الاصطناع في الاضطباع
تأليف العلامة
المَلا عَلَى القَادِي
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
الاصطناع في الاضطباع
تأليف العلامة
المَلا عَلَى القَادِي
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ حقَّ حمده وحده والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَن لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه وأتباعه؛ أعني: حِزبه وجُنْدَه.
أما بعد:
فقد ذكرَ الشَّيخُ - رحمه الله - رحمه الله في منسكه الكبير» الشهير عند الكبير والصَّغير ما نصه: وهل يُسَنُّ الاضطباعُ في السَّعي؟ لم أقف على كلامهم عليه، وقد جاء في الحديث عن يعلى أنَّه قال: رأيتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مُضْطَبَعَاً بين الصفا والمروة ببُرد نَجْراني»، رواه أحمد، والشافعي، ولفظه: «أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم طَافَ مُضْطَبِعاً بالبيت وبالصَّفا والمروة»، وهو مذهبُ الشَّافعيَّةِ أنَّه يُستحَبُّ فيه كما في الطُّوافِ، انتهى.
وهو موهم أنَّه ليس في مذهب الحنفيَّةِ تبيين هذه المسألة نفياً وإثباتاً، وأنَّ هذا الحديث بظاهره حُجَّةٌ عليهم، فأقول وبالله التوفيق، وبيدِه أَزِمَّةُ التَّحْقِيقِ: إنِّي أنقلُ نُقول أصحاب المذهب؛ ليطمئنَّ به أهلُ التَّقليد، وآتي بالأدلَّةِ؛ لتحصيل اليقين لأربابِ التَّأييد، ففي «الغاية شرح الهداية»: أنَّ الاضطباع في طوافِ القُدومِ وطوافِ العُمرة مستحبّ، أو سنة، وأنَّه في جميعِ الطُّوافِ دون السعي، انتهى.
قال ابنُ جَمَاعَةَ: وكذا الصَّحيحُ من مذهب الإمام أحمد على ما قاله كثير من أصحاب مذهبه: أنَّه يضْطَبَعُ إذا أراد أن يستلم الحَجَرَ قبل استلامه، ويستديمه
إلى آخرِ الطَّوافِ على الأصح، ولا يضْطَبَعُ في ركعتي الطوافِ ولا في الشعي، وفي رواية: أنه يضْطَبَعُ بعد أن يستلم الحَجَرَ، وليس عند المالكية اضطباع مُطلقا.، ولعل وجهه مع صحة فعله: أَنه ارتفع بارتفاع عِلَّتِه.
ويؤيده أنه قال بعضُ أصحابنا: لم يبقَ الرَّمَلُ سُنَّةٌ في هذا الزَّمانِ على ما ذَكَرَه الكَرْمَانِيُّ، ودليل الجمهور ما أخرجه أبو داود، وابن ماجة عن عُمر رضي الله عنه: أَنَّ الرَّملَ والكَشْفَ عن المناكب وقد أَطَّا الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك فلا ندع شيئاً كُنَّا نفعله مع رسول الله.
ويؤيده ما رواه أبو داود، وسكت عنه، وصححه غيرُه: عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله له وأصحابه اعتمرُوا من الجِعْرَانَةِ، فَرَمَلُوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى .. و من المعلومِ أَنَّ عُمرَةَ الجِعْرَانَةِ إنَّما كانتْ بعد فتح مكَّةَ وإعلاء كلمة الله العُلْيا، وإخفاض الكلمةِ السُّفْلى ..
قال ابن القيم: وقد رَمَلَ صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حَجَّةِ الوداع، فكانتْ سُنَّةٌ مستقلة. قال الطبري: قد ثبت أنَّه صلى الله عليه وسلم رَمَلَ ولا مُشْرِكَ يومئذ بمكة؛ يعني: حَجَّةَ الوداع،
فعلِمَ أَنَّه من مناسكِ الحجّ، والاضْطِباعُ والرَّمَلُ مُتعانقانِ لا يفترقانِ.
هذا؛ ومفهوم كلام أرباب المناسكِ من الحنفية في قولهم: الاضْطِباعُ سُنَّةٌ الطَّوافِ: أَنَّه ليس سُنَّةَ السَّعي، والمفهوم معتبر عندنا في الرواية كما هو مقرر عند أهلِ الدّرايةِ، لا سيّما ولم يذكروا الاضطباع مُطلقاً في حالِ السَّعي؛ لا في المتونِ، ولا في الشروح، ولا في الفتاوى، مع أنَّهم بينوا واجباتِه ومُستحبَّاتِه وآدابه الخِلافيَّةَ وغيرها، ومن المعلومِ أنَّه لو كان الاضْطِباعُ من سُننِ السَّعي، لما أطبقوا على تركِ ذكره وإهماله أبداً؛ فإنَّه من المُحالِ العقلي العادي.
ومثل ذلك يكفي في نفي كونِ الاضطباع من سُننِ السَّعي، كيف وقد صرَّحَ بعضُهم بنفي وجودِه حالَ السَّعي على ما قدمناه، وكذا في «البدائع» حيث قال: الاضطباعُ: هو أن يُدخلَ الرِّداءَ تحت الإبط الأيمن، ويطرح طَرفَه على يساره، ويُبديَ منكبه الأيمن، ويستر الأيسر، وأنَّه في جميعِ الطَّوافِ دُون السَّعي ..
ونُقل عن الكرماني: أنْ يكونَ مُضْطَبعاً في إحرامه2، وهو ضعيف؛ لما صرَّحَ في «الغاية»، وكذا ابن الهمام في شرح الهداية»: أنَّه لا يكونُ مُضْطَبعاً إلَّا في الطَّواف ?.
وفي «البحر العميق: ويُستحَبُّ الاضطباع مع دخوله في الطَّواف، فإنْ اضْطَبع قبله بقليل، فلا بأس به ..
فهذا ما ظهر لي من الفروع في الاضطباع المشروع، على الوجه المنقول المؤيَّد بالمعقول.
وأما ما ورد فيه من الحديث الذي هو عُمدة الأُصولِ:
فقد أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه، والدارمي، عن يعلى بن أمية:
طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم مُضْطَبعاً برداءٍ أَخْضَر. كذا في «المشكاة»، وحسنه التَّرْمِذِيُّ، ذَكَرَهُ ابنُ الهُمامِ.
وفي مَنسَكِ ابنِ جَمَاعَةَ: أَنَّ النَّبي الله طافَ مُضْطَبَعَاً وعليه بُرد، رواه أبو داودَ، والترمذي وصححه، واللفظ له، ورواه ابن ماجه، وقال أبو داودَ: طَافَ مُضْطَبعَاً ببرد له أخضر 4.
ورواه أحمد، ولفظه: فلما قدمَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مكَّةَ، طاف بالبيت وهو مُضْطَبع ببرد أخضر ..
وعنه رضي الله عنه قال: رأيتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مُضْطَبَعَاً بين الصفا والمروة ببُرد نجراني. رواه أحمد.
وعنه: أنَّ النَّبي طافَ مُضْطَبَعَاً بالبيت وبين الصفا والمروة. أخرجه الشافعي v
قلتُ: أما حديث الإمامِ أحمدَ فيحتمل أن يكونَ في السَّعي الذي بعد طوافِ الإفاضة؛ لما عليه الجمهورُ مِن أنَّه لا اضْطِبَاعَ في السَّعي، فيُؤوَّلُ: أَنَّ اضْطِبَاعَه حينئذٍ كان من فوق ثيابه، فيكون اضطباعاً لغوياً.
ويُقويه: أنَّ مذهبَ الرَّاوي - وهو الإمام أحمد، على ما سبق أيضاً ـ أنَّه لا اضْطِبَاعَ إلَّا في الطَّوافِ، فيتعيَّنُ: إما تأويله، أو القول بضعفه، أو بترجيح من لغة؛ لكونه أصح منه. وأما حديث الإمامِ الشَّافعي، فعلى فَرَضِ صحة سنده ـ لكونه شاذًا - تقديره: طافَ مُضْطَبعَاً بالبيت، وطافَ بين الصفا والمروة، فيكونُ «مُضْطَبعَاً» قيد المعطوفِ عليه فقط دون المعطوف، أو يُؤوَّلُ بالتَّأويل السابق، والله أعلم بالحقائق.
حرَّرَهُ المُلتجي إلى عفو ربه الباري، علي بن سُلطان محمد القاري،
غفر الله ذنوبهما، وستر عيوبهما، آمين.
***