رسالة في طلب اليمين بعد حكم المالكيّ والإبراء العامّ
للفقيه زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
سالم محمد عودة أبو مديغم
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة في طلب اليمين بعد حكم المالكيّ والإبراء العامّ
للفقيه زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
سالم محمد عودة أبو مديغم
إشراف:
د. براء السعدي
رسالة في طلب اليمين بعد حكم المالكيّ والإبراء العامّ
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد، خاتم النّبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فقد وقعت مسألة في زماننا، هي أن امرأة أقرّت عند حاكم مالكيّ المذهب، وهي بحال الصّحة والسّلامة، لابنتها فلانة بقدر معيّن، ثمّ وقع بينهما تباري عامّ مطلق، ما عدا علقة الإقرار المعيّن، وحكم المالكيّ بموجب ذلك حكمًا صحيحًا، [ثمّ بعد ذلك عتهت المُقِرّة المذكورة فأقام القاضي ولدها وصيًّا عليها] ثمّ بعد ذلك ادّعت ابنتها المُقَرّ لها بما أقرّت به أمّها لها سابقًا، وسمع دعواها حاكم حنفيّ فسُئل الوصيّ عن ذلك، فأجاب بأنّ أمّها أقرّت لابنتها كاذبة، ولم يكن في ذمّتها لها شيء من ذلك، وطلبت من القاضي الحنفيّ أن يُحلّف المُقَرّ لها على أن المُقِرّة ما كانت كاذبة في إقرارها وأنها لم تكن مبطلة فيما تدعيه، وأنها تستحقّ هذا القدر في ذمّة والدتها المُقِرّة، فلم يلتفت الحاكم إلى قوله، وحكم عليه بالدّفع من مال المقرّة بعد ثبوت الإقرار عنده بالبيّنة واتصاله بحكم المالكيّ السابق وتمسّك الحنفيّ في صحّة حكمه بدليلين:
الأوّل: أنّ الحاكم المالكيّ حكم بصحة الإقرار وموجبه، ومذهب المالكيّة أن لا يمين على المُقَرّ له في هذه الصورة؛ وهذه مسألة اجتهاديّة فحيث حكم المخالف فيها ارتفع الخلاف؛ فلمّا رفعت إلى الحنفيّ واتصل حكم المالكيّ به فإنّه يُمضيه.
الثاني: أنّه على تقديرات المخالف لم يحكم؛ فإنّه يمتنع التحليف لما وقع بينهما من التباري العام المطلق، خصوصًا قال الموثق فيه ولا يمينًا بالله تعالى، ووافق هذا القاضي الحنفيّ جماعة من حنفيّة زماننا وخالفهم البعض، فقال أن هذا الحكم كان قبل استيفاء شروطه الشّرعيّة لعدم تحليف المُقَرّ لها؛ لأنّ المُفتى به في المذهب تحليف المُقَرّ له كما ذكر الوصيّ فطلب منه بيان ذلك وإيضاحه وذكر المنقول فيه على حسب «التيسير»، فقال ليعلم أوّلًا أنّ الإقرار في الشّرع كما ذكره في «الكنز» وغيره إخبار عن ثبوت حقّ الغير على نفسه؛ وقد اختلف المشايخ في أنّ الإقرار إخبار أو تمليك ابتداءً؛ فاختار في «النهاية»، و «التّبيين» و «فتاوي قاضي خان» و «العماديّة» و «البزازيّة» و «الخلاصة» و «شرح المجمع» وغيرها الأوّلَ؛ واستدلّوا على ذلك بمسائل:
الأولى: أنّه إذا أقرّ بعين لا يملكها صحّ الإقرار، حتّى لو ملكه بعد ذلك أُمر بالتّسليم، ولو كان تمليكًا لم يصحّ؛ لأنّ ما ليس بمملوك له لا يصحّ.
والثّانية: المريض الّذي لا دين عليه، إذا أقرّ بجميع ماله لأجنبيّ فإنّه يصحّ إقراره من غير توقّف على إجازة الوارث ولو كان تمليكًا لم ينفذ إلّا بقدْر الثُلُث عند عدم الإجازة.
والثّالثة: العبد المأذون إذا أقرّ لرجل بعين في يده صحّ إقراره؛ ولو كان الإقرار سببًا للملك لكان تبرّعًا من العبد؛ فلا يصحّ.
والرّابعة: إذا أقرّ لمسلم بخمر صحّ إقراره حتّى يؤمر بالتّسليم، ولو كان تمليكًا لم يصحّ.
والخامسة: إذا أقرّ بالطّلاق والعتاق مكرهًا لم يصحّ، ولو كان إنشاء يصحّ.
والسّادسة: إذا أقرّ بنصف داره مشاعًا يصحّ، ولو كان تمليكًا لم يصحّ عند «أبي حنيفة».
والسابعة: إذا أقرّت المرأة بالزوجيّة يصحّ، ولو كان تمليكًا لم يصحّ إلّا بمحضر من الشّهود.
والثّامنة: أنّها لو ادّعى على رجل أنّه أقرّ له بهذا الشيء ولم يقل ملكه، اختلف المشايخ؛ منهم من قال يقضي القاضي كما لو قالت الشّهود أنّه له، وأكثرهم أنّه لا يصحّ ما لم يقل إنّه أقرّ به لي وهو ملكي، وهكذا قال في «الأقضية» أنّه لا تسمع هذه الدّعوى، وعليه الفتوى، كذا في «الخلاصة» بلفظه وتبعه في «الفتاوى البزازيّة» و «العماديّة» بناءً على أن الإقرار إخبار لا تمليك، وصرّح به ابن الغرس في «الفواكه»، وذكر أنّ عند سماع الدّعوى هو الصّحيح المُفتى به بناءً على أنّه إخبار لا سبب للزوم المقر به على المقرّ.
التاسعة: إذا كان المُقَرّ له يعلم أنّ المُقِرّ كاذب في إقراره لا يحلّ له أخذه عن كره منه فيما بينه وبين الله تعالى، إلّا إذا سلّمه إليه بطيب نفسه هبة مبتدأه منه بناء على أنه إخبار وليس بتمليك؛ ولهذا قالوا أقرّ في صحّته أن جميع ما هو داخل في منزله، سوى الثياب التي عليه، ملك زوجته، ومات عن ابن فادّعى الابن أن الكلّ تركة، ففي الديانة تملك كلّ ما علمت أن الزّوج وهبه لها، أو باعه لها، أو أعطاها بحساب المهر. وما لم يكن ملكًا لها لا يصير بهذا الإقرار ملكًا. كما عرف أن الإقرار كاذبًا ليس من أسباب الملك، ذكره في «البزازيّة» وغيرها، فقد ظهر مما ذكرناه أنّ الإقرار إخبار وليس بتمليك، فإذا أقرّ لإنسان بدين أو غيره ثمّ قال كنت كاذبًا فيما أقررت حُلّف المُقَرّ له على أنّ المُقِرّ ما كان كاذبًا فيما أقرّ به، ولست بمبطلٍ فيما تدّعيه عليه من الإقرار، كذا ذكره في الكنز في مسائل شتّى.
وقال «الزّيلعيّ» شارحه أنّه قول «أبي يوسف»، وعليه الفتوى لتغيّر أحوال النّاس وكثرة الخداع والخيانات وهو يتضرّر بذلك، والمدّعي لا يضرّه اليمين إن كان صادقًا فيُصار إلي. انتهى.
وذكر «البزّازيّ» في فتاواه، إذا أقرّ البائع بقبض الثّمن، ثمّ قال لم أقبض، أو أقرّ ببيع شيء ثمّ قال كنت كاذبًا، أو أقرّ المديون بقبض الدّين ثمّ قال كنت كاذبًا، يُصدّق في الكلّ، ويحلف للمقرّ له استحسانًا، وهو مذهب الإمام الثاني. ورُويَ عن محمّد أنّه رجع إلى هذا القول، وعند الإمام ومحمّد لا يحلّف، وهو القياس. قال السرخسي الاحتياط في الأخذ بقول الإمام الثاني، ومشايخنا أخذوا بقوله فيما يتعلّق بالقضاء، والخبر ليس كالعيان. ثمّ قال باع عينًا وأخذ القبالة بالدّنانير، العبرة للعقد فيما بينه وبين الله تعالى؛ فلو برهن أنّ العقد بالدّراهم يقضي بالدّراهم، وإن لم يكن له بيّنة يُحلّفه عند الثاني بالله ما عليك دنانير، وعليه الفتوى. انتهى. وهكذا في كثير من الكتب أن الإقرار هازلًا يوجب المال؛ فإذا ثبت أنّ المذهب المفتى به تحليف المقرّ له وكان الوصيّ المذكور قائمًا مقامَ أمّه المعتوهة فله تحليف المُقَرّ لها، ويدلّ عليه ما ذكره قاضي خان في فتاواه من كتاب الإقرار، رجل أقرّ لرجل بدين، ثمّ مات، فقال وارث الميّت كان إقراره تلجئة، قالوا يحلف المقرّ له لقد أقرّ لك إقرارًا صحيحًا،] وفسّر «صاحب المحيط» التلجئة بالكذب وقال «البزازيّ» في فتاواه من الفصل الثاني فيما يجري فيه الحلف «فإن مات المُقِرّ وادّعى ورثته، إن كان أقرّ تلجئة يحلف المُقّرّ له لقد أقرّ إقرارًا صحيحًا» [كذا أجاب «الزّعفرانيّ»؛ «لأنّهم ادّعوا عليه أمرًا لو أقرّ به صح، فإذا أنكر يُحلّف». انتهى.
فإذا كان للوارث تحليف المقرّ له بعد موت المقرّ، فللوصيّ التحليف بالطريق الأولى لبقاء المقرّ، ويفيد ما علّل به «البزازيّ»؛ لأنّ المقرّ لها لو أقرّت بما ادّعاه الوصيّ من كذب أمّها لم يكن لها مطالبة بما ادّعت به، فإذا أنكرت تُحلّف، كما هو القاعدة المقرّرة المعروفة، ولهذا قال في «الخلاصة» عن «الزّيادات»، كلّ موضع لو أقرّ لزمه، فإذا أنكر يُستحلف، إلّا في مسألتين:
الأولى: الوكيل بالشراء إذا وجد بالمشترى عيبًا؛ فأراد أن يردّ بالعيب وأراد البائع أن يحلف بالله ما يعلم أنّ الموكل رضي بالعيب لا يُحلّف، وإن أقرّ لزمه.
الثانية: الوكيل بقبض الدّين إذا ادّعى المديون أنّ الموكّل أبرأه عن الدّين، وطلب يمين الوكيل على العلم لا يُحلّف وإن أقرّ به لزمه. انتهى.
فإذا ثبت وجوب اليمين على المقرّ لها، فالحكم قبل تحليفها غير نافذ، فإن قلت إنّ المسألة اجتهاديّة، فحكم الحاكم فيها ماضٍ، ولا يجوز نقضه لما علم في كتاب القضاء، قلت: هذا على إطلاقه في حقّ المجتهد، أمّا القاضي المقلّد فليس له الحكم إلّا بالصحيح المُفتى به في مذهبه، ولا ينفذ قضاؤه بالقول الضعيف، وقد علمت أن المذهب المختار تحليف المقرّ له؛ فليس للقاضي المقلّد الحكم قبله؛ ولهذا قال المحقّق «الكمال بن الهمام» في «شرح الهداية»، ولو قضى في المجتهد فيه مخالفًا لرأيه ناسيًا لمذهبه نفذ عند «أبي حنيفة»، وعندهما لا ينفذ ناسيًا كان أو عامدًا، وذكر «صاحب الهداية» والمحيط أنّ الفتوى على قولهما.
وذُكر في «الفتاوى الصغرى» الفتوى على قول «أبي حنيفة»؛ فقد اختلف في الفتوى، والوجه في هذا الزّمان أن يُفتى بقولهما؛ لأنّ التارك لمذهبه عمدًا لا يفعله إلّا للهو باطل، لا لقصد جميل، وأمّا النّاسي فلأنّ المقلّد ما قلّده إلّا ليحكم بمذهبه لا بمذهب غيره، هذا كلّه في القاضي المجتهد، وأمّا المقلّد فإنما ولّاه ليحكم بمذهب أبي حنيفة مثلًا؛ فلا يملك المخالفة فيكون معزولًا لنسبته إلى ذلك الحكم. انتهى كلامه.
وقال العلّامة «الشيخ قاسم» في فتاواه، وأمّا القضاء فقال في «البدائع»، والقضاء هو الحكم بين النّاس بالحقّ وحين علم هذا فلا بدّ من الاهتمام بالركن الأعظم، وهو المقضيّ به. قال في «البدائع» في شرائط القضاء، «ومنها أن يكون بحقّ، إمّا قطعًا وإمّا ظاهرًا إلى آخره؛ فالحقّ ظاهرًا أن يكون موضع الخلاف ما رجّحوه وصحّحوه واختاروه للفتوى، قال في كتاب «الفتاوى» للشّيخ الإمام، قلت: فإن لم يكن له أهلية التّرجيح، قلت حينئذٍ ليس له إلّا اتباع الّذي عُرف ترجيحه في المذهب، والّذي يقول له السّلطان وليتك القضاء على مذهب فلان، ليس له أن يتجاوز مشهور ذلك المذهب إن كان مقلدًا، وليس له مجاوزة ذلك المذهب مقلّدًا كان أو مجتهدًا؛ لأنّ التولية حصريّة». انتهى بلفظه في فتاواه.
ثمّ قال بعده قريبًا فإذا كان على المقلّد أن يأخذ بقول العالم، فيأخذ بما يقوى على أنّه الأصحّ والمختار؛ لأنّ الحقّ ظاهرًا كما تقدّم. فإن اختلف التصحيح في شيء فهو كما قال «الحسن بن زياد» في «أدب القضاء»، وإن كان في المصر فقيهان، كلاهما رضي يؤخذ عنهما، فاختلف عليه، فلينظر أيّهما يقع في قلبه أنّه أصوبهما، وسعه أن يأخذ به. وعن هذا قال أبو عمرو الشهرزوريّ في كتاب «الفتوى» له «ومن حكمه على أيّ قول من غير ترجيح، فقد خرق إجماع المسلمين». انتهى بلفظه.
وذكر هذا أيضًا العلّامة قاسم- رحمه الله- في تصحيحه على القدوريّ وإبطال الكلام فيه، وابتدأه بقوله قد رأيت من عمل في مذهب أئمتنا بالتّشهي، حين سمعت من لفظ القضاة وهل ثم حجر، فقلت نعم اتّباع الهوى حرام، والمرجوح في مقابلة الرّاجح بمنزلة العدم، والتّرجيح بغير مرجّح في المتقابلات ممنوع.
وقال في كتاب «أصول الأقضية» لليعمري: «من لم يقف على المشهور من الرّوايتين أو القولين، فليس له التّشهي والحكم بما نشاء منها من غير نظر في الترجيح»، وأطال الكلام إلى أن نقل عن الفقيه نقلًا عن المحيط وغيره أنّ القاضي المقلّد، إذا قضى على خلاف مذهبه لا ينفذ.
وقال العلّامة قاسم أيضًا، في فتاواه في ثبوت الإعسار قبل الحبس، «وليس للقاضي المقلّد أن يحكم بالضعيف؛ لأنّه ليس من أهل التّرجيح؛ فلا يعدل عن الصحيح إلّا لقصد جميل، ولو حكم لا ينفذ لأنّ قضاءه قضاء بغير الحقّ؛ لأنّ الحقّ هو الصحيح»، وما وقع من أنّ القول الضعيف يتقوّى بالقضاء، المراد به قضاء المجتهد كما بيّن في موضعه ممّا لا يحتمله هذا الجواب. انتهى».
وقال بعده بيسير، بعد أن سُئل عن رجل وقف شيئًا معيّنًا من ماله على نفسه ثمّ من بعده على جهة معيّنة، ولم يتصل بحاكم شرعيّ، ثمّ بعد ذلك وقف ذلك الشيء بعينه على نفسه ثمّ من بعده على جهة أخرى، غير الجهة الأولى، وحكم بصحة هذا الوقف الثاني ولزومه حاكم حنفيّ في وجه الواقف في ساعة الوقف ولم يتّصل الوقف الأوّل بحاكم أصلًا، ثمّ بعد موت الواقف واتصال العين الموقوفة إلى الجهة الثانية، حكم حاكم حنفيّ بصحّة الوقف الأوّل بعدم علمه بالوقف الثّاني والحاكم به، فأيُّ الوقفين صحيح؟ فأجاب: الوقف الأوّل هو الصحيح؛ لاتفاق المشايخ على أن الفتوى على قولهما بلزوم الوقف؛ وحيث كان لازمًا فلا يصحّ تغييره بلا شرط منه، ولا يضرّ في لزومه عدم اتّصاله بحاكم؛ لأنّ الحاكم ممنوع شرعًا أن يحكم بخلاف ما عليه الفتوى. انتهى.
فقد ثبت بهذا أنّ القاضي المقلّد إذا قضى بخلاف المُفتى به لا ينفذ قضاؤه، وقد علمت أنّ المُفتى به كما اختاروه في المتون والشروح، تحليف المقرّ له فالحكم على الوصيّ والحالة هذه قبل تحليفها غير صحيح، وأمّا ما استدلّ به من حكم المالكيّ بصحّة الإقرار وموجبه وأنّه يرفع الخلاف فغير صحيح؛ لأنّ حكم المخالف في المسائل الاجتهاديّة لا يرفع الخلاف، إلّا إذا كان حكمًا صحيحًا عندنا؛ بأن يكون في حادثة بعد دعوى صحيحة مستوفية للشرائط من خصم على خصم. وما وقع من الحاكم المالكيّ فليس على هذا الوجه؛ لأنّ مذهبه أنّ الحكم صحيح بدون حادثة وخصومة؛ فحينئذ كان بمنزلة الفتوى منه فلا يرفع الخلاف؛ فصار وجوده كعدمه.
فإذا رفعت الحادثة إلى حنفيّ، فإنه يحكم بمقتضى مذهبه ولا يمنعه حكم المالكيّ من ذلك؛ فإنه فتوى وليس بحكم كما ذكرناه، ولهذا قال العمادّي في فصوله، الفصل الثاني، في القضاء في المجتهدات وهنا شرط آخر لنفاذ القضاء في المجتهدات، وهو أن يصير الحكم حادثة فتجري فيه خصومة صحيحة بين يدي القاضي من خصم على خصم. انتهى.
وقال «البزازيّ» في فتاواه على «السّرخسيّ»: «هنا شرط آخر وهو أن يصير حادثة فتجري بين يدي القاضي من خصم على خصم، حتى لو فات هذا الشّرط لا ينفذ القضاء؛ لأنّه فتوى». انتهى بلفظه.
وقال «العلّامة قاسم» في فتاواه مُعزيًا إلى قول الحكم إنشاء إلزام في مسائل الاجتهاد المتقاربة فيما يقع فيه النّزاع لمصالح الدّنيا، فقوله في مسائل الاجتهاد يحترز به عن الحكم على خلاف الجماع؛ فإنّه لا يعتدّ به، واحترز بالمتقارب عمّا ضعف مدركه كما نصّ عليه فيما للقاضي نقضه. وقوله فيما يقع فيه التّنازع إشارة إلى اجتهادهم أنّ شرط الحكم أن تكون حادثة فخرج ما ليس بحادثة، وقوله لمصالح احترز به عن مسائل الاجتهاد في العبادات. انتهى.
فقد ثبت بهذه المنقولات المعتبرة أنّ حكم المخالف لا يرفع الخلاف، إلّا إذا كان حكمًا صحيحًا عندنا، كما ذكرنا، وأمّا تمسّكه بالتّباري العامّ المُطلق فغير صحيح؛ لأنّ هذا التّباري إنّما يمنع دعواه بشيء من الأشياء هو أو من يقوم مقامه، لا أنّه يمنع أن يدفع عن نفسه إذا ادّعى عليه بشيء هو أو من يقوم مقامه؛ ولأنّه قال في الإبراء ما عدا علقه الإقرار؛ فصار المال المقرّ به وما يتعلّق به من تحليف وغيره مُستثنًى من الإبراء العامّ، وأمّا تمسّكه بأنّ الموثّق قد قال: ولا يمينًا بالله تعالى فغير صحيح من وجهين:
الأوّل: ما قدّمناه من الاستثناء علقه الإقرار آخر الألفاظ الإبراء العامّ.
والثاني: أنّ إسقاط اليمين لا يصحّ ولا يسقط، كما صرّحوا به، في قول لا بيّنة لي ثمّ أقام بيّنة فإنها تُقبل؛ وكما لو قال لا شهادة لي ثمّ شهد فإنّها تُقبل؛ وكما لو قال لا حجّة لي على فلان، ثمّ أتى بحجّة تقبل، ذكرها «الزيلعي» وغيره؛ وكما لو قال لا دفع لي ثمّ أتى بالدّفع فإنه يُقبل.
ذُكر في «الخلاصة و «البزازيّة» و «العماديّة» و «فتاوى الشّيخ قاسم»؛ ولأنّه إسقاط قبل وجود السّبب فلا يصحّ؛ لأنّ السبب في اليمين هو إنكار بعد الدّعوى فثبت بهذا ما ذهبنا إليه من عدم صحّة هذا الحكم، والله أعلم بالصّواب.
ثمّ بعد مدّة طويلة وقعت حادثة زائدة على هذه، وهي أنّ المقرّ دفع المال إلى المقرّ له، ثمّ وقع بينها تباري عامّ مطلق، وحكم بصحّته ولزومه، ثمّ ادّعى المقرّ أنّه كان كاذبًا في إقراره وطلب تحليف المقرّ له، فأجبت بأنّه ليس له تحليفه؛ لأنّه يدّعي على استرجاع المال؛ والبراءة مانعة من دعوى حقّ قبلها، بخلاف المسألة الأولى؛ لأنّ المقرّ لم يدّعِ استرجاع شيء وإنّما يدفع عن نفسه؛ فافترقا والله أعلم.