الجزء 1 · صفحة 5
البينات في بَيَانِ بَعْضِ الاستقالة
تأليف العلامة
الملا علي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
رب زدني علماً يا كريم
الحمدُ للهِ الذي أَظْهَرَ الآياتِ الواضحاتِ في كلامه القَدِيم، وأبْرَزَ العلاماتِ اللَّائِحاتِ في الآفاقِ مِن كُلِّ إقليم، والأنفُسَ المخلوقة في أحسَنِ تَقويم. والصَّلاة والتّسليمُ على مَن خُلَّقَ بالخُلُقِ العَظِيم، وجُبِلَ بالقلبِ السَّليم وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه الثَّابتين على الصراط المستقيم، والمُقيمينَ على الطريق القويم.
أما بعد:
فيقولُ المُلتجِى إلى حَرَمِ رَبِّه الباري، علي بن سُلطان محمد القاري، غَفَرَ ذنوبهما وسَترَ عُيوبهما: إِنَّ الحَبْرَ العلامة، والبَحْرَ الفَهَّامة، عُمدَةَ المُتبحرين وزبدة المُتأخرين من أرباب الأصول والمُفسّرين، مولانا القاضي البيضاوي توالت عليه آثارُ الرَّحمةِ وأنوار النعمة إلى يوم الدين، قال في تفسير قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ}: (أي: ما ينتظرونَ)، إشارةً إلى أنَّ هَلْ: استفهام للإنكار، والنَّظَرَ: بمعنى الانْتِظارِ.
وإِنَّما لم يَحمله على التقرير؛ ليَستقيم المعنى بالاستثناء الآتي في المَبْنَى. وأما قولُ العِصام: (جَعَلَ الاستفهام للإنكار، وأنكره الرَّضِيُّ في الاستفهام بـ (هل)، والأظهَرُ أنَّه للتَّقرير)؛ فقاصِرُ في مَقامِ التَّحرير، وفي تحقيق هذه المسألة لا يُستَغْنَى عن المَغْنَى المُقوِّي لأهل التفسير.
(يعني)؛ أي: يريدُ الحق سبحانَه بالضَّميرِ أهلَ مكَّةَ)؛ أي: كُفَّارَهم حِينَئِذٍ؛ لأَنَّ الآية من جملةِ السُّورةِ التي بأسرها مكيَّةٌ.
الجزء 1 · صفحة 7
والأظهرُ أنَّ الضَّمِيرَ لِمَن ذُكِرَ قبلَ هذه الآية بقوله تعالى: {سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ} [الأنعام: 157]، فكأَنَّه قال: هل يَنْظُرُ المُعرِضون عن الآيات البينات المقرونة بالمُعجزاتِ، والعلامات الدالات المكنونة في الآفاق والأنفُس من الكائنات؟
وقد يُقالُ: العبرةُ بعُمومِ اللَّفظِ لا بخصوص السَّببِ في القضية، فيكونُ الضَّمِيرُ لجميعِ الكُفَّارِ الموجودين ومن بعدهم؛ ليشمل المُشاهِدينَ للآياتِ الآتية. ولا يبعد أن يكونَ الضّمير لجميع الخلائق؛ لزيادة التهويل، ويُشير إليه: قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ.
ثمَّ لا يَخْفَى أَنَّ قولَه تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ} أبلغ من أن يُقالَ: (ما ينتَظِرُونَ)؛ لزيادة دلالة (هل) للإنكار على مُجرَّدِ النَّفي في الإخبار، وللمبالغة المفهومة من النظرِ الذي هو أقرَبُ من المُترقِّبِ في مَقامِ العِبَرِ، فَعَبَّر عن الانتظارِ بالنَّظَرِ؛ نظراً لكمال تحققِه وقُرْبِ وُقوعِه.
(وهم ما كانوا منتظرين)؛ أي: في الحقيقية (لذلك)؛ أي: لما سيأتي من إتيان الملائكة وغيره، بل مُنْكِرينَ لِمَا هُنالك.
والعجيب من الخطيب في قوله: يُعلَمُ من كلامه أَنَّه غير باقٍ عَلَى معناه الحقيقي، لكنْ لَمْ يَظْهرُ أنَّ معناه المجازِيَّ المُستعمَلَ منه أَيُّ شيءٍ؟ وكأَنَّه ما نَظَرَ إلى قوله: (ولكِنْ لمَّا كانَ يَلْحَقُهم)؛ أي: العذابُ (لحوقَ المُنتظِرِ) في هذا البابِ شُبِّهوا بالمُنتَظِرين) لِمَا يَأْتِيهِم مِن ربِّ الأرباب.
الجزء 1 · صفحة 8
والمعنى: أقَمْنا حُجَجَ الوَحدانيّة وأدلَّةَ صِحَّةِ الرّسالة، وأبطَلْنا ما يَعْتَقِدون من الضَّلالة، فما ينتظرون بعد إنكار القرآنِ وتكذيبِ رسولِ آخرِ الزَّمانِ شيئاً من الأهوال وحالاً من الأحوالِ إِلا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَيكَةُ: ملائكةُ الموتِ؛ أي: لقبض أرواحهم أو العَذَاب، ولا مَنْعَ من الجمع بل هو أقرَبُ إِلى الصَّواب؛ لأنَّ الموت لا يَشُلُّ أحدٌ في إتيانه، بل كلُّ أحد ينتظرُ حُلول زمانه.
ولعل الفرق مبني على أنَّ التَّخويفَ إِمَّا بالعذاب في العقبى، وإما بالعذابِ النازلِ في الدنيا.
والمعنى: أنَّه لا بدَّ من أحدهما، ولا منع من اجتماعهما.
(وقرأ حمزة والكسائي بالياء): يعني بالتذكير، وكانَ حقَّه أنْ يُبيِّنه بالتَّحتيَّةِ لئلا يَشْتَبه بالفَوقِيَّةِ.
والحاصل: أنَّ الجمهور قرؤوا بتأنيثِ تأتيهم» نظراً إلى لفظ فاعله، وهما
قراً بتذكيره نظراً إلى أنَّ فاعله غيرُ مُذكَّرٍ.
وأما ما ذكره الجَعْبَرِيُّ من أنَّ فاعله مُذَكَّرُ؛ فغير مستقيم؛ لأنَّ الملائكة لا يُوصفون بالذكورة والأنوثة.
أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ: إتيانُ الرَّبِّ من الآياتِ المُتشابهات، المُتعلّقة بصفاتِ الذَّاتِ، نُؤْمِنُ به ونُنَزِّهُه عن ظاهرِه. وحَمَلَ بعضُهم هذه الآيةَ ونحوها من سائر الآياتِ والأحاديثِ المُتشابهات على أنَّ للهِ سُبحانَه تجلّياً صُورِيّاً، وهو بذاته على أكمل صفاته أزلياً وأبدياً. (أي: أَمْرُه بالعذابِ): أشارَ به إلى مُضافٍ مُقدَّرٍ في المقامِ؛ ليستقيم معنى الكلام. والمراد به عذاب يوم القيامةِ؛ لئلا تتكرر العبارة.
(أو كلُّ آياته): بتقديرِ مُضافٍ ومُضاف إليه، (يعني: آيات القيامة)؛ أي: الآياتِ الواقعة في يوم القيامة، والهلاكِ الكُلّيّ؛ أي: العقوبة الكاملة لأرباب الندامة، وأصحاب الملامة، وهذا أقرب وأنسَبُ لقوله: {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ).
الجزء 1 · صفحة 9
قالَ البَغَوِيُّ: يعني: طُلوعَ الشَّمس من مغربها، عليه أكثَرُ المُفسرين. ورواه أبو سعيد الخُدرِيُّ رضي الله عنه حديثاً مرفوعاً.
فالمُصنِّفُ خالف الجُمهور بقوله: (يعني: أشراط الساعة)، يعني: الآياتِ الخاصة التي هي مُقدِّمةُ القِيامةِ الصُّغرى، وهي النَّفخة الأولى قبلَ النَّفْخِةِ الثَّانِيةِ التي هي حقيقة القيامة الكبرى.
وقد وَرَدَ: أنَّ ما بين النفختين أربعون سنة (?)، ويقول الحق سبحانه حينئذ:
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ * ويُجيبُ بنفسه: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16].
(وعن حذيفة)؛ أي: ابنِ أَسِيدٍ رضي الله عنه كما في حديث مسلم وغيره، وأما قوله: (والبراء بن عازب رضي الله عنهما) فلَم يُعرَفْ مُخرِّجُ عنه: (كنَّا)؛ أي: مَعْشَرَ الصَّحابة نتذاكرُ السَّاعة)؛ أي ساعة القيامة وما فيها من الأحوال والأهوالِ، وما ينفَعُ حينئذ من الأقوال والأعمال.
(إذ أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم)؛ أي: ظهرَ وطَلَعَ وبَرَزَ ولَمَعَ (من عُليَّة) كما في رواية.
(فقال: ما تَذَاكَرونَ؟)، وفي رواية: (ماذا تَذَاكَرون)، فـ (ما) استفهامية، و (ذا) زائدة. وهو بفتح أوله على أنَّه حُذِفَ منه إحدى التَّاءَينِ.
(قُلنا: نتذاكرُ السَّاعة)؛ أي: لعلَّ ذِكرَها يُعيننا على الطَّاعة.
(قالَ: إنَّها)؛ أي: القيامةُ الكُبرى (لا تقومُ حَتَّى تَرَوا)؛ أي: تُشَاهِدُوا - أَيُّها
الأمة - (قبلها)؛ أي: قبلَ مُشاهَدَتِها [(عشر آيات)]:
(الدُّخانَ): قال تعالى في (الدُّخانِ) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الدخان: 10 - 11].
ووَرَدَ في حديث أخرجه الحاكِمُ وصَححه عن ابنِ عُمَرَ: ثمَّ يخرُجُ الدُّخانُ فيَأْخُذُ المُؤمِنَ منه كهيئةِ الزَّكْمَةِ، ويدخُلُ في مسامع الكافر والمُنافِقِ حتّى يكون كالشَّيء الحَنيذ (1).
الجزء 1 · صفحة 10
(ودابَّة الأرضِ): وفي الحديثِ أيضاً: يَبيتُ النَّاسُ يسيرون إِلى جَمْعِ، وَتَبيتُ دابَّةُ الأَرضِ تَسرِي إليهم، فيُصبحون وقد جَعَلَتهُم بينَ رأسها وذَنَبِها، فما من مُؤْمِنٍ إلا تَمْسَحُه، ولا مُنافق ولا كافر إلا تَخطِمُه.
وخَسْفاً بالمَشْرِقِ وخَسْفاً بالمَغرِبِ لكُفَّارِ أهلهما، لا على وجه الاستئصالِ، فلا يَرِدُ فيه نوع من الإشكال.
وخَسْفاً بجزيرة العرب وَحْدَها، معروفةٌ، وسُمِّيت جزيرة لإحاطة بحرِ فارس وبحرِ السُّودانِ ونهري دِجْلَةَ والفُراتِ بها.
(والدَّجَّالَ، وطُلوعَ الشَّمسِ مِن مَغْرِبِها، ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ): بالهمز فيهما، ويُبدَلُ. (ونزول عيسى عليه السَّلامُ، وناراً تخرُجُ من عَدَنٍ): الواوُ العاطفة فيها لمُجرَّدِ الجمعية، لا لترتيب وقوع أفرادِ القضيَّة؛ فإنَّه ثَبَتَ في الأحاديثِ النَّبويَّة: أَنَّ الدَّجَّالَ يحصُرُ المهدي في حِصْنِ بيت المقدس، فينزِلُ عيسى عليه السَّلامُ ويقتُلُ الدَّجَّالَ، ثمَّ يكونُ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وطُلُوعُ الشَّمس من مغربها آخرَ الآياتِ.
وعندَ ظُهورِ غيره بابُ التّوبة مفتوح، والدخول في الإسلام مفسوخ.
وكذا الرّوايات الحديثيَّةُ مختلفة في نَظْم هذه الآياتِ المُؤتلفة، وتفاصيلها يحتاجُ إلى مُجلَّداتٍ مُؤلَّفَةٍ.
(يَأْتِي بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ): لَمْ يَتَعَرَّضِ المُصنِّفُ لتفسير هذا البعض، وكأَنَّه فهِمَ أَنَّه من باب وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوضِعَ المُصْمَرِ.
وقالَ السَّيِّدُ مُعينُ الدِّينِ الصَّفَوِيُّ: أي: الآياتُ التي تَضْطَرُّهُم إلى الإيمان.
وكلاهما مخالف لنَصَّ مَن أُنزِلَ عليه القُرآنُ، وفُوضَ إليه البيان في هذا الميدان، حيثُ ثَبَتَ بطُرُقِ مُتظافِرَةٍ، كادَتْ أن تكونَ مُتواترةً، أَنَّ المُرادَ بها طلوع الشَّمس من مغربها، ولأنَّ هذه الآية من بين الآيات هي التي يترتب عليها قوله سبحانه: لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتها.
الجزء 1 · صفحة 11
(كالمُحتَضَرِ): بفتح الضَّادِ؛ أي: مَن حضَرَه علامات الموتِ، فقد وردَ: «إِنَّ اللهَ يَقْبلُ توبة العبد ما لم يُغَرْغِرْ».
وقد قال الله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْكَنَ} [النساء: ??].
(إذ صارَ الأمرُ عِيَاناً)؛ أي: ولو بعض العيانِ.
والإيمان برهاني): جملة حاليَّةٌ، والمعنى: أنَّ المطلوب من الإنسان هو الإيمانُ الغَيبِيُّ النَّاشِيُّ عن دليل مُحقَّق، أو تقليد نبي مُصَدَّقٍ.
والحاصِلُ: أَنَّ الشَّارِعَ جعلَ هذه الآية أعظَمَ الآياتِ، وما بعدَ ظُهورِها من جملة إيمان البأس وتوبة اليأس في الحالاتِ، وإلَّا فهي آيةٌ كسائِرِ خَوارِقِ العاداتِ، والإيمانُ نافِعٌ والتّوبةُ مقبولةٌ عندَ رُؤيةِ المُعجزاتِ.
(وقُرِئَ)؛ أي: في الشَّواذً: (تَنفَعُ بِالتَّاءِ)؛ أي: التَّأْنيثِ.
لإضافة الإيمانِ إلى ضمير المؤنَّثِ)؛ أي: واكتِسابِه التَّأْنيثَ بِمُجاوَرَةِ النَّفْسِ. وفيه إشارة صُوفِيَّةٌ: أَنَّ الميل إلى النَّفْسِ يُخرِجَ الشَّخصَ عن مَقامِ الرِّجَالِ الكُمَّل الأحوال.
وجُوِّزَ أن يكونَ التَّأنيثُ باعتبار معنى الإيمان، وهو المعرفة أو العقيدة. {لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ}؛ أي: من قبل ظهور هذه الآية، والجملة (صفَةُ نفساً)؛ أي: صِفَةٌ احتِرازِيَّةٌ.
{أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَنِهَا خَيْرًا} عطف على {ءَامَنَتْ}؛ أي: أو لم تَكُنْ كَسَبَتْ في إيمانها خيراً؛ أي: توبةً، فإنَّها مَنبَعُ الخيراتِ ومَعدِنُ المَبَراتِ، فتنوينه للتعظيم لا للتعميم.
وحاصله: أَنَّه مِن بابِ اللَّفُ التَّقديري؛ أي: لا يَنفَعُ نفساً إيمانُها ولا كَسْبُها في إيمانها إن لم تكُنْ آمَنَتْ من قبل أو لم تكُنْ كَسَبَتْ فيه خيراً.
والمعنى: أنَّه حينئذ لا ينفعُهم تلهفهم على تركِ الإيمان، ولا تأسفهم على تركِ التّوبة عن العصيان.
الجزء 1 · صفحة 12
وهذا هو الموافق للآياتِ الواردة، والأحاديثِ الشَّاهِدَةِ، على أنَّ مُجرَّدَ الإيمانِ نافع مع ارتكاب العصيان، وهو المُطابِق لسياق الآية وسباقها ولِحاقِها، حيثُ ورَدَت تحسُّراً لِمَن تَرَكَ الإيمانَ وأَخَّرَ التَّوبة عن العِصيان، إلى أن أُعْلِقَ بابُ التَّوبِةِ وفُتِحَتْ أبواب النقمة. قالَ البَغَوِيُّ: يريدُ: لا يُقبَلُ إيمانُ كافِرٍ ولا توبةً فاجر.
وصاحِبُ المَدارِك» فَسَّرَ {خَيْرًا} بـ: إخلاصاً، وقال: أي: كَمَا لا يُقبَلُ إيمانُ الكافر بعدَ طُلوعِ الشَّمس من مغربها لا يُقبَلُ إخلاص المُنافق أيضاً.
قلت: وفي معنى المُنافِقِ: المُرائي المُوافِقُ.
ثم قال: أو توبةً، وتقديره: لا ينفعُ إيمَانُ مَن لم يُؤْمِنُ ولا توبَةً مَن لم يتُبْ قَبْلُ، انتهى.
والحاصل: أنَّه إذا لم يُؤْمِنْ أحَدٌ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وَآمَنَ بعده لم يُقبَلْ إيمانه، وإذا (4) آمَنَ قبلَه إِلَّا أَنَّه لم يُخلِصْه، أو فَسَقَ فيه ولم يَتُبْ منه، أو لم يعمل عملاً صالحاً، ثم أخلَصَ بعده أو تاب من معصيته أو زاد في طاعته، لم يُقبل. فتائل، فإنه موضِعُ زَلَلٍ ومَحَل خَطَلٍ.
ولا يبعد أن يكونَ المُرادُ: لا ينفَعُ نفساً إيمانها تحصيلاً، وإيقانُها تكميلاً. أو التقدير: لا ينفع نفساً إيمانها نفعاً مُطلَقاً، أو نفعاً كاملاً، ما لم تكن آمنت من قبل، أو لَمْ تكُن كسَبَتْ في إيمانها خيراً، على أنه من باب اللفّ من غير تقدير: ولا كَسْبُها، كما اختاره ابن الحاجب والطيبي وسائر أرباب التحقيق، وأصحاب التدقيق، والله ولي التوفيق.
(والمعنى)؛ أي: بحسَبِ الفَحْوَى: (أَنَّه لا ينفَعُ الإيمانُ حينئذ)؛ أي: وقتَ ظهور طلائع الإيقان، (نفساً)؛ أي: شَخصاً، (غيرَ مُقدِّمةٍ) أي: هي (إيمانها)؛ أي: في زمانها على ذلك اليوم مع بقائها على حالها وفي شأنها.
الجزء 1 · صفحة 13
(أو مُقدِّمةً إيمانها غير كاسِبَةٍ في إيمانها خيراً)؛ أي: عَمَلاً من أعمال الخيرِ مُطلَقاً. (وهو دليلٌ)؛ أي: بحسَب الظَّاهِرِ لِمَن لم يعتبر الإيمانَ المُجرَّدَ عن العمل) وهم المعتزلة وبعضُ المُبْتَدِعَةِ؛ لأنَّه سوّى بين عدم الإيمان، والإيمان الذي لم يكسب فيه خيراً من الأركان.
وقد رُدَّت أدِلَّتهم بالكتاب والسُّنَّةِ، كما في عقائدِ عُلماء الأمة من أهلِ السُّنَّةِ والجماعة.
(وللمُعتَبِرِ)؛ أي: للإيمانِ المُجرَّدِ، وهو المُعتبَرُ عندَ الأكثَرِ.
تخصيص هذا الحُكمِ): وهو اعتبارُ العَمَلِ السَّابِقِ.
(بذلك اليوم): بقرينة تخصيص حُكمِ الإيمانِ السَّابق بذلك اليوم باتفاق القومِ، ولا يَلزَمُ من عدمِ نفعِ الإيمانِ المُجرَّدِ معَ عدمِ الكَسْبِ الحادثِ في ذلك الزَّمانِ، أَنْ لا ينفع في الآخرة ما سبق منهما قبل ذلك من الأحيان.
(وحَمْلُ التَّرديد)؛ أي: والمُعتَبر أيضاً حَمْلُ التَّرديد المفهومِ من أَو). (على اشتراط النفع بأحد الأمرين): وهما: الإيمان وكسب الخير، على ان (أو لعدم الخُلُو.
على معنى: لا ينفَعُ نفساً خَلَا عنهما إيمانُها): غايتُه أَنَّ الإيمانَ مُعتبر بدون العمل، بخلافِ العكس. فتأمل.
(والعَطفُ)؛ أي: وله عَطفُ {كَسَبَتْ} على {لَمْ تَكُن}؛ أي: لا على ءَامَنَتْ كما سبق، وأنَّ أَوْ بمعنى الواو.
(بمعنى: لا ينفَعُ نفساً إيمانُها الذي أحدثته حينئذ)؛ أي: بعد مشاهدة هذه
الآية الواضحة.
الجزء 1 · صفحة 14
(وإنْ كَسَبَتْ فيه خيراً): بكسر (إنْ) على أنَّها وَصلِيَّةٌ، أو بفَتحِها على أَنَّهَا مصدرِيَّةٌ عَطفاً على إيمَتُها؛ أي: ولا ينفَعُ نفساً كَسْبُها فيه خيراً ممَّا أحدَثَتْه حينئذٍ. وللعصام هنا من الكلام ما لا يُوافِقُ المَرامَ، بل يَرِدُ عليه المَلام، وهو قوله: يُريدُ أَنَّ المُرادَ: أَنَّهم ينتظرون في الإيمانِ وقتَ إتيانِ ملائكة الموتِ أو العذاب، أو أمرِ الرَّبِّ بالعذاب، أو كلّ آياته، يعني: آيات القيامة والهلاكِ الكُلّي، أو بعض آياتِ القيامة، ولا ينفعُ إيمانهم في شيء من هذه الأوقاتِ.
ويأباه أنَّه لم يُبيِّنْ عدَمَ نفعِ الإيمانِ إِلَّا وقتَ إتيان بعض الآياتِ، إلا أن يُقالَ: بيانُ عَدَمِ النَّفْعِ عِندَ إِتيانِ البَعضِ يُغني عن بيانِ عَدَمِ النَّفْعِ عِندَ إتيانِ الكُلِّ، انتهى.
ولا يَخْفَى أنَّ هذا ممنوع عندَ أرباب العقول، ومَدفوع عندَ أصحابِ النُّقول؛ لأنَّ الإيمان بعدَ ظُهورِ الدَّجَّالِ الذي هو من جُملةِ الآياتِ مقبول بلا خلاف منقول، وكذا في سائر الآياتِ.
وإِنَّمَا يَختَصُّ عَدَمُ النَّفْعِ بِسُطُوعِ طُلوعِ الشَّمس من مغربها، كما جاءَ بالتَّصريح في الأحاديث الواردة في الصحيح:
منها: ما أخرجه عبدُ الرَّزَّاقِ وأحمد وعبد بن حميد والبُخارِيُّ ومُسلِمٌ وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابنُ المُنذِرِ وأبو الشَّيخ وابنُ مَردَوَيهِ والبَيْهَقِيُّ في «البعث» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقومُ السَّاعَةُ حَتَّى تطلُعَ الشَّمس من مغربها، فإذا طَلَعَتْ ورآها النَّاسُ آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفَعُ نفساً إيمانُها»، ثم قرأ الآية.
الجزء 1 · صفحة 15
ومنها: ما أخرجه الطَّيالسي وسعيد بن منصور وأحمد وعبدُ بنُ حُمَيد والترمذي - وصححه ـ والنَّسَائِيُّ وابن ماجه وابنُ المُنذِرِ والطَّبَرَانِيُّ وأبو الشَّيخِ وابنُ مَردَوَيهِ والبيهقي عن صفوان بن عسال عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ بالمغرِبِ باباً عَرْضُه سبعون عاماً مفتوحاً للتّوبة لا يُعْلَقُ ما لم تطلع الشَّمسُ من قِبَلِه، فذلك {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ايَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَنْهَا).
ومنها: ما أخرجه عبدُ الرَّزَّاقِ وأحمد وعبدُ بنُ حُمَيدٍ ومُسلِمٌ والبَيْهَقِيُّ في «البَعثِ» عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن تَابَ قبلَ أَن تَطلُعَ الشَّمسُ من مَغرِبها تابَ اللهُ عليه».
ومنها: ما أخرجه أحمد وعبدُ بنُ حُمَيد وأبو داود والنسائي مرفوعاً: «لا تنقطع الهجرة حتّى تنقطعَ التَّوبة، ولا تنقطعُ التّوبة حتّى تطلُعَ الشَّمسُ [من مَغرِبها]. ومنها: ما أخرجه ابنُ أَبي شَيْبَةَ ومُسلِمُ والنَّسائي وأبو الشَّيخ في «العَظَمَةِ» البَيْهَقِيُّ في «الأسماء والصفاتِ عن أبي موسى الأشعَرِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ يبسط يده باللَّيلِ ليتوبَ مُسيءُ النَّهارِ، ويبسُطُ يدَه بالنَّهارِ ليتوبَ مُسيءُ اللَّيلَ، حتّى تطلُعَ الشَّمس من مغربها».
والأحاديث المرفوعةُ والمَوقوفة في هذا المعنى كثيرة شهيرة كما في الدُّرِّ المنثور في التَّفسير بالمأثور».
وممَّا يُستَعانُ به في تفسير الآية: ما أخرجه أبو الشَّيخ وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صبيحةَ تَطلُعُ الشَّمس من مغربها يصير في هذه الأمَّةُ قِرَدَةٌ وخَنازير، وتُطوَى الدَّواوين، وتَجِفُ الأقلام، لا يُزادُ في حَسَنةٍ، ولا يُنقَصُ من سيّة، فقرأ الآية.
الجزء 1 · صفحة 16
وفيه دلالة على أنَّ إحداث الإيمان وزيادةَ عَمَلِ الأَركانِ لا يُقبَلُ في ذلك الزَّمانِ لِمَن كانَ قبله من أهلِ الكُفْرِ والكُفرانِ، أو من أرباب الفسق والعصيان، أو من أصحاب التقصير والتَّوانِ.
ويُؤَيَّده ما أخرجه ابنُ المُنذِرِ عن ابن جريج في تفسير الآية: لا ينفعها الإيمان إن آمنَتْ، ولا أن تزداد في عمل لم تكُنْ عَمِلته.
وما أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مُقاتل في قوله: كَسَبَتْ في إيمَنِها خَيْراً؛ يعني: المُسلم الذي لَمْ يَعْمَلُ في إيمانِه خيراً، وكان قبل الآيةِ مُقيماً على الكبائر.
وما أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشَّيخِ عن السُّدِّي في قوله: {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَنِهَا خَيْرًا} يقولُ: كَسَبَت في تصديقها عَمَلاً صالحاً، وإن كانت مُصدِّقةً لم تعمل قبل ذلك خيراً فعَمِلَت بعد أن رأتِ الآيةَ لم يُقبل منها، وإن عَمِلَت قَبْلَ الآيةِ خيراً ثمَّ عَمِلَت بعدَ الآية خيراً قُبِلَ منها. فهذا وأمثاله من كلامِ السَّلَفِ ما يظهرُ فيه خلاف ما عليه بعضُ الخَلَفِ، والسابقون الأولون أولى بالاعتبار عندَ أُولي الأبصارِ، فإِنَّ نُقولهم صَدّرت عن منابع الأسرار وبدائع الأنوار.
قل انتظروا؛ أي: ما تَقَدَّمَ من ظُهورِ الأسباب.
{إِنَّا مُنتَظِرُونَ} لكم العذابَ المُضاعَفَ بالحِجابِ. (وَعيدٌ لهم)؛ أي: أمر تهديد.
(أي: انتظروا إتيان أحدِ الثَّلاثَةِ) هي قوله: {إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَتَيكَةُ ... إلخ.
فإِنَّا مُنتظرون له)؛ أي: لأَحَدِها. (وحينئذ لنا الفَوزُ)؛ أي: الظَّفَرُ الجميل.
وعليكم الوَيلُ)؛ أي: الهلاكُ الوبيل، كما قام به الدليل، ووَرَدَ به التَّنزيل. هذا إقناط لهم عن إيمانهم، وإشعار بإصرارهم على كُفْرانِهم، فخَتَمَ اللهُ
وفي لنا بالحُسنى، وبلغنا المقامَ الأسنَى.
الجزء 1 · صفحة 17
بقي في تحقيق هذا المقامِ مباحث منقولة عن العلماء الأعلام: منها: ما نُقِلَ عن الإمام أبي اللَّيثِ السَّمَر قَندِي مِنَّا، والحَلِيمِيَّ من الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ عَدَمَ نَفْعِ الإيمانِ الحادثِ في ذلك الزمانِ، وكذا نفي فائدة كَسْبِ الإحسان في تلك الأحيانِ، إِنَّما هو بالنِّسبةِ إِلى مَنْ آمَنَ وماتَ عَقيبَ إيمانِه وقتَ المُعاينة، وأمَّا مَن امتدَّ أجَلُه وعاش واستمر على ذلك الإيمان فإنَّ توبته مقبولةٌ، وإيمانه مقبول؛ ففيه نظر ظاهر؛ لأنَّه خِلافُ ظاهرِ الآية، وما ورَدَ من الأحاديث في السُّنَّةِ، حيثُ وقعَ الإطلاق من غير تفصيل في المسألة، فلا بُدَّ من رواية نقل صريح، أو دَلالة عقل صحيح. ومنها قول بعضهم: إنّه بعدَ مُشاهدة هذه الآية لا تُقبَلُ التَّوبة إلى قيام الساعة، وهو ظاهرُ الآية، ويُؤَيَّده حديث: «مَن تَابَ قبل أن تطلُعَ الشَّمسُ من مغربها تابَ الله عليه». وكذا حديث: «لا تنقطِعُ التّوبةُ حتّى تطلُعَ الشَّمس من مغربها»؛ إذ لا بُدَّ في هذا التخصيص من فائدة، وقد صُرِّحَ في حديث أنَّه إِذا أُعْلِقَ بَابُ التَّوبة لا يُقبَلُ لعبد بعد ذلك توبة، ولم تنفعه حَسَنةٌ يعمَلُها بعد ذلك.
ومنها قول بعضهم: إنَّ هذا الحكم - وهو عدمُ صِحَّةِ التَّوبة - خاص بمَن شَاهِدَ تلك الآيةَ، وأمَّا مَن وُلِدَ بعدها ولم يُشاهِدْها، فإيمانه مقبول وتوبته صحيحة، وكذا من لم يكن من أهلِ التَّمييز حالَ رُؤيَةِ الآيةِ.
وهذا هو المُوافِقُ للأصولِ الدِّينيّةِ والقواعدِ الشَّرعيَّة؛ لأنَّه سبحانه دعا الخلق إلى التَّوحيد وتصديقِ النُّبوة، فإذا كانَ الإيمان أو التَّوبةُ وُجِدَ غيرَ اضطراريَّةِ يكونُ مقبولاً بالضرورة. إلا أنه يحتمل أن لا يمتَدَّ قَدرُ هذه المُدَّةِ قبل قيام السَّاعَةِ، فقد وَرَدَ أَنَّه: لو نتج رجل مهراً لم يركبه حتى تقوم الساعة من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم يُنفَخُ في الصوره.
الجزء 1 · صفحة 18
لكنَّه مُعارِضُ لحديثِ: «لا تقومُ السَّاعةُ حتّى يلتقي الشَّيخانِ الكبيرانِ، فيقول أحدهما لصاحبه متى وُلدتَ؟ فيقولُ: زَمَنَ طَلَعَتِ الشَّمسُ من مغربها. إلا أنَّ الحديثَ الأَوَّلَ أَصَحُ، والله أعلم.
فإن قُلتَ: قد وَرَدَ أَنَّ أَوَّلَ الآياتِ خُروجاً طُلوعُ الشَّمس من مغربها، وإذا كانَ أَوَّلُ الآيَاتِ مُشاهَدَةً هذا الحال، وهي بالضَّرورة تكونُ قبلَ خُروحِ الدَّجَّالِ، ومن المُقرَّر أنَّ عيسى عليه السَّلام يقتله، والإيمان في زمانه مقبول، حتّى ترتفع الجزية من الأحكام، ولم يكن إلا السيف أو الإسلام.
قلتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ المُرادَ بِأَوَّلِ الآياتِ الآياتُ السَّماوِيَّةُ؛ من اختلال نظامِ الأفلاكِ والكواكب وأمثالها.
ويُؤَيَّده ما وَرَدَ في أحاديثَ مُتعدّدة: أنَّ الآياتِ خَرَزات منظومات، فإذا القطع السلك تبع بعضها بعضاً.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: الآياتُ كلُّها في ثمانية أشهر.
وعن أبي العالية: في ستة أشهر.
وعن قتادة: أنَّ كلَّ آيةٍ في سنة. والله أعلم.
فإن قلت: قد وَرَدَ في حديث صحيح: الثلاثُ إِذَا خَرَجْنَ لا ينفعُ نفساً إِيمَانُها لم تكُنْ آمَنَت من قبلُ: الدَّجَّالُ، والدَّابَّةُ، وطُلوعُ الشَّمس من مغربها. قلتُ: يُحمل على المجموع، لا على كُلِّ فَرْدِ؛ إذ ثبتَ بِطُرقٍ مُتعدّدةٍ كَادَتْ أن تكون متواترةً، بل هي مُتواتِرَةُ المعنى: أنَّ بعدَ طُلوعِ الشَّمس من مغربها لا يُقبَلُ إيمان ولا توبة. بل صَحَ حديث: «لا تنقطِعُ التّوبَةُ حَتَّى َتطلُعَ الشَّمس من مغربها». ولم يأتِ في حديث صريحاً أنَّ بعدَ خُروج الدَّجَّالِ بخُصوصِه أو الدَّابَّةِ تنقطِعُ التَّوبةُ.
الجزء 1 · صفحة 19
ولعل كانَ في بَدء الأمرِ مُبهَماً عندَه عليه السَّلامُ، ثمَّ تَبَيَّنَ على وجهِ النِّظامِ. ويُؤَيّده ما وَرَدَ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه مرفوعاً: «خَمس لا أَدري أَيَّتُهُنَّ أَوَّلُ من الآيات، وأيتُهُنَّ جاءت لا ينفَعُ نفساً إيمانُها: طُلوعُ الشَّمس من مغربها، والدَّجَّالُ، ويأجوج ومأجوجُ، والدُّخانُ، والدَّابَّةُ.
ولعل هذا هو السِّرُّ في إبهام الأمر بقوله: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ} معَ ما فيه من التبجيل والتهويل.
ويُقويه: أنَّه وَرَدَ في حديث صحيح عن عبد الله بنِ عَمْرٍو رضيَ اللهُ عنهما قالَ: حفظتُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَوَّلَ الآياتِ خُروجاً طُلُوعُ الشَّمس من مغربها، وخُروجُ الدَّابَّةِ ضُحًى، فأَيَّتُهما كانت قبل صاحِبَتِها فالأُخرى على إثرها».
قال عبد الله - وكان يقرأُ الكُتُبَ- وأظنُّ أوَّلَهما خُروجاً طُلوعِ الشَّمس من مغربها. وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أَنَّه قالَ: مَضَتِ الآياتُ غير أربع: الدجال، والدابةُ، ويأجُوجُ وَمَاجُوجُ، وطلوع الشمس من مغربها، والآية التي يُختم بها الأعمالُ طُلوعُ الشَّمس من مغربها، ثم قرأ: {وَيَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَنَتِ رَبِّكَ} الآية، قال: فهي طُلوعُ الشَّمس من مغربها.
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما: أَنَّ دَابَّةَ الأَرضِ تَخْرُجُ، ثمَّ الدُّخانُ، وإِنَّ التَّوبةَ لَمفتوحة، ثمَّ تطلُعُ الشَّمس من مغربها.
وقد وَرَدَ عن ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه مرفوعاً: «أَنَّ الدَّجَّالَ يخرُجُ فيقتله عيسى عليه السَّلامُ، فيمكُثُ النَّاسُ في ذلك حتَّى يُكسَرَ سَدُّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، فَيَموجُون ويُفسدون، ويستغيثُ النَّاسُ ولا يُستجابون، فيبعَثُ اللَّهُ دابَّةٌ من الأَرضِ، ولا يلبثونَ إلا قليلاً حتّى تطلُعَ الشَّمسُ من مغربها، وجَفَّتِ الأقلام وطُوِيَتِ الصُّحُفُ، ولا يُقبَلُ من أحدٍ توبة.
الجزء 1 · صفحة 20
فنسألُ اللهَ حُسْنَ الخاتمة، وتوفيق التّوبة الخالصة.
ثم رأيتُ أخرج ابن ماجه والحاكِمُ وصححه ـ لكِنَّ الذَّهَبِيَّ تعقبه ـ عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الآيات بعد المئتين».
والظَّاهِرُ - والله أعلَمُ - أن يكونَ المُراد بالمئتين: بعد الألف السابع (3)، لكن هل المُراد بالآياتِ مُطلَقُ أشراط السَّاعةِ، أو الآياتُ المُتَتابعةُ التي يكونُ مَبَدَؤُها طُلوع الشَّمس من مغربها؟ اللهُ سُبحانَه أَعلَمُ بحقيقتها.
تم بحمدِ اللهِ سُبحانَه