الجزء 1 · صفحة 1
الكتاب: تتمة رفع التردد في عقد الأصابع عند التشهد
(مطبوع ضمن مجموع رسائل ابن عابدين)
المؤلف: محمد أمين افندى الشهير بابن عابدين [ت 1252 هـ]
الناشر: در سعادت، إسطنبول، 1325 هـ - 1907 م
وصوّر «مجموع الرسائل»: عالم الكتب، وعدة دور نشر أخرى
عدد الصفحات: 17
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 9 ذو القعدة 1445
تتمة رفع التردد في عقد الأصابع عند التشهد (ص: 130)
الجزء 1 · صفحة 130
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين* وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين (وبعد) فيقول فقير رب العالمين * محمد عابدين * غفر الله تعالى له ولوالديه والمسلمين آمين * قد كنت جمعت رسالة سميتها رفع التردد* في عقد الأصابع عند التشهد * أثبت فيها تصحيح الاشارة مع العقد* نقلا عن كتب ائمتنا الخالية عن النقد* بعبارات صريحة منيعة* وتحقيقات منيفة بديعة* ثم اطلعت الآن على سالة مسماة بتزيين العبارة* لتحسين الاشارة* لخاتمة القراء والفقهاء والمحدثين. ونخبة المحققين والمدققين* سيدى منلا على القاري* عليه رحمة ربه البارى* فرأيته رجح فيها رواية الاشارة بالادلة القوية* من نصوص الفقهاء والسنة السنية حتى ادعى انها متواترة* لورودها من طرق عديدة متكاثرة* لكنه ذكر ان الاشارة بدون عقد قول عندنا ايضا* واشار الى انه لا يرضى* فاردت ان انقل بعض عباراته المهمة* لتكون لتلك الرسالة تتمة* قال اما ادلة الاشارة فمن الكتاب اجماعا قوله تعالى {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ} اى في طاعة من سواه وقد قال ? (من يطع الرسول فقد اطاع الله) ومن السنة احاديث كثيرة منها ما ذكره صاحب المشكاة عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال كان رسول الله
الجزء 1 · صفحة 131
صلى الله تعالى عليه وسلم اذا قعد فى التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثة وخمسين واشار بالسبابة وفسر العقد المذكور بان يعقد الخنصر والبنصر والوسطى ويرسل الابهام الى اصل المسبحة وفى رواية كان اذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع اصبعه اليمنى التي تلى الابهام يدعو بها اى يشير بها ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها رواه مسلم وهذا مختار بعض أئمتنا انه يشير من غير قبض الاصابع * قال صاحب المشكاة وعن عبد الله بن الزبير رضى الله تعالى عنهما قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اذا قعد يدعو اى يقرأ التحيات وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى واشار باصبعه السبابة ووضع ابهامه على اصبعه الوسطى ويلقم كفه اليسرى ركبته اي يدخل ركبته في راحة كفه اليسرى حتى صارت كاللقمة في كفه وهذا اختيار بعض أهل العلم رواه مسلم ايضا * وعن وائل بن حجر عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وحدمرفقه اليمنى عن فخذه اليمنى يعنى جعله منفردا عن فخذه وقبض ثنتين اى من الاصابع وهما الخنصر والبنصر وحلق حلقة اى اخذ ابهامها باصبعه الوسطى كالحلقة ثم رفع اصبعه اي المسبحة ورأيته يحركها اى يشير بها اشارة واحدة عند الجمهور وقت الشهادة واشارات متعددة عند الامام مالك من اول التحيات الى آخرها رواه ابو داود والدارمي وكذا النسائى * وهذا الحديث مأخذ جمهور علمائنا فيما اختاروه من الجمع بين القبض والاشارة وقالوا يرفع المسبحة عند قوله لااله ويضعها عند قوله الا الله لمناسبة الرفع للنفى وملايمة الوضع الاثبات حتى يطابق القول الفعل في التوحيد والتفريد * وعن عبد الله بن الزبير قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يشير باصبعه اذا دعا ولا يحركها رواه ابو داود والنسائي وقال النووى اسناده صحيح وهذا يدل على انه لا يحرك الاصبع اذا رفعها للاشارة الامرة وعليه جمهور العلماء ومنهم الامام الاعظم خلافا للامام مالك على ما سبق* وعن أبى هريرة رضي الله تعالى عنه قال ان رجلا كان يدعو باصبعيه فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (احد احد) بكسر الحاء امر كرر للتأكيد بالوحدة من التوحيد اى اشر باصبع واحدة لان الذى تدعوه واحد واصله وحد قلبت الواو همزة رواه الترمذى والنسائى والبيهقى وعن نافع كان عبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنهما اذا جلس فى الصلاة وضع يديه على ركبتيه واشار باصبعه
الجزء 1 · صفحة 132
واتبعه بصره ثم قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (لهي اشد على الشيطان من الحديد) رواه احمد ومعنى الحديث ان الاشارة بالمسبحة اصعب على الشيطان من استعمال الحديد من السلاح فى الجهاد فكأنه بالاشارة يقطع طمع الشيطان من اضلاله ووقوعه فى الشرك فهذا ما ذكره صاحب المشكاة من الاحاديث في هذا الباب وقد جاء الحديث بطرق كثيرة مها عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما كان صلى الله تعالى عليه وسلم اذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه وقبض اصابعه كلها واشار باصبعه التي تلى الابهام ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى رواه مسلم ومالك فى الموطأ وابو داود والنسائى وقال الباجي روى سفيان بن عيينة هذا الحديث عن مسلم بن ابى مريم وزاد فيه وقال هي مذبة الشيطان لا يسهو احدكم مادام يشير باصبعه قال الباحى ففيه ان معنى الاشارة رفع السهو وقمع الشيطان الذي يوسوس وقيل ان الاشارة معناها التوحيد ذكره السيوطى (اقول) لا منافاة بينهما بل الجمع الحقيقى ان كون معناها التوحيد هو السبب لقمع الشيطان من الوسوسة وايقاع المؤمن في السهو والغفلة وعن وائل ابن حجز انه رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جلس في الصلاة فافترش رجله اليسرى ووضع ذراعيه على فخذيه واشار بالسبابة يدعو رواه النسائي وفي رواية لابى داود والنسائى وحلق حلقة وفى رواية حلق الابهام والوسطى واشار بالسبابة وعنه ايضا ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع ذراعه اليمنى على فخذه اليمني ثم اشار بسبابته ووضع الابهام على الوسطى وحلق بها وقبض سائر اصابعه رواه عبد الرزاق وعنه ايضا وضع مرفقه الايمن على فخذه الايمن وعقد اصابعه وحلق حلقة في الثالثة وعن عاصم بن كليب عن ابيه عن جده قال دخلت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يصلى قد وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى فقبض أصابعه وبسط السبابة وهو يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك رواه الترمذى وروى ابو يعلى عنه وقال فيه بدل بسط يشير بالسبابة وروى البيهقى وابن ماجة بإسناد صحيح ان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عقد الخنصر والبنصر ثم حلق الوسطى والابهام انتهى ما اردنا نقله من الاحاديث التي ذكرها منلا على فى رسالته وقد اكثر فيها وحذفنا منها ماليس فيه ذكر العقد ثم قل فهذه احاديث كثيرة بطرق متعددة شهيرة فلاشك في صحة اصل الاشارة لان بعض أسانيدها موجود في صحيح مسلم وبالجملة فهو مذكور فى الصحاح الست مما كاد ان يصير متواترا بل يصح ان يقال انه متواتر معنى فكيف يجوز لمؤمن بالله ورسوله ان يعدل
الجزء 1 · صفحة 133
عن العمل به فيأتي بالتعليل * فى معرض النص الجليل* وهو ما قيل نقلا عن بعض المانعين للاشارة بان فيها زيادة رفع لا يحتاج اليها فيكون الترك اولى لان مبنى الصلاة على الوقار والسكينة وهو مردود بانه لوكان الترك اولى لما فعله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو على صفة الوقار والسكينة في المقام الاعلى ثم لاشك ان الاشارة الى التفريد* مع العبادة بالتوحيد* نور على نور* وزيادة سرور* فهو محتاج اليه* بل مدار الصلاة والعبادة والطاعة عليه* ثم من ادلتها الاجماع اذلم يعلم من الصحابة ولا من علماء السلف خلاف فى هذه المسئلة ولا فى جواز هذه الاشارة. *ولا فى تصحيح هذه العبارة* بل قال به امامنا الاعظم وصاحباه وكذا الامام مالك والشافعي واحمد وسائر علماء الامصار والاعصار* على ماورد به صحاح الاخبار والآثار* وقد نص عليه مشايخنا المتقدمون والمتأخرون فلا اعتداد لما عليه المخالفون ولا اعتبار لما ترك هذه السنة الاكثرون* من سكان ما وراء النهر واهل خراسان والعراق والروم وبلاد الهند ممن غلب عليهم التقليد* وفاتهم التحقيق والتأييد (هذا) وقد ذكر الامام محمد فى موطأه اخبرنا مالك اخبرنا مسلم بن ابي مريم عن على بن عبد الرحمن المعاوى انه قال رآنى عبد الله بن عمر وانا اعبث بالحصى في الصلاة فلما انصرفت نهانى وقال اصنع كما كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصنع فقلت كيف كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصنع فقال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه وقبض باصابعه كلها واشار باصبعه التى تلى الابهام ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى قال محمد وبصنع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نأخذو هو قول ابي حنيفة رحمه الله تعالى عليه انتهى وهذا صريح بان الاشارة مذهب ابي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ومفهومه ان ابا يوسف مخالف لما قام عنده من الدليل* وماثبت لديه من التعليل* والله اعلم بصحته* وان لم يكن لنا معرفة بثبوته* لكن نقل الثمنى في شرح مختصر الوقاية انه ذكر ابو يوسف فى الامالى انه يعتقد الخنصر والبنصر ويحلق الوسطى والابهام ويشير بالسبابة انتهى (فتحصل) ان المذهب الصحيح المختار اثبات الاشارة وان رواية تركها مرجوحة متروكة* قال الامام المحقق كمال الدين ابن الهمام من اجل شراح الهداية وفي صحيح مسلم كان صلى الله تعالى عليه وسلم اذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض اصابعه كلها واشار باصبعه التي تلى الابهام ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى ولاشك ان وضع الكف مع قبض الاصابع لا يتحقق حقيقة فالمراد والله تعالى اعلم وضع الكف ثم قبض الاصابع
الجزء 1 · صفحة 134
بعد ذلك عند الاشارة وهو المروى عن محمد فى كيفية الاشارة حيث قال يقبض خنصره وبنصره والتي تليها ويحلق الوسطى والابهام ويقيم المسبحة وكذا عن ابي يوسف في الامالى وهذا فرع تصحيح الاشارة وعن كثير من المشايخ لا يشير اصلا وهو خلاف الرواية والدراية فمن محمد ان ما ذكره في كيفية الاشارة مما قلناه قول ابى حنيفة رحمه الله تعالى ويكره ان يشير بمسبحتيه وعن الحلوانى يقيم الاصبع عند لا اله ويضعها عند الا الله ليكون الرفع للنفى والوضع للاثبات انتهى كلام ابن الهمام* وقال السغناقي قد نص محمد على هذا يعنى الاشارة بالمسبحة فى كتاب المشيخة وروى فيه حديثا عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه كان يفعل ذلك ثم قال ونحن نصنع بصنع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ونأخذ بفعله وهو قول ابى حنيفة وقولنا ثم ذكر كيفية الاشارة كما ذكره ابن الهمام سابقا عن محمد واسندها ايضا الى ابى جعفر الهندواني وفى الزاهدى اتفقت الرواية عن اصحابنا الثلاثة جميعا انه سنة وكذا عن المدنيين والكوفيين وكثرت به الاخبار والآثار فكان العمل بها اولى وكذا نقل السروجى عن اصحابنا وكأنهم ما اعتبروا خلاف من خالف ولم يعتدوا برواية المخالف لمخالفته الآثار الصحيحة والروايات الصريحة وقد قل صاحب مواهب الرحمن في متنه ووضع يديه على فخذيه وبسط اصابعه واشار فى الصحيح ثم المعتمد عندنا أنه لا يعقد يمناه الاعند الاشارة لاختلاف الفاظ الحديث وبه يحصل الجمع بين الادلة فان بعضها يدل على ان العقد من اول وضع اليد على الفخذ وبعضها يشير الى ان لا عقد اصلا مع الاتفاق على تحقق الاشارة فاختار بعضهم أنه لا يعقد ويشير وبعضهم انه يعقد عند قصد الاشارة ثم رجع الى ما كان عليه (والصحيح) المختار عند جمهور اصحابنا انه يضع كفيه على فخذيه ثم عند وصوله الى كلمة التوحيد يعقد الخنصر والبنصر ويحلق الوسطى والابهام ويشير بالمسبحة رافعا لها عند النفى وواضعا لها عند الاثبات ثم يستمر على ذلك لانه ثبت العقد عند الاشارة بلاخلاف ولم يوجد امر بتغييره فالاصل بقاء الشيء على ما هو عليه واستصحابه الى آخر امره وقال شارح المنية وصفة الاشارة ان يحلق من يده اليمنى عند الشهادة الابهام والوسطى ويقبض البنصر والخنصر ويشير بالمسبحة او يعقد ثلاثة وخمسين يعنى كالمشير الى هذا العدد بان يقبض الوسطى والبنصر والخنصر ويضع رأس ابهامه على حرف مفصل الوسطى الاوسط ويرفع الاصبع عند النفي ويضعها عند الاثبات انتهى وهو يفيد التخيير بين نوعى الاشارة الثابتين عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو قول حسن* وجمع مستحسن* فينبغى للسالك ان يأتى باحدهما مرة وبالآخر اخرى
الجزء 1 · صفحة 135
وقد اغرب بعضهم حيث عد الاشارة من المحرمات وهذا خطأ عظيم * وجر جسيم * منشأه الجهل عن قواعد الاصول * ومراتب الفروع من النقول فهل يحل لمؤمن ان يحرم ما ثبت من فعله صلى الله تعالى عليه وسلم مما كاد نقله ان يكون متواترا * ويمنع جواز ما عليه عامة العلماء كابرا عن كابر مكابرا * والحال ان الامام الاعظم * والهمام الاقدم * قال لا يحل لاحد ان يأخذ بقولنا مالم يعرف مأخذه من الكتاب والسنة والله ? اعلم (فهذا) آخر ما اردنا ايراده من الرسالة التي الفها العلامة المحقق منلا على القارى نور الله تعالى مرقده* وجعل فى اعالى الجنان مقعده * وذلك في ربيع الاول من شهور سنة 1249 تسع واربعين ومائتين والف وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله واصحابه وتابعيهم * بإحسان على ممر الزمان وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين