الجزء 1 · صفحة 1
الكتاب: ذُخْرُ الْمُتَأَهِّلِينَ والنِّسَاء في تعريف الأطهار والدماء
المؤلف: محمد بن بير علي البِرْكِوِي (929 - 981 هـ).
وشرحه: "منهل الواردين من بحار الفيض على ذخر المتأهلين في مسائل الحيض"
المؤلف: محمد أمين بن عمر الشهير بابن عابدين (1198 - 1252 هـ)
ويليهما: "إرشاد المكلفين إلى دقائق ذخر المتأهلين"
اعتنى به: هداية هارتفورد. أشرف منيب
قدَّمَ له: محمد هشام برهاني
الناشر: دار الفكر
أهداه للشاملة: محمد مهدي قشلان
عدد الصفحات: 486
تاريخ النشر بالشاملة: 27 شعبان 1441
الكتاب: ذُخْرُ الْمُتَأَهِّلِينَ والنِّسَاء في تعريف الأطهار والدماء
المؤلف: للإمام محمد بن بير علي البِرْكِوِي (929 - 981 هـ).
وشرحه: "منهل الواردين من بحار الفيض على ذخر المتأهلين في مسائل الحيض"
المؤلف: محمد أمين بن عمر الشهير بابن عابدين (1198 - 1252 هـ)
ويليهما: "إرشاد المكلفين إلى دقائق ذخر المتأهلين"
اعتنى به: هداية هارتفورد ... أشرف منيب
قدَّمَ له: العلَّامة محمد هشام برهاني
الناشر: دار الفكر
اعتنى به ورفعه للشاملة: محمد مهدي قشلان
ذخر المتأهلين والنساء للإمام البركوي
عملنا في هذا الكتاب [للشاملة]
الحمدُ لله ربِّ العالمين، وأفضلُ الصلاة وأتمُّ التسليم على المبعوثِ رحمةً للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهَديه واستنَّ بسُنَّتِه وأتباعه أجمعين.
أما بعد: فخدمةً للفقه الإسلامي، ونظراً لأهمية تَعلُّم أحكام الأطهار والدماء؛ لكونها من المسائل المتكرِّرَة في حياة كلِّ امرأةٍ، ولما يترتَّبُ عليها من أحكام مُهمَّةٍ في الصلاة والصوم والطلاق والعِدَّة، ونظراً لأهميةِ تسهيلِ الوصول لهذه الأحكام وتَعلُّمِها في ظلِّ انتشار الجهل بها والخطأ في تقديرها، لأجل ذلك كُلِّه قمنا بتوجيه الجهود إلى كتاب "ذخر المتأهلين والنساء في تعريف الأطهار والدماء" للإمام محمد بن بير علي البِرْكِوِي ?، الذي طبعته دارُ الفكر بدمشق سنةَ 1426 ه/2005 م بعناية هداية هارتفورد، وأشرف منيب، ومعه شرحه "منهل الواردين" لابن عابدين ?، ويليهما "إرشاد المكلفين إلى دقائق ذخر المتأهلين" لهداية هارتفورد، وأشرف منيب، وذلك لرفعه على الشاملة بعد خدمته خدمةً تليق به، وذلك من خلال النقاط الآتية:
1. كتابة نصِّ هذا الكتاب وما أُلحقَ به، ثم تدقيق ذلك كلِّه، واستدراك الأخطاء الإملائية والنحوية والمطبعية التي وردت في النسخة المطبوعة.
2. إضافة ما سقط من الكتاب في النسخة المطبوعة.
3. إضافة بعض علامات الترقيم، وتعديل بعضها الآخر؛ وذلك لمزيدِ إيضاحٍ، أو دفعِ لبسٍ أو اختلاط.
4. الترجمة للكتب والأعلام الذين لم يُترجم لهم أصحابُ هذا العمل المبارك لعدم اهتدائهم إليهم في تلك الآونة.
5. تحويل الجداول الواردة في آخر الكتاب إلى بيانات مكتوبة إتماماً للفائدة، وحرصاً على عدم ضياعها، وذلك لكونها لا تظهر على الشاملة مرسومة.
واللهَ نسألُ أن نكون قد وُفِّقنَا في خدمة هذا الكتاب خدمةً تليقُ به، وتُبرزه على النحو الأمثل، هذا ونسأله سبحانه أن يُعمِّمَ ويُديم النفعَ بهذا العمل، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه، والحمد لله أولاً وآخراً.
الجزء 1 · صفحة 2
إجازة
?
الحمد لله الذي قال في كتابه الكريم: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}، والصلاة والسلام على سيدنا ورسولنا محمد الذي جعلَ العلماءَ ورثةَ الأنبياء، وعلى آله وصحبه الأصفياء.
وبعد:
فيقول العيد الضعيف "محمد أمين سراج" غفر الله له ولوالديه، ولأبنائه، ولتلامذته: لمَّا آنستُ من الأخ الكريم "أشرف أحمد منيب"، والأخت الفاضلة "هداية هارتفورد" الاستيعابَ والفهمَ الدقيق لكتاب "ذُخْر المُتَأَهِّلِينَ والنِّساءِ في تَعرِيفِ الأَطهَارِ والدِّمَاءِ" للإمام "محمد بن بير علي البِركوي" أحد كبار العلماء في الدولة العثمانية فقد أجزتُهُما بتدريس هذا الكتاب في أيِّ مكان، أو بلدٍ نزلَا، بالشروط المعتبرة عند العلماء، كما أجيزهما بما أجازني به شيوخي الأفاضل. ومنهم خاتمة العلماء في الدولة العثمانية، الشيخ محمد زاهد الكوثري.
هذا، وإني أوصيهما، ونفسيَ بتقوى الله في السرِّ والعَلَن، واتِّباعِ سنَّةِ نبيِّه الكريم ?، والتعليم لوجه الله تعالى مع الالتزام بعقيدة أهل السنة والجماعة. وأسألُ المولى العليَّ القدير أن يوفقني وإيَّاهما لخدمةِ دينه، ونشرِ سنَّة نبيِّه الكريم، ويغفر لي ولهما، ويحشرنا في زمرة العلماء الصالحين. والحمد لله ربِّ العالمين.
في 10/رجب الفرد/1425 ه
الشاهد الأول: عبد الرحمن أرجان البينصوي.
الشاهد الثاني: حمدي أرسلان.
محمد أمين سراج
المدرس في مسجد السلطان
محمد الفاتح بإسطنبول
الجزء 1 · صفحة 3
تقديم
فضيلة العلامة الشيخ
محمد هشام برهاني
حفظه الله تعالى
?
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على أشرفِ المرسلين المبعوثِ رحمةً للعالمين وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار الذين بلَّغوا الرسالة، وأدُّوا الأمانَة، ونصحوا الأُمَّة، وجاهدوا في الله حقَّ جهاده، وبعد:
فقد أكرمني المولى سبحانه بمعرفةِ الأخِ الفاضل الأستاذ أشرف منيب وزوجته العالمة الفاضلة السيدة هداية هارتفورد، وعرفت فيهما الاهتمام العلمي، والتحريات الدائمة الدقيقة لمسائل الفقه وموضوعاته المختلفة، وبخاصَّة فقه الجاليات الإسلامية في ديار الغرب، ولا أُزكِّيهما على الله فهو سبحانه حسيبهما، فقد لمست فيهما القرائن الدالة على صدقِ
الجزء 1 · صفحة 4
التوجُّه، والغيرة المحمودة على دين الله تعالى وشرعه، والحِرصَ الشديد على نشر العلم، والقيام بواجب التوعية للمسلمين بعامة، وللمسلمين المغتربين بخاصة.
وهاهما اليوم يُقدِّمانِ عملاً علمياً موفَّقاً يُشرِّفني ويسعدني تقديمُه بهذه الكلمة، فهو يتناول موضوعاً هاماً له طابع الخصوصية، لا يطَّلِعُ عليه إلا أهله، وهو: أحكام الحيض والنفاس وما يتعلق بهما من الدماء والتي يجهلها الكثيرون من عامَّةِ المسلمين، رجالاً ونساءً، وسيُسهِمُ - إن شاء الله - في سدِّ ثغرةٍ واسعة في هذا الباب، ويكشِفُ السِّتارَ عن الكثير من النقاط الغائبة، ومسائله الدقيقة.
فقد قاما - حفظهما الله - بتحقيق كتاب «منهل الواردين من بحار الفيض على ذخر المتأهلين في مسائل الحيض» للعلَّامة المُحقِّق السيد محمد أمين بن السيد عمر، الشهير بابن عابدين رحمه الله تعالى، وهو شرحٌ لكتاب «ذخر المتأهلين والنساء في تعريف الأطهار والدماء» للإمام محمد بن بير علي البِرْكِوِي.
وقد بذلا جهوداً مشكورة في تحقيقِ نَصِّه، وبخاصَّة النُّقول الواردة فيه عن الأئمة الأعلام وأقوالهم في مصادرها المطبوعة.
الجزء 1 · صفحة 5
وقد قدَّمَا هذا العمل الجليل في قسمين رئيسين:
أما القسم الأول فتضمن جزأين:
الأول: يتضمَّنُ النصَّ الكامل لرسالة الإمام البِرْكِوِي مُميَّزاً عن الشرح، مضبوطاً بالشكل الكامل، وبالفواصل والنقاط والعناوين.
الثاني: يتضمن نَصَّ كتابِ «منهل الواردين» الشامل للمتن والشرح معاً، وقد ضبطاه بالشكل أيضاً، وأضافا إليه الفهارس لكلِّ فصلٍ من فصوله، والمفردات التي تندرج تحته.
وللأمانة العلمية فقد ميَّزا ما أُضيفَ إلى أصلِ الكتاب من عناوين ضمن حاصرتين هكذا [ ... ]
وأما القسم الثاني: فهو عبارة عن ثلاثة ملاحق أُضيفَت إلى الكتاب بغرَضِ الإيضاح والتيسير، وكمال الانتفاع به.
الملحق الأول: يتضمن سرداً موجزاً لثلاثة أنواع من القواعد الخاصَّة بموضوع الدماء، والمستفادَة من نصِّ الكتاب وهي:
أ- القواعد العامَّة لموضوع الدماء.
ب- القواعد الخاصَّة بالحيض.
ج- القواعد الخاصَّة بالنِّفاس.
الجزء 1 · صفحة 6
1
والملحق الثاني: أوردا فيه خمسة أمثلة للنفاس، وأربعةَ عشرَ مثالاً للحيض.
ولمزيدٍ من الإيضاح والبيان، فقد التزما في عرضِ كلِّ مثالٍ على إيراد الأمور التالية:
• ذكر المثال، مع جدول مُلَوَّنٍ، يُصوِّرُ المثال بالشكل واللون.
• تحليل للمسألة التي تضمَّنَها المثال.
• ثم حكم المسألة بالإجمال، مع جدول مُلَوَّن يُصوِّرُها.
• ثم حكم المسألة تفصيلاً.
• ثم تصحيح المسألة.
• ثم عرض القواعد الخاصَّة بهذه المسألة.
وبهذا كُلِّه يكونان - بتوفيق الله تعالى - قد قدَّما للكتاب المحقَّقِ خِدمةً جليلة، تجعلُه مُيسَّرَ الفهم، قريبَ التناول لكلِّ قارئٍ، وباحِثٍ، ومُتعلِّم. فجزاهما الله تعالى عن الإسلام وأهلِه خيرَ الجزاء، وتقبَّلَ عملهما خالصاً لوجهه الكريم، ومتَّعهُمَا بالقوة والصحة والعافية، وكامِلِ العناية والمعونة، لمتابعة جهودِهما المبرورة في خدمة الشريعة المُطهَّرَة، وتقدِيمِها في أبهى وأوضح حلَّة، إنه أفضلُ مأمولٍ، وأكرمُ مسؤول. وصلَّى اللهُ على
الجزء 1 · صفحة 7
11)
سيدنا ومولانا وحبيبنا ومُعلِّمِنا الأوَّل، والمرشدِ الأكمل، والحبيبِ المرسل سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وآخِرُ دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الأحد 20 المحرم 1425
21 - 3 - 2003
وكتبه الفقيرُ على موائدِ مولاه الجليل
محمد هشام برهاني
الجزء 1 · صفحة 8
13)
مقدمة
فضيلة الشيخ
عبد الرحمن أرجان البينصوي
حفظه الله تعالى
أما بعدُ: فقد قمتُ بمراجعةِ هذا الكتاب الذي أصله رسالة «ذخر المتأهلين» وشرحها «منهل الواردين» من البداية إلى النهاية مع محققيه الأخ أشرف منيب وزوجته هداية هارتفورد في مجالس متعددة، ومن خلالِ ذلكَ لاحظتُ شِدَّةَ تحرِّيهِمَا ودِقَّةَ ضَبطِهما في نقلِ النصوص، ولا سيَّما الإضافة التي أضافاها في نهاية الكتاب، وقاما فيها بحلِّ الأمثلة الواردة في المتن، فقد أظهرتْ الاستيعابَ والفهم الدقيق لدقائق مباحثِ
الجزء 1 · صفحة 9
14)
الحيض والنِّفَاس، فقد جمعا في صعيدٍ واحد المسائلَ المبعثرة، وقاما بتحرير القواعد، وتقرير المقاصد، وتقييد الفوائد، ملتزمين في ذلك بالقول المعتمَدِ في المذهب الحنفي، فجاءَ هذا الشرحُ في ثوبٍ علميّ قشيب ضمن قواعد التحقيق العلمي الرصين.
وإني لأرجو اللهَ تعالى أن يُثيبهُما على ذلك، وأن يُقيِّضَ لتراثنا الفقهي العظيم مَن يعملُ على إخراجه بهذا المستوى الرفيع، والحمد لله أولاً وآخراً ...
حُرِّرَ في شهر المحرم سنة 1425
عبد الرحمن أرجان البنصوي
مُدرِّس جامع الحافظ أحمد باشا
إستانبول/ تركيا
الجزء 1 · صفحة 15
1
مقدمة التحقيق
الحمد لله وليِّ الحمد والثناء، والصلاةُ والسلام على أشرفِ الرسل والأنبياء، سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه الأتقياء الأوفياء، ومَن تبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الفصل والقضاء.
وبعدُ:
فإنَّ باب الحيضِ من غوامضِ أبواب الفقه، ومسائلُه عند كثيرٍ من طلبة العلم - فضلاً عن غيرهم - من أصعبِ المسائل، وليست هذه الصعوبة ناشئة عن غموضِ أحكامه، فكثيٌر من تلك الأحكام مُتَّفَقٌ عليه بين الفقهاء، ولكنَّ الصعوبةَ تكمُنُ في تمييز الدم الذي تراه المرأة؛ فإنها لا تستطيع أحياناً أنْ تُميِّزَ: أَدَمُ حيضٍ هو أم دمُ فساد، وعندها تحتار: أعليها أن تُصلِّي وتصوم أم يحرم ذلك في حقِّها؟ وإن كانت حاجَّةً أيجوز لها الطواف بالبيت أم تنتظر حتى تطهر؟ وهل يحل لزوجها - والحال هذه - أن يطأها أم لا؟ وإذا كانت في عِدَّةِ الطلاق فهل تكون عدتها قد انقضت أم لا؟
ومعلومٌ أنَّ الحيضَ من الأمور التي تتكرر كلَّ شهرٍ في حياةِ المرأة، وكثير من الأحكام الشرعية في المجتمع المسلم مبنيٌ عليه، فينبغي الاعتناءُ بإيضاحِ
الجزء 1 · صفحة 16
16)
أحكامِه، وكشفِ غوامضه، لذا اجتهد فقهاؤنا ? في حلِّ مسائله، فصنَّفُوا في ذلك - على اختلافِ مذاهبهم - المصنَّفَات الكثيرة.
ومن المؤلَّفَات العلمية الجامِعَة في هذا الباب رسالة "ذخر المتأهلين" للإمام العلامة الفقيه محمد بن بير علي البِرْكِوِي الحنفي، المتوفَّى سنة 981 هـ، التي تُعدُّ من أهمِّ ما أُلِّفَ في مذهب الحنفية في مسائل الحيض، فهي - على صغر حجمها - جمعتْ غُررَ أصولِ هذا الباب ودُررَ فروعه، وقد ذكر مُؤلِّفُها أنَّه صرفَ شطراً من عُمُرِه في جمعِ مسائلها المنثورة في الكتب المختلفة، مقتصراً فيها على أقوى الأقوال وأصحِّها والمختار منها للفتوى.
ولأهميَّةِ هذه الرسالة فقد اعتنى بشرحها عددٌ من العلماء، كان أجلُّهم خاتمة المحققين الإمام ابن عابدين ?، صاحب الحاشية الشهيرة، في كتابه: "منهل الواردين من بحار الفيض، شرح ذخر المتأهلين في مسائل الحيض"، فتحرّر المذهبُ بذلك تحريراً دقيقاً على يدي ذينك الحبرين الجليلين، مما يجعلُ نشرَ مثل هذا الشرح المُتقَنْ لذاكَ المتن الجامع؛ وكشفَ النِّقابِ عن مكنون دررهما، عملاً علمياً في غاية الأهمية.
وقد استخرنا اللهَ تعالى في التصدِّي لهذا العمل، فقمنا بتحقيقِ الشرحِ
الجزء 1 · صفحة 17
1
المذكور، مُصدَّراً بالمتنِ منفرِداً ليسهل حفظه، بعد أن حرَّرنا ألفاظه - أي المتن - على نُسَخٍ خطيَّةٍ وثيقة، ثم ذيَّلنْا الكتابَ بحَلٍّ موسَّعٍ للأمثلة الواردة فيه، موضَّحاً بالجداول.
هذا الكتاب وعملنا فيه
أشرنا آنفاً لما لرسالة الإمام البِرْكِوِي هذه من أهمية في بابها، لذا تصدَّى عددٌ من العلماء لشرحها، منهم:
1. إسحاق بن حسن الزنجاني ثم التوقادي، (المتوفى سنة 1100 هـ)، واسم شرحه: «ذخائر الآخرة شرح ذخر المتأهلين»، (مخطوط).
2. عبد القادر بن يوسف بن سنان المعروف بنقيب زاده، (المتوفى سنة 1107 هـ)، واسم شرحه: «زاد المتزوجين شرح ذخر المتأهلين»، (مخطوط).
3. محمد بن ولي بن رسول القيرشهري ثم الأزميري، (المتوفى سنة 1165 هـ)، في كتابه: «شرح ذخر المتأهلين»، (مخطوط).
4. الإمام ابن عابدين، المتوفى (سنة 1252 هـ)، واسم شرحه: «منهل الواردين من بحار الفيض، على ذخر المتأهلين في مسائل الحيض»، وهو أشهر الشروح، وقد طبع عدة مرات.
الجزء 1 · صفحة 18
1
الأصول المعتمدة في تحقيق المتن:
اعتمدنا في تحقيقنا للمتن على نسختين خطيتين:
الأولى: نسخة منقولة من نسخة بخط المصنِّف، تحتفِظُ بها المكتبة السليمانية بإستانبول، تحت الرقم 2081، ضمن مجموعة رسائل أخرى للمصنِّف، على هامشها تعليقات كثيرة منقولة من كلام المصنِّف.
عدد صفحات هذه النسخة ست، وخطها تعليقي مقروء غير منقوط، ومعدل الأسطر في كل صفحة 23 سطراً.
اسم ناسخها: ولي الدين أبو الفضل الرومي ثم المدني، نسخها تجاه الحجرة النبوية الشريفة بالمدينة المنورة، في الرابع من ذي القعدة سنة 1104 هـ. وقد وضع الناسِخُ في أولها فهرساً بالموضوعات.
وقد رمزنا لهذه النسخة بالحرف: (أ)، واعتمدناها أصلاً في عملنا.
الثانية: وهي محفوظة أيضاً بالمكتبة السليمانية، تحت الرقم 2728، كُتِبتْ بخطٍ جيدٍ ومقروء، ومُيِّزَتْ عناوين الفصول فيها بالحمرة.
تقع في ثمان وعشرين صفحة، ومعدل الأسطر في كل صفحة 15 سطراً، وعلى هامشها بعض التعليقات المنقولة من كلام المصنف.
الجزء 1 · صفحة 19
1
اسم ناسخها: عمر بن إسماعيل، وقد أرَّخ نسخها في السابع عشر من ربيع الأول سنة 1054 هـ. لكنْ في هذه النسخة أخطاء وسقط كثير.
الأصول المعتمدة في تحقيق الشرح:
أما بالنسبة لرسالة "منهل الواردين" للعلامة ابن عابدين فلم يتيسر لنا نسخٌ مخطوطة لها، لذا فقد اعتمدنا في إخراجها على نسخة قديمة مطبوعة في (مطبعة المعارف في ولاية سوريا)، وقد طبعت الرسالة عنها بعد ذلك عدة مرات كان أولها سنة 1302 هـ، ووقفنا على نسخة منها بدار الكتب المصرية تحت الرقم 1102 فقه حنفي.
ثم أعاد نشر الرسالة عبد النافع فياض في سوريا سنة 1409 هـ، واعتمد في إخراجها - كذلك - على نسخة مطبعة المعارف المذكورة آنفاً.
عملنا في الكتاب:
يتلخَّصُ عملنا في هذا الكتاب في الأمور الآتية:
1. ضبطُ نصِّ المتن والشرح بالشكل اللازم، ووضع علامات الترقيم بدقة.
2. تفصيل الجمل وتفقير المقاطع ليسهل فهمها واستيعابها على
الجزء 1 · صفحة 20
2
القارئ.
3. وضع عناوين فرعية للفصول والمباحث لتسهيل الرجوع إليها، وقد ميزنا كل عنوان منها عن نصِّ الكتاب بمعقوفتين [].
4. تخريج النصوص التي اعتمد عليها العلامة ابن عابدين في شرحه، بعزوِ كلٍّ منها إلى مصدره إن كان مطبوعاً، ثم مقابلته به، فإذا وجدنا فيه اختلافاً ذا بالٍ نبَّهنا إليه.
5. التعليق على بعض العبارات بما يحل مشكلها ويُوضِّحُ غامضها، بالرجوع إلى الكتب المعتمدة في المذهب، بالإضافة إلى الشروح الأخرى لـ "ذخر المتأهلين" السابق ذكرها.
6. زيادة بعض الكلمات التي قدرنا سقوطها من الشرح المطبوع - حسب ما يقتضيه السياق - وجعلناها مميَّزةً بين معقوفتين [].
7. التعريف بالكتب المنقول عنها في الكتاب، وبيان المطبوع منها والمخطوط ضمن حدود اطلاعنا.
8. ترجمة الأعلام الواردة أسماؤهم في الكتاب.
9. صدَّرنا العملَ بترجمتين وجيزتين للإمامين: الماتن والشارح.
الجزء 1 · صفحة 21
21)
10. ذيَّلنَا الكتاب برسالة صغيرة سميناها "إرشاد المكلفين إلى دقائق ذخر المتأهلين"، ذكرنا فيها الأصول والقواعد الكلية للحيض والنفاس، وحللنا فيها الأمثلة التي ذكرها الإمام البِرْكِوِي مع إضافة جداول توضيحية في غاية السهولة.
11. أعددنا فهارس عامَّة للكتاب لتيسير الرجوع إلى مباحثه ومسائله.
وبهذا العمل نرجو أن نكون قد أتممنا تحقيقَ الكتاب من جوانبه المتعدِّدَة، ونأملُ أن تكون نسختنا هذه أصحَّ طبعةٍ تقدم لهذه الرسالة الجليلة إن شاء الله تعالى.
شكر وتقدير:
ولا يفوتنا في الختام أن نتقدَّمَ بخالصِ الشكر والتقدير لفضيلة أستاذنا الشيخ حسان الهندي، الذي كان له الفضل الأكبر - بعدَ عونِ الله تعالى - في فَهمِ غوامضِ هذا الباب، فقد أفادنا كثيراً من علْمِه الجمِّ، فنسألُ الله تعالى أن يجزيه عنَّا خيرَ الجزاء.
ونتوجَّهُ أيضاً بشكرٍ خاصٍّ إلى فضيلة شيخنا عبد الرحمن أرجان على
الجزء 1 · صفحة 22
22)
تَفضُّلِه بمراجعة الكتاب رغم كثرة شواغله وضيق وقته، حيث كان لملاحظاته الدقيقة وتوجيهاته السديدة النفع البالغ، فجزاه الله تعالى عنا خيراً.
كما نتقدَّم بخالص الشكر لكل من أسدى إلينا مشورةً، أو رأياً، أو توجيهاً، أو دعوة صالحة، أو غير ذلك.
* * *
ونودُّ هنا أنْ نلفت انتباه القارئ الكريم قبل شروعه في قراءةِ هذا الكتاب إلى نصيحةِ الإمام البِرْكِوِي التي سطّرها في طيات رسالته في آخر الفصل الثاني، عند بيانِهِ لقواعد انتقال العادة حيث قال: "هذا البحثُ أهمُّ مباحثِ الحيض؛ لكثرة وقوعه، وصعوبة فهمه، وتعسُّرِ إجرائه، وغفلة أكثر النساء عنه، فعليك بالجد والتشمير في ضبطه، فلعلَّ الله تعالى بلُطفِه يُسهِّلْه وييسره لك، إنه ميسِّرُ كل عسير، آمين يا كريم".
لذا ننصح القارئ كي تتم له الاستفادة من جهود الإمام البِرْكِوِي ومن بعده العلامة ابن عابدين أن يتريَّثَ في قراءةِ هذا الكتاب، ويُعيدَ النظرَ فيه المرَّةَ تلوَ الأخرى، حتى تَثبُتَ الأحكامُ في ذهنه وتتضِّح فيُنتفع بها.
الجزء 1 · صفحة 23
23)
وختاماً نَضرعُ إلى الله ? أن يتقبَّلَ عملنا هذا، وأن تتحقق الفائدةُ المرجوة منه ويُعِمَّ النفع به لطلبة العلم وسائر المسلمين، لعلَّ دعوة كريمة تنالنا ممن ينتفع به فنُسْعَدَ بها، كما نسأله تعالى أن يتقبل جُهدَنا فيه ويجعله في كفة الحسنات ذخيرةً لنا عنده، يوم نلقى نبينا الأمين ?، والحمد لله رب العالمين.
أشرف منيب
وهداية هارتفورد
الجزء 1 · صفحة 24
2
المخطوطات:
الصفحة الأولى من المخطوطة أ
الجزء 1 · صفحة 25
26)
الصفحة الأخيرة من المخطوطة أ
الجزء 1 · صفحة 26
2
الصفحة الأولى من المخطوطة ب
الجزء 1 · صفحة 27
2
الصفحة قبل الأخيرة من المخطوطة ب
الجزء 1 · صفحة 28
2
الصفحة الأخيرة من المخطوطة ب
الجزء 1 · صفحة 29
31)
ترجمة الماتن الإمام البِرْكِوِي
اسمه ونسَبُه:
هو محمد بن بير علي بن إسكندر الرومي، المُلقَّب: بمحي الدين، أو تقي الدين، أو زين الدين، المشهور باسم بِرْكِوِي، أو بِيرْكِلي، أو بِرْكِلي، أو بِيرْكِيلو، نسبة إلى بلدة بِرْكي حيثُ قضى سنواته الأخيرة من عمره فيها، وتُوفي ودُفِنَ بها، وهو معروف بين الأتراك في تركيا وفي بلاد البلقان بالإمام البِرْكِوِي. بِرْكِلي
مولده:
وُلِدَ الإمام البِرْكِوِي في قرية بكتشلر التابعة لناحية كبسود من محافظة باليكسير، يوم الجمعة العاشر من جمادى الأول سنة 929 هـ، الموافق السابع والعشرين من آذار سنة 1523 م.
نشأته وثقافته:
نشأ الإمام البِرْكِوِي في بيئة آمنة مستقرَّة زاخرة بالعلم والعلماء، وفي كنف أسرة تتَّسِمُ بالعلم، فقد كان أبوه - بير علي أفندي - أحد المدرسين
الجزء 1 · صفحة 30
32)
في باليكسير آنذاك، فاشتغل منذ نُعومَةِ أظافره بطلب علوم الآداب العربية، والفقه وأصوله، والتفسير، والحديث، والكلام، والمنطق ... الخ، وحفظ القرآن -كعادة العلماء في شتى العصور - فغدا عالماً بارعاً في الأصول والعربية.
كما درس عند أبيه مقدمات العلوم والفنون المتنوعة، وحَصَّل عنده علم المنطق وغيره، وعندما أحسَّ الوالِدُ في ابنه النبوغَ وحُبَّ العِلْم أرسلَهُ إلى إستانبول حيث توجد المدارس العثمانية التي بناها السلطان محمد الفاتح ليُكمِلَ دراسته العليا.
وظل الإمام البِرْكِوِي ينتقل بين رياض العلماء في إستانبول، وشبَّ في أحضان هذا الجو العلمي الذي يموج بالمجادلات والمناظرات، فكان لها أعظم الأثر في اتِّقَاِد ذهنه، وصقل مواهبه.
وبالإضافة إلى ذلك كانت الدولة آنذاك تدعَمُ الحركة العلمية، وتُشجِّعُ العلماء، حيث عاش الإمام البِرْكِوِي في عهد أشهر السلاطين الذين اهتموا بالحركة الأدبية والعلمية، مثل السلطان سليمان القانوني، وابنه سليم، اللذين كان لهما انشغال ملحوظ بالأدب والشعر، وكانا يُوليَانِ اهتماماً كبيراً بالعلماء والكتاب والشعراء، مما ساعد في ازدهار الحركة العلمية والأدبية.
الجزء 1 · صفحة 31
33)
ولكن على الرغم من هذا الاهتمام من جانب السلاطين فقد ظهر في هذه الفترة بعضُ أصحاب البِدَع والخرافات والأفكار الخاطئة، وكان للإمام البِرْكِوِي دورٌ بارِز في محاربتهم ورِّدهِم، وهاجمهم داحضاً حُججَهُم بالكتابِ والسُنَّة، وألَّفَ كتابَه "الطريقة المحمدية" محاولاً من خلاله إرشاد الناس إلى الطريق الصحيح في العبادات والمعاملات.
صفاته وأخلاقه:
لقد أجمع المترجمون للإمام البِرْكِوِي على نَعتِه بالصفات الحميدة، وعظم قدره، ومنزلته العلمية، فقال صاحب العقد المنظوم:
((وممن تعانى العلم والعمل وحصل وكمل فالتحق في شبابه بالمشايخ الكمل، الشيح محي الدين الشهير ببيركيلو، كان أبوه رجلاً علَمَاً من أصحاب الزوايا، ولا غرو فيه فإنَّ الزوايا خبايا، ونشأ المرحوم - أي الإمام البِرْكِوِي - في طلب المعارف والعلوم، ووصل إلى مجلس العظام، ودخل محافل الكرام، وعكف على التحصيل والإفادة من أفاضل السادة، ثم غلب عليه الزهدُ والصلاح، ولاحَ في جبينه آياتُ الفوزِ والفلاح، فتحوَّلَ عن مضايق الشكوك إلى مسارح السلوك ... ، وكان ? في طرفٍ عالٍ من الفضل والكمال، وتتبُّعِ الكتب والرسائل، وجمعِ
الجزء 1 · صفحة 32
34)
القواعدِ والمسائل، وجمع العلم وتبحَّرَ فيه، وحوى من الفضل والمعرفة ما يكفيه ... ، وكان ? آيةً في الزهد والصيانة، ونهاية في الورع والديانة ... ، متمسكاً بما هو أتم وأقوى، قائماً على الحق في كل مكان، يرد على من خالف الشريعة كائناً من كان، لا يهاب أحداً لعلوِّ رُتبَتِه، وسُمُوِّ منزلَتِه، جاء في آخر عمره إلى قسطنطينية ودخل مجلس الوزير محمد باشا وكلَّمَهُ في قمع الظلم، ودفع المظالم بكلماتٍ أحدَّ من السيوف الصوارم، وملأ بفرائد المواعظ ذلك النادي، ولكن لا حياة لمن ينادي)).
وكان الإمام البِرْكِوِي سيفاً مسلولاً على أصحاب الباطل، وكان لا يخشى في قولِ الحقِّ لومةَ لائم، خاصة فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث كان يَنتقِدُ بعضَ رجال الدين والدولة إذا رأى منهم قصوراً، أو خللاً في أعمالهم، وكان يتَّصِفُ بالنزاهة والعِزَّة، ولم يُقدِّم تأليفاً علمياً إلى أحد كبار الدولة لينال العطاء والثناء كما كان يفعلُ معاصروه من العلماء والأدباء.
ومما يُؤكِّدُ ذلك ما ذكرَتهُ كتبُ التراجم من نشوبِ نقاشٍ طويل وجدالٍ عنيف بين الإمام البِرْكِوِي وشيخ الإسلام أبي السعود أفندي، وكان يَشغَلُ منصِبَ الإفتاء آنذاك، في مسألةِ الوقف، وقد اتهمه بعضُ علماءِ عصرِه بأنه أرادَ أن ينالَ الشُّهرَةَ بانتقادِه لشيخ الإسلام، علماً بأنَّ
الجزء 1 · صفحة 33
3
الثابت من خلال كتاباته أنه ناقش وجادل كثيراً من معاصريه كلما رأى أمراً مخالِفَاً للكتاب أو السُنَّة أو أدلة المجتهدين، حتى لقب ? بالإمام البِرْكِوِي، والإمامة درجة علمية ودينية رفيعة المنزلة آنذاك.
إن الإمام البِرْكِوِي من أبرز العلماء الذين جمعوا بين العلم والتقوى ظاهراً وباطناً، ووصف بالورع والفضيلة، وما تركه الإمام البِرْكِوِي من آثار قيِّمَة أكبرُ شاهدٍ على أنَّ صاحبَ هذه الآثار على درجة خلقية رفيعة وعلم عميق.
رحلاته:
للإمام البِرْكِوِي - في حياته - رحلات، أولها عندما انتقل من مسقط رأسه باليكسير إلى إستانبول - عاصمة الدولة العثمانية آنذاك - طلباً للعلم، حيث أنهى تعليمه العالي.
وأما رحلته الثانية فعندما أنهى تعليمه العالي وانتقل إلى أدرنة حيث عُيِّنَ فيها بالقسَّام العسكري، أي عضو الهيئة المشرفة على توزيع تركة الميت من الجند (الانكشارية) على ورثته الشرعيين، فكان مستشاراً شرعياً في الهيئة.
ثم عاد إلى إستانبول مرةً أخرى - بعد تركه وظيفته في أدرنة - حيث
الجزء 1 · صفحة 34
36)
بقيَ فيها فترةً من الزمن، ثم عيَّنَهُ أستاذ السلطان سليم الثاني - عطاء الله أفندي - مُدرِّسَاً في مدرسته التي بناها في مسقط رأسه بِرْگـَى، وفوَّضَ أمرَ تدريسها إليه، وعيَّنَ له كل يوم ستين درهماً، فكان يُدرِّسُ تارةً، ويَعِظُ أخرى، فقصدَهُ النَّاسُ من كل فجٍّ عميق، وانتفعَ الناسُ بوعظه ودرسه.
شيوخه:
لكلِّ علْمٍ شيوخٌ تلقَّى عنهم العلوم، ولازمَهُم فترة من حياته، يأخذ عنهم ويستزيد من علمهم، وللإمام البِرْكِوِي شيوخ أخذ عنهم العلوم المختلفة، وروى عن طريقهم المعارف المتنوعة، إلا أن المترجمين له قصروا عن ذكرهم، فلم يُشِر أحدٌ منهم إلى هؤلاء الشيوخ عدا ما جاء في العقد المنظوم: ((أنه تفقَّهَ بأبيه، وأنه عكف على التحصيل والإفادة من الأفاضل السادة منهم: المولى محي الدين المشتهر بأخي زادة ... ، وصار ملازماً المولى عبد الرحمن أحد قضاة العسكر في عهد السلطان سليمان ... ، واتصل بخدمة الشيخ عبد الله القرماني البيرامي، وحصل بينه وبين المولى عطاء الله محبَّة أكيدة ومودَّة شديدة، فأقبل بحسن الالتفات إليه)).
المولى بير علي أفندي:
وهو المولى بير علي بن اسكندر أفندي، والد الإمام البِرْكِوِي - عليهما
الجزء 1 · صفحة 35
3
رحمة الله تعالى - ولم يثبت أحدٌ من المؤرخين شيئاً يُذكَر عن هذا العالِمِ الجليل، فلا يُعرَفُ عن ولادته أو نشأته أو وفاته شيءٌ، سوى ما ذكره البعض من أنه كان أحد المدرسين في باليكسير آنذاك، وكان شيخاً صوفياً في نفس البلدة.
عطاء الله أفندي:
قال في العقد المنظوم: ((المولى عطاء الله معلم السلطان الأعظم، والخاقان الأكرم السلطان سليم خان بن السلطان سليمان خان، نشأ رحمه الله تعالى بقصبة بِرْگـَى من ولاية أيدين صارفاً عمره في إحراز العلوم والمعارف بحيثُ لا يَلوِيه من تحصيلها عائقٌ ولا صَارِف، وتشرف بمجالس الأفاضل، ومحافل الأماثل، قرأ على المفتي أبو السعود، ثم على الإمام سعد الله محشي تفسير البيضاوي، ثم صار ملازماً للمولى المشتهر بإسرافيل زاده، وتنقَّلَ في التدريس إلى أن عُيِّنَ لتعليم السلطان سليم خان، توفي سنة 979 هـ أوائل صفر، وحضر جنازته في بيته عامَّةُ العلماء والوزراء، ونزل السلطان إلى الباب العالي، وأخذ بأطراف نعشه الوزير الكبير محمد باشا وسائر الوزراء والأمراء الحاضرين، وصلَّى عليه المفتي أبو السعود، ودفن بزاوية الشيخ ابن الوفاء بمدينة قسطنطينية)).
الجزء 1 · صفحة 36
3
شمس الدين أفندي الصغير:
ولد في قصبة "لازق"، كان صاحب الفضيلة مدققاً ومحققاً، لازمَ الأستاذَ خير الدين أفندي، المتوفى سنة 950 هـ، وبعد مدة الملازمة صار مدرِّسَاً في مدرسة "جَنْدِك"، في "بروسة"، ومدرسة "أفضل زادة"، ومدرسة "بيري باشا"، ومدرسة "محمود باشا" في إستانبول، ثم في مدرسة السلطانية في "بروسة"، توفي رحمه الله تعالى سنة 957 هـ، في مدرسة "ياووز سليم".
عبد الرحمن أفندي:
من مواليد "آماسيه"، وكان والده قاضياً من القُضاةِ في القصبات، أتمَّ دراسته في إستانبول عند الأفاضل مثل ابن الكمال، وسعدي جلبي، وصار ملازماً عند سعدي جلبي، اشتغل بالتدريس في بعض المدارس ثمَّ تولَّى القضاءَ إلى أن عُزِلَ عنه، توفي رحمه الله تعالى سنة 983 هـ.
أخي زاده قرماني محمد أفندي:
كان أخي زاده محمد أفندي يشتغل بالتدريس، وتوفي رحمه الله تعالى سنة 974 هـ.
الجزء 1 · صفحة 37
3
الشيخ عبد الله القرماني البيرامي:
لم نعثر لهذا الشيخ الجليل على ترجمة، عدا ما ذكره صاحب العقد المنظوم في حديثه عن الإمام البِرْكِوِي حيث قال: "واتصل بخدمة الشيخ عبد الله القرماني البيرامي ... "، أما ولادته أو نشأته أو حياته أو وفاته فلا نعلَمُ عنها شيئاً.
تلامذته:
إذا كانت كتب التراجم قد أغفلَتْ كثيراً من أساتذة الإمام البِرْكِوِي ولم تذكر لنا إلا القليل منهم، فقد لا نُبالِغ إذا قلنا أنها قد أغفَلتْ كلَّ تلاميذه، فهذا العالم الجليل الذي قضى عمره بين التدريس والتأليف تارةً، والوعظ والإرشاد أخرى، لا شكَّ أنَّ تلاميذه لا يُحصَونَ عدداً، فقد درس فترة كبيرة في المدارس معلماً ومربياً لأجيالٍ وأجيال، ومع ذلك لا نجِدُ في كتب التراجم التي بين أيدينا ذكراً لهم، وحتى القلَّة القليلة التي ذكرتها لنا كتبُ التراجم وأشارت إليهم عرَضاً لم نجد لهم ترجمة عدا أسمائهم، ومن هؤلاء:
المدرس فضل الله بن البِرْكِوِي (960 - 1032 هـ)، وهو ابن الإمام البِرْكِوِي، وألَّفَ الإمامُ البِرْكِوِي كتاباً في الصرف سمَّاهُ "الأمثلة الفضلية"
الجزء 1 · صفحة 38
4
نسبةً لابنه هذا، وسنذكره في مؤلَّفاتِه.
عبد النصير أفندي الشهير بخوجه زاده (المتوفى سنة 990 هـ)، وهو أولُ شارحٍ لكتاب الطريقة المحمدية.
أوْلا مشلى مصلح الدين أفندي، وهو أحد شُرَّاح كتاب إظهار الأسرار للإمام البِرْكِوِي.
عمر الإزميري، وهو أحد شُرَّاح كتاب "العوامل" للإمام البِرْكِوِي.
مؤلفاته:
لم يشغل الإمام البِرْكِوِي بالتدريس عن التأليف والتصنيف، وله تصانيف مشهورة متداولة بأيدي الناس في علوم متنوعة، وفنون كثيرة، وقد اشتهرت مؤلفات الإمام البِرْكِوِي شُهرةً عظيمة، حظِيَ بعضها بالترجمة للغات متعددة.
مؤلفاته في الفقه (11 مصنفاً):
1. إنقاذ الهالكين، مطبوع.
2. إيقاظ النائمين وإفهام القاصرين. وهي رسالة في الصلاة والصوم والتهليل والتكبير والصلوات، مطبوع طباعة حجرية.
3. التعليقات على العناية للبابرتي.
الجزء 1 · صفحة 39
41)
4. حاشية الإيضاح والإصلاح، ويردُّ فيه على ابن كمال باشا في بعض المسائل الفقهية.
5. حاشية على إنقاذ الهالكين.
6. حاشية على إيقاظ النائمين، مطبوع.
7. ذخر المتأهلين والنساء في تعريف الأطهار والدماء، كتابنا هذا.
8. رسالة في أحكام الأراضي العشرية والخراجية.
9. رسالة في الفرائض.
10. رسالة في المصافحة، أي بعد الجمعة والأعياد؛ لاعتقاد الناس أنها سُنَّة لا يجوز تركها، وفيها تصحيح لهذه المفاهيم.
11. السيف الصارم في عدم جواز وقف المنقول والدراهم. وهي ردٌ على رسالة "موقف العقول في وقف المنقول" لشيخ الإسلام أبي السعود أفندي، مطبوع.
مؤلفاته المتعلقة بالعقائد والعبادات (13 مصنفاً):
12. أحوال أطفال المسلمين في الآخرة، مطبوع طباعة حجرية.
13. الإرشاد في العقائد والعبادات.
14. جِلاءُ القلوب، مطبوع.
15. الرسالة الاعتقادية (وصية البِرْكِوِي).
الجزء 1 · صفحة 40
42)
16. رسالة التوحيد.
17. رسالة سجود السهو.
18. رسالة في تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر.
19. رسالة في زيارة القبور، مطبوع.
20. شرح "آمنت"، وهو شرح قصير لشروط الإيمان الست.
21. شرح شروط الصلاة.
22. القول الوسيط بين الإفراط والتفريط.
23. مُعَدِّلُ الصلاة. وهي رسالة في تعليل أركان الصلاة، مطبوع.
24. نور الأحياء وتحفة الأموات.
مؤلفاته المتعلقة بالحديث الشريف (3 مصنفات):
25. رسالة في أصول الحديث، مطبوع.
26. شرح الأربعين، وهو شرح لأربعين حديث نبوي اختارها من الأحاديث المشتملة على السنن، مطبوع.
27. كتاب الإيمان وكتاب الاستحسان.
مؤلفاته المتعلقة بالقرآن الكريم (3 مصنفات):
28. تفسير البِرْكِوِي، وصلَ فيه إلى منتصَف سورة البقرة فقط.
الجزء 1 · صفحة 41
43)
29. الدر اليتيم في التجويد، مطبوع.
30. رسالة في بيان رسوم المصاحف العثمانية.
مؤلفاته في النحو (4 مصنفات):
31. امتحان الأذكياء: شرحَ فيه كتاب "لب الألباب في علم الإعراب" للبيضاوي، مطبوع.
32. إظهار الأسرار: وهو شرحٌ مُفصَّل لكتابه "العوامل"، مطبوع.
33. تعليقات على الفوائد الضيائية للجامي.
34. متن العوامل، مطبوع.
مؤلفاته في الصرف (6 مصنفات):
35. الأمثلة الفضلية، سمَّى الإمام البِرْكِوِي كتابَه هذا نسبة إلى ابنه فضل الله أفندي، مطبوع.
36. إمعان الأنظار، مطبوع.
37. حاشية على شرح الأمثلة الفضلية.
38. رسالة في الصرف.
39. شرح الأمثلة الفضلية.
40. كفاية المبتدي، مطبوع.
الجزء 1 · صفحة 42
44)
مؤلفاته المتعلقة بالتصوف (4 مصنفات):
41. رسالة في الذكر باللسان.
42. الطريقة المحمدية والسيرة الأحمدية، مطبوع.
43. محك المتصوفين والمنتسبين.
44. المقامات، مطبوع.
مؤلفاته المتعلقة بعلم الكلام:
45. تحفة المسترشدين في بيان المذاهب وفرق المسلمين.
مؤلفاته المتعلقة بالآداب.
46. رسالة الآداب، وقد تُسمَّى برسالة المناظرة، مطبوع.
مؤلفاته المتعلقة بالتراجم:
47. إشراق التاريخ.
مؤلفاته المتعلقة بالسياسة:
48. ذخر الملوك، وهو في مدح السلطان العادل، وذم السلطان الجائر، ونصائح للحكام.
الجزء 1 · صفحة 43
4
مؤلفاته المتعلقة بعلم الفلك:
49. رسالة في تبيين غرة الشهر.
وفاته:
بعد حياةٍ حافلة بالتصنيف والتدريس تُوفِّيَ رحمه الله تعالى في جمادى الأولى لسنة إحدى وثمانين وتسعمئة (981 هـ)، الموافق الثامن والعشرين من أيلول سنة 1573 م، عن عُمرٍ يُناهِزُ اثنين وخمسين سنة، بمرض الطاعون أثناء سفره إلى إستانبول، وجِيءَ بجنازته إلى بِرْگـَى، ودُفِنَ في المكان الذي هو مدفونٌ فيه اليوم، شمال شرق ناحية بِرْگـَى.
مصادر الترجمة:
الإمام البِرْكِوِي وجهوده في اللغة العربية: صـ 24 - 126.
امتحان الأذكياء شرح لب الألباب: صـ 22 - 42.
العقد المنظوم: صـ 436 - 437.
الجزء 1 · صفحة 44
4
ترجمة الشارح العلامة ابن عابدين
اسمه ونسَبه:
هو محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز بن أحمد بن عبد الرحيم بن نجم الدين بن محمد صلاح الدين الشهير بعابدين بن نجم الدين الثاني بن محمد كمال بن تقي الدين المدرس بن مصطفى الشهابي بن حسين بن رحمة الله بن أحمد الثاني بن علي بن أحمد الثالث بن محمود بن أحمد الرابع بن عبد الله بن عز الدين بن عبد الله الثاني بن قاسم بن حسن بن إسماعيل الأعرج بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام زين العابدين بن الإمام حسين بن البتول هي الزهراء فاطمة بنت سيد المرسلين وحبيبِ ربِّ العالمين صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، فابن عابدين هو الولَدُ الثاني والثلاثون للسيدة فاطمة الزهراء البضعة النبوية الطاهرة رضي الله تعالى عنها.
وقد اتفقَ المُؤرِّخُون على أنه مشهور بابن عابدين الحسيني، وكان أحياناً يُلقِّبُ نفسه محمد عابدين الماتريدي، وأساس الشهرة بعابدين يرجع إلى جدِّه الخامس محمد صلاح الدين، والذي يُعدُّ مؤسسُ مَجدِ هذه
الجزء 1 · صفحة 45
4
الأسرة حتى صارت الأسرة تُعرَف من بعدُ باسمه، وما ذلك إلا لصلاحه وتقواه وكثرة عبادته وعبوديته كما يدل عليه اشتقاق لفظ عابدين.
مولده:
ولد في دمشق سنة 1198 هـ، الموافق 1784 م، ونشأ في حجر أبيه السيد عمر عابدين في حي القنوات من أحياء دمشق، وكان له عم من أهل الصلاح اسمه الشيخ صالح عابدين، هو الذي بشرَّ أُمَّهُ به قبل ولادته وسمَّاه محمد أمين وهو في بطنِ أُمِّه.
نشأته وثقافته:
نشأ ابنُ عابدين في بيتِ علْمٍ وصلاح، ذلك أنَّ أجداده عرفوا بين الناس بالورع وكثرة العبادة، كان والده تاجراً صالحاً فربَّاهُ على الفضيلة والهمَّةِ العالية، فحفِظَ القرآن عن ظهر قلب وهو صغير جداً، وكان والده يجلسه في محلِّه التجاري ليألَفَ التجارة ويتعلَّمَ البيع والشراء، وربما صاحبه في جولاته التجارية في الأسواق، وكان لهذا أثره فيما بعد حيث بقي ابن عابدين طول حياته تاجراً يأكلُ من كسب يده، وانعكست تلك المعرفة التجارية على فقهه وكتابته.
الجزء 1 · صفحة 46
4
وقد بدأ ابن عابدين طلبَهُ للعلم بحفظِ كتاب الله العزيز على أهله من علماء القراءات، وكان السبب في ذلك أنه كان يجلس في محلِّ والده ليتعلَّمَ التجارة، فجلس مرةً يقرأُ القرآن فمرَّ به رجلٌ لا يعرفه فسمِعَهُ يقرأ، ولم يكن بعدُ قد تعلَّمَ التجويد أو جالَسَ أحداً من أهل العلم، فزجرَهُ وأنكَرَ قراءته وقال له: ((لا يجوز لكَ أنْ تقرأ هذه القراءة؛ لأن هذا المحل محل للتجارة والناس لا يستمعون قراءتك فيرتكبون الإثم بسببك، وأنت أيضاً آثم، كما أنَّ قراءتك ملحونة)) وأمرَهُ بالتعلُّمِ، فسأل عن أفضلِ مَن يُعلِّمُ القرآن فدلَّه بعضُهم على الشيخ محمد سعيد الحموي شيخ القُرَّاء، فبدأ القراءة عليه، فقرأ القرآن مجوداً وحفظ المتون، وقرأ عليه بعض العلوم والفقه الشافعي، ثم انتقل إلى شيخه الشيخ شاكر العقاد السالمي- المشهور بابن مقدم سعد الحنفي- فقرأ عليه كثيراً من العلوم والفنون في المعقول والمنقول وألزمَهُ التحوُّلَ على المذهب الحنفي فقرأ عليه كثيراً من كتب المذهب، وأحبَّهُ شيخُه محبَّةً عظيمة، وصار يفتخِرُ به ويأخذه إلى شيوخه ويستجيزهم له، فيُجيزونَه.
ثم بدأ بالتصنيف في هذه الفترة وسِنُّهُ سبعة عشر عاماً، ثم بدأ بقراءة الدر المختار على الشيخ العقاد مع جماعة منهم الشيخ سعيد الحلبي،
الجزء 1 · صفحة 47
5
ولكنَّ الشيخ العقاد توفي سنة 1222 هـ، ولم يكمل الدر، فأكمله ابن عابدين مع تلاميذ الشيخ العقاد على الشيخ سعيد الحلبي أكبر التلاميذ سناً وقدراً، ثم قرأ عليه كثيراً من الكتب التي بدأها مع شيخه العقاد، وكتباً أخرى في الفقه الحنفي وغيره من العلوم الآلية حتى برعَ ونضجَ وتمكَّنَ، فاشتغل بالتصنيف والتدريس والإفادة حتى أصبح مرجعَ الفتوى ومحجَّةَ العلماء في العالم الإسلامي.
وكان ? مغرماً بتصحيح الكتب والكتابة عليها فلا يدَعُ شيئاً من قيد أو اعتراض أو تنبيه أو جواب أو تتمة فائدة إلا ويكتبه على الهامش، ويكتب المطالب، وكانت عنده كتب من سائر العلوم لم يُجمع على منوالها، وكان كثيراً منها بخطِّ يده، ولم يدَع كتاباً منها إلا وعليه كتابته، وكان والده السبب في جمعه هذه الكتب عديمة النظير، فإنه كان يشتري له كل كتاب أراده، ويقول له: ((اشترِ ما بدا لك من الكتب، وأنا أدفعُ لك الثمن فإنك أحييتَ ما أمتُّهُ أنا من سيرةِ سلَفِي، فجزاك الله خيراً يا ولدي)).
كما أعطاه والده كُتُبَ أسلافِه الموجودة عنده من أثرهم الموقوفة على ذراريهم، وكان ابن عابدين رحمه الله تعالى حريصاً على إصلاح الكتب، لا يمرُّ على موضعٍ منها فيه غلط إلا أصلحه وكتبَ عليه ما يناسبه.
الجزء 1 · صفحة 48
51)
صفاته وأخلاقه:
كانت أعظم صفة فيه الصلابة في الدين مع التواضع والأدب في محلهما، فقد كان متين الدين لا تأخذه في الله لومةُ لائم، صدَّاعَاً بالحق، أمَّارَاً بالمعروف، نهَّاءً عن المنكَر، إذا سمع منكراً أو رآه سعى بتغييره ما استطاعَ؛ لصلابته في دينه، لذلك رُزِقَ الهيبةَ فكان مهاباً مطاعاً نافذَ الكلمة، تهابُه الحكَّامُ والقضاة وأهل السياسة، وكانت كلمته نافذةً، وشفاعَتُه مقبولة، وكتابته ميمونة، ما كتب لأحدٍ شيئاً إلا وانتفع به لصدقِ نيَّتِه وحُسنِ سريرته وقوة يقينه وشدة دينه وصلابته فيه.
وكان حسَنَ الصحبة، متواضعاً، حسَنَ الأخلاق، يحب الفقراء والمساكين وأهل التقى والدين، ذا أدبٍ رفيع، كثير التصدق على ذوي الحاجات، عظيم البر والصلة لأرحامه الأقربين، كان في رمضان يختم القرآن كلَّ ليلة ختماً كاملاً مع تَدبُّرِ معانيه، وكثيراً ما يستغرق ليلَهُ بالبكاء والقراءة للقرآن، ولا يدع وقتاً من الأوقات إلا وهو على طهارة، ويثابِرُ الوضوء على الوضوء.
شيوخه:
لقد أخذَ ابنُ عابدين العلْمَ عن مشايخ يطول ذكرهم هنا من شاميين
الجزء 1 · صفحة 49
52)
ومصريين وحجازيين وعراقيين وروميين، ولكن يُمكِنُ القول بأنَّ أربعةً منهم يعتبرون أساطين المدرسة العلمية والروحية التي تربَّى فيها ابن عابدين، وبها تخرَّج، فنسوق إليك ترجمتهم بإيجاز لكي تستبين مصادر تلقي العلم لدى الإمام ابن عابدين.
الشيخ محمد سعيد الحموي:
سعيد بن إبراهيم الحموي ثم الدمشقي، الشافعي، ولد سنة 1145 هـ في حماة، كان عالماً جليلاً شيخ القرَّاء بدمشق، له اليد الطولى في علم القراءات وأوجهها وطرقها، وشارك في بقية العلوم، انتفعَ به جماعةٌ من أهلِ عصره، ويُعدُّ الموجِّهَ الأول لابن عابدين في بدء الطلب بعدما تيقَّظَ لطلب العلم. كان يلقي دروسه في حجرته في الجامع الأموي، وكانت وفاته في خامس ذي الحجة سنة 1236 هـ عن إحدى وتسعين سنة.
الشيخ شاكر العقاد:
محمد بن شاكر بن علي بن سعد بن علي بن سالم العمري، فقيه حنفي دمشقي، ولد سنة 1157 هـ، قيل أنَّ نسَبهُ يتَّصِلُ بسيدنا عمر بن الخطاب، تصدى للتدريس صغيراً، فكان أكثر معاصريه من تلاميذه، يُعدُّ الشيخ الثاني الذي تبنَّى ابنَ عابدين وأحلَّهُ من قلبه محلاً عظيماً،
الجزء 1 · صفحة 50
53)
وباسمه صنَّفَ ابنُ عابدين ثبته المسمى "عقود اللآلي في الأسانيد العوالي"، ويسميه في معرض حديثه بشيخ شيوخنا، كانت وفاته سنة 1222 هـ.
الشيخ سعيد الحلبي:
سعيد بن حسن بن أحمد الشهير بالحلبي الحنفي الدمشقي مسكناً الحلبي مولداً وشهرة، ولد سنة 1188 هـ، ونشأ بها، وقرأ على علمائها، ثم قَدِمَ دمشق سنة 1207 هـ واستوطنها فأخذ عن علمائها كالعقاد ومصطفى الرحمتي، ثم تصدَّرَ للإقراء والتدريس مدة حياته في غرفته المعروفة به شمال جامع بني أمية حتى أضحى شيخَ الحنفية.
انتفع به وتخرَّجَ عليه من دمشق وغيرها كثيرٌ من أهل طبقته كابن عابدين فهو شيخٌ له من جهة، ورفيقُهُ في الطلَبِ من جهةٍ أخرى؛ لأنهما اشتركا في قراءة الدر المختار على الشيخ شاكر العقاد، توفي رحمه الله تعالى يوم الاثنين ثالث رمضان سنة 1259 هـ، ودفن في الذهبية قريباً من شيخه الشيخ شاكر العقاد.
الشيخ خالد الكردي النقشبندي:
خالد بن أحمد بن حسين أبو البهاء ضياء الدين النقشبندي المجددي، ولد سنة 1190 هـ، في قصبة قره طاغ، والمشهور أنه من ذرية الصحابي
الجزء 1 · صفحة 51
54)
الجليل سيدنا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وهاجر إلى بغداد في صباه، ورحلَ إلى الشام أيام داود باشا والي العراق، وتوفي في دمشق بالطاعون بعد أن نشرَ بها طريقتَهُ النقشبندية، وهو الشيخ المربي من كان له إشراف على روحانية ابن عابدين ورقيه الروحي، توفي سنة 1242 هـ.
تلاميذه:
بعد أن تخرَّجَ الإمامُ ابن عابدين من مدرسة هؤلاء المشايخ، ورسخت قدَمُهُ في العلم جلَسَ يُفقِّهُ الناسَ ويحدثهم بما سمع، فكان له تلاميذ كثيرون أثرى بهم العلم وانتشر في كل مكان، وكلهم من الأكابر والعلماء والأعيان وصدور الناس، وهم أصناف من المجتمع الدمشقي، فمنهم المفتي، ومنهم أمين الفتوى، ومنهم القاضي، ومنهم شيخ الإسلام، ولا يمكن استقصاؤهم، ولكن نذكر أبرزهم وأجلهم.
عبد الغني عابدين: العلامة الفقيه الصوفي، أخو الإمام ابن عابدين، تخرَّج به وحصل منه على إجازة.
محمد قاضي زاده: قاضي المدينة المنورة، وصاحب الوجاهة والمنصب الرفيع، أخذ عنه سائر العلوم وبه انتفع.
عبد الغني الغنيمي الميداني: شارح القدوري، وعقيدة الطحاوي، عنه
الجزء 1 · صفحة 52
5
أخذ، وبه انتفع، وعليه تخرج.
محمد بن حسن البيطار: أمين الفتوى بدمشق، عليه تخرج في المذهب الحنفي، وبه انتفع.
مؤلفاته:
لابن عابدين تصانيف كثيرة مشهورة متداولة بأيدي الناس في علوم متنوعة وفنون كثيرة، فابن عابدين موسوعةُ عصره بدون ريب، وآثاره في مختلف العلوم شواهد على ذلك، وهاهنا ثَبْتٌ بأسماء تصانيفه مسرودة على الفنون مع ترتيبها على الأحرف، مشاراً إلى المطبوع منها، وفيما عدا ذلك فهو ما بين مخطوط في مكتبة آل عابدين العامرة بدمشق، أو لم يعثر له على أثر:
مؤلفاته في الفقه الحنفي:
1. الإبانة عن أخذ الأجرة على الحضانة، مطبوع.
2. إتحاف الذكي النبيه في جواب ما يقول الفقيه، مطبوع.
3. أجوبة محققة عن أسئلة مفرقة، مطبوع.
4. إعلام الأعلام بأحكام الإقرار العام، مطبوع.
5. الأقوال الواضحة الجليَّة في نص القسمة ومسألة الدرجة الجعلية،
الجزء 1 · صفحة 53
56)
مطبوع.
6. بغية الناسك في أدعية المناسك، مطبوع.
7. تحبير التحرير في بطلان القضاء بالفسخ بالغبن الفاحش بلا تغرير، مطبوع.
8. تحرير العبارة فيمن هو الأولى بالإجارة، مطبوع.
9. تحرير النقول في نفقة الفروع والأصول، مطبوع.
10. تنبيه الرقود في مسائل النقود، مطبوع.
11. تنبيه الغافل والوسنان في أحكام هلال رمضان، مطبوع.
12. تنبيه ذوي الأفهام على أحكام التبليغ خلف الإمام، مطبوع.
13. تنبيه ذوي الأفهام على بطلان الحكم بنقض الدعوى بعد الإبراء العام، مطبوع.
14. حاشية رد المحتار على الدر المختار، مطبوع.
15. حاشية رفع الأنظار عمَّا أوردَهُ الحلبي على الدر المختار.
16. حاشية على النهر الفائق.
17. حاشية على شرح الملتقى للحصكفي.
18. حاشية منحة الخالق على البحر الرائق، مطبوع.
19. الرحيق المختوم في شرح قلائد المنظوم، مطبوع.
20. رفع الانتقاض ودفع الاعتراض في قولهم الأيمان مبنيَّةٌ على الألفاظ لا على الأغراض، مطبوع.
الجزء 1 · صفحة 54
5
21. رفع التردد في عقد الأصابع عند التشهد وذيلها، مطبوع.
22. شرح منهل الواردين من بحار الفيض على ذخر المتأهلين في مسائل الحيض للإمام البِرْكِوِي. كتابنا هذا.
23. شفاء العليل وبل الغليل في حكم الوصية بالختمات والتهاليل، مطبوع.
24. العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية، مطبوع.
25. العقود الدرية في قول الواقف على الفريضة الشرعية، مطبوع.
26. عقود رسم المفتي، شرح لمنظومته، مطبوع.
27. غاية البيان في أنَّ وقف الاثنين على أنفسهما وقف لا وقفان، مطبوع.
28. غاية المطلب في عود النصيب للأقرب فالأقرب، مطبوع.
29. الفوائد المُخَصِّصة في أحكام كي الحِمِّصة، مطبوع.
30. نظم الكنز.
مؤلفاته في أصول الفقه:
31. حاشية على شرح التقرير والتحبير لابن أمير حاج على التحرير لابن الهمام.
32. حاشية كبرى على شرح إفاضة الأنوار على المنار.
33. حاشية نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار على المنار
الجزء 1 · صفحة 55
5
للحصكفي، مطبوع.
34. نشر العَرف في بناء بعض الأحكام على العُرف، مطبوع.
مؤلفاته في علم التفسير:
35. حاشية على تفسير البيضاوي.
مؤلفاته في علم الكلام والعقائد:
36. تنبيه الولاة والحكَّام على أحكام شاتم خير الأنام أو أحد أصحابه عليه وعليهم الصلاة والسلام، مطبوع.
37. رفع الاشتباه عن عبارة الأشباه، مطبوع.
38. العلم الظاهر في نفع النسب الطاهر، مطبوع.
مؤلفاته في علم الحديث:
39. عقود اللآلي في الأسانيد العوالي، مطبوع.
مؤلفاته في التصوف:
40. إجابة الغوث في بيان حال النقباء والنجباء والأبدال والأوتاد والغوث، مطبوع.
41. سلّ الحسام الهندي لنصرة مولانا خالد النقشبندي، مطبوع.
الجزء 1 · صفحة 56
5
مؤلفاته في علوم العربية:
42. حاشية على المطول.
43. الدرر المضية في شرح نظم الأبحر الشعرية.
44. شرح الكافي في العروض والقوافي.
45. فتح رب الأرباب على لب الألباب شرح نبذة الإعراب.
46. الفوائد العجيبة في إعراب الكلمات الغريبة، مطبوع.
47. مجموع النفائس والنوادر.
48. مقامات في مدح الشيخ شاكر العقاد، مطبوع.
مؤلفاته في علم التاريخ والسيرة:
49. ذيل سلك الدرر.
50. قصة المولد النبوي.
مؤلفاته في علم الحساب والهيئة:
51. مناهل السرور لمبتغي الحساب بالكسور، مطبوع.
وفاته:
توفي ابن عابدين رحمه الله تعالى يوم الأربعاء الحادي والعشرين من ربيع الثاني سنة 1252 هـ، فكانت حياته المباركة قريباً من أربع وخمسين
الجزء 1 · صفحة 57
6
سنة هجرية، ودفن في القبر الذي أوصى أن يدفن فيه بمقبرة دمشق في باب الصغير؛ لمجاورته لقبري عالمين جليلين كان يحبهما ابن عابدين ويقدرهما تمام التقدير، وهما الشيخ علاء الدين الحصكفي صاحب الدر، والشيخ صالح الجينيني المحدث الكبير، وكان طمعه بقبر الشيخ الحصكفي أعظم لمزيد محبته إياه تلك المحبة التي تجلت في الدنيا بمزايا ثلاث: شرحه للدر بحاشيته رد المحتار، وحاشيته على شرحه للملتقى، وتسميته ولده الوحيد من بعده بعلاء الدين تيمناً به.
كانت له جنازة حافلة ما عُهِدَ نظيرُها، حتى إنَّ جنازته رفعت على رؤوس الأصابع من تزاحم الخلق وخوفاً من وقوعها وإضرار الناس بعضهم بعضاً، حتى صار حاكم البلدة وعساكره يفرقون الناس عنها، وبكى الناس عموماً نساءً ورجالاً كباراً وصغاراً، وكان الشيخ سعيد الحلبي شيخه حياً، فمشى في جنازته ورثاه وبَكَاه، وهو الذي صلى عليه إماماً.
مصادر الترجمة:
ابن عابدين وأثره في الفقه الإسلامي: 1/ 270 - 415.
حاشية قرة عيون الأخيار تكملة رد المحتار: 7/ 7 - 14.
الجزء 1 · صفحة 58
61)
ذُخْرُ المُتَأَهِّلِينَ وَالنِّسَاءِ
فِي تَعْرِيفِ الأَطْهَارِ وَالدِّمَاءِ
للإمام محمد پير علي البرگوي
929 - 981 هـ
تحقيق
هداية هارتفورد ... أشرف منيب
راجعه صاحب الفضيلة الشيخ
عبد الرحمن أرجان البينصوي
مدرس جامع الحافظ أحمد باشا
إستانبول
الجزء 1 · صفحة 59
63)
التمهيد ... 65
المقدِّمة فيها نوعان ... 67
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: فِي تَفْسِيرِ الْأَلْفَاظِ المُسْتَعْمَلَةِ. ... 67
النَّوْعُ الثَّانِي: فِي الْأُصُولِ وَالْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ. ... 69
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي ابْتِدَاءِ ثُبُوتِ الدِّمَاءِ الثَّلاثَةِ، وَانْتِهَائِهِ، وَالْكُرْسُفِ. ... 70
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي المُبْتَدَأَةِ وَالمُعْتَادَةِ. ... 73
أَمْثِلَةُ النِّفَاسِ ... 75
وَأَمْثِلَةُ الحَيْضِ ... 76
الْفَصْلَ الثَّالِثُ: فِي الْانْقِطَاعِ. ... 77
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي الْاسْتِمْرَارِ. ... 79
تَنْبِيهٌ: الدِّمَاءُ الْفَاسِدَةُ المُسَمَّاةُ بِالْاسْتِحَاضَةِ سَبْعَةٌ. ... 82
الْفَصْلُ الخَامِسُ: فِي المُضِلَّةِ. ... 83
الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِي أَحْكَامِ الدِّمَاءِ المَذْكُورَةِ. ... 89
تَذْنِيبٌ: فِي حُكْمِ الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ. ... 92
أَحْكَامُ المَعْذُورِ ... 94
الجزء 1 · صفحة 60
6
?
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الرِّجَالَ عَلَى النِّسَاءِ قَوَّامِينَ، وَأَمَرَهُمْ بِوَعْظِهِنَّ وَالتَّأْدِيبِ وَتَعْلِيمِ الدِّينِ. وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى حَبِيبِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ هُدَاةِ الْحَقِّ وَحُمَاةِ الشَّرْعِ المَتِينِ.
وَبَعْدُ: فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى فَرْضِيَّةِ عِلْمِ الْحَالِ عَلَى كُلِّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنْ نِسْوَةٍ وَرِجَالٍ. فَمَعْرِفَةُ الدِّمَاءِ المُخْتَصَّةِ بِالنِّسَاءِ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِنَّ وَعَلَى الْأَزْوَاجِ وَالْأَوْلِيَاءِ. وَلَكِنَّ هَذَا كَانَ فِي زَمَانِنَا مَهْجُوراً، بَلْ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً. لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْاسْتِحَاضَةِ، وَلا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّحِيحَةِ - مِنَ الدِّمَاءِ وَالْأَطْهَارِ - وَالْفَاسِدَةِ. تَرَى أَمْثَلَهُمْ يَكْتَفِي بِالمُتُونِ المَشْهُورَةِ، وَأَكْثَرُ مَسَائِلِ الدِّمَاءِ فِيهَا مَفْقُودَةٌ.
الجزء 1 · صفحة 61
66)
وَالْكُتُبُ المَبْسُوطَةُ لا يَمْلِكُهَا إِلَّا قَلِيلٌ. وَالمَالِكُونَ أَكْثَرُهُمْ عَنْ مُطَالَعَتِهَا عَاجِزٌ وَعَلِيلٌ. وَأَكْثَرُ نُسَخِهَا فِي بَابِ حَيْضِهَا تَحْرِيفٌ وَتَبْدِيلٌ؛ لِعَدَمِ الْاشْتِغَالِ بِهِ مُذْ دَهْرٍ طَوِيلٍ. وَفِي مَسَائِلِهِ كَثْرَةٌ وَصُعُوبَةٌ وَاخْتِلافَاتٌ. وَفِي اخْتِيَارِ المَشَايِخِ وَتَصْحِيحِهِمْ أَيْضاً مُخَالَفَاتٌ.
فَأَرَدْتُ أَنْ أُصَنِّفَ رِسَالَةً حَاوِيَةً لِمَسَائِلِهِ اللَّازِمَةِ، خَاوِيَةً عَنْ ذِكْرِ خِلافٍ وَمَبَاحِثَ غَيْرِ مُهِمَّةٍ، مُقْتَصِرَةً عَلَى الْأَقْوَى وَالْأَصَحِّ وَالمُخْتَارِ لِلْفَتْوَى، مُسَهِّلَةً الضَّبْطَ وَالْفَهْمَ. رَجَاءَ أَنْ تَكُونَ لِي ذُخْراً فِي الْعُقْبَى.
فَيَا أَيُّهَا النَّاظِرُ إِلَيْهَا - بِاللهِ الْعَظِيمِ - لا تَعْجَلْ فِي التَّخْطِئَةِ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِكَ فِيهَا المُخَالَفَةَ لِظَاهِرِ بَعْضِ الْكُتُبِ المَشْهُورَةِ. فَعَسَى أَنْ تُخَطِّئَ ابْنَ أُخْتِ خَالَتِكَ فَتَكُونَ مِنَ الَّذِينَ هَلَكُوا فِي المَهَالِكِ. فَإنِّي قَدْ صَرَفْتُ شَطْراً مِنْ عُمُرِي فِي ضَبْطِ هَذَا الْبَابِ حَتَّى مَيَّزْتُ - بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى - بَيْنَ الْقِشْرِ وَاللُّبَابِ، وَالسَّمِينِ وَالمَهْزُولِ، وَالصَّحِيحِ وَالمَعْلُولِ، وَالْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ، وَالضَّعِيفِ وَالْقَوِيِّ. وَرَجَّحْتُ بِأَسْبَابِ التَّرْجِيحِ المُعْتَبَرَةِ مَا هُوَ الرَّاجِحُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْاخْتِيَارَاتِ مِنَ الْأَئِمَّةِ.
فَارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ، وَتَأَمَّلْ مَا كَتَبْنَا مَرَّتَيْنِ، وَاعْرِضْهُ عَلَى الْفُرُوعِ
الجزء 1 · صفحة 62
6
وَالْأُصُولِ وَقَوَاعِدِ المَنْقُولِ وَالمَعْقُولِ، لَعَلَّكَ تَطَّلِعُ عَلَى حَقِّيَّتِهِ، وَتَظْهَرُ لَكَ وُجُوهُ صِحَّتِهِ، وَتَرْجِعُ إِلَى التَّصْوِيبِ مِنْ تَخْطِئَتِهِ، وَتَقُولُ: {الحمدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ}.
فَنَقُولُ - وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ وَمِنْهُ كُلُّ تَحْقِيقٍ وَتَدْقِيقٍ - هَذِهِ الرِّسَالَةُ مُرَتَّبَةٌ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَفُصُولٍ.
أَمَّا المُقَدِّمَةُ فَفِيهَا نَوْعَانِ:
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: فِي تَفْسِيرِ الْأَلْفَاظِ المُسْتَعْمَلَةِ.
اعْلَمْ أَنَّ الدِّمَاءَ المُخْتَصَّةَ بِالنِّسَاءِ ثَلاثَةٌ: حَيْضٌ، وَنِفَاسٌ، وَاسْتِحَاضَةٌ.
فَالحَيْضُ: دَمٌ صَادِرٌ مِنْ رَحِمٍ، خَارِجٌ مِنْ فَرْجٍ دَاخِلٍ، وَلَوْ حُكْماً، بِدُونِ وَلادَةٍ.
وَالنِّفَاسُ: دَمٌ كَذَلِكَ عَقِيبَ خُرُوجِ أَكْثَرِ وَلَدٍ، لَمْ يَسْبِقْهُ وَلَدٌ مُذْ أَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
وَالْاسْتِحَاضَةُ: وَيُسَمَّى دَماً فَاسِداً: دَمٌ - وَلَوْ حُكْماً - خَارِجٌ مِنْ فَرْجٍ دَاخِلٍ، لا عَنْ رَحِمٍ.
الجزء 1 · صفحة 63
6
وَالدَّمُ الصَّحِيحُ: مَا لا يَنْقُصُ عَنْ ثَلاثَةٍ وَلا يَزِيدُ عَلَى الْعَشَرَةِ فِي الْحَيْض، وَلا عَلَى الْأَرْبَعِينَ فِي النِّفَاسِ، وَلا يَكونُ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ دَمٌ وَلَوْ حُكْماً.
وَالطُّهْرُ المُطْلَقُ: مَا لا يَكُونُ حَيْضاً، وَلا نِفَاساً.
وَالطُّهْرُ الصَّحِيحُ: مَا لا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً، وَلا يَشُوبُهُ دَمٌ، وَيَكُونُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ.
وَالطُّهْرُ الفَاسِدُ: مَا خَالَفَهُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُ، وَالطُّهْرُ المُتَخَلِّلُ مُطْلَقاً بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ فِي النِّفَاسِ.
وَالطُّهْرُ التَّامُّ: طُهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً فَصَاعِداً.
وَالطُّهْرُ النَّاقِصُ: مَا نَقَصَ مِنْهُ.
وَالمُعْتَادَةُ: مَنْ سَبَقَ مِنْهَا دَمٌ وَطُهْرٌ صَحِيحَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا.
وَالمُبْتَدَأَةُ: مَنْ كَانَتْ فِي أَوَّلِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ.
وَالمُضِلَّةُ: وَتُسَمَّى الضَّالَّةَ وَالمُتَحَيِّرَةَ: مَنْ نَسِيَتْ عَادَتَهَا فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ.
الجزء 1 · صفحة 64
6
النَّوْعُ الثَّانِي: فِي الْأُصُولِ وَالْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ.
أَقَلُّ الحَيْضِ: ثَلاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، أَعْنِي: اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَاعَةً. حَتَّى لَوْ رَأَتْ مَثَلاً عِنْدَ طُلُوعِ شَمْسِ يَوْمِ الأَحَدِ سَاعَةً، ثُمَّ انْقَطَعَ إِلَى فَجَرِ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ، ثُمَّ رَأَتْ قُبَيْلَ طُلُوعِهَا، ثُمَّ انْقَطَعَ عِنْدَ الطُّلُوعِ، أَوِ اسْتَمَرَّ مِنْ الطُّلُوعِ الْأَوَّلِ إِلَى الثَّانِي يَكُونُ حَيْضاً. وَلَوِ انْقَطَعَ قَبْلَ الطُّلُوعِ الثَّانِي بِزَمَانٍ يَسِيرٍ وَلَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الدَّمُ، ثُمَّ لَمْ تَرَ دَماً إِلَى تَمَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً لَمْ يَكُنْ حَيْضاً.
وَأَكْثَرُهُ: عَشَرَةٌ كَذَلِكَ.
وَأَقَلُّ النِّفَاسِ: لا حَدَّ لَهُ. حَتَّى إِذَا وَلَدَتْ فَانْقَطَعَ الدَّمُ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي.
وَأَكْثَرُهُ: أَرْبَعُونَ يَوْماً.
فَالْحَيْضَانِ لا يَتَوَالَيَانِ، وَكَذَا النِّفَاسَانِ، وَالنِّفَاسُ وَالْحَيْضُ، بَلْ لا بُدَّ مِنْ طُهْرٍ بَيْنَهُمَا.
وَأَقَلُّ الطُّهْرِ: فِي حَقِّ النِّفَاسَيْنِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَفِي غَيْرِهِمَا خَمْسَةَ عَشَرَ
الجزء 1 · صفحة 65
7
يَوْماً. فَالدَّمَانِ المُحِيطَانِ بِهِ حَيْضَانِ إِنْ بَلَغَ كُلٌّ نِصَاباً، وَلَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ، وَإِلَّا فَاسْتِحَاضَةٌ أَوْ نِفَاسٌ. وَالطُّهْرُ النَّاقِصُ كَالدَّمِ المُتَوَالِي لا يَفْصِلُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ مُطْلَقاً. وَكَذَا الطُّهْرُ الْفَاسِدُ فِي النِّفَاسِ.
وَأَكْثَرُ الطُّهْرِ: لا حَدَّ لَهُ إِلَّا عِنْدَ نَصْبِ الْعَادَةِ. وَسَيَجِيءُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَالْعَادَةُ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، دَماً أَوْ طُهْراً، إِنْ كَانَا صَحِيحَيْنِ. وَتَنْتَقِلُ كَذَلِكَ:
- زَمَاناً: بِأَنْ لَمْ تَرَ فِيهِ، أَوْ رَأَتْ قَبْلَهُ.
- وَعَدَداً: إِنْ رَأَتْ مَا يُخَالِفُهُ صَحِيحاً - طُهْراً أَوْ دَماً - أَوْ دَماً فَاسِداً جَاوَزَ الْعَشَرَةَ وَوَقَعَ نِصَابٌ فِي بَعْضِ الْعَادَةِ وَبَعْضُهَا مِنَ الطُّهْرِ الصَّحِيحِ.
أَمَّا الْفُصُولُ فَسِتَّةٌ:
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي ابْتِدَاءِ ثُبُوتِ الدِّمَاءِ الثَّلاثَةِ، وَانْتِهَائِهِ، وَالْكُرْسُفِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَعِنْدَ ظُهُوَرِ الدَّمِ؛ بِأَنْ خَرَجَ مِنَ الْفَرْجِ الدَّاخِلِ أَوْ حَاذَى
الجزء 1 · صفحة 66
71)
حَرْفَهُ، كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ. فَكُلُّ مَا ظَهَرَ مِنَ الْإِحْلِيلِ وَالدُّبُرِ وَالْفَرْجِ بِأَنْ سَاوَى الْحَرْفَ يَنْتَقِضُ بِهِ الْوُضُوءُ مُطْلَقاً، وَيَثْبُتُ بِهِ النِّفَاسُ وَالْحَيْضُ إِنْ كَانَ دَماً صَحِيحاً مِنْ بِنْتِ تِسْعِ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ.
فَإِنْ أُحِسَّ ابْتِدَاءً بِنُزُولِهِ وَلَمْ يَظْهَرْ، أَوْ مُنِعَ مِنْهُ بِالشَّدِّ أَوْ الْاحْتِشَاءِ فَلَيْسَ لَهُ حُكْمٌ. وَإِنْ مُنِعَ بَعْدَ الظُّهُوَرِ أَوَّلاً فَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ بَاقِيَانِ دُونَ الْاسْتِحَاضَةِ.
وَأَمَّا فِي غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ فَلا حُكْمَ لِلظُّهُورِ وَالمُحَاذَاةِ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الْخُرُوجِ وَالسَّيَلانِ - إِلَى مَا يَجِبُ تَطْهِيرُهُ فِي الْغُسْلِ - فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ. فَلَوْ مُنِعَ الْجُرُحُ السَّائِلُ مِنَ السَّيَلانِ انْتَفَى الْعُذْرُ بِلا خِلافٍ، كَالْاسْتِحَاضَةِ.
وَفِي النِّفَاسِ لا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ خُرُوجِ أَكْثَرِ الْوَلَدِ. فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ دَماً فَعَلَيْهَا الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لا يَنْفَكُّ عَنْ بِلَّةِ دَمٍ. وَلَوْ خَرَجَ الْوَلَدُ مِنْ غَيْرِ الْفَرْجِ، إِنْ خَرَجَ الدَّمُ مِنَ الْفَرْجِ فَنِفَاسٌ، وَإِلَّا فَلا.
وَالسِّقْطُ إِنِ اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ كَالشَّعْرِ وَالظُّفْرِ فَوَلَدٌ، وَإِلَّا فَلا.
الجزء 1 · صفحة 67
72)
وَلَكِنَّ مَا رَأَتْهُ مِنَ الدَّمِ حَيْضٌ إِنْ بَلَغَ نِصَاباً وَتَقَدَّمَهُ طُهْرٌ تَامٌ، وَإِلَّا فَاسْتِحَاضَةٌ.
وَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ - بِأَنْ كَانَ بَيْنَ كُلِّ وَلَدَيْنِ أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ - فَالنِّفَاسُ مِنَ الْأَوَّلِ فَقَطْ.
وَأَمَّا انْتِهَاءُ الْحَيْضِ: فَبِبُلُوغِهَا سِنَّ الْإِيَاسِ. وَهُوَ فِي الْحَيْضِ خَمْسٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً. فَإِنْ رَأَتْ بَعْدَهُ دَماً خَالِصاً نِصَاباً فَحَيْضٌ، وَإِلَّا فَاسْتِحَاضَةٌ.
وَفِي غَيْرِ الْآيِسَةِ مَا عَدَا الْبَيَاضَ الْخَالِصَ مِنَ الْأَلْوَانِ فِي حُكْمِ الدَّمِ. وَالمُعْتَبَرُ فِي اللَّوْنِ حِينَ يَرْتَفِعُ الْحَشْوُ وَهُوَ طَرِيٌّ، وَلا يُعْتَبَرُ التَّغَيُّرُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْكُرْسُفُ: فَسُنَّةٌ لِلْبِكْرِ عِنْدَ الْحَيْضِ فَقَطْ، وَلِلثَّيِّبِ مُطْلَقاً. وَيُسَنُّ تَطْيِيبُهُ بِمِسْكٍ وَنَحْوِهِ. وَيُكْرَهُ وَضْعُهُ فِي الْفَرْجِ الدَّاخِلِ.
وَلَوْ وَضَعَتِ الْكُرْسُفَ فِي اللَّيْلِ مَثَلاً وَهِيَ حَائِضَةٌ أَوْ نُفَسَاءُ، فَنَظَرَتْ فِي الصَّبَاحِ فَرَأَتْ عَلَيْهِ الْبَيَاضَ حُكِمَ بِطَهَارَتِهَا مِنْ حِينَ
الجزء 1 · صفحة 68
73)
وَضَعَتْ، فَعَلَيْهَا قَضَاءُ الْعِشَاءِ. وَلَوْ طَاهِرَةً فَرَأَتْ عَلَيْهِ الدَّمَ فَحَيْضٌ مِنْ حِينَ رَأَتْ.
ثُمَّ إِنَّ الْكُرْسُفَ إِمَّا أَنْ يُوضَعَ فِي الْفَرْجِ الْخَارِجِ أَوِ الدَّاخِلِ:
- وَفِي الْأَوِّلِ: إِنِ ابْتَلَّ شَيْءٌ مِنْهُ يَثْبُتُ الْحَيْضُ وَنَقْضُ الْوُضُوءِ.
- وَفِي الثَّانِي: إِنِ ابْتَلَّ الْجَانِبُ الدَّاخِلُ وَلَمْ تَنْفُذِ الْبِلَّةُ إِلَى مَا يُحَاذِي حَرْفَ الْفَرْجِ الدَّاخِلِ لا يَثْبُتُ شَيْءٌ، إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ الْكُرْسُفُ. وَإِنْ نَفَذَ فَيَثْبُتُ. وَإِنْ كَانَ الْكُرْسُفُ كُلُّهُ فِي الدَّاخِلِ فَابْتَلَّ كُلُّهُ، فَإِنْ كَانَ مُتَسَفِّلاً عَنْ حَرْفِ الدَّاخِلِ فَلا حُكْمَ لَهُ، وَإِلَّا فَخُرُوجٌ. وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الذَّكَرِ. وَكُلُّ هَذَا مَفْهُوَمٌ مِمَّا سَبَقَ، وَتَفْصِيلٌ لَهُ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي المُبْتَدَأَةِ وَالمُعْتَادَةِ.
أَمَّا الْأُوْلَى: فَكُلُّ مَا رَأَتْ حَيْضٌ وَنِفَاسٌ، إِلَّا مَا جَاوَزَ أَكْثَرَهُمَا. وَلا تَنْسَ كَوْنَ الطُّهْرِ النَّاقِصِ كَالمُتَوَالِي. فَإِنْ رَأَتِ سَاعَةً دَماً ثُمَّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْماً طُهْراً ثُمَّ سَاعَةً دَماً، فَالْعَشَرَةُ مِنْ أَوَّلِهِ حَيْضٌ، فَتَغْتَسِلُ وَتَقْضِي صَوْمَها. فَيَجُوزُ خَتْمُ حَيْضِهَا بِالطُّهْرِ لا بَدْؤُهَا. وَلَوْ وَلَدَتْ
الجزء 1 · صفحة 69
74)
فَانْقَطَعَ دَمُهَا، ثُمَّ رَأَتْ آخِرَ الْأَرْبَعِينَ دَماً فَكُلُّهُ نِفَاسٌ. وَإِنِ انْقَطَعَ فِي آخِرِ ثَلاثِينَ، ثُمَّ عَادَ قَبْلَ تَمَامِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَالْأَرْبَعُونَ نِفَاسٌ. وَإِنْ عَادَ بَعْدَ تَمَامِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَالنِّفَاسُ ثَلاثُونَ فَقَطْ.
وَأَمَّا المُعْتَادَةُ: فَإِنْ رَأَتْ مَا يُوَافِقُهَا فَظَاهِرٌ. وَإِنْ رَأَتْ مَا يُخَالِفُهَا فَتَتَوقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى انْتِقَالِ الْعَادَةِ. فَإِنْ لَمْ تَنْتَقِلْ رُدَّتْ إِلَى عَادَتِهَا وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ، وَإِلَّا فَالْكُلُّ حَيْضٌ أَوْ نِفَاسٌ.
وَقَدْ عَرَفْتَ فِي المُقَدِّمَةِ قَاعِدَةَ الْانْتِقَالِ إِجْمَالاً، وَلَكِنْ نُفَصِّلُ هَهُنَا تَسْهِيلاً لِلْمُبْتَدِئينَ. فَنَقُولُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ:
المُخَالَفَةُ:
- إِنْ كَانَتْ فِي النِّفَاسِ، فَإِنْ جَاوَزَ الدَّمُ الْأَرْبَعِينَ فَالْعَادَةُ بَاقِيَةٌ رُدَّتْ إِلَيْهَا، وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ. وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزِ انْتَقَلَتْ إِلَى مَا رَأَتْهُ، فَالْكُلُّ نِفَاسٌ.
- وَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَيْضِ، فَإِنْ جَاوَزَ الدَّمُ الْعَشَرَةَ، فَإِنْ لَمْ يَقَعْ فِي زَمَانِهَا نِصَابٌ انْتَقَلَتْ زَمَاناً، وَالْعَدَدُ بِحَالِهِ يُعْتَبَرُ مِنْ أَوَّلِ مَا رَأَتْ. وَإِنْ وَقَعَ فَالْوَاقِعُ فِي زَمَانِهَا فَقَطْ حَيْضٌ، وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ. فَإِنْ
الجزء 1 · صفحة 70
7
كَانَ الْوَاقِعُ مُسَاوِياً لِعَادَتِهَا عَدَداً فَالْعَادَةُ بَاقِيَةٌ، وَإِلَّا انْتَقَلَتْ عَدَداً إِلَى مَا رَأَتْهُ نَاقِصاً، وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ فَالْكُلُّ حَيْضٌ. فَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا عَدَداً صَارَ الثَّانِي عَادَةً، وَإِلَّا فَالْعَدَدُ بِحَالِهِ. وَلْنُمَثِّلْ بِأَمْثِلَةٍ تَوْضِيحاً لِلطَّالِبِينَ.
أَمْثِلَةُ النِّفَاسِ
امْرَأةٌ عَادَتُهَا فِي النِّفاسِ عِشْرُونَ وَلَدَتْ:
• فَرَأَتْ عَشَرَةً دَماً، وَعِشْرِينَ طُهْراً، وَأَحَدَ عَشَرَ دَماً.
• أَوْ رَأَتْ يَوْماً دَماً، وَثَلاثِينَ طُهْراً، وَيَوْماً دَماً، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ طُهْراً، وَيَوْماً دَماً.
• أَوْ رَأَتْ خَمْسَةً دَماً، وَأَرْبَعَةً وَثَلاثِينَ طُهْراً، وَيَوْماً دَماً.
• أَوْ رَأَتْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ دَماً، وَاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ طُهْراً، وَيَوْماً دَماً.
• أَوْ رَأَتْ يَوْماً دَماً، وَأَرْبَعَةً وَثَلاثِينَ طُهْراً، وَيَوْماً دَماً، وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْراً، وَيَوْماً دَماً.
الجزء 1 · صفحة 71
76)
وَ أَمْثِلَةُ الحَيْضِ
امْرَأَةٌ عَادَتُهَا فِي الْحَيْضِ خَمْسَةٌ وَطُهْرُهَا خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ:
• رَأَتْ عَلَى عَادَتِهَا فِي الْحَيْضِ خَمْسَةً دَماً، وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْراً، وَأَحَدَ عَشَرَ دَماً.
• أَوْ رَأَتْ خَمْسَةً دَماً، وَسِتَّةً وَأَرْبَعِينَ طُهْراً، وَأحَدَ عَشَرَ دَماً.
• أَوْ رَأَتْ خَمْسَةً دَماً، وَثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ طُهْراً، وَاثْنَي عَشَرَ دَماً.
• أَوْ رَأَتْ خَمْسَةً دَماً، وَأَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ طُهْراً، وَيَوْماً دَماً، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ طُهْراً، وَيَوْماً دَماً.
• أَوْ رَأَتْ خَمْسَةً دَماً، وَسَبْعَةً وَخَمْسِينَ طُهْراً، وَثَلاثَةً دَماً، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ طُهْراً، وَيَوْماً دَماً.
• أَوْ رَأَتْ خَمْسَةً دَماً، وَخَمْسَةً وَخَمْسِينَ طُهْراً، وَتِسْعَةً دَماً.
• أَوْ رَأَتْ خَمْسَةً دَماً، وَخَمْسِينَ طُهْراً، وَعَشَرَةً دَماً.
• أَوْ رَأَتْ خَمْسَةً دَماً، وَأَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ طُهْراً، وَثَمَانِيَةً دَماً.
• أَوْ رَأَتْ خَمْسَةً دَماً، وَخَمْسِينَ طُهْراً، وَسَبْعَةً دَماً.
الجزء 1 · صفحة 72
7
• أَوْ رَأَتْ خَمْسَةً دَماً، وَثَمَانِيَةً وَخَمْسِينَ طُهْراً، وَثَلاثَةً دَماً.
• أَوْ رَأَتْ خَمْسَةً دَماً، وَأَرْبَعَةً وَسِتِّينَ طُهْراً، وَسَبْعَةً أَوْ أَحَدَ عَشَرَ دَماً.
فَيَجُوزُ بَدْءُ المُعْتَادَةِ وَخَتْمُهَا بِالطُّهْرِ.
الْفَصْلَ الثَّالِثُ: فِي الْانْقِطَاعِ.
إِنِ انْقَطَعَ الدَّمُ عَلَى أَكْثَرِ المُدَّةِ فِي الْحَيْضِ وَفِي النِّفَاسِ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا. حَتَّى يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِدُونِ الْغُسْلِ، لَكِنْ لا يُسْتَحَبُّ. وَلَوْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِ فَرْضٍ مِقْدَارُ أَنْ تَقُولَ "اللهُ" يَجِبُ قَضَاؤُهُ، وَإِلَّا فَلا. فَإِنِ انْقَطَعَ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ يُجْزِيهَا صَوْمُهُ وَيَجِبُ قَضَاءُ الْعِشَاءِ، وَإِلَّا فَلا. فَالمُعْتبَرُ الْجُزْءُ الأَخِيرُ مِنَ الْوَقْتِ، كَمَا فِي الْبُلُوغِ وَالْإِسْلامِ.
وَإِنِ انْقَطَعَ قَبْلَ أَكْثَرِ المُدَّةِ فِيهِمَا، فَهِيَ إِنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً تَطْهُرُ بِمُجَرَّدِ انْقِطَاعِ الدَّمِ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً فَزَمَانُ الْغُسْلِ أَوِ التَّيَمُّمِ حَيْضٌ وَنِفَاسٌ. حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ التَّحْرِيمَةِ لا يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَلا يُجْزِيهَا الصَّوْمُ إِنْ لَمْ يَسَعْهُمَا الْبَاقِي مِنَ اللَّيْلِ قَبْلَ الْفَجْرِ.
الجزء 1 · صفحة 73
7
وَلا يَجُوزُ وَطْؤُهَا إِلَّا أَنْ تَغْتَسَلَ، أَوْ تَتَيَمَّمَ فَتُصَلِّيَ، أَوْ تَصِيرَ صَلاةٌ دَيْناً فِي ذِمَّتِهَا. حَتَّى لَوِ انْقَطَعَ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لا يَجُوزُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْعَصْرِ. وَكَذَا لَوِ انْقَطَعَ قُبَيْلَ الْعِشَاءِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، إِنْ لَمْ تَغْتَسَلْ أَوْ تَتَيَمَّمْ فَتُصَلِّي، إِلَّا أَنْ يَتِمَّ أَكْثَرُ المُدَّةِ قَبْلَهُمَا. هَذَا فِي المُبْتَدَأَةِ، وَالمُعْتَادَةِ إِذَا انْقَطَعَ فِي عَادَتِهَا أَوْ بَعْدَهَا.
وَأَمَّا إِذَا انْقَطَعَ قَبْلَهَا فَهِيَ فِي حَقَّ الصَّلاةِ وَالصَّوْمِ كَذَلِكَ. وَأَمَّا الْوَطْءُ فَلا يَجُوزُ حَتَّى تَمْضِيَ عَادَتُهَا. حَتَّى لَوْ كَانَ حَيْضُهَا عَشَرَةً فَحَاضَتْ ثَلاثَةً وَطَهُرَتْ سِتَّةً لا يَحِلُّ وَطْؤُهَا، وَكَذَا النِّفَاسُ.
ثُمَّ إِنَّ المَرْأَةَ كُلَّمَا انْقَطَعَ دَمُهَا فِي الحَيْضِ قَبْلَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ تَنْتَظِرُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ المُسْتَحَبِّ وُجُوباً، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ تَوَضَّأُ فَتُصَلِّي وَتَصُومُ أَوْ تَتَشَبَّهُ. وَإِنْ عَادَ بَطَلَ الْحُكْمُ بِطَهَارَتِهَا فَتَقْعُدُ. وَبَعْدَ الثَّلاثَةِ إِنِ انْقَطَعَ قَبْلَ الْعَادَةِ فَكَذَلِكَ، لَكِنْ تُصَلِّي بِالْغُسْلِ كُلَّمَا انْقَطَعَ. وَبَعْدَ الْعَادَةِ كَذَلِكَ، لَكِنْ التَّأْخِيرُ مُسْتَحَبٌّ لا وَاجِبٌ. وَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ غَيْرَ أَنَّهُ يَجِبُ الْغُسْلُ فِيهِ كُلَّمَا انْقَطَعَ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
الجزء 1 · صفحة 74
7
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي الْاسْتِمْرَارِ.
هُوَ إِنْ وَقَعَ فِي المُعْتَادَةِ فَطُهْرُهَا وَحَيْضُهَا مَا اعْتَادَتْ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إِنْ كَانَ طُهْرُهَا أَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَإِلَّا فَيُرَدُّ إِلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ إِلَّا سَاعَةً، وَحَيْضُهَا بِحَالِهِ.
وَإِنْ وَقَعَ فِي المُبْتَدَأَةِ فَحَيْضُهَا مِنْ أَوَّلِ الْاسْتِمْرَارِ عَشَرَةٌ وَطُهْرُهَا عِشْرُونَ، ثُمَّ ذَلِكَ دَأْبُهَا. وَنِفَاسُهَا أَرْبَعُونَ، ثُمَّ عِشْرُونَ طُهْرُهَا - إِذْ لا يَتَوَالى نِفَاسٌ وَحَيْضٌ - ثُمَّ عَشَرَةٌ حَيْضُهَا، ثُمَّ ذَلِكَ دَأْبُهَا.
وَإِنْ رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ دَماً وَطُهْراً صَحِيحَيْنِ ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ تَكُونُ مُعْتَادَةً، وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهَا؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ لِمَا ذَكَرْنا فِي المُقَدِّمَةِ.
مِثَالُهُ: مُرَاهِقَةٌ رَأَتْ خَمْسَةً دَماً وَأَرْبَعِينَ طُهْراً، ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ. فَخَمْسَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْاسْتِمْرَارِ حَيْضٌ، لا تُصَلِّي وَلا تَصُومُ وَلا تُوطَأُ، وَكَذَا سَائِرُ أَحْكَامِ الْحَيْضِ، ثُمَّ أَرْبَعُونَ طُهْرُهَا تَفْعَلُ هَذِهِ الثَّلاثَةَ وَغَيْرَهَا مِنْ أَحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ.
الجزء 1 · صفحة 75
8
وَإِنْ رَأَتْ دَماً وَطُهْراً فَاسِدَيْنِ فَلا اعْتِبَارَ بِهِمَا:
- فَإِنْ كَانَ الطُّهْرُ نَاقِصاً تَكُونُ كَالمُسْتَمِرِّ دَمُهَا ابْتِدَاءً، عَشَرَةٌ مِنَ ابْتِدَاءِ الْاسْتِمْرَارِ - وَلَوْ حُكْماً - حَيْضُهَا، وَعِشْرُونَ طُهْرُهَا، ثُمَّ ذَلِكَ دَأْبُهَا.
مِثَالُهُ: مُرَاهِقَةٌ رَأَتْ أَحَدَ عَشَرَ دَماً وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ طُهْراً، ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ. فَالْاسْتِمْرَارُ حُكْماً مِنْ أَوَّلِ مَا رَأَتْ دماً لِمَا عَرَفْتَ أَنَّ الطُّهْرَ النَّاقِصَ كَالدَّمِ المُتَوَالِي.
- وَإِنْ كَانَ الطُّهْرُ تَامّاً فَإِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلاثِينَ فَكَالسَّابِقِ، بِأَنْ رَأَتْ مَثَلاً أَحَدَ عَشَرَ دَماً وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْراً، ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ. عَشَرَةٌ مِنْ أَوَّلِ مَا رَأَتْ حَيْضٌ، وَعِشْرُونَ طُهْرٌ، ثُمَّ ذَلِكَ دَأْبُهَا.
وَإِنْ زَادَ، بِأَنْ رَأَتْ مَثَلاً أَحَدَ عَشَرَ دَماً وَعِشْرِينَ طُهْراً، ثُمَّ اسْتَمَرَّ. فَعَشْرَةٌ مِنْ أَوَّلِ مَا رَأَتْ حَيْضٌ، ثُمِّ طُهْرٌ إِلَى أَوَّلِ الْاسْتِمْرَارِ، ثُمَّ تَسْتَأْنِفُ مِنْ أَوَّلِ الْاسْتِمْرَارِ عَشَرَةٌ حَيْضٌ وَعِشْرُونَ طُهْرٌ، ثُمَّ ذَلِكَ دَأْبُهَا؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ وَإِنْ كَانَ تَامّاً، أَوَّلُهُ دَمٌ تُصَلِّي بِهِ فَيَفْسُدُ، فَلا يَصْلُحُ لِنَصْبِ الْعَادَةِ.
الجزء 1 · صفحة 76
81)
وَإِنْ كَانَ الدَّمُ صَحِيحاً وَالطُّهْرُ فَاسِداً يُعْتَبَرُ الدَّمُ لا الطُّهْرُ. بِأَنْ رَأَتْ مَثَلاً ثَلاثَةً دَماً، وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْراً، وَيَوْماً دَماً، وَخَمْسَةَ عَشَرَةَ طُهْراً، ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ. الثَّلاثَةُ الأُولَى حَيْضٌ، وَالْبَاقِي طُهْرٌ إِلَى الْاسْتِمْرَارِ، ثُمَّ تَسْتَأْنِفُ، فَثَلاثَةٌ مِنَ أَوَّلِ الْاسْتِمْرَارِ حَيْضٌ وَسَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ طُهْرٌ، وَذَلِكَ دَأْبُها. وَلَوْ كَانَ الطُّهْرُ الثَّانِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَطُهْرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، وَحَيْضُهَا الثَّانِي يَبْتَدِئُ مِنَ الدَّمِ المُتَوَسِّطِ إِلَى ثَلاثَةٍ، ثُمَّ طُهْرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، وَذَلِكَ دَأْبُهَا. إذْ حِينَئِذٍ يَكُونُ الدَّمُ وَالطُّهْرُ الأَوَّلُ صَحِيحَيْنِ فَيَصْلُحَانِ لِنَصْبِ الْعَادَةِ.
وَإِنْ رَأَتْ طُهْراً صَحِيحاً ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ، وَلَمْ تَرَ قَبْلَ الطُّهْرِ حَيْضاً أَصْلاً - كَمُرَاهِقَةٍ بَلَغَتْ بِالْحَبَلِ، فَوَلَدَتْ وَرَأَتْ أَرْبَعِينَ دَماً، ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْراً، ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ - فَحَيْضُهَا عَشَرَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْاسْتِمْرَارِ، وَطُهْرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، وَذَلِكَ دَأْبُهَا. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا زَادَ الطُّهْرُ؛ لِأَنَّهُ صَحِيحٌ يَصْلُحُ لِنَصْبِ الْعَادَةِ.
بِخِلافِ مَا إِذَا زَادَ دَمُهَا عَلَى أَرْبَعِينَ فِي النِّفَاسِ، ثُمَّ رَأَتْ طُهْراً خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ، حَيْثُ يَفْسُدُ الطُّهْرُ فَلا يَصلُحُ
الجزء 1 · صفحة 77
82)
لِنَصْبِ الْعَادَةِ. فَإِنْ كَانَ بَيْنَ النِّفَاسِ وَالْاسْتِمْرَارِ عِشْرُونَ أَوْ أَكْثَرُ فَعَشَرَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْاسْتِمْرَارِ حَيْضٌ وَعِشْرُونَ طُهْرٌ، وَذَلِكَ دَأْبُهَا، وَإِلَّا أُتِمَّ عِشْرُونَ مِنْ أَوَّلِ الْاسْتِمْرَارِ لِلطُّهْرِ، ثُمَّ يُسْتَأْنَفُ عَشَرَةٌ حَيْضٌ وَعِشْرُونَ طُهْراً، وَذَلِكَ دَأْبُهَا.
تَنْبِيهٌ: الدِّمَاءُ الْفَاسِدَةُ المُسَمَّاةُ بِالْاسْتِحَاضَةِ سَبْعَةٌ:
الأَوَّلُ: مَا تَرَاهُ الصَّغِيرَةُ، أَعْنِي: مَنْ لَمْ يَتِمَّ لَهُ تِسْعُ سِنينَ.
وَالثَّانِي: مَا تَرَاهُ الْآيِسَةُ غَيْرَ الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ.
وَالثَّالِثُ: مَا تَرَاهُ الْحَامِلُ بِغَيْرِ وِلادَةٍ.
وَالرَّابِعُ: مَا جَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ إِلَى الْحَيْضِ الثَّانِي.
وَالخَامِسُ: مَا نَقَصَ مِنَ الثَّلاثَةِ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ.
وَالسَّادِسُ: مَا عَدَا الْعَادَةَ إِلَى حَيْضٍ غَيْرِهَا، بِشَرْطِ مُجَاوَزَةِ الْعَشْرَةِ وَوُقُوعِ النِّصَابِ فِيهَا.
وَالسَّابِعُ: مَا بَعْدَ مِقْدارِ عَدَدِ الْعَادَةِ كَذَلِكَ، بِشَرْطِ مُجَاوَزَةِ الْعَشْرَةِ وَعَدَمِ وَقُوعِ النِّصَابِ فِيهَا.
الجزء 1 · صفحة 78
83)
الْفَصْلُ الخَامِسُ: فِي المُضِلَّةِ.
اعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ حِفْظُ عَادَتِهَا فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالطُّهْرِ عَدَداً وَمَكَاناً. فَإِنْ جُنَّتْ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهَا أَوْ لَمْ تَهْتَمَّ لِدِينِهَا فِسْقاً، فَنَسِيَتْ عَادَتَهَا فَاسْتَمَرَّ بِها الدَّمُ فَعَلَيْهَا أَنْ تَتَحَرَّى. فَإِنِ اسْتَقَرَّ ظَنُّهَا عَلَى مَوْضِعِ حَيْضِهَا وَعَدَدِهِ عَمِلَتْ بِهِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهَا الْأَخْذُ بِالْأَحْوَطِ فِي الْأَحْكَامِ.
وَلا يُقَدَّرُ طُهْرُهَا وَحَيْضُهَا إِلَّا فِي حَقِّ الْعِدَّةِ فِي الطَّلاق. يُقَدَّرُ حَيْضُهَا بِعَشَرَةٍ وَطُهْرُهَا بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ إِلَّا سَاعَةً؛ فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِتِسْعَةَ عَشَرَ شَهْراً وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ غَيْرَ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ.
وَلا تَدْخَلُ المَسْجِدَ. وَلا تَطُوفُ إِلَّا لِلزِّيَارَةِ ثُمَّ تُعِيدُ بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَلِلصَّدَرِ وَلا تُعِيدُ. وَلا تَمَسُّ المُصْحَفَ. وَلا يَجُوزُ وَطْؤُهَا أَبَداً. وَلا تُصَلِّي وَلا تَصُومُ تَطَوُّعاً. وَلا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِ الصَّلاةِ. وَتُصَلِّي الْفَرْضَ وَالْوَاجِبَ وَالسُّنَنَ المَشْهُورَةَ. وَتَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ الْفَاتِحَةَ، وَسُورَةً قَصِيرَةً سِوَى مَا عَدَا الْأُولَيَيْنِ مِنَ الْفَرْضِ. وَتَقْرَأُ الْقُنُوتَ وَسَائِرَ الدَّعَوَاتِ.
الجزء 1 · صفحة 79
84)
وَكُلَّمَا تَرَدَّدَتْ بَيْنَ الطُّهْرِ وَدُخُولِ الْحَيْضِ صَلَّتْ بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ، وَإِنْ بَيْنَ الطُّهْرِ وَالْخُرُوجِ فَبِالْغُسْلِ كَذَلِكَ، ثُمَّ تُعِيدُ فِي وَقْتِ الثَّانِيةِ بَعْدَ الْغُسْلِ قَبْلَ الْوَقْتِيَّةِ، وَهَكَذَا تَصْنَعُ فِي كُلِّ صَلاةٍ. وَإِنْ سَمِعَتْ سَجْدَةً فَسَجَدَتْ لِلْحَالِ سَقَطَتْ عَنْهَا، وَإِلَّا أَعَادَتْهَا بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ. وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهَا فَائِتَةٌ فَقَضَّتْهَا فَعَلَيْهَا إِعَادَتُهَا بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ قَبْلَ أَنْ تَزِيدَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ. وَلا تُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ أَصْلاً.
ثُمَّ إِنْ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ دَوْرَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً وَأَنَّ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا بِاللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ، أَوْ عَلِمَتْ أَنَّهُ بِالنَّهارِ، وَكَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ ثَلاثِينَ يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ اثْنَيْنِ وَثَلاثِينَ يَوْماً إِنْ قَضَتْ مَوْصُولاً بِرَمَضَانَ، وَإِنْ مَفْصُولاً فَثَمَانِيَةً وَثَلاثِينَ يَوْماً. وَإِنْ كَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ تَقْضِي فِي الْوَصْلِ اثْنَيْنِ وَثَلاثِينَ، وَفِي الْفَصْلِ سَبْعَةً وَثَلاثِينَ.
وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا بِاللَّيْلِ، وَشَهْرُ رَمَضَانَ ثَلاثُونَ فَتَقْضِي فِي الْوَصْلِ وَالْفَصْلِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ. وَإِنْ كَانَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ تَقْضِي فِي الْوَصْلِ عِشْرِينَ، وَفِي الْفَصْلِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ.
وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً وَعَلِمَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَهُ بِالنَّهَارِ
الجزء 1 · صفحة 80
8
أَوْ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ بِالنَّهَارِ، تَقْضِي اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْماً مُطْلَقاً. وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَهُ بِاللَّيْلِ تَقْضِي عِشْرِينَ مُطْلَقاً.
وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ تِسْعَةٌ وَعَلِمَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَهُ بِاللَّيْلِ، تَقْضِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مُطْلَقاً. وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ ابْتِدَاءَهُ أَوْ عَلِمَتْ أَنَّهُ بِالنَّهَارِ، تَقْضِي عِشْرِينَ مُطْلَقاً.
وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَهَا ثَلاثَةٌ، وَنَسِيَتْ طُهْرَهَا يُحْمَلُ عَلَى الْأَقَلِّ: خَمْسَةَ عَشَرَ. ثُمَّ إِنْ كَانَ رَمَضَانُ تَامّاً وَعَلِمَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا بِاللَّيْلِ تَقْضي تِسْعَةً مُطْلَقاً. وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ ابْتِدَاءَهُ أَوْ عَلِمَتْ أَنَّهُ بِالنَّهَارِ تَقْضِي اثْنَي عَشَرَ مُطْلَقاً. وَخَرِّجْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا إِنْ كَانَ نَاقِصاً.
وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ أَوْ الْإِفْطَارِ قَبْلَ الْابْتِلاءِ - إذِ الْإِفْطَارُ فِي هَذَا الْابْتِلاءِ لا يُوجِبُ كَفَّارَةً لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ - فَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا بِاللَّيْلِ وَدَوْرَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ تَصُومُ تِسْعِينَ يَوْماً. وَإِنْ لَمْ تَعْلَمِ الْأَوَّلَ تَصُومُ مِئَةً وَأَرْبَعَةً. وَإِنْ لَمْ تَعْلَمِ الثَّانِيَ تَصُومُ مِئَةً. وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْهُمَا تَصُومُ مِئَةً وَخَمْسَةَ عَشَرَ.
الجزء 1 · صفحة 81
86)
وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهَا صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي كَفَّارَةِ يَمِينٍ وَعَلِمَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا بِاللَّيْلِ تَصُومُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً، أَوْ تَصُومُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تُفْطِرُ عَشَرَةً ثُمَّ تَصُومُ ثَلاثَةً. وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ تَصُومُ سِتَّةَ عَشَرَ، أَوْ تَصُومُ ثَلاثَةً وَتُفْطِرُ تِسْعَةً وَتَصُومُ أَرْبَعَةً، أَوْ عَلَى قَلْبِهِ.
وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءُ عَشَرَةٍ مِنْ رَمَضَانَ تَصُومُ ضِعْفَهَا، إِمَّا مُتَتَابِعاً، أَوْ تَصُومُ عَشَرَةً فِي عَشَرَةٍ مِنْ شَهْرٍ مَثَلاً، ثُمَّ تَصُومُ مِثْلَهُ فِي عَشْرٍ أُخَرَ مِنْ شَهْرٍ آخَرَ. وَهَذَا الْأَخِيرُ يَجْرِي فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ أَيْضاً.
وَإِنْ طُلِّقَتْ رَجْعِياً يُحْكَمْ بِانْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ بِمُضِيِّ تِسْعَةٍ وَثَلاثِينَ. وَهَذَا حُكْمُ الْإِضْلالِ الْعَامِّ وَمَا يَقْرُبُهُ.
وَأَمَّا الخَاصُّ فَمَوْقُوفٌ عَلَى مُقَدِّمَةٍ: وَهِيَ إِنْ أَضَلَّتِ امْرَأَةٌ أَيَّامَهَا فِي ضِعْفِهَا أَوْ أَكْثَرَ، فَلا تَيَقَّنُ فِي يَوْمٍ مِنْهَا بِحَيْضٍ، بِخِلافِ مَا إِذَا أَضَلَّتْ فِي أَقَلَّ مِنَ الضِّعْفِ. مَثَلاً: إِذَا أَضَلَّتْ ثَلاثَةً فِي خَمْسَةٍ فَإِنَّهَا تَيَقَّنُ بِالْحَيْضِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ.
فَنَقُولُ إِنْ عَلِمَتْ أَنَّ أَيَّامَهَا ثَلاثَةٌ فَأَضَلَّتْهَا فِي الْعَشَرَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الشَّهْرِ، تُصَلِّي مِنْ أَوَّلِ الْعَشَرَةِ بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ،
الجزء 1 · صفحة 82
8
ثُمَّ تُصَلِّي بَعْدَهَا إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ بِالْاغْتِسَالِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ، إِلَّا إِذَا تَذَكَّرَتْ وَقْتَ خُرُوجِهَا مِنَ الْحَيْضِ فَتَغْتَسِلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَرَّةً.
وَإِنْ أَرْبَعَةً فِي عَشَرَةٍ، تُصَلِّي أَرْبَعَةً مِنْ أَوَّلِ الْعَشَرَةِ بِالْوُضُوءِ، ثُمَّ بِالْاغْتِسَالِ إِلَى آخِرِ الْعَشْرَةِ. وَقِسْ عَلَيْهِ الْخَمْسَةَ. وَإِنْ سِتَّةً فِي عَشَرَةٍ، تَتَيَقَّنُ بِالْحَيْضِ فِي الْخَامِسِ وَالسَّادِسِ، وَتَفْعَلُ فِي الْبَاقِي مِثْلَ مَا سَبَقَ. وَإِنْ سَبْعَةً فِيهَا، تَتَيَقَّنُ فِي أَرْبَعَةٍ بَعْدَ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ بِالْحَيْضِ. وَفِي الثَّمَانِيَةِ، تَتَيَقَّنُ بِالْحَيْضِ فِي سِتَّةٍ بَعْدَ الْأَوَّلَيْنِ. وَفِي التِّسْعَةِ، بِثَمَانِيَةٍ بَعْدَ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّهَا تَطْهُرُ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَإِلى الْعِشْرِينَ فِي طُهْرٍ بِيَقِينٍ، ثُمَّ فِي سَبْعَةٍ بَعْدَ الْعِشْرِينَ تُصَلِّي بِالْوُضُوءِ لِلشَّكِّ فِي الدُّخُولِ، وَتَتْرُكُ الصَّلاةَ فِي الثَّلاثَةِ الأَخِيرَةِ لِلتَّيَقُّنِ بِالْحَيْضِ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ فِي آخِرِ الشَّهْرِ.
وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّهَا تَرَى الدَّمَ إِذَا جَاوَزَ الْعِشْرِينَ - وَلا تَدْرِي كَمْ كَانَتْ - تَدَعُ الصَّلاةَ ثَلاثَةً بَعْدَ الْعِشْرِينَ، ثُمَّ تُصَلِّي بِالْغُسْلِ إِلَى آخِرِ
الجزء 1 · صفحة 83
8
الشَّهْرِ. وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ سَائِرُ المَسَائِلِ.
وَإِنْ أَضَلَّتْ عَادَتَهَا فِي النِّفَاسِ، فَإِنْ لَمْ يُجَاوِزِ الدَّمُ أَرْبَعِينَ فَظَاهِرٌ. فَإِنْ جَاوَزَ تَحَرَّى، فَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ ظَنُّهَا عَلَى شَيْءٍ قَضَتْ صَلاةَ الْأَرْبَعِينَ. فَإِنْ قَضَتْهَا فِي حَالِ اسْتِمْرَارِ الدَّمِ تُعِيدُ بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ.
وَإِنْ أَسْقَطَتْ سِقْطاً وَلَمْ تَدْرِ أَنَّهُ مُسْتَبِينُ الْخَلْقِ أَوْ لا؛ بِأَنْ أَسْقَطَتْ فِي المَخْرَجِ مَثَلاً، وَكَانَ حَيْضُهَا عَشَرَةً وَطُهْرُهَا عِشْرِينَ، وَنِفَاسُهَا أَرْبَعِينَ، وَقَدْ أَسْقَطَتْ مِنْ أَوَّلِ أَيَّامِ حَيْضِهَا تَتْرُكُ الصَّلاةَ عَشَرَةً، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي عِشْرِينَ بِالشَّكِّ، ثُمَّ تَتْرُكُ الصَّلاةَ عَشَرَةً، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي عِشْرِينَ بِيَقينٍ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ دَأْبُهَا: حَيْضُهَا عَشَرَةٌ وَطُهْرُهَا عِشْرُونَ إِنِ اسْتَمَرَّ الدَّمُ.
وَلَوْ أَسْقَطَتْ بَعْدَ مَا رَأَتِ الدَّمَ فِي مَوْضِعِ حَيْضِهَا عَشَرَةً وَلَمْ تَدْرِ أَنَّ السِّقْطَ مُسْتَبِينُ الْخَلْقِ أَوْ لا، تُصَلِّي مِنْ أَوَّلِ مَا رَأَتْ عَشَرَةً بِالْوُضُوءِ بِالشَّكِّ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ، ثُمَّ تُصَلِّي بَعْدَ السِّقْطِ عِشْرِينَ يَوْماً بِالْوُضُوءِ بِالشَّكِّ، ثُمَّ تَتْرُكُ الصَّلاةَ عَشَرَةً بِيَقِينٍ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي عَشَرَةً بِالْوُضُوءِ بِالشَّكِّ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ، ثُمَّ تُصَلِّي عَشَرَةً بِالْوُضُوءِ بِيَقِينٍ، ثُمَّ