الجزء 1 · صفحة 1
«رسالة فيمن يتولّى الحكم بعد موت الباشاه»
بسم الله الرحمن الرحيم
هو حسبي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الخلق، أجمعين [سيّدنا محمد، وآله، وصحبه] أجمعين.
وبعد ...
فهذه رسالة في حكم مَن يتولّى الحكم بعد موت نائب البلد، المسمّى في زماننا ب (الباشاه) قبل أن يبلغ السلطان خبر موته.
ألّفتُها لمّا تُوفى (المقر) المرحوم الباشاه عَليّ الخَصيّ () (تغمّده الله برحمتك، ورضوانه) في سنة ستين وتسعمائة.
قال الإمام البزازي - رحمه الله تعالى - في (جامع الفتاوى):
«مات والي المصر، ولم يبلغ الخليفة موته، وصلّى بالناس خليفة الميت، أو قاضيه المأذون قصدا، أو صاحب شرطته صح.
ولو اجتمعوا - أعني أهل البلدة - على تقديم رجل لا يصح إلا إذا لم يكن للميت خليفة، ولا قاض، ولا شُرْطِيّ، فحينئذ يصح للضرورة»، انتهي.
وقال في (خلاصة الفتاوى):
«والي مصر مات، ولم يبلغ الخليفة موته حتى مضيت بهم جُمعٌ، فإن صلّى بهم خليفة الميت، أو صاحب الشرط، أو القاضي أجزأهم.
ولو اجتمعت العامة على تقديم رجل لم يأمره القاضي ولا خليفة الميت لم تجز، ولم تكن جمعة، وإن لم يكن ثمة قاضي، أولا خليفة الميت (¬1)، فاجتمع العامة على تقديم رجل جاز للضرورة» انتهى.
وفي (تتمة الفتاوي)، وفي (العيون):
«والي المصر قد مات، ولم يبلغ موته الخليفة حتى مضت بهم جُمعٌ، فإن صلّى بهم خليفة الميت، أو صاحب شرطه، أو القاضي جاز؛ لأنه فوّض إليهم أمور العامة.
ولو اجتمعت العامة على أن يقدموا رجلا من غير أمر خليفة الميت، أوالقاضي لم تجز، ولم تكن جمعة؛ لأنه لم يفوض إليهم أمورهم إلا إذا لم يكن فيهم قاض، ولاخليفة الميت بأن كان الكل هو الميت، فحينئذ يجوز لأجل الضرورة» انتهى.
الجزء 1 · صفحة 2
وهكذا في الذخيرة، والواقع في هذه الحادثة أن الباشاه لم يَسْتَخلِف فتعيّن القاضي.
فإن قُلتَ: إنهم ذكروا الشرطي معهم، فلم يتعين، قلتُ: هذا في زمانهم.
قال في (المغرب):
«الشرطة بالسكون والحركة: خيار الجُند، وأَوَّلُ كتيبةٍ تحضُرُ الحربَ، والجَمْعُ شُرَطٌ، وصاحب الشرط في باب الجمعة يراد به أميرُ البلدة كأمير بخارا، وقيل هذا على عادتهم؛ لأن أمور الدِّين والدنيا كانت حينئذ إلى صاحب الشرطة لا إلى الشرط؛ لأنه جمعٌ» انتهى.
فتعيّن القاضي لأمر الدين، واستفيد منه أن الرعيّة لو اجتمعوا على تقديم رجل مع وجود القاضي لم تصح جمعتهم.
فإن قلتَ: إذا تعيّن القاضي لأمر الدين، فهل يتعّين لأمر الدنيا؟ قلت: نعم يتعيّن.
قال [الإمام العلامة] المحقق الكمال ابن الهمام - رحمه الله تعالى –:
«المقصود بالذات من الإمامة إنما هو إقامة أمر الدين، وأما النظر في أمور الدنيا وتدبيرها، كاستيفاء الأموال من وجوهها، وإيصالها لمستحقيها، ودفع الظلم، فمقصود ثانيا؛ لأنه إنما هو ليتفرغ العباد لأمر الدين، فإن أمور المعاش إذا انتظمت تفرغ الناس لأمر دينهم، ولهذا قال [أمير المؤمنين علي بن أبي طالب]- رضي الله تعالى عنه - حين قال له أبو بكر- رضي الله عنه -: أقيلوني كلّا والله لا نقيلك، ولا نستقيلك، قد رضيك رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لأمر ديننا، أفلا نرضاك لإمر دُنيانا»، انتهى.
ولا شك أن المقصود من الأمر هو المقصود من الإمامة أعني إنما هو إقامة أمرالدين.
وأما إقامة أمور الدنيا فتبع، فحيث عيّنوا القاضي لإقامة الجمعة التي هي أمر الدين [هي أهم أمور الدنيا]، فتعيينه لأمور الدنيا مما يتعلّق بالديوان، وبأموال بيت المال أولى، خصوصًا أن الإمام الأعظم فوّض إليه أمر العامة، وهذا من أمرهم.
وقد علّلوا للمسألة بأن الإمام الأعظم فوّض إلى القاضي أمر العامة.
فإن قلتَ: فحينئذ يجمع هذا القاضي بين مَنْصِب القضاء، والأمرة.