الجزء 1 · صفحة 5
التجريد في اعراب كلمة التوحيد
وَمَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْنَاهَا مِنَ التَمْجِيدِ
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
رب زدني علماً يا كريم
الحمدُ للهِ العَلِيِّ الأعلى، الذي أعلى كَلِمَتَه العليا، وجَعَلَ كلمةَ الذين كَفَرُوا السفلى، والصَّلاة والسَّلامُ على مَن أَرسَلَه اللهُ ليَنْفِيَ السوى، ويُثْبِتَ أَنَّه لا يُعبَدُ إِلا المولى، وعلى آله وأصحابه وأتباعه المُهتدين بطريقةِ الهُدَى، أَمَّا بعدُ:
فيقولُ المُلتَجِى إلى كَرَمِ رَبِّه البارِي، عليُّ بنُ سُلطانِ محمَّدٍ القارِي: إِنَّ الكلمةَ الطَّيِّبَةَ من كمال الجلالةِ لم أرَ مَن ظَهَرَ عليه أمرها وجلالها، معَ أَنَّها واسِطة العقائدِ الإيمانية، ورابطة القلائد الإيقانيَّة إجمالاً وتفصيلاً، وقُطْبُ دائِرَةِ التَّوحيد، ومَرْكَزُ مَيدانِ التَّفْريدِ كَمالاً وتكميلاً، على أنَّ ما في ظاهرها وباطنها من المجالس الأُنسِيَّةِ، والمَحاسِنِ القُدسيّة ما لا يُحصى ولا يُستَقْصَى بياناً وتَذييلاً، فيَتَعَيَّنُ على كلِّ مُؤْمِنٍ مُوقِن أن يعتَني بشأنها مبنى ومعنى، لينتقل من إفادة مبناها إلى إعادةِ معناها، فإِنَّها مفتاح الجنَّةِ، وعن النَّارِ بِمَنزِلِةِ الجُنَّةِ للنَّاسِ والجِنَّةِ. وقد نصَّ الأَئِمَّةُ من ساداتِ الأُمَّةِ أنَّه لا بُدَّ من فَهم معناها، المُتَرَتِّبِ على عِلمٍ مبناها، ليَخْرُجَ عن رِبْقَةِ التَّقليدِ ويدخُلَ فِي رِفْعَةِ التَّحقيقِ والتَّأييد.
الجزء 1 · صفحة 7
وقد قال تعالى: {فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ} [محمد: 19]، وقد قال: «أفضَلُ الذَّكرِ لا إلهَ إلا الله»، وقالَ: «مَن قال: لا إلهَ إلا الله دخل الجنَّةَ»، وقالَ: «مَن كانَ آخِرَ كلامه لا إله إلا الله دخَلَ الجنَّةَ».
فالاتصافُ بمضمون هذه الكلمة من الواجباتِ العُمْرِيَّةِ، حيثُ يجب أن تكون موجودةً حقيقة أو حكماً في كل لحظة ولمحة من أوَّلِ العُمرِ إلى انتهائه على الجهة الدواميَّةِ، كما هو معلوم من مذاهبِ العُلماءِ الرَّسميّة، ومن مشارب العُرَفاءِ الوَسمِيَّةِ فَلْنُعَيِّن ببيان مبناها ليَتَبَيَّنَ لك تبيانُ مَعناها.
فاعلَمْ أنَّ لا فيه نافيةٌ بلا خلافٍ فيها، و إلهَ مبني معَها لَتَضَمُّنِه معنَى مِنْ؛ إذ التَّقديرُ: لا مِنْ إله، ولهذا كانَت نَصَّاً في العُمومِ، كَأَنَّه نَفي كلِّ إِلهِ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ من مبدأ ما يقدرُ إلى ما لا نهاية له ممَّا يقدر، فتدبَّرْ فَإِنَّه أمرٌ مُحرَّرٌ.
وقيلَ: يُبنى الاسم معها للتّركيب المُستَفادِ من الترتيب.
وذهَبَ الزَّجَاجُ إلى أنَّ اسمها مُعرَبٌ منصوبٌ بها.
فإذا فُرعَ على القولِ المشهورِ من البناء: فمَوضِعُ الاسم نصب بـ لا العامِلَةِ عمَلَ إن في تأكيدِ المَعْنَى، والمجموع من: لا إله في موضع رفع بالابتداء، والخبرُ المُقدَّرُ هو لهذا المبتدأ، ولم تعمل فيه لا عند سيبوي
وقال الأخفَشُ: لا هى العامِلَةُ فيه. وفي «العُبابِ شرحِ اللُّبَابِ: أَنَّ خبر لا يُحذَفُ كثيراً، ومنه كلمةُ الشَّهادةِ لا إله إلا الله؛ أي: لا إلهَ كائِنٌ في الوجودِ، أو موجود في عالم الوجودِ إِلا الله.
وقالَ مُلًّا حَنفي: الله اسمُ الذَّاتِ الواجبُ المُستَحِقُّ لجميع المحاملِ من الكَرَمِ والجُودِ، وليس وصفاً بمعنى الواجب الوجودِ، وإلا لا يُفيدُ لا إله إلا الله التوحيد، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 8
وفيه: أنَّ المُرادَ بالواجبِ الوُجودِ: هو الذَّاتُ الواجِبُ المُستَحِقُّ لجميع المَحامِدِ، المشهودِ في كلُّ المَشاهِدِ، فهو كما قال بعضُ أرباب الحال: عباراتُنا شَتَّى وحُسنُكَ واحِدٌ فكل إلى ذاك الجمال يُشيرُ ثم قيل: لا يجوز أن يكونَ إلا اللهُ خَبَراً؛ لأنَّه مُستَثنى، وهو لا يصلُحُ أن يكونَ
خَبَراً عن المُستَثنى منه؛ لأنَّه لم يُذكَرْ إلا ليُبَيِّنَ به ما قُصِدَ بالمُستَثنى منه.
وقال صاحبُ «الكشَّافِ»: يجوز أن يكونَ لا إله إلا الله جملةً تامَّةً من غيرِ تقدير حذف الخبر، يعني لا إلهَ مُبتدأً، وإلا الله خبره.
فقيل: يُلزم أن يكون المبتدأ نكرة والخبرُ مَعرفة.
قال: ليس الأمر كما قيل؛ لأنَّ أصل الكلام في التَّقدير: اللَّهُ إِلهُ، فقُدِّمَ الخبرُ دفعاً لإنكارِ المُنكِرِ، فصارَ إلهُ اللهُ، ثمَّ أُريدَ به نفي الإلهية وإثباته قطعاً، فدخَلَ في صدر الكلام من الجملة حرفُ لا وفي وسطها إلا ليَحصُلَ غَرَضُهم، فصارَ لا إله إلا الله، انتهى.
ويُقويه ما قاله بعضُ المُحققين من أنَّ النكرةَ إِذا اعْتَمَدَتْ على النَّفْيِ كانت بمَنزِلَةِ المَعرفةِ، فيصح أن يكون مبتدأ، وإلا الله خبره؛ لأَنَّه بمعنَى: غيرُ اللَّهِ.
وفي «شَرحِ دُعاءِ أَبي حَرْبِ اليَمَنِيِّ»: أنَّ الاسم الكريم مرفوع على البدل من موضع لا إله؛ لأنَّ موضع لا مع اسمها رفع بالابتداء، ولا يجوزُ نَصبه حملاً على إبداله من اسم لا المنصوب؛ لأنَّ لا لا تعمل إلا في نكرةٍ مَنفَيَّةٍ، و الله سُبحانَه مَعرفَةٌ يقينيَّةُ.
وقال الرُّهاوِيُّ في شرح المنار»: لا إله إلا الله كلمة توحيـ إجماعاً، ولا يستقيم ذلك ما لم يكن صَدْرُ الكلام نفياً لكُل معبودِ بحَقِّ، و الله اسم للمعبودِ بالحقِّ، ومثله يكون تناقضاً في القول، وهو مُحالٌ في كلمةِ التَّوحيد للإجماع على صحتِها.
الجزء 1 · صفحة 9
قلتُ: المَنفِيُّ بصَدرِ الكلامِ مَفهوم كُلّيٌّ كالإله، والمأخوذُ في مدلول الجلالةِ فَرْدٌ خاص من مفهومِ الإله، بمعنى أنَّ لفظة الله عَلَمٌ للمَعبودِ بالحقِّ الموجودِ الخالق العالم، لا أنَّه اسم لذلك المفهومِ الكُلّي كالإله.
ثم لا يخفى أنَّ المُستَثنى هنا بدَلُّ من اسمِ لا على المحل، والخبر محذوفٌ؛ أي: لا إله موجود إلا الله، فإن قُلتَ: هلا قدَّرتَ نفي الإمكانِ؛ إذ نفي الإمكان يستَلزِمُ نفي الوجودِ من غير عكس، فيكون أبلغ في الرَّد؟
فالجواب: أنَّ هذا الرَّدَّ لخطابِ المُشركين في اعتقادِ تعددِ الإلهية في الوجودِ، ولأنَّ القَرينة وهي نفسُ الجِنسِ إِنَّما تدلُّ على الوُجودِ دونَ الإمكان، ولأنَّ التَّوحيدَ هو إثباتُ وُجودِه ونفي إله غيره، لا بيان إمكانه وعدَمُ إمكان غيره.
ولا يجوز أن يكون الاستثناءُ مُفرَّغاً من موضع الخبر؛ لأن المعنى على الوُجودِ عن آلهة سوى الله تعالى، لا على نفي مغايرة الله لكلِّ إله.
شرف الدين أبو زكريا يحيى الرهاوي الحنفي، له حاشية على شرح المنار» لابن ملك، في
أصول الحنفية.
الجزء 1 · صفحة 10
وبيانه على سبيلِ التَّوضيح ما قالَ ابنُ كمال باشا في «حاشيته على التلويح»: إِنَّ الاستثناء في كلمةِ التَّوحيد لا يجوز أن يكونَ مُفرَّغاً، بأن يكون الخبر المحذوف عاماً كـ موجود أو في الوُجودِ، ويكونَ إلا الله واقعاً موقعه، كما وقع إلا زيدٌ مَوقِعَ الفاعل في نحو: ما جاءَني إلا زيد؛ لأنَّ المعنى على نفي الوُجودِ عن إله سِوَى اللَّهِ تعالى، وهو إنَّما يحصُلُ إذا جُعِلَ الاستثناء بدلاً من اسم لا على المحل؛ إذ حينئذ يقَعُ الاستثناء موقع اسم لا، فيكون خبرُ لا خَبَراً له، فينتفي الوُجود عن غيرِ اللَّهِ سُبحانَه كما هو المطلوب، لا على نفي مُغايرة الله عن كُلِّ إله، وهو الذي يُفيدُه الاستثناءُ المُفرَّغُ؛ لأنَّه لما قامَ مَقامَ الخبر كانَ القصد إلى نفيه كالخبر، فيُفيدُ نفيَ مُغايَرتِه سُبحانه وتعالى عن كلِّ إله، ولا يحصل به التَّوحيد كما لا يخفى على ذَوِي النُّهى.
وقال شيخ مشايخنا جَلالُ الدِّينُ السُّيوطِيُّ في الإتقان الجامع لأنواع عُلومِ القرآنِ»: قد تُوجِبُ الصَّناعةُ النَّحويَّةُ التَّقدير؛ وإن كانَ المعنى غيرَ مُتَوَقِّفٍ عليه في التَّقرير، كقولهم في لا إله إلا الله: إنَّ الخبر محذوف؛ أي: موجود.
وقد أَنكَرَه الإمامُ فَخرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ، وقالَ: هذا الكلام لا يحتاج إلى تقدير وتقديرُ النُّحاةِ فَاسِدٌ؛ لأنَّ نفي الحقيقةِ مُطلَقةً أتمُّ من نفيها مُقيَّدةً، فَإِنَّهَا إِذا انتَفَت مُطلَقةً كانَ ذلك دليلاً على سلب الماهية مع القيد، وإذا انتَفَت مُقيَّدةً بقيدِ مَخصوص لم يلزَمْ نفيها مع قيد آخر.
الجزء 1 · صفحة 11
ورُدَّ بأنَّ تقديرهم موجود يستلزم نفي كلِّ إله غيرِ اللهِ قطعاً، فإِنَّ العَدَمَ لا كلام فيه، فهو في الحقيقة نفي للحقيقةِ مُطلَقةً لا مُقيَّدةً، ثمَّ لا بُدَّ من من تقدير خبر لاستحالة مبتدأ بلا خبر ظاهرٍ أو مُقَدَّرٍ، وإنَّما يُقدِّرُ النَّحوِيُّ ليُعطِي القواعِدَ حقها، وإن كان المعنى مفهوماً، انتهى.
وفيه بحثانِ الأَوَّلُ: أَنَّ كلام الإمام تحقيق وتدقيق في المرام، ورَدُّه مُصادَرَةٌ، بل مُكابَرَةٌ فِي المَقامِ بلا نظام. والثاني: أنَّ كلامه لا يدلُّ على نفي القواعدِ النَّحويَّةِ حَتَّى ينخرِمَ بالكلية، بل ذَهَبَ إِلى مَسْلَكِ «الكشَّافِ» في عَدَمِ الحاجة إلى تقدير كلمةٍ تكون مرفوعة بالخَبَريَّةِ، وعلى تقدير التقدير ينبغي أن يُقدِّرَ لنا لئَلَّا يُرَدَّ شيءٌ من عَدَمِ التَّحقيقِ علينا، مُراعاةً للجانبين، ومُحافَظَةٌ للمَذهَبَينِ.
وكأنَّ الجُمهور نظَروا إلى أنَّ المعدومَ لظهورِ حُدوثِه لا يصلح للأُلوهِيَّةِ، حَتَّى يُحتاج إلى نفيه، أو نفيه يُفْهَمُ بالبرهانَ الأَوْلي.
أو أرادوا بـ موجود أعم من أن يكون موجوداً في الحال، أو في مَن سَيُوجَدُ في الاستقبال، والله سُبحانَه أَعلَمُ بالأحوالِ والمَآلِ.
وذكرَ السَّنوسِيُّ في «عقائِدِه» أَنَّه قالَ الدَّماميني في تعليقه على «المغني»: قد تكلَّمَ القاضي مُحِبُّ الدِّينِ ناظِرُ الجيش في شرح التسهيل» على إعراب هذه الكلمةِ الشَّريفةِ، أُورِدُهُ بجُملته وإن كان فيه طول؛ لاحتوائه على الفوائدِ المُنيفَةِ.
قال أهل العلم: إِنَّ الاسم المُعظَّمَ في هذا التركيبِ المُكرَّمِ، يُرفَعُ وهو الكثير، ولم يأتِ في القرآنِ غيره، لكنْ جُوِّزَ نصبه على ما سيأتي إعرابه، فالأقوال للنَّاسِ في الرفع على اختلافِ إعرابهم خمسةٌ؛ منها قولانِ مُعتبَرانِ، وثلاثةٌ لا مُعَوَّلَ على شيء منها.
الجزء 1 · صفحة 12
فالقولانِ المُعتبَرانِ: أن يكونَ رفعه على البدليّة، وأن يكونَ على الخَبَريَّةِ. أمَّا القَولُ بالبَدَلَيَّةِ فهو المشهورُ الجاري على ألسنةِ المُعربين، وهو رأي ابن مالك، فإنَّه لما تكلَّم على حذفِ خبر لا العاملةِ عَمَلَ إِنَّ قال: وأكثَرُ ما يحذفه الحِجازيون مع إلا، نحو: لا إله إلا الله.
وهذا الكلام منه يدلُّ على أَنَّ رَفعَ الاسمِ المُعظَّمِ ليسَ على الخبريَّة، وحينَئِذٍ يتعيَّنُ أن يكون على البدليّة. ثمَّ الأقرَبُ أن يكون البدلُ من الضَّمير المستتر في الخبر المُقدَّر، وقد قيلَ: إنَّه بدل من اسم لا باعتبارِ عَمَلِ المبتدأ، يعني باعتبار محل الاسم قبل دخول لا
وإِنَّما كانَ القَولُ بالبَدَلِ من الضَّميرِ المُستتِرِ أولى؛ لأنَّ الإبدال من الأقرب أقوى من الأبعدِ كما لا يخفى، ولأنَّه داعية إلى الاتِّباع باعتبارِ المُحَلَّ معَ إمكانِ الاتِّباع باعتبارِ اللَّفظِ. ثمَّ البَدَلُ إن كانَ من الضَّميرِ المُستكِن في الخبر كانَ البدلُ فيه نظير: ما قامَ أحد إلا زيد؛ لأنَّ البدل في المسألتين باعتبارِ اللَّفظِ، وإن كانَ من الاسمِ كانَ البدل فيه نظير البدل في نحو لا أحد فيها إلا زيد؛ لأنَّ البدل في المسألتين باعتبارِ المَحَلِّ.
وقد استشكَلَ النَّاسُ البدَلَ فيما ذكَرْنا، أما في نحو: ما قامَ أحدٌ إلا زيد فمِن جهَتَينِ؛ إحداهما: أنَّه بدَلُ بعض وليسَ ثمَّةَ ضَمير يعود على المُبْدَلِ منه.
الثَّانيةُ: أَنَّ بينهما مُخالفَةٌ؛ فإنَّ البدَلَ مُوجَبٌ، والمُبدَلَ منه نفي.
وقد أُجيب عن الأوَّلِ بأنَّ إلا وما بعدها من تمامِ الكلامِ الأَوَّلِ، وإلا قرينة مُفهِمَةٌ أَنَّ الثاني قد كانَ يتناوله الأوَّلُ، فمَعلومٌ أَنَّه بعضُه فلا يحتاجُ فيه إلى رابط، بخلاف: قبضتُ المال بعضه.
الجزء 1 · صفحة 13
وعن الثَّاني بأنَّه بَدَلُّ من الأَوَّلِ فِي عَمَلِ العامل، وتخالفهما بالنَّفي والإيجابِ لا يمنع البدليَّة؛ لأنَّ مَذهَبَ المُبرِّدِ يجعَلُ الأَوَّلَ كأَنَّه لم يكُنْ، والثَّانِيَ فِي مَوضِعِهِ. وقد قال ابنُ الصَّائغ: إذا قُلتَ: ما قامَ أحد إلا زيد فـ إلا زيد هو البدل، وهو الذي يقع في موضع أحدٌ، فليس زيد وحده بدلاً من أحد، قال: وإنَّما إلا زيد هو الأحَدُ الذي نَفَيتَ عنه القيام، فـ إلا زيد بيان لـ أحدٌ الذي عَنَيتَ. ثم قال بعد ذلك: فعلى هذا البدلُ في الاستثناءِ أَشبَهُ ببدلِ الشَّيء من الشَّيء، من بدل البعض من الكُلِّ.
وقال في موضع آخر: فلو قيلَ: إِنَّ البدل في الاستثناءِ قِسم على حِدَتِه ليسَ من تلك الأبدال التي تبيَّنتَ في غير الاستثناء؛ لَكَانَ وَجْهاً، وهو الحق، انتهى. وأما في نحو: لا أحد فيها إلا زيد فوجه الإشكال فيه أنَّ زيداً بدل من أحد، وأنتَ لا يُمكِنُكَ أن تُحِلَّه محله، وقد أجابَ السَّلوبِينُ عن ذلك بأنَّ هذا الكلام إنَّما هو على قولهم: ما فيها أحد إلا زيداً؛ إذ المعنى واحد، وهذا يُمكن فيه الحلول بأن تقول: ما فيها إلا زيد. انتهى. وهو كلامٌ حَسَنُ. قال الدَّماميني: وعلى قولِ الشَّلوبين؛ فتكون كلمة الحق على معنى: لا
يستَحِقُّ العبادةَ أحدٌ إلا الله، انتهى.
قال ناظر الجيش: وأمَّا القَولُ بالخبرِيَّةِ في الاسمِ المُعظَّمِ فقد قال به جماعةٌ، ويظهر لي أنَّه أرجَعُ من القَولِ بالبدَليَّةِ، وقد ضَعَفَ القَولَ بالخبَريَّةِ ثلاثة أمورٍ، وهي: أَنَّه يلزم من القَولِ بذلك كونُ خبر لا مَعرِفةٌ، ولا لا تعمل في المعارِفِ. وأنَّ الاسم الأعظَمَ مُستثنى، والمُستثنى لا يصح أن يكونَ عينَ المُستثنى منه؛ لأنَّه لم يُذكَرْ إلا ليُبيَّنَ به ما قُصِدَ بالمستثنى منه.
وأنَّ اسم لا عام، والاسم المُعظم خاص، والخاص لا يكون خبراً عن خاص العام؛ فإنَّه لا يُقالُ: الحيوانُ إنسان.
الجزء 1 · صفحة 14
والجواب عن هذه الأمور:
أَمَّا الأَوَّلُ: فهو أَنَّكَ قد عَرَفْتَ أَنَّ مَذهب سيبويه أنَّ حال تركيب الاسم مع لا عَمَلَ لها في الخبر، وأنَّه حينئذٍ مرفوع بما كان مرفوعاً به قبل دخول لا.
وقد علل ذلك بأنَّ شبَهَها بـ إنَّ ضعيفٌ حين رُكَّبَت وصارَت جُزْء كلمةٍ، وجُزء الكلمة لا يعملُ، ومُقتَضَى هذا أن يبطل عملها في الاسم أيضاً، لكنْ أبقوا عمَلَها في أقرب المعمولين، وجُعِلَت هي مع معمولها بمنزلة مبتدأ، والخبر بعدهما على ما كان عليه معَ التَّجرُّدِ. وإذا كان كذلك لا يثبتُ عمل لا في المعرفة.
وأَمَّا الثَّاني: فلا نُسَلَّمُ أَنَّ اسم لا هو المُستَنَى منه، وذلك أنَّ الاسمَ المُعظَّمَ إذا كان خبراً؛ كانَ الاستثناءُ مُفَرَّغاً، والمُفرَّغُ هو الذي لا يكونُ المُستثنى منه فيه مذكوراً، نعم الاستثناء فيه إنَّما هو من شيءٍ مُقدَّرٍ ِلصِحَّةِ المعنى، ولا اعتدادَ بذلك المُقدَّر لفظاً، ولا خلاف يُعلَمُ في نحو: ما زيدٌ إلا قائم أَنَّ قائم خبر عن زيد، ولا شَكٍّ أنَّ زيداً فاعِل في قوله: ما قامَ إلا زيدٌ، وأنَّه مُستثنى من مُقدَّرٍ في المعنى، التقديرُ: ما قام أحد إلا زيد، فعلى هذا لا منافاة بينَ كونِ الاسمِ المُعظَمِ خَبراً عن اسم قبله، وبين كونه مُستثنى من مُقدَّرٍ؛ إذ جَعله خبراً منظورٌ فيه إلى جانبِ اللَّفْظِ، وجَعله مُستثنى منظورٌ فيه إلى جانبِ المعنى. وأمَّا الثَّالثُ: فهو أن يُقالَ: قَولُك إِنَّ الخاص لا يكونُ خَبَراً عن العام مُسلَّم، لكن في لا إله إلا الله لم يُخبَرْ بخاصٌ عن عام؛ لأنَّ العُمُومَ مَنفِيٌّ، والكلامُ إِنَّما سِيقَ لنَفْيِ العُموم وتخصيص الخبر المذكور بواحد من أفرادِ ما دَلَّ عليه اللَّفْظِ العام.
وأَمَّا الأقوال الثلاثةُ الأخيرة التي لا عَمَلَ عليها:
فأَحَدُها: أنَّ إلا ليست أداةَ استثناء، وإنَّما هي بمعنى غير، وهي مع الاسمِ المُعظم صفةٌ لاسم لا باعتبار المحل.
الجزء 1 · صفحة 15
ذكر ذلك الشَّيخُ عبد القاهر الجرجانِيُّ عن بعضهم، والتَّقديرُ: لا إلهَ غيرُ اللهِ في الوُجودِ، ولا شكّ أنَّ القول بأنَّ إلا في هذا التّركيب بمعنى غير، فليس له مانِعُ يمنعه من جهة الصناعة النحوية، وإنَّما يمتنع من جهة المعنى، وذلك أن المقصود من هذا الكلام أمرانِ: نَفي الإلهيَّةِ عن غيرِ اللهِ تعالى، وإثباتُ الإلهيَّةِ اللهِ تعالى، ولا يُفيدُ التركيب حينئذ.
فإن قيل: يُستفاد ذلك بالمفهوم إن كان مفهوم.
قلنا: أينَ دَلالةُ المَفهومِ من دَلالةِ المَنطوقِ؟ ثُمَّ هذا المفهوم إن كانَ مَفهوم لَقَبٍ فلا عِبرَةَ به؛ إذ لم يَقُلْ به إلا الدَّقَّاقُ.
قلتُ: وقال به بعضُ الحنابلة أيضاً. قال: وإن كانَ مَفهومَ صِفةٍ فقد عَرَفتَ فِي أصول الفقه أنَّه غيرُ مُجمَعِ على ثبوته. قُلتُ: بل المُحَقِّقون يُثبتون نفيه، فقد تبَيَّنَ ضَعفُ هذا القول لا محالة.
القَولُ الثَّاني: ويُنسَبُ إلى الزَّمخشَرِيٌّ: أَنَّ لا إلهَ في موضع الخبر، وإلا الله في موضعِ المُبتدأ، إذ قد قرَّرَ ذلك بتقرير للنَّظَرِ فيه مَجَالٌ.
ولا يخفى ضَعفُ هذا القَولِ، وأنَّه يلزَمُ منه أنَّ الخبر مبنيٌّ معَ لا، وهي لا يُبنى معها إلا المبتدأ، ثم لو كان الأمر كذلك لم يجُزُ نَصبُ الاسم المُعظَّمِ في هذا التركيب، وقد جَوزوه كما سيأتي.
قلتُ: تجويزُ البَعضِ ليس بحُجَّةٍ عليه، وليس هو ممَّن نُسِبَ النَّصبُ إِليه. والقَولُ الثَّالثُ: أنَّ الاسمَ المُعظَمَ مَرفوع بـ إله، كما يرتفع الاسم بالصفة في قولنا: أقائِمُ الزَّيدانِ، فيكون المرفوع قد أغنَى عن الخبَرِ.
وقد قرر ذلك بأنَّ إلها بمعنى مَألُوءٍ، من أَلِه؛ أي: عَبَدَ، فيكونُ الاسم المُعَظَمُ مَرفوعاً على أنه مفعولٌ أُقيمَ مُقامَ الفاعل، واستغني به عن الخبر، كما في قولنا: ما مضروب العَمْرانِ، وضَعفُ هذا القَولِ غيرُ خَفِيّ؛ لأنَّ إلها
الجزء 1 · صفحة 16
ليسَ بوَصفٍ، فلا يستَحِقُ عَمَلاً، ثم لو كانَ إلهُ عامِلا الرفع فيما يليه لَوَجَبَ إعرابه وتنوينه؛ لأنَّه مُطوَّلٌ إذ ذاكَ.
وقد أجابَ بعضُ الفُضَلاءِ عن هذا بأنَّ بعضَ النُّحاةِ يُجيزُ حَذَفَ هذا التّنوينِ من مثل ذلك، وعليه يُحمَلُ قوله تعالى: {لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ} [الأنفال: 48]، ولا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف: 92] 3.
وفي هذا الجوابِ نظر؛ لأنَّ الذي يُجيزُ حذف التنوين في لا إله إلا الله مثل ذلك يُجيز إثباته أيضاً، ولا يُعلَمُ أنَّ أحداً أجازَ التَّنْوينَ فِي لا إله إلا الله.
هذا آخر الكلام على توجيه الرفع.
وأمَّا النَّصبُ: فقد ذكروا له توجيهين، أحدهما: أن يكون على الاستثناء من الضَّمِيرِ في الخبر المُقدَّرِ.
الثاني: أن يكونَ إلا الله صفة لاسم لا.
أما كونه صفةً فهو لا يكون إلا إن كانت إلا بمعنى غير، وقد عَرَفتَ أَنَّ الأمر إذا كان كذلك لا يكونُ الكلام دالاً بمنطوقِيَّته على ثُبوتِ الإلهية للهِ تعالى. والمقصود الأعظم هو إثباتُ الإلهيَّةِ اللهِ تعالى بعد نفيها عن غيره، وعلى هذا يمتنِعُ هذا التوجيه، أعني كونَ إلا الله صفةً لاسم لا.
وأمَّا التّوجيه الأوّلُ فقالوا فيه مرجوح، وكان حقه أن يكون راجحاً؛ لأنَّ الكلام غيرُ مُوجَبٍ، والمُقتضي لعدم أرجَحِيَّةِ البدلِ هنا أنَّ التَّرجيح في نحو: ما قامَ القومُ إلا زيدٌ إنَّما كانَ لحُصولِ المُشارَكَةِ، حتَّى لو حَصَلَتِ المُشارَكةُ في تركيب استويا نحو: ما ضربتُ أحداً إلا زيداً. فمِن ثَمَّ قالوا: إذا لم تحصُلِ المُشارَكَةُ في
الإتباع كانَ النَّصْبُ على الاستثناءِ أَولى.
وقالوا: في هذا التّركيب يتربَّحُ النَّصبُ في القياس، لكنَّ السَّماعَ والأكثَرَ الرَّفعُ، ونُقِلَ عن الآمِدِيِّ أَنَّكَ إِذا قُلتَ: لا رَجُلَ فِي الدَّارِ إِلا عَمْراً كَانَ نصب عمراً على الاستثناءِ أَحْسَنُ مِنْ رَفْعِه على البَدَلِ.
الجزء 1 · صفحة 17
هذا ما ذكروه، والذي يقتضيه النَّظَرُ أنَّ النَّصبَ لا يجوز، بل ولا البَدَلُ. وتقرير ذلك أن يُقالَ: إنَّ إلا في الكلامِ التَّامَّ المُوجَبِ نحو: قامَ القومُ إلا زيداً مُتَمَّحضَةٌ للاستثناء، فهي تُخرِجُ ما بعدها ممَّا أفاده الكلام الذي قبلها، وذلك أنَّ هذا الكلامَ قُصِدَ به الإخبار عن القومِ بالقيام، ثمَّ إِنَّ زيداً منهم ولم يكُنْ شارَكَهم فيما أُسئِدَ إِليهم فوَجَبَ إخراجه.
وكذا حكمُ إلا في الكلامِ التَّام غيرِ المُوجَبِ أيضاً، نحو: ما قامَ القومُ إلا زيد، ومن ثَمَّ كَانَ نحو هذا التركيبِ مُفيداً للحضر مع أنها للاستثناء أيضاً؛ لأنَّ المذكور بعدَ إلا لا بُدَّ أن يكونَ مُخرَجاً من شيء قبلها، فإن كانَ ما قبلها تاماً لم يُحتج إلى تقدير، وإلا فيتعيَّن تقدير شيءٍ قبل إلا يحصل الإخراج منه، لكِنْ إنَّما أحوج إلى هذا التقدير تصحيح المعنى.
فيتبين من هذا المعنى الذي قلناه: أنَّ المقصود في الكلام الذي ليس بتام، إنَّما هو إثباتُ الحكم المنفي قبل إلا لما بعدها، وأن الاستثناء ليس بمقصود، ولهذا أَتَّفَقَ النُّحاةُ على أنَّ المذكور بعد إلا في نحو: ما قامَ إلا زيد معمول للعامل الذي قبلها.
ولا شك أنَّ المقصود من هذا التّركيب الشَّريف أمران، وهما نفي الإلهية عن كل شيء وإثباتُها الله تعالى كما تقدَّمَ، وإذا كانت إلا مسبوقةً بمحض الاستثناء، لا يتم هذا المطلوب سواء نصبنا أو أبدَلْنا، وذلك أنَّه لا يُنصَبُ ولا يُبدَلُ إلا إذا كانَ الكلام الذي قبل إلا تاماً بتقدير خبر محذوف، وحينئذ ليسَ الحكم بالنَّفي على ما بعدَ إلا في الكلامِ المُوجَبِ، والإثباتِ عليه في غير المُوجَبِ مُجمَعاً عليه؛ إذ لا يقولُ بذلك إلا مَن مَذهَبُه أَنَّ الاستثناء من الإثباتِ نفي، ومن النفي إثباتٌ ومَن ليسَ مَذهبه ذلك يقولُ: إِنَّ ما بعدَ إلا مَسكون عنه، فكيف يكون قول: لا إله إلا الله توحيداً؟
الجزء 1 · صفحة 18
قلتُ: وفيه نظر؛ لأنَّه يكون توحيداً بحسَبِ دَلالةِ العُرفِ، وبأنَّه لا نِزاعَ فِي ثُبوتِ إلهيَّةِ مَولانا جَلَّ وعزَّ لجميعِ العُقَلاءِ، وإِنَّما كَفَرَ مَن كَفَرَ بِزِيادَةِ إِلهِ آخَرَ، فَنَفْيُّ ما عداه تعالى من الإلهيَّة على هذا هو المُحتاجُ إليه، وبه يحصلُ التَّوحيد، فتأملهُ.
وأما ما ذكرَه المَولَى الجامِيُّ يُّ في سلسلةِ الذَّهَبِ نَقلاً عن بعض كُبَراءِ العارفين: أنَّ معنَى لا إله إلا الله: ليس شيء ممَّا يُدعى إلها غيرُ اللهِ؛ فهو غيرُ صحيح بل كفر صريح.
وإِنَّما هو من مَشْرَبُ الفِرَق الوُجودِيَّةِ القائلة بالعينيَّة، لا من مَذهَبِ أرباب المراتبِ الشُّهودِيَّةِ، كما بيّنتُ هذه المسألة في رسالة مستقلة.
ثمَّ قال ناظِرُ الجيش بناءً على ما ظهَرَ له من البحثِ الذي اعترضناه: فتَعَيَّنَ
أن تكونَ إلا في هذا التّركيبِ مَسوقَةً لقصدِ إثباتِ ما قبلَها لِما بعدها، ولا يتم ذلك إلا أن يكونَ ما قبلها غير تام، بأن لا يُقدَّرَ قبلَ إلا خبر محذوف، وإذا لم يُقدَّر خبر إلا قبلَها وَجَبَ أن يكونَ ما بعدها هو الخبرُ، وهذا هو الذي تَرَكَنُ إِليه النَّفْسُ، وقد تقدَّمَ تقريرُ صِحَّةِ كَونِ الاسمِ المُعَظَّمِ في هذا التركيبِ هو الخبر. قلتُ: كلامه هذا يقتضي أنَّ الخلاف في كون الاستثناء من النَّفي إثبات أم لا؟ لا يدخُلُ الاستثناء المُفرَّغ فيه، وظاهِرُ كلامِ الزَّرَكَشِيِّ وكثير من الأصوليينَ دخول ذلك الخِلافِ فيه.
ولهذا أورَدُوا على القائل: بأنَّ الاستثناءَ من النَّفي ليسَ بإثباتِ: أَنَّه يلزَمُ على ذلك أن لا يحصلَ التَّوحيد بكلمةِ الشَّهادةِ، وأجيب بما ذكرناه من النَّظرِ قبلُ في بحثِ ناظر الجيش، وهذا غايةُ التَّحقيق ونهايةُ التَّدقيق، وباللهِ سُبحانَه التَّوفيق.
الجزء 1 · صفحة 19
ثم رأيتُ في شرح عقيدةِ الطَّحاوِيِّ»: أنَّ إثباتَ التَّوحيد بهذه الكلمة باعتبارِ النَّفْيِ والإثباتِ المُقتضي للحَصْرِ، فإنَّ الإثبات المُجرَّدَ قد يتطرَّقُ إليه الاحتمال، ولهذا ـ والله أعلَمُ - لما قال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ} [البقرة: 163] قال بعده: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؛ فإنَّه قد يخطر ببال أحدٍ خاطِرٌ شيطاني: هَبْ أَنَّ إِلهنا واحدٌ، فَلِغَيرِنا إِلهُ غيره فقال تعالى: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
وقد اعتَرَضَ صاحبُ المُنتخَبِ» على النَّحويين في تقدير الخبر في قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ حيث قالوا: تقديره: لا إلهَ في الوُجودِ إلا الله، فقال: يكون ذلك نفياً لوجود الإله، ومعلوم أن نفي الماهية أقوَى في التَّوحيدِ الصِّرْفِ من نفي الوُجودِ، فكان إجراء الكلام على ظاهره والإعراض عن هذا الإضمار أولى.
وأجابَ أبو عبدِ اللهِ محمَّدُ بنُ أَبي الفَضْلِ المُرسي في «ريِّ الظَّمَآنِ» فقالَ: هذا كلامُ مَن لا يعرِفُ لسانَ العَرَبِ؛ فإِنَّ إله في موضع المبتدأ على قول سيبويه، وعند غيره اسم لا، وعلى التَّقديرين فلا بدَّ من خبر للمبتدأ، أو لـ لا، فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسد.
وأما قوله: إذا لم يُضمر يكون نفياً للماهيَّة؛ فليس بشيء؛ لأنَّ نفي الماهية هو نفي الوُجودِ؛ إذ لا تُتصَوَّرُ الماهية إلا معَ الوُجودِ، فلا فرق بين لا ماهيَّةَ ولا وُجودَ.
وهذا مَذهَبُ أهلِ السُّنَّةِ خلافاً للمعتزلة؛ فإنَّهم يُثبتون ماهيَّةً عاريةً من الوجود.
و إلا الله مرفوع بدلاً من لا إلهَ، لا خبر لـ لا ولا للمبتدأ.
وهذا كله بحسَبِ إعرابِ المَبْنَى.
الجزء 1 · صفحة 20
وأما الكلام عليه بمُقْتَضَى المعنى، فمَعنَى: لا إِلَهَ إِلَّا الله: لا مُستَعْنٍ عن كلَّ ما سواه، ولا مفتقر إليه كلُّ ما عداه إلا الله تعالى، وهذا معنى جامع مانع في مُلاحظة التَّوحيدِ، ومُطالعَةِ التَّفريدِ في نظرِ المُريدِ، بما ليسَ عليه مَزيدٌ، معَ إفادةِ الصِّفاتِ السلبية، والنُّعوتِ الثُبوتية.
وبيانه: أنَّ استغناءَه عمَّا سواه يُوجِبُ له الوُجودَ والقِدَمَ والبقاء والقِيامَ بالذَّاتِ والتنزه عن الحوادثِ والنقائص، ويقتضي ثُبوت السَّمعِ والبَصَرِ والكلامِ؛ إذ لو لم تجب له؛ لكانَ مُحتاجاً إلى المُحدِثِ أو المحل أو مَن يَدفَعُ عنه النَّقائص.
ويُؤخَذُ منه أيضاً: تنزهه عن أغراض في أفعاله وأحكامه، وإلا لَزِمَ افتقاره سبحانَه إلى ما يحصِّلُ غَرَضَه، وهو جَلَّ وعلا غَنِيٌّ عمَّن سواه. وأمَّا افتِقارُ كلَّ ما سواه إليه فيُوجِبُ له الحياةَ والقُدرة والإرادة والعلم؛ لأنَّه لو انتفى شيء من هذه لَما أمكن أن يُوجَدَ شيءٌ من الحوادثِ، كيف وهو الذي يفتقر إليه ما عداه؟!
وكذا يوجِبُ له الوحدانية؛ إذ لو كانَ معَه ثانٍ فِي الأُلُوهِيَّةِ لما افتقر إليه شيءٌ، للزومِ عَجْزِهما حينئذ، كيف وهو الذي يفتقر إليه كل ما سواه؟ ويُؤخَذُ منه أيضاً: حدوث العالم بأسره؛ إذ لو كان شيء منه قديماً لكان ذلك
الجزء 1 · صفحة 21
الشَّيءُ مُستَغنِياً عنه تعالى، كيف وهو الذي يجِبُ أن يَفتقر إليه كلُّ ما سواه؟ ويُؤخَذُ منه أيضاً: أن لا تأثير لشيء من الكائناتِ في أثر ما، وإلا لَزِمَ أن يستغني ذلك الأثر عن الله، كيف وهو الذي يفتقِرُ إليه ما عداه، ولا يُتصَوَّرُ تأثيرُ ممَّا سواه؟ فقد بان لك في الجُملة تحقيقُ الكلمةِ مَبنى ومعنى، فعلَيكَ بالمُحافظة عليها، ودوام التوجه إليها. اللَّهُمَّ أحينا عليها، وأمتنا عليها واحشُرْنا عليها، ولا تحرمنا من البركاتِ المَكنُوزَةِ لديها، والحمدُ اللهِ أوَّلاً وآخراً، والصَّلاة والسَّلامُ على محمَّدِ باطِناً وظَاهِراً.