الأدب في رجب
تأليف العلامة
الملاعلي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
الأدب في رجب
تأليف العلامة
الملاعلي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
رب زدني علمًا يا كريم
الحمد لله الذي خلق الكائناتِ على هيئات مُتباينات، وأظهر الفضل فيما بين أفرادها ظاهرات ومعاينات، حتّى في الأمكنة والأزمنة وسائر الأشياء الحادثة من العُلْوِيَّاتِ والسُّفْلِيَّات، وما ذاك إلا بحسَبِ التَّجليات الواردةِ وَفقَ الأسماء والصفات. وأفضلُ الصَّلواتِ وأكمَلُ التَّحِيَّاتِ على سيِّدِ الموجوداتِ وسَنَدِ المخلوقاتِ، وعلى آله وصحبه وجُندِه وحزبه الطاهرين والطاهرات، وسائر المؤمنين والمؤمنات. أما بعد: فيقولُ المُلتَجِى إلى حرم ربِّه الباري علي بن سلطان محمد القاري الحنفي، عامَلَهما الله الكريم بلطفه الخفي وكرمه الوفي.
إنَّ الله سبحانه قال في كتابه القديم وخطابه القويمِ: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة: 36]، وهي رجب وذوالقَعْدَةِ وذوالحِجَّةِ والمُحرَّمُ، واحدٌ فَرْدٌ وثلاثةٌ سَرْد، والمُرادُ بالسَّرْدِ: مُطلَقُ التَّوالي والتَّتابع، ومنه ما في «الشمائل» للترمذي: ولَمْ يكنْ ـ عليه السلام ـ يسرد في كلامه كسَرْدِكم هذا، فلا يرِدُ أَنَّ ذَا القَعدةِ وذا الحِجَّةِ فِي آخِرِ السنة، والمحرَّمَ في أَوَّلِ السَّنةِ الأُخرى.
وذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة: 36]؛ أي: في شهور السَّنةِ عُمومًا بفعل المعصية وتركِ الطَّاعة، وفي الأشهرِ الحُرُمِ خُصوصًا. قال قتادة: العملُ الصَّالِحُ أعظمُ أجرًا في الأشهرِ الحُرُم، والظَّلم فيهِنَّ أَعظَمُ الظُّلم فيما سواهُنَّ، وإن كانَ الظُّلم على كلّ حالٍ عظيمًا.
ومن اختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهرِ الحُرُمِ، فقال قوم: كانَ حراما ثمَّ نُسِخَ بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً؛ أي: عامَّةً كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: 36]، كأَنَّه يقول: فيهنَّ وفي غيرهنَّ.
وهوقول قتادةَ وعَطاءِ الخُراساني والزُّهْرِيِّ وسُفيانَ الثَّورِيِّ، وقالوا: إِنَّ النَّبِيَّ غزا هَوازِنَ بِحُنَيْنٍ وثَقيفًا بالطَّائِفِ، وحاصَرَهم في شوَّال وبعض ذي القعدة.
وقال آخرون: إنَّه غيرُ منسوخ، قالَ ابنُ جُرَيج: حَلَفَ بِالله عطاء بنُ أَبِي رَبَاحٍ: ما يَحِلُّ للنَّاسِ أَن يغزوا في الحَرَمِ وفي الأَشْهُرِ الحُزْمِ إِلا أَن يُقاتَلُوا فيها، وما نُسِخَت. كذا في «المعالم». وذكر صاحب «المداركِ من علمائنا: أنَّ عندنا يُقتلون في الأَشْهُرِ الحُرُمِ لا في الحَرَمِ، إلا أن يبدَؤُوا بالقتالِ مَعَنا فحينئذٍ نُقاتِلُهم، وإن كان ظاهر قوله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [البقرة: ???] يُبيحُ القتل في الأمكنة كلها؛ لقوله تعالى: {وَلَا تُقَتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسَجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَتِلُوكُمْ فِيهِ} [البقرة: (???]، خَصَّ الحَرَمَ إلا عندَ البَدَاءَةِ منهم، كذا في شرح «التأويلات».
1 - وقد روى البيهقي وابن عساكر وابنُ النَّجارِ عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قالَ: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان».
واعلم أنَّ رجبًا مُنصَرِفُ عندَ الأكثر، وهوالأظهر، واشتقاقه من: رَجَبَ فلانًا: هابه وعظَمَه؛ لتعظيم العرب إيَّاه، ولذا يقال: رجب المرجب؛ أي: المُعظَمُ، ويُقالُ: رجب الأصم؛ لأنَّه لا يُنادَى فيه: يا قوماه! و: يا صَبَاحاه! أولأنَّه لا يُسْمَعُ فيه حِسُّ السلاح، لا في الصباح ولا في الرواح.
2 - وقد روى البيهقي عن عائشة رضي الله عنها - وقالَ: رَفعُه مُنكَرٌ: «إِنَّ رجبًا شهرُ الله، ويُدعَى الأصم، وكانت الجاهلية إذا دخل رجبٌ يُعطلون أسلحتهم ويضعونها، فكانَ النَّاسُ يأمنون، ويأمَنُ السَّبيلُ، ولا يخافون بعضهم بعضًا حتّى ينقضي».
وأما ما اشتهر من رجب الأصب، وأن معناه: تُصَبُّ فيه الرَّحمةُ، وتُكتَبُ فيه النعمة، فما رأيتُه في كتب اللغة.
- وذكر أبوالفتح بن أبي الفوارس في «أماليه» عن الحسنِ مُرسَلًا: «رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهرُ أمَّتي). وقد جاءَ في فضائل صومه أحاديث ضعيفةً تصيرُ بكثرة طُرُقِها قويَّةً، مَعَ أَنَّ الأحاديث الضعيفة الأحوالِ مُعتبرة في فضائل الأعمال.
4 ـ فعن سعيد رضيَ الله عنه: «إنَّ رجبًا شهرٌ عظيمٌ تُضاعَفُ فيه الحسنات، من صام يومًا منه كان كصيام سنةٍ». رواه الرَّافعيُّ
5 - وعن ابنِ عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: «صَومُ أَوَّلِ يومٍ من رجبٍ كَفَّارَةُ ثلاث سنين، والثاني كفارة سنتين، والثالث كفارة سنة، ثم كل يوم شهر». أخرجه أبو محمَّدِ الخلَّالُ في «فضائلِ رجب.
6 ـ وعن أنس رضي الله عنه مرفوعًا: «إِنَّ في الجنَّةِ نهرًا يُقال له: رجب، أشدُّ بياضًا من اللبن، وأحلى من العَسَلِ، مَن صام يوما من رجب سقاهُ اللهُ مِن ذلك النَّهْرِ». رواه البيهقي والشيرازي في «الألقاب».
7 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: «مَن صَامَ أَوَّلَ يومٍ من رجبٍ عُدِلَ ذلك بصيام سنة، ومن صام سبعة أَيَّامٍ أُعْلِقَ عنه سبعة أبوابِ النَّارِ، وَمَنْ صامَ من رجبٍ عشرةَ أَيَّامٍ نادى مُنادٍ من السَّماءِ: أَنْ سَلْ تُعطَهُ». أخرجه أبونُعَيمٍ وابن عساكر.
8 - وعن أبي ذرّ مرفوعًا: (مَن صام يوما من رجب عَدَلَ صِيامَ شهرٍ، ومَن صامَ ه سبعةَ أَيَّامٍ غُلّقت عنه أبواب الجحيمِ السَّبعةُ، ومَن صامَ منه ثمانِيَةَ أَيَّامٍ فُتِحَت له أبوبُ الجنَّةِ الثَّمانيةُ، ومَن صامَ منه عشرةَ أَيَّامٍ بُدِّلَت سيِّئَاتُه حسناتٍ، ومَن صام منه ثمانية عشر يوما نادى مُنادٍ: أَنَّ الله قد غفر لك ما مَضَى، فاستأنف «العمل». رواه الخطيب.
9 - وعن أنس مرفوعا: «من صام يوما من رجب كان كصيام سنة، ومَن صام سبعةَ أَيَّامٍ غُلّقت عنه سبعة أبواب جهنَّمَ، وَمَن صام ثمانيةَ أَيَّامٍ فُتِحَت له ثمانية أبواب الجنَّةِ، ومَن صام عشرةَ أَيَّامٍ لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاهُ، ومَن صامَ خمسة عشر يوما نادى مُنادٍ من السَّماءِ: قد غَفَرتُ لك ما سَلَفَ فاستأنف العمل، قد بدَّلتُ سيِّئاتُكَ حسنات، ومن زاد زاده الله، وفي رجب حُمِلَ نوح عليه السلام في السَّفينة، فصام نوح وأمرَ مَن معه أن يصوموا، وجرت بهم السفينة ستَّةَ أشهرٍ إلى آخرِ ذلك لعَشْرِ خَلَونَ من المحرَّمِ.
(2 ?? - ورواه الطبراني عن سعيد بن أبي راشد مرفوعا: «رجب شهر عظيمٌ يُضاعِفُ الله فيه الحسناتِ، فمن صام يوما من رجب فكأَنَّما صامَ سنةً، ومَن صامَ ه سبعة أيَّامٍ غُلّقت عنه سبعة أبواب جهنَّمَ، ومَن صامَ منه ثمانية أَيَّامٍ فُتِحَت له ثمانيةُ أبواب الجنَّةِ، ومَن صامَ منه عشرةَ أَيَّامٍ لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاهُ إِيَّاه، ومَن صامَ منه خمسة عشر يوما نادى مُنادٍ من السَّماءِ: قد غفر الله لك ما مَضى فاستأنف العمل، ومَن زادَ زاده الله، وفي رجب حمل الله نوحًا في السَّفينة فصامَ رِجَبًا وأمرَ مَن مَعَه أَن يصوموا، فَجَرتْ بهم السَّفينة ستة أشهر، آخرُ ذلك يوم عاشوراء، أُهبِطَ على الجودي، فصامَ نوحُ ومَن معه من قومه والوحش شُكرًا الله عزَّ وجَلَّ، وفي يوم عاشوراءَ فَلَقَ الله البحر لبني إسرائيل، وفي يوم عاشوراء تابَ الله على آدم عليه السَّلامُ، وعلى أهلِ مدينة يونس، وفيه وُلِدَ إبراهيم عليه السَّلام.
11 - وروى البيهقي - وقال: مُنكَر - عن سلمان الفارسي: «في رجب يوم وليلةٌ من صام ذلك اليوم وقامَ تلك الليلةَ كانَ كمَن صامَ الدَّهرَ مئةَ سنةٍ وقامَ مئة سنة، وهولثلاثٍ بَقِينَ من رجبٍ، وفيه بَعَثَ الله تعالى محمَّدًا
12 ـ وعن أنس رضي الله عنه مرفوعًا: مَن صام ثلاثة أيامٍ من شهرٍ حرام، الخميس والجمعة والسبتَ كُتِبَ له عبادة سنتين». رواه الطبراني في «الأوسط».
13 ـ وعنه أيضًا: مَن صامَ في كلِّ شهرٍ حرام الخميس والجمعة والسبت كُتِبَ له عبادة سبع مئة سنة». أخرجه ابن شاهين في «ترغيبه»، وابن عساكر.
14 - وأما ما رواه ابن ماجه: أَنَّه عليه السَّلام نهى عن صيام رجب؛ فمحمول على اعتقاد وجوبه كما كان في الجاهلية.
15 - وعن علي رضي الله عنه مرفوعًا: «أكثروا من الاستغفار في شهر رجب؛ فإنَّ الله في كلِّ ساعةٍ منه عُتقاءَ من النَّارِ»، كذا في «الذيل»، وفي إسنادِه مترو. وقد سمعتُ بعض مشايخي يستغفرُ في هذا الشَّهرِ كثيرًا، ويقول: أستغفر الله ذا الجلال والإكرام من جميعِ الذُّنوبِ والآثامِ.
ثم رأيتُ المَنُوفِيَّ قال: وقد أفادَ صاحب «ترغيب المطالب في أشرف المطالب أنَّه رأى بخط الحافظ كمال الدِّينِ الدَّميري:
16 ـ عن ابن عبّاس مرفوعًا مَن قالَ في شهر رجب وشعبان: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هوالحي القيوم وأتوبُ إليه، توبة عبد ظالم لنفسه، لا يملك لنفسه موتا ولا حياةً ولا نُشورًا، سبعَ مرَّاتٍ، أَوْحَى الله تعالى إلى المَلَكَيْنِ المُوكَّلَين به: أن خرقا صحيفة ذنوبه».
قال: ويكفينا في ثبوتِ وُرودِه اعتناء الحافظ الدَّمِيرِي بنَقلِه بخَطه ساكتا عليه، ولوكان موضوعا لبينه؛ فإنَّه إمام في هذا الفن، وأقل مراتبه أن يكونَ ضعيفًا، والضعيفُ يُعمَل به في فضائل الأعمالِ اتّفاق.
?? ـ وفي المُختصَرِ»: «رَجَبٌ شهرُ الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي». رواه الديلمي وغيره عن أنس.
?? ـ وأما حديث: خَطَبَ صلى الله عليه وسلم قبل رجب بجمعة فقالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّه قد أظلكم شهر عظيم، رجب شهرُ الله الأصَمُّ تُضاعَفُ فيه الحسنات، وتُستَجابُ فيه الدَّعواتُ، وتُفرّج فيه الكُرُباتُ؛ فحديثُ مُنكَر.
واعْلَمْ أَنَّه يَتَحَصَّلُ مِن جميعِ ما ذُكِرَ: أَنَّ شهر رجب له بعض فضيلة بالنسبة إلى سائر الشُّهور، فما يفعله النَّاسُ من إكثار الاعتمارِ فيه، وكذا إخراج الزَّكاةِ من الدرهم والدينار، وغير ذلك من أعمال الأبرار، فلا شُبهة في جواز ذلك، ومزيد الأجرِ والثَّوابِ هُنالك، ولا معنى لنهي بعض العلماء عن الصيام فيه، وقوله: إنَّه فيه بدعة، فالمطلوب من الخلقِ العبادة وكثرة الطاعة، على قدرِ الطَّاقِةِ أوبحسَب الاسْتِطَاعَة.
وأجمع العلماء على جواز العمل بالأحاديث الضعيفة الواردة في فضائلِ الأعمال، والله أعلم بحقيقة الأحوال.
وأما صلاةُ الرَّغائب، وهي اثنتا عشرة ركعةً بعد المغرب في أوَّلِ جمعة من رجب، يُصلَّى اثنتا عشرة ركعة بست تسليمات، يقرأُ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة القَدْرِ ثلاثا والإخلاص اثنتي عشرة مرةً، وبعد الفراغ يُصلِّي على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سبعين مرَّةً، ويدعوبما شاء؛ فرجال حديثها مجهولون، وصرَّحَ جماعةٌ بأنَّه موضوع. وفي شرح مسلم للنووي: احتجَّ العلماء على كراهة صلاة الرغائبِ بحديثِ: لا تختَصُّوا ليلة الجمعة بقيام، ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام»، فإنَّها بدعة مُنكَرةٌ من بدع الضَّلالة والجهالة، وفيها منكرات ظاهرةٌ قاتل الله واضعَها ومُخترعها، وقد صنَّفَ الأئمَّةُ مُصنّفاتِ نفيسةً في تقبيحها وتضليل مُصلِّيها ومبتدعها، ودلائل قبحها أكثر من أن تُحصَى. انْتَهَى كلامه.
وفيه: أنَّ إطلاق الضَّلالةِ والجَهالَةِ على مَن يُصلِّي ليلةَ الجمعةِ فُرادَى أوبالجماعةِ محل بحث؛ لأنَّ الصَّلاةَ خير موضوع، ولوقيل في هذا الحديث: إنَّه موضوع، وعلى التسليم فالإثم على الواضع، ولا حرج على من يعمل بالعمل الواقع في الواقع.
وأما تخصيص ليلة الجمعة بالقيام، ويومِ الجمعةِ بالصِّيامِ، فاختلف العلماء في كراهته، والأظهر أنه محمول على الكراهةِ التَّنزيهِيَّةِ، وأنَّ الأولى هواستدامة العبادة في جميع الليالي والأيَّامِ، لا انحصارُها في وقت خاص منها وتَرْكُها في باقيها، كيف وفي «جامع الأصولِ قالَ بعدَما ذكر صلاةَ الرَّغائبِ معَ الكيفية المعروفة واستجابة الدُّعاء بعدها: وهذا الحديث ممَّا وجدتُه في كتابِ رَزِينِ، ولَمْ أَجِدُه في واحدٍ من الكتب الستة، والحديث مطعون فيه. انتهى.
وغايته أنه حديث ضعيفٌ، ويكفي في اعتبارِه أَنَّ الشَّيخَ ابنَ الصَّلاحِ مَعَ جلالته في علم الحديث اختار جواز تلك الصَّلاةِ، وكذا حُجَّةُ الإسلامِ الغزالي في «الإحياء»، وكذا غيرهما من المشايخ والعلماء.
وأما قول بعضهم: إنَّ صلاةَ الرَّغائبِ حدثت بعد المئةِ الرابعة، فلا دلالة فيه على كونها بدعةً سيِّئَةً، لا سيّما وأصلُ الصَّلاةِ ثابت جوازها بالكتاب والسنَّةِ. وأمَّا اتَّخاذ تلك الليلةِ مَجمَعَةً، وزيادة الوقيد فيها وفي أمثالها، فلا شكّ أنَّها بدعة سيِّئَةٌ، وفَعلةٌ مُنكَرةٌ؛ لما فيها من إسراف الأموال، والتَّشبُّهِ بِعَبَدَةِ النَّارِ في أظهر الأحوال.
وكذا من المُنكراتِ اختلاط النِّساءِ والرّجالِ، وضربُ الدُّفَ والسَّماعُ والرَّقصُ، ممَّا يُنافي أحوال أرباب الكمال.
هذا وذَكَرَ شيخ مشايخنا الحافظ السيوطي في «جامعه الكبير»:
?? ـ في رجب ليلة كتب للعامل فيها حسنات مئة سنة، وذلك لثلاث بقين من رجب، فمن صلى فيه اثنتي عشرة ركعة، يقرأُ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، ويقول بعد صلاته: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر مئة مرة، ويستغفر الله مئة مرة، ويُصلّي على النبي عليه السَّلامُ مئة مرة، ويدعولنفسه ما شاءَ من أمر دنياه وآخرته، ويُصبحُ صائمًا، فإنَّ الله يستجيب دعاءه كله إلا أن يدعوفي معصية». رواه البيهقي عن أبان عن أنس بإسناد ضعيف جدا، وقد صرَّحَ في «الإحياء» بأنه صلاة ليلة المعراج.
وأما ما حُكِيَ من أنَّ بعض المالكيَّةِ مَرَّ بقومٍ يُصلُّون الرَّغائب، وقومٍ عاكفين على مُحرَّمٍ من المصائبِ، فحسَّنَ حال العاصين على المُصلِّينَ؛ مُعلِّلًا بِأَنَّهُم يَعْلَمون أنَّهم في معصية؛ فلعلهم يتوبون، وهؤلاء يزعمون أنهم في عبادة؛ فلا يرجعونَ. فهذا أمر غريب وحُكم عجيب، فسُبحانَ الله! هل يتصوَّرُ أن تكون نفسُ الصَّلاةِ معصيةً مُبتدعة، وإن كانت على هيئةٍ مُخترعة؟ حتّى يحتاج صاحبها إلى توبة، وهويطلب من الله تعالى بفعلها المغفرة والرحمة.
ثمَّ إِنْ فُتِحَ بابُ قُبح كلِّ بِدْعَةٍ حادثة، ورُجِّحَ في المَذَمَّةِ على معصية ثابتة، لَمَا خَلَصَ أحدٌ من العلماء الأعلام، ولا من المشايخ الكرام، من الذُّنوبِ والآثام، فيما يجري عليهم في الليالي والأيام، فالأولى هوالإنكارُ بالقلبِ والجَنان، أويُضَمُّ إليه إنكارُ اللّسان على الأمورِ المُحرَّمة في هذا الزَّمان.
فنسأل الله العفووالعافية، وحُسْنَ الخاتمة في العاقبة، وتوفيق المُتابعة بالكتاب والسُّنَّةِ، ومخالفة أهل الأهواء والبدعِ السَّيِّئَةِ، ويكفي في هذا المقام الأعلى قوله تعالى: أَرَهَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى} [العلق: 9 - 110).
بقي الكلام على عُمْرة رجب؛ أمَّا كونُها سنَّةٌ بأن فعلها عليه السَّلامُ، أوأمرَ بها أحدًا، أورغب فيه، فلا يثبتُ، فقد رُوِيَ عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ قالَ: كنتُ أنا وابنُ عمر رضي الله عنهما مستندين إلى حُجرة عائشةَ، وإِنَّا لنستمِعُ صَوتَها بالسِّواكِ تَستَنُّ، قَالَ: فقلتُ: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم في رجب؟ قال: نعم. فقلتُ لعائشة: أي أُمَّنا! ألَا تَسْمَعينَ ما يقولُ أبوعبدِ الرَّحمنِ؟ قالت: وما يقولُ؟ قلتُ: يقولُ: اعتمر رجب، فقالت: يغفر الله لأبي عبدِ الرَّحمنِ، لَعَمري ما اعتمر في رجبٍ، النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في رجب وما اعتمرَ مِن عمرةٍ إِلَّا وإنَّه لَمَعَهُ، قال: وابنُ عمر يسمعُ، ما قال: لا، ولا: نعم، سَكَتَ. كذا في «المواهبِ اللَّدُنْية».
وهذا يدلُّ على وَهُم ابن عمر سواء رجع عن قوله أولا؛ فإنَّه مُنفرد، وقوله شاد منكَرُ؛ لَمْ يوافقه أحدٌ من الصَّحابة الكرامِ ولا من الأئمة الأعلامِ.
هذا كلام واستدلال فيه نظر، فإن الذي ينهى عن هذه البدعة إنما أراد النهي عن فعلة منكرة مبتدعة لا عن صلاة وعبادة مأثورة متبعة.
نعم رُوِيَ أَنَّ عبد الله بنَ الزُّبيرِ لمَّا جدَّدَ بناء الكعبة الشريفة، ووضعها على الهيئة المنيفة، وكانَ الفراغ قُبيل سبعة وعشرين من رجبٍ، نحَرَ إِبلًا مُتعدِّدةً وذبح قرابين للفقراء والمساكين، وأمرَ أهلَ مكَّةَ أن يعتمروا حينئذ شكرًا الله تعالى على إتمام بيت الله الملك العلام، بنظامٍ أحبَّه النَّبِيُّ (1 (). ولا شكّ أنَّ الصَّحابة الكرام أقوالهم وأفعالهم حُجَّةٌ على الأنامِ، حيثُ قالَ: «أصحابي كالنُّجومِ بأيهم اقتديتم اهتديتُم، مع ما ورد عن ابن مسعود رضيَ الله عنه موقوفا ومرفوعًا: ما رآه المسلمونَ حَسَنًا فهوعندَ الله حسَنُ.
هذا مع موافقته اللَّيلةَ التي قيل: كانَ فيها معراج سيد الأنبياء إلى السَّماواتِ العلا، ودُنوِّه إلى مقامِ قاب قوسين أوأدنى، وهذا وجه تخصيص أهل مكَّةَ للزيارة
بشهر رجب الأصم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المَرْجِعُ والمَآب.
وصلَّى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.