التعليقات العرفية نشر العَرف .......
. في بناء بعض الأحكام على العرف
جارٍ تحميل الكتاب…
التعليقات العرفية نشر العَرف .......
. في بناء بعض الأحكام على العرف
نشر العَرف
في بناء بعض الأحكام على العُرف
وعليها
التعليقات العرفية على نشر العَرف
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على دربه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد:
من نعم الله تعالى عليَّ أن يسر لي تدريس هذه الرِّسالة مرَّةً بعد مَرّةٍ، وكنت أُعلق عليها أَثناء الدرس بما يَرزق الله تعالى من فضلِهِ وكرمِهِ، حتى وُشِّحت بتعليقات لا نظير لها، وحُقِّق فيها مباحث لا مثيل لها، وغَدَت روضةً للطَّالبين، وحكماً للمختلفين، ومأوى للرَّاغبين.
وقد اختلط الأمر على إمام عصر، وعلامة دهره، خاتمة المحققين ابن عابدين في أولها في تحقيق مبحث علاقة العرف بالنص، وتخصيصه له، فاضطرب فيها اضطراباً كبيراً بما لا يفيد المطلوب، ولا يحقق المقصود، فلا يصل القارئ فيها إلى ثمرة يُمكن له أن يُعوِّل عليها.
وسعى رضوان الله عليه إلى تنقيح ما يتعلق بالعرف العام والخاص، والتفريق بينهما، فلم يأت بنتيجة مرضية يُمكن الاعتماد عليها، ولم يفرق بينهما بما يصلح الاعتماد عليه، فكان أوَّل مباحث هذه الرِّسالة على خلاف المراد من التَّحقيق والتَّنقيح، بخلاف ما بعدها من مباحث تعرض لها في
الرسالة في الاعتماد على العرف وبناء الأحكام عليه، فأَفاد وأَجاد، كما هو عادتُه ودأبُه، فكان محقَّقةً مُنقحةً موثوقاً بها، مُعوّلاً عليها.
فسعيتُ إلى تنقيح مباحثها الأُولى، وتَرصيف مسائلها، بما يَرفع الإيهام ويُزيل الإشكال، وأرجو من الله تعالى أن أكون وُفِّقتُ لهذا، فغَدَت الرِّسالة مع تعليقاتها العرفية تحفةً بهيةً يُعتمد عليها، ويُرجع لها في كلِّ مباحثها.
والمتتع لمسائلها يجد أن إطلاق العرف هاهنا ليس المقصود منها المعنى الخاص به، وإنما يشمل قواعد الرسم؛ لأن الرسم يرجع لقاعدتين رئيسيتين: الضرورة والعرف، والضَّرورةُ مُغَيَّرةٌ، والعرفُ معرِّفٌ لا مغير، ولذلك نجد جزءاً كبيراً من مسائل الرِّسالة من النَّوع الأَوّل، وهو الضَّرورة، ولا يخفى أن للضَّرورة لها تعلُّقٌ بالواقع فاعتبرت عند المصنف من العُرف.
ووضعت في بدايتها تَرجمةً موجزةً لمؤلفِها رضوان الله عليه، سَعياً لنشر مآثره ومناقبه وأَحواله، فهو خاتمةُ المُحقِّقين بلا مُنازع.
وثبوت الرسالة لابن عابدين مشهورٌ شائعٌ؛ لأنّها منسوبةٌ له في مقدمتها، وفي «ردِّ المحتار» و «شرح عقود رسم المفتي» وفي كتب مَن ترجم كالشَّطي و «قرة عيون الأخيار» وغيرها.
واعتمدت في طبعتها على نسخة رسائله المطبوعة المشهورة، حتى ييسر الله تعالى الوقوف على مخطوطة لها فتقابل عليها.
وأسأل الله تعالى أن ينفع بتعليقاتها كما نفع بأَصلها، وأن يتقبَّلها ويجعلها خالصةً لوجهه الكريم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصبحه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
بتاريخ 15 ـ 9 ـ 2020 م
صويلح، عمان، الأردن
ترجمة موجزة
لخاتمة المحقّقين ابن عابدين
المطلب الأول: اسمُه ونسبُه وشهرتُه وأسرتُه:
أَوَّلاً: اسمُه ونسبُه:
محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز بن أحمد بن عبد الرحيم بن نجم الدين بن محمد صلاح الدين الشهير عابدين بن نجم الدين بن حسين بن رحمة الله بن أحمد الثاني مصطفى الشهابي بن أحمد الثالث بن محمود بن أحمد الرابع بن عبد الله بن عز الدين عبد الله الثاني بن قاسم بن حسن بن إسماعيل بن حسين النتيف الثالث بن أحمد الخامس بن إسماعيل الثاني بن محمد بن إسماعيل الأعرج بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين بن حسين ابن البتول، هي الزهراء فاطمة بنت الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، وعليها وعلى جميع آله وصحبه آمين (¬1).
¬
(¬1) هذا النسب أثبته ابنه علاء الدين في قرة العيون 7: 419، وذكر الحافظ أنه نسبه: محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز بن أحمد بن عبد الرحيم بن محمد صلاح الدين بن نجم الدين بن محمد صلاح الدين بن نجم الدين بن محمد كمال بن تقي الدين المدرس ابن مصطفى الشهابي بن حسين بن رحمة الله بن أحمد الفاني بن علي بن أحمد بن محمود بن أحمد بن عبد الله بن عز الدين بن عبد الله بن قاسم بن حسن بن إسماعيل بن حسين النتيف بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأعرج ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام زين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، فليتثبت من ذلك.
وكانت جدّته أمّ والده من بنات الشيخ المحبيّ صاحب التَّاريخ المشهور.
وكانت أمه من سلالةِ طاهرة من ذرّيّة الحافظ الداوديّ المحدِّث الشهير، وكان عمُّها الشيخُ محمّد بن عبد الحيّ الداوديّ صاحب التأليفات الشهيرة: منها: «حاشية المنهج»، و «حاشية ابن عقيل»، ومجموع «الفوائد» وغيرها.
واشتهر أنَّ نسبتَهم إلى حضرة سيدنا العبّاس، إلا أنَّه ليس بدرجة الثُّبوت، وليس عندهم نسبٌ عليه شهادة العلماء والنُّقباء، كما جرت عادة أَصحاب الأنساب (¬1).
ثانياً: شهرته:
اشتهر بابن عابدين: نسبة لأحد أجداده العالم الفاضل الولي الصالح الجامع بين الشريعة والحقيقة، إمام الفضل والطريقة، محمد صلح الدين الشهير بـ «عابدين» (¬2).
¬
(¬1) ينظر: قرة العيون 7: 422.
(¬2) ينظر: قرة العيون7: 419.
ثالثاً: أسرته:
1.والده:
كان شفوقاً عليه ويحبه محبّة تامّة، حتى أنَّه لمّا حجّ ابنه سنة خمس وثلاثين امتنع والده من دخول داره الجوانية مدّةَ غيابه، ولم ينم على فراش تلك المدّة، وهي أربعةُ أشهر، بل بقي نائماً في داره البرانية.
ومن حكمته: أنه لما عرض شيخ ابنه على ابنه التزوج بابنته، منعه والده من زواجها، وقال له: أخاف عليك من غصبِ شيخِك وعقوقِه إن أَغضبت ابنتَه يوماً ما، وهذا ممَّا لا تخلو منه الجبلة الإنسانية غالباً (¬1).
2.والدته:
توفِّي في حياتها، وكانت صالحةً صابرةً تقرأ من الجمعةِ إلى الجمعة مئة ألف مرة سورة الإخلاص، وتهب ثوابها لولدها سيدي الوالد، وتُصلِّي كلَّ ليلة خمس أوقات قضاءً احتياطاً، وكانت كثيرة الصَّلاة والصِّيام، عاشت بعده سنتين صابرةً محتسبةً لم تفعل ما تفعله جهلة النِّساء عند فقد أولادهنّ، بل كان حالُها الرِّضا بالقضاء والقدر، وتقول: الحمد الله على جميع الأحوال (¬2).
¬
(¬1) ينظر: قرة العيون 7: 422.
(¬2) ينظر: قرة العيون 7: 419.
المطلب الثاني: طلبه للعلم وشيوخه:
أولاً: ولادته ونشأته وطلبه للعلم:
ولد في سنة ثمان وتسعين بعد المئة والألف (1198 هـ)، في دمشق الشام، ونشأ في حجر والده.
وحفظ القرآن العظيم عن ظهر قلب وهو صغير جداً، وجلس في محل تجارة والده؛ ليألف التجارة، ويتعلّم البيع والشراء، فجلس مرّة يقرأ القرآن العظيم فمرَّ رجلٌ لا يعرفه فسمعه وهو يقرأ، فزجره وأنكر قراءته؛ لأنَّ هذا المحل محلّ التَّجارة والنَّاس لا يسمعون قراءتك، فيرتكبون الإثم بسببك، وأنت أيضاً آثم، ولأن قراءتك ملحونة.
فقام من ساعته وسأل عن أقرأ أهل العصر في زمنه، فدلَّه واحدٌ على شيخ القراء في عصره وهو الشيخ سعيد الحموي، فذهب لحجرته وطلب منه أن يُعلّمه أحكام القراءة بالتجويد، وكان وقتئذٍ لم يبلغ الحلم، فحفظ «الميدانيّة» و «الجزريّة» و «الشاطبيّة»، وقرأها عليه قراءة إتقان وإمعان حتى أتقن فنَّ القراءات بطرقها وأوجُهها.
ثمّ اشتغل عليه بقراءة النحو والصرف وفقه الإمام الشافعيّ، وحفظ «متن الزبد»، وبعض المتون من النَّحو والصَّرف والفقه وغير ذلك.
ثمّ حضر على شيخه علاّمة زمانه وفقيه عصره وأوانه السيد محمد شاكر السالمي العمري ابن المقدّم سعد، الشهير والده بـ (العقّاد الحنفي)،
وقرأ عليه علم المعقول والحديث والتَّفسير، ثمّ ألزمه بالتحوّل لمذهب سيدنا أبي حنيفة النعمان، الإمام الأعظم عليه الرحمة الرضوان، وقرأ عليه كتب الفقه وأصوله حتى برع وصار علامة زمنه في حياة شيخه المذكور (¬1).
فقرأ عليه في الفقه «الملتقى» و «الكنز» و «البحر» لابن نجيم و «صدر الشريعة» و «الدراية» و «الهداية» وبعض شروحها وغير ذلك.
ثم شرع في قراءة «الدر المختار» على شيخه المذكور، مع جماعة، من جملتهم علامة زمانه وفقيه عصره وأوانه: الشيخ سعيد الحلبي، وبقي ملازماً له إلى أن اخترمته المنية، في اليوم الرابع من محرم الحرام سنة اثنتين وعشرين ومئتين وألف (1222هـ)، ولم تتم قراءة «الدر» فأتمَّه مع بعض مَن حضر معه من إخوانه على الشيخ سعيد الحلبي المذكور، ضاعف الله تعالى لنا وله الأجور، وقرأ على الشيخ سعيد غير ذلك من الفقه وغيره من الفنون، وحين أتمّ «الدرّ» عليه استجازه فأجازه بخطّه وختمه (¬2).
وأكمل على الشيخ الحلبي قراءة الكتب التي لم تتم قراءة مع شيخ العقاد كـ «البحر» و «الهداية» وشرحها، و «الهداية» وشروحها، وحضر معه لإتمام الكتب المذكورة بقية التلامذة والطلبة الذين كانوا يداومون على الشيخ العقاد (¬3).
¬
(¬1) في قرة العيون7: 424.
(¬2) ينظر: حلية البشر1: 1231، وأعيان دمشق ص252 - 253.
(¬3) ينظر: قرة العيون7: 419.
ثانياً: شيوخه:
قال علاء الدين (¬1): «أخذ عن مشايخ كثيرين يطول ذكرهم هنا من شاميين ومصريين وحجازيين وعراقيين وروميين»، ومنهم:
1.محمد بن عبد الرحمن بن محمد الكزبري الدمشقي الشافعي، أبو المكارم، شيخ شيوخ دمشق وأعلم علمائها، وصدر صدورها وأفضل فضلائها، محدث الديار الشامية (¬2).
وكان شيخ ابن عابدين محمد شاكر كثيراً ما يأخذه معه ويحضره دروس أشياخه، حتى أنَّه أخذه وأحضره درس شيخه العلامة العامل الوليّ الصالح شيخ الحديث الشيخ محمد الكزبريّ، واستجازه له فأجازه وكتب له إجازة عامّة على ظهر «ثبته»، مؤرخةٌ في افتتاح ليلة غرة سنة عشر ومئتين وألف (1210هـ).
وترجمه ابن عابدين في «ثبته» ترجمةً حسنةً، فراجعها، ورثاه أيضاً عند وفاته، ليلةَ الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من رّبيع الأوَّل سنة إحدى وعشرين ومئتين وألف (1221هـ)، بقصيدةٍ مؤرخاً وفاته فيها، ومطلُعها:
خطب عظيم بأهل الدين قد نزلا ... فحسبنا الله في كلّ الأمور ولا
¬
(¬1) ينظر: قرة العيون7: 423.
(¬2) ينظر: أعيان دمشق ص260.
وبيت التاريخ:
إمام (¬1) الكزبري نجم أفلا ... قليل جلقُه ما زال منسدلا (¬2)
2.أحمد بن عبيد الله بن عسكر بن أحمد الشهير بالعطّار الحمصي الأصل، الدمشقي المولد والسكن والوفاة الشافعي، إمام أئمة دمشق، وأستاذ أساتذتها، وحبر أحبارها، وجهبذ جهذابتها، الذي شاع ذكره في القرى والأمصار، واشتهر كالشمس في رابعة النهار، محدث العصر وفقيهه (¬3).
أحضر شيخه محمد شاكر درس العالم العلاّمة، الشيخ الكبير المحدّث، الشيخ أحمد العطار، واستجازه له فأجازه، وكتب له إجازةً عامّة على ظهرِ «ثبتِه» بخطِّه مؤرخةً في منتصف محرم الحرام سنة ست عشرة ومئتين وألف (1216هـ).
وقد ترجمه ابن عابدين في ثبتِهِ «عقود اللآلي» ترجمةً حسنةً فراجعها، ورثاه عند وفاتِهِ مع غروب الشَّمس نَهار الخميس التَّاسع من ربيع الثَّاني سنة ثمان عشرة ومئتين وألف (1218هـ) بقصيدة مؤرخاً وفاتُه بها، ومطلعها:
¬
(¬1) قوله: إمامنا الكزبري ... الخ، هكذا بالأصل، والشطر الأول ناقص ما يتم به الوزن والتاريخ فليحرر اهـ، مصححه.
(¬2) ينظر: قرة العيون7: 423.
(¬3) ينظر: أعيان دمشق ص45.
ليقدح الجهل في البلدان بالشرر ... وليسكن العلم في كتب وفي سطر (¬1)
وقرأ ابن عابدين على الشيخ أحمد العطار «الأربعين العجلونية» إلى الحديث الثلاثين ثم أتمها على الشيخ محمد شاكر سنة 1218هـ (¬2).
3. الشيخ الأمير الكبير المصريّ.
أخذ ابن عابدين عنه وأجازه إجازة عامّة كتبها له بخطِّه الشَّريف وختمها بختمِهِ المنيف، وأَرسلها له مؤرخةً في غرّة رمضان المعظّم قدرُه من شهور عام ثمانية وعشرين بعد الألف والمئتين من الهجرة النبويّة (1228هـ) (¬3).
4. سعيد بن حسن بن أحمد الدمشقي الحنفي الحلبي المولد والشهرة، شيخ علماء الحنفية بدمشق وأحد صدورها الأجلاء، العالم العلامة والحبر الفهامة، فقيه زمانه وناسك أوانه، مفيد الطالبين ومربي المريدين، تتلمذ عليه أبرز علماء عصره، ومنهم خاتمة المحققين محمد أمين ابن عابدين.
وكان موقراً محترماً، وله الكلمة النافذة في دمشق حلاً وعقداً، أمراً ونهياً، تؤثر عنه آثار حسنة، وكان إماماً جليلاً مهيباً، وقوراً عابداً زاهداً، علمه على مرّ الدخول منشور، وفضله على كرّ العصور مذكور، توفي سنة (1259هـ) (¬4).
¬
(¬1) ينظر: قرة العيون7: 423.
(¬2) ينظر: فقيه الحنفية www.alukah.net/culture/0/ 105980.
(¬3) ينظر: قرة العيون7: 424.
(¬4) ينظر: تاريخ دمشق ص129 ـ 130.
5.محمد شاكر بن علي بن سعد بن علي بن سالم العُمري، الشهير والده بالعقّاد، الحنفي الدمشقي الخلوتي، يتصل نسبه بسيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.
قال ابن عابدين: «الإمام الأوحد، الفاضل الهمام الأمجد، فريد العصر ويتيمة الدهر، من انتهت إليه الرئاسة في العلوم، وكان عديم النظير في حسن التقرير والتَّعبير، حتى في تفهيم المبتدئ والمبادئ الدقيقة، والحصل أنّه كان باب الفتوح، والشيخ المربي النصوح، وشغله من الدُّنيا التعلم والتعليم، والتفهم والتفهيم، تاركاً لما لا يعنيه مُقبلاً على مَولاه فيما يُرضيه، راضياً من الدُّنيا بالقليل معرضاً عن الأنام، متعففاً عما في أيدهم من الحطام، عفيف النفس، لم أعهد منه أنه تعاطى شيئا مما يفعله أمثاله، مما يجلب له نفعاً دنيوياً، مع أني لازمته سبع سنين كاملة ملازمة شديدة، وكانت تعرض عليه الوظائف والتداريس وغيرها فلا يقبلها، وكان يحب زوايا الخمول، ويتجنب الأمراء والاجتماع بهم، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، لا يخشى في الله لومة لائم، وبالجملة فقد كان أفراد أهل العصر، وبركة أهل مصره، وقد منَّ الله عليَّ بخدمته في المدة المذكورة، وقرأت عليه كتباً عديدة، وكان يحبُّني حبّاً شديداً، ويُكرمني إكراماً مزيداً، فجزاه الله عني خير الجزاء»، (1157 ـ 1222هـ) (¬1).
¬
(¬1) ينظر: أعيان دمشق ص143ـ 144.
واستجاز لابن عابدين شيخه محمد شاكر من الشيخ نجيب القلعي يوم عيد الفطر سنة 1220 هـ فأجازه.
وأحضره عند الشيخ محمد عبد الرسول الهندي النقشبندي خليفة الشيخ عبد الله الدهلوي واستجازه له فأجازه مع أخيه الشيخ عبد الغني عابدين (¬1).
المطلب الثالث: مؤلفاته وأشعاره وتلامذته:
أولاً: مؤلفاته:
1. «نسمات الأسحار على إفاضة الأنوار شرح المنار» (¬2).
2. «حاشية على شرح المنار» للعلائي، قال علاء الدين: «لم يخطر لي اسمها؛ لأنَّها فُقِدت عند مفتي مصر الشيخ التميمي» (¬3).
3. «العقود اللآلي في الأسانيد العوالي»، وهو ثبت لأسانيد شيخه العقاد (¬4).
4. «شرح الكافي في العروض والقوافي»، وكتب في آخر هذا الشرح: تمَّ في سنة خمس عشرة ومائتين وألف (1215 هـ)، وكان سِنّه سبع عشرة سنة (¬5).
¬
(¬1) ينظر: قرة العيون 7: 423.
(¬2) ينظر: قرة العيون 7: 419.
(¬3) ينظر: قرة العيون 7: 419.
(¬4) ينظر: قرة العيون 7: 419.
(¬5) ينظر: قرة العيون 7: 419.
5. «رفع الاشتباه عن عبارة الأشباه» (¬1).
6. «فتح رب الأرباب على لبّ الألباب شرح نبذة الإعراب» (¬2).
7. «رد المحتار على الدر المختار»، قال الشَّطي (¬3): «طبع كثير من مؤلفاته، وعمّ نفعها، واشتهر فضلها، وكان أعظمها نفعاً وأكثرها شهرة حاشيته على «الدرّ المختار»، في خمس مجلدات كبار، فقد أضحى المعوّل في فقه الحنفية عليها، والمرجع في حلّ المشكلات إليها ... ولو لم يكن له من الفضل سوى حاشيته المنوّه بها، التي سارت بها الركبان، وتنافست فيها الناس زماناً بعد زمان، لكفته فضيلة تذكر، ومزية تشكر، فالله يتغمّده برحمته، ويسكنه فسيح جنّته، ويجزيه عن المسلمين خيراً كثيراً».
واشتهر هذا الكتاب باسم «حاشية ابن عابدين»،، وعليها المعول في الفقه الحنفي في الفتوى، ذكر الشيخ أبو اليسر عابدين في «دائرة المعارف» أن ابن عابدين بدأ بتأليف حاشيته هذه من آخرها (باب الإجارة) حتى أتمها، ثم عاد من أولها، فتوفي في أثناء ذلك، فبقيت مخرومة من أول ثلثها الأخير تقريباً، والذي أكمله ولده.
¬
(¬1) ينظر: قرة العيون7: 419.
(¬2) ينظر: قرة العيون7: 419.
(¬3) في أعيان دمشق ص254 - 255.
وقد أخبرني والدي المرحوم الشيخ أبو الخير عابدين عن سبب ذلك فقال: إنّه يوجد كثير من كتب الحنفية الكبار كـ «فتح القدير» فهو محرَّرٌ إلى باب الإجارة ثمّ إنّه يموت المؤلف أو أستاذ الدرس، فقال ابن عابدين: إن لم يساعد الأجل يكون كتابي هذا إتماماً لنواقص غيره، وإن ساعد الأجل أعود لإكمالها، فلما انتهى إلى آخرها عاد من أولها فتوفي قبل الوصول لما بدأ به.
قال الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت نقلاً عن شيخه الشيخ عطا الكسم عن الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني تلميذ ابن عابدين: إنّ سبب تأليفه لها أنّ الشيخ سعيد الحلبي شيخ ابن عابدين بحث مع تلاميذه بحوثاً متعددة مشكلة، فكان ابن عابدين يتفوق في الإجابة دوماً، وكان من أبرز المسائل مسألة المتحيرة في باب المستحاضة، وأعجب الشيخ الحلبي بتقريره للمسألة، فأمره بوضع حاشيته على كتاب «الدر المختار» الذي كان الشيخ الحلبي يقرره.
وعندما بدأ بالتأليف كان شيخُه يدعوه بين الآونة والآخرى ليطلع على عمله، ويقول له: هات الصبّرة، يقول هذه العبارة كيلا يغتر ابن عابدين بنفسه وعلمه، ولكنه كان عندما يقرأ ما كتب يُسَرُّ سروراً عظيماً، ولا يفصح عما في نفسه ويقول: اللهم افتح عليه ويَسر له (¬1).
¬
(¬1) ينظر: فقيه الحنفية www.alukah.net/culture/0/ 105980.
8. «العقود الدرّيّة في تنقيح الفتاوى الحامديّة»، قال الشطي (¬1): «فإنَّه كالحاشية مطبوع مشهور، يرجع إليه ويعتمد عليه».
9. «رفع الأنظار عما أورده الحلبيّ على الدرّ المختار» (¬2).
10. «حاشية على البيضاويّ»، قال البيطار (¬3): «التزم أن لا يذكر فيها شيئاً ذكره المفسّرون».
11. «حاشية على المطوّل» (¬4).
12. «حاشية على شرح الملتقى»، لم تجرد من الهوامش (¬5).
13. «حاشية على النهر»، لم تجرد من الهوامش (¬6).
14. «منحة الخالق على البحر الرائق» (¬7).
15. «العقود اللآلي في الأسانيد العوالي» (¬8).
16. «منهل الواردين من بحار الفيض على ذخر المتأهلين لمسائل الحيض»، وشرح رسالة البركوي في الحيض والنفاس (¬9).
¬
(¬1) في أعيان دمشق ص254.
(¬2) ينظر: قرة العيون7: 420.
(¬3) في حلية البشر1: 1231.
(¬4) ينظر: قرة العيون7: 420.
(¬5) ينظر: قرة العيون7: 420.
(¬6) ينظر: قرة العيون7: 420.
(¬7) ينظر: قرة العيون7: 420.
(¬8) ينظر: قرة العيون7: 420.
(¬9) ينظر: قرة العيون7: 420.
17. «شرح منظومته رسم المفتي»، وهو شرح منظومته المسمّاة بعقود رسم المفتي (¬1).
18. «الرحيق المختوم شرح قلائد المنظوم في الفرائض» (¬2).
19. «تنبيه الولاة والحكام في حكم شاتم خير الأنام أو أحد أصاحبه الكرام» (¬3).
20. «نشر العَرف في بناء بعض الأحكام على العُرف» (¬4).
21. «تحرير النقول في نفقة الفروع والأصول» (¬5)، وهي رسالة في النفقات لم يسبق لها نظير اخترع لها ضابطاً مانعاً.
22. «الفوائد العجبية في إعراب الكلمات الغربية» (¬6).
23. «إجابة الغوث في أحكام النقباء والنجباء والأبدال والغوث» (¬7).
24. «العلم الظاهر في نفع النسب الطاهر» (¬8)، وذيلها.
25. «تنبيه الغافل والوسنان في أحكام هلال رمضان» (¬9).
¬
(¬1) ينظر: وقرة عين الاخيار7: 420، وأعيان دمشق ص255.
(¬2) ينظر: قرة العيون7: 420.
(¬3) ينظر: وقرة عين الاخيار7: 420، وحلية البشر1: 1231.
(¬4) ينظر: أعيان دمشق ص255، وقرّة عين الاخيار7: 420.
(¬5) ينظر: وقرة عين الاخيار7: 420، وأعيان دمشق ص254.
(¬6) هكذا اسمها في أعيان دمشق ص254.
(¬7) ينظر: وقرة عين الاخيار7: 420، وفي أعيان دمشق ص255، اسمها: «إجابة الغوث ببيان حال النقباء والنجباء والأبدال والأوتاد والغوث».
(¬8) هكذا اسمها في أعيان دمشق ص255.
(¬9) في أعيان دمشق ص254، اسمها: «تنبيه الغافل والوسنان على أحكام هلال رمضان».
26. «الإبانة عن أخذ الأجرة على الحضانة» (¬1).
27. «شفاء العليل وبل الغليل في الوصية بالختم والتهاليل» (¬2).
28. «رفع الانتقاض ودفع الاعتراض في قولهم: الأيمان مبنية على الألفاظ لا على الأغراض» (¬3).
29. «تحرير العبارة فيمن هو أولى بالإجارة» (¬4).
30. «إعلام الأعلام في الإقرار العامّ» (¬5).
31. «تنبيه الرقود على مسائل المفقود» (¬6).
32. «سل الحسام الهندي لنصرة مولانا خالد النقشبندي» (¬7).
¬
(¬1) ينظر: أعيان دمشق ص254، وقرة عين الاخيار7: 420.
(¬2) ينظر: وقرة عين الاخيار7: 420، وفي أعيان دمشق ص254، اسمها: «شفاء
العليل في حكم الوصية بالختمات والتهاليل، وعليها تقاريظ من علماء عصره».
(¬3) ينظر: وقرة عين الاخيار7: 420، وفي أعيان دمشق ص254، اسمها: «دفع الاعتراض على قولهم الأيمان مبنية على الألفاظ لا على الأغراض».
(¬4) ينظر: وقرة عين الاخيار7: 420، وفي أعيان دمشق ص254، اسمها: تحرير العبارة فيمن هو أحق بالإجارة.
(¬5) في أعيان دمشق ص254، اسمها: إعلام الأعلام بأحكام الإقرار العام.
(¬6) في أعيان دمشق ص255، وقرة عين الاخيار7: 420.
(¬7) ينظر: أعيان دمشق ص254، وقرة عين الاخيار7: 420.
33. «غاية المطلب في اشتراط الواقف عود نصيب العقيم إلى درجته الأقرب فالأقرب» (¬1).
34. «الفوائد المخصصة بأحكام كي الحمصة» (¬2).
35. «تحبير التحرير في إبطال القضاء بالفسخ في الغبن الفاحش بلا تغرير» (¬3).
36. «تنبيه ذوي الأفهام على بطلان الحكم بنقض الدعوى بعد الإبراء العام» (¬4).
37. «تنبيه ذوي الأفهام على أحكام التبليغ خلف الإمام» (¬5).
38. «رفع الاشتباه عن عبارة الأشباه» (¬6).
39. «العقود الدرية في قول الواقف على الفريضة الشرعية» (¬7).
40. «غاية البيان في أنَّ وقف الاثنين على أنفسهما وقف لا وقفان» (¬8).
41. «الدرة المضية شرح الأبحر الشعرية» (¬9).
42. «رفع التردد في عقد الأصابع عند التشهد» (¬10) وذيلها.
¬
(¬1) ينظر: أعيان دمشق ص 254، وقرة عين الاخيار 7: 420.
(¬2) ينظر: أعيان دمشق ص 254، وقرة عين الاخيار 7: 420.
(¬3) ينظر: أعيان دمشق ص 255، وقرة عين الاخيار 7: 420.
(¬4) ينظر: أعيان دمشق ص 254 - 255، وقرة عين الاخيار 7: 420.
(¬5) ينظر: أعيان دمشق ص 254 - 255، وقرة عين الاخيار 7: 420.
(¬6) ينظر: أعيان دمشق ص 255، وقرة عين الاخيار 7: 420.
(¬7) ينظر: أعيان دمشق ص 254، وقرة عين الاخيار 7: 420.
(¬8) ينظر: أعيان دمشق ص 254، وقرة عين الاخيار 7: 420.
(¬9) ينظر: أعيان دمشق ص 253، وقرة عين الاخيار 7: 420.
(¬10) ينظر: أعيان دمشق ص 254، وقرة عين الاخيار 7: 420.
43. «الأقوال الواضحة الجلية في مسألة نقض القسمة ومسألة الدرجة الجعلية» (¬1).
44. «إتحاف الذكي النبيه بجواب ما يقوله الفقيه» (¬2).
45. «مناهل السرور لمبتغي الحساب بالكسور» (¬3).
46. «تحفه المناسك في أدعية المناسك» (¬4).
47. «منّة الجليل لبيان إسقاط ما على الذمة من كثير وقليل» (¬5).
48. «أجوبة محققة عن مسائل متفرقة» (¬6)، وهو مجموع أسئلة عويصة (¬7).
49. «نظم الكنز» (¬8).
50. «قصّة المولد الشّريف النبوي» (¬9).
¬
(¬1) ينظر: أعيان دمشق ص 254، وقرة عين الاخيار 7: 420.
(¬2) ينظر: أعيان دمشق ص 254، وقرة عين الاخيار 7: 420.
(¬3) في أعيان دمشق ص 255.
(¬4) ينظر: قرة العيون 7: 420.
(¬5) ينظر: قرة العيون 7: 420.
(¬6) في أعيان دمشق ص 255.
(¬7) ينظر: قرة العيون 7: 420.
(¬8) ينظر: قرة العيون 7: 420.
(¬9) ينظر: قرة العيون 7: 420.
قال علاءُ الدِّين (¬1): «وأمّا تعاليقُه على هوامش الكتب وحواشيها، وكتابته على أسئلة المستفتين، والأوراق التي سَوَّدها بالمباحث الرَّائقة والرَّقائق الفائقة، فلا يَكاد أن تُحصى ولا يُمكن أن تُستقصى».
وقال الشَّطيُّ (¬2) بعد أن ذكر رسائله: «فهذه سبعٌ وعشرون رسالةً مطبوعةً منشورة مأخوذة بالقبول».
وقال علاء الدين (¬3) بعد ذكر مؤلفاته: «وجملةُ رسائل في الأوقاف ... وله
رسائل عديدة ناهزت الثلاثين في جملة فنون» (¬4).
ثانياً: أشعاره:
اشتهر رحمه تعالى بحبِّه للنَّظم وقدرته عليه، ومن ذلك المنظومة المشهورة: «عقود رسم المفتي»، وله أشعار منها:
1.مجموع جمع فيه من نفائس الفوائد النثرية والشعرية، وعرائس النكات والملح الأدبية، والألغاز والمعميات، وما يروق النّاظر، ويسرّ الخاطر، ومنها: قصيدة في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أرسلها ضمن مكتوب للحضرة
¬
(¬1) في قرة العيون 7: 420.
(¬2) في أعيان دمشق ص 255.
(¬3) في قرة عيون الأخيار 7: 420.
(¬4) في حلية البشر 1: 1230: «وله من الرسائل في تحرير المسائل نيف وثلاثون رسالة معلومة في ثبته فمن أرادها فليراجعها».
الشريفة النبوية صحبة ركب الحاج الشريف سنة عشرين ومائتين وألف (1220 هـ)، لكي تقرأ أمام الحضرة الشريفة المحمدية (¬1)، وهي:
لبيك يا قمرية الأغصان ... فلقد صدعت القلب بالألحان
لبيك يا من بالبكا أشبهتني ... لكن بلا فقد من الخلان
نوحي فنوحي في بحار مدامعي ... تعلو سفينته لدى الطوفان
وترنمي واحيي فؤاد معذب ... بتذكر الأحباب في نيران
إن رمت كتمان الهوى متكلفاً ... هيجت مني بالبكا أشجاني
2.مدح شيخه في مقامات كمقامات الحريري (¬2).
ثالثاً: تلاميذه:
غالب مَن أخذ عنه وقرأ عليه أكابرُ النّاس وأشرافُهم وأجلاؤهم من الموالي والعلماء الكبار والمفتين والمدرسين وأصحاب التآليف والمشاهير، وقصده النَّاس من الأقطار الشاسعة للقراءة عليه والأخذ عنه، فممَّن قرأ عليه وأخذ عنه:
1. شقيقه العلامة الفاضل الفقيه الصُّوفي: السيد عبد الغني.
2. الشيخ أحمد أفندي أمين الفتوى بدمشق حالاً صاحب التآليف الشهيرة.
¬
(¬1) ينظر: حلية البشر 1: 1232.
(¬2) ينظر: قرة العيون 7: 420.
3. ابن ابن عمّه الشيخ صالح ابن السيد حسن عابدين.
4. صاحب الفضيلة والسماحة، العالم العلاّمة، عمدة الموالي العظام: جابي زاده السيد محمد أفندي قاضي المدينة المنورة سابقاً.
ومن أصحاب بايه إسلامبول الحائز للنشيان العالي المجيدي من الرتبة الثانية من تشرفت في حضرته بايه إسلامبول، وافتخرت فيه على مَن نالها بفضائله وعلمه الذي أقرّت به الفحول، وبكمال علومه وقدره مع فضله زاد فيه، رفعة وعزّ النشيان العالي المجيدي من الرتبة الثانية التي افتخرت فيها أعاظم الرجال، وهي فيه فاقت وتبخترت على أكابر أهل الكمال، فإنَّه أخذ عنه سائر العلوم وبه انتفع.
5. العالم العلامة، الزّاهد العابد، الورع التقي النَّقي، فقيه النفس: الشيخ يحيى السردست، أحد أفاضل الصُّوفية في زمنه، فإنَّه عنه أخذ، وبه انتفع، وعليه تخرّج.
6. العالم العلاّمة، العمدة الفهّامة، فقيه العصر: الشيخ عبد الغني الغنيميّ الميدانيّ شارح «القدروي» و «عقيدة الطحاوي»، فإنَّه عنه أخذ وبه انتفع وعليه تخرّج.
7. العالم العلاّمة، والعمدة الفهّامة: الشيخ حسن البيطار، فإنَّه قرأ عليه «العقود الدرّيّة»، وعليه تخرّج في مذاهب السَّادة الحنفية.
8. العالم العلاّمة الشيخ محمد أفندي البيطار، فإنَّه عنه أخذ وبه انتفع، وعليه تخرّج، وهو أمين فتوى دمشق الشام حالاً.
9. العالم العلاّمة: أحمد أفندي الاسلامبوليّ محشّي «الدرر»، فإنَّه عنه أخذ وبه انتفع وعليه تخرّج.
10. الشيخ الفاضل والعالم الكامل فرضيُّ دمشق ورئيسُ حسابها: السيد حسين الرسامة، فإنَّه عن أخذ وبه انتفع وعليه تخرّج.
11. العالم العلاّمة، القدوة الفهّامة، صاحب التآليف المفيدة، والتَّصانيف النَّفيسة في المعقول والمنقول: الشيخ يوسف بدر الدين المغربي، فإنَّه عنه أخذ، وبه انتفع، وعليه تخرَّج.
12. العلامة الفاضل الشيخ عبد القادر الجابي.
13. الشيخُ محمّد الجقلي.
14. الشيخُ محمَّد أفندي المنير أحد أصحاب بايه أزمير المجردة.
15. العلامة الفاضل: الشيخ عبد القادر الخلاصي، شارح «الدرّ المختار» و «الألفيّة» لابن مالك وغيرهما.
16. عمدة الموالي الكرام: علي أفندي المراديّ، مفتي دمشق الشَّام.
17. العالم العلامة، العمدة الفهامة، نخبة الموالي الفخام: عبد الحليم ملا قاضي الشام وقاضي عسكر أنا طولي.
18. الشيخ حسن بن خالد بك.
19. الشيخ محمد تلو.
20. الشيخ محيي الدين اليافي.
21. الشيخ أحمد المحلاويّ المصريّ، شيخ القرّاء في زمنه.
22. الشيخ عبد الرحمن الجمل المصريّ.
23. الشيخ أيوب المصريّ.
24. الشيخ الملا عبد الرزاق البغداديّ أحد مشاهير علماء بغداد وأفاضلها.
25. الشيخ مصلح قاضي جنين.
26. الشيخ أحمد البزري قاضي صيدا.
27. الشيخ محمد أفندي.
28. الشيخ محمد أفندي الآتاسي مفتي حمص.
29. الشيخ أمين فتواه.
30. الشيخ أحمد سليمان الأرواديّ.
وغيره ممن يطول ذكرهم ولا يُحصى عددهم من أفاضل وأعيان، فإنَّهم انتفعوا به وأخذوا عنه وعليه تخرّجوا (¬1).
المطلب الثالث: تصوفه وأحواله ونبوغه:
أولاً: تصوُّفه:
¬
(¬1) ينظر: قرة العيون 7: 425.
وكان له ذوقٌ في حلِّ مشكلات القوم، وله بهم الاعتقاد العظيم، ويُعاملهم بالاحترام والتَّكريم.
وأَخَذَ طريق السَّادة القادرية، عن شيخه المذكور ذي الفضل والمزية، حتى أخبر عنه مَن يوثق بصلاحه ودينه ممَّن صحبه في سفره من تلامذته: إنِّي ما وجدتُ عليه شيئاً يُشينُه في دنياه ولا في دينه.
وكان حسن الأخلاق والسِّمات، ما سمعته في سفري معه في طريق الحجّ تكلَّم بكلمةٍ أغاظ بها أحداً من رفقائِه وخدمِه، أو أحداً من النَّاس أجمعين، اللهم إلا رأى منكراً فيغيره من ساعته على مقتضى الشريعة المطهرة العادلة (¬1).
ثانياً: بيانُ أحواله:
- وبالجملة فكان شغلُه من الدُّنيا التَّعلُّم والتَّعليم، والتَّفهم والتَّفهيم، والإقبال على مولاه، والسَّعي في اكتساب رضاه، مقسّماً زمنه على أنواع الطاعات والعبادات والإفادات، من صيام وقيام، وتدريس وإفتاءٍ وتأليفٍ على الدوام.
- وكانت ترد إليه الأسئلة من غالب البلاد، وانتفع به خلقٌ كثيرٌ من حاضرٍ وبادٍ.
¬
(¬1) ينظر: قرة العيون 7: 420.
- وكان رحمه الله تعالى جعل وقت التَّأليف والتَّحرير في الليل، فلا يَنام منه إلا ما قلّ، وجعل النهار للدروس وإفادة التَّلامذة وإفادةَ المستفتين.
- ويُلاحظ أَمر دنياه شريكه من غير أن يتعاطى بنفسه.
- وكان في رمضان يختمّ كلّ ليلة ختماً كاملاً مع تدبّر معانيه، وكثيراً ما يستغرق ليله بالبكاء والقراءة، ولا يدع وقتاً من الأوقات إلا وهو على طهارة، ويُثابر الوضوء.
- وكان رحمه الله تعالى حريصاً على إفادةِ النَّاس وجبر خواطرهم، مكرماً للعلماء والأشراف وطلبة العلم، ويواسيهم بماله.
- وكان كثير التصدُّق على ذوي الهيئات من الفقراء الذين لا يسألون النَّاس إلحافاً.
- وكان غيوراً على أهل العلم والشرف، ناصراً لهم، دافعاً عنهم ما استطاع.
- وكان مهاباً مطاعاً، نافذ الكلمة عند الحُكّام وأعيان النّاس، يأكل من مال تجارته بمباشرة شريكه مدّة حياته.
- وكان رحمه الله تعالى ورعاً دَيّناً عفيفاً، حتى أنَّه عُرض عليه خمسون كيساً من الدَّراهم لأجلّ فتوى على قول مرجوح فردَّها ولم يقبل، وقد امتنع عن شراء العقارات الموقوفة التي عليها كدك أو محاكرة أو قيمة أو بالإجارتين.
- وكان وقف جدِّه لأم أبيه مشروطاً نظره للأرشد من ذريّة الواقف، فامتنع من توليتِه وسلَّمه لأخيه.
- ولم يتفق له قَبول هدية من ذي حاجة أو مصلحة.
- وكان رحمه الله تعالى طويل القامة، شَثْن ـ أي غليظ ـ الأعضاء والأنامل، أبيض اللون، أسود الشَّعر، فيه قليل الشيب لو عدّ شيبُه لعدّ، مقرون الحاجبين، ذا هيبة ووقار، وهيئة مستحسنة ونضار، جميل الصورة، حسن السريرة، يتلألأ وجهه نوراً، حسن البشر والصحبة، مَن اجتمع به لا يَكاد ينساه لطلاوة كلامه، ولين جانبه وتمام تواضعه على الوجه المشروع.
- كثيرُ الفوائد لمَن صاحبه والمفاكهة، ومجلسُه مشتملٌ على الآداب وحسنُ المنطق والإكرام للواردين عليه من أهلِهِ ومحبّيه وتلامذتِهِ ومصاحبيه، كلُّ مَن جالسه يقول في نفسه: أنا أعزُّ عنده من ولدِه.
- مجلسُه محفوظٌ من الفحشِ والغيبةِ والتكلُّم بما لا يعني، لا تخلو أوقاته من الكتابة والإفادة والمراجعة للمسائل.
- صادق اللهجة ذا فراسة إيمانيّة، وحكمة لقمانيّة، متين الدِّين، لا تأخذه في الله لومة لائم، صدّاعاً بالحقِّ ولو عند الحاكم الجائر، تهابُه الحُكّام والقضاة وأهل السِّياسة.
- كانت دمشق في زمنه أعدل البلاد، وللشَّرع بها ناموسٌ عظيم، لا يتجاسر أحدٌ على ظلم أحدٍ ولا على إثبات حقٍّ بغير وجه شرعيٍّ، ولا في غالب البلاد القريبة منها، فإنَّه كان إذا حُكم على أحد بغير وجه شرعي جاءه المحكوم عليه بصورة حجة القاضي، فيفتية ببطلانه ويراجع القاضي فينفذ فتواه.
- وقلَّ أن تقع واقعةٌ مهمةٌ أو مشكلةٌ مدلهمةٌ في سائر البلاد أو بقيةُ المدن الإسلامية أو قراها إلا ويُستفتى فيها مع كثرة العلماء الأكابر والمفتين في كلِّ مدينة.
- وكانت أعراب البوادي إذا وصلت إليهم فتواه لا يختلفون فيها مع جهلهم بالشريعة المطهرة.
- وكانت كلمتُه نافذةٌ وشفاعتُه مقبولةٌ وكتاباته ميمونة، ما كتب لأحد شيئاً إلا وانتفع به؛ لصدق نيّتِه وحسن سريرته، وقوّة يقينه، وشدّة دينه، وصلابتة فيه.
- وكان رحمه الله تعالى مغرماً بتصحيحِ الكتب والكتابةِ عليها، فلا يدع شيئاً من قيدٍ أو اعتراضٍ أو تنبيهٍ أو جوابٍ أو تتمّة فائدةٍ إلا ويكتبُه على الهامش، ويكتب المطالب أيضاً.
- وكانت عنده كتب من سائرِ العلوم لم يجمع على منوالها.
- وكان كثير منها بخطِّ يده، ولم يدع كتاباً منها إلا وعليه كتابته.
- وكان السَّببُ في جمعه لهذه الكتب العديمة النَّظير والده، فإنَّه كان يشتري له كلَّ كتاب أراده ويقول له: اشتر ما بدا لك من الكتب وأنا أدفع لك الثمن، فإنَّك أحييت ما أمته أنا من سيرة سلفي، فجزاك الله تعالى خيراً يا ولدي، وأعطاه كتب أسلافه الموجودة عنده من أثرهم الموقوفة على ذراريهم، وعندي بعض منها، ولله تعالى الحمد.
- وكان رحمه الله تعالى حريصاً على إصلاحِ الكتب، لا يمرّ على موضع منها فيه غلطٌ إلا أصلحه، وكتب عليه ما يُناسبه.
- وكان حسن الخطّ حسن القشط، قلَّ أن يُرى مَن يكتب مثله على الفتاوى، وعلى هوامش الكتب في الجودة وحسن الخطّ، وتناسق الأسطر وتناسبها، ولا يكتب على سؤال رفع إليه إلا أن يغيره غالباً.
- وكان رحمه الله تعالى فقيه النَّفس، انفرد به في زمنه، بحّاثاً ما باحثه أحد إلا وظهر عليه، وقد حكى تلميذه صاحب الفضلية العلامة محمد أفندي جابي زاده، قاضي المدينة المنورة: إنَّ شيخ الإسلام عارف عصمت بك ـ مفتي السلطنه بدار الخلافة العلية ـ، قال له: إنّي كنتُ أؤمل أن تطلب لي الإجازة من شيخك للتبرّك.
وكان تلميذه العلامة الشيخ محمد أفندي الحلواني ـ مفتي بيروت ـ يقول لي: ما سمعت مثل تقرير سيدي والدك في درسه، حتى إنّي كثيراً ما أجتهد في مطالعة الدرس، وأُطالع عليه سائر الحواشي والشُّروح والكتابات على الدَّرس، وأَظنُّ من نفسي أنّي فهمت سائر الإشكالات وأجوبتها، وحين أحضر الدرس يقرِّر شيخنا الدرس ويتكلَّم على جميع ما طالعته مع التَّوضيح والتَّفهيم، ويزيدنا فوائد ما سمعنا بها ولا رأيناها، ولم يخطر على فكرِ أحدٍ ذكرها.
- وكان رحمه الله تعالى بارّاً بوالديه.
ومات والده في حياته سنة سبع وثلاثين بعد المئتين والألف (1237 هـ)، وصار يقرأ كلّ ليلةٍ عند النوم ما تيسّر من القرآن العظيم، ويهديه ثوابه مع ما تقبل له من الأعمال، حتى رأى والده في النوم بعد شهر من وفاته، وقال له: جزاك الله تعالى خيراً يا والدي على هذه الخيرات التي تهديها إلي في كلّ ليلة.
- وكان ورعاً في سائرِ أحواله، وعلى الخصوص في حال إحرامه في حجّتِه المذكورة، فإنَّه تحرَّى للطعام غاية التحرّي، مع قلّة تناول الطَّعام إلا بقدر الضرورة.
- وكان كثير البرّ والصَّلة لأرحامه، يواسيهم بأفعاله وماله، بالخصوصِ شقيقه العلامة الفاضل الفقيه الصُّوفي التقيّ الصالح السيد عبد الغني، وكان يعتنى ويتفرّس الخير بأكبر أولاده، وهو العالم العلاّمة العمدة الفهامة الشيخ السيد أحمد أفندي، أمين الفتوى بدمشق حالاً، ويهتم بتربيته، ويقول ـ أي ابن عابدين ـ لوالده: دع لي من ولدك السيد أحمد وأنا أُربيه وأعلمه، فعلَّمه القرآن العظيم، وأقرأه مسلسلات العلامة ابن عقيلة، وأجازه إجازةً عامةً حتى صار من أفاضل عصره، وله تأليفات عديدة، منها: «شرح مولد ابن حجر» شرحه شرحاً لم يسبق على منوال، و «شرح علم الحال» الذي ألف صاحب السماحة والفضيلة جندي زاده أمين أفندي العباسي، رئيس ديوان تمييز ولاية سوريا.
ونشأ له ولدان نجيبان فاضلان:
أحدهما: السيد محمد أبو الخير (¬1)، مسود الفتوى بدمشق، وخطيب جامع برسبابي الشهير بجامع الورد ومدرسه.
وثانيهما: السَّيد راغب إمام الجامع المذكور.
- وكان رحمه الله تعالى له خيرات عامّة: منها تعمير المساجد، وافتقاد الأرامل والفقراء.
- وكانت تسعى إليه الوزراء والأمراء والموالي والعلماء والمشايخ والكبراء والفقراء وذا الحاجات، وعظمت بركتُه وعمَّ نفعُه، وكَثُر أخذ الناس عنه (¬2).
ثالثاً: بروز علامات نبوغه:
ـ كان لابن عابدين عمٌّ من أهل الصلاح، ومظنّة الولاية، ومن أهلِ الكشف، اسمُه الشيخ صالح اسم على مسمَّى، حتى أنَّه بشَّر أمَّه به قبل ولادته، وهو الذي سمَّاه محمد أمين حين كان في بطنِ أمِّه، ويضعه في حال صغره في حجره، ويقول له: أعطيتك عطية الأسياد في رأسك (¬3).
¬
(¬1) في أعيان دمشق 252: «إنَّ الترجمة أخذت من ترجمة حفيد أخيه العالم الفاضل الشيخ أبو الخير أفندي، الذي وضعها في آخر الثبت الذي كتبه ابن عابدين لشيخه السيد شاكر العقاد، المطبوع في دمشق سنة 1302 ه، وفيه ص 255: طبع الرسائل أبو الخير أفندي، الذي لم يألُ جهداً في نشر ما لعمِّه المترجَم من الآثار المفيدة».
(¬2) ينظر: قرة العيون 7: 224.
(¬3) ينظر: قرة العيون 7: 224.
ـ ذهب مرّة مع شيخه السيد محمد شاكر لزيارة بعض علماء الهند وصلحائها، الشيخ محمد عبد النبيّ لمّا ورد دمشق، فلمّا دخلا عليه جلس الشيخ محمد شاكر وبقي ابن عابدين واقفاً في العتبة بين يدي شيخه، حاملاً نعله بيده كما هو عادته مع شيخه، فقال الشيخ محمد عبد النبيّ لشيخ محمد شاكر مُرْ هذا الغلام السيد فليجلس، فإنّي لا أجلس حتى يجلس، فإنَّه ستقبل يده وينتفع بفضله في سائر البلاد، وعليه نور آل بيت النبوة، فقال له الشيخ محمد شاكر: اجلس يا ولدي (¬1).
ـ ووقع له مع شيخه محمد شاكر إشارةٌ نظير هذه من الإمام الصُّوفي الشهير والوليُّ الكبير الشيخ طه الكردي ـ قدّس سره ـ، ومن ذاك الوقت زاد اعتناءُ الشيخ به، والتفاتُه إليه بالتَّعليم (¬2).
المطلب الرابع: ثناء العلماء عليه ووفاته:
أولاً: ثناء العلماء عليه:
قال علاء الدين ابن عابدين (¬3): «علاّمةُ زمانه على الإطلاق، مَن انتهت إليه الرئاسة باستحقاق، الإمام المتقن، والعلامة المتفنن، العلامة الثاني، مَن لا يوجد له ثاني، الحسيب النَّسيب، الفاضل الأديب، الجامع بين شرقي العلم
¬
(¬1) ينظر: قرة العيون 7: 223.
(¬2) ينظر: قرة العيون 7: 223.
(¬3) في قرة عين الأخيار 7: 419.
والنَّسب، والمستمسك بمولاه بأقوى سبب، والجامع بين الشَّريعة والحقيقة، وعلوم المعقول والمنقول، والتصوّف والطريقة، أعلم العلماء العاملين، أفضل الفضلاء الفاضلين، سيدي وعمدتي علامة الأنام، مرجع الخاصّ والعامّ».
وقال البيطار (¬1): «الشيخ الإمام العالم العلامة، والجهبذ الفهامة، قطب الديار الدمشقية، وعمدة البلاد الشامية والمصرية، المفسر المحدث الفقيه النحوي اللغوي البياني العروضي الذكي النبيه، الدمشقي الأصل والمولد، الحسيب النسيب الشريف الذات والمحتد، ابن السيد عمر الشهير بـ (ابن عابدين) الحسيني، إمام الحنفية في عصره، والمرجع عند اختلاف الآراء في مصره، صاحب التآليف العديدة والتصانيف المفيدة ... وفضائله لا تنكر وشمائله لا تحصى ولا تحصر، وعباداته وورعه وإقباله على الله يقضي له بالسعادة والفوز عند مولاه».
وقال الشطي (¬2): «الشيخ الإمام العالم العلامة، المحقق المدقّق، الفقيه النحوي الفرضي الحيسوبي، الأديب الشاعر المتفنّن، حلاّل المشكلات، وكشّاف المعضلات، فقيه البلاد الشامية، وبدر العصابة الحسينية».
وقال أيضاً (¬3): «وجملة القول في صاحب الترجمة: أنَّه علامة فقيه فهامة نبيه، عذب التقرير، متفنن في التحرير، لم ينسج عصره على منواله ... ».
¬
(¬1) في حلية البشر 1: 1230.
(¬2) في أعيان دمشق ص 252.
(¬3) ص 255.
ثانياً: وفاته:
كان ابن عابدين حتى آخر عمره مواظباً على حضور الدروس عند الشيخ سعيد الذي كان شديد النظام في الدرس، قال الشيخ عبد الوهاب: وكان من عادة الشيخ سعيد أنّه إذا حل موعد الدرس أغلق باب غرفته ولم يسمح بدخول أحد، وفي درس الأحد 18 ربيع الثاني تأخر ابن عابدين على أستاذه.
ولم يأمر الشيخ بإغلاق الباب، وعند وصول ابن عابدين بعد ربع ساعة قام إليه شيخه وجعل يَبكي وهو يُعانقه ... وكأنه يُودعه وحينما رجع ابن عابدين إلى بيته سقط محموماً (¬1).
مات رحمه الله تعالى ضحوة يوم الأربعاء الحادي والعشرين من ربيع الثاني سنة (1252 هـ)، وكانت مدّة حياته قريباً من أربع وخمسين سنة.
ودُفِن بمقبرة في باب الصَّغير في التربة الفوقانية، لا زالت سحائب الرَّحمة تبلّ ثراه في البكرة والعشية، وكان قبل موته بعشرين يوماً قد اتخذ لنفسه القبر الذي دفن فيه، وكان فيه بوصية منه لمجاورته لقبر العلامتين:
¬
(¬1) ينظر: فقيه الحنفية www.alukah.net/culture/0/ 105980.
الشيخ العلائيّ شارح «التنوير»، والشيخ صالح الجينينيّ إمام الحديث ومدرِّسه تحت قبه النِّسر، وهذا ممَّا يدل على حبِّه للشارح العلائي، لا سيما وقد حشّى له شرحيه على «الدر» و «الملتقى»، وشرحه على «المنار»، وسمّى ابنه باسمه وأرّخ ولادته على ظهر كتابه «الدرّ المختار» في ليلة الثلاثاء لثلاثة مضين من شهر ربيع الثاني (1244 هـ) رحمه الله تعالى العزيز الغفار، وقد مدحه بقصيدة، وهي قوله:
علاء الدين يا مفتي الأنام ... جزاك الله خيراً على الدوام
لقد أبرزت للفتيا كتاباً ... مبيناً للحلال وللحرام
لقد أعطيت فضلاً لا يضاهى ... وعلماً وافراً كالصبِّ طام
فكنت به فريد العصر حتماً ... كمثل البدر في وفن التمام
وكان بك الزمان خصيب عيش ... وطيباً ذا حبور وابتسام
وفاق بدرك المختار عقد ... لفقه أبي حنفة ذو انتظام
بألفاظ ترين الصعب سهلاً ... ومطروحاً على طرف الثمام
إذا ما قلت قولاً قيل فيه ... على قول إذا قالت حذام
صغير الحجم حاوي الجل ممّا ... تنقح في ربى الكتب العظام
فكل الصيد في جوف الفرا إن ... تقل ذا لست تخشى من ملام
حوى اسماً قد أتى طبق المسمى ... وما تأتي كذا كل الأسامي
وكانت له جنازةٌ حافلةٌ ما عهد نظيرها، حتى أنَّ جنازتَه رُفِعت على رؤوس الأصابع من تزاحم الخلق، وخوفاً من وقوعها وإضرار النّاس بعضُهم بعضاً، حتى صار حاكم البلدة وعساكره يفرِّقون النَّاس عنها، وصار
النَّاس عموماً يَبكون نساءً ورجالاً، كباراً وصغاراً، وصلَّي عليه في جامع سنان باشا، وغصّ بهم المسجد حتى صلّوا في الطريق.
وصلّى عليه إماماً بالناس الشيخ سعيد الحلبي، وصُلَّي عليه غائبة في أكثر البلاد، ولم يترك أولاداً ذكوراً غير هذا الحقير، العاجز الفقير، الملتجئ إلى عناية مولاه القدير، جامع هذه التَّكملة، جعلها الله تعالى خالصة لوجهه الكريم، ورحم الله تعالى روحه، ونور مرقده وضريحه، وجزاه الله تعالى عني وعن المسلمين خيراً، نفعني به وبعباده الصالحين في الدنيا والآخرة (¬1).
• • •
¬
(¬1) ينظر: ينظر: قرة العيون 7: 425.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي عمّنا بالإنعام واللطف، وأَمرنا بالتيسير لا بالتشديد والعنف، والصَّلاة والسَّلام على مُشَرِّعِ الأحكام (¬1)، المُنزَّل عليه: {خُذِ الْعَفْوَ
¬
(¬1) أي المبيّن لتشريع الأحكام؛ إذ لا حق في التشريع إلا لله وحده, كما في قوله - جل جلاله -: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام:57]، فليس لأحد ـ كائناً من كان ـ أن يشرع حكماً، سواء ما يتّصل بحقوق الله أو حقوق العباد؛ لأنّ هذا افتراء على الله، وسلب لما اختص به نفسه: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} [يونس:69]، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ مع علو مكانته ـ ليس له حقّ التشريع وإنما له حقُّ البيان, وعليه واجب التبليغ، قال - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة:67]، وقال: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف:203]، وقال - جل جلاله -: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:44]، وهذا ما أجمع عليه المسلمون قاطبة، بل أجمعت عليه الشرائع السماوية كلها, ولم يشذ عن ذلك إلا الذين رفضوا الانصياع إلى شرائع الله جملة وتفصيلاً، كما في الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 17 - 18، ويؤيده ذلك ما قاله ابن عابدين في رد المحتار 6: 459: وقد توقف النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنه هو المشرِّع في تحريم الخمر أم الخبائث حتى نزل عليه النص القطعي، انتهى: أي المبيِّن لحرمة الخمر قبل بيان القرآن، وذلك بطريق السنة.
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف:199]، وعلى آله وأصحابه الموصوفين باتباعه بأكمل وصف.
أما بعد:
فيقول الفقير محمّد عابدين ـ عفا عنه رب العالمين ـ:
لَمَّا شرحت أُرجوزتي التي سميتها: «عقود رسم المفتي»، ووصلت في شرحها إلى قولي:
والعرفُ في الشرع له اعتبار ... لذا عليه الحكم قد يدار
تَكَلَّمْتُ عليه بما يسّره الكريم الفتّاح، واسترسل القلم في جريه لأجل الإيضاح، فما شعر إلا وفجر الليل قد لاح، وقد بَقِي في الزَّوايا خبايا تحتاج إلى الإفصاح، فرأيت أنّ استيفاءَ المقصود يُخْرِجُ الشَّرح عن المعهود، فاقتصرت فيه على نبذةٍ يسيرةٍ من البيان، وأَردت أن أُفْرِدَ الكلام على البيت برسالةٍ مستقلّةٍ تُظهر المقصود إلى العيان؛ لأني لم أرَ مَن أَعطى هذا المقام حَقَّه، ولا مَن بَذَلَ له من البيانِ مُسْتَحقَّه.
وسميتُ هذه الرِّسالة:
«نشرُ العرف في بناء بعض الأحكام على العرف»
فأقول: ومنه سبحانه أَسأل أن يحفظني من الخطأ والزَّلل، وأن يرزقني حسنَ النِّيّةِ وبلوغَ الأمنية.
مقدمةٌ
في بيان معنى العرف
ودليل العمل به
قال في «الأشباه» (¬1): وذكر الهنديُّ (¬2) في «شرح المغني» (¬3): العادة: عبارة
¬
(¬1) لإبراهيم بن محمد ابن نُجَيْم المِصْريّ، زين العابدين، من مؤلفاته: «البحر الرائق شرح كنز الدقائق»، و «الرسائل الزينية»، و «الأشباه والنظائر»، و «وفتح الغفار شرح المنار»، و «الفتاوي»، و «لب الأصول» اختصر فيه «التحرير»، قال الإمام اللكنوي عن مؤلفاته: كلُّها حسنةٌ جداً، (926 - 970 هـ)، كما في التعليقات السنية ص 221 - 222، والكشف 1: 385، 2: 1515.
(¬2) وهو عمر بن إسحاق الغَزْنَوِيّ الهِنْدِيِّ، سراج الدِّين، نسبة إلى غَزْنة، قال الكفوي: كان إماماً علامة نظاراً فارساً في البحث مفرط الذكاء عديم النَّظير، ومن مؤلفاته: «شرح الزيادات»، و «التوشيح شرح الهداية»، و «الشامل»، و «زبدة الآكام في اختلاف الأئمة الأعلام»، و «شرح البديع»، و «شرح المغني»، (ت 773 هـ)، كما في تاج التراجم ص 223 - 224، والكشف 2: 2034 - 2035، والفوائد ص 241.
(¬3) «المغني في أصول الفقه» لعمر بن محمد بن عمر الخَبَّازِيّ الخُجَنْدِيّ الحَنَفِيّ، أبو محمد، جلال الدين، أصله من بلاد ما وراء النهر من بلدٍ يقال له خُجَنْدَة، من مؤلفاته: «حواشٍ على الهداية»، (ت 691 هـ)، كما في تاج التراجم ص 220، وطبقات ابن الحنائي ص 122، والفوائد ص 245 - 246، وهو مشهور في كتب الفقه بالخبازي أو الخجندي.
عمّا يستقرُّ في النُّفوس من الأُمور المتكرِّرة المعقولة عند الطِّباع السَّليمة.
وهي أنواعٌ ثلاثة:
1.العرفية العامّة: كوضع القدم (¬1).
2.والعرفيه الخاصّة: كاصطلاح كلِّ طائفة مخصوصة كالرفع للنحاة، والفرق والجمع والنّقض للنُّظار.
3.والعرفيه الشرعية: كالصَّلاة، والزَّكاة، والحجّ، تُرِكَتْ معانيها اللُّغوية بمعانيها الشَّرعيّة، انتهى.
وفي «شرح الأشباه» للبيريّ (¬2) عن «المستصفى» (¬3): العادةُ والعرف: ما
¬
(¬1) قوله: كوضع القدم: أي إذا قال: والله لا أضع قدمي في دار فلان فهو في العرف العام بمعنى الدخول فيحنث سواء دخلها ماشياً أو راكباً، ولو وضع قدمه في الدَّار بلا دخول لا يحنث. منه رحمه الله.
(¬2) وهو إبراهيم بن حسين بن أحمد بن محمد بن أحمد بن بيري، قال المحبي: أحد أكابر الفقهاء الحنفية وعلمائهم المشهورين، ومن تبحر في العلم وتحرَّى في نقل الأحكام وحرَّر المسائل، وانفرد في الحرمين بعلم الفتوى، من مؤلفاته: «عمدة ذوي البصائر على الأشباه والنظائر»، و «شرح موطأ محمد»، و «شرح تصحيح القدوري»، (ت 1099 هـ). ينظر: النافع الكبير ص 105 - 106، والخلاصة 2: 219 - 220.
(¬3) «المستصفى شرح النافع» لعبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، أبي البركات، حافظ
الدين، من مؤلفاته: «الكافي شرح الوافي»، و «الوافي»، و «الكنْز»، و «تفسير المدارك»، و «المنار في الأصول»، وشرحه «كشف الأسرار»، قال الإمام اللكنوي: وكلُّ تصانيفه نافعةٌ مُعتبرةٌ عند الفقهاءِ مطروحةٌ لأنظار العلماءِ، (ت 701 هـ)، كما في الجواهر المضية 2: 294، والفوائد ص 102.
استقرَّ في النفوس من جهةِ العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول (¬1)، اهـ.
وفي «شرح التحرير» (¬2): العادة: الأمرُ المتكرِّر من غير علاقة عقلية، اهـ (¬3).
¬
(¬1) فلفظ: ما؛ عام يشمل القول والفعل.
ويخرج بما استقرّ في النفوس؛ ما حصل بطريق الندرة ولم يعتده النّاس فإنّه لا يُعدُّ عرفاً.
ويخرج بمن جهة العقول؛ ما استقر في النفوس من جهة الأهواء والشهوات كتعاطي المنكرات واعتياد كثير من أنواع الفجور.
ويخرج بتلقته الطباع ... ؛ ما أنكرته الطباع أو بعضها فإنه نكر لا عرف، كما في العرف والعادة ص 8 - 9.
(¬2) لمحمد بن محمد بن محمد بن حسن الحَلَبِيّ الحنفي، أبي عبد الله، شمس الدين، المعروف بابن أمير حاج، تلميذُ ابنِ الهُمَام والحافظِ ابنِ حَجَرٍ، قال الإمام اللكنوي: وشرحه «للمُنْيَةِ» يدلُّ على تبحرِه، وسعةِ نظرِه، ورجحانِ فِكْرِه، ولو جُعِلَ من أربابِ التَّرْجيحِ فهو رأيٌ نجيحٌ، وقال العلامةُ حيوةُ السِّنْديّ المَدَنيّ في رسالته «فتح الغفور في وضع الأيدي على الصدور»: أَنَّهُ تلو شيخه ابن الهُمَام في التَّحقيقِ وسعةِ الاطلاعِ، ومن مؤلفاته: «حَلْبَةُ المُجَلِّي وبغية المهتدي في شرح منية المصلي وغنية المبتدي»، و «التقرير والتحبير شرح التحرير» لابن الهُمَام، و «ذخيرة القصر في تفسير سورة والعصر»، (825 - 879 هـ). ينظر: الضوء اللامع 9: 210 - 211، والكشف 358:1، والمستطرفة ص 146 - 147.
(¬3) من التقرير والتحبير: 282.
قلت: بيانُه: أنّ العادةَ (¬1) مأخوذةٌ من المعاودةِ فهي بتكرُّرِها ومعاودتِها مَرَّةً بعد أُخرى صارت معروفةً مُستقِرّةً في النفوسِ والعقولِ، متلقاةً بالقَبول من غيرِ علاقة ولا قرينة، حتى صارت حقيقةً عرفيةً (¬2).
فالعادةُ والعرفُ (¬3) بمعنى واحدٍ من حيث الماصدق، وإن اختلفا من حيث المفهوم.
¬
(¬1) تعريف العادة: هي الأمر الذي يتقرّر بالنفوس ويكون مقبولاً عند ذوي الطباع السليمة بتكراره المرة بعد المرة, على أنّ لفظةَ العادة يفهم منها تكرر الشيء ومعاودته بخلاف الأمر الجاري صدفة مرّة أو مرتين, ولم يعتده الناس, فلا يعد عادة ولا يبنى عليه حكم، والعرف بمعنى العادة أيضاً، كما في درر الحكام مادة 36.
(¬2) صارت حقيقة عرفية باصطلاح المجتمع أو الشرع أو أهل فن خاص، ولا يرجع هذا للمعاودة التي تكون في العادات الحسنة كما في تعريف العادة السابق، فهناك فرق بين العادة في السلوك الفردي الذي تتلقاه الطباع السليمة وبين الاصطلاح العرفي، وهذا الجمع من ابن عابدين بينها في تكلف ظاهر، والله أعلم.
(¬3) يطلق العرف على ما اعتاده الناس من فعل شاع بينهم، أو لفظ تعارفوا إطلاقه على معنى خاص إذا ذكر انصرف الذهن إليه لا إلى غيره.
والعادة: هي ما استمروا عليه عند حكم العقول، وعادوا له مرّة بعد أخرى، كما في الكليات ص 617.
ويطلق الفقهاءُ على العرف أحياناً لفظ: العادة، كما في كشاف مصطلحات الفنون 2: 1179، وسبب جعلهما مترادفين أن معاودة الشيء تجعله معروفاً في نفوس الناس، وهو المختار، وهناك مَن يرى أن العادةَ أعمُّ من العرف، فيقال: كلُّ عرف عادة ولا عكس، وبعضُهم يجعل العرف أعمّ، كما في العرف والعادة ص 17 ـ 18.
والعرف في قوله - جل جلاله -: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، معناه: المعروف من الإحسان، والمعروف اسم لكلّ فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنه، والمنكر ما ينكر بهما، قال - جل جلاله -: {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، كما في المفردات ص 343.
ثُمّ العرفُ عمليٌّ وقوليٌّ:
فالأوّل: كتعارفِ قومٍ أكل البُرّ ولحم الضأن.
والثاني: كتعارفِهم إطلاق لفظ لمعنى بحيث لا يتبادر عند سماعه غيره.
والثاني مخصِّصٌ للعامِّ اتفاقاً كالدراهم تطلقُ ويُراد بها النقد الغالب في البلدة (¬1).
والأوَّلُ مُخصِّصٌ أيضاً عند الحنفية دون الشَّافعيّة، فإذا قال: اشتر لي طعاماً أو لحماً انصرف إلى البُرِّ ولحمِ الضأنِ عملاً بالعرف العملي، كما أَفاده في «التحرير» (¬2).
¬
(¬1) ويمكن أن نعتبر هذا مثال للعرف العملي أيضاً، حاله كاللحم بالنسبة للضأن والطعام بالنسبة للبر، والأولى أن نعتبر مثال العرف القولي: إطلاق لفظ الحرام على الطلاق في بعض البلاد، فهو يرجع للفظ لا للعمل، والله أعلم.
(¬2) من التحرير مع شرح التقرير 1: 282.
واعلم أنّ بعضَ العلماء استدلّ على اعتبار العرف بقوله - عز وجل -: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} (¬1).
وقال في «الأشباه»: القاعدة السَّادسة: العادةُ مُحَكَّمةٌ، وأصلُها قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن» (¬2)، قال العلائي (¬3): لم أجده مرفوعاً
¬
(¬1) قال الكوثري في نظر المرء إلى شرع الله معيار دينه ص 333: وليس العرف في قوله - جل جلاله -: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} بمعنى العادة الجارية هنا وهناك، بل هو الحكم المعروف الذي لا ينكره الشرع ولا يستقبحه، بل يراعيه ويستحسنه العقل، يوصي الله سبحانه في الآية المذكورة بالتَّسامح مع النَّاس في المعاملةِ الشَّخصيّةِ معهم، والمجاهرة بحكم الله تعالى في غير هوادة، وترك الالتفات إلى من يحاول إيصال الأذى في هذا السبيل.
فمَن فَسَّرَ العرف هنا بالعادة: فقد فسَّرَ بالرأي بدون مدرك لا في الرواية ولا في الدراية، وإنما عُرِّف العرفُ بمعنى العادة بعد زمن الوحي، كما لا يجهل ذلك أَهل العلم بأطوار اللغة، فلا يتصور حل الربا ولا المتعة ولا حرمة تعدد الزوجات، ولا إباحة الخمر ـ إذا سميت شاياً بارداً ـ ولا استساغة السفور والتبرج ....
(¬2) في مسند أحمد 1: 379، ومستدرك الحاكم 3: 83، والمعجم الكبير 9: 112، ومسند أبي داود الطَّيَالِسي ص 33، موقوفاً على ابن مسعود - رضي الله عنه -.
(¬3) وهو خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي الدمشقي الشافعي، صلاح الدين، أبو سعيد، من مؤلفاته: «الأشباه والنظائر»، و «تفصيل الإجمال في تعارض التيسير في عنوان التفسير»، و «المجموع المذهب في قواعد المذهب»، (694 - 761 هـ). ينظر: الدرر الكامنة 2: 90 - 92. معجم المؤلفين 1: 688 - 689.
في شيء من كتب الحديث أصلاً، ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال، وإنما هو من قبل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - موقوفاً عليه، أخرجه أحمد في «مسنده».
واعلم أن اعتبارَ العادة والعرف رُجِع إليه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلاً، فقالوا في الأصول في باب ما تترك به الحقيقة: تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة، هكذا ذكر فخرُ الإسلام، انتهى كلام «الأشباه» (¬1).
وفي «شرح الأشباه» للبيري قال: في المُشَرَّعِ الثابت بالعرف ثابتٌ بدليل شرعي (¬2)، وفي «المبسوط»: «الثَّابتُ بالعرفِ كالثَّابت بالنصّ»، انتهى (¬3).
¬
(¬1) الأشباه والنظائر: 265.
(¬2) معناها أن الشريعة اعتبرت في غير العبادات مراعاة الواقع؛ لأنها بنت الأحكام على علل، فلا بد من مراعاة وجود هذه العلل قبل إعطاء الحكم الشرعي، وهذه العلة مرتبطة بالواقع من حيث وجودها وعدمها، فإن وجدت وجد الحكم، وإن عدمت عدم الحكم، فكان معنى قوله الثابت بالعرف هو اعتبار الشارع لمراعاة الواقع، فيكون هذا الواقع مرشداً لوجود علة الحكم وعدمها، فيكون الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي من حيث اعتبار الشارع للواقع، ومن حيث أن العرف يدل على وجود العلة، لا من حيث أنه العرف مشرع ابتداءً؛ لأن العرف مظهر ومرشد لا غير.
(¬3) من المبسوط\الأيمان 19: 41، وهي مذكورة في باب الكسوة، فدلّ أن المقصود به نصّ الحالف لا نص الشارع، وقد وردت هذه القاعدة في مواضع عديدة من المبسوط، وهي محمولة على أن في العرف دلالة في بيان ما لم يصرح به المتكلّم، فيكون المقصود بالنص: هو الكلام، فالعرف يقوم مقام تصريح المتكلِّم، وهذا ما صَرَّحوا به في قاعدة المعروف بالعرف كالمشروطِ باللفظ، كما في درر الحكام عند شرح القاعدة (43) 1: 51، وذكر في المبسوط 13: 15: وإن كان شرطاً لا يقتضيه العقد، وفيه عرف ظاهر فذلك جائز، كما لو اشترى نعلاً وشراكاً, بشرط أن يحذوه البائع؛ لأنّ الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي; ولأن في النزوع عن العادة الظاهرة حرجّاً بيِّناً، انتهى.
ومعناه هاهنا: أن العرف يُبَيِّن صلاحية المحلّ في تحقق العلّة الواردة في النصّ الشرعي، فلم يعد القياس ممكناً في المحلّ؛ لأنّ العرفَ قاضٍ عليه بمعنى لم يعد المحلُّ موضعاً للقياس؛ إذ النَّهي عن بيعٍ وشرطٍ لتحقُّق النِّزاع فيه، فهي علّتُه، وإن تعارف الناس البيع مع شرط بدون تحقُّق النزاع بينهما، صار هذا العرف رافعاً للعلّة في هذا الموضع وقاضياً على القياس.
ويؤيد هذا ما قرَّره البابرتي في العناية 6: 442 في هذا الموضع حيث قال: يقال: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن «بيع وشرط»، وهو بإطلاقه يقتضي عدم جوازه؛ لأنه في الحقيقة ليس بشرط حيث أفاد ما أفاده العقد المطلق ... وهو ما كان متعارفاً كبيع النعل مع شرط التشريك كذلك؛ لأنّ الثَّابتَ بالعرف قاضٍ على القياس، لا يُقال: فسادُ البيع شرطٌ ثابتٌ بالحديثِ والعرفُ ليس بقاضٍ عليه؛ لأنّه معلولٌ بوقوعِ النِّزاع المخرج للعقد عن المقصودِ به، وهو قطعُ المنازعة، والعُرف ينفي النِّزاع، فكان موافقاً لمعنى الحديث, فلم يبق من الموانع إلا القياس على ما لا عُرف فيه بجامع كونه شرطاً, والعرفُ قاض عليه، انتهى.
ولعلَّ ممَّا يؤكد هذا أنّ ما ورد من النهي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن «بيع وشرط» محمولٌ على النِّزاع هو الاختلاف الحاصل فيما نُقل عنه - صلى الله عليه وسلم -: فقد روى الطَّبَرَانِي في «معجمه الأوْسَطِ»: عن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكّة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شُبْرُمَة، فسألت أبا حنيفة عن رجلٍ باع بيعاً وشرط شرطاً. فقال: البيع باطلٌ والشرط باطلٌ. ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال: البيع جائزٌ، والشرط باطلٌ. ثم أتيت ابن شُبْرُمَة فسألته فقال: البيع جائزٌ والشرط جائزٌ. فقلت: سبحان الله ثلاثةٌ من فقهاء العراق اختلفوا في مسألةٍ واحدةٍ. فأتيت أبا حنيفة فأخبرته. فقال: ما أدري ما قالا: حدّثني عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيعِ وشرطٍ»، البيع باطلٌ والشرط باطلٌ. ثمّ أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته. فقال: ما أدري ما قالا: حدّثني هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: «أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن اشتري بَرِيرَة فأُعْتقها»، البيع جائزٌ والشرطُ باطلٌ. ثم أتيت ابن شُبْرُمَة فأخبرته. فقال: لا أدري ما قالا: حدّثني مِسْعَر بن كِدَام، عن مُحَارب بن دِثَارٍ، عن جابر - رضي الله عنه - قال: «بعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناقةً وشرط لي حملانها إلى المدينة» ـ البيع جائزٌ والشرطُ جائزٌ، كما في فتح باب العناية، وأفاض الشيخ عوامة في هامش أثر الحديث ص 157 ـ 162 في صلاحية هذه القصّة للاحتجاج.
فصل
قال في «القُنية» (¬1): ليس للمفتي ولا للقاضي أن يَحْكُما على ظاهرِ المذهبِ
ويتركا العرف (¬2)، ونقل المسألة عنه في «خزانة الرِّوايات» (¬3)، كما ذكره البيريُّ في «شرح الأشباه».
¬
(¬1) لمختار بن محمود الزَّاهِدِيّ الغَزمِيْني الحَنَفِيّ، أبي رجاء، نجم الدِّين، من مؤلفاته «المجتبى شرح القُدُوريّ»، و «القُنْيَة»، قال اللكنوي: طالعتهما فوجدتهما على المسائل الغريبةِ حاويينِ، ولتفصيل الفوائد كافيين، إلاَّ أَنَّهُ صَرَّح ابنُ وهبان وغيره: أنَّه معتزليُّ الاعتقاد، حنفيُّ الفروع، وتصانيفُه غيرُ مُعتبرة ما لم يُوجد مُطابقتُها لغيرها؛ لكونها جامعةً للرطب واليابس، (ت 658 هـ)، ينظر: الجواهر المضية 3: 460، والفوائد ص 349، والكشف 2: 1357.
(¬2) وهذا فيما يتعلق بغير أبواب العبادات؛ لأن تأثير العرف فيها يكاد أن يكون معدوماً، بخلاف سائر الأبواب الأخرى فإن جزءاً من تطبيق علة المسألة مبنيّ على فهم الواقع وحقيقته، فما لم يتسن لنا معرفته ومراعاته، لن يكون التطبيق للفتوى والقضاء صحيحاً؛ لأن ظاهر الرّواية بني على العُرف في زمن المجتهد المطلق أبي حنيفة وأصحابه، فكان ملاحظاً للواقع، وتطبيق المسالة في زماننا يحتاج إلى ذلك، حتى نكون عاملين بالمذهب وبقول أبي حنيفة حقيقة، فنتصوّر لو كان المجتهدُ المطلقُ في زماننا بماذا كان سيفتي ويقضي، فنفتي ونقضي بذلك.
(¬3) لجكن الكجراتي الهِنْدِيّ الحَنَفي، القاضي، السَّاكن بقصبة كن من الكجرات، من مؤلفاته: «خزانة الرِّوَايَات»، ذكر فيه أنَّه أفنى عمره في جمع المسائل وغريب الرِّوايات، توفي في حدود (920 هـ). قال اللَّكْنَويّ: إنَّه من الكتب غير المعتبرة المملوءة من الرَّطب واليابس، مع ما فيها من الأحاديث المخترعة، والأَخبار المختلفة، ونسب هذا الكلام إلى ابنِ عابدين في «تنقيح الفتاوى الحامدية»، كما في الكشف 702:1، والنافع الكبير ص 29 - 30، ونزهة الخواطر 4: 82.
وهي بحسبِ الظَّاهرِ مُشْكِلَةٌ فقد صَرَّحوا بأن الرِّواية إذا كانت في كتب
ظاهر الرِّواية لا يُعْدَلُ عنها إلاّ إذا صَحَّح المشايخ غيرَها، كما أَوْضَحْتُ ذلك في «شرح الأرجوزة»، فكيف يُعمل بالعُرف المخالفِ لظاهر الرِّواية.
وأيضاً: فإنّ ظاهرَ الرِّواية قد يكون مبنياً على صريحِ النَّصِّ من الكتاب أو السُّنّة أو الإجماع (¬1)، ولا اعتبار للعرف المخالف للنَّصّ (¬2)؛ لأنّ العرف قد
¬
(¬1) الاجتهاد يمر في مرحلتين:
الأولى: الاستنباط، وهي تطبيق قواعد الأصول للمجتهد المطلق على نصوص القرآن والسنة؛ لاستخراج القواعد الفقهية الجزئية، وهي تمثل أصول البناء للمسائل الفقهية، فهي خلاصة وزبدة ما في القرآن والسنة في موضوع ما، بحيث تكون وفقت بين الأدلة المتعددة الواردة، وأظهرت الأصل الذي بنيت عليه أحكامها، فلا يبنى حكم على آية منفردة أو حديث منفردة إلا بالنظر في جميع الأدلة الواردة في الباب حتى لا يكون ترك لأدلة الشرع.
والثانية: التخريج، وهي استخراج الفروع من القاعدة التي بنيت في مرحلة الاستبناط، فكل ما يأتي من مسائل متوافقة مع ذلك الأصل بتوفر العلة فيها، فإنها تأخذ نفس الحكم لها.
وهذه القواعد التي تستمد منها الفروع هي عبارة عن علل وأحكام، بحيث إن توفرت العلة في القاعدة هذه الفرع المستجد أخذ حكم هذه القاعدة، والعلّة يراعى في وجودها الواقع فلا يُمكن النظر إليها بدون الالتفات للعرف؛ لأنه هو المخبر عن وجود العلة في الفرع الجديد، فالأحكام عندنا معلّلة لا تعبدية، فلا بد من مراعاة الواقع في عامة الأحكام.
(¬2) هذا المعنى منقول في الهداية 7: 14 ـ 15: «وكل شيء نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على تحريم
التفاضل فيه كيلاً فهو مكيلٌ أبداً، وإن ترك الناس الكيلَ فيه مثل الحنطة والشعير والتمر والملح، وكلُّ ما نصّ على تحريم التَّفاضل فيه وزناً، فهو موزون أبداً، وإن ترك الناس الوزن فيه مثل الذهب والفضة؛ لأنّ النصَّ أقوى من العرف، والأقوى لا يترك بالأدنى، وما لم ينص عليه فهو محمول على عادات الناس؛ لأنها دلالة، وعن أبي يوسف: أنه يعتبر العرف على خلاف المنصوص عليه أيضاً؛ لأنّ النصّ على ذلك لمكان العادة، فكانت هي المنظور إليها، وقد تبدلت، فعلى هذا لو باع الحنطة بجنسها متساويا وزناً، أو الذهب بجنسه متماثلاً كيلاً لا يجوز عندهما» أي أبي حنيفة ومحمد.
وتوصيح ذلك أن أن النصوص في نظر المجتهد على نوعين: معللة وغير معللة: أي مقصودة بذاتها، وتحديد راجع لنظر المجتهد، ففي نص الأصناف الستة الربوية اختلفت الأنظار عند أصحابنا، فأبو حنيفة ومحمد جعلا النصّ في هذه الأصناف الستة مقصود بذاته وغير معلل وفي غيرها من الأصناف معلل، وأما أبو يوسف فجعل النصّ معللاً في الأصناف الستة وغيرها.
فيكون معنى قول صاحب «الهداية»: «لأنّ النصَّ أقوى من العرف»، خاص بهذه المسألة وأمثالها من المسائل التي بنيت على نصّ غير معلل، وبالتالي لا يلتفت فيها إلى العرف، والنصّ هو الحاكم فيها، وهو أقوى من العرف؛ لأنها لم تبن على العرف حتى يلتفت فيها، وهذا كله راجع لنظر المجتهد، بخلاف غيره من المجتهدين الذي نظروا في نفس المسألة ورأوا أنها معللة فإنهم يراعون العرف فيها، ويجعلونه مفسّراً وموضحاً للعلة الموجودة في النصّ، كما ذكر صاحب «الهداية» في تعليل قول أبي يوسف: «أنه يعتبر العرف على خلاف المنصوص عليه أيضاً؛ لأنّ النصّ على ذلك لمكان العادة، فكانت هي المنظور إليها، وقد تبدلت»، فجعل نظر أبي يوسف إلى النص معللّ، وقد تبدلت العلة كما أخبرنا العرف.
يكون على باطل بخلافِ النصّ (¬1) .........................................
¬
(¬1) علق ابن الهمام في فتح القدير 7: 15 على كلام صاحب «الهداية»: «لأن النص أقوى من العرف»، فقال: «لأن العرف جاز أن يكون على باطل كتعارف أهل زماننا في إخراج الشموع والسرج إلى المقابر ليالي العيد، والنصُّ بعد ثبوته لا يحتمل أن يكون على باطل، ولأنّ حجية العرف على الذين تعارفوه والتزموه فقط، والنصُّ حجّة على الكلّ فهو أقوى، ولأنّ العرف إنّما صار حجّة بالنصّ، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن»، وفي «المجتبى»: ثبت بهذا أن ما يعتاده أهل خوارزم من بيع الحنطة الربيعية بالخريفية موزوناً متساوياً لا يجوز».
فكلام ابن الهمام فيما يتعلق ببطلان العرف المخالف للنصّ، فالمقصود به العرف المخالف للشَّريعة، فلا شكّ أنه ليس للعرف حقّ التَّشريع، حتى تُقبل تصرّفات النّاس التي تعارفوها، وهي مخالفة للشريعة، فليس كلُّ عرف يُقبل، بخلاف النَّصّ الثّابت في القرآن والسُّنة، فإنّه يُقبل دائماً بلا ريب.
ومعنى قوله: «ولأنّ حجية العرف على الذين تعارفوه والتزموه فقط، والنصُّ حجّة على الكلّ فهو أقوى»، فهو يُقدم استدلالاً آخراً على النص أقوى من العرف؛ لأنّ العرف خاصّ بمَن تعارفه فقط، والنصّ عام في الكلّ.
وهذا لأننا نعمل بالقياس الذي استفدناه من النصّ مطلقاً، إلا إذا تعارف الناس شيئاً آخر مخالفاً للقياس، فإننا نترك القياس في حقِّهم، ونعمل بالعرف الذي فسَّر لنا العلّة الموجودة في القياس، بحيث صارت تحمل على معنى آخر.
كما في منع القياس من البيعتين في البيعة الواحدة: أي عدم جواز تعدد العقود معاً؛ لورود النصّ في ذلك، فكان هو القياس في الباب، ولكن إن تعارف الناس بيعتين معاً بلا نزاع بينهم في ذلك، تكون انعدمت العلّة التي من أجلها منع الحكم، فيجوز في حقّ مَن تعارفوه خاصّة البيعتين في بيعة، كما لو اشترى جلداً على يصنع منه حذاءً، فيكون على البائع بيع الجلد ثمّ صنع الحذاء منه، فجاز ذلك إن حصل به عرف؛ لانعدام علّة المنع، وهي النّزاع.
فما نقله ابنُ الهمام من عدم صحّة العرف عند أهل خوازرم ببيع الحنطة وزناً يكون على قول أبي حنيفة ومحمّد، وأما على قول أبي يوسف فيكون جائزاً، وهو الأولى بالإفتاء؛ لما فيه من رفع الحرج عن الناس.
كما قاله ابنُ الهُمام (¬1).
وقد قال في «الأشباه»: العرفُ غيرُ معتبرٍ في المنصوصِ عليه، قال في «الظَّهيرية» (¬2) من الصّلاة: وكان محمّدُ بن الفضل (¬3) يقول: السُّرّةُ إلى موضع
¬
(¬1) وهو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السَّكَنْدَرِيّ السِّيوَاسِيّ الأصل القَاهِريّ الحَنَفِي، نسبة إلى سيواس الشهير بابن الهمام السكندري السيواسي، كمال الدين، من مؤلفاته: «فتح القدير على الهداية»، و «تحرير الأصول»، و «المسايرة في العقائد»، و «زاد الفقير»، قال اللكنوي: كلها مشتملة على فوائد قلما توجد في غيرهاّ، وقد سلك في أثر تَصانيفه، لا سيما «فتح القدير» مسلك الإنصاف متجنباً عن التعصب المذهبي والاعتساف، إلا ما شاء الله، (790 - 861 هـ)، كما في الضوء اللامع 6: 127، والفوائد ص 296 - 298، والكشف 1: 358.
(¬2) لمحمد بن أحمد بن عمر المحتسب البُخَاريّ الحَنَفي، ظهير الدين، ومن مؤلَّفاته: «الفتاوي الظهيرية»، و «الفوائد الظهيرية»، قال اللكنوي: طالعت «الفتاوي الظهيرية» فوجدته كتاباً متضمناً للفوائد الكثيرة، (ت 619). كما في الفوائد ص 257، والكشف 2: 1226.
(¬3) وهو محمد بن الفضل الكَمَاريّ البُخَاريّ، أبو بكر الفَضْلِيّ، قال الكفوي: كان إماماً
كبيراً وشيخاً جليلاً، معتمداً في الرواية مقلداً في الدراية رحل إليه أئمة البلاد، ومشاهير كتب الفتاوى مشحونة بفتاواه ورواياته. وأفاد ابن أمير حاج أنه حيث أطلقَ: الفَضْلي؛ في كتبنا فالمرادُ هو، (ت 371 هـ). كما في الجواهر 3: 300 - 302، وطبقات ابن الحنائي ص 62، والفوائد ص 303 - 304، ومقدمة العمدة 1: 16.
نبات الشَّعر مع (¬1) أنَّ العانةَ ليست بعورة؛ لتعامل العمّال في الإبداء عن ذلك الموضع عند الاتزار، وفي النَّزع عن العادةِ الظَّاهرةِ نوعُ حرجٍ، وهذا ضعيفٌ وبعيدٌ؛ لأنّ التعاملَ بخلاف النصِّ لا يُعتبر (¬2)، انتهى بلفظه، اهـ (¬3).
¬
(¬1) في المطبوعة: من.
(¬2) أي أن نصّ الفقهاء وتصريحهم بكونها عورة يمنع اعتبار العرف في كونها ليست بعورة، فما كان منصوصاً أقوى من العرف في الاعتبار؛ لأنه مستند لأحاديث عديدة وردت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، في بيان العورة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما بين السرة إلى الركبة عورة» في المستدرك 3: 657، والمعجم الصغير 2: 205، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 2: 53: فيه أصرم ابن حوشب وهو ضعيف. وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «عورة المؤمن ما بين سرته وركبته»، قال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير 1: 153، وابن حجر في الخلاصة 1: 153: رواه الحارث ابن أبي أسامة بإسناد ضعيف.
(¬3) انتهى من الأشباه 1: 297.
وفي «الأشباه» أيضاً: (الفائدة الثالثة): المشقّة والحرج إنّما يُعتبران في موضعٍ لا نصّ فيه، وأَمّا مع النّصِّ بخلافه فلا؛ ولذا قال أبو حنيفة ومحمّد - رضي الله عنهم - بحرمة رعي حشيش الحرم وقطعه إلاّ الإذخر، وجَوَّز أبو يوسف - رضي الله عنه - رعيَه للحرجِ، ورُدّ عليه بما ذكرناه: أي من أنّ الحرجَ إنّما يعتبر في موضع لا نصّ
فيه (¬1)، ذكره الزَّيْلعيُّ (¬2) في (جنايات الإحرام).
وقال في (باب الأنجاس): إن الإمام - رضي الله عنه - يقول بتغليظ نجاسة الأرواث؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّها ركس» (¬3): أي نجس، ولا اعتبار عنده بالبلوى في موضع النصّ، كما في بول الآدمي، فإن البلوى فيه أعمّ، اهـ (¬4).
¬
(¬1) ومسألة رعي حشيش الحرم وقطعه ورد فيه النص من الشارع الحكيم بالمنع، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ولا يُخْتَلَى خلاها، فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذْخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: إلا الإذْخر» في صحيح مسلم 2: 982، وصحيح البخاري 2: 575، وغيرها، يعني ولا يقطع ولا يقلع، والخلا: هو النبات الرطب الرقيق، بخلاف ما يزرع الناس فليس بحرام. ينظر: الحج والعمرة ص 50، وغيرها.
(¬2) في تبيين الحقائق 2: 70.
(¬3) فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - لحاجته فقال: التمس لي ثلاثة أحجار، قال: فأتيته بحجرين وروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: إنها ركس» في سنن الترمذي 1: 25، وسنن النسائي 4: 219، والمجتبى 1: 39
(¬4) من تبيين الحقائق 1: 74.
فنقول: في جوابِ هذا الإشكال: اعلم أنّ العرف نوعان: خاصٌّ وعامٌ، وكلٌّ منهما إمّا أن يوافقَ الدَّليل الشَّرعي والمنصوص عليه في كتب ظاهر الرّواية أو لا، فإن وافقها فلا كلام، وإلا فإمّا أن يُخالف الدليل الشرعي أو المنصوص عليه في المذهب (¬1)، فنذكر ذلك في بابين:
البابُ الأول
إذا خالف العرف
الدَّليل الشَّرعي
¬
(¬1) تفريق ابن عابدين بين الدليل الشرعي ونصّ المذهب محلُّ نظر؛ لأنّ نصّ المذهب
هو عبارةٌ عن تفسير وتوضيح لدليل الشَّرع، وكلُّ عمل فقهاء المذهب هو البيان والتوضيح لمقصود الشارع؛ لأنّ المذاهب الفقهية هي علوم لها قواعد راسخة وُجدت لتفسير كلام الشرع في الجانب العملي، فالفصل بينهما غير معتبر؛ لأنه يعتمد الدليل الشرعي بفهم المذهب له وتوضيحه لمراده، فكان الدليلُ من الشرع والنصُّ من المذهب شيئاً واحداً في إظهار مقصود الشارع الحكيم، فلا يجوز لنا أن نفصل بينهما، حتى لا نقع في فهم مغلوط للدليل الشّرعي، ولكي نستبعد أي توهم بأن نصّ الفقهاء يكون منفصلاً عن الدليل الشرعي؛ لأنه بيانه لمقصود الشارع لا غير.
فإن خالفَه من كلِّ وجهٍ بأن لزم منه ترك النَّصّ فلا شَكّ في ردِّه: كتعارفِ النّاس كثيراً من المحرمات من الرِّبا وشرب الخمر ولبس الحرير والذَّهب وغير ذلك ممَّا وَرَدَ تحريمُه نَصّاً.
وإن لم يخالفه من كلِّ وجهٍ:
1.بأن وَرَدَ الدليلُ عامّاً، والعرفُ خالفه في بعضِ أفرادِه.
2.أو كان الدليلُ قياساً، فإن العرفَ معتبرٌ إن كان عامّاً، فإن العرفَ العام يصلح مخصصاً، كما مَرّ عن «التَّحرير»، ويُتْرَكُ به القياس كما صرّحوا به في مسألة: الاستصناع، ودخول الحمام، والشُّرب من السّقا.
وإن كان العرفُ خاصّاً، فإنّه لا يعتبر، وهو المذهبُ، كما ذكره في «الأشباه» حيث قال: فالحاصلُ أنّ المذهبَ عدمُ اعتبار العرف الخاصّ، ولكن أَفْتَى كثيرٌ من المشايخ باعتباره (¬1)، اهـ (¬2).
¬
(¬1) الأولى ما أَفتى به كثيرٌ من المشايخ من اعتبار العرف الخاص، وهذا يدلُّ على اعتباره عندهم كالعرف العام؛ لأن التفريق بينهما محلُّ نظر عموماً، فمن أين اكتسب العرف العام قوّة لم يكتسبها العرف الخاصّ، ومعلوم أنّ العرف غير معتبر في التَّشريع ابتداءً، وإنّما يُستفاد منه في تفسير التَّشريع، ومعرفة المحلّ لعلّة الشَّارع الحكيم، وهذا لا يفترق به العرف العام عن العرف الخاصّ، فكلُّ واحدٍ منها صالحٌ للقيام بهذه الوظيفة، إلا أنّ العرف العام سيكون تأثيره في بيئةٍ أكثر لشموله إياها، والعرفُ الخاصُّ يتعلَّقُ ببيئة أقلّ لاقتصاره عليها، ولا يعتبر في غيرها، إلا أن يقال: المقصود بالعرف الخاص أفراداً محصورين، فتعارفهم أمثالهم لا يلتفت إليه، ولا يُعدّ عرفاً صالحاً لتفسير محل علل الأحكام.
(¬2) من الأشباه1: 89.
وقال في «الذَّخيرةِ البُرهانية» (¬1) في (الفصل الثامن من الإجارات): فيما لو دَفَعَ إلى حائك غزلاً على أن ينسجَه بالثُّلُث، قال: ومشايخ بلخ كنصير بن يحيى (¬2) ومحمد بن سلمة (¬3) وغيرِهما - رضي الله عنهم - كانوا يجيزون هذه الإجارة في الثَّياب؛ لتعامل أَهل بلدِهم، والتَّعاملُ حُجَّةٌ يُتْرَكُ به القياس (¬4)، ويُخَصُّ به الأَثر (¬5).
¬
(¬1) وهو محمد بن أحمد بن عبد العزيز، ابن مازه البُخاري، بُرهان الدين، قال الكفوي: كان إماماً فارساً في البحث عديم النظير، له مشاركة في العلوم وتعليق في الخلاف، من مؤلفاته: «المحيط البرهاني»، و «ذخيرة الفتاوي» المشهورة بـ «الذخيرة البرهانية»، قال الإمام اللكنوي: قد طالعت «الذخيرة»، وهو مجموع نفيس مُعتبرٌ، (ت616). كما في الجواهر3: 233 - 234، والفوائد ص291 - 292، والكشف2: 1619.
(¬2) وهو نصير بن يحيى البَلْخيّ، أخذ الفقه عن أبي سليمان الجوزجاني عن محمد، (ت268هـ). كما في الجواهر المضية3: 546، 326، والفوائد ص363.
(¬3) وهو محمد بن سلمة البَلْخِيّ، أبو عبد الله، تفقه على أبي سليمان الجُوزَجاني، وشدَّاد بن حكيم، (192 - 278هـ). كما في الجواهر3: 162 - 163، والفوائد ص279.
(¬4) أي القواعد التي يضعها الفقهاء للأبواب؛ لتفريع الأحكام عليها، فكانت هذه القواعد سبيلاً لتطبيق الإسلام وعيشه، فإن تسببت هذه القواعد في عكس ما وُضعت له، بحيث عَسُر علينا تطبيق الأحكام، فإننا نستحسن ونتركها ونعمل بالعرف المتوافق مع قدرة الناس على تطبيق الإسلام.
(¬5) المقصود به أنّ الأثرَ له علّة بُني عليها، والعرف يكون لتفسير محل العلة، فتبين بهذا العرف الحادث عدم توفر علة الأثر، فلن نطبق عليه حكم الأثر، فكان هذا العرف مخصصاً للأثر.
وتجويزُ هذه الإجارة في الثِّياب للتَّعامل، بمعنى تخصيص النَّصّ الذي وَرَدَ في قفيز الطَّحان (¬1)؛ لأنّ النَّصّ وَرَدَ في قفيزِ الطَّحان لا في الحائك، إلا أنّ الحائكَ نظيرُه، فيكون وارداً فيه دلالة، فمتى تركنا العملَ بدلالةِ هذا النَّصّ في
¬
(¬1) من حديث ابن عمر وابن عباس وأبي سعيد الخدري - رضي الله عنهم - في سنن البيهقي5: 339، وسنن الدراقطني 3: 47، وقال ابن حجر في الدراية 2: 190: في إسناده ضعف، وقال
البيهقي: له طرق يقوي بعضها بعضاً.
ولما كان حديث قفيز الطحان موافقاً للقياس في فساد الإجارة إن كانت الأجرة مجهولة، كان الاحتجاج به؛ لأنه تقوى بهذا القياس، لا سيما أن حديث النهي عن المزارعة للأرض ببعض الخارج يشهد له في معناه في كون هذه الأجرة مجهولة، فعن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المخابرة. قلت: وما المخابرة؟ قال: أن تأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع» في سنن أبي داود2: 283، ومسند أحمد5: 187، وقال الأرنؤوط: صحيح. فكان ذكرنا لحديث قفيز الطحان في هذا الباب كناية عن أدلة عديدة يُحتج بها في عدم جواز أن تكون الأجرة مجهولة.
الحائكِ وعملنا بالنصِّ في قفيزِ الطَّحان كان تخصيصاً لا تركاً أصلاً، وتخصيصُ النَّص بالتَّعامل جائز (¬1).
ألا ترى أنّا جَوَّزنا الاستصناع للتَّعامل، والاستصناعُ بيعُ ما ليس عنده
وأنّه منهيٌّ عنه (¬2)، وتجويزُ الاستصناع بالتَّعامل (¬3) تخصيصٌ منّا للنَّصِّ الذي وَرَدَ في النَّهي عن بيعِ ما ليس عند الإنسان لا تركٌ للنَّصِّ أَصْلاً؛ لأنا عَمِلنا بالنَّصِّ في غيرِ الاستصناع.
¬
(¬1) معناه أنّ النّهي كان وارداً صريحاً في قفيز الطَّحان؛ لوجود العلّة بالجهالة في أجرة الطَّحان، فكان العقد فاسداً، ولم يشمل النّص حياكة الثِّياب وإن كانت نظيرة لقفيز الطَّحان؛ لأنّ العلَّة لم تنتظمها، فلم تكن الجهالة موجودةً في أجرة حياكة الثِّياب؛ لأنّها كانت منتشرةً، وجرى فيها التعامل، فزالت الجهالة منها، فجازت الإجارة فيها بلا فساد، ولم يكن هذا تركاً للنصّ، وإنّما تخصيصاً له؛ لعدم وجود العلّة، ولو شاع قفيز الطحان وجرى عليه التعامل لجازت الإجارة فيه على جزء منه؛ للتعامل؛ لانتفاء العلّة المانعة من الجواز، وهي الجهالة.
(¬2) فعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: «قلت: يا رسول الله يأتيني الرجل يسألني البيع ليس عندي أبيعه منه ثم أتكلفه له من السوق، قال: لا تبع ما ليس عندك» في سنن أبي داود 3: 283، والمجتبى 7: 289، وسنن البيهقي الكبير 5: 317، وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهم -: «قال - صلى الله عليه وسلم -: لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك» في سنن الترمذي3: 535، وقال: حسن صحيح، وصحيح ابن حبان10: 161، والمستدرك2: 21، وسنن أبي داود 3: 283، وسنن النسائي الكبرى 4: 39.
(¬3) هذا التعامل كان من عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -، حيث منع من بيع ما ليس عند الإنسان، وجوز الاستصناع، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اصطنع خاتماً من ذهب فكان يجعل فصّه في باطن كفّه إذا لبسه، فصنع الناس، ثم إنه جلس على المنبر فنزعه، فقال: إني كنت ألبس هذا الخاتم، وأجعل فصّه من داخل فرمى به، ثم قال: والله لا ألبسه أبداً فنبذ الناس خواتيمهم» في صحيح البخاري 5: 2205، وصحيح مسلم 3: 1655، وصحيح ابن حبان 13: 302، وغيرها.
قالوا: وهذا بخلاف ما لو تعامل أهلُ بلدةٍ قفيزَ الطحان فإنّه لا يجوز، ولا تكون معاملتُهم معتبرة (¬1)؛ لأنّا لو اعتبرنا معاملتهم كان تركاً للنَّصِّ
أَصلاً (¬2)، وبالتَّعامل لا يجوز تركُ النَّصِّ أَصلاً، وإنّما يجوز تخصيصُه.
ولكن مشايخنا لم يُجوِّزوا هذا التَّخصيص (¬3)؛ لأنّ ذلك تعامل أَهل بلدةٍ واحدة، وتعامل أَهل بلدةٍ واحدةٍ لا يَخُصُّ الأثر؛ لأنّ تعاملَ أهل بلدة إن
¬
(¬1) بل ينبغي أن تكون معاملتهم معتبرة إن تعارفها الناس وجرى التعامل عليها؛ لأن
علّة النهي لم تعد موجودة، وهي الجهالة، فحديث الطحان معلل بجهالة الثمن، فمتى زالت العلة جاز العمل به، ولو في قفيز الطحان.
(¬2) هذا لا يُعَدُّ تركاً للنصّ إن حصل به التَّعامل، وإنّما هو تخصيصٌ له؛ لأنّ العلّة لم تبق موجودةً، وإلا ما الفرق بينه وبين حياكة الثِّياب، بحيث جوَّزنا هناك، ولم نجوِّز هنا، وكأننا أوقفنا عقولنا، وأصبحنا نتعامل مع نصوص غير معقولة، فكان تعاملنا في المعاملات كما هو الحال في العبادات من حيث فرضية عدد الركعات، ومثل هذا حجر على المعاملات، وإغلاق لبابها فلا يُقبل.
(¬3) أي في بلدهم؛ لأن عرف بلدة أخرى لا يشملهم، فلم يجز في حياكة الثّياب في بلدهم بجزء من النّاتج، وبقي الأمر عندهم على القياس، بتقدير أُجرة معينة؛ لوجود الجهالة المفضية للنزاع فيما يتعلّق بأن تكون الأجرة بعض العمل، ولو حصل عندهم عرف بذلك وجرى عليه التعامل ينبغي أن يجوز، كما جاز في البلدة الأخرى، وهذا هو حال العرف الخاصّ، فإنّه يقتصر على مَن وُجد عندهم، بخلاف العرف العام مثل الاستصاع، فإنّه يشمل عامّة البلاد.
اقتضى أن يجوز التَّخصيص، فترك التَّعامل من أَهلِ بلدةٍ أُخرى يمنع التَّخصيص، فلا يثبت التَّخصيص بالشّكِّ، بخلاف التَّعامل في الاستصناع، فإنه وُجِد في البلادِ كلِّها، انتهى كلام «الذّخيرة» (¬1).
وقال في «الأشباه»: «تنبيهٌ: هل من المعتبر في بناء الأحكام العرف العام أو مطلق العرف ولو كان خاصّاً؟
المذهب الأوّل (¬2): قال في «البَزَّازية» (¬3) معزياً إلى الإمام البُخاريّ ـ الذي خُتِم به الفقه ـ: الحكمُ العامُّ لا يثبت بالعرفِ الخاصّ (¬4)، وقيل: يثبت»، انتهى.
¬
(¬1) وفيها في الفصل الرابع من كتاب الشرب، قال محمد: إذا باع شرب يوم أو أقل من ذلك أو أكثر فإنه لا يجوز إما لأنه باع ما لا يملك؛ لأن الماء قبل الإحراز بما وضع للإحراز لا يصير مملوكاً لأحد، وبيع ما لا يملك الإنسان لا يجوز، وإما لأن المبيع مجهول وبعض مشايخ بلخ كانوا يقولون: إن أهل بلخ يتعاملون ذلك، والقياس يترك بالتعامل، والفقيه أبو جعفر وأبو بكر البلخي وغيرهما من المشايخ لم يجوزوا ذلك، وقالوا: هذا تعامل بلدة واحدة، والقياس لا يترك بتعامل بلدة واحدة. منه رحمه الله.
(¬2) قوله: المذهب الأول، يوهم بوجود مذهب آخر في المسألة، ولم يذكر المصنف ولا ابن نجيم مذهباً آخر، وإنما اقتصرا على ذكر المذهب الأول فقط.
(¬3) وهو محمد بن محمد بن شهاب الكَرْدَري البريقيني الخَوَارَزْميّ الحَنَفي، المعروف بابن البَزَّاز، حافظ الدين، قال الكفوي: كان من أفراد الدهر في الفروع والأصول، وحاز قصبات السبق في العلوم. من مؤلفاته: «الوجيز» المشهور بالفتاوى البزَّازية، قال الإمام اللكنوي: طالعت «الفتاوى البزازية» فوجدته مشتملاً على مسائل يحتاج إليها مما يعتمد عليها. قيل: لأبي السعود المفتي لم لا تجمع المسائل المهمة، ولم تؤلف فيها كتاباً، فقال: أستحيي من صاحب «البزازية» مع وجود كتابه. (ت827)، كما في تاج التراجم ص354، والفوائد ص309، والكشف1: 24.
(¬4) هذا كلام في غاية الدقة؛ إذ لا يُمكن اعتبار حكم عام في جميع البلاد بسبب عرف خاصّ في بلدة معينة، وإنّما يكون الحكم خاصّاً بأهل تلك البلدة فحسب، ويكون الحكم عامّاً لجميع البلاد إن كان صادراً من عرف عام يشمل جميع البلاد، قال الحموي في غمز عيون البصائر1: 315.: «يفهم منه أن الحكم الخاص يثبت بالعرف الخاص».
ويَتَفَرَّعُ على ذلك: لو استقرض ألفاً واستأجر المقرِض لحفظِ مرآةٍ أو ملعقةٍ كلَّ شهرٍ بعشرةٍ، وقيمتُها لا تزيد على الأجر، ففيها ثلاثةُ أقوال:
1.صحّةُ الإجارة بلا كراهة؛ اعتباراً لعرف خواصّ بُخارى.
2.والصّحّةُ مع الكراهةِ؛ للاختلاف.
3.والفساد؛ لأنّ صحّةَ الإجارة بالتَّعارف العام، ولم يوجد، وقد أَفْتَى الأكابر بفسادها.
وفي «القنية»: من (باب استئجار المستقرض من المقرض): التَّعارفُ الذي تثبتُ به الأحكام لا يثبتُ بتعارفِ أهلِ بلدةٍ واحدةٍ عند البعض، وعند البعض: وإن كان يثبت لكن أحدثه بعضُ أهل بُخارى، فلم يكن مُتعارفاً مطلقاً، كيف وإنّ هذا الشَّيء لم يعرفه عامّتُهم، بل تعرفُه خواصُّهم، فلا يثبت التَّعارف بهذا القدر (¬1)، قال: وهو الصَّوابُ، انتهى.
وذكر فيها من (كتاب الكراهية) قبيل التَّحرِّي: لو تواضع أَهلُ بلدةٍ على زيادةٍ في سنجاتهم التي يوزن بها الدَّراهم والإبريسم على مخالفة سائر البلدان ليس لهم ذلك، انتهى.
وفي (إجارة) «البَزَّازيّة» عن (إجارة) «الأصل»: استأجره ليحمل طعامَه بقفيزٍ منه (¬2)، فالإجارةُ فاسدةٌ ويجب أجر المثل لا يتجاوز به المُسَمَّى، وكذا لو
¬
(¬1) هذا كلام لطيف في بيان أن العرف إن لم يكن شائعاً في بلدة معينة لا يعتبر، وتعارف بعض أهل البلدة ليس بحجة، ولا يجوز العمل به، حتى ينتشر ويشيع ويجري عليه التعامل عند عامة أهل البلدة، ويُفهم من هذا عدم اعتبار عرف بلدة بعينه إن لم يكن منتشراً عند عامته؛ لتعارضه مع عرف آخر منتشر في هذه البلدة.
(¬2) لأنّه جعل الأجر بعض ما يخرج من عمله، فيصير في معنى قفيز الطحان، وقد نهي عنه - صلى الله عليه وسلم -، وهو أن يستأجر ثوراً؛ ليطحن له حنطة بقفيزٍ من دقيقِه، فصار هذا أصلاً يعرف به فساد جنسه, والمعنى فيه أن المستأجر عاجز عن تسليم الأجر؛ لأنه بعض ما يخرج من عمل الأجير, والقدرة على التَّسليم شرطٌ لصحَّة العقد، وهو لا يقدر بنفسِه, وإنَّما يقدر بغيرِه فلا يُعَدُّ قادراً ففسد، فإذا نسج أو حمل فله أجر مثله لا يجاوز به المسمّى، لكن مشايخ بلخ والنسفيّ يجيزون حمل الطَّعام ببعض المحمول، ونسج الثَّوب ببعض المنسوج؛ لتعامل أهل بلادهم بذلك, وقالوا: مَن لم يجوِّزه إنما لم يجوزه بالقياس على قفيز الطحانِ والقياس يترك بالتَّعارف, ولئن قلنا: إنّ النَّصَّ يتناوله دلالةً فالنصُّ يختصُّ بالتَّعامل، ألا ترى أنّ الاستصناعَ تُرِكَ القياسُ فيه وخُصَّ عن القواعد الشرعيّة بالتعامل. ومشايخنا لم يجوزوا هذا التخصيص; لأن ذلك تعامل أهل بلدة واحدة وبه لا يخص الأثر بخلاف الاستصناع، فإن التعامل به جرى في كلِّ البلاد، وبمثلِهِ يُترك القياس ويُخَصُّ الأثر, والحيلةُ في جوازِه أن يشترط قفيزاً مطلقاً من غير أن يشترط أنّه من المحمولِ أو من المطحونِ، فيجب في ذمّة المستأجر ثمّ يعطيه منه، كما في التبيين5: 130.
دفع إلى حائك غزلاً على أن ينسجَه بالثُّلُث، ومشايخ بَلْخ وخوارزم أَفتوا بجوازِ إجارة الحائك للعرف، وبه أَفتى أبو عليّ النَّسفيُّ (¬1) أيضاً، والفتوى على جواب الكتاب (¬2)؛ لأنّه منصوصٌ عليه (¬3)، فيلزم إبطال النصّ»، انتهى كلام «الأشباه» (¬4).
¬
(¬1) وهو الحسين بن الخضر، المشهور بأبي علي النسفي، أخذ عن الإمام أبي بكر محمد بن فضل الكَمَاري، وتفقه عليه شمس الأئمة الحلواني شيخ السرخسي، (ت424هـ)، كما في طبقات ابن الحنائي ر78، وفي الجواهر المضية2: 68: الحسن بن عبد الملك النَّسَفِيّ، القاضي، أبو علي، من شيوخ أبي العبَّاس المُسْتَغْفِرِيّ.
(¬2) أي الأصل لمحمد بن الحسن الشيباني، وهو المشهور بالمبسوط.
(¬3) عدم الجواز بأن الأجرة بعض الخارج، كما في نصّ حديث «قفيز الطحان»، فلا يُفتى بجواز ذلك للجهالة، إلا إن حصل عرفٌ به، فيُفتى بالجواز، ولا يكون هذا إبطالاً للنص حينئذٍ.
(¬4) الأشباه1: 88.
وحاصلُه: أنّ ما ذكروا في حيلةِ أَخذ المُقْرِض ربحاً من المستقرِضِ بأن يدفع المُستقرِضُ إلى المُقرِضِ ملعقةً مثلاً، ويستأجره على حفظِها في كلِّ شهرٍ بكذا غيرُ صحيح؛ لأنّ الإجارةَ مشروعةٌ على خلافِ القياس؛ لأنّها بيعُ المنافع المعدومة وقت العقد، وإنّما جازت بالتَّعارف العامّ؛ لما فيها من احتياج عامّة النّاس إليها، وقد تعارفوها سَلَفاً وخَلَفاً، فجازت على خلافِ القياس.
وصَرَّحَ في «الذَّخيرة»: بأنّ الإجارةَ إنّما جازت؛ لتعامل النَّاس، انتهى.
ولا يخفى أنّه لا ضرورة إلى الاستئجار على حفظِ ما لا يَحتاج إلى حفظِه بأضعافِ قيمتِه، فإنّه ليس ممَّا يقصدُه العُقلاء؛ ولذا لم يَجْز استئجار دابّة ليحلبها (¬1) أو دراهم؛ ليُزَيِّنَ بها دكانة، كما صرَّحوا به أيضاً (¬2)، فتبقى على أَصلِ القياس، ولا يثبت جوازها بالعرفِ الخاصّ (¬3)، فإنّ العرفَ الخاصّ لا يُتْرَكُ به
¬
(¬1) في الأصل: ليجنبها.
(¬2) أي صرحوا بعدم جواز هذه الأنواع من الإجارة مثل استئجار الدّابة للحلب
والدراهم للزينة؛ لعدم تعارف الناس عليها، ولو تعارفوا عليها لجازت، ولترك القياس في عدم جوازها.
(¬3) أي لا يثبت جواز استئجار الملعقة بالعرف الخاص؛ لكون عرفاً فاسداً يحتال به على جواز الربا، فكيف تستأجر ملعقة ثمنها درهم للحفظ بعشرة دراهم، ويكون بين المتعاقدين إقراض، فكان سبيلاً منهم لتحقيق الربا بإيصال النفع للمقرِض، وأمثال هذا لا يعتبر به العرف، وتأيد ذلك بأن كان عرفاً خاصاً ببعض أهل البلدة ولم يكن منتشراً عند عامته، فمثل هذا العرف لا يعتمد أصلاً.
القياس في الصَّحيح، على أنّ هذا العرفَ لم يشتهر في بلدةٍ، بل تعارفه بعضُ أهلِ بُخارى دون عامّتِهم، ولا يثبت التَّعارف بذلك.
وأمّا مسألةُ زيادة السِّنجات:
1.فإنّ كان المرادُ بها أنّ كلَّ أحدٍ من أَهلِ تلك البلدة يزيد في سنجته ما أَراد، فالمنع منه ظاهر.
2.وإن كان المرادُ أن يتفقوا على زيادةٍ خاصّةٍ، فوجُه المنع ـ والله تعالى أعلم ـ أنّه يلزم منه الجهالة والتَّغرير إذا اشتروا بها من رجل غريب، يظنُّها على عادةِ بقيّةِ البلاد.
وأمّا مسألةُ: استئجار الحائك ونحوه، فقد علمت تقريرها من عبارة «الذَّخيرة».
ذكرَ الشُّرَّاحُ أنّ البُرّ والشَّعيرَ والتَّمرَ والملحَ مكيلةً أبداً؛ لنصِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليها (¬1)، فلا يتغيَّر أبداً، فيشترط التَّساوي بالكيل، ولا يُلْتَفَتُ إلى التَّساوي في الوزنِ دون الكيلِ، حتى لو باع حنطةً بحنطةٍ وزناً لا كيلاً لم يَجُز.
والذَّهب والفضَّة موزونةً أبداً؛ للنَّصِّ على وزنهما (¬2)، فلا بُدّ من التَّساوي
¬
(¬1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «التمرُ بالتمر، والحنطةُ بالحنطة، والشعيرُ بالشعير، والملحُ بالملح مثلاً بمثل، يداً بيد، فمَن زاد أو استزاد فقد أربى إلاّ ما اختلفت ألوانه» في صحيح مسلم3: 1211.
نلاحظ من لفظ هذا الحديث وغيره عدم التَّنصيص على عدم جواز بيعها مكايلة، وإنّما ورد النَّص بجواز بيعها متساوية، وهذه الأصناف الأربعة طريقة تقديرها في ذلك الزمان هي الكيل، فكان الكيلُ هو الوسيلة؛ لتحقيق المساواة التي طلبها الشَّارع، ولَمّا كانت هذه الطَّريقة هي الشَّائعة في ذلك الزَّمان، ولم يُعرف غيرها في التقدير في هذه الأصناف وجدنا أبا حنيفة ومحمداً اقتصروا عليها كأداة وحيدة للتقدير في هذه الأصناف، ولم يعتبروا غيرها؛ لقوّة العرف في ذلك.
ويدل على صحة هذا الفهم الخلاف في المسألة مع أبي يوسف، فلو كانت النّصوص جازمة بأنّها مكيلة أو موزونة لما خالف أبو يوسف فيها، ولم يحصل من خلاف عند المذاهب الأخرى في علة الربا فيها، حيث لم يعتبروا الكيل والوزن، وإنما اعتبروا معاني أخرى الطعم والادخار، فكلّ هذا دلّ على أنها مسألة فهم واجتهاد، وليست مسألة نصّ جازم لا يجوز لنا تركه، كما يُفهم من كلام الشَّرّاح المنقول.
(¬2) فعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة ... مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد ... » في صحيح مسلم 3: 1211، وعن أبي سعيد الخُدري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز» في صحيح البخاري 2: 761، وصحيح مسلم 3: 1208، وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال عمر - رضي الله عنه -: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تبيعوا الورق بالذهب أحدهما غائب والآخر ناجز، وإن استنظرك حتى يلج بيته فلا تنظره إني أخاف عليكم الربا» في الموطأ2: 634، ولما ما أوردنا سابقاً في الكيل يرد هنا.
في الوزن، حتى لو تساوى الذَّهب بالذَّهب كيلاً لا وزناً لم يجز.
وكذا الفضّةُ بالفضَّةِ؛ لأنّ طاعةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجبةٌ علينا؛ لأنّ النَّصَّ أَقْوَى من العرف، فلا يُتْرَكُ الأقوى بالأدنى (¬1)، وما لم يُنَصَّ عليه، فهو محمولٌ على عادات النَّاس؛ لأنّها دلالةٌ على جواز الحكم، انتهى.
فإن قلت: قد رُوِي عن أبي يوسف - رضي الله عنه - اعتبار العرف في هذه الأشياء المنصوصة، حتى جَوَّز التَّساوي بالكيلِ في الذَّهب، وبالوزن في الحنطة إذا
¬
(¬1) من خلال المناقشة السابقة رأينا أنّ المسألة ليست مسألة نصّ وعرف، بحيث يُترك أحدهما للآخر؛ لأنه لم يكن العرف يزاحم النصّ أصلاً؛ لأنّ الأحكام الشَّرعية لا تؤخذ إلا من الشارع الحكيم، ولا تؤخذ مطلقاً من العرف، وإنما يراعى العرف عند تطبيق الحكم الشرعي من الله - عز وجل -، فيكون العرف معرف ومرشد لصلاحية الحكم بتوفر علّة النصّ وعدم توفرها، وليس البحث أبداً في منافسة بين حكم الشارع وحكم العرف؛ لأنّ الحكم لا يكون إلا من الشارع، والعرف يساعدنا في فهمه وتطبيقه لا غير.
تعارفه النَّاس، فهذا فيه اتّباع العرف اللازم منه تركُ النَّصّ، فيلزم أن يجوز عنده ما شابهه من تجويزِ الرِّبا ونحوِه للعرفِ وإن خالف النَّصّ.
قلت: حاشا لله أن يكون مرادُ أبي يوسف - رضي الله عنه - ذلك، وإنما أراد تعليل النَّصّ بالعادة، بمعنى أنّه إنّما نَصَّ على البُرّ والشَّعير والتَّمر والملح بأنّها مكيلةٌ، وعلى الذَّهب والفضّة بأنّها موزونةٌ؛ لكونهما كانا في ذلك الوقت كذلك، فالنَّصُّ في ذلك الوقت إنّما كان للعادةِ حتى لو كانت العادةُ في ذلك الوقت وزن البُرّ وكيل الذَّهب لورَدَ النَّصُّ على وفقِها.
فحيث كانت العلَّةُ للنَّصِّ على الكيلِ في البعضِ والوزنِ في البعضِ هي العادةُ، تكون العادة هي المنظور إليها، فإذا تَغَيَّرَتْ تَغيَّرَ الحكم، فليس في اعتبار العادة المُتَغَيِّرة الحادثة مخالفةٌ للنَّصّ، بل فيه اتّباع النَّصّ، وظاهرُ كلامِ المُحقِّق ابنِ الهُمام ترجيحَ هذه الرِّواية.
وعلى هذا لو تعارف النَّاسُ بيعَ الدَّراهم بالدَّراهم أو استقراضها بالعدد (¬1) كما في زماننا لا يكون مخُالفاً للنَّصِّ، فاللهُ تعالى يجزي الإمامَ أبا يوسف - رضي الله عنه - عن أهل هذا الزَّمان خير الجزاء، فلقد سَدَّ عنهم باباً عظيماً من الرَّبا.
¬
(¬1) أي بسبب أن الدراهم بينها تفاوت يسير جداً في الوزن بسبب القطع، فلو اعتبر الوزن لم تجز، واعتبار العدد يجعله جائزاً ...
وقد صَرَّحَ بتخريجِ هذا على هذهِ الرِّوايةِ العلامة سعدي أَفندي (¬1) في «حاشيته على العناية»، ونقله عنه في «النَّهر» (¬2) وأَقَرَّه، وكذلك نقله في «الدر المختار» (¬3)، وقال: وفي «الكافي»: الفتوى على عادة الناس، انتهى.
وذَكَرَ نحوَه في آخر «الطَّريقة المحمديّة» للعارف البِركْلِيّ (¬4) فقال: ولا
¬
(¬1) وهو سعد الله بن عيسى بن أمير خان القسطموني الرومي الحنفي، الشير بسعدى چلبي أو سعدي أفندي، القاضي بالقسطنطينية والمفتي بها، من تلاميذه قاضي زاده، صنف «حاشية على أنوار التنزيل» للبيضاوي، و «حاشية على العناية شرح الهداية»، و «حاشية على القاموس» للفيروز آبادي، و «منظومة في الفقه تركي»، (ت945هـ)، كما في الهدية العلائية1: 203، والأعلام.
(¬2) وهو عمر بن إبراهيم بن محمد، المشهور ابن نُجَيْم المِصْريّ الحنفي، سراج الدين، أخو صاحب «البحر الرائق»، من مؤلفاته: «النهر الفائق بشرح الكنز الدقائق»، و «إجابة السائل باختصار أنفع الوسائل»، و «عقد الجواهر في الكلام على سورة الكوثر»، (ت1005هـ)، كما في خلاصة الأثر3: 306 - 307، وطرب الأماثل ص509، ومعجم المؤلفين2: 551.
(¬3) وهو محمد بن علي بن محمد الحِصْني الحَصْكَفِي الحَنَفِي، علاء الدين، قال المحبي: مفتي الحنفية بدمشق، وصاحب التصانيف الفائقة في الفقه وغيره، من مؤلَّفاته: «الدر المختار شرح تنوير الأبصار»، و «الدر المنتفى شرح ملتقى الأبحر»، و «إفاضة الأنوار شرح المنار»، و «مختصر الفتاوى الصوفية»، (ت1088هـ)، كما في خلاصة الأثر4: 63 - 65، وطرب الأماثل ص564 - 566، والأعلام7: 188.
(¬4) وهو محمد بن بير علي البِرْكِلي الرُّوميّ، محيي الدين، من مؤلفاته: «الطريقة
المحمدية»، و «جلاء الأفهام»، و «إنقاذ الهالكين»، و «تنبيه الغافلين»، و «معدل الصلاة»، و «متن العوامل»، (929 - 981هـ)، كما في طرب الأماثل ص558، والكشف2: 1111، والأعلام6: 286، ومعجم المؤلفين3: 176.
حيلة فيه إلا التَّمسُّك بالرِّوايةِ الضَّعيفة (¬1) عن أبي يوسف - رضي الله عنه -.
وذكر سيدي عبد الغني النَّابلسيّ (¬2) في شرحه على «الطَّريقة المحمديَّة» ما حاصله: أنّه لا حاجة إلى تخريجه على هذه الرِّواية؛ لأنّ الذَّهبَ والفضّةَ المضروبين المدموغين بالسّكة السُّلطانية معلوماً المقدار بين المتعاقدين، فذكر العدد كنايةً عن الوزن اصطلاحاً، والنقصان الحاصل بالقطع جزئي لا يدخل تحت المعيار الشرعيّ.
أقول: هذا ظاهرٌ على ما كان في زمنِهِ من عدمِ اختلاف وزنها، أمّا في زماننا فيختلف، فكلُّ سلطان يُخفِّفُ سكتَه عن سكّةِ السلطان الذي قبله في النوع الواحد، بل سكة سلطان زماننا ـ أعزّه الله تعالى ـ تختلف في النّوع
¬
(¬1) اعتبار قول أبي يوسف، رواية ضعيفة، فيه تساهل؛ لأنه قول معتمد عند أبي يوسف، وعبر عنها بأنها ضعيفة؛ لأنه تقابل قول أبي حنيفة لا غير، ولا يقبل أنها ضعيفة؛ إذ صرح في كثير من الكتب أن العمل عليها.
(¬2) وهو عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني بن إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم النابلسي الحنفي الصوفي، من مؤلفاته: «الحديقة الندية شرح الطريقة المحمدية»، و «تعطير الأنام في تعبير الأحلام»، و «نهاية المراد في شرح هداية ابن العماد»، وقد زادت مؤلفته عن مئتين، (1050 - 1143هـ)، كما في طرب الأماثل ص510 - 511، والأعلام4: 158 - 159.
الواحد، وكذا السَّلاطين قبله فإنّ السّكةّ في أوّل مدّته تكون أثقل منها في آخرها، فالريالُ أو الذَّهب من نوع واحد يختلف وزنه، ولا ينظر المتعاقدان إلى ذلك، وشرط صحّة البيع معرفةُ مقدارِ الثَّمنِ إذا كان غيرَ مشار إليه، وكذا الأجرةُ ونحوها.
والذَّهبُ والفضّةُ موزونان، فإذا اشترى شيئاً بعشرين ريالاً مثلاً لا بُدَّ على قول أبي حنيفة ومُحمّد - رضي الله عنهم - من بيانِ أنّ الريال المذكور من ضرب سنة كذا؛ ليكون متحد الوزن.
وكذا لو اشترى بالذَّهب كالذَّهب المحموديّ الجهاديّ والذّهب العدلي في زماننا، فإنّ كلاً منهما متفاوت الأفراد في الوزن، وكذا الرِّيال الفرنجي نوعٌ منه أثقل من نوع.
فعلى قولِهما جميع عقود أهل هذا الزَّمان فاسدةٌ من بيع وقرض وصرف وحوالة وكفالة وإجارة وشركة ومضاربة وصلح، وكذا يلزم فساد التَّسمية في نحوِ نكاحٍ وخلعٍ وعتقٍ على مال وفسادِ الدَّعوى والقضاءِ والشَّهادةِ بالمال وغير ذلك من المعاملات الشَّرعيّة.
فإن أهلَ هذا الزَّمان لا ينظرون إلى هذا التَّفاوت، بل يشتري أحدُهم بالذَّهب أو الرِّيال ويُطْلِقُ، ثمّ يدفع الثَّقيل أو الخفيف، وكذا في الإجارة والدَّعوى وغيرها.
وكذا يستقرض الثَّقيل ويدفع بدلَه الخفيفَ وبالعكس، ويقبل المقرض
منه ذلك ما لم تختلف القيمة، ويلزم من ذلك تحقُّق الرِّبا؛ لتحقُّق التَّفاوت في الوزن بما يدخل تحت المعيار الشَّرعيّ كالقيراط، والأكثر، بل الظّاهرُ أنّ القمحةَ في الذَّهبِ معيارٌ في زماننا؛ لأنّ الذَّهبَ الذي ينقصُ قمحةً عن معيارِه الذي ضربَه السُّلطانُ عليه يُحاسبون على نقصِه، أمّا الزّائد فلا يعتبرون فيه الزّيادة كالذَّهبِ المشخص إذا زاد قمحةً أو أكثر.
ولا يخفى أنّ في قولِهما في هذا الزَّمان حرجاً عظيماً؛ لما علمته من لزوم هذه المحظورات.
وقد رَكَزَ هذا العرفُ في عقولِهم من عالمٍ وجاهلٍ وصالحٍ وطالحٍ فيلزم منه تفسيقُ أَهلِ العصر، فيَتَعَيَّنُ الإفتاءُ بذلك على هذهِ الرِّوايةِ عن أبي يوسف - رضي الله عنه -، لكن فيه شبهة (¬1):
¬
(¬1) قوله: لكن فيه شبهة ... الخ، وجهه: أنّ الرِّوايات المشهورة في المذهب عن أئمتنا الثَّلاثة أنّ ما ورد النَّصّ بكونه مكيلاً أو بكونه موزوناً يجب اتباعه، حتى لو تعارف النَّاس وزن الحنطة والشَّعير ونحوهما لا يصحّ بيعها إلا بالكيل؛ لورود النَّصّ كذلك، وما لم يرد فيه نصٌّ كالحديد والسَّمن والزَّيت يُعتبر فيه عادة النَّاس، ورُوي اعتبار العرف على خلاف المنصوص عليه أيضاً كما في «الهداية» وغيرها.
والمتبادر من هذا أنّه على هذه الرِّواية لو تغيّر العرف حتى صار المكيل موزوناً والموزون مكيلاً يُعتبر العرف الطارئ، أمّا لو صار المكيل نصّاً يُباع مجازفةً لا يُعتبر؛ لما فيه من إبطالِ نصوص التَّساوي في الأموال الرَّبوية المتفق على قبولها، والعمل بها بين الأئمة المجتهدين، منه [أي ابن عابدين] رحمه الله.
وهي أَنّ الظَّاهرَ من هذه الرِّوايةِ المعيار من كيلٍ أو وزنٍ، أمّا إلغاؤهما بالكليّةِ والعدولِ عنهما إلى العدد المتفاوت الأفراد في الوزن فهو خلافُ الظَّاهر، وخلاف النَّصّ الصَّريح في اشتراط المساواة في المكيلات والموزونات (¬1).
وعلى كلٍّ فينبغي الجوازُ والخروجُ من الإثم عند الله تعالى إمّا بناءً على العملِ بالعرفِ أو للضَّرورة.
فقد أَجازوا ما هو دون ذلك في الضَّرورة، ففي «البَحر» عن «القُنية»: «وينبغي جواز استقراض الخميرة من غيرِ وزنٍ، وسُئِل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن خميرةٍ
¬
(¬1) أي أحاديث الربا السابقة من وجوب التساوي في الكيل والوزن في الأصناف الستة.
والجواب عن هذه الشبهة يمكن بأن الشارع الحكيم اشترط المساواة فيما وجدت فيه علة الرّبا، من الجنس والكيل أو الوزن، ومتى فقدت فيه هذه العلة بأن أصبح معدوداً، لم يعد لازماً المساواة فيه طالما أننا نقول: أن هذا الحكم معلول، فإن وجدت العلة وجد الحكم، وإن عدمت العلة عدم الحكم.
والموافقة على الانتقال عرفاً من الكيل إلى الوزن، ومن الوزن إلى الكيل، وتطبيق ما يقتضيه هذا التبدل عرفاً في وجود المساواة على الصورة الجديدة، ثم الامتنال عن الانتقال عرفاً إلى العددي وما يقضيته من انعدام المساواة؛ لأنها ليست من أحكامه، فإنه تحكّمٌ غير مقبول؛ لأننا إمّا أن نرضى بأن نجعل النصّ معلولٌ ثمّ نلتزم ما يترتب عليه من أحكام، وإمّا أن نمتنع عن قبوله كونه معللاً، أما أن نقبل تعليله بصورة دون صورة، ونرضي له حكماً دون حكم، فهذا بعيدٌ عن قواعد العقول.
يتعاطاها الجيران أيكون ربا (¬1)، فقال: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح» (¬2).
وذَكَرَ في «البَزَّازيّة» في البيع الفاسد في القول السَّادس في بيعِ الوفاء (¬3): أنّه صحيحٌ، قال: لحاجةِ النَّاس فراراً من الرِّبا، فبَلْخٌ اعتادوا الدَّين والإجارة، وهي لا تصحّ في الكَرْم، و [أهلُ] بُخارى اعتادوا الإجارة
¬
(¬1) فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (سألت رسول الله عن الخميرة والخبز نقرضه الجيران فيردون أكثر أو أقل فقال: ليس بذلك بأس إنما هو أمر موافق بين الجيران وليس يراد به الفضل) قال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق ر1569: هذا الحديث غير مخرج في شيء من الكتب الستة، قال شيخنا وفي إسناده مَن يجهل حاله، والله اعلم، وعن معاذ بن جبل أنه سئل عن استقراض الخمير والخبز فقال: (سبحان الله هذا مكارم الأخلاق فخذ الصغير وأعط الكبير وخذ الكبير وأعط الصغير خيركم أحسنكم قضاءً سمعت رسول الله يقول ذلك) قال قال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق ر1570: هذا الحديث لم يخرج في شيء من السنن، وإسناده صالح لكنه منقطع، فإن الحديث مرويٌّ من طريق خالد، وخالد لم يدرك معاذاً، وابن عدي ذكره في ترجمة ثور وروى له غيره. ثم قال: لم أرَ في أحاديثه أنكر من هذا الذي ذكرته لكنه مستقيم الحديث صالح بين الناس.
(¬2) سبق تخريجه موقوفاً على ابن مسعود - رضي الله عنه -، بدون وجود الخميرة.
(¬3) وصورته: يقول: البائع للمشتري: بعت منك هذا العين بما لك علي من الدين على أنّي متى قضيته فهو لي، أو يقول: بعت منك على أن تبيعَه ِمني متى جئت بالثمن، كما في تبيين الحقائق 5: 173، ورد المحتار 5: 276، ومجمع الأنهر 2: 430.
الطويلة، ولا يُمكن في الأشجار (¬1) فاضطروا إلى بيعِها وفاءً، وما ضاقَ على النّاسِ أَمرٌ إلاّ اتسع حكمُه، انتهى، نقله في «الأَشباه» (¬2) في فروعِ العرفِ الخاص.
فإن قلت: قَدَّمتَ عن «الأشباه»: أَنّ المشقةَ والحرجَ إنّما تعتبر في موضعٍ لا نصَّ فيه؛ ولذا رُدَّ على أبي يوسف - رضي الله عنه - في تجويزِهِ رعي حشيشِ الحرم للضرورة بأنّه منصوصٌ على خلافِهِ (¬3).
قلتُ: قد يُجاب بأنّ النَّصَّ على تحريمِ رعي الحشيشِ دليلٌ على عدمِ الحرجِ فيه؛ لأنّ «استثناءَه - صلى الله عليه وسلم - الإذخر» فقط للحرج دالٌ على أنّه لا حرج فيما عداه، بناء على أنّ ذلك حرجٌ يسيرٌ يُمكن الخروج عنه بمشقّةٍ يسيرةٍ (¬4)،
¬
(¬1) في الأصل: شجار، والمثبت من «الأشباه».
(¬2) وعلّق ابن نجيم في الأشباه: 317هاهنا: والحاصل أن المذهب عدم اعتبار العرف الخاص، ولكن أفتى كثير من المشايخ باعتباره.
(¬3) لكن إن قدرنا أنّ النصّ معلل بالضرورة، لم يعد منصوصاً على خلافه، وإنما يكون في اجتهاد أبي يوسف أنه عامل بعلة النص من أنه وجدت الضرورة في رعي حشيش الحرم في عصره، كما وجدت الضرورة باستثناء النبي - صلى الله عليه وسلم - للإذخر، وبالتالي لا يكون عملاً على خلاف النص مطلقاً، وإنما في اجتهادنا إن لم نعتبر النص معللاً.
(¬4) اعتبار ابن عابدين لكونه حرجاً يسيراً محل نظر، فلو كان كذلك لما رأينا التجويز له من قبل أبي يوسف، ولا شكّ أن فيه حرجاً كبيراً؛ لأنهم كانوا في القديم يسوقون الأغنام والإبل معهم للذبح في الحرم، وفي منعها من رعي حشيس الغنم حرج كبير عليهم، ولزوم الجزاء لما ترعاه أنعامهم أمر لا يُطاق.
بخلاف مسألتنا، فإن تغيير ما اعتاده عامّة أَهل العصر في عامّة بلادِ الإسلام لا حرجَ فوقَه.
ولا شَكّ أنَه فوق الحرج الذي عُفِي لأجلِه عن بعضِ النَّجاساتِ المنهيةِ بالنصِّ كطينِ الشَّارع الغالب عليه النَّجاسة، وكبول السِّنور في الثِّياب، والبعر القليل في الآبار والمَحْلَب، لكن ذلك بتخصيص لأدلة النَّجاسة (¬1).
ويُمْكِنُ ادّعاء ذلك هنا بأن يُجعلَ العرفُ مُخصصاً لأدلة اشتراطِ المعيارِ بما إذا كان في الزِّيادةِ منفعةٌ لأحدِ المتعاقدين؛ ولهذا لم تَحْرُم الزِّيادةُ القليلة التي لا تدخل تحت المعيار الشَّرعيّ (¬2)، فيجوز الاستقراضُ بالعددِ، ولا يكون ربا على هذا الوجه، وكذا البيع والإجارة ونحوهما.
ويدلُّ عليه (¬3) أنّهم قالوا: ينصرفُ مطلقُ الثَّمن إلى النَّقدِ الغالبِ في بلدِ البيع، وإن اختلفت النُّقود فسَدَ إن لم يُبَيِّن؛ لوجود الجهالة المفضية إلى المنازعة، والمرادُ باختلافِ النُّقودِ اختلافُ ماليتها مع الإستواء في الرَّواج
¬
(¬1) هذا بناء على الفكرة السابقة عند ابن عابدين من أنّ العرف يخصص النّصّ ولا يلغيه، ومرّ معنا أنّها محلّ نظر؛ لأنه النصوص إما أن تكون معللة أو غير معللة، وليس البحث في التخصيص أو الإلغاء أصلاً.
(¬2) معناه أننا كما جوزنا أن يخصص العرف النص في مسائل الطهارات وغيرها، فإننا نعتبر أن العرف خصص النص الوارد في الربويات، بحيث إن لم تعدّ خاضعة للمعيار الشرعي من الكيل والوزن المذكور في النص، فلا يشترط فيها التساوي.
(¬3) أي على جواز البيع بالدراهم المتفاوتة في زمن ابن عابدين.
كالبُنْدُقيِّ والقايِتْبايّ والسُّلَيْميّ والمَغْربيّ والغُوريّ في القاهرة الآن، كذا في «البحر» (¬1).
ومثله في زماننا الجهاديُّ المحموديُّ والعدليُّ فإنّهما مستويان في الرَّواج مختلفان في القيمة.
وكذا الفُنْدُقيّ القديمُ والجديد، فإذا اشترى وسمَّى الفُنْدُقيَّ ولم يُبيِّن فَسَدَ البيع لإفضائه إلى المنازعةِ.
فإذا كانت العلَّةُ المنازعةُ بسببِ اختلاف النَّوعين في المالية دلَّ على أنّه إذا لم تلزم المنازعة لا فساد (¬2)، فإذا اشترى بالعدليِّ ولم يُبَيِّن أنّ المرادَ منه القديم أو الجديد لا يضرّ؛ لتساويهما في الماليّة وإن اختلفا في الوزن، وهكذا يُقال في الإجارة وغيرها.
ويدلُّ على ذلك: أنّهم صَرَّحوا بفسادِ البيعِ بشرطٍ لا يقتضيه العقد، وفيه نفعٌ لأحدِ العاقدين، واستدلوا على ذلك: بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن «بيعٍ وشرطٍ» (¬3)، وبالقياس، واستثنوا من ذلك ما جرى به العرف كبيع نعل على أن يحذوَها البائع.
¬
(¬1) البحر الرائق5: 303.
(¬2) أي مدار الفساد على وجود المنازعة لاختلاف مالية النقود، فأمّا إن لم تكن هناك منازعة، فيجوز اعتماداً على مسائل الرواج والمالية في النقود، وهو استدلالٌ لطيفٌ من ابن عابدين.
(¬3) سبق تخريجه.