رسالة في متروك التسمية عمداً
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
محمد يوسف علي الهندي
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة في متروك التسمية عمداً
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
محمد يوسف علي الهندي
إشراف:
د. براء السعدي
رسالة في متروك التسمية عمداً
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على ما أنعم، والصلاة والسلام على أفضل من علَّم.
و بعد:
فهذه رسالة في متروك التسمية، أَذْكُرُ فيها الاختلاف بين الآئمة و دليلهم على وجه الاختصار، ألّفتُها في أول سنة سبعين وتسعمائة حين أقرأ الهداية بالصَّرْغَتُمشية (¬1) من قوله: وإذا رفع إليه حُكْمُ حَاكِم أمضاه إن لم يخالف الكتاب والسنة والإجماع إلى آخره، فقلت: مستعينا بالله عز وجل:
قال عطاء (¬2): (كُلُّ ما لم يُذكر اسم الله عليه من طعام وشراب فَهُو حَرَام، تمسّكًا بعموم الآية كما ذكره الفخر الرازي (¬3).
¬
(¬1) يعني المدرسة الصَّرغتمشيَّة نسبةً إلى الأمير سيف الدين صَرْغتمش الناصري، وكَمُل بناؤُها سنة (756 هـ)،ملاصقة لجامع ابن طولون، بينه وبين قلعة الجبل وقصرَها منشؤُها على المذهبِ الحنفيِّ، وكان معاديًا للشَّافعيَّة. ينظر: الدُّرر: (1/ 415)، تحقيق الفوائد الغياثية للكرماني: 1/ 52، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار 4/ 26.
(¬2) الإمام عطاء بن أبي رباح 27 هـ = 114 هـ هو أبو محمد عطاء بن أسلم القرشي المكي، أحد كبار التابعين الثقات الرفعاء من أجلة الفقهاء، وكان ثقة فقيهاً عالماً كثير الحديث، وكان عبداً أسود، ولد في چند باليمن، ونشأ بمكة فكان مفتي أهلها ومحدثهم، مات سنة (114 هـ)، وولد (27 هـ). ينظر: البداية والنهاية 306/ 9، الأعلام 235/ 4، تهذيب التهذيب: 5/ 567.
(¬3) ينظر: تفسير الرازي: 13/ 130.
- وقال مالك (¬1): متروك التسمية من الذبائح عمداً أو سهواً حرام (¬2).
- وقال الشافعي: متروكها من الذبائح حلال عمداً أو سهواً (¬3).
- وقال أبو حَنِيفَة: إن تركها سهواً فهي حلال، أو عمداً فهي حرام.
وأصله قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفسُقٌ، وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121].
¬
(¬1) هو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (???هـ) إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأعلام ومؤسس المذهب المالكي، ولد بالمدينة المنورة، وعاش كل حياته بها، ومات فيها ودفن بالبقيع. ومن شيوخه ابن شهاب الزهري، ربيعة بن عبد الرحمن ونافع ومن تلاميذه على بن القاسم وسحنون وأسد بن الفرات، ومن تصانيفه: الموطأ، وتفسير غريب القرآن، والمدونة والرد علي القدرية | ينظر: ترتيب المدارك: 1/44، طبقات الفقهاء: 67/1، طبقات الحفاظ:1/16.
(¬2) المصرح به في كتب المالكية خلاف ذلك، ففي «مختصر خليل» (ص 78): وتسمية إن ذكر، في «روضة المستبين»:1 (/685): في متروك التسمية روايتان، المشهور أنه مباح. ينظر: شرح ابن ناجي: 1/ 369، بغية المقتصد: 8/ 5173، التاج والإكليل (4: 239)، ومنح الجليل (2: 430).
(¬3) ينظر: روضة الطالبين للنووي:2/ 205، المجموع شرح المهذب:9/ 86.
فعمل عطاء بعموم ما [في الآية] (¬1)، وخصّها غيره بالذبيحة لسياق الآية، وخصّها الشافعي بالميتة وذبيحة المشركين بناءً على أن (الواو) في قوله تَعَالَى {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} للحال وَهُوَ مُجْمَلٌ (¬2) فُسّرَ في آية أخرى بقوله {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ به} [الأنعام:145] ولآخر الآية فإنَّ المجادلة إنما كانت في الميتة فإنَّ المشركين قَالُوا: كيف تأكلون ما قتله الصقر والبازي ولا تأكلوا ما قتله الله؟! وقد أخبر الله تعالى أن من أطاعهم كان من المشركين. (¬3)
ومن حُجَّة الشافعي علينا أنَّا لَو أَطلقنا الفِسْقَ لَلَزِمَ مخالفة الإجماع وَهُوَ أَنَّ مَنْ أَكَلَ المتروك التسمية عامدًا لا يحكم بفسقه شرعًا، كما ذكره الفخر الرازي (¬4) (¬5).
¬
(¬1) ساقطة من (ب)، (ج).
(¬2) هو ما ازدحمت فيه المعاني واشتبه المراد اشتباها لا يدرك بنفس العبارة بل بالرجوع إلى الاستفسار. كشف الأسرار: 1/ 54.
(¬3) ينظر: الحاوي الكبير: 15/ 12، تفسير الرازي:13/ 131.
(¬4) هو: أحمد بن علي، الرازي، أبو بكر، الجصاص) - 370 هـ / 980 م): من أهل الراي، سكن بغداد ومات فيها. انتهت إليه رئاسة الحنفية، وخوطب في أن يلي القضاء فامتنع. الخطيب هو إمام أصحاب أبي حنيفة في وقته، له كتب: (أحكام القرآن)، (وهو مطبوع) وكتاب في أصول الفقه (مخطوط)، وشرح مختصر الطحاوي (الزركلي: الأعلام 1/ 171)، الفوائد البهية:28.
(¬5) ينظر: تفسير الرازي: 13/ 130.
وأصحابنا رحمهم الله تعالى جعلوا (الواو) للعطف، وفي «المغني» (¬1) لابن هشام (¬2) في (الكتاب الرابع، في العطف)، كما ذكره الرازي «في تفسيره» (¬3)
¬
(¬1) مغنى اللبيب في النحو للشيخ جمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف المعروف بابن هشام النحوي المتوفى سنة 762 و أنشأ فيه الإعراب عن قواعد الإعراب حسن وقعه عند أولي الألباب، ومن شروحه: المنصف من الكلام على مغني ابن هشام لتقي الدين الشمتني،، تحفة الغريب بشرح مغني اللبيب لمحمد بن أبي بكر الدماميني، كافي المغني لأبو باشر المالكي. ينظر: كشف الظنون:2/ 1752 - 1753.
(¬2) هو: عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام: (708 - 761 هـ = 1309 - 1360 م) من أئمة العربية. مولده ووفاته بمصر قال ابن خلدون: و ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه). من تصانيفه: (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، و (عمدة الطالب في تحقيق تصريف ابن الحاجب)، و (رفع الخصاصة عن قراء الخلاصة (الزركلي: الأعلام 147/ 4)، والنجوم الزهرة: 10/ 336
(¬3) مفاتيح الغيب: المعروف بـ "التفسير الكبير"، للإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي، توفي سنة 606،قال ابن خلكان: جمع فيه كل غريب؛ وهو كبير جدا لكنه لم يكمله، واختصره برهان الدين محمد بن محمد النسفي، المتوفى سنة 687، وسماه: "الواضح. كشف الظنون: 6/ 627،لآلي المحار:1/.242 ..
قال: «إنّ مجلساً جمعه وجماعة من الحنفية، وأنهم زعموا أن قول الشافعي يحل أكل متروك التسمية مردود بقوله تَعَالَى {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّه، عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121]، فقال: فقلتُ لهم: لا دليل فيها، بل هي حجة للشافعي رحمه الله وذلك؛ لأنّ (الواو) ليست للعطف لتخالف الجملتين الاسمية والفعلية، و لا للاستئناف؛ لأن أصل الواو أن تربط ما بعدها بما قبلها، فبقي أن تكون للحال، فتكون جملة الحال مفيدة للنهي.
والمعنى: لا تأكلوا منه في حالة كونه فسقاً، ومفهومه: جواز الأكل إذا لم يكن فسقاً، والفسق قد فسّره الله تعالى بقوله {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام:145]، فالمعنى: لا تأكلوا منه إِذَا سُمِّي عليه غير الله، ومفهومه: كلوا منه إذا لم يُسَمَّ عليه غير الله، (¬1) انتهى ملخصا موضحًا. ولو أبطل العطف بتخالف الجملتين بالإنشاء والخبر لكان صواباً». (انْتَهَى) (¬2).
¬
(¬1) وقد أنكر أبو حنيفة المفاهيم المخالفة لمنطوقاتها كلها فلم يحتج بشيء منها في كلام الشارع فقط كما نقله ابن الهمام في تحريره، فإن مفهوم المخالفة لو ثبت فإما أن يثبت بلا دليل وهو باطل بالاتفاق، أو بدليل عقلي ولا مجال له في اللغة. ينظر: الكليات لأبي البقاء الحنفي: ص458.
(¬2) مغني اللبيب لابن هشام: ص631/ 632.
وفي حاشيته (¬1) للدماميني (¬2): قوله: «ولا للاستئناف؛ لأنّه أصل الواو أن تربط ما بعدها بما قبلها،» أقول: الذي نقله عنه السراج الهندي (¬3) في شرح البديع (¬4)
¬
(¬1) تحفة الغريب على مغني اللبيب للشيخ محمد بن أبي بكر الدماميني، توفي سنة 828 أول شرح المغني للدماميني وهو شرح صغير، كان تأليفه بمصر ثم لما رحل إلى الهند شرحه هناك شرحا أطول منه. ينظر: الحاشية المصرية للدماميني بتحقيق فاطمة عائض السالمي: ص23_24، كشف الظنون: 1/ 1752.
(¬2) محمد بن أبي بكر بن عمر بن أبي بكر بن محمد، المخزومي القرشي، بدر الدين المعروف بابن الدماميني: عالم بالشريعة وفنون الأدب. ولد في الإسكندرية، واستوطن القاهرة، ومات في الهند في مدينة (كلبرجا). من كتبه (تحفة الغريب، شرح لمغني اللبيب، إظهار التعليل المغلق قال السخاوي في الضوء اللامع: وكان أحد المتكلمين في فنون الأدب، أقر له الأدباء بالتقدم فيه. ينظر: الأعلام للزركلي: 6/ 57، كتاب نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر لعبد الحي الحسني: 3/ 268.
(¬3) وهو: عمر بن إسحاق بن أحمد، سراج الدين، الهندي، الغزنوي، أبو حفص (- 773 هـ / 1372 م)،قال اللكنوي: كان إماما علامة نظارا فارسا في البحث مفرط الذكاء عديم النظير. له كتب، منها: التوشيح في شرح الهدية)، و (الغرة المنيفة في ترجيح مذهب أبي حنيفة)، و (الشامل) وغير ذلك. ينظر: (الزركلي: الأعلام 5/ 42)، الفوائد البهية:148.
(¬4) كاشف معاني البديع وبيان مشكلة المنيع للشيخ العلامة سراج الدين أبو حفص عمر بن إسحاق الهندي الحنفي المتوفى (773) وهو شرح بديع النظام الجامع بين كتابي البزدوي والأحكام- للشيخ الإمام مظفر الدين أحمد بن علي المعروف بابن الساعاتي البغدادي الحنفي المتوفى (649)،جمع فيه زبدة كلام الآمدي والبزدوي. كشف الظنون: 1/ 235 ..
أَنَّهُ قال: وجه الاستدلال أنَّ الواو هنا يجب أن تكون للعطف أو للحال تعليلاً للاشتراك (¬1) الذي هُوَ عَلَى خلاف الأصل، فيدل على الحصر فيهما، ثم لا يجوز كونه للعطف؛ لأن قوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} جملة إسمية مؤكدة بـ (إنّ) وما قبلها، وقوله {وَلَا تَأْكُلُوا} جملة فعلية إنشائية وعطف الجملة الإسمية على الفعلية قبيح لا يُصار إليه إلا للضرورة إليه كما في آية الفسوق، والأصل عدمها، فلمّا بطل كونها للعطف تَعَيّن كونها للحال، فتكون جملة الحال مفيدة للنهي.
أقول: اعترض على هذا بأن التأكيد بـ (إنّ) و (اللام) تنفي كون الجملة حالية؛ لأنّه إنما يحسن فيما قصد الإعلام بتحققه البتّة والرد على منكره تحقيقاً أو تقديرًا عَلَى مَا بين في علم المعاني (¬2)، والحال الواقع من الأمر والنهي مبناه على التقدير، كأنه قيل: (لا تأكلوا منه إِنْ كَانَ فِسقًا فلا يحسن، وإنه لفسق بل وَهُوَ فسق).
ولو سُلَّمَ كونها حالية فلا نُسَلِّمُ أَنَّهَا قيّد للنهي، بمعنى أَنَّهُ يكون النهي عن أكله في هذه الحالة دون غيرها، بل يكون إشارة إلى المعنى الموجب للنهي، كما يقال: (لا تُهِنْ زيدًا وَهُوَ أخوك) و (لا تُؤْذِ فلانًا وَهُوَ محسن إليك) و (لا تشرب الخمرَ وَهُوَ حرام عليك)، ولا يكون قيداً للنهي لأنه حينئذ لا يكون له فائدة لأنّ كونه منهياً عنه حال كونه فسقاً معلوم لا حاجة إلى بيانه.
¬
(¬1) ما وضع لمعنيين مختلفين أو لمعان مختلفة الحقائق، و الواو تدل على معاني كثيرة و منها: العطف، الاستئناف، والحال. ينظر: اصول الشاشي:1/ 36، الجامع لمسائل أصول الفقه:1/ 208.
(¬2) علم المعاني: أصولٌ وقوَاعِد يُعرف بها أحوال الكلام العربي التي يكون بها مُطابقًا لِمقتضى الحال بحيث يكون وفق الغَرَضِ الذيِ سيقَ له. ينظر: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع:1/ 47، بغية الإيضاح للصعيدي:1/ 33.
قوله: «والفسق قد فسره الله تعالى .... إلى آخره» أقول: ادعى الإمام أن المراد من كونه فسقاً غير مذكور فكان مجملاً محتاجاً إلى البيان، إلا أنه جعل بيانه في آية أخرى وهي قوله {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ به،} واعترض بأنا لا نُسَلِّمُ الإجمال؛ لأنّ معني الفسق مشهور في الشرع يفهمه الكل، وَهُوَ الخروج عن الطاعات، وإنْ سُلَّمَ أَنَّهُ مُجمل فلا نُسَلِّمُ إلى بيانه بقوله تَعَالَى {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} فلابد لذلك من دليل (¬1).
قوله: «فالمعنى: لا تأكلوا منه إذا سمى عليه غير الله»، أقول: اعترض هذا أيضًا بأنّ ما قدّره أخصّ ما لم يُذكر اسم الله عليه إذ الذي لم يذكر عليه اسم الله و لا اسم غيره، وحمل الكلام على أعم المجملين أولى؛ لأنه أعم فائدة، فيحرم متروك التسمية عمدًا بعموم هذا، ولا يخص التحريم بما أهل به لغير الله تعالى.
وأيضًا فالتحريم إنّما كان للإعراض عن تسمية الخالق الرازق، والإجلال لتعظيمه؛ لأنه مناسب وَهُوَ معنى عام يشمل متروك التسمية عمداً والمهلّ به لغير الله، وهذا أولى مِنْ أَن يجعل المناسب تسمية غير الله؛ لأنها كالاشتراك، إذ هذا مناسب خاص ببعض الصور والأول عام مشترك بين الصور فكان إضافة الحكم إليه أولى من إضافته إلى المناسب العام.
قوله: «ولو أبطل العطف بتخالف الجملتين بالإنشاء والخبر لكان صواباً،» أقول: قد عرفت أن المسألة خلافية فللخصم أن يلتزم جواز العطف في ذلك مصيراً إلى قول من ذهب إليه (¬2). (انْتَهَى ما ذكره الدماميني) (¬3).
وحاصله: أن الشافعي رحمه الله استدل بوجوه:
¬
(¬1) الذي يدل على أنها في الميتة. ينظر: الكليات:459.
(¬2) الصحيح جواز عطف الخبر على الإنشاء والجملة الاسمية على الفعلية، والعكس. ينظر: ضياء السالك إلى أوضح المسالك للنجار3/ 226.
(¬3) لم أقف على ألفاظ المنقولة ولا معناها في هذا الكتاب. والله أعلم.
• الأول: أنّ (الواو) للحال، فأبطله الحنفي بأنه لا يحسن لتأكيد بأنّ، واللام، فرده الشافعي بأنه يحسن تأكيده للرد على المشركين المنكرين قال الحنفي: سلمنا أنَّها للحال لكن لا نسلّم أنه قُيّد للنهي لعدم المناسبة، كما قدمناه.
• والثاني: أنّ الفسق مُجمل بُيّن في أخرى، فأبطله الحنفي بمنع إجماله.
• الثالث: أنّ آخر الآية يدل على أنّ أولها فيما أُهِلَّ به لغير الله. فأبطله الحنفي بأن آخرها يدل عَلَى أَنَّهَا في الميتة كما قدمناه، فقال الحنفي: إنها للعطف.
فأبطله الشافعي بلزوم عطف الجملة الإسمية على الفعلية، وَهُوَ قبيح، قلت: إلا لضرورة كما قدمناه ولا للاستئناف لعدم الربط فيه كما قدمناه. وقلت أيضًا: ولم يقع الاتفاق على منع جواز عطف الاسمية على الفعلية، فقد ذكر ابن هشام في «المغنى» ثلاثة أقوال ورجّح الجواز قال (¬1): وَهُوَ المفهوم من كلام النحويين في باب الاشتغال، (¬2) فقال الشافعي: أبطله للزوم عطف الخبرية على الإنشائية، وَهُوَ غير صحيح. فرده الحنفي بأنّ في الجواز اختلافاً.
قال الشافعي: إنك إذا أطلقتَ الفسق لزم أَنَّ آكِل متروك التسمية عمداً فاسق، وَهُوَ خلاف الإجماع وردّه الحنفي بأنَّ الضمير وإن جاز عَوْدُهُ إلى الأكل المستفاد من الفعل ولكن أجعله عائدا إلى (ما)، فكأنه جعل ما لم يذكر اسم الله عليه فسقاً مبالغة، لا أنّ أكله فسق، ولا آكله فاسقاً.
¬
(¬1) عطف الاسمية على الفعلية وبالعكس: فيه ثلاثة أقوال أحدها الجواز مطلقا وهو المفهوم من قول النحويين في باب الاشتغال في مثل قام زيد وعمرا أكرمته إن نصب عمرا أرجح لأن تناسب الجملتين المتعاطفتين أولى من تخالفهما، والثاني المنع مطلقا حكي عن ابن جني أنه قال في قوله: (عاضها الله غلاما بعد ما ... شابت الأصداع والضرس نقد) إن الضرس فاعل بمحذوف يفسره المذكور وليس بمبتدأ ويلزمه إيجاب النصب في مسألة الاشتغال السابقة إلا إن قال أقدر الواو للاستئناف والثالث لأبي علي أنه يجوز في الواو فقط نقله عنه أبو الفتح في سر الصناعة وبنى عليه منع كون الفاء في خرجت فإذا الأسد حاضر عاطفة وأضعف الثلاثة القول الثاني وقد لهج به الرازي في تفسيره ينظر: مغني اللبيب: ص630.
(¬2) الاشتغال: أن يتقدم اسم ويتأخر عنه فعل قد عمل في ضمير ذلك الاسم أو في سبيبه وهو المضاف إلى ضمير الاسم السابق فمثال المشتغل بالضمير زيدا ضربته وزيدا مررت به ومثال المشتغل بالسببي زيدا ضربت غلامه. ينظر: شرح ابن عقيل:2/ 129.
والله تعالى أعلم بالصواب وصلي الله على سيدنا محمد و آله وصحبه وسلّم.