الله عليه وسلم أسماء كثيرةً تُقارِبُ الألف كما بينَه بعضُ المُتأخرين، وكثرةُ الأسماء تدلُّ على عَظَمَةِ المُسمَّى، فَقَولُ ابنِ حَجَرِ المَكِّيُّ: ليس له كبير جدوى؛ ليس في محله كما لا يخفى، وإن كان قياس اعتباره أنَّ أسماءَها تبلُعُ أُلوفاً كثيرةً؛ لأنَّ حاصل اعتبارِه يرجعُ إِلى أَنَّ كُلَّ ما صَحَّ وصفها به من الأنواع التي شُرِّفَت بها يصح أن تُسمَّى به.
والمشهورُ من أسمائها:
المدينةُ: كما في الآية، من دانَ: أطاعَ؛ لأنَّ مِن شَأْنِ أَهْلِهَا أَنَّهم مُطيعونَ اللَّهِ أولملكهم.
الجزء 1 · صفحة 32
وطابَه وطَيبَةُ: لخبرِ مُسلم: «إِنَّ اللهَ سَمَّى المدينة طابة، وفي نسخة: «طيبةُ»، بالتشديدِ والتَّخفيف؛ أي: لخُلوصِها وطَهارتها من الشِّركِ؛ يعني بآخِرَةِ أمرِها، أولطيبها لساكنها لأمنهم ودَعَتِهم؛ أي: باعتبار الغالِبِ والأصل، أولطيب العيش بها؛ أي: باعتبار ما فيها من عظيمِ الأُنْسِ، وتوفر الحضورِ والخُشَوعِ ببركةِ مُجاوَرَةِ ذلك الضَّريحِ الشَّريف، والمعهدِ المُنيفِ، ووُقوعِ النَّظرِ عليه بكرةً وعَشِيَّاً، المُوجِبِ لتوالي أنوع الجَمالِ على قُلوبِ أهلِ الكَمالِ.
والدَّارُ: لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُ والدَّارَ [الحشر: ?]. وحبيبة، والمحبوبة، وجابِرةُ، والمَجبورةُ، والمسكينة، ويثرب كما في الآية، وذكر هذا مُعتَرَضُ بأنَّه تسمية جاهليَّةٌ، وذكره في القرآنِ إِنَّما وقع حكايةً عن المنافقينَ، كما حكي عنهم الكُفْرُ، فلا حُجَّةَ فيه، ومن ثم غيره على عادته في تغييره الأسماء القبيحة: إذ التَّثريبُ المَلامةُ والحُزْنُ، في الحديث الصحيح: «يقولونَ: يثرِبُ، وهي المدينة»، وهوظاهِرُ في كراهة تسميتها به؛ لكونه من أسماء الجاهلية. ومن جملة الآداب: أن يقول عند دخولِ بابِ المدينة: بسم الله ما شاءَ الله، لا قُوَّةَ إلا باللهِ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِي مِن لَّدُنكَ سُلْطَنَا نَصِيرًا} [الإسراء: ??]، «اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أن أَضِلَّ أوأُضَلَّ، أوأزِلَّ أوأُزَلَّ، أوأظلِم أوأُظْلَمَ، أوأجهَلَ أويُجهَلَ عليَّ.
«اللَّهُمَّ اجْعَلْ في قلبي نُوراً، وفي سمعي نُوراً، وفي بصري نُوراً، وفي لساني نوراً، واجعل عن يميني نُوراً، وعن شمالي نُوراً، واجعل من فوقي نُوراً، ومن تحتي نُوراً، اللهُمَّ اجْعَلْني نُوراً».
الجزء 1 · صفحة 33
«اللَّهُمَّ إِنِّي أسألُكَ بحق السائلين عليك، وبحَقِّ مَمْشَايَ هذا إليك، فإِنِّي لم أخرج أشراً ولا بَطَراً، ولا رياءً ولا سُمْعَةً، فإنِّي خَرَجْتُ ابْتِغَاءَ مَرْضاتِكَ، وَاتَّقاءَ سَخَطِك، أن تُنقِذَني من النَّارِ، وأن تغفر لي ذنوبي، إنَّه لا يغفِرُ الذُّنوبَ إِلا أَنتَ (6).
يقصد قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَت طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَتَأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ} الآية [الأحزاب: 13].
وينبغي له أن يحرص على هذا الدُّعاءِ خُصوصاً كلَّما قَصَدَ مسجداً، ففي حديث: أَنَّ مَن قاله حينَئِذٍ وكَلَ الله به سبعين ألفَ مَلَكِ يستَغفِرونَ له، ويُقبِلُ اللهُ عليه بوجهه؛ أي: بمزيد إكرامه وإنعامه.
ومنها: أن يستَحضِرَ بقَلبِه عَظَمَة المدينة، وأنَّها أَشْرَفُ الأَرضِ مُطلَقاً عندَ جماعة، منهم الإمام مالك، وبعدَ مكَّةَ عند أكثر أهل العلم، ولذا كان مالك لا يركَبُ في أَزِقَةِ المَدينة تعظيماً لها، وتكريماً لساكنها، ويقول: أستحي منَ اللهِ عزَّ وجَلَّ أن أطَأَ تُربةً فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحافر دابتي
ومنها: أن يدخُلَ مُستَشعِراً لتعظيمه صلى الله عليه وسلم مُمْتَلِى القلب من هيبته، كأَنَّه يراه، فيمشي على كمال الخُضوع والخُشوع مُتأسفاً على فَواتِ رُؤيَتِه في الدُّنيا، راجياً لقاءه في العُقْبَى.
ومنها: أن يتصَدَّقَ بشيءٍ وإِن قَلَّ مُستحضراً لقوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إذَا نَجَيْمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَى نَجْوَنَكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} [المجادلة: 12]، وأهل المدينة أولى على أي حالة كانوا ما دامَ لهم حُرمَةُ الجوار، والمراد بهم: المُستوطنون بها، ومحلُّ أُولَوِيَّتهم على المُقيمين بها من توطن، إذا لم يكُنِ المُقيمون أحوج من المستوطنين، وإلا فالصرفُ إلى الأحوَجِ أَوْلى
الجزء 1 · صفحة 34
ومنها: أنه ينبغي للرَّجُلِ أن يبدأ بالزِّيارة إلا لضرورة، كخَوفٍ على مُحتَرَمٍ، وكراء منزل، وتطهر وتنظف، ونحوذلك، ويُستَحَبُّ للمرأةِ أَن تُؤَخِّرَ زِيارَتَها إِلى الليل؛ لأنَّه أستر لها.
ومنها: أن يستَحضِرَ عندَ رُؤيته المسجِدَ النَّبوي جَلالَتَه النَّاشِئةَ عن جلالةِ مُشرفه، وأنَّه مَهبِطُ الوَحْيِ، والمَحَلُّ الذي اختاره الله تعالى لعبادة نبيه صلى الله عليه وسلم نحوعشرِ سنين، وأنَّه باشَرَ بناءَه الأصلي بنفسه، وكان ينقُلُ معَ أصحابِه اللَّبِنَ لبنائه، وأنَّ اللهَ تعالى عيَّنَ له هذا المَحَلَّ بالوَحْيِ، بعد أن كان محلاً خَرِباً مَهْجُوراً فيه بقايا نَخْلٍ وقُبورٍ للمشركين، فأمر بقطع تلك البقايا، ونَقْلِ تلك العِظامِ منه، ثمَّ احْتَطَه وبناه. ومن أعظَمِ الدَّلائلِ على فَضْلِ أبي بكرٍ رضي الله عنه ما نقله بعضُ أَهْلِ السِّيَرِ: أَنَّه لما اشتراه من بني النَّجَّارِ أخواله، وَزَنَ أبوبكرٍ ثمَنَه من ماله، ثمَّ جعله مسجد.
ويستَحضِرُ أَنَّه كانَ مُلازِمَ الجُلوس فيه لهداية أصحابه، ولإفادَتِهم تلك العلوم التي لا حد لها ولا غاية ممَّا نقلوا بعضه إلينا، وهومعَ كَثرَتِه المانعةِ للعَد قليلٌ من كثير، كما أشار إليه الصَّحابة رضي الله عنهم.
وفي حديث صح: «خَيرُ ما رُكِبَت إليه الرَّواحِلُ مَسجدي هذا، والبيتُ العتيق، وفي رواية: «خَيرُ ما رُكِبَتْ إليه الرَّواحِلُ مسجد إبراهيم، ومسجِدُ محمد
وصح أيضاً عن الأرقم، وكانَ بَدْرِيَّاً، قالَ: جِئتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَأُوَدِّعَه، وأردتُ الخروج إلى بيتِ المَقدِس، فقال: «وما يُخرِجُكَ إليه؟ أفي تجارة؟ قلت: لا، ولكن أُصلِّي فيه، فقال: «صلاةٌ ههنا خيرٌ من ألفِ صَلاةٍ ثَمَّ.
الجزء 1 · صفحة 35
وصح أيضاً خبرُ: مَن صلَّى في مَسجِدي أربعينَ صَلاةً لا تفوته صلاة كُتبت له بَراءَةٌ من النَّارِ، وبَراءَةٌ من العذاب، وبراءة من النفاق. وخبر: «مَن دَخَلَ مَسجدي ليتعَلَّمَ خيراً، أوليُعَلِّمَه فهوبمنزلة المُجَاهِدِ في سبيل الله، ومَن جَاءَ لغير ذلك فهوبمنزلة الرَّجُلِ يَنظُرُ إلى متاعِ غيره.
***
فصل
في آداب دخول المسجدِ
منها: أن يُقَدِّمَ رِجلَه اليُمْنَى، وأن يقول حينئذ: أعوذُ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانِهِ القَديمِ، من الشَّيطانِ الرَّحِيمِ، بسمِ اللهِ، والسّلامُ على رسول الله، اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ محمدٍ وصَحبه وسَلَّمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنوبي، وافتَحْ لي أبوابَ رَحمتِك، السَّلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصَّالحين، ويقولُ: نوَيتُ الاعتكاف ما دُمتُ في المَسجدِ، سُبحانَ اللهِ، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أستَغفِرُ الله ما شاءَ اللهُ لا قوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، حسبنا الله ونعم الوَكيلُ، نِعْمَ المَولى، ونِعْمَ النَّصِيرُ.
ومنها: أن يقصِدَ الرَّوضَةَ المُقدَّسَةَ، ويبدأ بتحيَّةِ المَسجِدِ رَكعتين خفيفتين، قيل: يقرأُ في الأولى: {قُلْ يَتَأَيُّها الكَفِرُونَ}، وفي الثانية: الإخلاص. قلتُ: ولوقرأ الضُّحَى والانشراح لناسَبَ المَقامَ، والأفضل أن يكونَ بِمُصلّاهُ، الذي كانَ يُصلّي فيه حتَّى تُوفَّي، وكان له علامات ذكرَها الأَئِمَّةُ في كتبهم، وقد أُزِيلَت وجُعِلَ الآنَ علامةً عليه المِحرابُ الذي يُصلّي فيه إمامُ الشَّافعيَّةِ، لكن فيه انحرافٌ، فليَتَحَرَّ الواقِفُ الطَّرف الغربي من ذلك المحلّ المُرخَّمِ، الذي هوشبهُ حَوضِ أمامَ ذلك المحراب، بحيثُ يصير ذلك المحراب عن يساره، فهذا هومحلُّ مَوقِفه الشَّرِيفِ، فإن لم يتيسر له فما قَرُبَ إليه ممَّا يلي المنبر من الرَّوضَةِ، ثمَّ ما قَرُبَ منها.
الجزء 1 · صفحة 36
وإِنَّما قُدِّمَتِ التَّحِيَّةُ على زيارته؛ لما رواه مالك عن جابرٍ رضيَ اللهُ عنه قال: قَدِمْتُ من سَفَرٍ فَجِئْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهوبفناء المسجد، فقالَ: «أَدَخَلْتَ المَسجِدَ وصَلَّيتَ فيه؟ قلتُ: لا، قال: «فاذهَبْ فَادخُلِ المَسجِدَ، وصَلِّ فيه، ثمَّ انْتِ وسلَّمْ عليَّ.
وقيل: محلُّ البَداءةِ بالتَّحِيَّةِ إن لم يمُرَّ أمامَ الوَجهِ الشَّرِيفِ، وإلا بدأ بالزيارة، وهوقيد حسَن، لكن ينبغي أن يقف وَقفَةٌ لطيفة، ويُسَلَّمَ ثمَّ يَتَنَحَّى ويُصلّي، ثم يأتي للزيارة الكاملة. والله أعلَمُ.
ومنها: أن يسجدَ اللهِ تعالى شُكراً لهذه النّعمةِ العُظمى.
ومنها: أن يأتي القبرَ المُكرَّمَ ويستدبِرَ القِبلة، ويستقبل الوَجْهَ الشَّريف، وكانَ لذلك علامات ذكرها الأئمة في كتبهم، وقد انمَحَتْ وبقيَتِ العلامة الآنَ مِسماراً من فِضَّةٍ مُموَّهاً من ذَهَبٍ في رُحَامَةٍ حمراء، وهوأمامَ الوَجْهِ الشَّرِيفِ. قالَ ابنُ حَجَرٍ: ما ذَكَرْنا من أنَّ الأفضَلَ استدبارُ القِبلة، واستقبالُ الوَجْهِ الشَّرِيفِ هومَذهَبنا، ومَذهَبُ جُمهورِ العُلَماءِ.
وقال الآخرون: الأفضَلُ استقبال الكعبة، ونُقِلَ عن أبي حنيفة، لكنْ نُقِلَ عنه أيضاً موافقةُ الأَوَّلِ، وانتصر له المُحقِّقُ الكَمالُ ابنُ الهُمام، فقال: ما نُقِلَ عن أبي حنيفة أنَّه يستقبلُ القِبلَةَ مَردودٌ بما رَواهُ في مُسنَدِه» عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنه أَنَّه قال: من السُّنَّةِ استقبالُ القَبْرِ المُكرَّم، وجَعْلُ الظَّهِرِ للقبلة. انتهى
ويُستَدَلُ للأَوَّلِ بأَنَّا مُتَّفقون على أنه حي في قبره، يعلم بزائره، وهولوكان حيَّاً لم يسع زائِرَه إِلا استقباله واستدبار القبلة، وإذا اتَّفَقنا في المُدرِّسِ بالمسجد الحرامِ المُستقبِل على أن طلبته يستقبلونه ويستدبرون الكعبة، فما بالك به؟!.
الجزء 1 · صفحة 37
ونقَلَ المُطَوِّعِيُّ عن السَّلَفِ: أَنَّهم كانُوا قبلَ إِدخالِ الحُجَرِ في المَسجِدِ يقفون في الروضة مُستقبلين رأسه الشَّريف، وصَحَ أَنَّهم كانوا يقِفُونَ على بابِ البيتِ ليُسَلِّموا؛ أي: لتَعذُّرِ استقبالِ الوَجهِ الشَّرِيفِ حينَئِذٍ، ثمَّ لَمَّا دَخَلَتِ الحُجَرُ في المسجدِ اتَّسع ما أمامَ الوجهِ الكريم فوَقَفُوا فيه مُستقبلين له، مُستَدبرينَ للقبلة.
وفي «الصَّحيحَينِ: أَنَّه صلى الله عليه وسلم قال في مرضِ مَوتِه: «لَعَنَ اللهُ اليهودَ والنَّصَارَى، اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجِدَ»، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرِزَ قَبْرُه، ولكِنْ كَرِهَ أَن يُتَّخَذَ مَسجِداً. كذا نقل عنها شارحُ «عقيدةِ الطَّحاوِيِّ)، لكِنْ فيه إشكالٌ، فَإِنَّ المُرادَ من النهي عن اتَّخاذ قُبور أنبيائهم مساجِدَ أَلا يُصَلُّوا إليها، أولا يطوفُوا حولها، ويستوي فيه بُروزُ القَبْرِ الشَّرِيفِ، وخَفَاءُ المَدفَنِ اللَّطِيفِ.
ومنها: أن يزور واقفاً، فذلك أفضل من جُلوسه، كما هومُقتَضَى الأدب، وقال مجد الدين الفيروز آبادِيُّ: ثمَّ يجلِسُ إنْ طالَ القِيامُ به، ليُكثِرَ منَ الصَّلاةِ والتسليم عليه، ثمَّ الأولى أن يجلسَ مُفتَرِشاً، أومُتَوَرِّكاً، أوجاثِياً على رُكبتيه، فإنَّ ذلك أليقُ بالأدب منَ التَّرَبُّعِ ونحوه.
ومنها: أن ينظر إلى الأرض، أوإلى أسفل ما يستقبله من جدار القبر، وأن يغُضَ طَرْفَه عمَّا أُحدِثَ ثَمَّ من الزينة، وعن الواقفين، وهل يضع اليد أم لا؟ ففيه خلاف، وقد ذكرَ الكَرْمَانِيُّ أنَّه يضَعُ يمينه على شماله كالصَّلاةِ.
ومنها: أن يبعُدَ بنَحوأربعة أذرُعٍ، أوثلاثةِ أذْرُعٍ، وقيل: القُرْبُ أَولى، وقالَ النَّووِيُّ: البُعدُ أَوْلى، وأنَّ هذا من جُملةِ الصَّوابِ الذي أَطبَقَ عليه العُلَماء، كما يبعد منه لوحَضَرَ في حياتِه
الجزء 1 · صفحة 38
ومنها: أن لا يرفَعَ صَوتَه، بل يقتَصِدُ ويقولُ: السَّلامُ عليكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ ورَحمةُ اللهِ وبركاته، السَّلامُ عليكَ يا رسولَ اللهِ السَّلامُ عليكَ يا نبي الله، السَّلامُ عليكَ يا خيرةَ اللهِ، السَّلامُ عليكَ يا صفوة الله، السَّلامُ عليكَ يا حبيبَ اللهِ السَّلامُ عليكَ يا خَلِيلَ اللَّهِ، السَّلامُ عليك يا نبيَّ الرَّحمةِ، السَّلامُ عليكَ يا هادِيَ الأُمَّةِ.
السَّلامُ عليكَ يا بشير، السَّلامُ عليكَ يا نذيرُ، السَّلامُ عليكَ يا رسولَ ربّ العالمين، السَّلامُ عليكَ يا سيد المرسلين، السَّلامُ عليكَ يا إمامَ المُتَّقين، السَّلامُ عليك يا شفيعَ المُذنبين، السَّلامُ عليكَ يا خيرَ الخَلائِقِ أجمعين.
السَّلامُ عليكَ يا خاتمَ النَّبيِّين، السَّلامُ عليكَ وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، والملائكةِ المُقرَّبين، وجميع عبادِ اللهِ الصَّالحين، جزاك الله يا رسولَ اللهِ عنَّا أفضلَ ما جزى نبياً ورسولاً عن أُمَّتِه.
وصلَّى الله عليكَ كلَّما ذكَرَكَ الذَّاكِرون، وغَفَلَ عن ذكرِكَ الغافِلون، وأفضَلُ
وأكمل، وأطيب وأطهَرُ، وأَزْكَى وأنْمَى، ما صُلّي على أحدٍ من الخلق أجمعين. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهَدُ أَنَّك عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، وأشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصَحْتَ الأُمَّةَ، وأَقَمْتَ الحُجَّةَ، وأوضَحْتَ المَحَجَّةَ، وجاهَدْتَ في الله حق جهاده. اللَّهُمَّ آتِه الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وَعَدتَه، وآتِه نهاية ما ينبغي أن يسأله السَّائِلون.
الجزء 1 · صفحة 39
اللَّهُمَّ صَلِّ على محمد عبدك ورسولك، النَّبي الأمي وعلى آل محمد، وأزواجه أُمَّهَاتِ المُؤمنين، وذُرِّيَّتِه وأهل بيته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه أُمَّهاتِ المُؤمنين، وذُرِّيَّتِه وأهل بيته، كما بارَكْتَ على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، عدَدَ معلوماتك، ومداد كلماتِك، ورضى نفسك، وزِنَةَ عَرْشِك، وسلم تسليماً كثيراً، وعلينا معهم برحمتك يا أرحَمَ الرّاحمين، سُبحانَ ربّك ربِّ العِزَّةِ عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. ومَن عَجَزَ عن حِفْظِ هذا، أوضاقَ وقته عنه اقتصر على بعضه، وأقله: السَّلامُ عليكَ يا رسولَ اللهِ.
الجزء 1 · صفحة 40
واعلَمْ أَنَّ العُلماء اختَلَفُوا هل الأولى التَّطويلُ أوالاختِصارُ؟ قالَ ابنُ عساكِرَ: والذي بلَغَنا عن ابنِ عُمَرَ وغيره من السَّلَفِ الأَوَّلين الثاني، لكنَّ أكثرَ العُلَماءِ على التّطويل، إلا أنَّه بِشَرْطِ الحُضورِ ودَوامِ اللَّةِ في الحَضرةِ، وعَدَمِ السَّامَةِ والمَلالَةِ). ومنها: أنَّه إذا أوصاه أحدٌ بالسَّلام على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن يقولَ: السَّلامُ عليكَ يا رسولَ اللهِ من فُلانِ بنِ فُلانٍ، أوفُلان بن فلانٍ يُسلَّمُ عليكَ يا رسولَ اللهِ. ومنها: أن يتأخَّرَ عن صَوْبِ يمينه قَدْرَ ذِراع للسَّلَامِ عَلى الصِّدِّيقِ، فَإِنَّ رَأسَه عندَ مَنكِب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصحيح الذي عليه الجمهور، فيقولُ: السَّلامُ عليك يا أمير المؤمنين أبا بكرِ الصِّدِّيقِ السَّلامُ عليكَ يا صاحِبَ رسولِ اللهِ السَّلامُ عليكَ يا خَليفَةً رسولِ اللهِ السَّلامُ عليكَ يا صاحِبَ رسولِ اللهِ في الغارِ، ورفيقه في الأسفار، السَّلامُ عليكَ يا شيخ المُهاجرين، جزاك الله عن الإسلامِ والمُسلمين خيراً، ورَضِيَ الله تعالى عنكَ وأرضاكَ، وَجَعَلَ الجنَّةَ مَنزِلَكَ ومَثواك.
الجزء 1 · صفحة 41
ثم يتأخَرُ عن صَوْبِ يمينه قَدْرَ ذِراع للسّلام على الفارُوقِ؛ لأنَّ رأسه عندَ مَنكِبِ الصِّدِّيقِ، ويقولُ: السَّلامُ عليكَ يا أمير المؤمنين عُمر الفاروقِ، السَّلامُ عليك يا إمامَ المُتَّقين، السَّلامُ عليكَ يا صاحِبَ رسولِ اللهِ، السَّلامُ عليكَ يا مُؤْنِسَ رسولِ اللهِ، السَّلامُ عليكَ يا مَن أعزّ الله تعالى به الإسلام، جزاك الله عن أمَّة نبيه صلى الله عليه وسلم خيراً، ورضي الله عنكَ وأرضاكَ، وجَعَلَ الجنَّةَ مُنقَلَبَكَ ومَثواك. ومنها: أن يرجع إلى موقفه الأوَّلِ، ويتوسل به في حق نفسه، ويستَشْفِعَ به إلى ربه، قال أهل المناسكِ من جميع المذاهب: ومن أحسن ما يقول ما جاءَ عن ابنِ عُيَيْنَةَ قال: كنتُ جالساً عند قبرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فجاءَ أعرابي، فقالَ: السَّلامُ عليك يا رسول الله، سمِعتُ اللهَ يقولُ: {وَلَوأَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]، وقد جِتُكَ مُستَغفِراً من ذَنبي، مُسْتَشْفِعاً بك إلى ربي، ثم بكى وأنشأ يقولُ: يا خَيْرَ مَن دُفِنَتْ فِي التُّرْبِ أعظُمُه فطابَ مِنْ طِيبِهِنَّ القَاعُ والأَكَمُ نفسي الفداء لقبر أنتَ ساكِنُه العفافُ وفيه الجُودُ والكَرَمُ قال: ثمَّ انْصَرَفَ فَحَمَلَتْني عَيْناي، ورأيتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي النَّومِ، فقال: يا عييني، الحَقِ الأعرابي فَبَشِّره بأنَّ الله تعالى قد غَفَرَ له، فخَرَجْتُ خلفه فلم أجده، انتهى
الجزء 1 · صفحة 42
فينبغي أن يُكثِرَ منَ الاستغفار بعد قراءة هذه الآية، ويستدعي منه أن يستَغفِرَ له، فيقول: نحنُ وَفدُكَ يا رسولَ اللهِ، وزُوَّارُكَ يا حبيبَ اللهِ، جِئْنَا لَقَضاءِ حِقَّكَ، والتَّبَرُّكِ بزيارتك، والاستشفاع بكَ، مما أثقَلَ ظُهورنا، وأَظلَمَ قُلوبَنا، فليس لنا شفيع غيرُك نُؤَملُه، ولا رجاء غيرُ بابك نَصِلُه، فاستَغفِرْ لنا، واشفَع لنا إلى ربِّكَ، يا شفيعَ المُذنبين، واسأله أن يجعلنا من عباده الصالحين. ومنها: أن يتقَدَّمَ إلى رأسِ القَبرِ المُكرَّمِ، ويستقبل القبلة، ويحمد الله تعالى ويمُجدَه بأبلغ ما يُمكنه، ويُصلّي ويُسلّم على نبيه، ويدعولنفسه بما أهمه وأحبه من خيري الدنيا والآخرة، وكذلك لوالديه وأولاده وأقاربه ومشايخه وأحبابه، ومَن أوصاه، وسائرِ المُسلمين. واعلَمْ أَنَّ العِزَّ بنَ جَمَاعَةٍ أنكر هذا المَوقِفَ كَالعَوْدِ بَعدَ السَّلامِ على الشَّيخَينِ إلى موقفه الأَوَّلِ، مُحتَجَّاً بأنَّ واحِداً منهما لم يرِدْ عن الصحابة ولا عن التّابعين، ورُدَّ بأنَّ الدُّعاءَ هناك والتوسل به الا الله له أصل عن السَّلَفِ، والذي لم يُفعَلْ إِنَّما هوهذا الترتيب المخصوص.
وحكمتُه: أَنَّ في تأخيرِ الدُّعاءِ والتَّوسُّلِ عن السَّلامِ على الشَّيخَينِ حُصول الجَمعِ بينَ مَوقِفِ السَّلَفِ الذي كانَ قبل إدخال الحُجَرِ في المسجد، لما لم يكن الاستقبال يتأتّى لهم، فإنَّه جاءَ أَنَّهم كانوا يقفُونَ في جهةِ الرَّأْسِ الشَّرِيفِ، وبينَ مَوقِفهم الثاني الذي كانَ بعد ذلك، وهوحَسَنٌ لأَنَّه صلى الله عليه وسلم لَمَّا فَرَغَ مَن دَفْنِ ابنه إبراهيم قال عند رأسه: السَّلامُ عليكم، وهوظاهِرُ في أَنَّ السَّلامَ من جهة الرّأس، و «ما رآه المسلمون حَسَناً فهوعندَ اللهِ حَسَنٌ».
الجزء 1 · صفحة 43
ومنها: أن يحرص على المَبيتِ في المَسجِدِ ولوليلةً واحدةً، يُحييها بالذكرِ والدُّعاءِ وتلاوة القُرآنِ، كما قاله ابن عساكِرَ، وَإِنْ أَمْكَنَه أَن لا يُفارِقَ المسجد دائماً إلا لضرورة أومصلحة راجحة فليغتنم ذلك (3). ومنها: أن يكونَ حَزيناً على فراقه وخروجه من الدُّنيا، أعظَمَ من حُزنِه على
فِراقِ أبويه وأولاده، كما قاله بعضُ الأئمةِ الشَّافعيّة.
ومنها: أن لا يطوف بقبره الله، كما نقَلَه النَّووِيُّ عن إطباق العلماء، وأن لا يُلصِقَ البطنَ والظَّهر بجدارِ القَبرِ المُكرَّم، كما قاله كثير من العلماء، فإنَّه مكروهه، وكانَ القياسُ، تحريمه، لكِنْ لمَّا كانَ من شأن ذلك عند فاعليه أنَّهم لا يفعلون إلا لقَصْدِ التَّبَرُّكِ به جَهلاً بما يليق به الله من الآداب اقتضَى ذلك رَفْعَ الحُرمةِ عنهم، وإثبات الكراهة، ولا عبرة بذلك القَصْدِ في نفي الكراهة أيضاً؛ زَجْراً لهم عن التَّهَجُمِ عليه بما لم يُؤذَن لهم فيه.
قالَ النَّووِيُّ في «إيضاحه»: قالوا: ويُكرَهُ مَسحُ جدارِ القَبرِ باليد وتقبيله، بل الأدَبُ أن يبعُدَ منه كما يبعُد منه لوحضَرَ في حياته، هذا هوالصواب، وهوالذي قاله العلماء، وأطبقوا عليه، وينبغي أن لا يغتر بكثيرين من العَوامِ في مُخالَفَتِهم ذلك، فإِنَّ الاقتداء والعَمَلَ إِنَّما يكونُ بأقوالِ العُلماء، ولا يُلتَفَتُ إلى مُحدَثات العَوامِ وجَهالَاتِهم. ولقد أحسَنَ السَّيِّدُ الجليل أبوعليّ الفُضَيلُ بنُ عِياض رحمه الله في قوله ما معناه: اتَّبِعْ طُرُقَ الهُدَى، ولا يضُرَّكَ قلَّةُ السَّالكين، وإِيَّاكَ وطرُقَ الضَّلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين، انتهى.
واعتَرَضَه العِزُّ بنُ جَماعةٍ وغيرُه في تقبيلِ القَبرِ ومَسَّهِ بِقَولِ أَحمدَ: لا بأس به، ورُدَّ بأنَّ معناه: لا حُرمَةَ عليه، أولا يُستَحَبُّ.
الجزء 1 · صفحة 44
وقال في «الإحياء»: مَسُّ المَشاهِدِ وتقبيلها عادة اليهود والنصارى، قيل: إلا إذا غَلَبَ عليه الشَّوق والحال والاستغراق في مَقامِ الجَمالِ.
ومنها: أن لا ينحني للقبرِ الشَّريف، ولا يُقبل الأرضَ، كذا قاله بعضُ العُلماءِ؛ لأنَّه لم يفعله السَّلَفُ، والخيرُ كلُّه في اتِّباعهم.
ومنها: أن يأتيَ الرَّوضَةَ فيُكثِرَ فيها من الدُّعاءِ والصَّلاةِ، وذلك لحديث «الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «ما بينَ قَبري ومِنْبَرِي رَوضَةٌ من رياض الجنَّةِ، ومنبري على حوضي». وفي رواية صحيحة: «ومنبري على تُرْعَةٍ من تُرَعِ الجَنَّةِ». رواه أحمد، وفسَّرَ التُّرعَةَ بالبابِ والرَّوضِةِ.
وفي روايةٍ أُخرى: «ما بينَ مِنبري وبيتي. وفي أُخرَى: «ما بينَ حُجْرَتي ومنبري.
فقيل: معنى كونه روضةً أنَّ العمل فيه يُوجِبُ ذلك، كما ورَدَ: الجنَّةُ تحتَ ظِلالِ السُّيوفِ، و «الجنَّةُ تحت أقدامِ الأُمَّهاتِ، والأولى ما قاله الإمام مالك وغيره من بقائه على ظاهِرِه فينتَقِلُ إلى الجنَّةِ، وليست كسائِرِ الأرضِ تفنى وتذهَبُ، وهذا ما عليه الأكثرون، وقيل: هي من الجنَّةِ الآن حقيقة. ومعنى قوله: «ومِنبَري على حَوْضي»: أنَّ مُلازَمَةَ الأعمالِ الصَّالِحَةِ عندَه تُورِدُ الحوض، وحمله بعضُ العلماء على الحقيقة، وقيل: يُعيده الله على حاله فيُنصَبُ على حَوضِه، وعنه عليه الصَّلاة والسَّلامُ أَنَّهُ قالَ: «قَواعِدُ مِنبَري على رواتب في الجنَّةِ؛ أي: ثَوابِتَ.
ومنها: أن يتحرى الوُقوفَ والدُّعاءَ عندَ المِنبَرِ، وقد جاءَ: أنَّ رِجالاً من الصَّحابة كانوا إذا دَخَلُوا المسجدَ أَخَذُوا بُرُمَّانةِ المِنبَرِ التي كانَ يُمْسِكُها بيده، ثم يستقبلون ويدعُونَ.
الجزء 1 · صفحة 45
ونقل في «الشفا»: أنَّ الصَّحابة كانوا إذا خلا المَسجِدُ حَسُّوا رُمَّانَةَ المِنبَرِ التي تلي القَبرَ الشَّرِيفَ بمَيامِنِهم، ثمَّ استَقبَلُوا القِبلة يدعُونَ.
ومنها: أن يجتنب ما يفعله الجَهَلَةُ من تقربهم بأكلِ التَّمْرِ الصَّيحاني في الروضة الكريمة، وقيل: سبب تسميته بالصيحانِي: ما أَخرَجَه ابنُ المُؤَيَّدِ الحَمَوِيُّ عن جابر: كنتُ معَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يوماً في بعض حيطان المدينة، ويد علي في يده، فمَرَرْنا بنخيل، فصاحَ النَّخْلُ: هذا محمَّدٌ رسولُ الله، هذا عليٌّ سَيفُ الله، فالتَفَتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلى علي وقالَ: «سَمه الصيحانِيَّ»، فسُمِّيَ من ذلك اليوم الصيحانِيَّ. انتهى
وقد ذكرَ ابنُ الجَوزِيّ في موضوعاتِه» حديثاً مُشتَمِلاً عليه، وعلى زيادات أُخَرَ، وقالَ: إِنَّه مَوضُوعٌ، وأقروه.
ومنها: أن يُديمَ النَّظَرَ إلى الحُجْرَةِ الشَّريفةِ إذا كانَ في المَسجِدِ، وإلى القُبَّةِ المُعظَّمة معَ الحُضورِ والمَهابة إذا كانَ خارِجَه، ولا منافاة فيه لاستقبال القبلة؛ لأنَّ مَدارَه على الصَّدِرِ، وإِنْ كانَ الوَجهُ مُلْتَفِتاً إلى جهةٍ أُخْرَى.
ومنها: أن يُلازِمَ الصَّلواتِ كلَّها بالمَسجِدِ، وأن ينوي الاعتكاف ما دامَ فيه، وأن يختِمَ القُرآنَ فيه، وفي غيرِه مُدَّةَ الإقامة للزيارة.
ومنها: أن يتَحَرَّى الصَّلاةَ فيما كانَ مسجِداً في حياته، لا فيما زيد بعده، فإنَّ المُضاعفة المذكورة في الخبرِ الصَّحيح: «صلاةٌ في مسجدي هذا أفضَلُ من ألفِ صلاةٍ فيما سواه إلا المَسجِدَ الحرام»؛ تختص بالأوَّلِ كما قالَه النَّووِيُّ وغيره.
الجزء 1 · صفحة 46
واعترضه ابن تيمية والطبري وغيرهما: بأنَّه سُلَّمَ في مسجدِ مكَّةَ أَنَّ المُضاعفة لا تختص بما كان موجوداً في زمنه، وبأنَّ الإشارة في الخبر المذكور إنَّما هي لإخراج غيره من المساجد المنسوبة إليه، وبأنَّ الإمام مالكاً سُئل عن ذلك، فأجابَ بِعَدَمِ الخُصوصيَّةِ.
وقال: لأنه لا أخبر بما يكون بعده، وزُوِيَت له الأرضُ، فَعَلِمَ بما يحدثُ بعده، ولولا هذا ما استَجازَ الخُلفاء الراشدونَ أن يزيدوا فيه بحَضْرَةِ الصَّحابة، ولم يُنكَرْ ذلك عليهم.
ويُؤَيَّده ما في تاريخ المدينةِ عن عُمرَ رضي الله عنه: أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِن الزيادة قال: لوانتهى إلى الجبانة.
وفي رواية: إلى [ذي] الحُلَيْفَةِ لكانَ الكُلُّ مسجد رسولِ اللهِ). وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «لوزِيدَ في هذا المسجدِ ما زِيدَ كانَ الكُلُّ مَسجِدِي.
وفي رواية: «لوبُني هذا المَسجِدُ إلى صنعاءَ كَانَ مَسجِدِي»، قال الوليُّ العِراقي: فإِنْ صَحَ ذلك فهوبُشْرَى حَسَنَةٌ.
واعلَمْ أَنَّ أَوَّلَ مَن زادَ في المسجدِ النَّبِوِيِّ عُمَرُ رضي الله عنه، وزيادَتُه من جهة القبلة، الرواقُ المُتوسّط بينَ الرَّوضة ورُواقِ المِحرابِ العُثماني، وحَدُّه في المَغرِبِ إلى الأسطوانة السابعة من المنبر، ولم يَزِدْ شيئاً من جِهَةِ المَشْرِقِ؛ لأَنَّ الحُجرَةَ كانت هي الحد من المَشرِقِ في زمنه.
الجزء 1 · صفحة 47
ثمَّ عُثمان رضيَ الله عنه زادَ في القِبلة إلى موضع محرابه اليوم، ولم يزِدْ في شرقيه، وزاد في غربيه قَدْرَ أُسطوانة، فجدارُ المَسجدِ فِي زَمَنِه من جهةِ المَعْرِبِ ينتهي إلى الأسطوانةِ الثَّامنة من المنبر، وما بعدها إلى الجدارِ أُسطوانتان فقط زادَهما الوليد، والخامسةُ من المِنبَرِ هي نهاية المسجدِ النَّبوِيِّ بعد الزيادةِ الثانية التي زادَها صلى الله عليه وسلم فيه. وحده من جهةِ الشَّامِ قَريبُ من الحِجارة التي عند ميزانِ الشَّمس بصَحْنِ المَسجِدِ خَلْفَ مَجْلِسِ مَشايِخِ الحَرَمِ.
وعن أبي هريرَةَ مَرفوعاً قالَ: «لا تَشُدُّوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجِدَ، مَسجدي هذا، والمسجد الحرام، ومَسجِدِ الأقصى». حديثُ مُتَّفَقٌ عليه.
وفيهما عنه أيضاً: صَلاةٌ في مَسجدي هذا خيرٌ من ألفِ صلاةٍ فيما سواه إلا المَسجِد الحرام». وهذا لفظ البخاري، وزادَ مُسلِمُ: «فَإِنِّي آخِرُ الأنبياء، وإِنَّ مَسجدي آخِرُ المَساجِدِ». قالَ ابنُ جماعة: يريد آخر مساجِدِ الأنبياء.
وعنه: «مَن صلَّى في مسجدي أربعين صلاةً كُتِبَت له براءة من النَّارِ، وبراءة من العذابِ، وبَرِئَ من النِّفاقِ». أخرَجَه أحمدَ.
وعن أبي هريرةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ من حينَ يخرُجُ أحدُكم من منزله إلى مسجدِي فِرِجُلٌ تُكتَبُ حَسَنةً، ورِجْلٌ تُحَطُّ خَطِيئَةً». رَوَاهُ ابنُ المُنذِرِ، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه».
وعنه أيضاً قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «مَن جَاءَ مَسجدي هذا لم يأتِه إلا لخير يتعَلَّمُه أويُعلِّمُه فهوبمَنزِلَةِ المُجاهد في سبيلِ اللهِ، ومَن جاءَ لغير ذلك فهوبمَنزِلَةِ الرَّجُلِ ينظُرُ إلى متاعِ غَيره». رواه ابن ماجه، وهذا لفظه، ورَواهُ الطَّبَرَانِيُّ وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه» بمعناه.
وعنه قال: «مَن خَرَجَ على طُهْرٍ لا يُريدُ إلا الصَّلاةَ في مَسجدي حتَّى يُصلِّيَ
الجزء 1 · صفحة 48
فيه كان بمنزلةِ حِجَّةٍ». رَواهُ الزُّبيرُ بنُ بكَارٍ
ومنها: أن يتحرى الصَّلاة عندَ سِوارَي المسجدِ الذي كانَ في زمنه؛ إذ لكُل واحدةٍ منها فضل؛ لأنَّه لا يخلومن صلاته، أوصلاةِ أحدٍ من الصَّحابة رضيَ اللهُ عنهم إليها، كما يدلُّ له حديثُ البُخاري، والذي ورَدَ له فضل خاص منها ثمانية:
الأولى التي هي عَلَمُ المُصلَّى الشَّريف، كانَ جِذْعُه الذي يخطُبُ إليه ويتكئ عليه أمامها في محلّ كرسي الشَّمعة.
الثانية: ثمَّ أُسطوانُ عائشةَ، المعروفة بأسطوانةِ المُهاجرينَ، قيلَ: صلَّى إليها النبي صلى الله عليه وسلم المكتوبة بعد تحويل القبلة بضعة عشر يوماً، ثمَّ تَقَدَّمَ إِلى مُصَلاه، وقيل: كَانَ أكابر الصَّحابةِ يُصلُّون إليها، ويجلسون حَولَها، وتُسمَّى أُسطوانة عائشة؛ للحديثِ المَروِيِّ عنها فيها: أنَّها لوعَرَفَهَا النَّاسُ لاضطَربُوا على الصَّلاةِ عندَها بالسُّهمانِ.
وكان أكثر نوافل عبد الله بن الزبير إليها، وهي الثالثة من المنبر ومن القَبرِ، ومن القبلة، متوسطة الروضة، وتُسمَّى أُسطوانَ القُرعَةِ؛ لما في «أوسَطِ الطَّبَراني»: أنَّ في مسجدي لبقعَةٌ - قيل: هذه الأسطوانة - لويعلمُ النَّاسُ ما صلُّوا إليها إلا أن يُطير لهم فرعَةٌ.
وكان أبوبكرٍ وعُمرُ وغيرهما رضي الله عنهم يُصلُّونَ إليها، والمُهاجرون من قريش يجتمعون إليها، قيل: والدُّعاء عندَها مُستَجَابٌ. الثالثة: ممَّا يليها لناحية القبرِ أُسطوانُ التّوبة، وهي الثانيةُ من القَبرِ الشَّرِيفِ، والثَّالثةُ من القبلة، والرابعة من المنبرِ، رُوِيَ أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَحَرَّى الصَّلاةَ عندَها. وعن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذا اعتكفَ يُطرَحُ له فراشه أوسريره إلى أُسطوانةِ التَّوبة مما يلي القِبلَةَ، يستند إليها. رَواهُ البَيْهَقِيُّ بإسنادٍ حَسَنٍ.
الجزء 1 · صفحة 49
كان إذا اعتكَفَ يُخرَجُ له فراشه وسريره إليها، مما يلي القِبلةَ فيَستَنِدُ إليها، وكانَ يُصلِّي نوافله إليها، وسُمِّيت بذلك لأنَّ أبا لُبابةَ رضي الله عنه لَمَّا تخلَّفَ تبوكَ رَبَطَ نفسَه بها حتَّى نَزَلَت توبته.
وروى الزبير بن بكار: أنه ارتبط أبولبابة إلى جذع من جذوع المسجد بسلسلة بضعة عشر ليلةً، فكانت ابنته تأتيه عند كل صلاةٍ فتحله فيتَوَضَّأُ، وهي الأسطوانُ المُخلَّقُ نحومن ثُلُثِها، تُدعَى أُسطوانَ التَّوبة.
ومنها حَلَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أبا لُبابَةَ حين نزلت توبته.
الرابعةُ: أسطوانُ الشرير، وهي اللاصقةُ بالشَّباكِ اليوم شرقي أسطوانة الثوية، كانَ سريره يُوضَعُ عندَها مرَّةً، وعندَ أُسطوانةِ التَّوبةِ أُخرى.
الخامسة: أسطوانُ عليّ رضي الله عنه، وتُعرَفُ بالمَحرَسِ؛ لأنَّه كان يجلس في صَفْحَتِها التي تلي القبلة يحرُسُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي خَلْفَ أُسطوانِ التَّوبة من جهة الشِّمالِ، وكانتِ الخَوْحَةُ التي يخرُجُ منها النبي الله من بيت عائشة رضي الله عنها إلى الروضة في مقابلتها.
السَّادِسَةُ: خلفَها من الشِّمالِ أيضاً أُسطوانُ الوُفودِ، كَانَ يجلس عندها لوفودِ العَرَبِ، وكانت تُعرَفُ بمَجْلِسِ التّلاوةِ، يجلِسُ إليها سَرَواتُ) الصَّحابةِ وأَفاضِلُهم.
السابعةُ: أَسطُوانُ مِربَعَةِ القَبرِ، ويُقال لها: مَقامُ جِبريل، وهي في حائِزِ الحُجرَةِ الشَّريفة عندَ مُنحَرفِ صَفحتِهِ الغَربيَّةِ للشَّمالِ، وبينها وبينَ أُسطوانِ الوُفودِ والأُسطوانِةِ اللّاصِقَةِ بشُبَّاكِ الحُجرَةِ كانَ بابُ فاطمةَ رضي الله عنها.
الجزء 1 · صفحة 50
وكان يأتي إليه حتّى يأخُذَ بعضادَتَيه ويقولُ: السَّلامُ عليكم أهل البيتِ، إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 133، وقد حُرِمَ النَّاسُ التَّبَرُّكَ بها وبأسطوانِ السَّرِيرِ لغَلق أبوابِ الشَّبَاكِ الدَّائِرِ على الحُجَرَةِ الشَّريفة.
الثَّامنةُ: أسطوانُ التَّهجد، كانَ لا يُصلّي إليها ليلاً، ومحلها الآنَ دِعامة بها محراب مرحم قُرب باب جبريل، وتُوزع في أن ذلك محلها.
ومنها: أن لا يمُرَّ بالقَبرِ المُكرَّمِ حَتَّى يقف ويُسلَّمَ عليه، سواءٌ مر من داخل المسجد أومن خارجه، ولقد وَقَعَ لبعض السَّلَفِ أَنَّه تهاوَنَ في ذلك فرأى النبي صلى الله عليه وسلم قائلا له: أنتَ المار بي مُعرِضاً لا تقفُ تُسلَّم عليَّ، فلم يترك ذلك بعد.
ومن ثمَّ سُئِلَ مالك: ألا ترى أن يُسَلَّمَ المارُّ عليه كلَّما مرَّ؟ قال: نعم، أرى عليه ذلك.
ومنها: أن لا يجعَلَ حُجْرَتَه وراءَ ظَهرِه مُطلَقاً، ولا بين يديه في الصَّلاةِ. ومنها: أن يزورَ كلَّما دخلَ المَسجد أوخَرَجَ خِلافاً لأهلِ المَدينةِ؛ فإِنَّ الإمامَ مالكاً كَرِه لهم ذلك دونَ الغُرَباءِ، قيل: لأنَّ ذلك من المُقيمين قد يُفضي إلى مَلَلٍ، وقِلَّةِ أدَبٍ، وأربابُ المَذاهبِ الثَّلاثةِ يقولون باستحباب الإكثار منها لكلّ أحدٍ من أهل المدينة وغيرهم؛ لأنَّ الإكثار من الخيرِ خَيرٌ
فائدةٌ: رَوَى ابنُ المُبارَكِ، وإسماعيل القاضي، وابنُ بَشْكُوال، والبَيْهَقِيُّ، والدارمي، وابن الجوزي، عن كعب الأحبار: أنَّه ما من يوم وليلة إلا وينزل عندَ الفجر سبعون ألفاً من الملائكة يحفون بقبرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ويُصَلُّونَ عليه إِلى اللَّيلِ، ثمَّ ينزِلُ سبعون ألفاً يفعلون كذلك إلى الفجر، وهكذا حتى يقوم من قبره في سبعين ألفاً يرقُونَه، وفي رواية: يُوَقرونه.
الجزء 1 · صفحة 51
فإن قيل: ما معنى قوله: «يُصَلُّونَ عليه مع إفادة الآية الكريمة عُموم صلاتهم دائماً؟ وقد صح الحديث أنَّهم تسعة أعشارِ الخَلقِ".
أجيب: بأن معناه أنَّ هؤلاءِ السَّبعينَ ألفاً يُؤمَرون بصلاةٍ مَخصوصةٍ مُناسبة لوقوفهم في حَضرَتِهِ.
فَضل
في آداب الزائر بعد خُروجه من المسجدِ الشَّرِيفِ
منها: أن ينزِلَ بمحل قريب من المَسجِدِ ليُشاهِدَ منه القُبَّةَ المُكرَّمة، وليسمَعَ النداء، ويُدرِكَ الجَماعة فيه، ولا يُنافيه ما قاله ل لبني سَلِمَةَ لَمَّا أَرادوا التَّحَوُّلَ إِلَى قُربِ المَسجِدِ: «ديارَكُم تُكتَبْ آثارُكم»؛ لأنَّ ذلك إنَّما هوللخَوفِ على المدينة أن يعرى خارجها من السُّكَانِ، فيتمَكَّنَ منها العدو، لكن لوقَدِرَ معَ البُعدِ إدراك الجماعةِ معَ طُولِ الطَّريقِ المُوجبِ لكثرةِ الثَّوابِ النَّاشئة عن كثرةِ الخُطَا؛ فله ذلك. ومنها: أن يخرُجَ كلَّ يومٍ مُتطَهِّراً إلى زيارة من بالبقيع تأسياً به؛ فإنَّه كانَ كثيراً ما يخرُجُ إليه، ويدعولمن فيه، وقد خَرَجَ إليه صلى الله عليه وسلم ليلة نصف شعبان، فسجد فيه طَويلاً حتّى ظُنَّ أَنَّه قُبِضَ، وخُروجُه له يومَ الجُمُعَةِ آكَدُ، والأولى أن يكونَ ذلك بعد السَّلامِ عليه، وعلى صاحبَيهِ.
وقد وَرَدَ في فَضْلِ البقيع عن أم قيس بنتِ مُحصن قالت: لورأيتني ورسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بيدي في سكة المدينة حتّى انتهى إلى البقيع، بقيعِ الغَرْقَدِ فقال: «يا أُم قيس!» قلتُ: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: «ترين هذه المقبرة؟ قلت: نعم، قالَ: «يُبعَثُ منها يومَ القيامة سبعون ألفاً على صورة القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ، يدخلون الجنَّةَ بغَيرِ حِساب.
وعنه عليه السَّلامُ قالَ: «أنا أوَّلُ مَن تنشَقُ عنه الأرضُ، فأكونُ أَوّلَ مَن يُبْعَثُ، فأخرُجُ أنا وأبوبكر وعمر إلى أهل البقيع، فيُبعثون، ثمَّ يُبعَثُ أهلُ مكَّةَ.
الجزء 1 · صفحة 52
وعنه عليه السلامُ أَنَّه قالَ: «إِنَّ مقبرة البقيع تضيء لأهل السماء، كما تضي الشَّمس والقمر لأهل الدنيا.
وعنه عليه السَّلامُ أَنَّه قالَ: «مَن دَفَنَّاه في مقبرتنا هذه شَفَعْنا له». ذكرها ابنُ جَماعة.
وعنه: أَوَّلُ مَن أشفَعُ له من أُمَّتي يوم القيامة أهل المدينة، وأهل الطَّائِفِ».
أخرجه الحافِظُ ابن عساكِرَ في «فضلِ المَدينةِ»، ولعلَّ المُرادَ بأَهلِ الطَّائِفِ أهلُ مكَّةَ؛ إذ يُقالُ لهم أهلُ الحِجاز، فيسْمَلُ المُعلَّى وغيره، أوأشارَ إلى أنَّ أهلَ الطَّائِفِ من أهل الحرمِ، والله أعلَمُ.
وعن سعد قالَ: كُنَّا مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالمُعَرَّس فقالَ: «لقد أُتيتُ فقيل لي: إنَّكَ لَبالوادي المُبارَكِ»؛ يعني العقيق. رواه البخارِيُّ في تاريخه». عن سعد: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نامَ بالعقيق، قالَ: «فَاستَيْقَظْتُ وإِنَّهُ لِيُقالُ لي: إِنَّكَ لَبالوادي المُبارَكِ». رواه ابن عدي، وابن عساكر.
وعن سَلَمَةَ بنِ الأكوع: أَنَّه عليه السَّلامُ قالَ: «يا سَلَمَةَ بن الأكوع، لوكُنتَ تأخذُ طريق العقيق لشيعتُكَ حينَ تَخْرُجُ، وتلقيتُكَ حينَ تقدم». رواه أبونُعَيمٍ. وعن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: مَن صَلَّى فيه ـ يعني مسجد بني عمرِوبنِ عَوفٍ كانَ كَعَدْلِ عُمرَةٍ. رَواهُ ابنُ حِبَّانَ.
وعن عائشةَ مرفوعاً: «بُطْحانُ على تُرْعَةٍ مِن تُرَعِ الجِنَّةِ». رَواهُ الدِّيلَمِيُّ
وعن أبي موسى: لقد مرَّ بالصَّخرة من الرَّوحاء سبعون نبيَّاً حُفاة عليهم العباءُ، يَؤُمُّونَ بيت الله العتيق، منهم موسى عليه السَّلامُ. رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ، وأبونعيم، وابن عساكر، وجماعة
الجزء 1 · صفحة 53
وعن كثيرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِوبنِ عَوْفٍ، عن أبيه، عن جده، قالَ: غَزَوْنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى إِذا كُنَّا بالرَّوحاء قالَ: «لقد صلَّى في هذا المسجدِ سبعون نبياً قبلي، ولقد قَدِمَها مُوسَى عليه السَّلام وعليه عباءتانِ قطوانيتان على ناقةٍ وَرْقاءَ في سبعين ألفاً من بني إسرائيل». رَواهُ ابنُ عَساكِرَ.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: بِئرُ غَرْسٍ من عُيونِ الجِنَّةِ. رَواهُ ابنُ سعد. وعن عُمرَ بنِ الحَكَمَ نِعْمَ البِئرُ بِئرُ غَرْسٍ، هي من عُيونِ الجَنَّةِ، وماؤُها أطيب المياه. رواه ابنُ سَعدٍ. وعن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما مرفوعاً: «رأيتُ اللَّيلةَ كأَنِّي جَالِسٌ على عين من عُيونِ الجنَّةِ، بَحْرِ غَرْسِ». رَوَاهُ ابنُ سَعِد. وعن عائشةَ رضي الله عنها: «بُعِثْتُ إلى أهل البقيع لأُصلِّيَ عليهم». رَواهُ أحمد
وعن أُمَّ قَيس بنتِ مُحصِنِ: أَنَّه عليه السَّلامُ قالَ: «يا أُمَّ قَيس!، أترينَ هذه المقبرة؟ يبعَثُ الله منها سبعين ألفاً يوم القيامة على صُورةِ القَمَرِ ليلةَ البدرِ، يدخلون الجنة بغير حساب». رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ.
وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه: يبعَثُ اللهُ عزَّ وجَلَّ من هذه البقعة، ومن هذا الحرَمِ سبعين ألفاً يدخُلونَ الجنَّةَ بغَيرِ حِسابٍ، يشفَعُ كلُّ واحدٍ منهم في سبعين ألفاً، وجوههم كالقَمَرِ ليلةَ البدرِ. رَواهُ الدَّيلَمِيُّ عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه.
وإذا انتهى إلى البقيع قالَ: السَّلامُ عليكم دار قوم مؤمنين؛ أي: يا دار، وعبر عنها تجوزاً من اسم الحال على المحل؛ إذ السلام هنا للأرواح، وإِنَّا إِن شاء الله بكم لاحقون، والاستثناء للتبرُّكِ، أوللحوقِ المُقيَّد بهذا المَحَلَّ اللَّهُمَّ اغفر لأهل بقيعِ الغَرْقَدِ اللَّهُمَّ اغفر لنا ولهم.
الجزء 1 · صفحة 54
وينبغي أن يقصد القبور الظاهرة فيه، كقَبرِ عُثمان رضي الله عنه، والأولى أن يبدأ به؛ لأنَّه أفضَلُ مَن فيه، وهذا إن لم يمُرَّ بقبر غيره، وإلا سلَّمَ معَ وُقوف يسير، ثمَّ رِجَعَ إليه، ثمَّ بعدَ عُثمانَ يبدأ بالعباس، ثمَّ بالحَسَنِ بِجَنْبِه، ثمَّ بِفاطِمَةَ بجَنْبِه، فإِنَّ الأرجَحَ أَنَّها هنا، ثم بزين العابدين، ثم بابنه محمد الباقر، ثم بابنه جَعفَرِ الصَّادِقِ، رضي الله عنهم.
وهؤلاء كلهم بقيَّةٍ واحدةٍ، ثمَّ بإبراهيم ابنِ النَّبيِّ، ومعه في قُبَّتِه جماعةٌ من الصَّحابة، فيُسلّم عليهم، ثمَّ بِمَشْهَدِ أبي سُفيانَ بنِ الحَارِثِ عَمَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ويُنسَبُ الآنَ لعَقيل بن أبي طالب، وهوإِنَّما تُوُفِّيَ بِالشَّامِ.
بأُمَّهاتِ المُؤمنين، وكلُّهُنَّ هنا إلا خديجة فبمكة، وإلا ميمونة فبسَرِفٍ، ووُقوعُ السَّلامِ على المفضولِ تبعاً لبعض مَن في قُبَّةِ العَبَّاسِ قبل إبراهيمَ لا يَضُرُّ، ويزور أيضاً قبر الإمام مالك بن أنس، وكذا شيخُه بجَنبِه فِي قُبَّةٍ لطيفة على ما يقالُ، وهونافع المُحدِّثُ، لا نافِعُ القارِيُّ، كما تُوهم.
والمَشْهَدُ المَشهور بفاطمة بنت أسد أم علي رضي الله عنهما، والأقرَبُ أَنَّه مشهَدُ سعدِ بنِ مُعاذ سيد الأنصارِ؛ لأنَّ ما ذكره القُدَماءُ لا ينطبق على ذلك، ذكره السَّيِّدُ.
الجزء 1 · صفحة 55
ويختِمُ بقَبرِ صفيَّةَ عَمَّةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ويزورُ مَشْهَدَ إسماعيل بن جعفر الصَّادِقِ بُرُكنِ السُّورِ من داخله قبالة قُبَّةِ العبَّاس، ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري بلصق السُّورِ غربي المدينةِ، ومَشْهَدَ النَّفْسِ الزَّكَيَّةِ محمَّدَ بْنَ عبد الله بنِ الحَسَنِ بنِ علي رضي الله عنهم، وهوخارِجُ السُّورِ في سَلْعِ ومنها: أن يأتي مُتطَهِّراً قبورَ الشُّهداء بأحد، ويبدأُ بِسيِّدِ الشُّهَداءِ حَمْزَةَ عم رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ويُبكِّرُ بعد صلاة الصبح بمَسجِدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى يعود ويُدرِكَ جماعة الظهر فيه، والأفضل أن يكون ذلك يوم الخميس؛ لأنَّ المَوتَى يعلمون؛ أي: يزيدُ عِلمُهم للأدِلَّةِ على دَوامِ عِلمِهم بزُوَّارِهم يوم الجمعة ويوماً قبله ويوماً بعده، كما نقله في الإحياء» عن محمد بن واسع أنه بلغه ذلك، والمطلوب يومَ الجُمُعَةِ التَّبكيرُ، ويومَ السَّبتِ الذَّهابُ لقُباء، فتعيَّن الخميس. وقال المُحقِّقُ الكَمالُ بنُ الهُمام: ويزورُ جَبَلَ أُحُدٍ نفسه، للحديث الصَّحيح: «أُحدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه»، انتهى.
وفي الصَّحيح»: أنَّه عليه السَّلامُ صَعِدَ أُحداً، ومعه أبوبكرٍ وعُمَرُ وعُثمانُ، فَرَجَفَ بهم، فقال عليه السَّلامُ: «اثبتْ أُحُدُ، فَإِنَّما عليك نبي وصديقٌ وشهيدان».
وفي «الصَّحيح»: أنَّه عليه السَّلامُ قَالَ: «إِنَّ أُحُداً على تُرْعَةٍ مِن تُرَعِ الجِنَّةِ، وإن عيْراً على تُرْعَةٍ مِن تُرَعِ النَّارِ.
وفي رواية للطبراني: «إن أحداً رُكن من أركان الجنة. وفي رواية له أيضاً: أنه عليه السَّلامُ قالَ: «لَأُحُد هذا جبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه، إِنَّه على باب من أبواب الجنَّةِ، وهذا عَيرٌ يُبغِضُنا ونُبَغِضُه، إنَّه على باب من أبوابِ النَّارِ».
الجزء 1 · صفحة 56
ورَوَى أبونُعَيم في «الحِليةِ» بسنده إلى ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قالَ: مرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بمِصْعَبِ بنِ عُمَيرٍ فَوَقَفَ عليه، وقالَ: «أَشْهَدُ أَنَّكُم أحياء عندَ اللهِ، فزُورُوهُم وسلَّمُوا عليهم، فوالذي نفسي بيده لا يُسَلِّمُ عليهم أحَدٌ إِلا رَدُّوا عليه إلى يوم القيامة». وفي روايةِ الطَّبَراني في «الأوسَطِ» عن أنس، ولفظه: «أُحد جبل يُحبنا ونُحبه، فإذا جئتُموه فكلُوا من شَجَرِه، ولومِنْ عِضاهه.
ومنها: أنه يأتي مُتطَهِّراً من حين خُروجه مسجد قباء ناوِياً التَّقَرُّبَ بزيارته والصَّلاةِ فيه؛ للحديثِ الصَّحيح: «صلاةٌ في مسجد قباء كعُمرة».
وأخرَجَ الشَّيخان: كان يأتي مسجد قباء راكباً وماشياً، فيُصلِّي فيه ركعتين.
والأولى أن يكون ذلك يومَ السَّبتِ للحديث الصحيح أيضاً: كانَ صلى الله عليه وسلم يأتيه كلَّ سبت راكباً وماشياً، وكانَ ابنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يفعله، وحمل بعضُ المُتأخرينَ من العلماءِ قوله: كلَّ سبتٍ على أنَّ المُرادَ يوم من أيام الأسبوع، كقولهم: مُطِرْنا سبتاً، ويرُدُّ ذلك أنَّ في رواية لابنِ حِبَّانَ في «صحيحه»: أَنَّه عليه السَّلامُ كَانَ يَأْتِي قُباءَ كل يوم سبت. وعنه عليه السَّلامُ: مَن تَطَهَّرَ في بيته، ثم أتى مسجد قباءَ فصلَّى فيه صلاةٌ، كَانَ له كأجرِ عُمَرَةٍ». رواه ابن ماجه بإسنادٍ صحيح
وعنه عليه السَّلامُ: «أَنَّ الصَّلاةَ فيه كعُمرة». رواه أحمد، والترمذي، وابنُ حِبَّانَ
في «صحيحه»، والحاكم، وصحح إسناده.
الجزء 1 · صفحة 57
وعن سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ: أَنَّه عليه السَّلامُ قَالَ: «مَن تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضوءَهُ، ثُمَّ دخلَ مسجد قباء، فرَكَعَ فيه أربعَ رَكَعَاتٍ، كانَ ذلك عَدْلُ رَقَبَةٍ». رَواهُ الطَّبراني. وعن عُمَرَ: أَنَّه كان يأتي قُباءَ يومَ الاثنين ويوم الخميس، فجاء يوماً فلم يجد فيه أحَدَاً من أهلِ قُباءَ فقالَ: والذي نفسي بيده لقد رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأبا بكر في أصحابه ينقلونَ حِجَارَتَه على بطونهم، ويُؤَسِّسه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السَّلامُ يؤُمُّ به البيت، ومحلوفُ عمرَ بالله لوكانَ مَسجِدُنا هذا بطرف من الأطرافِ الضَرَبْنا إليه أكباد الإبلِ. ذكره ابنُ النَّجَّارِ، وأَخْرَجَهُ ابنُ الجَوزِيِّ.
وقد قيلَ: إنَّه المَسجِدُ الذي أُسِّسَ على التَّقوى، وقيلَ: إِنَّه مَسجد المدينة؛ لما في صحيح مسلم من حديث أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ قالَ: مَرَّ بي عبدُ الرَّحمنِ ابنُ أَبي سعيد الخدري قال: قلتُ له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجدِ الذي أُسِّسَ على التَّقوى؟ قالَ: قالَ: إِنِّي دَخَلتُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في بيتِ بعض نسائه، فقُلتُ: يا رسول الله! أيُّ المَسجِدِ الذي أُسِّسَ على التَّقوى؟ قالَ: فَأَخَذَ كَفَّا من حَصَباءَ فَضَرَبَ به الأرضَ، ثمَّ قالَ: هومَسجِدُكم هذا المسجدِ المَدينةِ، قالَ: فقلتُ له: أَشْهَدُ أَنِّي سمعت أباك هكذا يذكُرُ.
الجزء 1 · صفحة 58
وممَّا يُؤَيِّدُ الأَوَّلَ ما في صحيح البخاري من حديثِ ابْنِ شِهَابٍ، عَن عُرْوَةَ ابنِ الزُّبير رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لبث في بني عمرِوبنِ عَوفٍ بضع عشرةَ ليلةً، وأسَّسَ المَسجدَ الذي أُسِّسَ على التَّقوى، وصلَّى فيه رسولُ اللهِ، ثُمَّ رَكِبَ راحلته فسار يمشي معَه النَّاسُ حتَّى بَرَكَتْ عندَ مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهويُصلِّي فيه يومَئِذٍ رجالٌ من المُسلمين، وكانَ مِربَداً للتَّمْرِ لَسُهَيْلِ وَسَهْلٍ، غُلامين يتيمينِ في حِجْرِ أسعدَ بنِ زُرارَةَ. الحديث.
ويُؤيّده: قوله تعالى: {مِنْ أَوَّل يَوْمٍ} [التوبة: ???]، ولا مَنْعَ من الجَمعِ إذا لم يثبت نَفي أحدهما في رواية، فكلُّ من المَسجِدَين أُسِّسَ على التَّقوى.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: نزلت هذه الآيةُ في أهلِ قُباءَ: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَطَهَرُوا} [التوبة: ???]، قال: كانوا يستَنْجُونَ بالماءِ، فَنَزَلَت فيهم هذه الآية. أخرجه أبوداود، وهذا لم يُضَعّفه، ورواه الترمذي وابن ماجه. وعن يعقوب بن مُجمع بن حارثة، عن أبيه قال: جاءَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: «لوكانَ مَسجِدُ قُباءَ في أُفُقِ من الآفاقِ ضَرَبْنا إليه أكباد المُطِيُّ». رواه عبدُ الرَّزَّاقِ.
وعنه أيضاً قالَ: دخَلَ عمرُ بنُ الخطَّابِ مسجد قباء فقالَ: والله لأَنْ أُصلِّيَ في هذا المسجدِ صلاةً واحدةً أحبُّ إليَّ من أن أُصلِّيَ في بيتِ المَقدِسِ أربعاً، بعد أن أُصَلِّيَ في بيت المقدس صلاةً واحدةً، ولوكان هذا المسجد بأفُقِ من الآفاقِ لَضَرَبْنا إليه آباط الإبلِ. رَواهُ عبدُ الرَّزَّاقِ.
الجزء 1 · صفحة 59
وعن الوليد بن كثير، عن رجُلٍ قالَ: أتى عُمَرُ رضيَ اللهُ عنه مسجدَ قُباءَ، فَأَمَرَ أبا ليلى فقال له: اجتَيْبِ العَواهِرَ، واكنُسِ المَسجِدِ بسَعَفَةٍ، قال: ولوكانَ هذا المسجد في أفق من الآفاق، أومضرِ من الأمصار لكان ينبغي لنا أن نأتيه. رَواهُ مُسدَّدُه.
وعن جرير قالَ: لمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المدينة قالَ لأصحابه: «إنطَلَقُوا بنا إلى أهلِ قُباءَ لنُسَلّمَ عليهم، فأتاهم فسَلَّمَ عليهم، ورحبوا به، ثمَّ قَالَ: «يا أهلَ قُباءَ، ايتوني بأحجار من هذه الحرَّةِ»، فجُمِعَت عنده أحجارٌ كثيرةٌ، ومعَه عَنزَةٌ له، فخَطَّ قبلتهم، فأَخَذَ حَجَراً فوضَعَه ثمَّ قالَ: يا أبا بكرٍ خُذْ حَجَراً فضَعْه إلى حَجَرِي»، ثمَّ قَالَ: «يا عُمَرُ خُذْ حَجَراً فَضَعْه إلى جَنْبِ حَجَرِ أبي بكر، ثمَّ التَفَتَ فَقالَ: «يَا عُثمانُ خُذْ حَجَراً فضَعْه إلى جَنْبِ حَجَرِ عُمَرَ، ثُمَّ التَفَتَ إِلى النَّاسِ بِأَخَرَةٍ فقالَ: «وضع حجره حيثُ أحبَّ على ذلك الخط». رواه الطبراني.
وفي لفظ الدَّيلمي وابن عساكِرَ قالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَن يَضَعَ فَلْيَضَعْ حِيثُ شاءَ على هذا الخط.
وعن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: «بطحانُ على بُركَةٍ من بُرَكِ الجنَّةِ». رواه البزار.
ومنها: أن يأتي الآبار التي بالمدينة، وهي تسعة عشر، منها سبع مشهورةٌ، كانَ يتوضأ منها، أويغتسل فيشرَبُ منها، ومن جملتها بئر أريس، فقد صَحَ أَنَّه عليه السَّلامُ تَفَلَ فيها، وأنه سقط فيها خاتمه لا من عثمان رضي الله عنه.
ومنها: أن يأتي المساجد التي بالمدينة، وهي نحوثلاثين مَوضِعاً، ومن جُملَتِها مسجد الفتح، قال أبوإسحاق بن شعبان: وأَحَبُّ له أن يأتي مسجد الفتح الذي على الخندق بينَ الظُّهرِ والعَصرِ، فيركَعَ فيه ويدعوفيه بكلِّ خيرٍ.
الجزء 1 · صفحة 60
فقد رُوِيَ عن جابر رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دعا فيه ثلاثةَ أَيَّامٍ على الأحزاب، فاستجيب له يوم الأربعاء بينَ الصَّلاتَينِ، قالَ ابنُ جماعةٍ: وحديث جابر هذا رَواهُ ابنُ المُنذِرِ عن جابر، قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المسجد مسجد الفتح يوم الإثنين ويوم الثَّلاثاءِ فاستجيب له بينَ الصَّلاتَين من يوم الأربعاء، قال جابر: فلم ينزِلُ بي أمرٌ مُهِم إلا جئتُه، فدَعَوتُ فيه يوم الأربعاء تلك السَّاعَةَ فأعرِفُ الإجابة.
وعن جابر رضي الله عنه: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مر بمسجد الفتح الذي على الجبل، وقد حَضَرَتْ صلاةُ العَصرِ فَرَقِيَ [فصلَّى] فيه صلاة العصرِ. رَواهُ ابنُ النَّجَّارِ.
فليعتمد في معرِفَتِها كالآبارِ على خبير من أهل المدينة، وإلا فعلى تاريخ السَّيِّدِ» شَكَرَ الله سعيه، وباستحباب ما ذُكِرَ من الإتيان بالآبار والمساجد والآثارِ المنسوبة إليه صلى الله عليه وسلم صَرَّحَ جَماعةٌ من العلماء.
وقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يتحرى الصَّلاةَ والتُّزُولَ والمُرورَ حِيثُ حَلَّ ونزَلَ، وما رُوِيَ عن مالك خِلافُ ذلك، فهوجارٍ على قاعدته في سَد الذرائعِ. وكذا ما جاءَ عن عُمَرَ رضي الله عنه: أَنَّه رأى النَّاسَ في الحج ابتدروا مسجِداً فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجد صلَّى فيه رسول الله، فقال: هكذا هَلَكَ أهل الكتاب قبلكم، اتَّخَذوا آثار الأنبياءِ بِيَعاً، مَن عَرَضَتْ له منكم الصَّلاةُ فيه فليُصَلِّ، ومَن لم تَعْرِضْ له فليَمْضِ.
وقال الشيخ خليلٌ مُحقِّقُ مُتأخري المالكية: يُسَنُّ زِيارة البقيع، ومسجدِ قباء، وغير ذلك لمَن كَثُرَت إقامته بالمدينة، وإلا فالمُقام عنده صلى الله عليه وسلم أَحْسَنُ، لَتَعْتَنِمَ مشاهدته.
الجزء 1 · صفحة 61
ثم نقل عن العارفِ ابن أبي جمرة: أنَّه من حينِ دَخَلَ المسجدَ مَا جَلَسَ إلا للصَّلاةِ حَتَّى رَحَلَ الرَّكب، ولم يخرُج لبقيع ولا غيره، ولمَّا خَطَرَ له ذلك قال: هذا باب الله مفتوح للسائلين والمتضرعين، وليسَ مَن يُقصد مثله.
قالَ السَّيِّدُ: والحقُّ أَنَّ مَن مُنح دوامَ الحضورِ والشُّهودِ، وَعَدَمَ المَلَلِ فاستمراره هنالك أولى وأعلى، وإلا فتنقله في تلك البقاع أحرى، وبه يستَجلِبُ النَّشَاطَ ودَفْعَ الملل، ولذلك نوّعَ الله تعالى لعبادِهِ الطَّاعاتِ.
قالَ ابنُ حَجَرِ المَكِّيُّ: وفيه نظر لما في الإتيان بذلك فوائد تعينه على ما هوبصَدَدِه، إمَّا لنحوأهل البقيع فليتشَفّع بهم إلى مَن هم أَقْرَبُ إليه منه، لينال ببركة ذلك القُربِ إليه صلَّى اللهِ وسلَّمَ عليه، وما لا يحصل له لولم يستَمِدَّ بواسطة تلك الوسائط، وأيضاً ففي ذلك وصلةٌ إليه؛ إذ وَصلَةُ أصحابه وأهل بيته وصلةٌ له.
قلتُ: وأيضاً لهم حقوق عظيمةٌ علينا؛ مِن سَبْقِ الإيمان، ونُصرته، وفتوحاتهم، وحملهم العلوم الشَّرعيّة، وفي زيارتهم والسَّلام عليهم والدُّعاء لهم أداء لبعض ما يجب علينا، معَ أَنَّ زيارَتَهم سنّةٌ مُؤكَّدةً، وفيها تَزَهُدٌ فِي الدُّنيا، وتذكُرُ إلى العُقبى، نعم مَن غَلَبَ عليه الحال فهومعذور، لم يدخُلْ تحتَ المَقالِ. ثمَّ قال: وأمَّا لنحوالمساجد والمعاهد فلأنَّ رُؤيَةَ الآثارِ تزِيدُ فِي شُهُودِ المُؤثِّرِ، ورؤيةُ الدّيارِ تزيدُ في التَّعَلُّقِ بأهلها.
قُلتُ: للقائل أن يقولَ: شُهودُ المُؤفِّرِ يُغني عن رؤية الآثارِ، ومطالعة صاحبِ المنزلِ تُعارِضُ مُلاحظة الدَّارِ، إلا إذا وَصَلَ إلى مَقامِ ليسَ في الدَّارِ غيرُه ديار، والله أعلَمُ بأحوالِ أصحاب الأسرارِ.
الجزء 1 · صفحة 62
ومنها: أن يغتَنِمَ المُجاورة بالمدينةِ المُكرَّمةِ لمَن ظَنَّ مِن نفْسِه عَدَمَ مُواقعةِ مذموم شرعي، ويصبر على ضيق المدينة ومعيشتها بالنسبة إلى بلادِ الخِصْبِ والتوسع، فقد قالَ: مَن صَبَرَ على لَأَوَاءِ المدينة وشِدَّتِها كنتُ له شهيداً أوشفيعاً يومَ القيامةِ». رواه مسلم.
ورَوَى أحمد والترمذي وغيرُهما: «مَن استطاع أن يموتَ بالمدينةِ فَليَمُتْ بها؛ فإِنِّي أَشفَعُ لمَن يموتُ بها»؛ أي: شفاعةً مخصوصة.
ولذا قيلَ: المَوتُ بالمدينةِ أفضَلُ معَ الخِلافِ في المُجاوَرَتَين، وقد أخذَ جمع منه من العُلماء أنَّ السُّكنى بالمدينة أفضَلُ منها بمكَّةَ مَعَ مزيدِ المُضاعفة بمكة، ونُقِل عن أحمد القول بذلك، ورُدَّ بما صَحَ عنه صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال لمكَّةَ: واللهِ إِنَّكِ لخيرُ أَرضِ اللهِ، وأَحَبُّ أَرضِ اللَّهِ إلى الله، ولولا أَنِّي أُخْرِجْتُ منكِ ما خَرَجْتُ».
وأما حديث: «اللَّهُمَّ إِنَّك تعلَمُ أَنَّهم أخرَجُوني من أحب البلادِ إليَّ، فأسكِنِّي أحَبَّ البلادِ إليك»، فقد قال الحافظ ابنُ عبدِ البر: إِنَّه موضوع. وفي «الصَّحيحَينِ» عنه عليه السَّلامُ أنَّه قال: «إنَّما المدينةُ كالكير، تنفي خَبَتَها، وينصع طيبها»؛ أي: تُخلّصه وتُبقيه وتنقيه.
وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه مرفوعاً قالَ: «يأتي على النَّاسِ زَمانُ يدعوالرَّجُلُ ابن عمه وقريبه: هَلُمَّ إِلى الرَّحَاءِ، هَلُمَّ إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لوكانوا يعلمون، والذي نفسي بيده ما يخرُجُ أحدٌ منها رغبةً عنها إلا أخلَفَ اللهُ تعالى فيها خيراً منه، ألا إنَّ المدينة كالكيرِ تُخرِجُ الخَبَثَ، ولا تقومُ السَّاعةُ حتى تَنفِيَ المدينةُ شِرارَها كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديد». رَواهُ مُسلم.
ومنها: أن يصوم بالمدينة ما أمكنه، وأن يتصَدَّقَ بما استطاع على جيرانِ رسول الله، لا سيما أقاربه وأهل بيته، والمحاويج أولى؛ فإنَّ ذلك من جُملة
الجزء 1 · صفحة 63
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّه قالَ: رَمَضانُ بالمدينة خير من ألفِ رَمَضانَ فيما سواها من «البلدانِ. رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ بإسنادٍ ضَعيف.
وعن عائشة الله رضيَ عنها قالت: كلُّ البلادِ افتُتِحَتْ بالسَّيفِ، وافتُتِحَتِ المدينةُ بالقُرآنِ. رَواهُ ابنُ جَماعةِ.
ومنها: أن ينظُرَ إلى أهلِ المدينة بعَينِ التَّعظيمِ، ولا يبحَثُ عَمَّا سَتَروه من بواطنهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى تأسياً برسولِ اللهِ، ويُحِبُّ جَميعَ مَن بها على حَسَبِ حاله وقربه منها إلى أن لا تبقى له مزِيَّةٌ سوى اتِّصافِه بجوارِه؛ إذ عِظَمُ الإساءة لا تسلُّبُ حُرمَةَ الجِوارِ، فعنه: «لا يكيدُ أهل المدينة أحدٌ إلا انماع كما ينماعُ الملح في الماء».
وعن مَعقِلِ بنِ يَسَارٍ مَرفوعاً: «المدينةُ مُهاجَري، وفيها مَضْجَعي، وفيها مبعثي، حقيق على أمتي حِفْظُ جيراني ما اجتنبوا الكبائرَ، مَن حَفِظَهم كنتُ له شهيداً أوشفيعاً يوم القيامة، ومن لم يحفَظُهُم سُقِيَ من طينةِ الخَبالِ»، قيلَ لمَعقِلِ: ما طيئَةُ الخَبَالِ؟ قالَ: عُصارَةُ أَهلِ النَّارِ. رَواهُ أبوعَمْرِوبنِ السَّمَّاكِ، وأخرَجَه ابنُ الجَوزِيِّ
وعن عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن ظَلَمَ أهل المدينة وأخافهم فعليه لعنة الله والملائكة والنَّاس أجمعين، لا يُقبَلُ منه صَرْفُ ولا عَدْلٌ». رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ من طُرُقِ بعضُها صحيح الإسنادِ.
ورَوَى أحمد معناه من حديثِ السَّائِبِ بنِ خَلادٍ.
وفي صحيح ابن حِبَّانَ عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً: «مَن أخافَ أهل المدينة أخافَه الله»، وفي رواية أحمد عنه بلفظ: «مَن أخاف أهلَ المَدينةِ فقد أخافَ ما بينَ جَنبَيَّ».
الجزء 1 · صفحة 64
واعلَمْ أنَّ حدَّ حَرَمِ المدينة كما في خَبَرِ «الصَّحيحَينِ» ما بينَ عَيْرِ ـ وهومشهور - وثَور، وهوجَبَلٌ صغير خلفَ أُحُدٍ. وَوَهِمَ مَن وَهَمَ رُواتَه ظَنَّا منه أنَّ ثَوْراً بمَكَّةَ فقط، قاله ابنُ حَجَرِ المَكِّيُّ، وما بين لابتيها وهما الحرَّتَانِ المشهورتان.
والمُراد من حَرَمِ المَدينةِ احترام ما حولها، فلا يُقطَعُ عِضاهها، ولا يُصاد صيدها، كما وَرَدَ في (صحيح مسلم، والنهي عندَنا محمول على التنزيه، كما حُقِّقَ في محله الأليق به.
تنبيه: من الأحاديث الموضوعةِ: مَن زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحدٍ ضَمِنْتُ له الجنَّةَ». قالَ ابنُ تيمية: إنَّه موضوع، وقالَ النَّووِيُّ: إِنَّه باطِلٌ لا أصل له، وهوكذلك؛ إذ زيارة الخليلِ وسائر الأنبياء عليهم السَّلامُ قُربةٌ مستقلَّةٌ لا تعلُّق لها بحج، ولا زيارة قبر نبينا، وكذا ما زعمه بعضُ الجَهَلَةِ مِن أَنَّ زيارةَ القُدسِ تُقدِّسُ حجه؛ إذ لا تعلق لها بالحج وعكسه، بل هي قُربَةٌ مُستقِلَةٌ أيضاً.
ومنها: أن يختِمَ القُرآنَ بالمدينة قبلَ خُروجه منها، فقد كانَ السَّلَفُ يُحبُّون ذلك، قالَ ابنُ حَجَرٍ: ونظيره ما قاله بعضُ أَئِمَّتِنا في مكَّةَ، من أنَّه سُنَّ ذلك فيها أيضا. وكأنَّ حكمة ذلك فيهما: أنَّ كلّاً منهما نزَلَ به بعضُ القُرآنِ عليه، فإذا قَرَأَ القُرآنِ في أحدهما وتأمَّلَ القارِئُ نِعْمَةَ إنزالِ القُرآنِ بالمَحَلَّ الذي هوفيه، وكمالِ مَن نزل عليه، حمله ذلك على أمر عظيم من الخُضوع والخشوع والإجلال والخشية، وفتح له أبواباً واسعةً من التَّدبرِ والتَّفَكُرِ فيما يقرأه، ومن الشَّكرِ على هذه النعمة، ورُبَّما انتَقَلَ به ذلك إلى أنْ طَهُرَت سريرته، ونارَتْ بصيرته، إلى ما لم يكُنْ فِي حِسابِه من المعارف، وما لم يخطر بباله منَ الحِكَمِ واللطائفِ.
الجزء 1 · صفحة 65
ثم رأيتُ أبا مَخلَدٍ قال: كانوا يُحِبُّون لمن أتى المساجِدَ الثَّلاثةَ أَن يَحْتِمَ فيها القُرآنَ. رَواهُ سعيدُ بنُ مَنصورٍ.
قلتُ: وأيضاً القراءةُ من العباداتِ التي تتضاعَفُ في الحَرَمَينِ الشَّرِيفَين، سيما في المسجدين المُنيفين، وأيضاً فيه التَّخَلُقُ بأخلاقه؛ إذ كانَ مُداوماً على قراءة القُرآنِ العظيمِ مُدَّةَ مُقامه الكريم في كلِّ منهما.
وإن تيسر الختم أوبعضُه عند قبره له بطريقِ العَرْضِ عليه، على كمالِ الحُضورِ لديه؛ فهوغايةُ المَرتبةِ العُظمى، ونهاية المزيَّةِ الحُسْنَى.
ومنها: أن لا يُضيق على المُحتاجين بسكنَى الأربطة، والأخذ منَ الصَّدَقَاتِ ما وَجَدَ له مندوحةً عن ذلك، وكذا لا يخدِمُ خِدمةً بالمسجدِ الشَّريف، كأذان وإقراء وفراشة إلا مع غاية إخلاص النّيّة، ولا يأخُذُ عليها معلوماً إلا إن اضطر إليه. ومنها: أن يأكُلَ من عَجَوَةِ المدينةِ على الرِّيقِ سَبْعاً على الصَّباحِ كلَّ يومٍ إن تيسَّرَ؛ لِما أَخرَجَه ابنُ الأثير في «جامعه» عن سعدٍ رضيَ اللهُ عنه: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا رَجَعَ من تبوك أثارَ مَن تلقاه من أهلِها غُباراً فَغَطَّى مَن مَعَه أَنفُه، فكشَفَ صلى الله عليه وسلم النامَ عَن وَجهِه وقال: «والذي نفسي بيده إنَّ في غُبارِها شِفاءٌ من كل داء». قال سعد: وأراهُ ذَكَرَ الجُذام والبَرَصَ
وفي رواية: فأماطه عن وجهه وقالَ: «أما عَلِمْتَ أَنَّ عَجَوَةَ المدينةِ شِفاءٌ من السم، وغُبارها شِفاءٌ من الجُذام.
وفي «الصَّحيحَينِ»: «مَن تصبَّحَ - أي: أكَلَ صباحاً ـ قبل أن ينزِلَ جَوفَه شيءٌ سبع تمراتٍ عَجوةً لم يضُرَّه ذلك اليومَ سِحرٌ ولا سُمٌ).
ولمسلم: «مَن أكَلَ سبع تمراتٍ ممَّا بين لابتيها لم يضُرَّه شيءٌ حَتَّى يُمسِيَ، وهوأعَمُّ، لكن في رواية صحيحة: «على الريق».
الجزء 1 · صفحة 66
وله أيضاً: «أن في عجوة العالية شفاء، وأنَّها تِرْياقُ أَوَّلَ البُكرةِ»، وهي كما قال ابن الأثيرِ: ضربٌ من التَّمرِ يَضْرِبُ إِلى السَّوادِ، وهوهذا النَّوعُ المعروف بالمدينة يأثُره الخَلَفُ عن السَّلَفِ، وإطباقُ النَّاسِ على التَّبَرُّكِ به يُرُدُّ ما قيل فيه من غير ذلك. ومن فضائل المدينة أيضاً: أَنَّ فيها حُفْرَةً معروفةً جرَّبَها العُلماء وغيرُهم للشّفاءِ من الحُمَّى شُرْباً وغَسْلاً، لكنَّ الشُّربَ هوالوارِدُ عن ابنِ النَّجَّارِ وغيرِه، لمَّا أَصابَتِ الحُمَّى بني الحارِثِ، فقال: أينَ أنتُم عن صُعَيب؟» قالوا: ما نصنَعُ به؟ قالَ: «تأخُذونَ من تُرابِه فتَجعَلونَه في ماء، ثمَّ يتفُلُ عليه أحدُكُم ويقولُ: بسمِ اللهِ، تُرابُ
أرضنا، بريقة بعضنا، شِفاءٌ لمريضنا، بإذن ربنا»، ففَعَلوا ذلك فتَرَكَتْهُم الحُمَّى. قالَ ابنُ حَجَرٍ المكَّيُّ: ولأجلِ وُرودِه - أعني الشُّربَ - حَلَّ، وإلا فأكلُ التُّرابِ وشُربُه حَرامٌ؛ لأنَّه مُضِرٌّ.
قلت: ولأنَّه ينحَلُّ التُّرابُ في الماءِ ويضْمَحِلُّ فيه بحيثُ يكون كماء السَّيلِ، ولا شك أنَّ الحُكم للغَلَبة، وقد وَرَدَ عنه عليه السلام: «غبار المدينة شفاء من الجُدَامِ. رَواهُ ابنُ الجَوزي، وأبونعيم في «الطب». وفي رواية: «غبارُ المَدينةِ يُبرِئُ الجُذام، وفي أُخرى: «يُطفئ الجُذام». وفي «الصَّحيحَينِ»: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الإيمانَ يَأْرِزُ إلى المدينة كما تأرِزُ الحيَّةُ إلى حِجْرِها»؛ أي: تنضَمُّ وتجتَمِعُ. وفيهما أنه عليه السَّلامُ قالَ: «على أنقابِ المدينة ملائكةٌ لا يدخُلُها الطَّاعونُ ولا الدَّجَّالُ».
وفي رواية للبخاري: «لا يدخُلُ المَدينةَ رُعْبُ المَسيحِ الدَّجَّالِ، لها يومَئِذٍ سبعة أبواب، على كل باب ملكان.
الجزء 1 · صفحة 67
وعن جابرِ بنِ سَمُرَةَ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إِنَّ اللهَ تعالى سمى المدينة طابةَ». رَواهُ مُسلِمٌ، وفي رواية للطَّبَرَانِيِّ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَني أَن أُسمِّيَ المدينة طيبة».
وعنه عليه السَّلامُ: مَن سمَّى المدينة يثرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ الله تعالى، هي طابَةُ، هي طابَةُ». رَواهُ أَحْمَدُ، وفي روايةِ الجَنَدي: «فليَستَغْفِرِ الله ثلاثاً».
وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ بقَرية تأكُلُ القُرى، يقولون: يثرب، وهي المدينةُ، تنفي النَّاسَ كما ينفي الكيرُ خَبَثَ الحديد». مُتَّفَقٌ عليه، ومعنى أكلها القُرى: غَلَبَتُها على ما سواها في الشَّريعة وأحكامها.
أولأنَّ منها فُتِحَتِ القُرى، وغُنمت أموالها وسباياها.
أو: لأنَّ أكلها وميرتها يكونُ من القُرى المُفتَتَحةِ بعدها. وعن عُمَرَ رضي الله عنه قالَ: إِنَّ اللَّهَ اختار لنبيه المدينة، وهي أقل الأرضِ طَعاماً وأملَحَه ماءً، إلا ما كانَ من هذا التّمر، وإنَّه لا يدخلُها الدَّجَّالُ ولا الطَّاعونُ إِن شَاءَ اللهُ. رواه الحارِثُ.
وعن عُمَرَ رضي الله عنه قالَ: غَلا السعر بالمدينة، واشْتَدَّ الجَهْدُ فقالَ رسولُ اللهِ: «اصبروا وأبشروا؛ فإنّي قد بارَكْتُ على صاعِكُم ومُدَّكُم، فَكُلُوا ولا تتفَرَّقُوا، فَإِنَّ طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الخمسة والسنّة، والبركة في الجَماعةِ، فمَن صبَرَ على لأوائها وشِدَّتِها كنتُ له شهيداً أوشفيعاً يومَ القيامةِ، ومَن خَرَجَ منها رغبة عمَّا فيها أبدَلَ اللهُ مَن هوخَيرٌ منه فيها، ومن أرادَ أهلها بسوء أذابَه الله كما يذوبُ المِلحُ في الماء». رواه البزار.
الجزء 1 · صفحة 68
وعن أسلَمَ: أَنَّ عَمَرَ رضي الله عنه قال لعبدِ اللهِ بنِ عَيَّاشٍ بنِ رَبيعةَ: أَنتَ القائِلُ: مكة خير من المدينة؟ فقال له: هي حَرَمُ اللهِ وأَمْنُه، وفيها بيتُه، قالَ عُمَرُ: لا أقولُ في حَرَمِ الله ولا في بيته ولا في أمنه شيئاً. رواه مالك والزبير بن بكارٍ في «أخبار المدينةِ»، ذكره ابنُ عَسَاكِرَ.
وعن علي رضي الله عنه قالَ: خَرَجْنا معَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى إِذا كُنَّا بِالحَرَّةِ بالسُّقيا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتوني بوَضُوء»، فلما توضَّأَ قامَ فاستقبل القبلة، ثمَّ كبَّر، ثمَّ قالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّ إبراهيمَ كانَ عبدك وخليلك، دعاك لأهل مكة بالبركة، وأنا محمد عبدك ورسولك، وأنا أدعوك لأهل المدينة أن تُبارِكَ لهم في مُدَّهم وصاعِهم مثل ما بارَكْتَ لأهل مكَّةَ، مع البركة بركتَينِ». رواه أحمد والترمذي، وقال: صحيح، وابنُ خُزَيمةَ، وابنُ حِبَّانَ.
وعن سمرة بن جندب: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يدعُو: «اللَّهمَّ ضَعْ في أرضنا بركتها وزينتها وسكنها». رواه ابنُ عساكر
وعن ابن عباس: أَنَّ النَّبي ا لمَّا دَخَلَ المدينةَ قالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ لنا بها قراراً ورِزْقاً حَسَناً». رَواهُ الدِّيلَمِيُّ
وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: لمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المدينةَ قَدِمَها وهي أَوبَأُ أرض الله من الحُمَّى، فأصابَ أصحابه منها بلاءُ وسَقَمٌ، وَصَرَفَ الله ذلك عن نبيه، فذكَرْتُ لرسول الله ما سمعت منهم، فقُلتُ: إِنَّهم ليَهذُونَ ما يعقلون من شِدَّةِ الحُمَّى، فقالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلينا المدينةَ كما حبَّبْتَ إلينا مكَّةَ أَوأَشَدَّ، وبارِك لنا مدها وصاعِها، وانقُلْ وباءَها إلى مَهْيَعَةَ». رَواهُ ابنُ إِسحاقَ.
الجزء 1 · صفحة 69
وعن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قالَ: ما طَلَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم على المدينة قافِلاً سَفَرٍ إلا قالَ: «يا طيبة يا سيدةَ البلدانِ». رَواهُ الدِّيلَميُّ.
وعن زيد بن أسلَمَ أَنَّ النَّبي الله: قالَ: «اللَّهُمَّ مَن أرادَ أَهْلَ المَدينةِ بسوءٍ فَأَذِبه كما يذوبُ الرَّصاصُ في النَّارِ، وكما يذوبُ المِلحُ في الماء، وكما تذوبُ الإهالة في الشَّمسِ». رواه عبدُ الرَّزَّاقِ.
وعن عُثمانَ بنِ الأَرقَمِ، عن الأرقَمِ أَنَّه تجهَّزَ يُريدُ بيتَ المَقدِسِ، فلمَّا فَرَغَ من جهازه جاءَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يُودِّعُه فقالَ: «ما يُخرِجُكَ؟ حاجةٌ أوتجارةً»، قال: لا والله يا رسول الله، بأبي أنتَ وأُمِّي، ولكِنْ أردتُ الصَّلاةَ في بيتِ المَقدِسِ، فقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: صلاة في مسجدي هذا خَيرٌ من ألفِ صلاةٍ فيما سواه، إلا المسجد الحرام»، فجَلَسَ ولم يخرج. رواه أحمد وغيره.
وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه مرفوعاً: «المدينةُ قُبَّةُ الإسلام، ودار الإيمان، وأرضُ الهجرة، ومُبوَّأُ الحلال والحرام». رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ في «الأوسَطِ». وعن جابر رضي الله عنه: «الصَّلاةُ في مسجدي هذا أفضَلُ من ألفِ صلاةٍ فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وصيام شهر رمضان في مسجدي هذا أفضَلُ من ألفِ شهرِ رمضان فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وصلاة الجمعة في مسجدي هذا أفضَلُ من ألف جمعةٍ فيما سواه، إلا المَسجِد الحرام». رَواهُ البَيْهَقِيُّ
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «لوبُني مسجدي هذا إلى صنعاء كانَ مسجدي». رَواهُ الزُّبَيرُ بنُ بكَّارٍ في «أخبارِ المدينةِ». وعن ابنِ شِهَابٍ مُرسَلاً: «ما وَضَعْتُ قِبلَةَ مسجدي هذا حتَّى فُرِجَ لي ما بيني وبين الكعبة». رواه الربيرُ بنُ بكَّارٍ في «أخبار المدينة.
الجزء 1 · صفحة 70
وعن ابن عمرورضي الله عنهما: «مَن آذى أهل المدينة آذاه الله تعالى، وعليه لعنة الله والملائكة والنَّاسِ أجمعين، لا يُقبَلُ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ». رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ.
وعن جابرٍ: مَن أخاف أهل المدينة أخافَه اللهُ. رواه ابن حِبَّانَ، وفي روايةٍ لأحمد عنه: مَن أخافَ أهل المدينة أخاف ما بينَ جَنبَيَّ
وعن ابنِ عُمَرَ مَرفوعاً: «خَلَقَ اللهُ تعالى لي مَلَكَيْنِ يُرُدَّانِ السَّلامَ على مَن سَلَّمَ عليَّ من شرق البلادِ وغَربها، إلا مَن سلَّمَ عليَّ في داري، فإنِّي أَرُدُّ السَّلامَ عليه بنفسي، ولا سيّما أهل المدينةِ، فإنّي أرُدُّ عليهم لأحسابهم وأنسابهم»، فقيل: وهل تعرِفُ وهم يتناسَلُونَ من بعدك؟ قال: وهل لا يعرِفُ الجارُ جارَه؟ وهل لا يعرِفُ الجارُ جارَه؟ وهل لا يعرِفُ الجارُ جاره؟».
وعن أنس رضِيَ اللهُ تعالى عنه: مَن صلَّى في مسجدي أربعين صلاةً لا تفوته صلاة كتبت له براءةُ من النَّارِ، وبراءة من العذابِ، وبَرِئَ مِن النِّفاقِ». رَواهُ أَحْمَدُ. وعن عامر بن ربيعةَ: مَن قال للمدينة: يثرب؛ فكفَّارَتُه أن يقول: المَدينةُ عشر مرَّاتٍ رَواهُ الحاكِمُ في تاريخه».
فصل
في آداب الوداع
منها: أنَّ عند أخذه في أسبابٍ رُجوعه أوخُروجه من المَدينةِ يُسَنُّ له أَن يُوَدِّعَ المسجدَ الشَّريف بركعتين، والأولى أن تكونَ بمُصَلَّاهُ، ويدعوالله تعالى بما يُحِبُّ في دينه ودنياه، ومن آكَدِه: قبول زيارته، وإجابة طلبته.
ثم يزوره، وقيل: يُقدِّمُ الزِّيارة على الرَّكعتين، ويقولُ: اللَّهُمَّ لا تجعَلْهُ آخرَ العَهْدِ بنبيك ومسجدِه وحَرَمِه، ويسر لي العَوْدَ إلى زيارته، والعُكوفَ فِي حَضْرَتِه سبيلاً سَهْلاً، وارزُقْني العَفْووالعافيةَ في الدِّينِ والدُّنيا والآخرة، ورُدَّنا إلى بلادنا سالمين غانمين، آمنين برحمتك يا أرحَمَ الرّاحمين.
وهل ينصَرِفُ تِلقاءَ وَجهِه، أويمشي القهقرى؟ احتمالان.
الجزء 1 · صفحة 71
ومنها: أن يستَصحِبَ معَه هديَّةً لأهلِه من تمرِ المَدينَةِ، أومياهِ آبَارِها المأثورة، أونحوها من غير تكلُّف ولا قصدِ مُفاخَرَةٍ، بل لإدخال السرور على أهله وأحبائه.
وفي حديثٍ ضَعيف: «إذا سافَرَ أحدُكُم فليُهْدِ لأهلِه ولوحِجَارَةً». ومنها: أن يُكبر على كلِّ شَرَفٍ ثلاثَ تكبيراتٍ، ثمَّ يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريك له له المُلكُ وله الحمد وهوعلى كلِّ شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صَدَقَ اللهُ، وعده، ونصَرَ، عبده، وهزَمَ الأحزاب وحده.
في «س»: «تجعل هذا بدل قوله: «تجعله».
وفي رواية لمُسلم تقييد ذلك بما إذا قرُبَ من منزله، ولفظها: أقبَلْنا معَ النَّبيِّ حتى إذا كُنَّا بِظَهْرِ المدينةِ قالَ: آيبون تائبون عابدون لرَبِّنا حامِدون، فلم يَزَلْ يَقولُ ذلك حتّى قدمنا المدينة.
ومنها: أن يقول إذا أشرَفَ على بلدة يُريدُ دخولها: اللَّهُمَّ إِنِّي اسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذُ بك من شَرِّها وشَرِّ أهلها وشَرِّ ما فيها. وإذا أشرَفَ على وطنه أن يقولُ: «اللَّهُمَّ اجعَلْ لنا بها قراراً ورِزْقاً حَسَناً، اللَّهُمَّ ارزُقْنا جَناها، وأَعِذْنا من وباها، وحَبِّبْنا إلى أهلها، وحَبِّبْ صالحي أهلها إلينا». ومنها: أن لا يطرُقَ أهله ليلاً؛ لِما أنَّ عليهم مشقَةٌ، بل يُرْسِلُ أمَامَه مَن يُخبِرُ أهله به، كيلا يقدُمَ عليهم بغتةً.
ومنها: أن يقول إذا دَخَلَ على أهلِه: «تَوْباً تَوْباً، لرَبِّنا أَوْباً، لا يُغادِرُ حَوْباً»، أي: لا يتركُ إِثْماً، والتَّوْبُ بمعنى: التَّوبة، والأَوبُ هو: الرُّجوع عن الغَفْلَةِ. ومنها: أن يُستَحَبَّ له نفسه إطعامُ الطَّعامِ عند قدومه لأثرِ وَرَدَ فيه.
الجزء 1 · صفحة 72
ومنها: أن يُزادَ خَيْرُه بعد زيارته قال: هذا من علامة قبولها، تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا بِمَنَّه وكرمه، وأسبغ علينا سَوابِغَ فَضْلِهِ ونِعَمِه، وخَتَمَ لنا بالحُسنَى، وبلَّغَنَا المَقامَ الأَسنَى، وصلَّى الله على سيِّدِنا محمَّدٍ وآلِه وصحبه وسلَّمَ.
سُبحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يصِفُونَ، وسَلامٌ على المُرسَلينَ، والحمدُ للهِ رب العالمين.
حرره مؤلفه في شهر ذي القعدة الحرام، عام عشر بعد الألف من هجرة خير الأنام، بمكة المكرمة، قبالة الكعبة المعظمة، زادها الله تشريفاً وتكريماً، وبراً ومهابةً وتعظيماً.
كذا جاء في آخر النسخة الخطية «ف»، وجاء فيها: «تمت، ومن خط مؤلفه نقل، وقوبل عليه». وجاء في آخر النسخة الخطية «س» بعد قوله والحمد لله رب العالمين»: «اللهم اغفر لمؤلفه ولكاتبه ولقارئه ولمن نظر إليه. تمت آخر هذه الرسالة كتابة على يد أفقر عباد الله الغني محمد بن حسن الحسيني».