الجزء 1 · صفحة 5
الإنباء بان العصا من سنن الأنبياء
تأليف العلامة
الملا على القَاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
رب زدني علماً يا كريم
الحمدُ للهِ الذي حُمِدَ مَن أطاعَه، وذُمَّ مَن عصاه، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَن الذي أطاعه فقد أطاعَ الله، وعلى آله وصحبه المُقتَدين بهداهُ، أَمَّا بعدُ: فقد سُئِلتُ عمّا يتعلَّق بالعَصا، وما وَرَدَ في حقها مِمَّا اسْتُهِرَ على الألسنةِ أَنَّ من جاوَزَ الأربعين ولم يأخُذِ العَصا فقد عصى».
فأقول وبالله التوفيق، وبيدِه أَزِمَّةُ التَّحقيق: إنَّ الحديث المذكور لا أصل له في السُّنَّةِ، ولا وَرَدَ أَنَّه كانَ يحمِلُها دائماً بينَ الأمَّةِ، وإنَّما ثَبَتَ أَنَّه كانَ يَتَّكِيُّ عليها أحياناً حالَ الخُطبة، ولعله بهذا الاعتبار جاءَ نعته بـ: «صاحب الهراوة»، وهي بكسر الهاء: العصا.
فقد رَوَى الشَّافعي عن عَطاءِ مُرسَلاً: كانَ صلى الله عليه وسلم إِذا خَطَبَ يعتمد على عَنَزَةٍ أوعَصا.
ورَوَى ابن ماجه والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عن سَعْدِ القَرَةِ: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا خَطَبَ فِي الحَرْبِ خَطَبَ على قَوْسٍ، وإذا خَطَبَ في الجُمُعَةِ خَطَبَ على عَصا.
نعم؛ يُؤخَذُ من الآياتِ الواردة في حقٌّ الأنبياء أنَّ أخذَها من سُنَّتِهم ويحسن الاقتداء بهديهم وسُنَنِهم.
الجزء 1 · صفحة 7
منها: قوله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى} [طه: 17]. ومنها: قوله عزّ وجَلَّ في حقٌّ سُليمان عليه السَّلامُ: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} [سبأ: 14]؛ أي: عصاته. ومنها: ما ذكره البَغَوِيُّ في قِصَّةِ شُعَيبٍ ومُوسى عليهما السَّلامُ: أَنَّه لما تعاقدا
عَقْدَ الصَّهورة بينهما، أمرَ شُعَيب ابنته أن تُعطِيَ موسى عَصا يدفع بها غَنَمَه. واختلفوا في تلك العصا، فقالَ عِكْرِمَةُ: خَرَجَ بها آدم عليه السَّلامُ من الجنَّة فأخذها جبريل بعد موتِ آدم، وكانت معه حتَّى لَقِي بها موسى ليلاً فدفعها إليه.
وقال آخرون: كانت من آس الجنَّةِ، حَمَلَها آدم من الجنَّةِ فَتَوارَثَها الأنبياءُ، وكان لا يأخُذها غير نبي إلا أكلته، فصارت من آدم إلى نوح ثم إلى إبراهيم حتَّى وصَلَت إلى شُعَيبٍ، وكانت عنده عصا الأنبياء فأعطاها موسى
هذا، وفي عَوارِفِ المَعارِفِ رَوَتْ عائشة رضيَ اللهُ عنها أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كانَ إِذا سافَرَ حَمَلَ معَه خمسة أشياء: المرآة والمُكْحُلَةَ والمِدْرَى والسواك والمُشْطَ. وفي رواية: المقراضَ
والصُّوفيَّةُ لا تُفارِقُهم العصا، وهوأيضاً من السُّنَّةِ، فقد رَوَى معاذ بنُ جَبَل قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنِ اتَّخذتُ مِنبَراً فقد اتَّخَذَه إبراهيم، وإِنِ اتَّخذتُ العصا فقد اتَّخذها إبراهيم.
ورُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ أَنَّه قال: التَّوَكُوعلى العا من أخلاق الأنبياء، كان لرسول صلى الله عليه وسلم عصاً يَتَوَكَّأُ عليها، ويأمرُ بالتَّوَكُؤ على العصا. وذكر صاحبُ المَدخَلِ» برواية أبي داود عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: خرج رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُتَوَكَّناً على عصا، فقمنا إليه، فقال: «لا تقوموا كما يقومُ الأعاجم، يُعَظَّمُ بعضُهم بعضاً.
الجزء 1 · صفحة 8
وفي «البستانِ» عن الحَسَنِ: أَنَّ في العَصا سِتَّ خِصالٍ: سُنَّةُ الأنبياء، وزينةُ الصُّلَحاءِ، وسلاح الأعداء، وعَوْنُ الضُّعَفَاءِ والمساكين، ورَغْمُ المُنافقين. ويُقالُ: إذا كانَ المُؤمِنُ معَ العَصا هَرَبَ الشَّيطانُ منه، منه، وامتنع عنه المُنافِقُ والفاجر، ويكونُ قبلته إذا صلَّى، وقُوَّتَه إِذا أَعيَى، وفيه منافع كثيرة كما قال موسى: وَلِي فِيهَا مَشَارِبُ أُخْرَى} [طه: ??].
وفي «المعالِمِ»: كانَ يَحمِلُ بها الزَّادَ، ويشُدُّ بها الحبل، فيستقي الماءَ من البِشْرِ،
ويقتل بها الحيَّاتِ، ويُحارِبُ بها السباع، ويستَظِلُّ بها إِذا قَعَدَ، وغير ذلك. ورُوي عن ابنِ عباس رضي الله عنهما: أنَّ موسى كانَ يحمِلُ عليها زادَه وسقاءَه، فجَعَلَت تُماشيه وتُحادِثُه، وكان يضرِبُ بها الأرضَ، ويُخرِجُ ما يأكُلُ يومَه، ويَركُزُها فيخرج الماء، فإذا رفعها ذهَبَ الماءُ، وإذا اشْتَهَى ثَمَرَةً رَكَزَهَا فَتَغَصَّنَت غُصْنَ تلك الشَّجرةِ وأَورَقَت وأثمَرَت، وإذا أراد الاستقاء من البئر أذلاها فطالت على طُولِ البئرِ وصارَت شُعبتاها كالدَّلْوحتّى يستقي، وكانت تُضيء باللَّيلِ مثلَ السِّراحِ، وإذا ظَهَرَ له عدوكانت تُحارِبُه وتُناضِلُ عنه.
فهذا آخر ما يتعلَّق بالعصا، وخَتَمَ اللهُ لنا بالحُسْنَى، وبلَّغَنَا المَقامَ الأَسْنَى، واللَّهُ أعلَمُ بِالمَبدأ والمُنتَهَى.