الجزء 1 · صفحة 5
أدلة مُعْتقدُ ابي حنيفة في أبوي النبي - صلى الله عليه وسلم -
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ الذي خَصَّ مَن شاء من عباده في عالمِ القضاء بالإيمان، وهداه بجُودِه إلى معرفة نورِ وُجودِه وظهورِ شُهودِه في مَقامِ العِرْفانِ، ومَرامِ الإحسان، والصَّلاةُ والسَّلامُ الأَتمَّانِ الأكملان على سيّدِنا وسَنَدِنا محمَّدٍ من أولادِ عدنان، وعلى آله الكرام، وأصحابه الفخام، إلى يوم القيام، وعلى أتباعه خلاصة أهل الأديان.
أما بعد:
فيقول أحقَرُ عباد الله الباري، علي بن سُلطان محمد القاري: قد قال الإمامُ الأعظَمُ والهُمام الأقدَمُ، في كتابه المُعتبَرِ المُعبَّرِ بـ «الفقه الأكبر» ما نصه: ووالدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ماتا على الكفر.
فقال شارحه: هذا ردُّ على مَن قالَ: بأنَّ والدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ماتا على الإيمان، وعلى من قال: ماتا على الكُفْرِ، ثمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الله لهما فأحياهما الله وأسلما ثم ماتا على الإيمان.
فأقولُ وبحولِه سُبحانَه أَصُولُ: إِنَّ هذا الكلامَ من حضرة الإمامِ لا يُتصَوَّرُ في هذا المَقامِ لتحصيلِ المَرامِ، إلا أن يكونَ قَطعِيّ الدّراية لا ظنّيَّ الرواية؛ لأنَّه في بابِ الاعتقادِ لا يُعمَلُ بالظَّنّيات، ولا يُكتفى بالآحاد من الأحاديث الواهِياتِ، والرواياتِ
لم أجد بعد التتبع ما نسبه الإمام القاري هنا في مطبوعات الفقه الأكبر»، ومنها نسخة شرحه عليه: «منح الروض الأزهر»، فالله سبحانه أعلم بحقيقة الحال، ويراجع ما كتبته في المقدمة
ففيه بيان وتفصيل.
الجزء 1 · صفحة 7
الوَهميَّاتِ؛ إذ من المُقرَّرِ المُحرَّرِ في الأصلِ المُعتبَرِ: أَنَّه ليس لأحدٍ من أفراد البشرِ أن يَحكُمَ على أحدٍ بأنَّه من أهلِ الجنَّةِ، ولا بأنَّه من أهل العقوبة، إلا بنقل ثبت بنص من الكتاب، أو تواتر من السُّنَّةِ، أو إجماع علماء الأمة بالإيمان المقرون بالوفاة، أو بالكُفْرِ المُنضَم إلى آخرِ الحياةِ.
فإِذا عَرَفْتَ ذلك، فنستدِلُّ على مَرامِ الإمام بحسب ما أُطلعنا عليه في هذا المقام، بالكتاب، والسُّنَّةِ، واتفاقِ أئمةِ الأَنامِ.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْتَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجَحِيمِ} [البقرة: 119]، فقراءةُ الجمهور على المجهول في النفي، وقراءة نافع على المعلوم بالنهي 2.
وقد أخرج وكيعٌ، وسُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، وعبدُ الرَّزَّاقِ، وعبدُ بنُ حُمَيد، وابنُ جرير، وابنُ المُنذِرِ عن محمَّدِ بنِ كَعْبِ القُرَظِيٌّ رَضِي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ: «ليت شعري، ما فعل أبواي؟»، فنزلت: {إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا
تُسْلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} [البقرة: ???]، فما ذَكَرَهُما حَتَّى توفَّاهُ اللهُ تعالى.
في جميع النسخ: فيخل»، ولعل الصواب المثبت.
وفيه دليل واضح على المُدَّعَى، وتنبية نبيه على أنَّ هذا حكم لم يُنسَخ بالإحياء، كما لا يخفى. قال العلامةُ السُّيوطي: هذا مُرْسَلٌ ضعيفُ الإسنادِ.
قلتُ: المُرسَلُ حُجَّةٌ عندَ الجمهور من علماء الأصول والاعتقاد، والطُّرُقُ المُتعدّدة للحديث ترفعُ الضَّعف وتُوصله إلى الحُسنِ أو الصِّحَّةِ عندَ الكل في الاعتماد.
الجزء 1 · صفحة 8
وأخرج ابنُ جريرٍ عن داودَ بنِ أبي عاصم رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ ذَاتَ يوم: «أينَ أبواي؟» فنزلَتْ. قالَ السُّيوطي: والآخَرُ مُعضَلُ الإِسنادِ ضَعيف. قلتُ: المُعضَلُ عندَنا حُجَّةٌ، وضَعفُه يتقوّى بالتَّعدُّدِ، لا سيّما وقد تعلَّق به اجتهادُ المُجتهد، فدل على صحتِه، ولو حَديثُ ضُعَفَ بالنسبة إلينا في روايته، ويُكتفَى بمثل ذلك في أسبابِ التُّزُولِ، كما هو معقول عند أربابِ النُّقول.
وأخرج ابن المنذر عن الأعرج أنَّه قرأ: {وَلَا تُنتَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ؛
أي: أنت يا محمد. كذا في «الدر المنشور.
وفي تفسير العِمادِ ابن كثير: قالَ عبدُ الرَّزَّاقِ أَنبأَ الثَّوْرِيُّ، عن موسى بنِ عُبيدَةَ، عن محمَّدِ بنِ كَعْبِ القُرَظِيّ رَضِي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ليتَ شِعْري، ما فعلَ أبوايَ؟ ليتَ شِعري، ما فعل أبوايَ؟ ليتَ شِعْري، ما فعل أبواي؟» ثلاثَ مَرَّاتٍ، فنزل: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [البقرة: 119]، فما ذَكَرَهُما حتّى توفَّاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ، وهذا يُؤَيِّدُ ما قدَّمناه، فتدبَّر وتأمل.
ورواه ابنُ جَرِيرٍ، عن أبي كُرَيبٍ، عن وكيع، عن موسى بنِ عبيدة، به مثله، وذكر الحديث الآخَرَ بسنده كما تقدم.
ثمَّ قالَ ابنُ كثير: وقد رَدَّ ابنُ جَرِيرٍ هذا القولَ المَروِيَّ عن محمَّدِ بنِ كَعْبٍ وغيره في ذلك لاستحالةِ الشَّكُ من الرَّسول صلى الله عليه وسلم في أمر أبويه، واختار القراءةَ الأُولى.
يعني النَّفي.
قال: وهذا الذي سلكه ها هنا فيه نَظَرُ؛ لاحتمالِ أنَّ هذا كانَ في حالِ استغفارِه
الجزء 1 · صفحة 9
لأبويه قبل أن يعلم أمرَهُما، فلما علم ذلك تبرَّأ منهما، وأخبر عنهما أنَّهما من أهل النَّارِ، ولهذا أشباه كثيرةٌ ونظائر، ولا يلزمُ ما ذكره ابنُ جريرٍ. انتهى كلام ابن كثير. وقال محيي السُّنَّةِ في تفسيره معالمِ التَّنزيل»: قال عطاء عن ابنِ عباس رَضِي الله عنهما: وذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال ذاتَ يوم: «ليت شعري، ما فَعَلَ أبواي؟»، فنزلت هذه الآيةُ.
أقول: وهذا النقل من ابنِ عباس حبر الأمة كافٍ في الحُجَّةِ، لا سيما وهو من أهل بيت النبوة، ولو كان هناك تردد في القضيَّة لما ذكر مثل هذه القِصَّةِ المُستَلزِمَةِ للغَصَّةِ.
وكذا نقل الواحِدِيُّ عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عنهما، ثم قال: وهذا على قراءةِ مَن قرأَ وَلَا تُنتَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ}، جزماً.
وقال البيضاوِيُّ: قرأَ نافع ويعقوب ولا تَسْأَلُ على أَنَّه نهي للرَّسول صلى الله عليه وسلم
من السُّؤال عن حال أبويه، انتهى.
والحاصل أنَّ عامَّةَ المُفسّرين كالمُجمعين على أنَّ هذا سبب نزول الآية، ومن المُقرَّر في علم الأصولِ أنَّ نَقْلَ الصَّحابي في سببِ النُّزولِ ولو كان موقوفاً فهو في حكم المرفوع الموصولِ، فكيفَ وقد ثبت رفعُه بطُرِقٍ مُتَعدِّدةٍ وأسانيد مختلفة؟ هذا، وقد قال من أئمَّةِ التَّفسير صاحبُ التّيسير»: ولما أُمِرَ رسولُ اللهِ بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين، كان يذكرُ عُقوباتِ الكُفَّارِ، فقام رجل وقال: يا رسول الله! أينَ والدِيَّ؟ فقال: «في النَّارِ»، فحَزِنَ الرَّجلُ، فقال عليه السَّلامُ: «إِنَّ والديك ووالِدَيَّ ووالِدَيْ إبراهيمَ في النَّارِ»، فنزلَ قوله تعالى: {وَلَا تُسْتَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ}، فلم يسألوا بعد ذلك، وهو قوله تعالى: {وَلَا تَسْتَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 10
وفيه تنبيه على أنَّ قراءةَ النَّفي أيضاً تدلُّ على المُدَّعَى، فتُبَيِّنُ ما ذكره العلماء من المُفسّرين والقُرّاء من أنَّ الأصل في القراءتين أن يتَّفِقَ حالهما ويجتمع مالهما، ثمَّ تفَطَّن لما في الحديثِ من تصريح ذكرِ والدِ إبراهيم في هذا المَقامِ الفَحْيمِ.
***
وأما السُّنَّةُ: فما رواه مسلم عن أنس: أَنَّ رَجُلاً قالَ: يا رسولَ الله أَينَ أبي؟ فقال: «في النَّارِ»، فلما قَفَّى دعاه فقالَ: «إِنَّ أبي وأباك في النَّارِ». وكذا ما رواه البزَّارُ من أَنَّه أراد أن يستغفر لأمه فضرب جبريل صدره، وقال: لا تَستَغفِرْ لِمَن ماتَ مُشركا.
وكذا ما رواه الحاكِمُ في «مُستدرَكِه» وصحَّحَه: أَنَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ لا بنَيْ مُلَيْكَةً: «أُمُّكُما في النَّارِ»، فشَقَّ عليهما، فدعاهما، فقالَ: «إِنَّ أُمِّي معَ أُمَّكِما». وتعَقُبُ الذَّهبيّ له بكونِ عثمانَ بنِ عُمَيرِ ضعَّفَه الدارقطني لم يُخرِجه عن كونه ثابتاً حَسَناً قابلاً للاستدلال، إمَّا على الاستقلال، وإمَّا مع غيره لتقوية الحال. الله عنه وكذا ما أخرجه الإمام أحمد في «مُسنَدِه» عن أبي رَزِينِ العُقَيلِيُّ رَضِي الل قال: قلتُ: يا رسولَ الله! أينَ أُمِّي؟ قالَ: «أُمُّكَ في النَّارِ»، قلتُ: فَأَينَ مَن مَضى من أهلِكَ؟ قالَ: «أَمَا تَرْضَى أن تكونَ أُمُّكَ معَ أُمِّي وكذا ما روى ابنُ جَرِيرٍ عن عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن سُليمانَ بنِ بُرَيدَةَ، عن أبيه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أتى رَسْمَ قبر فجلس إليه، فجَعَلَ يُخاطِبُ ثُمَّ قَامَ مُستَعِيراً، فقُلنا: يا رسولَ اللهِ! إِنَّا رأينا ما صنَعْتَ قالَ: «إِنِّي استأذَنْتُ ربِّي في زيارة قبرِ فأَذِنَ لي، و، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذَنْ لي، فما رئي باكياً أكثر من يومئذ.
وسيأتي سبب بكائه منصوصاً عن بعض العلماء، والله أَعلَمُ.
الجزء 1 · صفحة 11
وكذا حديثُ مُسلِم، وأبي داود عن أبي هريرةَ رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَّه صلى الله عليه وسلم استأذنَ في الاستغفار لأُمِّه، فلم يُؤذَن له.
وأما القولُ بأنَّه ثَمَّ استأذنه ثانياً وأَذِنَ له؛ فيحتاج إلى دليل صريح ونَقْلٍ صحيح. ثم لا يُنافي الحديث الأوَّلَ ما ورد من طريق آخر ولم يُذكَرْ فيه: «إِنَّ أَبي وأباكَ في النَّارِ»، بل قالَ: «إذا مَرَرْتَ بقبرِ كافِرٍ فَبَشِّرْه بالنَّارِ»؛ فإِنَّه يُفيدُ التَّعميم، والأَوَّلُ يدلُّ على التخصيص، فذكره أوَّلاً تسليةً له، وثانياً لئَلَّا يتقيَّدَ الحكم بالمذكور، بل يعمُّ مَن هو بالكُفْرِ مشهور. کما يدلُّ عليه رواية ابن ماجه من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سالم عن أبيه، قال: جاء أعرابي إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: يا رسول الله! إِنَّ أَبي كانَ يَصِلُ الرَّحِمَ، وكان وكانَ، فأين هو؟ قالَ: «في النَّارِ»، قالَ: فكأَنَّه وَجَدَ من ذلك، فقال: يا رسول الله! فأينَ أبوك؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حيثما مرَرْتَ بقبرِ مُشرِك فَبَشِّرْه بالنَّارِ»، قال: فأسلم الأعرابي بعد، وقال: لقد كلَّفني رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تعباً، ما مرَرْتُ بقبر كافر إلا بشَرتُه بالنَّارِ.
وفي هذا التعميمِ دَلالة واضحةٌ، وإشارة لائحة بأنَّ أهل الجاهليَّةِ كَلَّهم كُفَّارٌ، إلا ما خُص منهم بالأخبار عن النَّبيِّ المُختارِ.
الجزء 1 · صفحة 12
ومما ثبت في الكتابِ والسُّنَّةِ: ما أخرجه ابن جَرِيرٍ عن قتادة قالَ: ذُكِرَ لنا أنَّ رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ آبَائِنَا مَن كَانَ يُحْسِنُ الجوار، ويصل الأرحام، ويفُكُ العاني، ويُو في بالدِّمَم، أفلا نستغفر لهم؟ فقالَ النَّبيُّ: والله لأستغفِرَنَّ لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه»، فأنزلَ اللهُ: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 114] الآية، ثمَّ عَذَرَ اللهُ إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلامُ فقالَ: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} إلى قوله: تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: 114] 1.
وذُكِرَ لنا: أنَّ نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: «أُوحِيَ إِلَيَّ كلمات قد دخَلْنَ فِي أُذُنِي وَوَقَرْنَ فِي قلبي، أُمِرْتُ أن لا أستغفرَ لِمَن ماتَ مُشرِكاً، ومَن أعطى فضل ماله فهو خيرٌ له، ومَن
أمسك فهو شَرٌّ له، ولا يلوم الله على كَفَافٍ».
وتأويل السيوطي: أنَّ المُرادَ بأبيه عمُّه أبو طالب، وبأبي إبراهيم عمه آزرُ؛ في غاية من السُّقوط. فتدَبَّر، وسيأتي زيادة الكلام للرَّدِّ عليه بالوَجْهِ الآخرِ الأُوفَرِ. وأخرج ابن جرير من طريق عطيّة العوفي، عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عنهما في قوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الآية، قالَ: إنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أرادَ أَن يستغفِرَ لأُمه فنهاه الله عن ذلك، قال: فإنَّ إبراهيم عليه السَّلامُ قد استغفر لأبيه فنزلَ: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ} [التوبة: 114].
الجزء 1 · صفحة 13
قال السيوطي: هذا الأثرُ ضعيفٌ مَعلولٌ؛ فإنَّ عطيَّةَ ضعيفٌ، وهو مُخالِفٌ لرواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس السَّابقة، وتلك أصَحُ، وعليٌّ ثِقةٌ جليلٌ. قلتُ: عطيَّةُ مُختلفٌ فيه، ولو سُلَّمَ أنَّه ضعيفٌ فيتقوَّى بانضمام غيره إليه، ثمَّ لا مُخالَفَةَ بين الروايتين؛ لإمكان الجمع بين القضيَّتين بتعددِ الواقعة في الحالتين، وقد نقله الحافظ عماد الدين في «تَفسِيرِه» عن العوفي عن ابنِ عباس وسكت عليه، وهذا دليل نبوته عنده.
وقد أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابنُ مَردَوَيهِ والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائل» عن ابن مسعودٍ رَضِي الله عنه قال: خرج رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يوماً إلى المقابر فاتَّبعناه، فجاءَ حتّى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلاً، ثم بكى فبَكَينا لبُكائِه، ثم قام فقام إليه عمر فدعاه، ثم دعانا فقالَ: «ما أبكاكُم؟ قلنا: بَكَينا لبُكائِك، قال: «إنَّ القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، وإنّي استأذنت ربي في زيارتها فأذِنَ لي، وإنِّي استأذَنْتُ ربي بالاستغفار لها فلم يأذن لي، وأنزَلَ عليَّ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} [التوبة: 113]، فأَخَذَني ما يأخذ الولد للوالدة من الرّأفة، فذاك الذي أبكاني».
وكذا ذكره الواحِدِيُّ في أسباب نزوله» بإسناده عنه مثله، ورواه الطبراني عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عنهما نحوه، كما ذكره القسطلاني، قال القاضي عياض: وبكاؤُه عليه السَّلامُ على ما فاتها من إدراكِ أيامه والإيمان به.
الجزء 1 · صفحة 14
وأخرج ابنُ مَردَوَيه عن بُرَيدةَ رَضِي الله عنه قال: كنتُ معَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إِذ وقَفَ على عُسْفَانَ فنظر يميناً وشمالاً فأبصر قبرَ أُمه آمنَةَ، فَوَرَدَ الماءَ فتوضأ ثمَّ صلَّى ركعتين، فلم يفجَأْنا إلا ببكائه، فبَكَينا ببكائه، ثمَّ قام فصلى ركعتين ودعا، فلم يَفجَاً إلا وقد علا بُكاؤُه فعلا بكاؤنا لبُكائِهِ، ثُمَّ انصرَفَ إلينا فقال: «ما الذي أبكاكُم؟» قالوا: بَكَيتَ فبَكَينا يا رسولَ اللهِ قالَ: «وما ظَننتُم؟» قالوا: ظننا أنَّ العذابَ نازِل علينا بما نعمَلُ، قالَ: «لم يكُنْ من ذلك شيء».
الجزء 1 · صفحة 15
قالوا: فظَنَّنا أنَّ أُمَّتَك كُلِّفَت من الأعمال ما لا يُطيقون فرَحِمْتَها، قال: «لم يكن من ذلك شيء، ولكن مررتُ بقبر آمنة أُمِّي فصلَّيتُ ركعتين ثمَّ استأذنتُ أن أستغفر لها، فنهيتُ فبَكَيتُ، ثمَّ عُدتُ فصليت ركعتين فاستأذنتُ رَبِّي أن أستغفرَ لها فزُجِرْتُ زَجْراً، فعلا بُكائي، ثم دعا براحلته فرَكِبَها، فما سار إلا هُنَيْهَةً حَتَّى قامتِ النَّاقَةُ لِيْقَلِ الوَحْيِ، فأنزلَ اللهُ: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113 - 114] الآيتين. وأخرجَ الطَّبَرانيُّ وابنُ مَردَوَيهِ من طريقِ عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك اعتمر، فلمَّا هِبَطَ مِن ثَنِيَّةِ عُسْفَانَ أَمَرَ أصحابه أن يستندوا إلى العقبة حتَّى أرجع إليكم، فذَهَبَ فَنَزَلَ على قبرِ آمنةً، فناجي ربَّه طويلاً، ثمَّ إِنَّه بكى فاشتدَّ بُكاؤُه، فبكى هؤلاء لبكائه، فقالوا: ما بكى نبيُّ اللهِ هذا البُكاءَ إلا وقد حَدَثَ في أُمَّتِه شيءٌ لم تُطِقْه، فلما بكى هؤلاء قام فرجَعَ إليهم فقال: ما يُبكيكُم؟ قالوا: يا نبي الله ما هذا البُكاءُ إلا وقد حَدَثَ فِي أُمَّتِك شيء لم تُطِقْه، قالَ: «لا، وقد كانَ بعضُه، ولكنني نزلتُ على قبرِ أَمِّي، فَدَعَوتُ اللهَ ليأْذَنَ لي في شفاعتها يوم القيامةِ، فأبى أن يأذن لي فرحِمتُها، وهي أُمِّي، فَدَعَوتُ رَبِّي أن يرفَعَ عن أُمَّتي أربعاً، فرَفَعَ عنهم اثنتين، وأبى أن يرفع عنهم اثنتين، دَعَوتُ ربي أن يرفع عنهم الرَّجْمَ من السَّماءِ، والغَرَقَ من الأرضِ، وأن لا يُلبسهم شِيَعاً، وأن لا يُذيقَ بعضهم بأسَ بعض، فرفع الله عنهم الرَّجمَ من السَّماءِ، والغَرَقَ من الأرضِ، وأبى أن يرفع عنهم القَتْلَ والهَرْجَ».
الجزء 1 · صفحة 16
قال: وإنَّما عَدَلَ إلى قبر أُمّه لأنَّها كانت مدفونة تحتَ كَدَاء، وكانت عُسْفَانُ لهم، وبها وُلِدَ النَّبيُّ، أي: على قول. وقد أخرج العماد ابن كثير هذا الحديث بسندِ الطَّبراني المُتَصلِ إلى ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله عنهما مع تغيير قليل، وزادَ في آخره: «ثم جاءني جبريل وقال: ل وما كان اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَيَّنَ لَهُ وَأَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: 114]، فتبرأ من أُمِّك كما تبرأ إبراهيم من أبيهِ، فَرَحِمتُها وهي أُمِّي، ودَعَوتُ ربي ... إلى آخره.
وأخرجَ ابنُ المُنذِرِ والطَّبَرَانِيُّ والحاكِمُ وصححه عن ابنِ مسعودٍ رَضِي الله عنه قال: جاء ابنا مُلَيكَةَ، وهما من الأنصارِ، فقالا: يا رسولَ اللهِ، إِنَّ أُمَّنا كانت تحفَظُ على البَعْلِ، وتُكرِمُ على الضّيفِ، وقد وَأَدَت في الجاهلية، فأينَ أمنا؟ قالَ: «أَمُّكُما في النَّارِ»، فقاما وقد شقّ ذلك عليهما، فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَرَجَعا، فقالَ: «أَلا إِنَّ أُمِّي مع أنكما في النَّارِ».
وأخرج ابنُ سَعْدِ عن الكَلبي وأبي بكرِ بنِ قَيْس الجعفي نحوه. وفي المعالم»: قالَ أبو هُريرَةَ وبُرَيدَةُ رَضِي الله عنهما: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَتى إلى قبر أمه آمنة فوقَفَ عليه حتَّى حَمِيَت الشَّمسُ رجاءَ أَن يُؤذَنَ له فيستغفِرَ لها، فنزلَت مَا كَانَ لِلنَّبِي وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113]. ثمَّ ذكر إسناده المُتَّصِلَ إلى مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ عن أبي هريرَةَ رَضِي الله عنه قال: زارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قبرَ أُمه فبَكَى وأَبَكَى مَن حوله، فقال: «استأذَنْتُ رَبِّي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأَذِنَ لي، فزُورُوا القبور؛ فإنَّها تُذَكَّرُ الموت».
الجزء 1 · صفحة 17
وأما الإجماعُ: فقد اتَّفَقَ السَّلَفُ والخَلَفُ من الصَّحابة والتابعين، والأئمة الأربعة وسائِرُ المُجتهدين على ذلك، من غير إظهار خلاف لما هنالك، والخلافُ من اللَّاحِقِ لا يقدح في الإجماع السابق، سواء يكون من جنس المخالف، أو صنفِ المُوافق.
والعَجَبُ من الشَّيخ جلالِ الدِّينِ السُّيوطي مع إحاطته بهذه الآثار التي كادت أن تكونَ مُتواترةً في الأخبار؛ أَنَّه عدَلَ عن مُتابعة هذه الحُجَّةِ، وموافقة سائر الأئمة، وتبع جماعةً من العلماءِ المُتأخرين، وأورد أدلَّةً واهِيةٌ في نظرِ الفُضَلاءِ المُعتبَرين. منها: أنَّ الله سبحانه أحيى له أبويه حتّى آمنا به، مُستدلاً بما أخرجه ابنُ شاهين في «الناسخ والمنسوخ، والخطيب البغدادي في «السَّابِقِ واللَّاحِقِ»، والدَّارَ قُطنِيُّ، وابن عساكر كلاهما في غرائب مالك بسند ضعيف عن عائشةَ رَضِي اللَّه عَنها قالَ: حَجَّ بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حَجَّةَ الوداع، فمرَّ بي على عَقَبَةِ الحُجُونِ وهو باكٍ حزينٌ مُعْتَم فنزل فمَكَثَ عنِّي طويلاً، ثمَّ عادَ إليَّ وهو فَرِحٌ مُتبسم، فقلتُ له، فقالَ: «ذهبتُ لقَبْرِ أُمِّي، فسألتُ اللهَ أن يُحيِيَهَا فَآمَنَتْ بي، ورَدَّهَا اللهُ عزَّ وجلَّ».
الجزء 1 · صفحة 18
وهذا الحديث ضعيفٌ باتِّفاقِ المُحدِّثين كما اعترف به السُّيوطِيُّ، وقال ابن كثير: إنَّه مُنكَرٌ جدا، ورُواتُه مجهولون، فقَولُ الشَّيخِ ابنِ حَجَرٍ المَكَّيِّ في الهمزية» 4: هو حديث صحيح صححه غيرُ واحدٍ من الحُفَّاظِ؛ مردود عليه، بل كَذِبٌ صريح، وعَيبٌ قبيح، مُسقِطٌ للعدالة، ومُوهِنُ للرواية؛ لأنَّ السُّيوطيَّ معَ جلالته، وكمال إحاطته، ومُبالغتِه في رسائل مُتعدّدةٍ من تصنيفاته، ذكر الاتفاق على ضعف هذا الحديث، فلو كان له طريق واحدٌ صحيح لذَكَرَه في مَعرِضِ الترجيح. ومن المعلوم أنَّ بعدَه لم يُحدِّثْ غيرُ واحدٍ من المُحدِّثين الذين يصح كونُهم من المُصححين، ومَن ادَّعى فعليه البيان في معرض الميدان.
هذا وقد قال الحافظ ابنُ دِحْيَة كما نقله العِماد ابن كثير عنه: إنَّ هذا الحديث موضوع يردُّه القرآنُ والإجماع، قالَ اللهُ تعالى {وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ [النساء: ??] 2، انتهى.
والمعنى أَنَّه ثبتَ كُفْرُهما بما سبق من دَلالة الآيةِ السَّابقةِ المُنضَمَّةِ إلى رواية السُّنَّةِ المُتقوية بإجماع الأمة مع قوله تعالى: {وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كفَارُ} [النساء: ??]؛ أي: ليستِ التَّوبةُ صحيحةً ممَّن مات وهو كافر؛ لأنَّ المُعتبَر هو الإيمانُ الغَيبِيُّ؛ لقوله تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَنْهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَسَنَا} [غافر: 84]. والحاصل: أنَّه لم يثبت إحياؤُهما وإيمانهما، والدليل على انتفائهما عدَمُ اشتهارهما عند الصحابة، لا سيما والواقعة في حَجَّةِ الوداع، والخَلْقُ الكثير في خدمته بلا نزاع، معَ مُنافاتِه للقواعدِ الشَّرعيَّةِ من عَدَمِ قبولِ الإيمان بعد مشاهدة الأحوالِ الغَيبيَّةِ بالإجماع، ثمَّ دَعوى الخُصوصيَّة يحتاج إلى إثباتِ الأدلَّةِ القوية، فمَن ادَّعى هذا العُنوان فعليه البيانُ.
الجزء 1 · صفحة 19
وأما الاستدلال بالقدرة الإلهيّة وقابليَّةِ الخُصوصيَّةِ للحَضرةِ النَّبويَّةِ، فأمرُ لا ينكره أحد من أهل الملةِ الحنيفية، وإنما الكلام في إثبات هذا المرام بالأدلة على وجه النظام، لا بالاحتمال الذي لا يصلح للاستدلال خصوصاً في مُعارضة نصوص الأقوال.
وأما قولُ القُرطبي: فليس إحياؤُهما يمتنع عقلاً ولا شَرعاً؛ فلا شُبهة في إمكانه أصلاً ولا فرعاً، وإنما الكلامُ في ثُبوتِه أَوَّلاً ونفيه ثانياً.
وبهذا يندفع ما أورده السُّهَيلِيُّ في الرَّوضِ الأُنْفِ» بسنَدِ فيه جماعة مجهولون: إنَّ اللهَ أحيى له أباه وأُمَّه فآمنا به.
ثم قال بعد إيرادِه اللهُ قادِرٌ على كلّ شيءٍ، وليس تَعجَزُ رحمته وقدرته عن شيء، ونبيه أهل أن يُختَصَّ بما شاءَ من فضله وينعم بما شاء من كرامته.
قلتُ: ولو صح هذا الإحياء، الأظهر لها على الأعداءِ، فَضْلاً عن الأحبَّاءِ من أكابر أصحابه، ولم يكتفِ بذكرِه لعائشة من بين أحبابه، على أنَّ رواية عائشةَ رَضِي الله عنها لو صحت لانتَشَرَ عنها إلى التّابعين وغيرِهم وشاعت؛ فإِنَّه لو صح إحياءُ أبوَيه وإيمانهما لكان من أظهر معجزاته، وأكبر كراماته، فتبيَّنَ أنَّ هذا من موضوعاتِ الرافضة، وإِنَّما نَسبوا الحديث إلى عائشة تبعيداً عن الظَّنِّ بوضعهم، وتأكيداً للقضيَّةِ في ثقة إثباتهم.
الجزء 1 · صفحة 20
وأغْرَبَ القُرطبي حيث قال: لا تعارُضَ بين حديث الإحياء وحديث النهي عن الاستغفار لهما، بدليل حديث عائشةَ رَضِي الله عنها: أَنَّ ذلك كانَ في حَجَّةِ الوَداع، ولذلك جعله ابن شاهين ناسخاً لما ذُكِرَ من الأخبار، انتهى. ولا يخفى وَجْهُ الغَرابة؛ فإنَّ الحديثَ إذا كان ضعيفاً باتِّفاقِ المُحدِّثين، وموضوعاً عندَ المُحققين، ومُخالفاً للكتاب عندَ المُفسِّرين، كيف يصلُحُ أن يكونَ مُعارِضاً لحديث مسلم في الصحيح، ومُناقضاً لما سبق ممَّا كادَ أن يكونَ مُتواتِراً في التصريح؟ أو كيف يُمكنُ أن يكون ناسخاً؟ والنَّسخُ لا يجوز في الأخبار عندَ. علماء الأعلام، وإِنَّما هو من مُختصَّاتِ الإنشاء والأحكام، وإلا فيَلزَمُ الخُلْفُ في أخباره ويتَوَجَّه البداءُ في آثاره، وهو مُتعال عن ذلك عُلُوّاً كبيراً.
ومنها قولُ السُّيوطِيُّ: إنَّهما ماتا قبلَ البَعثَةِ، وإنهما كانا من أصحاب الفترة. وهذا كما لا يخفى مُعارَضَةٌ لِما ثبَتَ في الكتابِ والسُّنَّةِ، ومُناقضَةٌ لِما صُرِّحَ
بإشراكهما فيما سبق من صاحبِ النَّبوَّةِ.
فما ذكره من تطويلِ البَحثِ وتكثيرِ الأدلَّةِ غيرُ مُفيد له في هذه القضيَّةِ مِعَ ظُهورِ التَّناقُضِ في كلامه لتحصيل، مَرامِه، فإنَّهما لو كانا من أهلِ الفَترَةِ لَما احتاجا إلى الإحياء والإيمان بالنُّبُوَّةِ بناءً على أنَّهما من أهلِ النَّجاةِ في الفِطرةِ.
ثمَّ هذه المسألة فيها خلافُ المُعتزلة، وأكثر أكابر أهلِ السُّنَّةِ، حتّى قالَ بعض المحققين: لا يُوجَدُ صاحب الفترة إلا من ولد في مفازة خالية عن سماع بعثة صاحبِ النُّبوَّة بالكلية، على خلافٍ في أنَّه هل هو مكلف بالعقل توحيد الرَّبِّ وشُكرَ نِعمتِه ووُجوبَ النَّظَرِ في صنعتِه أم لا؟
ومما يتفرع عليه ما ذكره البَغَوِيُّ في التّهذيب»: أمَّا مَن لم تبلغه الدَّعوة فلا يجوز قتله قبل أن يُدعى إلى الإسلام، فإن قُتِلَ قبل أن يُدعى إلى الإسلامِ وَجَبَ في
الجزء 1 · صفحة 21
قتله الدِّيةُ والكفَّارة، وعند أبي حنيفةَ رَضِي اللَّه عَنه لا يجبُّ الضَّمَانُ بِقَتِلِه. وقال الغزالي في البسيط»: مَن لم تبلغه الدَّعوةُ يُضمَنُ بِالدِّيةِ والكفَّارِةِ لا بالقصاص على الصحيح؛ لأنَّه ليسَ مُسلِماً على التحقيق، وإِنَّما هو في معنى المُسلِمِ. قالَ ابنُ الرّفعَةِ في «الكفايةِ»: لأنَّه مولود على الفطرة، ولم يظهر منه عِناد. انتهي. ولا يخفى ما فيه من الدَّلالة على أنَّ أهل الفترة هو الذي يكون على أصل الفطرة من التَّوحيد، ولم يظهر منه من الكُفْرِ ما يُنافي التفريد، كما يدلُّ عليه
قوله سبحانه: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30]. وكما ورَدَ في حديثِ: «كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفطرة، فأبواهُ يُهوِّدَانِهِ ويُنصرانه ويُمَجِّسانِه». الحديث.
وفيه دليل على أنَّ كلَّ مولود في حالِ عَقلِه وكمال حاله إذا خُلِّيَ هو وطبعه اختارَ التَّوحيد الله في الذَّاتِ والتَّفريد له في الصفات، كما يدلُّ عليه قضية الميثاق الذي وقع عليه الاتفاق على ما هو مُقَرَّر في محله الأليق به. ولهذا قال الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ: مَن ماتَ مُشرِكاً فهو في النَّارِ، وإن مات قبل البعثة؛ لأنَّ المُشركين كانوا قد غَيَّروا الحنيفية دين إبراهيمَ، واستبدلوا بها الشّركَ وارتكبوه، وليسَ معَهم حُجَّةٌ، ولم يزَلْ معلوماً من دينِ الرُّسُلِ كلّهم من أَوَّلِهم إلى
آخرهم قُبْحُ الشَّركِ والوعيد عليه في النَّارِ، وأخبارُ عُقوباتِ اللَّهِ لأَهلِهِ مُتداوَلَةٌ بَينَ
الجزء 1 · صفحة 22
الأُمَمِ قَرْنا بعدَ قَرْنٍ، فللَّهِ الحُجَّةُ البالغةُ على المشركين في كل وقت وحين. ولو لم يكن إلا ما فطر الله عليه عباده من توحيد ربوبيته، وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إلهُ آخَرُ، وإن كان سبحانه لا يُعذِّبُ بمُقتَضَى هذه الفطرة وحدها، فلم تزَل دعوةُ الرُّسل إلى التّوحيد في الأرضِ معلومة لأهلها، فالمُشْرِكُ مُستَحِقٌ للعذابٍ في النَّارِ لمُخالفتِه دَعوى الرُّسل، وهو مُخَلَّدٌ فيها دائماً كخُلودِ أهل الجنَّةِ في الجنَّةِ، انتهى.
ولا يخفى أنَّ ما وَرَدَ عنه صلى الله عليه وسلم في حقٌّ بعض أرباب الفترة من التعذيبِ يَدُلُّ دَلالةً صريحةً للرَّدُّ على ما عليه بعضُ الشَّافعيّةِ من أنَّ أهلَ الفترة لا يُعذَّبون مُطلَقاً. قال: وأصله أنه عندهم محجوج عليه بعقله، وعندنا هو غير محجوج عليه قبل بلوغ الدعوة إليه.
ومنها قولُ السُّيوطِيّ: إِنَّه وَرَدَ في أهل الفترة أحاديثُ أَنَّهم يُمتَحَنون يومَ القيامةِ بأن تُرفَعَ لهم نارٌ فيُقالُ لهم: أدخُلوها، فيدخُلُها مَن كانَ في علمِ اللهِ سعيداً لو أدرَكَ العَمَلَ، ويمتنع من دخولها مَن كانَ في علم الله شقياً لو أدرَكَ العَمَلَ، فيقولُ تبارَكَ وتعالى: إِيَّايَ عصَيْتُم، فكيفَ بِرُسُلي بالغيبِ؟
ولا يخفى أنَّ هذا على تقديرِ صِحَتِه وقُوَّتِه لِمُعارضةِ مُخالفتِهِ إِنَّما يَكُونُ فِيمَن مات من أهل الفترة ولم يُعلَمْ حاله من إحداثِ الشِّرْكِ أو التَّوحيد على الفطرة. وأَمَّا مَن ثبتَ كُفره بالكتاب والسُّنَّةِ واتّفاقِ الأئمة؛ فلا وجه لإدخاله في أصحاب هو مذهب جمهور الشافعية والمنقول عن نص الإمام كما مر آنفاً.
الامتحانِ للطَّاعَةِ، كَوَرَقَةَ بنِ نَوْفَلِ، وقُس بن ساعِدَةَ، وغيرهما ممَّن ثبَتَ توحيدهما، ولا نحوَ صاحِبِ المِحْجَنِ وغيره ممَّن ثبَتَ شِركُهما.
الجزء 1 · صفحة 23
وأَغْرَبُ من هذا أنَّه استدَلَّ بقولِ الحافظ ابنِ حَجَرِ العَسْقَلانِيِّ في بعض كُتُبِه: الظَّنُّ باله - يعني الذين ماتوا قبلَ البَعثَةِ - أنَّهم يُطيعون عند الامتحان إكراماً له لتَقَرَّ بهم عينه، انتهى.
ووَجْهُ الغَرابة: أنَّ هذه القضيَّةَ بالطَّريقةِ الظَّنّية في أهل الفترَةِ الحقيقيَّةِ المُبهَميَّةِ لا تُفيدُ في المسألة العينيَّةِ. انتهى.
وكذا من العجيبِ ما نُسِبَ إِلى العَسْقَلانِيّ في قوله: ونحن نرجو أن يدخُلَ عبد المُطَّلِبِ وآل بيته في جُملةِ مَن يدخلها طائعاً فيَنجُو، إلا أبا طالب فإنَّه أدركَ البَعثَةَ ولم يُؤْمِنْ، وثبت في «الصَّحيحِ أَنَّه في ضَحْضاحٍ من نار، ولا يخفى أنَّ إدخال عبدِ المُطَّلب في القِصَّةِ خارج عن الصحة؛ لما ورد في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أبي طالب عند موته وعنده أبو جَهْل وابن أبي وأمية قائلين: أترغَبُ عن مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ؟ فقال: أنا على مِلَّةِ عبد المُطَّلبِ، وأبى أن يقول: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، فَنَزَلَ: {إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ} [القصص: 56]، فهذا يقتضي أنَّ عبدَ المُطَّلبِ ماتَ على الشرك بلا شك.
رجل من أهل الجاهلية كان يسرق متاع الحاج، بمحجنه، فإن رآه أحد قال: إنما تعلق بمحجني، وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه رآه متكنا على محجنه في النار. ينظر: صحيح ابن وفي الأصلِ المُهذَّبِ أَنَّ المجَرَّبَ لا يُجرَّبُ.
ومما يُقويه ويُؤكِّدُه ما في «مُسند البزارِ» و «كتابِ النَّسائي» من حديثِ عبد الله بن عمر و رَضِي الله عنهما: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لَفَاطِمَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا وقد عزّت قوماً من الأنصارِ عن ميّتهم: العلكِ بِلَغْتِ مَعَهم الكُدَى»، فقالَ:
لو كُنتِ بلَغتِ معَهم الكُدَى ما رأيتِ الجنَّةَ حتّى يراها جد أبيكِ.
الجزء 1 · صفحة 24
وقد أخرجه أبو داود أيضاً، إلا أنَّه لم يذكر فيه: «حتى يراها جَدُّ أبيكِ». وفي هذا تهديد شديدٌ ووَعيدٌ أكيد على مرتكب المعصية ولو كان صاحِبُها من أعلى أهل بيتِ النُّبُوَّةِ.
وأما ما وَرَدَ من قوله: «أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ ... أنا ابنُ عبدِ المُطَّلبِ»، فمحمول على أنَّه ليس من باب الافتخار في الانتساب بالآباء الكُفَّارِ، بل لإظهارِ الجَلادةِ والشَّجاعة والاشتهار، كما بيَّنته في «شرح الشمائل» للترمذي. وأما ما حكاه ابنُ سيّدِ النَّاسِ: إِنَّ اللهَ أحياه بعدَ بَعثَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى آمَنَ به وأسلم ثم مات 4، فهو مَردودٌ؛ لأنَّه لا دليل عليه من حديث ضعيف ولا غيره
وإِنَّما حكَوْهُ عن بعض الشَّيعةِ، وخِلافُهم غيرُ مُعتبر عند أهلِ السُّنَّةِ.
وكذا قولُ القُرطبي على ما ذكره ابنُ العِمَادِ ابن كثير عنه في تفسيره إنَّ الله أحيا أبا طالب حتى آمَنَ؛ باطل موضوع بإجماع أهل الحديث، ومُخالِفٌ لمذهب الحقِّ، على أنه سبق أنه لا ينفَعُ الإيمان بعد العيان، بل أقولُ: لا يُتَصَوَّرُ هذا البيانُ؛ إذ قال الله تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ} [الأنعام: ??] ولا خُلْفَ في إخبارِه سُبحانَه.
الجزء 1 · صفحة 25
ومنها قولُ السُّيوطِيّ: إِنَّ ابن جرير ذكرَ في تفسيره» عن ابن عباس رَضِي الله عنهما في قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرَضَى} [الضحى: 5]، قالَ: مِن رِضَى محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يدخُلَ أحد من أهل بيته النَّارَ. وفيه أنَّ هذا قول صحابي من قِبَلِ رأيه، وعلى تسليم صحتِه ودَلالته فأهل بيته لا يتناول أقاربه المُتقدِّمين من الكُفَّارِ بالإجماع، نعم يُفيدُ أَنَّ مَن كَانَ نَسَبُه ثابتاً إلى صاحب النُّبوَّةِ يُرجى له حُسنُ الخاتمة وحُصولُ الشَّفاعةِ، أو توفيقُ التَّوبة عن المعصية إذا كانَ من أهلِ المِلَّةِ؛ لِما أخرجه أبو سعيد في «شَرَفِ النُّبُوَّةِ»، والمُلَّا في «السيرة عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «سألتُ رَبِّي أَن لا يُدخِلَ النَّارَ أَحَداً من أهل بيتي فأعطاني ذلك».
على أنَّه يُمكِنُ أَن يُقالَ: المُرادُ بالنَّفي دخولُ الآباء، فيكونُ بشارةٌ إلى مَوْتِ أهل البيت على الإسلام، ودخولهم دارَ السَّلامِ، ولو كانَ بعدَ مُضِي الأَيَّامِ. وأما ما أخرجَ تمامُ الرَّازِيُّ في «فوائدِه» بسند ضعيف عن ابن عُمَرَ الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامةِ شَفَعْتُ لأبي وأُمِّي وعمي أبي طالب وأخ لي كان في الجاهلية؛ أي: بالرضاعة، كما في رواية، فهو حُجَّةٌ لنا لا علينا، لإدراجه أبويه مع عمه أبي طالب المُجمَعِ على كفره، فالحديث إن ثَبَتَ فهو محمول على ما وَرَدَ في الصحيح من تخفيف العذابِ عنهم بشفاعته، واللهُ سُبحانَه أَعلَمُ.
ثمَّ أَغْرَبَ السُّيوطِيُّ في قوله: وممَّا يُرَشّحُ ما نحن فيه ما أخرجه ابن أبي الدُّنيا عن أبي هُرَيرةَ رَضِي الله عنه مرفوعاً قالَ: «سألت ربي أبناء العشرين من أُمَّتِي فوَهَبَهم لي 2.
الجزء 1 · صفحة 26
ثم قال: وممَّا ينضَمُّ إلى ذلك وإن لم يكن صريحاً في الحقِّ ما أخرجه الديلمي عن ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عنهما مرفوعاً: «أَوَّلُ مَن أَشفَعُ له يومَ القيامةِ أهل بيتي، ثمَّ الأقرب فالأقرب»، الحديث.
فذِكْرُ هذا وأمثاله ممَّا لا يُناسِبُ حالَه؛ إذ الكلام ليس في أهل بيته من أهل الإسلام، ولذا قالَ النَّووِيُّ في شرحِ مُسلم عند حديث «إِنَّ أبي وأباك في النَّارِ»: فيه أَنَّ مَن ماتَ كافِراً في النَّارِ لا تنفَعُه قَرابةُ الأقربين، وتعَقَّبَه السُّهَيلي بما ظاهره من البطلانِ البَديهي، وهو قوله: ليس لنا أن نقول ذلك، فقد قال: «لا تُؤْذُوا الأحياء بسَبِّ الأمواتِ» ه، وقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأحزاب: 57]
ولعله يصح ما جاءَ أَنَّه سأل الله سُبحانَه فأحيى له أبويه، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فوق هذا، ولا يُعجِزُ الله سبحانه شي.
ثمَّ أَوْرَدَ قولَ النَّوَوِيِّ: إِنَّ مَن مات على الفترة على ما كانت عليه العَرَبُ من عبادة الأوثان فهو في النَّارِ، وليس هذا من التَّعذيبِ قبل بلوغ الدعوة؛ لأنَّه بلَغَتهم دعوة إبراهيمَ وغيره من الرُّسُلِ، انتهى.
وهو في غاية من البَهَاءِ كَشَمسِ الضُّحى وبَدْرِ الدُّجَى، لَكِنْ مَعَ هذا تعقَّبَه بما هو كالهباء في الهواء من المُناقشة في العبارةِ على توَهُمِ المُناقضَةِ بينَ كَلامَيَ النَّوَوِيِّ معترضاً عليه بقوله: إِنَّ مَن بَلَغَته الدَّعوة لا يكون من أَهلِ الفَترَةِ، ودَفَعُه سَهْلٌ؛ فَإِنَّ مُرادَ النَّوَوِيُّ من أهلِ الفَترَةِ: مَن كانَ قبلَ بَعثَةِ نبينا صلى الله عليه وسلم المُعَبَّر عنهم بالجاهلية. ومنها قولُ السُّيوطِيِّ: إنَّهما لم يثبت شِرْكٌ عنهما، بل كانا على الحنيفية دينِ
جدهما إبراهيم عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الجزء 1 · صفحة 27
قلتُ: وهذا يُعارِضُه ما صَحَ في صحيح مُسلِمٍ عنه عليه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ كما سبق عليه الكلام.
قال: وهذا المَسْلَكُ ذهبَتْ إليه طائفةٌ، منهم الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ، فقال في كتابه «أسرارِ التّنزيل ما نصه: قيلَ: إِنَّ آزَرَ لم يكُنْ والِدَ إبراهيم عليه السَّلامُ؛ بل كانَ عمه، واحتجوا عليه بوجوه:
منها: أنَّ آبَاءَ الأنبياء عليهم السَّلامُ ما كانوا كُفَّاراً، ويدلُّ عليه وجوه: منها قوله تعالى: {الَّذِي يَرَكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: ???]، قيل: معناه أَنَّه كانَ يُنقَلُ نوره من ساجِدٍ إلى ساجِدٍ، وبهذا التَّقديرِ فالآيةُ دالة على أنَّ جميعَ آبَاءِ محمد صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين، وحينئذ يجبُ القَطع بأنَّ والدَ إبراهيم عليه السَّلامُ ما كانَ من الكافرين، إنَّما ذاك عمُّه، أقصى ما في الباب أن يُحمَلَ قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين} [الشعراء: ???] على وجوه أُخرى.
وإذا ورَدَتِ الرّواية بالكل، ولا منافاة بينها؛ وَجَبَ حَمِلُ الآية على الكُلِّ، ومتى صَحَ ذلك ثَبَتَ أنَّ والِدَ إبراهيمَ عليه السَّلامُ مَا كانَ من عَبَدَةِ الأَوثَانِ، ثُمَّ قال: ومما يدل على أنَّ آبَاءَ محمد صلى الله عليه وسلم ما كانوا مُشرِكين قوله: ولم أَزَلْ أنقل من أصلابِ الطَّاهرين إلى أرحامِ الطَّاهراتِ»، وقال الله تعالى: {إِنَّمَا
الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: ??]، فوَجَبَ أن لا يكون أحد من أجداده مُشرِكاً. قالَ السُّيوطِيُّ: هذا كلام الإمامِ فَخْرِ الدِّينِ بحروفه، وناهيك به إمامةً وجَلالةً؛ فإِنَّه إمامُ أهلِ السُّنَّةِ في زمانه، والقائمُ بالرَّدَّ على فِرَقِ المُبْتَدِعَةِ، وَالنَّاصِرُ لمذاهبِ الأَشاعِرَةِ في عَصرِه، وهو العالمُ المَبعوث على رأس المئةِ السَّادسة ليُجدِّدَ لهذه الأمة أمر دينها. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 28
ولا يخفى معَ مُعارضة كلامه لما سبَقَ من الكتاب والسُّنَّةِ، واتفاقِ الأئمة، وما هو صريح في صحيح مسلم» من كلام صاحِبِ النُّبُوَّةِ، أَنَّه قالَ اللهُ تعالى في كلامه
القديم ما يدل على كُفر أبي إبراهيم. ما والأصل في حَمْلِ الكلام على الحقيقة، ولا يُعْدَلُ عنه إلى المجازِ إلا حالَ الضَّرورة، عند دليل صريح ونقل صحيح يُضطر منه إلى ارتكاب المجازِ، فَبِمُجرَّدِ قول إخباري تاريخي يهودِيٌّ أو نَصراني، كما عبر عنه بقيلَ: إِنَّ أَزْرَ لم يكُنْ والِدَ إبراهيم عليه السلام بل كانَ عمَّه، كيف يُعدَلُ عن آياتٍ مُصرَّحَة فيها إثباتُ النُّبُوَّةِ؟ منها: قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَازَرَ} [الأنعام: 74]، وهو عَطْفُ بيانٍ أو بدل، بناءً على أنَّه لَقَب له أو نعت بلسانهم ونحو ذلك.
ومنها: قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ هُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} [التوبة: 113 - 114]، وفي قراءة شاذة: أباه.
ومنها: قوله تعالى حكايةً عن إبراهيمَ: تَأَبَتِ مُكرَّراً.
ومنها: قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا برءوا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا
الجزء 1 · صفحة 29
بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ} [الممتحنة: 4]. وأقول زيادة على ذلك: وهو أنه كانَ مُبَيِّناً للكتاب، ومُمَهداً الطَّرِيقَ الصَّوابَ، فلو كانَ المُرادُ بأبي إبراهيم عمه لبيَّنَه؛ ولو في حديث للأصحاب ليحملوا الأب على عمه بطريق المجاز في هذا الباب، ثمَّ دَعوتُه أَنَّ آبَاءَ الأنبياء
إبراهيم: اللهم أنت وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال: انظر إلى ما تحت رجليك، فينظر، فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار الذيخ: ذكر الضبع كثير الشعر.
عليهم السلام لم يكونوا كُفَّاراً تحتاج إلى برهان واضح ودليل لائح، فاستدلاله بقوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: ???] بناءً على قيل في غاية من السقوط، كما يُعلَمُ من قول سائرِ المُفسرين في الآية.
فقد ذكر البيضاوِيُّ وغيره في تفاسيرهم أنَّ معنى الآية: وتردُّدُكَ في تصفح أحوالِ المُتهجدين، كما رُوِيَ أَنَّهُ لمَّا نُسِخَ فَرْضُ قيامِ اللَّيلِ طَافَ تلك الليلةَ بُيوتَ أصحابه لينظُر ما يصنعون حِرْصاً على كثرة طاعاتهم، فوجدها كبيوتِ الزَّنابير لما سمَعَ لها من دَنْدَنَتِهم بذكرِ الله تعالى 2.
ونقل الإمام أبو حيان في «البحرِ» عند تفسير قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّجِدِينَ}: أَنَّ الرَّافِضَةَ هم القائلون: إِنَّ آبَاءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين مُستَدِلِّين بقوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ، وبقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لم أزَلْ أُنقَلُ من أصلاب الطاهرين»، الحديث.
الجزء 1 · صفحة 30
وأما قولُ ابنِ حَجَرِ المَكِّيّ: فَلَكَ ردُّ قول أبي حيَّان: بأنَّ مثلَه إِنَّما يُرجَعُ إليه في علم النحو وما يتعلق بهـ؛ فظاهِرُ البطلان للإجماع على قبول شهادةِ النحويين وروايتهم عن المحدثين إذا لم يكن فيه ضعف في الدين، كيف وله ثلاثة من التفاسير؟ وله في السير كتاب كبير، معَ أَنَّ الشَّيعَةِ بِأَجْمَعِهِم مُقِرُّونَ بِأَنَّ هذا قاعدةُ مَذهَبِهم، وله أن يُعارِضَكَ ويقول: وأنتَ فقيه صِرْفٌ، لم تعرف إلا رُؤوس المسائل الفقهيّة المُتعلّقة بالخصوماتِ العُرفِيَّةِ.
وبهذا يظهرُ أيضاً بطلان قولِ ابنِ حَجَرٍ، وأَمَّا مَن أخذَه بظاهرِه كالبيضاوِي
وغيره فقد تساهل واستَرْوَحَ، انتهى.
فكيف يصح قولُ الرَّازِيِّ: إِنَّ جميعَ آبَاءِ محمَّد صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين مع حديث
مُسلِمٍ وإجماعِ جُمهور المسلمين؟ ثمَّ أَغْرَبَ في قوله: وحينئذ يجبُ القَطْعُ بأَنَّ وَالِدَ إبراهيم عليه السَّلامَ ما كان من الكافرين، انتهى.
ولا يخفى أنَّه لم يثبت به الظَّنُّ فَضلاً عن القطع، بل إنَّما هو في مرتبة الشَّكٍّ أو الوَهْم، ثمَّ الاستدلال على أنَّ آبَاءَ محمد صلى الله عليه وسلم ما كانوا مشركين بقوله: «ولم أزَلْ أنقل من أصلابِ الطَّاهرين إلى أرحام الطَّاهرات ... إلى آخر ما ذكره؛ مردود عليه بما أشرنا إليه، وبأنَّ المُرادَ بالحديثِ ما وَرَدَ من طرقٍ مُتَعدِّدة.
الجزء 1 · صفحة 31
منها ما أخرجه البَيْهَقِيُّ في دَلائلِ النُّبوَّةِ» عن أَنَسٍ رَضِي الله عنه: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «ما افترقَ النَّاسُ فِرقتين إلا جَعَلَني الله تعالى في خيرهما، فأُخرِجْتُ من بين أبوي فلم يُصبني شيءٌ من عُهْرِ الجاهلية، وخرجتُ من نكاح ولم أخرج من سفاح من لَدُنْ آدم عليه السَّلامُ، حتَّى انتهيتُ إلى أبي وأمي، فأنا خيركم نَفْساً - أي: رُوحاً وذاتاً - وخيرُكم أباً» 1 أي: نَسَباً وحَسَبَاً. ومنها: ما أخرجه أبو نُعَيمٍ في «دَلائلِ النُّبُوَّةِ من طرق عن ابنِ عب رَضِي الله عنهما مرفوعاً: «لم يلتقِ أبوايَ قطّ على سفاح، لم يَزَلِ اللهُ عزَّ وجلَّ ينقُلُني من الأصلابِ الطَّيِّبة والأرحامِ الطَّاهِرَةِ مُصَفِّى مُهَذَّباً لَا يَتشَعَبُ شُعبتانِ إلا كنتُ في خير هما».
ومنها ما أورَدَه البَيْهَقِيُّ في «سُنَنِه»: «ما وَلَدني من سفاح الجاهلية شيء، ما وَلَدني إلا نكاحُ الإسلام. وأما ما ذكره ابنُ حَجَرِ المَكِّيُّ - تبعاً للسُّيوطي - من أنَّ الأحاديثَ مُصَرِّحةٌ لفظاً في أكثره، ومعنى في كلّه: أنَّ آبَاءَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم - غير الأنبياء - وأمَّهاتِه إلى آدم وحواء ليس فيهم كافر؛ لأنَّ الكافر لا يُقالُ في حقه: إنَّه مُختارٌ ولا كريمٌ ولا طَاهِرُ؛ فمَردودٌ عليه؛ إذ ليس في الأحاديث لفظ صريح مشير إليه.
الجزء 1 · صفحة 32
وأما المعنى: فكأَنَّه أرادَ به لفظ المُختارِ والكريم والأطهار، وهو لا دَلالة فيه على الإيمان أصلاً، وإلا فيلزم منه أن تكون قبيلة قريش كلُّهم مؤمنين؛ لحديث: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى بني كِنانَةَ من وَلَدِ إسماعيل، واصطَفَى قُريشاً من كِنانة»، ولم يقل به أحد من المسلمين، وكذا حديث: «فاختار منهم العرب». ولا يصح عُموم إيمانهم قطعاً، بل لو استُدِلَّ بمثل هذا المبنَى لَزِمَ أَن لا يُوجَدَ كَافِرُ على وجه الأرضِ؛ لقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ إلى أن قال: وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]، فتأمل؛ فإنَّه مَوضِعُ زَلَلٍ، ومَقامُ خَطَلٍ، واحذَرْ أن لا تكون ضالاً مُضِلاً في الوَحَلِ. ثمَّ ما أبعد قوله في حديثِ مُسلِمٍ: «إِنَّ أبي وأباكَ في النَّارِ»: قَصَدَ بذلك تَطيب
خاطرِ ذلك الرَّجُلِ خشية أن يرتَدَّ لو قَرَعَ سمعَه أَوَّلاً أَنَّ أَباه في النَّارِ، انتهى. وهذا نعوذ بالله وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يُخبِرَ بغير الواقع، ويحكُمَ بكُفْرِ والده لأجل تألفِ قلب واحدٍ يُؤمِنُ به أو لا يُؤْمِنُ، فهذه زَلَّةٌ عظيمةٌ، وجُرأَةٌ جَسيمةٌ، حَفِظَنَا اللهُ عن مثل هذه الجريمة.
ومنها: استدلال السيوطي على إيمان جميع آبائِهِ صلى الله عليه وسلم: بما ذكره عبدُ الرَّزَّاقِ في «المُصَنَّفِ» عن مَعْمَرٍ عن ابنِ جُرَيج قالَ: قالَ ابنُ المُسَيِّبِ: قال علي بن أبي طالب: لم يزَل على وَجْهِ الأَرضِ في الدَّهرِ سبعة مسلمون فصاعداً، ولولا ذلك هَلَكَتِ الأَرضُ وَمَن عليها.
وهذا إسناد صحيح على شَرْطِ الشَّيخَينِ، ومثله لا يُقالُ من قِبَلِ الرَّأْيِ، فله حُكْمُ الرَّفع.
الجزء 1 · صفحة 33
وأطال في ذكرِ أمثاله من الأخبار والآثارِ ممَّا ليس له مُناسبةٌ في هذا البابِ، وإِنَّما هو تسويدُ الكِتابِ عندَ مَن يُمَيَّزُ بين الخطأ والصَّوابِ. هذا، وما أخرَجَ ابن أبي حاتم بسنَدٍ ضَعيف عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عنهما من أنَّ أبا إبراهيم لم يكُنِ اسمُه آزَرَ وإنَّما كانَ اسمُه تارح؛ فلا دلالة له فيه على المُدَّعى؛ لأنَّا نقولُ: ولو سُلَّمَ أَنَّ اسمه تارخ، ولقَبُه أَزْرُ، لا يلزمُ أَنَّ أَباه لم يكُنْ مُشرِكَاً. وكذا ما أخرج ابن أبي شيبة وابنُ المُنذِرِ وابن أبي حاتم من طرُقِ بعضُها صحيح عن مُجاهِدٍ قالَ: ليسَ آزرُ أبا إبراهيم، يعني اسمه، بل لقبه 4، لِما سَبَقَ جمعاً بينَ الأدِلَّةِ.
ويُؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن السُّدِّيِّ أَنَّه قيل له: اسم أبي إبراهيمَ آزَرُ؟ فقال: بل اسمُه تارخ، يعني: ولقبه آزرُ.
وكذا ما أخرجه ابنُ المُنذِرِ بسند صحيح عن ابن جريج في قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ، ليسَ آزَرُ بأبيه، يعني بل لقبه، إِنَّما هو إبراهيمُ بنُ تَيرَخَ، أو تارخ بنِ شارُوحَ بنِ ناصُورَ بنِ فايخ.
هذا ولم يذكُرُ أَحَدٌ من هؤلاء الأعلام أن آزر عم إبراهيم عليه السلام، فثبَتَ أَنَّ ذلك القيلَ من القَولِ العليل.
الجزء 1 · صفحة 34
وقد أخرَجَ ابنُ أبي حاتم بسند صحيح عن ابنِ عباسٍ رَضِي الله عنهما قال: ما زال إبراهيم يستغفِرُ لأبيه حتى مات، فلما مات تبيَّنَ له أَنَّه عدو الله فلم يستغفِرْ له. وأخرَجَ عن محمَّدِ بنِ كعبٍ وقَتَادَةَ ومُجاهِدِ والحَسَنِ وغيرهم قالوا: كان يرجو إيمانَه في حياته، فلما مات على شركه تبرأ منه، وقد قدَّمنا هذا المبحثَ مُستوعباً. ومنها: استدلاله بقوله تعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الزخرف: ??]، الله حيث قال: أخرج عبدُ بنُ حُمَيدٍ في تفسيره بسنده عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي عنهما أنَّه قال: لا إلهَ إلا الله باقيةٌ في عَقِبِ إبراهيم عليه السَّلامُ. أقولُ: أي: في ذُرِّيَّتِه، ولا يلزم منه عمومهم، ويكفي وجوده في بعض منهم؛ إذ الإجماعُ مُنعَقِدٌ أَنَّ جميع ذرِّيَّةِ إبراهيم من أولادِ إسماعيل وإسحاق عليهم السَّلامُ لم يكونوا مؤمنين، ولهذا قالَ قَتادَةُ رَضِي الله عنه: لا يزالُ في ذُرِّيَّتِه مَن يقولُها من بعده،
وفي رواية: مَن يُوَحّدُ اللهَ عَزَّ وجلَّ ويعبُده، وقالَ ابنُ جُرَيج: فلم يَزَلْ بعدُ من ذُرِّيَّةِ إبراهيم عليه السَّلامُ مَن يقولُ: لا إِلهَ إلا الله.
ومنها: استدلاله بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ عَامِنَا وَاجْنُبْنِي وَبَنِي أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35]، حيثُ قالَ: أَخْرَجَ ابنُ جَرِيرٍ في تفسيره» عن مُجاهِدٍ في هذه الآية قال: فاستجاب الله تعالى لإبراهيم عليه السَّلامُ دعوته في وَلَدِه فلم يعبُد أحدٌ من وَلَدِه صَنَماً بعدَ دَعوتِه، واستجابَ اللهُ وجعلَ هذا البلدَ آمِناً، ورزَقَ
الجزء 1 · صفحة 35
أهله من الثَّمراتِ، وجعله إماماً، وجعل من ذُرِّيَّتِهِ مَن يُقيمُ الصَّلاةَ، انتهى. ولا يخفى أنَّه لا يصح حَمْلُ ولده على عُمُومِ ذُرِّيَّتِه؛ للإجماع على أنَّ في أولادِ إسماعيل وإسحاقَ كَفَرَةً مُشركين من العرب واليهودِ والنَّصارى، فيجبُ حَمله على أنَّ المُراد بولده أولادُ صُلْبِه، كما هو ظاهرُ كلامه تعالى حكاية عنه بقوله: {وَبَني. قالَ البَغَوِيُّ: فإن قيل: قد كانَ إبراهيمُ معصوماً عن عبادة الأصنام، فكيف ستقيمُ السُّؤال وقد عبد كثيرٌ مِنْ بنيه الأصنام؟ فأينَ الإجابةُ؟ قيل: الدُّعاءُ في حقِّ إبراهيم عليه السَّلامُ لِزِيادَةِ العِصْمَةِ والتَّثْبِيتِ. وأمَّا دُعاؤُه لبَنيه فأرادَ بنيه من صُلْبِه، ولم يعبُدُ أَحَدٌ منهم الصَّنمَ، وقيلَ: إِنَّ دُعاءَه لِمَن كانَ مُؤمناً مِنْ بنيهِ؛ أي: ذُرِّيَّتِه.
وبهذا اندفَعَ ما أخرجه ابن أبي حاتم عن سُفيان بن عُيَيْنَةَ أَنَّه سُئِلَ: هل عَبَدَ أَحَدٌ من ولد إسماعيل الأصنام؟ قال: ألا تسمع قوله تعالى: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِي أَن تَعْبُدَ الْأَصْنَامَ؟ قيل: فكيف لم يدخُل ولد إسحاق وسائر ولد إبراهيم عليه السَّلامُ؟ قالَ: لأَنَّه دعا لأهل هذه البلد أن لا يعبُدوا إِذا أَسكَنَهم إلا إِيَّاهُ فَقالَ: {اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ عَامِنَا، ولم يدْعُ لجميع البلدانِ بذلك فقالَ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ فيه، وقد خَصَّ أهله وقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلوةَ} [إبراهيم: ??].
قالَ السُّيوطِيُّ: فانظُرْ إلى هذا الجواب من سُفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ، وهو أَحَدُ الْأَئِمَّةِ المجتهدين، وهو شيخُ إمامنا الشَّافِعِيِّ.
الجزء 1 · صفحة 36
قلتُ: انظُرْ إلى ما قال ولا تنظر إلى مَن قال، ليتبَيَّنَ لك حقيقة الحال؛ فإن الاتفاق على أنَّ العرب من نَسلِ إسماعيل عليه السَّلامُ، وهم سُكَانٌ حولَ البيت الحرام، وكانوا يعبدون الأصنام في جميعِ اللَّيالي والأيام، وأنَّ الأوثانَ
داخل البيت وخارِجَه في مكَّةَ كانت في غاية من الكثرة إلى أن غَلَبَ عليهم يوم الفتح فكسرها وأخرَجَها قائِلاً: جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا [الإسراء: ??]؛ أي: مُضْمَحِلاً من نفسه وفي حد ذاته في جميع أوقاته، كقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: ??] وكقول لبيد:
الا كل شيء ما خلا الله باطل 3
وقال البيضاوِيُّ: وَاجْنُبْنِي وَبَنِي بَعدْني وإيَّاهم أن نعبد الأصنام، وهو
بظاهره لا يتناول أحفاده وجميع ذُرِّيَّته. وزعَمَ ابنُ عُيَيْنَةَ أنَّ أولاد إسماعيل عليه السَّلامُ لم يعبدوا الصَّنَمَ مُحتجَّاً به، وإنَّما كانت لهم حِجارَةٌ يدورون بها ويُسمُّونَها الدَّوَّارَ، ويقولون: البيتُ حَجَرٌ فحيثما نصَبْنا حَجَراً فهو بمنزلته، انتهى.
وبطلانه ظاهِرُ ممَّا قدَّمناه كما لا يخفى.
ومنها استدلاله بقوله تعالى: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَوةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي
[إبراهيم: 40].
فقد أخرَجَ ابنُ المُنذِرِ عن ابنِ جُرَيجِ أَنَّه قال: فلن يزال من ذُرِّيَّةِ إبراهيمَ عليه السلام ناس على الفطرة يعبدون الله.
الجزء 1 · صفحة 37
قلتُ: هذا كلام صحيح، ودَلالته على التّبعيض صريح، وأمَّا مَا وَرَدَ عن ابنِ عباس وغيره من أنَّه كانَ عَدْنانُ وجَعْدٌ ورَبيعةً ومُضَرُ وخُزَيمَةٌ وأَسَدٌ على مِلَّةِ إبراهيمَ فلا تذكر وهم إلا بخير؛ فلا دَلالة فيه على تقديرِ صِحَّتِه إلا على أنَّ هؤلاء كانوا على التَّوحيد، وإِنَّما أَشْرَكَ أولادهم من بعدهم بخُروجهم عن حيز التَّوفيقِ والتَّأييد. ومنها: أنَّه قد ثَبَتَ عن جماعةٍ كانوا في زَمَنِ الجاهليَّةِ أَنَّهم تَحنَّفُوا وتدَيَّنوا بدينِ إبراهيم عليه السَّلامُ وتَرَكوا الشِّرْكَ، فما المانع من أن يكون أبوا النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم سلكوا سبيلهم في ذلك؟ قلتُ: بعدما كانَ مُستَدِلاً قاطعاً رَجَعَ فصارَ مانِعاً، وهذا مَسلَكُه أَوْهَنُ مِن بيتِ العنكبوت، ولا يصلُحُ أن يُقالَ مِثلُ هذا إلا في البيوتِ؛ إذ حديثُ مُسلِمٍ يُنادي على خلاف ذلك، وبقيَّةُ ما ذكرنا من الدَّلالات في الآياتِ والأحاديثِ يُرُدَّ احتمال خلافِ ما هنالك؛ لأنَّ الحافظ أبا الفَرَجِ بنَ الجَوْزِيٌّ ذكرَ في «التَّلْقِيحِ» تسميَةَ مَن رَفَضَ عِبادَةَ الأصنام في الجاهليّة: أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، زَيدُ بنُ عَمْرِو بنِ نُفَيلِ، عُبَيدُ اللَّهِ مِنْ جَحْشٍ، عثمان بن الحويرث [وَرَقَةُ بن نوفل، رياب بنُ البراء الشمني، أُمية بن أبي الصَّلَتِ، أسعَدُ بنُ كرب الحِمْيَرِيُّ]، قس بن ساعدةَ الإيادِيُّ، أبو قيس بن م ولو كانا من هذا القَبيلِ لَكَانَ ذِكرُهما أَوْلى في مَقامِ التَّعليلِ، هذا وقد رَوَى ابنُ إسحاق وأصله في الصحيح» تعليقاً عن أسماء بنتِ أبي بكرٍ رَضِي الله عنهما قالت: لقد رأيتُ زيدَ بنَ عُمَيرِ بنِ نُفَيْلٍ مُسئِداً ظهره إلى الكعبةُ يقولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! ما أصبَحَ منكم أحدٌ على دين إبراهيمَ غيري، ثمَّ يقولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي لو أَعلَمُ أَحَبَّ الوجوه إليك عبَدتُكَ به، ولكني لا أعلم.
الجزء 1 · صفحة 38
وهذا يدلُّ على ما حرَّرْناه، وفيما تقدَّمَ قرَّرْناه من أنَّ جميعَ ذُرِّيَّةِ إسماعيل عليه السَّلامُ لم يثبتوا على دين إبراهيمَ عليه السَّلامُ من التَّوحيد.
وأخرج أبو نُعَيمٍ في دلائلِ النُّبُوَّةِ عن عَمْرِو بنِ عَبْسَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ: رَغِبْتُ عن آلهة قومي في الجاهلية، ورأيتُ أنَّها الباطِلُ، يعبدون الحجارة. وأخرج أبو نُعَيمِ والبَيْهَقِيُّ كلاهما في «الدَّلائلِ» من طريق الشعبي عن شيخ من جهينةَ: أَنَّ عُمَيرَ بنَ حبيبِ الجُهَنِيَّ ترك الشرك في الجاهلية وصلَّى اللهِ تعالى، وعاش حتّى أدرك الإسلام.
هذا، وقد أظهرَ السُّيوطِيُّ مُجادَلَته مع كل من الحنفي والمالكي والشافعي ما بين معكوفين سقط من جميع النسخ والمثبت من «التلقيح».
والحنبلي في عدولهم من الحديث الصحيح، لما قام عندهم من الدَّليلِ الصَّريح، الصَّارِفِ عن العمل بذلك الحديث والأخذ به، مع أنَّ أدلَّةَ كلُّ من المذاهب مذكورة مُؤلَّفاتهم، ومسطورةٌ في مُطوَّلاتهم، وليسَ في قواعدهم أن يتركوا الحديث الصَّحيحَ ويأخُذوا بالحديثِ الضَّعيف في مَقامِ التَّرجيح. على أنَّ الشَّافعي قالَ: إذا صَحَ الحديث فاتركوا قولي، ثمَّ قال: وإن كانَ المُجادِلُ ممَّن يكتُبُ الحديث ولا فقه عندَه يُقالُ له، فقد قال الأقدمون: المُحدِّثُ بلا فِقْهِ كعَطَارٍ غير طبيب، فالأدوية حاصلة في دُكَّانِه ولا يدري لماذا تصلُحُ، والفقيه بلا حديث كطبيب ليس بعطّار، يعرِفُ ما تصلح له الأدوية إلا أنَّها ليست عنده.
وإِنِّي بحَمْدِ اللهِ قد اجتمعَ عندي الحديثُ والفقه والأصول وسائر الآلاتِ من العربية والمعاني والبيان وغير ذلك، فأنا أعلَمُ كيف أتكلَّم، وكيف أقولُ، وكيف أستَدِلُّ، وكيفَ أَرَجُحُ، وأَمَّا أَنتَ أُخَيَّ - وَفَقني الله تعالى وإِيَّاكَ ـ فلا يصلُحُ لك ذلك؛ لأنك لا تدري الفقه ولا الأصول ولا شيئاً من الآلاتِ.
الجزء 1 · صفحة 39
والكلام في الحديث والاستدلال به ليس بالهين، ولا يحل الإقدام على التكلم فيه لِمَن لم يجمَعْ هذه العلوم، فاقتصر على ما آتاك الله تعالى، وهو أَنَّكَ إِذا سُئِلَتَ عن حديثٍ مَقولٍ وَرَدَ أو لم يَرِدْ وصَحَّحه الحُفَّاظُ أو حَسَّنوه أو ضَعفوه؛ لا يحِلُّ لك في الإفتاء سوى هذا القَدْرِ، وخلّ ما عدا ذلك، واللهُ أَعْلَمُ.
لا تَحْسَبِ المَجدَ تَمراً أنت آكِلُه لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا انتهى
استحقاق زيادة في تزكيته؛ لأنَّه صنَّفَ في كلِّ صِنْفٍ من العلوم الشَّرعيَّةِ كالتَّفسِيرِ والحديث والفقه والآلاتِ العربيَّةِ، إلا أنه في هذه الرِّسالةِ عَمِلَ عَمَلَ العطارين في تكبير النوالة وتكثير الحوالة، ولم ينظُرُ إلى كلام العلماءِ المُتقَدِّمين، والأئمةِ المعتبرين، الذين هم الأطباء والحُكْماءُ في نظرِ الخَواصُ والعَوامِ أجمعين.
ثم أقولُ له بطريقِ المُجادَلة على أُسلوبِ الجَدَلِ: هل يُعارَضُ حديثُ مُسلِمٍ المُجمَعُ على صحتِه الدال على كُفْرِ أبويه بحديث إحيائهما وإيمانهما به بعد بعثهما، والحالُ أنَّه ضعيفٌ باتِّفاقِ المُحدِّثين، بل موضوع باطل لا أصل له عند المُحققين، معَ أَنَّه مُخالِفٌ للآياتِ السَّابقة، والأحاديثِ اللاحقة، ولكلام الأئمةِ الأربعة وغيرهم من أكابر هذه الأمَّةِ، وعُلماء أهلِ السُّنَّةِ والجماعة، وإنَّما هو على الأصول الباطلةِ للطَّائفةِ الرَّافِضَةِ.
أو نقول: إذا صَحَ الحديث عن الرَّسولِ، وتلقتهُ الأُمَّةُ بِالقَبولِ، فهل يَحِلُّ لأحدٍ من أرباب الفضولِ أن يرُدَّ عليه؟ ويقول: إنَّهما ماتا في الفترة قبل البعثة، أو يُمتَحنانِ يومَ القيامةِ، أَفَلَيسَ هذا مُعارَضَةً بالتّعليل في مقابلةِ النَّص من الدَّلِيلِ؟
الجزء 1 · صفحة 40
أمَا ذَكَرَ أرباب الأصولِ في الحديث والفقه الجامعون بين المنقول والمعقول أنَّ الحديث إذا ثَبَتَ في «الصَّحيحَينِ» أو أحدهما فلا يُعارِضُه حديث غيرُهما، ولو صَحَّ من طريقهما، وإن كان من بقيَّةِ صِحاحِ السِّتْ، فكيف إذا أخرجه أصحابُ الكتب الغيرِ المُعتبَرةِ من الطُّرقِ الغَيرِ المُسْتِهِرَةِ.
وصرَّحَ الحُفَّاظُ بِضَعفِ طُرُقِه كلّها، بل بوَضْعِها، والحالُ أنَّه لم يقُلْ بهذه في جميع النسخ: «الأئمة».
الرواية إلا جَمعٌ من المُقلّدين لم يصلوا إلى مرتبة المجتهدين، كابن شاهين، والخطيب البغدادي، والشهيلي، والقُرطبي، والمُحِب الطَّبَرِيِّ، وابنِ المُنير، وأمثالهم، فهل يَحِلُّ لأحدٍ من الحنفية وغيرهم أن يُقلدوا هؤلاء المذكورين ويتركوا الاقتداء بأئمَّتِهم المُعتبَرين؟ معَ ظُهورِ أدِلَّةِ الجُمهور من علماءِ الأُمَّةِ، لا سيما والمسألة من الاعتقاديات التي لا بُدَّ لها من الأدلة اليقينية، لا من الفروع الفقهيّة التي يغلِبُ مَدارُها على القواعِدِ الظَّنِّيةِ.
انتهى ما تعلَّق برُبدَةِ كلامِه وخُلاصَةِ مَرامِه وعَدَلْنا عن التَّعرُّضِ لما ذكره من التطويل الذي لا يُفيدُ التَّعليلَ في مَقامِ التَّحصيل، وإِنَّما هو بيانُ قال وقيلَ، والله هو الهادي إلى سواء السبيل.
وبهذا يتبيَّنُ أنَّه كحاطِبِ ليلٍ، وخاطب، وَيل، فتارَةً يقولُ: إِنَّهما مُؤْمِنانِ من
أصلهما، فإنَّهما من أهل الفَترَةِ أو لكونهما من آباء أرباب النُّبُوَّةِ.
وأُخرَى يقولُ: إِنَّهما كانا كافِرَين لكنَّهما أحياهُما اللهُ وآمَنَا.
ومرَّةً يقولُ: ما كانا مُؤمنين وما كانا كافِرَينِ، بل كانا في مرتبة المجانين جاهلين فيمتَحَنانِ يوم القيامة، وبالظَّنَّ يحكم بأنهما ناجيان. فانظر إلى هذه المُعارضات الواضِحَةِ والمُناقَضاتِ اللائحة، فهل تثبتُ المسائل الاعتقاديَّة بأمثال هذه الاحتمالات العقلية؟
الجزء 1 · صفحة 41
فدلت تصانيفه في هذه القضيَّةِ بأنَّه أقلُّ العَطَّارين بالنسبة إلى إمامِ الحُكَماءِ المُعتبَرين، فإنَّه رحمه الله أعلَمُ عُلماءِ الشَّافعيّةِ في زمانه، وتفوق على جميع أقرانه، وأنا الفقير الحقير من أقل عُلماء الحنفية بينتُ خطاه بما أخذتُه غالباً من كتُبِ التَّفسِيرِيَّةِ والحديثيَّة، ولكنَّ ذلك الفَضْلَ من الله، ولا حول ولا قُوَّةَ إلا بالله.
وفيه الدلالة على أنَّ بابَ الفيض مفتوح على هذه الأمة، وأنه لا بُدَّ في الوُجودِ مَن يكشِفُ الغُمَّةَ، ممَّا اختلفت فيه الأئمة، ويُميز بين الحق والباطل، ويُبيِّنُ المُزيَّنَ من العاطل.
ثمَّ اعلَمْ أنَّ ما اختاره الفَخْرُ الرَّازِيُّ، وتبعَه السُّيوطِيُّ في أنَّ أبا إبراهيم عليه السَّلامُ لم يكُنْ كافِراً فَسادٌ عظيم في الدِّينِ، وتشكيك لعقيدة أرباب اليقين، وإن كانَ كلُّ واحدٍ منهما يدعي أنه من المُجدّدين، بل يصح أن يُقالَ: إِنَّهما من المُحْدِثين؛ لِما
وَرَدَ أَنَّه: «مَن أحدَثَ في أمرنا ما ليس منه فهو رَدُّ من بينِ من بين المجتهدين.
الجزء 1 · صفحة 42
وبيانه: أنَّ المسلمين من أهلِ الشَّرقِ والغَربِ أجمعين يقرؤونَ القُرآنَ العظيم ويتلون الفُرقان الكريم، فإذا رأوا فيه نَصَّاً على انتساب الكُفْرِ إلى أبي إبراهيم عليه التَّحيَّةُ والتّسليم، ويعتقدون ذلك حيثُ لم يكُنْ صارِفٌ عن حمله على الحقيقة هنالك، ولا يدرون أنَّ إخبارِيَّاً يهودِيَّاً أو نَصرانياً ذكرَ أَنَّ المُرادَ بأبيه عمه، قاصِداً بذلك الطَّعن في دينِ النَّبي و كتاب ربِّه، هل يُحكَم ببطلان هذا القولِ الذي هو مخالف لظاهِرِ الكتابِ، ومُعارِضُ لِما قدَّمناه في هذا البابِ؟ أو يُحكم بفسادِ المسلمين من أهلِ البَرِّ والبَحرِ أجمعين، إلا من اعتقد اعتقادَ الرَّازِي والسُّيوطِيِّ، معَ أَنَّهما قبلَ وُصولِ هذا القولِ الباطِلِ إليهما لم يكونا شاكين في أنَّ أبا إبراهيم عليه السَّلامُ ما كانَ على الدِّينِ القَويمِ والطَّريقِ المُستقيم، فلما حققا ذلك وصنفا بيان ما هنالك، رجعا من اعتقادِهما الباطل على زَعمِهما إلى الاعتقادِ الحقِّ عندهما، حتّى قلَّدَهما ابنُ حَجَرٍ المكَّيُّ، وبالغَ حتّى قال: وهذا هو الحقُّ فماذا بعد الحقِّ إلا الضَّلالُ 2. والله سُبحانَه يُصلِحُ الأحوال.
ثمَّ انظُرْ إلى ما قاله السُّيوطِيُّ من الاستدلالِ السُّقوطِيُّ، وهو أَنَّه قد وَجَّهَ من
رواه مسلم ???? عن عائشة رضي الله عنها.
حيثُ اللُّغَةُ بأنَّ العرب تُطلِقُ لفظ الأب على العم إطلاقاً شائعاً، وإن كانَ مَجازاً، ففي التنزيل: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ بَابِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ} [البقرة: ???] صلَّى اللهُ عليهم، فأطلق على إسماعيل لفظ الأب، وهو عم يعقوب عليه السَّلامُ، كما أطلق على إبراهيم عليه السَّلامُ وهو جده.
الجزء 1 · صفحة 43
أخرج ابن أبي حاتم عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عنهما أَنَّه كان يقولُ: الجد أب، ويتلو {قَالُواْ نَعْبُدُ إلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَابِكَ الآية.
وأخرج عن أبي العالية في قوله تعالى: {وَإِلَهَ وَابَا بِكَ إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَعِيلَ الله عليهما السّلامُ قالَ: سَمَّى العَمَ أباً.
وأخرج عن محمَّدِ بنِ كعب القُرَظِيّ قالَ: الخال والد والعَمُّ والد، وتلا هذه الآيةَ. فهذه أقوالُ السَّلَفِ من الصَّحابة والتابعين في ذلك.
قلتُ: هذه طَنْطَنَةٌ مَصْرِيَّةٌ ليس تحتها فائدة قوِيَّةٌ؛ إذ نفسُ الآيةِ الشَّرِيفَةِ يُستفاد منها عند كل عاقل للإنباء أنَّه لا يصح إطلاق جمع الآباء حقيقة بالنسبة إلى واحدٍ الأبناء لا شرعاً ولا عُرفاً على عُموم الجزاء، بأن يُقالَ: المُرادُ بِالآباء الأسلافُ، كما قاله الأئمة الحنفية، أو على استعمالِ اللَّفظِ بالاشتراك بين الحقيقة والمجاز كما اختاره الشَّافعية.
فإذا عَرَفْتَ ذلك، فهل ترى أن تكون هذه الآيةُ نظير الآياتِ الدَّالَّة على أَنَّ المُراد بأبي إبراهيم أبوه حقيقةً، ولا يصح أنه أرادَ عَمَّه مَجازاً، حيثُ لا دليل من جهة العقل الصريح، ولا من طريقة النقل الصحيح، ما يصلح أن يكون مانعاً من إرادة الحقيقة، وباعثاً على قصد المجاز.
الجزء 1 · صفحة 44
ثم رأيتُ رسالةً في هذه المسألة لابن كمال باشا، وفيها ما لا ينبغي من الأشياء، منها قوله: إنَّ السَّلَفَ اختلفوا، والحالُ أنَّه لا يصِحُ الخُلْفُ إلا في الخلَفِ. ومنها نقله عن الحافظ ابنِ دِحية ما قدمناه أَنه قال: فمَنْ ماتَ كافراً لم ينفعه الإيمان بعدَ الرَّجعة، بل لو آمَنَ عندَ المُعاينة، فكيف بعد الإعادةِ؟ وتعقبه بأنه مدفوع بما وَرَدَ من أنَّ أصحابَ الكَهْفِ يُبعثون في آخرِ الزَّمانِ، ويَحُجُون ويكونون من هذه الأمة تشريفاً لهم بذلك، أخرجه ابن عساكر في تاريخه»، وأخرجه ابنُ مَردَوَيه في تفسيره من حديثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عنهما مرفوعاً: «أصحابُ الكَهْفِ أعوانُ المَهدِي»، انتهى.
ولا يخفَى بُطلان هذا التَّعَقُبِ؛ لأنَّ أصحاب الكهف ماتوا مؤمنين بإجماعِ المسلمين، وإِنَّما الكلامُ في قَبولِ توبة الأموات من المُشرِكين. ثمَّ قال: ولا بِدْعَ أن يكونَ الله كتبَ لأبَوَي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عُمراً ثمَّ قِبَضَهما قبل
استيفائه، ثم أعادهما لاستيفاء تلك اللحظة الباقية، وآمنا فيها فيُعتَدُّ به، انتهى. ولا يخفى أنَّ البحثَ ليسَ في إمكانِ القُدرةِ؛ لأنَّها قابلةٌ للطَّرفَين وشامِلَةٌ للصنفين، وإنَّما الكلامُ فِي صِحَّةِ وُقوعِ أَيِّ الشَّقِّينِ.
ثمَّ قال: وأما قوله: بل لو آمَنَ عندَ المُعايَنَةِ فكيف بعد الإعادةِ؟ فمَردودٌ بأنَّ الإيمان عندَ المُعايَنَةِ إيمان يأس فلا يُقبَلُ، بخِلافِ الإيمان بعد الإعادة، وقد دَلَّ على هذا قوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّ والعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام: ??].
أقولُ: الكَمالُ اللهِ، وإلا فمثل هذا الفاضِل في مَقامِ الأقصى كيفَ يَعْفُلُ عن البُرهانِ الأولى؟ فإنَّ الإيمان إذا لم يُقبَلْ عندَ مُشاهدة بعض أحوالِ الآخرةِ الذي هو عَينُ اليقين، فكيفَ يُقبَلُ بعدَ خُروجه من الدُّنيا وتحققه بأمورِ العُقبى الذي يُسَمَّى حق اليقين؟