الجزء 1 · صفحة 5
التبيان في بَيَانِ مَا في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبان وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ رَمَضَان
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
رَبِّ زِدْنِي عِلْماً يا كريمُ
الحمدُ للهِ الذي قدَّرَ الأرزاق والآجال، ودَبَّر أمورَ العبادِ من الأحوال والأفعالِ والأقوال، والصلاةُ والسَّلامُ على مَن أُنزِلَ عليه القُرآنُ في ليلةٍ مبارَكَةٍ لها قَدْرُ وشان، من جملة الأزمان، وعلى آله وأصحابه نَقَلَةِ كتابه، وحَمَلَةِ عُلومِه وآدابه.
أما بعد:
فيقولُ أفقَرُ عبادِ اللهِ الغَنِيُّ البارِي، عليُّ بنُ سُلطانِ محمَّدٍ القارِيْ: إِنَّ بعضَ إخوانِ الصَّفاءِ، وخِلَّانِ الوَفاءِ التَمَس منّي أن أكتُبَ بعض ما يتعَلَّقُ بليلةِ النَّصفِ من شعبان، على وَجهِ يُفيدُ بيانَ ليلةِ القَدْرِ الغالبِ كونُها في رمضانَ؛ ليكونَ نُوراً على نُورٍ، وسُروراً على سُرور، فأجَبتُه واستَعَنتُ في التَّحقيق بالله ولي التوفيق، وبدأتُ بفاتحة سورةِ الدُّخانِ»، المُتعلّقة بليلةِ النّصف من شعبان، وخَتَمتُ بسورة «القَدْرِ» المشهورَةِ المَشهودَةِ في رمضان.
فقد قال تعالى بعدَ قَولِه بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ: حمل وفي حائِه قراءاتُ معروفةٌ من الفتح، والإمالة، وبينَ بينَ.
والمختارُ للسَّلَف، وجَمعِ منَ الخَلَف: أَنَّ مُقَطَّعَاتِ أوائل السُّوَرِ من جُملة المُتشابهات، والله أعلَمُ بمُرادِه في إيراد تلك الكلمات. ونقل السُّدِّيُّ عن ابنِ عباس رضي الله عنهما: أَنَّ «حم» اسمُ اللَّهِ الأَعظَمُ.
الجزء 1 · صفحة 7
ولعله أرادَ ما بينَه عطاء الخُراساني بأنَّ الحاءَ افتتاح أسمائه: حليم حميدٌ حَيٌّ حَكيمٌ حنَّان، والميم ابتداء صفاتِهِ: مَلِكُ مَجِيدٌ مِنَّانُ.
وقالَ الصَّحَاكُ والكسائي: قَضَى ما هو كائن. وكأَنَّه أشار إلى أن معناه: حُمَّ الأمرُ وقُضِيَ القَدَرُ.
وما أحسَنَ تصدير هذه السُّورة بخصوصها إلى هذه الإشارةِ وَالْكِتَـ الْمُبِينِ؛ أي: القُرآنِ الجامعِ اللَّامِعِ الظَّاهِرِ في كونه مُعجزة، المُظهر للأمور الثابتة والدَّاحِضَة.
ثم الواو للقَسَمِ، وجَوابُه قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَهُ؛ أَي: الكِتابَ المُبينَ فِي لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةِ}؛ أي: كثيرة الخير، وكبيرةِ القَدْرِ.
قال الجمهور: هي ليلةُ النَّصف من شعبان.
وقال قتادة: هي ليلةُ القَدْرِ؛ إذ أنزَلَ اللهُ تعالى القُرآنَ في ليلةِ القَدْرِ من أمّ الكِتابِ إلى السَّماءِ الدُّنيا، ثمَّ نَزَلَ به جبريل عليه السَّلامُ على النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ نُجوماً في عشرين سنة، كذا في «المعالم، وذكر نحوَه السُّيوطِيُّ في الدر المنثور» عن ابنِ عباس، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِيِّ، رضي الله عنهم
وقال البيضاوِيُّ: أي: في ليلةِ القَدْرِ، أو البَراءَةِ، ابْتُدِئَ فيها إنزاله، وبَرَكتُها لذلك؛ فإنَّ نزولَ القُرآنِ سَبَبٌ ِللمَنافِعِ الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّةِ، أو لما فيها من نزولِ الملائكةِ والرَّحمةِ وإجابةِ الدَّعوةِ، وقَسْمِ النّعمةِ، وفَصْلِ الأَقضِيَةِ.
وقال صاحِبُ الكشَّافِ»: ليلةُ النّصف من شعبان لها أربعَةُ أسماء، اللَّيلةُ المُبارَكَةُ، وليلَةُ البَراءَةِ، وليلَةُ الصَّكٌ، وليلَةُ الرَّحمةِ
الجزء 1 · صفحة 8
وقيل في تسميتها بليلَةِ البَرَاءَةِ والصَّلِّ: أَنَّ البُنْدارَ - وهو بِضَمِّ المُوحَّدَةِ وسُكونِ النُّونِ: مَن في يده أصل الخراج وهو القانون - إذا استَوفَى الخَراج من أهلِهِ كتَبَ لهم البَراءَةَ، كذلك اللهُ عزَّ وجَلَّ يكتب لعِبادِهِ المُؤمنين البَراءَةَ في هذه اللَّيلِةِ.
وقيل: بينها وبينَ ليلةِ القَدْرِ أربعونَ ليلةً.
وقيل: هي مُختصَّةٌ بخَمْسِ خِصالٍ: تَفريق كل أمر حكيم، وفضيلة العِبادة، ونُزولُ الرَّحمةِ، وسيأتي تفصيل هذه الأمور جميعها، وتَمامُ الشَّفاعَةِ، وذلك أَنَّه سأل ليلةَ الثَّالِثِ عَشَرَ من شعبان في أُمَّتِه، فَأُعْطِيَ الثَّلَثَ منها، ثمَّ سَأَلَ ليلة الرّابع عشر فأُعطِي الثلثين، ثم ليلة الخامس عشَرَ فأُعطِي الجميع، إلا مَن شَرَدَ على الله تعالى شِرادَ البَعِيرِ
ومن عادةِ اللهِ في هذه الليلة أن يزيد فيها ماءَ زَمزَمَ زيادةً ظاهرة. قلتُ: فيُؤخَذُ منه أنه ينبغي شُربُه فِيها شَرْبَةً بِاهِرَة.
{إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ) استئنافُ بَيَّنَ المُقتَضِي للإنزال، وخُصَّ الإنذار لكونه أهم، أوَّلِ الأحوال، أو هو من باب الاكتفاء بأضداد الأشياء على طريق: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَ} [النحل: ??]، أي: والبرد.
فالمعنى: أي: مُخَوِّفين للكُفَّارِ والفُجَّارِ بعذابِ النَّارِ، ومُبَشِّرِينَ للمُطيعين بالجنة دار القرار.
{فِيهَا يُفْرَقُ)؛ أي: يُفْصَلُ ويُبَيَّنُ {وَكُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) أي: مُحكَم، أو مُلتبس بالحكمة.
والظَّاهِرُ أنَّ الجُملة صفةُ لَيْلَةٍ مُبَرَكَةِ، وما بينهما جملة معترضة، وهو يَدلُّ ـ كما قال البَيْضاوِيُّ - على أنَّ اللَّيلةَ ليلَةُ القَدْرِ؛ لأنَّ ما ذُكِرَ هو عَينُ صِفَتِهَا؛ لقوله: نَزَّلُ الْمَلَيكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِن كُلِّ أَمْرِ
الجزء 1 · صفحة 9
وفي المعالم: قالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: يُكتَبُ في أم الكتابِ يعني اللوح - ليلةَ القَدْرِ ما هو كائن في السَّنَةِ من الخير والشر، والأرزاق والآجال، حتى الحجاج، يُقال: يحج فُلانٌ، ويحج فُلانٌ".
وقال الحسَنُ و مُجاهِدٌ وقَتَادَةُ: يُبرَمُ في ليلةِ القَدْرِ في شهرِ رَمَضَانَ كُلُّ أجَلٍ وعَمَلٍ وخَلْقٍ ورِزْق، وما يكون في تلك السَّنَةِ (3).
وقال عِكْرِمَةُ رضي الله عنه: هي ليلة النصف من شعبانَ، يُبرَمُ فيها أمرُ السنة، ويُنسَخُ الأحياء من الأمواتِ، فلا يزادُ فيهم أحَدٌ، ولا يُنقَصُ منهم أحدٌ.
ثمَّ أَسنَدَ البَغَوِيُّ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّه قالَ: تُقطَعُ الآجال من شعبان إلى شعبان، حتَّى إِنَّ الرَّجُلَ ليَنكِحُ ويُولَدُ له، وقد أُخرِجَ اسمه في المَوتَى).
قالَ السُّيوطِيُّ: وأَخرَجَه ابنُ زنجَوَيهِ والدَّيلمِيُّ عن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنه. أقول: ولعل وجه الجمع بين القولين ما رَوَى أبو الضُّحَى عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّ الله يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان، ويُسلِّمُها إلى أربابها في ليلةِ القَدْرِ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنهما عند قوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَنَّه قال: أمرُ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ، إِلا الشَّقاوَةَ وَالسَّعادَة؛ فإِنَّه في كتابِ اللهِ تعالى لا يُبدِّلُ ولا يُغيّر، وسيأتي الكلام عليه.
{أَمْرًا}؛ أي: أأَنزَلناه أمراً حاصِلاً {مِنْ عِندِنَا) وعلى مُقْتَضَى حُكمِنا، وهو مزيد تفخيم للأمر، وزيادة تعظيم لشأنه بمزيدِ القَدْرِ والتَّقديرِ، أَنْزَلناه آمرينَ، فقوله: {أَمْرًا مِنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ<5> رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}؛ استئناف بيانٍ مُتضَمَّنُ لتعليل وبرهان.
الجزء 1 · صفحة 10
انظر: تفسير البغوي (? (???) ورواه أيضاً الطبري في تفسيره) (??/ ??)، وهو من طريق عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس عن النبي مرسلاً، ورواه البيهقي في الشعب الإيمان (????) من قول عثمان بن محمد بن المغيرة، وعثمان هذا قال عنه الحافظ في التقريب»: صدوق له أوهام. وروى الحاكم في المستدرك) (3678) نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً، لكنه فسر الليلة المباركة بليلة القدر.
وقال البيضاوِيُّ: هو بدل من إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ؛ أي: إِنَّا أَنزَلْنَا القُرآنَ لأَنَّ من عادَتِنا إِرسال الرُّسُلِ بالكُتُبِ إلى العبادِ، لأجلِ الرَّحمةِ عليهم انتهى.
فتَبَيَّنَ أَنَّ المَفعول محذوفٌ، و «رحمة» منصوب على العلَّةِ.
ويجوز أن يكون «رحمة» مفعولاً به؛ أي: يُفصل فيها كلُّ أمرٍ [أو تَصْدُرُ الأوامر من عندنا؛ لأنَّ من شأننا أن نُرسِلَ رحمتنا، فإِنَّ فَصْلَ كُلِّ أمرٍ مِن قِسمَةِ الأرزاق وغيرها، وصُدور الأوامر الإلهية، من باب الرحمة.
وقال البَغَوِيُّ: إِنَّا كُنَّا مُرسلينَ محمداً ومن قبله من الأنبياء عليهم الصَّلاة والسلام.
{رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} قالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أي: رَأْفَةٌ مِنِّي بخَلقي، ونعمةً عليهم ببعثي.
وقالَ الزَّجَاجُ: أَنزَلْناه في ليلةٍ مُبارَكَةٍ ِللرَّحمةِ.
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ؛ أي: يسمَعُ أقوال العبادِ، ويعلَمُ أحوالهم في المَعاشِ والمَعادِ، أو يسمَعُ مُناجاتِهم، ويعلَمُ حَاجَاتِهم.
هذا، وفي الدُّرِّ المَنشورِ في التَّفسيرِ المَأثور» للحافظ جَلالِ الدِّينِ السيوطي: أخرَجَ الخطيب وابنُ النَّجَّارِ عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يصومُ شَعبانَ كلَّه حَتَّى يصله برَمَضَانَ، ولم يكُنْ يصوم شهراً تاماً إلا شعبان، فقُلتُ: يا رسول الله! إِنَّ شعبانَ لَمِنْ أَحَبِّ الشُّهورِ إِليكَ أن تصومه؟
الجزء 1 · صفحة 11
فقال: «نعم، يا عائِشَةُ، إنَّه ليس نفس تموتُ في سنةٍ إلا كُتِبَ أَجَلُها في شعبان، فأُحِبُّ أن يُكتَبَ أجلي وأنا في عبادة ربي، وعمل صالح.
فهذا الحديث دليل على أنَّ الكتابة قد تُستَوعَبُ في جميعِ أَيَّامِ شعبان، والأخبار والآثار الوارِدَةُ ظاهِرَةٌ في أَنَّه مُختَصّ بليلةِ النّصفِ، ولعلَّها زَمانُ كتابةِ الأكثرِ، ثمَّ صيامُ النَّهارِ مُورِثٌ للبركة في الليلة، وسيأتي لهذا مزيَّةٌ.
وأخرج ابن ماجه والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ» عن عليٌّ كَرَّمَ اللهُ وجهَهُ قالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كانَ ليلةُ النّصفِ من شَعبانَ فقُومُوا ليلَها، وصُومُوا يومَها؛ فإِنَّ الله يَنزِلُ فيها لغُروبِ الشَّمس إلى سماء الدُّنيا فيقولُ: أَلا مِن مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ له، ألا مُستَرزِقٌ فأرزُقَه، ألا مُبتلى فأعافيه، ألا سائِلٌ فأُعطيه، ألا كذا، حتّى يطلُعَ الفَجرُ». وأخرج ابن أبي شيبة، والترمذي وابن ماجه، والبَيْهَقِيُّ، عن عائشَةَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنها قالت: فَقَدْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ذات ليلةٍ، فَخَرَجْتُ أطلبه، فإذا هو بالبقيع رافعاً رأسَه إلى السَّماءِ، فقالَ: «يا عائشَةُ! أَكُنْتِ تخافين أن يَحيفَ الله عليكِ ورَسولُه؟» قُلتُ: وما ذلك، ولكنّي ظَنَنْتُ أَنَّكَ أتيتَ بعضَ نسائِكَ، فَقالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنزِلُ ليلةَ النصف من شعبان إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيغفِرُ لأكثر من عَدَدِ شعرِ غَنَمِ كَلْبِ.
وأخرَجَ البَيْهَقِيُّ عن القاسم بن محمَّدِ بنِ أبي بكر، عن أبيه أو عن عمه، عن جده أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «يَنزِلُ اللهُ إِلى السَّمَاءِ الدُّنيا ليلة النصف من شعبان، فيغفِرُ لكُلِّ شيءٍ إلا رجلٌ مُشرك، أو من في قلبه شحناء. اعلَمْ أَنَّ نُزولَ الرَّبِّ سُبحانَه من المُتشابهاتِ، وَمَذهَبُ السَّلَفِ التَّنزيه
الجزء 1 · صفحة 12
والتفويض في مثل هذه الكلماتِ، ومَذهَبُ الخَلَفِ زيادة على ذلك تجويز التَّأويل بأنَّ المُرادَ نُزولُ الرَّحمةِ، كما يدلُّ عليه قوله تعالى: {رَحْمَةٌ مِّن ربِّكَ، ويشير إليه نفس الحديث؛ لأنَّ العَطيَّاتِ المذكورة كلَّها من أثرِ الرَّحمةِ المسطورة، أو له سُبحانه وتعالى تنزل معنَوِيٌّ، أو تجَل صُورِيٌّ، كما يليقُ بذاتِه، وينبغي لصفاته، مُنزّهاً عن صفاتِ المُحدثاتِ، وسمات المخلوقات، فلا حُلولَ ولا نزول، ولا إلحاد ولا اتحاد، تعالى شأنه وتَعاظَمَ بُرهانه. وقد يُقالُ: المُرادُ بِالتُّزُولِ نُزولُ المَلائكةِ المُقَرَّبين؛ لإنزالِ الرَّحمةِ، أو لنداء أهل القربة، كما يدلُّ عليه ما أخرجه البيهقي، عن عُثمانَ بنِ أَبي العاص رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كانَ ليلةُ النّصف من شعبان نادى مُنادٍ: هل من مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ له؟ هل من سائل فأعطيه؟ فلا يسأل أحد إلا أعطي، إلا زانيةٌ بفَرْجِها، أو مُشرِكٌ (2). أو المراد بالنزولِ: اطلاع خاص يُعبر عنه بالقُرْبِ الإلهي لعبيده، إلا أرباب
الملاهي وأصحابَ المَناهي، كما أخرَجَ البَيْهَقِيُّ عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، وابنُ مَاجَه عن أبي مُوسَى رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «يطَّلِعُ الله في ليلةِ النُّصفِ من شعبان لجميع خَلْقِه، إلا المُشرك أو مُشاحِنٍ.
وأخرَجَ البَيْهَقِيُّ عن أبي ثعلبة الخُشَني عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كانَ ليله النّصف من شعبانَ اطَّلَعَ اللهُ إِلى خَلقِه، فيغفِرُ للمُؤمنين، ويُملي للكافرين، ويدَعُ أهلَ الحِقْدِ بحِقدِهم حتَّى يَدَعُوه.
الجزء 1 · صفحة 13
وأَخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عن عائشَةَ رضيَ اللهُ عنها قالت: قامَ رسولُ الله عليه السَّلامُ من اللَّيْلِ يُصلِّي، فأطال السُّجودَ حَتَّى ظننتُ أنَّه قد قُبِضَ، فلمَّا رأيتُ ذلك قُمْتُ حتَّى حَرَّكتُ إِبهامه، فتحَرَّكَ، فَرَجَعتُ، فلما رفَعَ رأسه من السُّجودِ وفَرَغَ مِن صَلاتِهِ قالَ: يا عائِشَةُ - أو: يا حُمَيراءَ، أظَنَنْتِ أَنَّ النَّبِيَّ عليه السَّلامُ قد خاسَ بك؟»؛ أي: غَدَرَ، قُلتُ: لا والله يا رسول الله، ولكنني ظننتُ أنَّك قُبِضْتَ لطُّولِ سُجودِكَ، فقالَ: «أتدرينَ أيُّ ليلةٍ هذه؟ قُلتُ: الله ورسوله أعلَمُ، قالَ: «هذه ليلَةُ النُّصفِ من شَعبانَ، إِنَّ اللَّهَ عزَّ وَجَلَّ يطَّلِعُ على عبيده في ليلة النصف من شعبان، فيَغْفِرُ للمُستَغفِرين، ويرحَمُ المُسترحمين، ويُؤخِّرُ أَهلَ الحِقدِ كما هم».
الجزء 1 · صفحة 14
وأخرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَفَه، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: دخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ عليه السَّلامُ، فَوَضَعَ عنه ثَوبَيه، ثمَّ لم يستَتِمَّ أن قام فلبِسَهُما، فَأَخَذَتْني غَيْرَةٌ شَديدةٌ، ظنَنتُ أَنَّه يأتي بعضَ صُوَيحِباتي، فخَرَجْتُ أتبعه، فأدركتُه بالبقيع، بقيعِ الغَرقَدِ يستغفر للمؤمنين والمؤمناتِ والشُّهَداءِ، فقلتُ: بأبي أنتَ وأُمِّي، أَنتَ في حاجةِ رَبِّكَ، وأنا في حاجَةِ الدُّنيا، فانصَرَفْتُ فَدَخَلتُ حُجْرَتي، ولي نفَس عالٍ، فَلَحِقَني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما هذا النَّفَسُ يا عائشَةُ؟» فقلتُ بأبي أنتَ وأُمِّي، أَتَيَتَني فَوَضَعْتَ عنك ثَوبَيكَ، ثمَّ لم تَستَتِمَّ أن قُمتَ فَلَبَستَهُما، فأخَذَتني غَيرَةُ شَديدةٌ ظَنَنتُ أَنَّكَ تأتي بعضَ صُوَيحِباتي، حتى رأيتُكَ بالبقيع تصنع ما تصنع، فقالَ: «يا عائشَةُ! أَكُنتِ تخافينَ أَن يحيفَ اللهُ عليكِ ورَسولُه؟ بل أتاني جبريل عليه السَّلامُ فَقالَ: هذه اللَّيْلَةُ ليلةُ النَّصفِ من شعبان، والله فيها عُتَقاءُ من النَّارِ بِعَدَدِ شُعورِ غَنَمِ كَلبٍ، لا يَنظُرُ اللَّهُ فيها إلى مُشْرِكِ، ولا إلى مُشاحِنٍ، ولا إلى قاطعِ رَحِمٍ، ولا إلى مُسبِلٍ، ولا إلى عاقٌ لوالديه، ولا إلى مُدمِن خَمرٍ».
قالت: ثمَّ وَضَعَ عنه ثَوبَيهِ فقال لي: يا عائشة! تأذنين لي في القيام هذه الليلة؟» فقُلتُ: نعم بأبي وأُمِّي، فقامَ فَسَجَدَ ليلاً طويلاً، حَتَّى ظَنَنتُ أَنَّه قُبِضَ، فقُمتُ التَمِسُه، ووَضَعْتُ يدي على باطِنِ قدميه فَتَحَرَّكَ، فَفَرِحتُ، وسمعته يقول في سجوده: «أعوذُ بعفوك من عقابك، وأعوذُ برضاك من سَخَطِكَ، وأعوذُ بكَ منكَ، جَلَّ وَجهُكَ لا أُحصِي ثَناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك».
الجزء 1 · صفحة 15
فلما أصبَحَ ذكَرْتُهُنَّ له، فقالَ: «يا عائشَةُ! تَعَلَّمَتِهِنَّ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقالَ: تعَلَّمِيهِنَّ وعَلِّمِيهِنَّ؛ فإنَّ جبريل عليه السَّلامُ عَلَّمَنِيهِنَّ، وَأَمَرَني أَن أُرَدَّدَهُنَّ فِي السجودِ».
ففي الحديثِ دَلالة على استحباب زيارة القبورِ في ليلة النصف من شعبان، والاستغفار للأقارب والإخوان والأقران، وعُموم أهل الإيمانِ، وعلى إتيانِ الصَّلاةِ النافلة، وإطالة السُّجودِ فيها، وقراءةِ الدُّعاءِ المَذكور ـ وكذا المسطور في الحديث الآتي ـ
الجزء 1 · صفحة 16
في حالِ السُّجودِ، وعلى التّوبة من الذُّنوبِ، وعلى الصُّلحِ مَعَ مَن يكون بينَه وبينَه شَحناء، وتقَدَّمَ ما يدلُّ على استحباب إحياء تلك الليلة، وصيام نهارها. وأخرَجَ البَيْهَقِيُّ عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كانت ليلةُ النَّصف من شعبان ليلتي، وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عندي، فلمَّا كانَ في جَوفِ اللَّيْلِ فَقَدتُه، فَأَخَذَني ما يَأْخُذُ النِّساءَ من الغَيرةِ، فتَلَفَّفْتُ بمِرْطِي، فطَلَبتُه في حُجَرِ نسائه فلم أجده، فانصَرَفتُ فإذا أنا به كالثّوبِ السَّاقط، وهو يقولُ في سُجودِه: «سَجَدَ لكَ خيالي وسَوادي، وآمَنَ بِكَ فُؤادي، فهذه يداي، وما جَنَيتُ بهما على نفسي، يا عَظِيمُ يُرجَى لكلِّ عظيم، يا عَظِيمُ اغفِرِ الذَّنْبَ العظيم، سجَدَ وَجْهِي لِلذي خَلَقَه وشَقَّ سَمْعَه وبَصَرَه»، ثمَّ رَفَعَ رَأْسَه، عاد ساجداً، فقال: «أعوذُ برِضاكَ من سَخَطِكَ، وأعوذُ بعَفوِكَ من عِقابِكَ، وأعوذُ بك منك، أنتَ كما أثنيت على نفسِكَ، أقولُ كما قال أخي داود: أُعَفِّرُ وَجهي في التُّرابِ لسَيّدي، وحُقِّ له أن يسجُدَ»، ثمَّ رفع رأسه فقالَ: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي قَلباً تَقِيَّاً، من الشَّرِّ نقيَّاً، لا جافياً ولا شَقِيَّاً، ثمَّ انْصَرَفَ فَدَخَلَ معي في الخميلة، ولي نَفَس عالٍ، فقال: ما هذا النَّفَسُ يا حُميراءُ؟ فأخبَرْتُه فطَفِقَ يمسَحُ بيدَيه على رُكَبَتَيَّ ويقولُ: ويحَ هاتينِ الرُّكبَتَينِ ما لقيتا في هذه اللَّيلِةِ، ليلة النصف من شعبانَ، يَنزِلُ الله فيها إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيَغْفِرُ لعِبادِه إلا المُشْرِكِ أو مُشاحِنٍ.
الجزء 1 · صفحة 17
من شعبانَ قامَ فَصَلَّى أربعَ عَشرةَ ركعةً، ثمَّ جَلَسَ بعدَ الفَراغِ فقرأَ أُمَّ القُرآنِ أربعَ عشرةَ مَرَّةً، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} أربع عشرَةَ مَرَّةً، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * أربعَ عشرَةَ مَرَّةً، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) أربع عشرَةَ مَرَّةً، وَآيَةَ الكُرْسِيِّ مَرَّةً، و: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكَ مِنْ أَنفُسِكُمْ} الآية [التوبة: ???]، فلمَّا فَرَغَ من صَلاتِه سألته عمَّا رأيتُه من صنيعه، قالَ: «مَن صنَعَ مثل الذي رأيتَ كَانَ له عشرينَ حَجَّةً مَبرورةً، وصيامَ عشرين سنةً مقبولة، فإِنْ أصبحَ في ذلك اليوم صائماً كانَ له كصيام ستّينَ سنةً ماضية، وسنةً مُستقبلةً».
قالَ البَيْهَقِيُّ: يُشبِهُ أن يكون هذا الحديث موضوعاً، وهو مُنكَر، وفي راويته مجهولون.
قُلتُ: جَهالة بعض الرُّواةِ لا يقتضي كونَ الحديثِ مَوضُوعاً، وكذا نكارَةُ الألفاظ، فينبغي أن يُحكم عليه بأنه ضعيفٌ، ثمَّ يُعْمَلُ بالضَّعِيف في فضائل الأعمالِ اتّفاقاً، مع أن نفسَ الصَّلاةِ النَّافلة في تلك الليلة ثابتةٌ عنه صلى الله عليه وسلم بطرق صحيحة، فلا يظهرُ ضَعفُ بيان الكمية والكيفية، فإنَّ الصَّلاةَ خير موضوع، وأَحسَنُ مَشروع، عندَ كلِّ مقبول و مطبوع، وبهذا تبين جَوازُ ما يفعله النَّاسُ في بلاد ما وراءَ النَّهْرِ وخُراسان والرُّومِ والقُدْسِ والهند وغيرها، من مئة ركعة، كلُّ ركعة فيها سورة الإخلاص عشرَ مرَّاتٍ، على ما ذكره صاحِبُ «القُوتِ»، والإمام الغزالي في «الإحياء» وغيرهما، فإنه وإن لم يصح وروده عنه عليه السَّلامُ، لكن لا مانع من فعله، ولو على وَجْهِ الدَّوامِ.
نعم اعتقاد كونه سنةً غير صحيح عندَ العُلماء، وكذا أداؤُه جماعةً مُكرّرة عند الفقهاء.
الجزء 1 · صفحة 18
ثُمَّ لعلَّ النُّكَتَةَ في اختيار عددِ الأربعة عشر في الركعاتِ والقراءاتِ رعاية ما سبق من اللَّيالي المَأخوذ منها رَمز «طه»، المُسمَّى به صلى الله عليه وسلم فِي مَقامِ الأسمى، وظهورِ نورِ الأسنى.
ثُمَّ الأَوْلَى أن يُصَلِّيَ أيضاً في تلكَ اللَّيلَةِ صلاةَ التَّسبيح؛ لأنَّها ثابتةٌ بلا مِرْيَةَ). وقالَ السَّيِّدُ مُعينُ الدِّينِ الصَّفَوِيُّ في تفسيره» عند قوله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39]: عن ابنِ عباس وغيره: يَمْحُو ما يشاءُ إِلا الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، والحياة والموت.
وعن كثير من السَّلَفِ - كعُمَرَ بنِ الخطَّابِ وابنِ مسعودٍ وغَيْرِهما -: أَنَّهم يَدْعُون بهذا الدُّعاءِ اللَّهُمَّ إِنْ كنتَ كتَبْتَنا أشقياء، فامحه، واكتبنا سُعَداءَ، وإِنْ كنتَ كَتَبْتَنَا سُعَداءَ فَأَثْبِتْنا؛ فإِنَّكَ تَمحو ما تشاء وتُثبِتُ وعندَكَ أُمُّ الكتاب.
وهذا الدعاء قد نُقِلَ في الحديثِ قِراءَتُه في ليلة النصف من شعبان، لكنَّ الحديث ليس بقوي.
قُلتُ: يجوزُ العَمَلُ بالحديث الضعيف، لا سيما وقد ثبت روايته عن أكابر الصَّحابةِ مُطلَقاً، فلا وَجْهَ لمَنعِ المُقيَّدِ أبداً.
ثم التحقيقُ أَنَّ المَحْو والإثباتَ إِنَّمَا يَتَعَلَّقان بالأُمورِ المُعلَّقَةِ، كما ذَكَرَه المُحقِّقُونَ في قوله تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ} الآية [فاطر: ??]، وفي حديثِ: «البريزيدُ في العُمُرِ، والدُّعاءُ يَدفَعُ البَلاءَ»، وسيجيءُ زِيادة بيانٍ في هذا المعنى. وممَّا يُستَحَبُّ أن يُقرَأَ تلكَ اللَّيْلَةَ «سورةُ الدُّخانِ»؛ فإِنَّه أَخرَجَ التَّرْمِذِيُّ في «جامعه» والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ «الإيمانِ» عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَن قَرَأَ حم الدُّخانَ في ليلةٍ أصبَحَ يستغفِرُ له سبعونَ أَلفَ مَلَكِ».
الجزء 1 · صفحة 19
وفي رواية الحَسَنِ: «غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذَنْبِهِ».
ثمَّ سورةُ الدُّخانِ مكّيّةٌ، وأَمَّا سورَةُ القَدْرِ فَمَدَنِيَّةٌ خِلافيَّةٌ.
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ {إِنَّا؛ أي: ِبعَظَمَةِ قَدْرِنا أَنزَلْنَهُ؛ أَي: القُرآنَ الجليلَ القَدْرِ، ويُعرَفُ بهما قَدْرُ المُنزَلَ عليه، بل والمُنزَلِ إليهم أيضاً، وهو كنايةٌ عمر غيرِ مَذكورٍ في التِّبيانِ؛ لأنَّه لظُهورِ الشَّأْنِ غَنِيٌّ عن البيان.
في لَيْلَةِ الْقَدْرِ؛ أي: أنزَلَه جُملةً واحدةً من اللُّوحِ المَحفوظ إلى السَّمَاءِ الدُّنيا، فوَضَعَه في بيتِ العِزَّةِ، ثمَّ كانَ ينزِلُ به جبريل عليه السَّلامُ نُجوماً في عشرينَ سنةً، وإِنَّما سُمِّيَتْ ليلةَ القَدْرِ؛ لأنَّها ليلةُ تقدير الأمور والأحكام، يُقدِّرُ اللهُ فيها أَمرَ السَّنَةِ في عباده وبلاده إلى السَّنَةِ المُقبلة؛ لقوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} وهو مصدر قولهم: قَدَرَ اللهُ بالشَّيء - مُخَفَّفاً - قَدْراً وقَدَراً، كالنَّهْرِ والنَّهَرِ، والشَّعْرِ والشَّعَرِ، وقَدَّرَه ـ بالتشديد ـ تقديراً؛ بمعنى واحد.
وعن مُجاهِدٍ: أَنَّها ليلةُ الحُكمِ؛ أي: لكثرة الأحكام الإلهية فيها، أو للحكم الخاص المُتعلّق بها؛ من زيادة فضيلة العبادة، واختصاصها بهذه الأمة، كما صرَّحَ به بعضُ أرباب الرواية والدراية.
ثمَّ رأيتُ أخرَجَ الدَّيلمي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ وَهَبَ لأُمَّتِي ليلةَ القَدْرِ، لم يُعطِها مَن كانَ قبلهم».
قيل للحسينِ بنِ الفَضْلِ: أما قدَّرَ اللهُ المَقادير قبل خلقِ السَّماواتِ والأرض؟ قال: نَعَمْ، قيلَ: فما معنى ليلةِ القَدْرِ؟ قال: سوقُ المقادير إلى المواقيت، وتنفيذ القَضاءِ المُقدَّر.
الجزء 1 · صفحة 20
أقولُ: والتحقيقُ أَنَّ اللهَ سُبحانَه قَدَّرَ المَقدورات قبل خلقِ المَوجُوداتِ على وفق ما تعلَّق علمه بالمُكوّنات، ويُعبر عن علمه سُبحانه بأم الكتاب، الذي لا يتغيَّرُ ولا يتبدل في كلِّ بابٍ، ثمَّ خَلَقَ القَلَمَ المَلحوظ، واللوح المحفوظ، وأمرَ القَلَمَ بأن يكتب ما كان وما يكونُ، من قرطاسِ النُّورِ فِي دُواةِ النُّونِ، فَكَتَبَ كلَّ أمرٍ أطلعه إيَّاه، ثمَّ جَفَّ القَلَمُ بما هو كائن على وَفِقِ علم الله.
وغايتُه أَنَّه كُتِبَ فيه بعضُ الأشياءِ مُجمَلاً وبعضُها مُفَصَّلاً، وبعضُها مُطلَقاً وبعضُها مُعلَّقاً، فبهذا الاعتبارِ يجوزُ الزِّيَادَةُ والمَحْرُ بالنِّسبة إلى المنقوشِ في اللُّوحِ،
ولذا قال تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39]. ثمَّ إِنَّه سُبحانَه يأمرُ بكتابةِ نُسخةٍ سَنَوِيَّةٍ مُطابَقَةٍ لِمَا فِي اللُّوحِ المَحفوظ، ممَّا يَحدُثُ في السَّنةِ مِن أَوَّلها إلى آخرها في ليلةِ القَدْرِ، كما أَنَّه يكتُبُ عندَ نفخ الرُّوحِ في كل ولد من أولادِ بني آدَمَ من رِزْقِه وأَجَلِهِ وعَمَلِهِ وشَقِيٌّ وسعيد.
فهذا كلُّه جُزئيَّاتٌ ممَّا في اللوح المحفوظ، كما أَنَّه جُزْنِيٌّ من علمِ اللهِ المُحيطِ بالكلياتِ والجُزْئِيَّاتِ والمَوجوداتِ والمَعدوماتِ، ثُمَّ يَكتُبُ الكِرام الكاتِبونَ أعمال العباد لجزاء يومِ المَعادِ، فتقابَلُ كتابتهم بما في اللوحِ المَحفوظ، فلا زيادةَ ولا نُقصان، فسُبحانَ مَن دَبَّرَ أَمَرَ العِبادِ على وَفْقِ ما أرادَ.
وهذا من جملة أسرارِ القَدَرِ والقَضاءِ، ممَّا ضَلَّ وغَوَى فيها الجُهَلاءُ، تحيَّرَ فيها العُقَلاءُ، ولم يتَخَلَّصْ عنه العُلَماءُ إلا بقوله: {لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ} [الأنبياء: 23].
الجزء 1 · صفحة 21
هذا، وقال الأَزهَرِيُّ: معناه: في ليلةِ العَظَمَةِ والشَّرَفِ، مَن قَولِ النَّاسِ: لفُلانٍ عند الأميرِ قَدْرٌ؛ أي: جاه ومنزلَةٌ، ومنه قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قدرهِ} [الأنعام: 91]؛ أي: ما عظَمُوهُ حقّ تعظيمه.
وقيل: لأنَّ العَمَلَ الصَّالِحَ يكون فيه ذا قَدْرٍ عندَ اللهِ؛ لكونه مقبولاً، كما سيأتي بيانه، ودَليلُه وبُرهانه.
وقالَ سَهْلٌ: ليلةٌ قُدَّرَت فيها الرَّحمةُ على العبادِ؛ أي: إِلَّا على المُصِرٌ على العِنادِ والفَساد.
وقيل: المعنى: أنزلنا القُرآنَ فِي فَضْلِ ليلةِ الْقَدْرِ.
قال البيضاوِيُّ: الضَّمير للقُرآنِ، فخَمَه بإضماره من غير ذكر، شهادة له بالنَّبَاهَةِ المُغنِيَةِ عن التصريح، كما عظَمَه بأن أسند إنزاله إليه، وعظم الوقتَ الذي أُنزِلَ فيه بقوله: {وَمَا أَدْرَنَكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}.
وقالَ البَغَوِيُّ: عجَبَ نبيه صلى الله عليه وسلم فقالَ: وَمَا أَدْرَنَكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (3). {
وتحقيقه ما ذكره القاضي في سورة الحاقة؛ أي: وأيُّ شيءٍ أعلمَكَ ما
هي؟ أي؟ إِنَّكَ لا تعلَمُ كُنْهَها، فإنَّها أعظَمُ من أن يبلغها درايةُ أحد، و «ما» مبتدأ، و «أَدْراكَ» خبره. ليْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ، قالَ عَطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: ذُكِرَ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رجل من بني إسرائيل أنَّه حَمَلَ السَّلاحَ على عاتقه في سبيلِ اللهِ أَلفَ شَهْرٍ، فعَجِبَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وتمنَّى ذلك لأُمَّتِه، فقال: «يا رَبِّ! جعَلْتَ أُمَّتي أقصَرَ الأُمَمِ أعماراً، وأقلها أعمالاً»، فأعطاه الله ليلَةَ القَدْرِ، فَقالَ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ التي حَمَلَ فيها الإسرائيلي السلاح في سبيل الله، لك ولأُمَّتِك إلى يوم القيامة.
الجزء 1 · صفحة 22
قالَ المُفَسِّرون: معناهُ عَمَلٌ صالِح في ليلةِ القَدْرِ خَيْرٌ مِن عَمَلِ أَلْفِ شَهْرٍ ليسَ فيها ليلةُ القَدْرِ.
وفي «الدُّرِّ»: أخرَجَ الخطيب في تاريخه عن ابنِ عباس رضي الله عنهما، قال: رأى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بني أميَّةً على مِنبَرِه، فساءَه ذلك، فَأَوْحَى اللهُ إليه أن هذا مُلْكُ يُصيبُونَه، فنَزَلَت: {إِنَّا أَنزَلْتَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}.
قُلتُ: السَّبَبُ قد يتعدَّدُ، فلا إشكال، والله أعلَمُ بالحال.
وقد أخرَجَ مالكٌ في «المُوطَّأ»، والبَيْهَقِيُّ في «الشُّعَبِ» عنه: أَنَّه بَلَغَه أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أُرِيَ أعمارَ النَّاسِ قبله، أو ما شاءَ اللهُ من ذلك، فكأَنَّه تقاصَرَ أعمارَ أُمَّتِه أن لا يبلغوا من العمل مثل ما بلَغَ غيرُهم في طُولِ العُمُرِ، فأعطاه الله ليلةَ القَدْرِ، خَيرٌ من ألفِ شَهرٍ
قُلتُ: فيه إشارة إلى أنَّ المَدَارَ على بَرَكَةِ العُمُرِ، فكم من طَويلِ العُمُرِ ضاع أوقاته وبطل ساعاته، وكم من قصيرِ العُمُرِ بُورِكَ له فيه من العِلمِ والعَمَلِ والمعرفة والآداب، ما تحيَّرَ فيه أولو الألباب، بسبب إمدادِ ربِّ الأرباب.
ثم فيه تنبيه نبيه على أنَّ للهِ أن يُفَضَّلَ بعض الأزمنة على بعضها؛ من ليلة القَدْرِ وساعةِ الجُمُعَةِ، كما أنَّ له أن يُفَضَّلَ بعض الأمكنة؛ كأرضِ الحَرَمِ وخُصوص المسجدِ والكعبة، فكذا الله أن يُفَضّلَ بعضَ عِبادِه بمحض فضله، كما فَضَّلَ نبينا على سائر الخلق، وكما فَضَّلَ هذه الأُمَّةَ على سائر الأقم، والله أعلم.
قالَ البَغَوِيُّ: أخبرنا أبو القاسِمِ عبد الكريم بنُ هَوازِنَ القُشَيرِيُّ إملاء ـ يعني: صاحبَ «الرسالة» ـ بِسَنَدِهِ المُتَّصِلِ إِلى أَبي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَن قامَ ليلةَ القَدْرِ إيماناً واحتساباً غَفَرَ اللهُ له ما تَقَدَّمَ من ذَنبِه».
الجزء 1 · صفحة 23
قُلتُ: وكذا أخرجه البخارِيُّ وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: مَن شَهِدَ المَغرِبَ والعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فقد أَخَذَ بحظه من ليلةِ القَدْرِ.
وصح عن عائشة رضي الله عنها، قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: لو وافيتُ ليلةَ القَدْرِ فما أقول؟ قال: «قولي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العفو فاعفُ عنِّي». تَنَزَّلُ الْمَلَيكَةُ وَالرُّوحُ؛ أي: جبريل عليه السَّلامُ معهم، فيها؛ أي: في ليلة القَدْرِ، بِإِذْنِ رَتِهِم؛ أي: بأمره؛ لأنهم ما يَعصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُم، ويفعَلُونَ ما يُؤمرون.
قال البيضاوِيُّ: والجملة بيانُ لِمَا له فُضَّلَتْ على ألفِ شَهرٍ، وتنزلهم إلى الأرض، أو السَّماءِ الدُّنيا، أو بقُربِهم من المُؤمنين.
قُلتُ: الأخير هو الصحيحُ لِما سيأتي، مع أنه لا مانع من الجميع على وجه التوزيع. مَن كُل أمي؛ أي: من أَجْلِ كلِّ أمرٍ قُدِّرَ في تلكَ السَّنَةِ.
وقال البَغَوِيُّ: أي: بكلِّ أمرٍ من الخير والبركة، كقوله: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11]؛ أي: بالله، انتهى.
والمَقصودُ أَنَّ مِن» تعليليَّة، بمعنى الباءِ السَّببيَّةِ.
سَلَوهِيَ؛ أي: ما هي إلا سلامة، والمَعنَى: لا يُقدِّرُ اللهُ فيها إلا السَّلامةَ، ويقضي في غيرها السَّلامةَ والبَلاءَ، وهو قَولُ الضَّحَاكِ.
ويُوَضّحه قولُ مُجاهِدٍ: يعني أنَّ ليلةَ القَدْرِ سالمةٌ، لا يستطيعُ الشَّيطانُ أن يعمَلَ فيها سُوءاً، ولا أن يُحدِثَ فيها أذًى.
أو ما هي إلا سلامٌ لكَثرَةِ ما يُسلّمون فيها على المؤمنين، وهو قول الجمهور. وقال عطاء: يريدُ: سلامٌ على أولياء الله وأهل طاعتِه.
وقال الحسَنُ كما أخرَجَه ابنُ المُنذِرِ عنه في قوله «سلام»: إذا كانَ ليله القَدْرِ لم تزَلِ المَلائِكَةُ تَحْفِقُ بأجنِحَتِها بالسَّلامِ مِنَ اللَّهِ وَالرَّحمَةِ مِن لَدُنْ صَلاةِ المغرب إلى طُلوعِ الفَجْرِ.
الجزء 1 · صفحة 24
وأخرَجَ ابنُ جَرِيرٍ وابنُ مَردَوَيهِ عن ابنِ عباس رضي الله عنهما، قالَ: في تلك الليلةِ يُصَفّدُ مَرَدَةُ الشَّياطين، وتُغَلُّ عَفَارِيتُ الجِنِّ، ويُفتَحُ فيها أبوابُ السَّماءِ كلُّها،
ويقبلُ اللهُ التَّوبةَ فيها لكُلِّ تائب، فلذا قالَ: سَلَمُ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ.
وقالَ الشَّعبِيُّ: هو تسليم الملائكة ليلةَ القَدْرِ على أهلِ المَساجِدِ من حين تغيب الشَّمسُ إلى أن يَطلُعَ الفَجْرُ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المَلائكةُ ينزلونَ فيها، كلَّما لقُوا مُؤْمِناً أَو مُؤْمِنةً سلَّموا عليه من ربِّه، حتّى يطلُعَ الفَجْرُ.
وقال بعضُهم: تَمَّ الكَلامُ على سَلَمُ، ثمَّ قوله: {هِىَ؛ أي: ليلةُ القَدْرِ مُستَمِرَّةٌ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ؛ أي: إلى طُلوعِ الفَجْرِ.
والجمهور على فتحِ اللَّامِ على أَنَّه مَصدَرٌ بمعنَى الطَّلوعِ.
قالَ البَغَوِيُّ: وهو الاختيار، وقرأ الكِسائِيُّ بكسرِ اللَّامِ، وهو مَوضِعُ الطُّلوعِ. قُلتُ: الفَتحُ أيضاً يحتمل المصدَرَ والزَّمان، ولذا فسَّرَ البَيضاوِيُّ بقوله: وقتَ مَطلَعِه أو طُلوعِه. وأمَّا الكسر فمَصدَرٌ شاد كالمرجع، أو اسم زمانٍ على غير قياس كالمَشرِق.
هذا وقال صاحِبُ المَعالم»: اختَلَفُوا في وَقتِها، فقال بعضُهم: إنَّها كانت على عَهْدِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثمَّ رُفِعَتْ، وعامَّةُ الصَّحابة والعلماء على أنَّها باقية إلى يوم القيامةِ. ورُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ يُحَنَّسَ مَولى مُعاوِيَةَ َقالَ: قُلتُ لأبي هريرة رضيَ اللهُ عنه: زَعَمُوا أَنَّ ليلةَ القَدْرِ قد رُفِعَت، َقالَ: كَذَبَ مَن قالَ ذلك، قُلتُ: هي في كلِّ شهرِ رمضان أستقبله؟ قال: نعم.
وأخرَجَ محمَّد بن نصرٍ عن سعيد بنِ المُسَيَّبِ: أَنَّه سُئِلَ عن ليلةِ القَدْرِ، أهي شيء كانَ فَذَهَبَ، أم هي في كل عام؟ فقال: بل هي لأمَّةِ محمَّدٍ ما بقي منهم اثنان.
قُلتُ: ولو بقي منهم واحِدٌ.
الجزء 1 · صفحة 25
وأخرج أبو داود، والطَّبَرَانِيُّ، عن ابن عمر، قالَ: سُئِلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأَنا أَسْمَعُ عن ليلةِ القَدْرِ، قالَ: «هي في كلِّ رَمَضانَ».
وقال بعضُهم ومنهم الإمامُ الأعظَمُ هي من ليالي السَّنَةِ، حَتَّى لو علَّقَ طَلَاقَ امرأتِه أو عِتْقَ عبدِه بليلةِ القَدْرِ لا يَقَعُ ما لم تَمْضِ سَنَةٌ من حينِ. حَلَفَ، ويُروى ذلك عن ابن مسعود، قالَ: مَن يَقُمِ الحولَ يُصِبْها، فبَلَغَ ذلك عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهما فقالَ: يرحَمُ اللهُ أبا عبدِ الرَّحمنِ، أَمَا إِنَّهُ عَلِمَ أَنَّها في شهرِ رَمَضَانَ، ولكِنْ أَرادَ أن لا يَتَّكِلَ النَّاسُ. والظَّاهِرُ أنَّ كونَها في رَمَضانَ أمرٌ غالبي، وكونها في ليالي السَّنَةِ كلها احتمالي؛ لإبهام الله إيَّاها، وللأحاديثِ المُتعارِضَة في تعيينها، واختاره الإمامُ أبو حنيفة لأجلِ التَّيْقُنِ في تعليق المسألتينِ، مَعَ أَنَّه وأصحابه ذهبُوا مَعَ جُمهورِ العلماء على أنَّها ليلة سبع وعشرين.
وممَّا يُؤَيِّدُ القَولَ بأنَّها في جميعِ السَّنَةِ دائرةُ: ما أَخرَجَ ابْنُ مَردَوَيهِ عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه، قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن ليلةِ القَدْرِ فقال: «كنتُ عَلِمتُها، ثمَّ اختُلِسَتْ مني، وأَرَى أَنَّها في رمضان، فاطلبوها في تسع يبقَيْنَ، أو سبع يبقينَ، أو ثلاث يبقينَ، وآية ذلك أنَّ الشَّمسَ تطلُعُ ليس لها شُعاع، ومَن قامَ السَّنَةَ سقط عليها»؛ يعني: البتة.
قالَ البَغَوِيُّ: والجمهورُ من أهلِ العلمِ أَنَّهَا في شهرِ رَمَضانَ. قلتُ: ومنهم أبو يوسف ومحمد، ويدل عليه ما رواه ابن ماجه عن أنسي مرفوعاً: «أنَّ هذا الشَّهر قد حَضَرَكم، وفيه ليلةٌ خير من ألفِ شهرٍ، مَن حُرِمَها فقد حُرِمَ الخير كله، ولا يُحرَمُ خَيْرَها إلا محروم.
واختَلَفُوا في تلك الليلة، فقال أبو رزين العقيلي: هي أول ليلة من شهر رَمَضانَ.
الجزء 1 · صفحة 26
ويُؤَيَّده ما أخرَجَ ابْنُ مَردَوَيهِ عن أنس رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: التَمِسُوا ليلةَ القَدْرِ في أوَّلِ ليلةٍ من رَمَضانَ، وفي تسعة، وفي إحدى عشرة، وفي إحدى وعشرين، وفي آخر ليلة من رَمَضانَ».
وقال الحسَنُ: هي ليلة سبع عشرة، وهي اللَّيلةُ التي كانت صبيحتها وقعةُ بدر
قُلتُ: وهو المُناسِبُ لِمَا وَرَدَ من سببِ نُزولِها، كما تقدَّمَ، والله أعلم. ويُؤَيَّده ما أخرجه ابن أبي شيبة، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحَارِثِ بنِ هشام، قال: ليلةُ القَدْرِ ليلةُ سبعَ عشرَةَ، ليلةَ جُمعَةٍ.
وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن حريث قالَ: إِنَّمَا أُرى أنَّ ليلةَ القَدْرِ لسبع عشرَةَ، ليلةَ الفُرقانِ.
وأخرج محمَّدُ بنُ نصر والطَّبَرَانِيُّ عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه: أنَّه كانَ يُحيِي ليلة ثلاث وعشرين من شهرِ رَمَضانَ، وليلة سبع وعشرينَ وَلاء، كإحياء سبع عشرة، فقيل له: كيف تُحيي ليلة سبع عشرة؟ قالَ: إِنَّ فيها نَزَلَ القُرآنُ، وفي صبيحتِها فُرِقَ بينَ الحقِّ والباطِلِ
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن منيع، والبخارِيُّ في «تاريخه»، والطَّبَرَانِيُّ، وأبو الشيخ، والبيهقي، عن زيد بن أرقم: أَنَّه سُئِلَ عن ليلةِ القَدْرِ فَقالَ: ليلةُ سبع عشرةَ، ما نشُكُ ولا نستثني. وقال: ليلةُ نُزولِ القُرآنِ، ويومَ الفُرقانِ يومَ التَقَى الجَمعان.
وأخرج الحارث بن أبي أُسامة عن عبدِ اللهِ بنِ الزُّبير قالَ: هي اللَّيلةُ التي لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في يومها أهل بدر، يقولُ اللهُ تعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41].
الجزء 1 · صفحة 27
وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، ومحمَّدُ بنُ، نصر، والطَّبَرَا وابن مردويه، عن ابن مسعودٍ قالَ: التَمِسُوا ليلةَ القَدْرِ لسبع عشرَةَ خَلَتْ من رَمَضانَ؛ فإنَّها صبيحة يوم بدر التي قال الله: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ}.
والصحيح الذي عليه الأكثَرونَ أنَّها في العشر الأواخِرِ من شهرِ رَمَضانَ؛ لِما رَوَى التَّرْمِذِيُّ عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُجاوِرُ في العَشْرِ الأَواخِرِ من رَمَضانَ، ويقولُ: «تحَرَّوا ليلةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأَواخِرِ من رَمَضانَ».
ولما أخرج ابن أبي شيبة وعبدُ بنُ حُمَيدٍ عن ابن عمر قال: قال رسولُ اللهِ: «التَمِسُوا ليلةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأَواخِرِ من رَمَضانَ». ولما ثبت عنها أيضاً قالت: كانَ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتَهِدُ في غيرها.
ولما رواه البخارِيُّ عنها أيضاً قالت: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ العشرُ
شَدَّ مِنْزَرَه، وأحيا ليله، وأيقظ أهله.
ثمَّ اختَلَفُوا أَنَّها في أي ليلةٍ منَ العَشْرِ، فَرَوَى البُخَارِيُّ ومسلم وابنُ أَبي شيبة وأحمد والترمذي عن عائشةَ رضي الله عنها: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَحَرَّوا ليلةَ القَدْرِ في الوِتْرِ من العَشْرِ الأَواخِرِ من رَمَضانَ».
وأخرَجَ ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابنُ جَرِيرٍ في «تهذيبه»، عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَن كانَ مُلتَمِساً ليلةَ القَدْرِ فَلْيَلْتَمِسْها في العشر الأواخر وثراً».
الجزء 1 · صفحة 28
وثبت عن أبي بَكْرَةَ أَنَّه كان يقولُ: ما أنا بطالبها بعد شيء سمعتُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلا في العشر الأواخِرِ، سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «التَمِسُوها في العشر الأواخر من تسع بقين، أو سبع بقين، أو خمس بقين، أو ثلاث بقين، أو آخر ليلة». ورَوَى البُخارِيُّ عن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ رضيَ اللهُ عنه قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ليُخبِرَنا بليلةِ القَدْرِ، فَتَلاحَى رَجُلانِ من المُسلمين، فقالَ: «خَرَجْتُ لأُخبِرَكم بليلةِ القَدْرِ، فَتَلاحَى فُلانٌ وفُلانٌ فَرُفِعَت، وعَسى أن يكونَ خَيْراً لكم، فالتَمِسُوها التّاسعة والسابعة والخامسة».
ولا مُتَمَسَّكَ بهذا الحديث في رفعِها؛ فإنَّ المُرادَ رَفعُ تعيينها لا رَفعُ نفسها؛ كما
يدلُّ عليه قوله: «فالتَمِسُوها ... إلخ.
دَلالةٌ ظَاهِرةٌ على أنَّ القُلوبَ الطَّاهرةَ تتأثر بالسُّرعةِ لإحساس الأمور المُتنافِرَةِ، ولو على طريقةِ النَّادِرَةِ، فكيف إذا وَقَعَت على سبيل المُتكاثرة.
ورَوَى مالك عن نافع عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ رِجالا من أصحابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُرُوا ليلةَ القَدْرِ في المَنامِ في السَّبْعِ الأواخر من رَمَضانَ، فقال رسول الله: «إني أرى رُؤياكُم قد تَواطَاتْ في السَّبْعِ الأَواخِرِ، فَمَن كانَ مُتَحرِّيها فلْيَتَحَرَّها في السَّبْعِ الأواخِرِ».
ورَوَى عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ رضي الله عنه: أنَّها ليلة إحدى وعشرينَ، وسيأتي ما يُؤيده.
وقال بعضُهم: هي ليلة ثلاث وعشرين، ويُؤَيِّدُه ما ثبت عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: تَذاكَرْنا ليلةَ القَدْرِ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «كم مَضَى من الشَّهرِ؟» فقُلنا: اثنان وعشرونَ، وبَقِيَ ثَمانٍ، فقالَ: «مَضَى اثنان وعشرونَ، وَبَقِيَ سبع، فطالِبُوها اللَّيلةَ، الشَّهرُ تسع وعشرون.
الجزء 1 · صفحة 29
وقال قوم: هي ليلة سبع وعشرين، وهو قول علي وأبي وعائشة وابن عباس رضي الله عنهم، وقد ثَبَتَ برواية أحمد ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي والطَّحاوِي وغيرهم، عن عاصم، عن زر قالَ: قُلتُ لأبي بن كعب: أبا المُنذِرِ! أخبرنا عن ليلةِ القَدْرِ؛ فَإِنَّ ابنَ أُم عبد يقولُ: مَن يَقُمِ الحَوْلَ يُصِبْهَا، فقالَ: رَحِمَ اللهُ أبا عبدِ الرَّحمَنِ، أَمَا إِنَّه قد عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضانَ، وَلكِنْ كَرِهَ أَن يُخبركم فتَكِلُوا فتَكِلُوا، هي والذي أَنزَلَ القُرآنَ على مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ليلة سبع وعشرينَ، فقُلتُ: يا أبا المُنذِرِ، أَنَّى عَلِمْتَ هذا؟ قال: بالآية التي أخبَرَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَحَفِظْنَا وعَدَدْنا، هي والله لا نَستَثْني، قال: قلنا لزر: وما الآيةُ؟ قَالَ: تطلُعُ الشَّمسُ كأَنَّها طاس - وفي رواية البخارِي وغَيرِه: طَسْتُ ـ ليس لها شُعاع. ومن علامتِها ما رَوَى الحَسَنُ رَفَعَه: أَنَّها ليلةٌ بَلْجَةٌ - أي: مُشْرِقَةٌ - سَمحَةٌ، لا حارَّةٌ ولا بارِدَةٌ، تطلُعُ الشَّمسُ صَبيحتها لا شُعاع لها.
الجزء 1 · صفحة 30
وأخرج أحمد، وابنُ زَنْجَوَيهِ، ومحمَّدُ بنُ، نصر، وابنُ مَردَوَيهِ، والبَيْهَقِيُّ، عن عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ: أَنَّه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلةِ القَدْرِ، فقالَ: «فِي رَمَضَانَ، فالتَمِسُوها في العشر الأواخِرِ؛ فإنَّها في وِتْرِ ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، أو آخر ليلةٍ من رَمَضانَ، من قامَها احتساباً غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذَنبِه، ومن أمارَتِها أَنَّها ليلةٌ بَلْجَةٌ صافيةٌ ساكنة ساجية، لا حارَّةٌ ولا باردة، كأنَّ فيها قَمَراً ساطعاً، ولا يحِلُّ لَنَجمِ أَن يُرمَى بِهِ في تلكَ الليلة حتّى الصباح، وإنَّ من أمارَتِها أَنَّ الشَّمْسَ تطلُعُ صَبيحتها مُستويةٌ لا شُعاعَ لها، كأَنَّها القَمَرُ ليلةَ البَدْرِ، حَرَّمَ اللهُ على الشَّيطان أن يخرُجَ معها يومَئِذٍ.
ورَوَى الطَّبَرَانِيُّ عن وائِلَةَ مَرفُوعاً: «ليلةُ القَدْرِ ليلةٌ بَلْجَةٌ، لا حارَّةٌ ولا باردة، ولا سحاب فيها، ولا مَطَرَ، ولا ريح، ولا يُرْمَى فيها بنجم، ومن علامة يومها تطلع الشمس لا شعاع لها
وفي رواية الطيالسي عن ابن عباس رضي الله عنهما: «تُصبحُ الشَّمسُ صبيحتها ضعيفةً حمراء».
ورَوَى الطَّبَرَانِيُّ: أَنَّها ليلة ريحٍ ومَطَرٍ ورَعِد.
والجَمعُ: بأنها تارة كذا، وتارة كذا، أو أوَّلُ اللَّيلة بصفَةٍ، وَآخِرُها بأُخرَى، والله أعلم.
قالَ البَغَوِيُّ: ففي الجُملة أبهَمَ اللهُ تعالى هذه الليلةَ على هذه الأمة ليَجتَهِدُوا في العبادة ليالي شَهْرِ رَمَضانَ طَمَعاً في إدراكها، كما أخفى ساعةَ الاستجابة في يوم الجُمُعَةِ، وأخفى الصَّلاةَ الوسطى في الصَّلواتِ الخَمسِ، واسمه الأعظَمَ في الأسماء، ورضاه في الطَّاعاتِ ليَرغَبُوا في جميعها، وسَخَطَه في المعاصي لينتهوا عن جميعها، وأخفَى قيامَ السَّاعَةِ ليَجْتَهِدُوا فِي الطَّاعَاتِ حَذَراً من قيامها.
الجزء 1 · صفحة 31
قُلتُ: ومن مات فقد قامَتْ قيامَتُه، والمَوتُ إِنْ لم يَكُنْ بغَتَةً فَمُقدِّماتُه لا تكون إلا فجأةً.
وأخرَجَ أحمد، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في ليلة القَدْرِ: أَنَّها آخِرُ ليلة.
وأخرج محمَّدُ بنُ نَصرِ عن مُعاوِيَةَ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ: «التَمِسُوا ليلةَ القَدْرِ آخِرَ ليلةٍ من رَمَضانَ.
وأخرج عبدُ الرَّزَّاقِ وابن أبي شيبة عن أبي قلابة رضي الله عنه، قال: «ليلةُ القَدْرِ تنتَقِلُ في العَشر الأواخر في كلِّ وِتر.
وأخرج ابنُ جَرِيرٍ في «تهذيبه» عن أبي قلابة رضي الله عنه قال: ليلةُ القَدْرِ تجول في ليالي العشرِ كلّها.
قُلتُ: وبهذا يُجمَعُ بين الأحاديثِ والأقوال، ويزول الاشتباه والإشكال، وأجمعُ منه مَن قالَ: إنَّها تَتَحَوَّلُ في ليالي رَمَضانَ كلَّها، ثمَّ الأَجمَعُ مِنَ الجَميعِ مَن قالَ: إِنَّها تدور في ليالي السَّنةِ كلّها، ليَحصُلَ بَرَكتُها إلى سائِرِها، وليُدرِكَها الأمَّةُ المرحومة غالبها، فقد أخرَجَ البَيْهَقِيُّ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَن صلَّى المَغرِبَ والعِشاءَ فِي جَمَاعَةٍ حَتَّى ينقضِيَ شَهرُ رَمَضانَ فقد أصابَ من ليلةِ القَدْرِ بحَظِّ وافر».
وأخرج الخطيب عن أنس رضيَ الله عنه مرفوعاً: «مَن صلَّى ليلةَ القَدْرِ العِشَاءَ والفَجْرَ في جَماعةٍ فقد أخَذَ من ليلةِ القَدْرِ بالنَّصيب الوافِرِ».
وأخرَجَ ابنُ خَزَيْمَةَ والبَيْهَقِيُّ عن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَن صلَّى العِشاءَ الآخِرَةَ في جماعةٍ في رَمَضانَ فقد أدرك ليلةَ القَدْرِ». وأخرَجَ البَيْهَقِيُّ عن عليّ قالَ: مَن صلَّى العِشَاءَ كُلَّ ليلةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى ينسَلخَ فقد قامه.
الجزء 1 · صفحة 32
ومما يدلُّ على إطلاق الليالي ولو في غيرِ رَمَضانَ: ما أَخْرَجَه مالك، وابن أبي شيبة، وابنُ زَنجَوَيهِ، والبَيْهَقِيُّ، عن سعيد بنِ المُسَيَّبِ، قَالَ: مَن شَهِدَ العِشاءَ ليلةَ القَدْرِ في جماعة فقد أخَذَ بحظه منها.
ثم هذا لا يُنافي وقوعها باعتبار الأغلبيَّةِ في إحدى ليالي رَمَضانَ كلَّه، أو في أوله، أو سبع عشرة، أو إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو. وعشرين، أو تسع وعشرين، أو في آخر ليلة، مع أن الأدلة على كونها سبعاً وعشرين أكثر، وعليه جمهورُ الصَّحابة وعامَّةُ العُلماء.
وممَّا يُؤَيِّدُه ما أَخرَجَه ابنُ أَبي شيبة وابنُ سعد عن أُبي بن كعبٍ، قَالَ: ليلةُ القَدْرِ ليلة سبع وعشرين.
وأخرَجَ ابن أبي شيبة عن زِرِّ: أَنَّه سُئِلَ عن ليلةِ القَدْرِ، فقالَ: كانَ عمرُ وحُذَيْفَةُ وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشكون أنها ليلة سبع وعشرين.
وأخرَجَ ابنُ جَرِيرٍ عن علي قال: ليلةُ القَدْرِ ليلةُ سبع وعشرين. وأخرَجَ عبد بن حميد عن ابن عمر رضي الله عنهما، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ التَمِسُوا ليلةَ القَدْرِ ليلةَ سبع وعشرين.
وأخرج ابن نصر، وابن جرير في تهذيبه»، والبزار، والطَّبَرَانِيُّ، عن مُعاوِيةَ بن أبي سفيان، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «ليلةُ القَدْرِ ليلة سبع وعشرين». وأخرج أحمدُ والطَّبَرَانِيُّ عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: «تحَرَّوا ليلةَ القَدْرِ، فَمَن كانَ مُتَحَرِّيها فلْيَتَحَرَّها ليلةَ سبع وعشرين.
الجزء 1 · صفحة 33
وأخرج محمد بن نصر عن أبي ذرّ قالَ: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ! أخبِرْني عن ليلة القَدْرِ، أشيء يكونُ في زَمانِ الأنبياء ينزِلُ عليهم فيها الوَحْي، فإذا قُبِضُوا رُفِعَت، أم هي إلى يوم القيامَةِ؟ قال: بل هي إلى يومِ القِيامَةِ»، قُلتُ: يا رسولَ اللهِ! حدثني، أيُّ الشَّهرِ هي؟ قالَ: «إِنَّ الله لو أَذِنَ لي أن أُخبِرَكم بها الأَخبَر تُكم، فالتَمِسُوها في العشر الأواخِرِ من رَمَضانَ في أحدِ السَّبْعَينِ، ثمَّ لا تسألني عنها بعد مرتك هذه»، ثم أقبلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على النَّاسِ يُحدِّثهم، فلما رأيتُه قد استنطق به الحديث، قُلتُ: أَقسَمْتُ عليك يا رسولَ اللهِ لَتُخبِرَنِّي بها، في أيِّ السَّبْعَيْنِ هي؟ فَغَضِبَ عليَّ غَضَباً لم يغضب عليَّ قبلها ولا بعدها، فقالَ: «إِنَّ اللهَ لو أمرَني أن أُخبِرَكُم لأَخبَر تُكم، لا آمَنُ أن تكون في السبع الأواخر.
قيل لأبي عمرو: أرأيتَ قوله: «اطلبوها في أحدِ السَّبْعَينِ؟»، قال: يعني ليلة ثلاث وعشرين، وليلة سبع وعشرين.
قلتُ: وكأنه نظر إلى أوَّلِ السَّيْع وآخره، والأظهرُ: أَنَّ أَحدَ السَّبْعَينَ سَبْعَ عشرَةَ، والآخَرُ السَّبع والعشرون.
ثمَّ قوله: (السَّبع الأواخِرُ) يُراد به السَّبْعُ والعِشرونَ. نعم، ممَّا يَدُلُّ على كونها ليلة ثلاث وعشرين ما أخرجه مالك، وابن سعد، وابن أبي شيبة، وأحمد، ومُسلِم، والطَّحاوِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ أنيس: أنَّه سُئِلَ عن ليلةِ القَدْرِ فَقالَ: سَمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «التَمِسُوها اللَّيلةَ»، وتلك الليلة ليلة ثلاث وعشرين.
الجزء 1 · صفحة 34
وأخرج مالك والبَيْهَقِيُّ عن أبي النَّضْرِ مَولى عُمَرَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [أَنَّ عِبدَ اللَّهِ] بنَ أنيس الجُهَنِيِّ، عنه: أنَّه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسولَ اللَّهِ! إِنِّي رَجُلٌ شاسِعُ الدَّارِ - أي: بعيدها عن المدينة - فمُرْني بليلةٍ أُنزِلُ لها، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «انزِلْ ليلةَ ثلاث وعشرينَ من رَمَضانَ».
قُلتُ: وفيه دليل على أنَّ إِحياء ليلةِ القَدْرِ ينبغي أن يكونَ في مكانٍ ذي قَدْرٍ؛ ليحوز العبادة بزيادةِ المَثوبة باعتبارِ فَضيلَتَي الزَّمانِ والمَكانِ في تلك الحالة. لكِنْ أَخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عن الزُّهْرِيِّ قال: قُلتُ لضَمْرَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أُنيس: ما قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لأبيك في ليلةِ القَدْرِ؟ قالَ: كانَ أبي صاحبَ بادية، قال: فقُلتُ: يا رسول الله! مُرني بليلةٍ أنزِلُ فيها، قالَ: «انزِلْ ليلةَ ثَلاث وعشرين»، قال: فلما تولَّى قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اطلبوها في العشر الأواخِرِ».
فهذا يدلُّ على اختِصاصِ السَّائِلِ به؛ إِمَّا لكونها في تلك السَّنةِ بخُصوص تلكَ الليلة، أو أراد: إنزل ليلة ثلاث وعشرين إلى آخر الشهر.
ومما يدلُّ على أنها قد تكون في غيرِ الأوتار: ما أَخرَجَه الطَّيالِسِيُّ عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليلةُ القَدْرِ أربع وعشرون».
وأخرج أحمد، والطَّحاوِيُّ، وأبو داود، والطَّبَرَانِيُّ، وابنُ جَرِيرٍ، وابنُ مَردَوَيهِ عن بلال رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ليلةُ القَدْرِ ليلة أربع وعشرين».
وأخرج محمد بن نصرٍ، عن ابن عبّاس، عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «التَمِسُوا ليلةَ القَدْرِ في أربع وعشرين.
الجزء 1 · صفحة 35
وأخرَجَ أحمد ومسلم وأبو دوادَ والبَيْهَقِيُّ، من طريق أبي نضْرَةَ، عن أبي سعيد الخُدرِيٌّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «التَمِسُوها في العَشْرِ الأَواخِرِ من رَمَضانَ، والتَمِسُوها في التّاسعةِ والسَّابعة والخامسة»، قُلتُ: يا أبا سعيد! إنَّكم أعلَمُ بالعَدَدِ منَّا، قالَ: أَجَلْ، قُلتُ: ما التَّاسِعَةُ والسَّابعة والخامسةُ؟ قَالَ: إِذا مَضَتْ واحدةٌ وعشرون فالتي تليها التَّاسِعَةُ، وإذا مَضَتِ الثَّلاثُ والعِشرون فالتي تليها السَّابعةُ، وإذا مَضَى خَمس وعشرون فالتي تليها الخامِسَةُ.
وأخرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابنُ زَنجَوَيهِ، وابنُ حِبَّانَ، والبَيْهَقِيُّ، عن أبي ذر رضيَ اللهُ عنه، قالَ: صُمْنا مع رسولِ الله فلم يَقُم بنا شيئاً من الشَّهِرِ، حَتَّى إذا كَانَتْ ليلة أربع وعشرينَ، السَّابع ممَّا يبقَى، صلى بنا حتّى كاد أن يذهَبَ ثُلُثُ اللَّيل، فلمَّا كَانَت ليلة خَمس وعشرين لم يُصَلِّ بنا، فلما كانت ليلةُ ستّ وعشرين، الخامسة مما يبقى، صلى بنا حتى كاد أن يذهَبَ شَطْرُ اللَّيلِ، فقُلتُ: يا رسولَ الله! لو نَفَّلَتَنا بقيَّةَ ليلَتِنا، فقالَ: «لا، إِنَّ الرَّجُلَ إذا صلَّى معَ الإمامِ حتَّى ينصَرِفَ كُتِبَ له قيام ليلةٍ»، فلمَّا كَانَتْ ليلة سبع وعشرينَ لم يُصَلِّ بنا، فلمَّا كانت ليلةُ ثَمانٍ وعشرين جَمَعَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أهله، واجتَمَعَ له النَّاسُ، فصلى بنا حتَّى كاد أن يفُوتَنا الفَلاحُ، ثمَّ لم يُصَلِّ بنا شيئاً من الشَّهرِ والفَلاحُ: السَّحور.
قُلتُ: وبهذا يتبيَّنُ معنَى ما رَواهُ البُخارِيُّ وأبو داود وابنُ جَرِيرِ والبَيْهَقِيُّ، عن ابنِ عباس، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «التَمِسُوها في العَشْرِ الأَواخِرِ من رَمَضانَ في تاسعة تَبقَى، وفي سابعةٍ تَبقَى، وفي خامسةٍ تَبقَى».
الجزء 1 · صفحة 36
لكِنْ يُعارِضُه ما أخرَجَه محمد بن نصر، والحاكِمُ وصَحَّحَه، عن النُّعْمَانِ بنِ بشيرٍ رضي الله عنه، قال: قمنا مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في رَمَضانَ ليلةَ ثلاث وعشرين إلى ثُلُثِ اللَّيلِ، ثمَّ قُمْنا معَه ليلة سبع وعشرينَ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّا لَا نُدرِكُ الفَلاحَ، وَكُنَّا نُسمّيها الفَلاحَ، وأنتُم تُسمُّونَ السَّحور، وأنتم تقولون: ليلة سابعة ثلاث وعشرون، ونحن نقول: ليلة سابعة سبع وعشرون، أفَنَحنُ أصوَبُ أم أنتم؟
قُلتُ: فكأَنَّ الخِلافَ وَقَعَ بينَ الصَّحابة في سابعة تبقى، وهذا الحديث
يُرجحُ أَنَّها هي السَّبع والعشرونَ، ويُصَحِّحُ أَنَّها أَقوَى أحدِ السَّبْعَينِ، على ما سبَقَ ذِكرُهما في الحديثِ الأَوَّلِ. فتأمل.
وأخرَجَ البُخارِيُّ في تاريخه عن ابنِ عَمرو: سأل أصحابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عن ليلة القَدْرِ، فقال ابن عباس: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ السَّبعَ: {وَلَقَدْ أَنَيْنَكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر: ???). وأخرَجَ محمَّدُ بنُ نَصرٍ وابنُ جَرِيرٍ والطَّبَرَانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّ رَجُلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله! إِنِّي شيخ كبيرٌ يشُقُّ عليَّ القيام، فمُرْني بليلةٍ لعَلَّ الله أن يُوَفِّقَني فيها ليلةَ القَدْرِ، قالَ: «عليكَ بالسَّابعةِ.
وأخرَجَ البَيْهَقِيُّ من طريق الأوزاعِيُّ عن عَبْدَةَ بنِ أَبِي لُبابَةَ، قَالَ: ذُقْتُ ماء البحرِ ليلةَ سبع وعشرين من شهرِ رَمَضانَ، فإِذا هُو عَذْبٌ.
الجزء 1 · صفحة 37
قُلتُ: وصبيحَةُ ليلةِ القَدْرِ أيضاً لها زِيادَةُ فَضيلة على سائر الأزمنة، كما يدلُّ عليه ما أخرجه البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عن أبي يحيى بنِ [أبي] مَسَرَّةَ، قَالَ: طُفْتُ ليلةَ السَّابع والعشرين من شهرِ رَمَضانِ، فأُرِيتُ المَلائكة في الهَواجِرِ إلى البيتِ. والهاجرة على ما في القاموس»: شِدَّةُ الحر، ونصفُ النَّهارِ عندَ زَوالِ الشَّمسِ معَ الظهر، أو من عندِ زَوالها إلى العَصْرِ؛ لأنَّ النَّاسَ يسكُنونَ فِي بيوتهم كأنَّهم قد تَهاجَرُوا.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن بن بحرٍ، قال: بلغني أنَّ العَمَلِ في يومٍ القَدْرِ كالعَمَل في ليلَتِها.
وأخرَجَ ابنُ أَبي شَيْبَةَ عن عامر قالَ: يومُها كليلَتِها، وليلتها كيومها. وأخرج الديلمي، عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً: «أربع لياليهنَّ كيا مهنَّ، وأَيَّامُهُنَّ كلياليهِنَّ، يَبَرُّ الله فيها القَسَمَ، ويُعيقُ فيها النَّسَمَ، ويُعطي فيهِنَّ الجَزِيلَ، ليلةُ القَدْرِ وصَباحُها، وليلة عرَفَةَ وصباحُها، وليلةُ النَّصف من شعبانَ وصَباحُها، وليلةُ الجُمُعةِ وصَباحُها».
قُلتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ التَّرتيب في فَضلِها ما رُتِّبَ فِي عَطفها.
الجزء 1 · صفحة 38
هذا وأخرَجَ البَيْهَقِيُّ عن أنس قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ لِيلةُ القَدْرِ نَزَلَ جبريل عليه السَّلامُ في كَبْكَبَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ يُصَلُّونَ على كلِّ عبدٍ قائم أو قاعد يذكُرُ اللهَ، فإذا كانَ يوم عيدهم باهي بهم مَلائِكَتَه، فقال: يا مَلائِكَتِي! مَا جَزَاءُ أَجِيرٍ وَفَّى عَمَلَهُ؟ قالوا: ربَّنا جَزاؤُه أن يُوَفَّى أَجرَه، قالَ: يا مَلائِكَتِي عَبِيدِي وَإِمَائِي قَضَوا فَرِيضَتِي عليهم، ثمَّ خَرَجُوا يَعُجُونَ إِليَّ بالدُّعاءِ، وعِزَّتي وجلالي وكَرَمي وعُلُوِّي وارتفاعِ مكاني ـ أي: مكانتي - لأُجِيبَنَّهم، فيقولُ: اِرجِعُوا فقد غَفَرْتُ لكم، وبدَّلتُ سَيِّئَاتِكُم حسنات، فيَرْجِعُونَ مَغفوراً لهم».
وأخرج محمدُ بنُ نَصرِ، عن أنس رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَن قرَأَ: إِنَّا أَنزَلْتَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]، عَدَلَتْ بِرُبع القُرآنِ.
قُلتُ: فينبغي أن يقرأها أربَعَ مرَّاتٍ ليَحصل له ثوابُ خَتمةٍ كاملةٍ. وأما ما ذَكَرَه القاضي عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: (مَن قرأَ سُورَةَ القَدْرِ أُعْطِيَ من الأجرِ كَمَن صامَ رَمَضانَ، وأحيا ليلةَ القَدْرِ؛ فموضوع باتِّفَاقِ الحُفَّاظِ.
الجزء 1 · صفحة 39
ثم رأيتُ السُّيوطِيَّ رحمه الله ذكرَ في الجامع الكبير» عن أبي جَعفَرِ بنِ علي، رضي الله عنهم، قال: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا استَهَلَّ هِلال شهرِ رَمَضانَ اسْتَقبَلَهُ بِوَجهِه، ثمَّ يقولُ: «اللَّهُمَّ أَهِلَّه علينا بالأَمْنِ والإيمان، والسَّلامة والإسلام، والعافيةِ المُجَلَّلِةِ، ودفاع الأسقامِ والعَوْنِ على الصَّلاةِ والصِّيامِ، وتلاوة القُرآنِ والقِيامِ، اللَّهُمَّ سَلَّمْنا لرَمَضانَ وسلّمه لنا، حتَّى يَخْرُجَ رمَضانُ وقد غَفَرْتَ لنا، ورَحِمْتَنا وعَفَوْتَ عنا»، ثمَّ يُقبل على النَّاسِ، بوَجهِه، فيقولُ: «أَيُّها النَّاسُ إِنَّه إذا أَهَلَّ هِلَالُ شَهِرٍ رَمَضانَ غُلَّتْ فِيه مَرَدَةُ الشَّياطين، وغُلّقَتْ أبوابُ جَهَنَّمَ، وفُتِحَتْ أبوابُ الرَّحمةِ، ونادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ كل ليلة: هل من سائل؟ هل من تائب؟ هل مِن مُستَغفِرِ؟ اللَّهُمَّ أَعطِ كُلَّ مُنفِقٍ خَلَفاً، وكُلَّ مُمسِك تَلَفاً، حَتَّى إذا كانَ يومُ الفِطرِ نادَى مُنادٍ من السَّماءِ: هذا يوم الجائزة، فاعْدُوا فَخُذُوا جَوائِزَكُم». قال محمدُ بنُ عليٍّ: لا تُشبِهُ جَوائرَ الأُمراءِ. رَواهُ ابنُ عساكِرَ في تاريخه».
وَفَقَنا اللهُ لِمَا يُحِبُّه ويرضاه، وأقامنا على جادَّةِ الاستقامةِ وأَغنانا عما سواه، وأَثْبَتَنا في ديوانِ السُّعداء مع أولياء الله، ومحا عنا الحِجابَ يومَ نَلقاه، وجمع بيننا وبينَ أرباب الجمع من كلِّ فَردِ انفَرَدَ بمَقامِ الحُضورِ في خِدمةِ مَولاهُ، وسَلامٌ على المُرسَلينَ،
والحمد لله رب العالمين.
***