رسالة في مسألة دخول أولاد البنات تحت لفظ الولد والأولاد
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
ما جان بيو
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة في مسألة دخول أولاد البنات تحت لفظ الولد والأولاد
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
ما جان بيو
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أعلم الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
وبعد:
فهذه رسالة في مسألة دخول أولاد البنات تحت لفظ الولد والأولاد، وبيان الاختلاف في ذلك، وتحرير الأصح الأقوي:
فنقول وبالله المستعان:
قال الإمام الخصاف في «أحكام الأوقاف» في باب الرجل يقف أرضه صدقة على نفسه وولده وولد ولده ونسله:
قلت: أرأيت رجلا جعل أرضه صدقة موقوفة على ولده وولد ولده وأولاد أولادهم ونسلهم ما تناسلوا ثم من بعدهم على المساكين؟
قال: الواقف جائز، ويشترك ولده وولد ولده ما تناسلوا ....
إلى أن قال: فهل يدخل في ذلك ولد البنات؟
قال مروي عن أصحابنا رحمهم الله تعالى في رجل أوصى لولد فلان رجل بعينه بثلث ماله قالوا: إن كان له ولد لصلبه ذكورا وإناثا كان الثلث بينهم جميعا على عددهم.
وإن لم يكن له إلا ولد واحد ذكر أو أنثى كان الثلث كله له.
فإن لم يكن له ولد لصلبه وكان له ولد ولد من أولاده الذكور وأولاد الإناث كان الثلث لولد الذكور دون الإناث.
فقال من أجاز الوقف منهم: إن سبيل الوقف في هذا المثل سبيل الوصية. وقال: لا يدخل ولد البنات في الوقف، ومروي عنهم أنهم يدخلون في الوقف.
وقال محمد بن الحسن رحمه الله تعالى: يدخل (ولد) البنات في الوقف، واحتج بذلك في كتاب حججه على الإمام مالك رحمه الله تعالى، وهذا عندنا أحسن انتهى.
وقال في (الباب الأول):
إذا جعل أرضه صدقة على ولده وولد ولده وأولادهم ونسلهم وعقبهم ثم من بعدهم على المساكين هل يدخل ولد البنات مع ولد البنين؟
قال: نعم يدخل ولد البنات مع ولد البنين في ذلك، وإن سفلوا، ويكون أسوة أولاد البنين.
قلت: أليس قد روي عن الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى أن ولد البنات لا يدخلون مع ولد البنين في غلة هذه الصدقة، وإنما تكون الغلة لولد البنين دون ولد البنات (وإنما تكون الغلة لولد البنين دون ولد البنات).
قال: ما وجدنا أحدا يقوم برواية ذلك عنهم، وإنما روي عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال: رجل أوصى بثلث ماله لولد زيد ابن عبد الله قال: فإن وجد لزيد بن عبد الله ولد ذكور وإناث لصلبه، ثم يموت الموصي كان الثلث بين الذكور والإناث جميعا على عددهم، وإن كان واحدا كان ذلك له لأنه ولد زيد، فإن لم يكن لزيد ولد لصلبه وكان له ولد ولد من أولاد الذكور والإناث كان الثلث لولد الذكور دون البنات.
فاحسب أن أصحابنا رحمهم الله تعالى قاسوا الوقوف والله أعلم على الوصية، وشبهوا ذلك بها، لأن عامة ما قالوا في الوقوف إنما هو على قياس الوصايا مما يشبهها، وقال الإمام محمد بن الحسن رحمه الله تعالى: يدخل ولد البنات في هذه الصدقة فيكونون أسوة ولد البنين في الغلة لأن ولد البنات يقال لهم ولد ولد زيد انتهي.
وظاهر تصويره في الموضعين أن الخلاف ثابت فيما إذا وقف على ولده وولد ولده، وظاهر مسألة الوصية أن الخلاف فيما إذا وقف على ولده سواء ذكر ولد ولده أو لم يذكر.
وفي فتاوى قاضي خان رحمه الله تعالى: لو قال: أرضي صدقة موقوفة على ولدي كانت الغلة لولد صلبه، يستوي فيه الذكر والأنثى إلا أن يقول: على الذكور من ولدي، فلا يدخل فيه الإناث، وما دام يوجد واحد من ولد الصلب كانت الغلة له لا غير، فإن لم يبق واحد من البطن الأول تصرف الغلة إلى الفقراء ولا يصرف إلى ولد الولد شيء.
وإن لم يكن له وقت الوقف ولد لصلبه وله ولد الابن كانت الغلة لولد الابن لا يشاركه في ذلك من دونه من البطون، ويكون ولد الابن عند عدم ولد الصلب بمنزلة ولد الصلب، ولا يدخل فيه ولد البنت في ظاهر الرواية.
وبه أخذ هلال رحمه الله، وذكر الإمام الخصاف عن محمد رحمها الله تعالى أنه يدخل فيه أولاد البنات أيضا.
والصحيح ظاهر الرواية لأن أولاد البنات ينسبون إلى آبائهم، لا إلا أمهاتهم، بخلاف ولد الابن.
وذكر في السير: إذا قال أهل الحرب: أمنونا على أولادنا فأمنهم يدخل في الأمان أولادهم لأصلابهم من الذكور والإناث وأولاد أولادهم من قبل الرجال فأما أولاد البنات فليسوا بأولادهم. ذكر في السير ما يوافق ظاهر الرواية.
ولوقال: أرضي هذه صدقة موقوفة على ولدي، وولد ولدي. ولم يزد على هذا يدخل فيه ولد لصلبه وأولاد بنيهيشتركون في الغلة، ولا يقدم ولد الصلب على ولد الابن لأنه سوي حينما في الذكر، وهل يدخل فيه ولد البنت؟ قال الإمام هلال رحمه الله: يدخل.
وكذا لوقال: أرضي هذه صدقة موقوفة على ولدي وولد ولدي الذكور، قال الإمام هلال رحمه الله: يدخل فيه الذكور من ولد البنين والبنات.
وقال الإمام علي الرازي رحمه الله تعالى: إذا وقف على ولده وولد ولده يدخل فيه الذكور من ولده، فإذا انقرضوا فهو لمن كان ولد ابن الواقف دون ولد ابنة الواقف.
ولو قال: على أولادي وأولادهم كان ذلك لكلهم يدخل فيه ولد الابن وولد البنت.
والصحيح ما قال الإمام هلال رحمه الله، لأن اسم ولد الولد كما يتناول أولاد البنين، يتناول أولاد البنات، فإنه ذكر في السير: إذا قال أهل الحرب: أمنونا على أولاد أولادنا، يدخل فيه أولاد البنين وأولاد البنات.
قال الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: لأن ولد الولد اسم لمن ولده ولده وابنته ولدته فمن ولدته ابنته يكون ولد ولده الحقيقة، بخلاف ما إذا قال: ولدي، فإن ثمة ولد البنت لا يدخل في الوقف في ظاهر الرواية، لأن اسم الولد يتناول ولده لصلبه، وإنما يتناول ولده الابن لأنه ينسب إليه عرفا.
وعن محمد رحمه الله تعالى: أن ولد الولد يتناول ولد البنت عند أصحابنا رحمهم الله تعالى، وذكره هلال رحمه الله في الوقف، إذا قال: وقفت على ولدي وولد ولدي فالذكور من ولد البنين والبنات سواء يدخلون في الوقف انتهي.
وفي «الإسعاف»: ولو قال: أرضي هذه صدقة موقوفة على الذكور من ولد وعلى أولادهم، فهي للذكور من ولده لصلبه، ولولد الذكور إناثا كانوا أو ذكورا دون بنات الصلب، فلا تعطي البنت الصلبية، وتعطى بنت أخيها.
ولو قال: على ذكور ولدي وذكور ولد ولدي يكون للذكور من ولده لصلبه، وللذكور من ولد ولده، ويكونوا الذكور من ولد البنين والبنات في الغلة سواء، ولا يدخل فيه أنثى من ولده ولا ولد ولده.
ولو قال: على ولدي، وعلى أولادي الذكور من ولدي، تكون الغلة على ولده لصلبه الذكور والإناث، وعلى الذكور والإناث من ولد الذكور من ولده ويكونون فيه سواء، ولا يدخل ولد البنات الصلب.
وذكر في فتاوى قاضي خان رحمه الله، وذكر في الظهيرية كما في الخانية.
والحاصل: أن الإمام الخصاف رحمه الله أدخل ولد البنت في الوقف سواء ذكر بلفظ ولدي، أو أولادي، وسواء ذكر البطن الثاني، بأن قال: على ولدي، وولد ولدي أو على أولادي، وأولاد أولادي، واقتصر على البطن الأول.
وأما الإمام العلامة علي الرازي رحمه الله تعالى فلا يقول بالدخول، إلا إذا ذكر البطنين بلفظ الجمع، كما إذا قال: على أولادي، وأولادهم.
وأما غيرهما ففرق بين أن يذكر البطن الثاني، فيدخل أولاد البنات. و يقتصر على بطن الأول فلا يدخلون.
والفرق المذكور هو ظاهر الرواية، وهو صحيح كما في الخانية والظهيرية.
وقال في وصايا الفتاوى الصغرى:
وذكرالإمام شمس الأئمة وشيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده أن ولد البنت لا يدخل في الوصية ولما في الوقف في ظاهر الرواية. وفي رواية العلامة الخصاف عن محمد رحمها الله يدخل، لكن الرواية منصوصة في الوقف، غير أن الوصايا والوقف واحد. والفتوى على ظاهر الرواية.
وفي الكافي، وعصام، والقدوري والسيرلا يدخل ولد البنت. وذكر الإمام الخصاف عن محمد عن الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليهم أنه يدخل.
وفي فتاوى الإمام أبو الليث رحمه الله في الوقف: لا يدخل، وعليه الفتوى انتهي.
وفي الولوالجية والتجنيس: الفتوى على ظاهر الرواية من عدم الدخول في الوقف والوصية.
وحاصل ما ذكره شيخ الإسلام عبد البر في شرح المنظومة أنه لو وقف على نسله، ففي دخول أولاد البنات روايتان، وجزم به الإمام الخصاف رحمه الله بالدخول في مسألة الموالي، فكان ترجيحا لإحدي الروايتين.
ولو وقف على أولاده فالصحيح عدم دخول الأولاد البنات، ولو وقف على ذريته ففي دخولهم روايتان.
وينبغي ترجيح الدخول في هذه الأعصار، لأن عرفهم عليه، (و) لا يفهمون غيره، ولا يسري إلى أوهامهم غالبا سواه.
ولو وقف على ولده وولد ولده، فنقل ما في فتاوى القاضي من التصحيح الدخول، ثم قال:
قلت: وينبغي أن تصحح رواية الدخول قطعا، لأن فيها نص محمد عن أصحابنا رحمهم الله، والمراد بهم في مثل هذا الإمام أبو حنيفة وأبو يوسف، وقد انضم إلى ذلك أن الناس في هذا الزمان لا يفهمون سوى ذلك ولا يقصدون غيره، وعليه عملهم وعرفهم، مع كونه حقيقة اللفظ كما قدمناه انتهي.
والله أعلم بالصواب.