الحكم بلا تقدم دعوى وخصومة
للفقيه زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
منة الله سعايدة
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
الحكم بلا تقدم دعوى وخصومة
للفقيه زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
منة الله سعايدة
إشراف:
د. براء السعدي
رسالة في الحكم بلا تقدم دعوى وخصومة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله] الذي [ينصر الحق ولو بعد حين، ويظهر الصدق ويفضح الكاذبين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا] ومولانا [محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد
يقول الفقير إلى رحمة ربه زين بن نجيم الحنفي:
أنه لما اصطلح القضاة في زماننا وقبله بأزمانٍ يسيرة على الحكم بلا تقدم دعوى وخصومة، وكثر السؤال عن ذلك بالقاهرة، وتكرر مني الإفتاء بعدم صحته وأنه إفتاء لا يرفع الخلاف سواء كان الحاكم حنفيا أو غيره، وأستشكل عليه بعض أهل العصر، أحببت تأليف] رسالة] في هذا المعنى مشتملة على بيان (كلام المشايخ) في اشتراط الدعوى [له]، مبينة الحكم بالموجب، والحكم بالصحة، كاشفة عن بيان الحق في ذلك، مزيلة - إن شاء الله تعالى - للالتباس، معربة عن قول الموثقين، مستوفيا شرائطه الشرعية، مفصحة عن عدم الاكتفاء بالإبهام من الموثقين، حاكية ما وقع لشمس الائمة الحلواني مع قاضي عنبسة، سالكا فيها مسلك الاختصار، طالباً من الله تعالى الاستبصار، راجيا من الله القبول، إنه خير مأمول، وهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال في «المحيط»: القضاء شرعا فصل الخصومات، (فما لا فصل فيه ولا قطع) ليس بقضاءٍ، وعرّفه الشيخ قاسم في «فتواه» بأنه إنشاء إلزام في مسائل الاجتهاد المتعارف فيما يقع من النزاع لمصالح الدنيا، فخرج القضاء على خلاف الاجماع وما ليس بحادثةٍ وما كان من العبادات. انتهى.
في «فتاوى قاضيخان»: «رجل أذن لعبده في نوع من التجارة فجعله [القاضي] مأذوناً في ذلك النوع خاصة دون غيره [نفذ قضاؤه]؛ لأَنَّه صادف موضع الاجتهاد، إلا أنَّه إنما ينفذ [قضاؤه] عند شرائط القضاء من الخصومة وغيرها (بعد) تصرف العبد، انتهى.
وفي «فصول العمادي» رحمه الله: «وهنا شرط آخر لنفاذ القضاء في المجتهد، وهو أن يصير الحكم حادثة فتجري فيه خصومة صحيحة بين يدي القاضي من خصم على خصم». انتهى.
وفي «جامع الفصولين» مثله إلا أنَّه قال: لنفاذ الحكم، وفي «الفتاوى البَزَّازِيَّة»: إنما ينفذ القضاء في المجتهدات إذا علم انه مجتهد فيه أما إذا لم يعلم لا ينفذ. قال السرخسي. وهنا شرط آخر وهو: أن يصير حادثة من خصم على خصم حتى لو فات هذا الشرط لا ينفذ؛ لأَنَّه فتوى. انتهى.
[وفيها:] وإن أرادوا أن يثبتوا حكم الخليفة عند الأصل لا بد من تقديم دعوى
[على] خصم حاضر (وإقامة) البينة كما لو أرادوا اثبات قضاء قاضٍ آخر. انتهى.
وفي «خزانة المفتيين»: «وهنا شرط آخر لنفاذ القضاء في المجتهد وهو ان يصير الحكم حادثة بين يدي القاضي من خصم على خصم». انتهى.
وفي «شرح الكنز» للزيلعي من «باب الحجر على السفيه»: ثم لو حَجَر عليه فرفع ذلك الى قاضٍ آخر فرفع حجره وأطلق عنه جاز؛ لأَنَّ الحجر من الأول فتوى وليس بقضاء؛ لأَنَّ القضاء يقطع الخصومة بين المتخاصمين بالقضاء لأحدهما على الآخر ولم يوجد» انتهى.
وفي «المحيط» من «باب الحجر على السفيه»: «والقضاء [بالحجر ليس بقضاء] بل هو فتوى، بفقد شرائط القضاء من الدعوى [والإنكار]، حتى لو وجدت الدعوى والإنكار، بأن وهب السفيه من إنسان مالا وسلم إليه وصار فقيرا بحيث تجب نفقته على محارمه، ثم انهم يرفعون الامر الى القاضي ويخبرونه بأنه يعطي أمواله سفهاً وطلب منه الحجر، فالقاضي يحضر السفيه [والموهوب له فيدعي عليه من وجبت عليه نفقته] أن ماله في يد هذا الرجل فيأمره بالرد عليه، فيقضي القاضي بالرد عليه فينفد قضاؤه. انتهى.
وفي «الذخيرة» منه أيضاً: فإن قيل: تصرف المحجور عليه بالسفه يجب أن ينفذ على قول أبي حنيفة - رحمه الله - بعد ما قضي عليه بالحجر؛ لأنَّ جواز تصرف السفيه المبذّر مختلف فيه، وقضاء القاضي متى حصل في المختلف فيه صار متفقاً عليه، (كما لو) قضى القاضي بجواز بيع المدبَّر، قلنا هذا [إذا وُجد القضاء في المختلف فيه، فعلى قول محمد هذا] فتوى، وليس بقضاء فإنه لم يثبت [بسبب] هذا القضاء ما لم يكن ثابتاً (بل بين) ما كان ثابتاً فإنه كان محجوراً عليه قبل القضاء وهو كان مفسداً لماله وهذا هو حد الفتوى، فيكون هذا فتوى عند محمد رحمه الله، والفتوى لا يصير المختلف متفقاً عليه، وعند أبي يوسف انه كان يحتاج فيه الى حكم الحاكم ليصير محجوراً عليه، فيكون قضاء من هذا الوجه؛ لأَنَّه ثبت بقضائه ما لم يكن ثابتاً إلا أنه فتوى من وجه آخر؛ لأَنَّه لم يوجد شرط القضاء وهي الدعوى، ولو وجدت الدعوى بأن تصرف بعد الحجر، فرفع الى القاضي وجرت خصومة بين المحجور وبين من عاقده، فقضى القاضي عليه بإبطال التصرف وصحة الحجر فإنه يصير متفقاً عليه، وكان كالقاضي (إذا قضى بجواز) بيع المدبَّر قبل الخصومة في ذلك فانه لا يصير قضاء عليه بل فتوى وليس بقضاء، وبعد وجود الخصومة إذا قضى صار متفقاً [عليه]. فكذا هنا انتهى بحروفه.
وفي «الهداية» [مِنهُ] أيضاً: «وإذا حجر القاضي عليه ثم رُفع إلى قاضٍ آخر فأبطل حجره وأطلق عنه جاز؛ لأَنَّ الحجر منه فتوى وليس بقضاء، ألا ترى أنَّه لم يوجد المقضي له والمقضي عليه؛ ولو كان قضاء فنفس القضاء مختلف فيه، فلا بد من الإمضاء حتى لو رُفع تصرفه بعد الحجر الى القاضي الحاجر أو إلى غيره، فقضي ببطلان تصرفه، ثم رُفع الى قاضٍ آخر، نفذ إبطاله (لاتصال الإمضاء به)؛ فلا يقبل القضاء بعد ذلك. انتهى.
وفي «كافي» [الحاكم] الشهيد - الذي هو جمع كلام محمد في كتبه -: «ولو أنَّ قاضياً حجر على نفس مستحق الحجر، ثم رُفع إلى قاضٍ آخر فأطلق عنه الحجر جاز». انتهى.
فقد استفيد منه ومن هذه الكتب المعتمدة (القول بأن) القضاء لا يصح إلا بعد دعوى صحيحة وهو بعمومه شامل، [لَما] إذا كان القاضي حنفيا أو غيره، ولقولهم: إنما ينفد القضاء في المجتهد وهو لا يختص بمذهب.
وأصرح من ذلك تصريح قاضيخان - رحمه الله – في مسألة تخصيص الأول فإنَّ القاضي بها إنما هو الشافعي لا الحنفي ولم يجعله رافعاً للخلاف حيث كان بغير خصومة، ولم يقل يرفع الى مذهب الحاكم [به].
[وأصرح منه ما قلناه من مسألة حجر السفيه، فإن أبا حنيفة لا يقول بالحجر بالسفه، فهل قالوا يرجع الى مذهب الحاجر؟.]
وأصرح منه ما نقلناه عن «الذخيرة» من التمثيل بالقضاء بجواز بيع المدبَّر، وأنَّه لا يرفع الخلاف إذا لم تكن خصومة، مع أنا لا نقول بجواز بيعه، فكيف يتوهم [متوهم] ان كلامهم في امضاء الحنفي.
وأصرح منه ما ذكره الكرماني في «الايضاح» في «كتاب الشفعة»: لو قضى شافعي بسقوط شفعة احد الجارين ثم حضر الآخر وادعاها عند حنفي قضى له بجميع الدار.
قال محمد - رحمه الله -: لو قال القاضي: «أبطلت كل شفعة تتعلق بهذا البيع» لم يبطل؛ لأَنَّ هذا قضاء على الغائب، انتهى.
فهل قال يُرجع إلى مذهبه؟!
(وبما نقلناه عُلِمَ) أَنَّ أصحابنا لم يفرقوا بين الحكم بشيء معين وبين الحكم بالموجب في اشتراط [في] الخصومة والدعوى ولم أَرَ أحداً من أصحاب الكتب المعتمدة تعرض للحكم بالصحة والحكم بالموجب، ومقتضي كلامهم أَنَّه إذا حكم بشيء معين فإن وقع فيه تنازع وخصومة استوفي القاضي الشرائط الشرعية من تصحيح الدعوى والمطابقة بينها وبين الشهادة، والمطابقة بين كلام الشهود لفظاً ومعنى، وعدم تناقض المدعى، كان حكماً صحيحاً رافعاً للخلاف.
ومن ذلك [المبين] الصحة والفساد والبطلان، فإن فقد شرطاً من شرائِط الصحة لم يصح، وكان قوله: «حكمت بكذا» إفتاء لا يرفع الخلاف، وإذا رُفع إلى مخالف أبطله.
وإن قال: «حكمت بموجبه» فإن وقع التنازع [من موجب] في موجب خاص بين خصمين فحكم بذلك الموجب كان صحيحا وإلا فلا.
فإذا باع رجل داره فحكم شافعي بموجبه، فإنْ لم يقع تنازع في شيء كان باطلاً، وإنْ تنازعا في الصحة والفساد فحكم بموجبه لم يكن حكماً بأن لا شفعة للجار.
وكذا إذا حكم الحنفي بموجب البيع فانه لا يكون حكما بالشفعة للجار. وهكذا في جميع الحوادث لا يتوقف في ذلك من له أدنى اطلاع على كلام مشايخنا.
وقد استمريت على هذا في الإفتاء [به] من ابتداء شروعي فيه بحمد الله ولا أجد في نفسي من ذلك شيئا، بعد الاطلاع على ما أسمعتك.
[ثم إن] العلامة قاسم والعلامة بن الغرس فهما ذلك من كلام مشايخنا، وهذا الجمع من خواص ما كتبناه، وهآنا اسمعك كلامهما على وجه الاختصار تزداد بصيرة، فقال الأول في فتاواه: سُئِلت عن رجل رهن عقاراً وحكم بموجبه حنبلي، ثم ان الراهن أوقف العقار المرهون وحكم بموجب الوقف ولزومه حنفي، ثم ان الراهن افتكَّ الرهن وباعه، وقصد الحنبلي [الحكم] بإبطال الوقف وجواز البيع هَا هُنا على ان مذهبه عدم صحة تصرف الراهن في الرهن، وقد دخل [في] ذلك تحت الحكم بالموجب.
فأجبت بان الوقف المرهون صحيح والبيع الصادر بعده باطل، وليس للحنبلي ان يتعرض للوقف بإبطال وان فعل لم يعتبر.
ثم عقد مجلس واجتمع فيه جماعة من خلفاء الحكم بين المذاهب الأربعة وجرَّ الكلام في جوابي، فقلت: قد حكي الاتفاق [على] أَنَّ الحكم بالحدس والتخمين غير نافذ، ولا نعرف أَنَّ أحدا من أئمة الحنابلة يسمي هذا موجبا، وقد قال الإمام العلامة محب الدين بن نصر الله البغدادي قاضي قضاة الحنابلة في رسالة [له] في هذا: «وأما الحكم بالموجَب - بفتح الجيم - فمعناه الحُكمَ بموجَب الدعوى، أنه ثبت بالبينة أو بغيرها، هذا هو معنى الموجَب ولا معني للموجَب غير ذلك، فينظر في الدعوى فإن كانت مشتملة على ما يقضي صحة العقد المدعي به كان الحكم بموجبها حكما بالصحة، وإن لم يشتمل على ما يقضي صحة العقد [المدعى به لم يكن الحكم بموجبها حكما بصحة العقد، والحكم بالموجب حكم] على العاقد بما يثبت عليه من العقد لا حكم بالعقد». هذا نصه بحروفه.
فاستفدنا من هذا أن الحاكم إن كان عالماً بهذا فحكمه [إما] بصحة الرهن وإما بإقرار الراهن [بالرهن] والمرتهن بالارتهان وإن لم يثبت [له] حكم على ما وراء ذلك فيما فيه النزاع، وإن لم يكن عالماً بهذا فقد حكم بأمرٍ مُبْهَمٍ لا يفهم معناه.
فقيل لي: فحكم الحنفي بالوقف؟
فقلت: إن كان قد أتى عليه ما نصَّ عليه علماؤنا في ذلك من علمه بموجب الوقف فهو صحيح لا يجوز نقضه بحال.
قيل: وما المنصوص عليه؟
فقلت: قالوا: «إذا كان القضاء بناء على دعوى صحيحة وشهادة قائمة على ذلك، وأنكر الواقف وكان من رأي القاضي أَنَّ الوقف صحيح لازم؛ لا يجوز نقضه بحالٍ نفذ بالاجمَاع».
ثم قال: «إنَّ أصحابنا يعبرون عن أمر الشرط بألفاظ مترادفة بالموجَب والمقتضي والحكم»، ثم [ذكر موجب] جمع التصرفات من النكاح إلى الوصايا بالنقل في كلامهم، تركنا ذكرهُ خوفاً من الاطالة ولسنا بصدده، إلى أن قال: «إذا عُرف هذا إنما يحكم بالموجب إذا كان هو المقصود، وإن كان المقصود غيره فحكم به [فإن في المستوعب] والحاكم لا يحكم إلا بحكم شرعي وهو: الايجاب، والتحريم، والإباحة، والصحة، والفساد، وكذلك الشرطية والبينة المانعة، ولا يحكم بكراهة ولا ندبٍ؛ لأَنَّه لا إلزام فيها مُباشرة واستلزامًا».
قلت: وعن هذا [قال] في «مناهج الاحكام»: وإنما يحكم بما ثبت عنده؛ لأَنَّ الحكم لا يتوجه للعدم، وإذا كان الموجَب هو المقصود فلا بُدَّ أن يثبت الصحة، ليكون محكوما بها ضمنًا، إذ لا موجب لما لا صحة له.
قال في «البدائع»: والموجَب يثبتهُ التصرف الصحيح ولا بد أن يكون مِن مُوجَب [ما] ثبتَ التصرف الشرعي به، فإنه قد يظهر أمرهُ للحال، وقد يتراخى، [ومن المعلوم أَنَّ بعض الموجَب يظهر للحالِ وبعضها يتراخى] كما ذكر في «الهداية» من مواجب النكاحِ، وكما ذكر غيره ممَّا قدمناهُ مِن مُوجَب التصرف.
ولا بد أن يكون [ذلك] بناء على دعوى صحيحة وإقرار صحيح وشهادة قائمة موافقة للدعوى، قال في «الفصول»: قال شمس الائمة: وها هنا شرط آخر لنفاذ القضاء في المجتهد وهو: أن يصير الحكم حادثة فيجري فيه خصومة صحيحة [حتى] لو فات هذا الشرط لا ينفذ القضاء بالإجماع.
قيل: هذا خلاف ما القضاة عليه.
قلت: أما كون الحكم حادثة فإضراب عما لم يحدث [بعد]، كما لو حكم بموجب إجارة لا يكون حكمًا بالفسخ بموت أحد المتواجرين، وكما لو حكم بموجب بيع عقار لا يكون [حكمًا] باستحقاق شفعة الجوار؛ لأَنَّه لم تجر فيه خصومة، ونحو ذلك.
وأما الخصومة الحقيقية فهي الدعوى المشتملة على شرائط الصحة، ثم ذكر شرائطها - تركناها قصداً -، ثم ذكر صور الدعاوى في جميع الحقوق، إلى أن قال:
وأما قوله: «من خصم على خصم» فذكر من يكون خصما ومن لا في جميع الدعاوى، إلى إن قال: إذا عرفنا الخصم مع لواحقه علم أَنَّ هذا فيما إذا كان المدعي والمدعي عليه أصليين، فأما إذا كانا بطريق الوكالة بالخصومة وغيرها فشرط ان يكون معينا، وبرهن عليه، إلى ان قال: «ووافقنا على ذلك أئمة المذاهب».
قال السُّبكي في «شرح المنهاج»: يشترط في الوكيل أن يكون مُعَينًا.
وقال ابن مفلح الحنبلي: ويعتبر الوكيل وفي الأمصار، ولو وكل زيدًا وهو لا يعرفه ولم يعرف موكله لم يصح.
وفي «مناهج الأحكام» للمالكية: لا يسمع القاضي دعوى الوكالة حتي تثبت عنده بشاهدين عدلين أو بشاهدٍ ويمين على قول مالك وابن القاسم، ولا بُدَّ أن يشهد الشهود عند القاضي على [معرفة] عين الموكل ويثبت عنده وعين الوكيل إما بالشاهدين الأوليين أو بغيرهما. انتهى.
ويشترط ان يكون الخصم وما وكل به معلومين [للوكيل]، قاله في «الذخيرة»، ولو قال لغيره: «وكلتك بالخصومة التي بيننا» أو قال: «[كن] وكيلا» [لا يصح]. انتهى.
وإنما أكثرت من مسائل الخصم لما نراهم في زماننا [يكثرون من] توكيل المجهول عند القضاة والموكل لا يعلمه، وبعضهم يقول [للخصم] قل وكلت كل مسلم، وبعضهم يقول [للخصم] قل وكلت زيداً الرسول بالمحكمة ولا يعرف الموكل [وكيله]، والوكيل موكله، وكذا قال الشيخ قاسم بعده.
قلت: فانظر ماذا يكتبه الموثقون على ما يتخرج من نصوص العلماء واعمل لخلاص نفسك غداً. [قال: ولم يذكر أصيلًا ولا وكيلًا.]
وذُكر في «المحيط» و «الذخيرة» وسائر الفتاوى: إذا ادعي إنسان على أحد والقاضي يعلم انه مسخر في شيء عليه لا تجوز الدعوى، ولو حكم عليه لا يجوز.
ثم قال: واعلم أنَّ الخصومة بعد ما ذكرنا يرد عليها الرفع فلا بد من معرفته، ثم ذكر مسائل في جميع الدعاوى وذكر ما يكون حكما من الأقوال والأفعال وما لا يكون تركناه لعدم الحاجة إليه فيما نحن بصدده.
وفي «فتاواه» أيضا: سئل عمن استأجر وقفا من ناظر ثم عزل المؤجر، وتولى غيره فادعى على المستأجر أَنَّ الأجرة بدون أجر المثل، فأجاب المستأجر بأَنَّه أثبت إجارته على حاكم حنفي، ومن مذهبه أَنَّ الإجارة في مثله، إذا كانت بدون أجر المثل [أنَّ] على الناظر عام أجر المثل.
وسئل الحاكم عن ذلك وأجاب به فكتب ما حاصل معناه: أَنَّ الثبوت إن كان عن دعوى شرعية واستوفت الشرائط، وتعرض الحاكم في حكمه أَنَّ المسمى أجر المثل فلا منازعة للناظر الثاني إلا إذا زادت الرغبات في العين الموقوفة وصار المسمى دون أجر المثل، فحينئذٍ للقاضي أن يفسخ الإجارة ويجددها بأجر المثل، إما من المستأجر الأول أو من غيره من الراغبين بشرطه.
وإن كان الثبوت المذكور إنما هو إيصال جريان العقد بالقاضي فللناظر الثاني مطالبته للمستأجر بتمام أجر المثل، [للمدة التي كانت العين في يده وفسخ الإجارة وإعادتها بأجر المثل،] وقول القاضي أَنَّ مذهبه ذلك فتوى لا حكم؛ لانه قد تبع عبارة بعض الكتب وهي موهمة والحق ما ذكرنا، ثم أردنا نقول المذهب في هذه المسألة شاهدة لما أجاب به وهو المعتمد من المذهب وافتيت به مراراً.
هذا ما اختصرته من كلام الشيخ قاسم على هذه المسألة.
وأما العلامة محمد بن الغرس - رحمه الله - قال في المحكوم به: وذكر الموجب في القضاء لا يعرف للسلف وإنما كانت [الأقضية] صرايح، فيقال: قضي له بكذا، وهذا هو الأصل في هذا الباب، ثم تعورف القضاء بالموجب توسعةً وتيسيرًا، ثم تركت إلى أن آل [الأمرُ] إلى أن يقول: «قضيت بالموجب» من لا يعرف مدلوله في الأصل فضلا عن مدلوله في خصوص تلك [القضية] الشخصية.
ومن المستغرب أني رأيت بعضهم يفرق بين الحكم بموجب ذلك، والحكم بموجب ما أشهد به الشاهدان على أنفسهما والحال أَنَّ الإشارة بذلك إنما هي إلى المشهود [به]، ولنذكر ما تحرر بالنظر الصحيح في أمر الموجب بحسب الطاقة نقول:
موجب الشيء [ما أوجب ذلك الشيء] واقتضاه، فـ «الموجب» و «المقتضى» واحد في الأصل، وهو من الأمور الإضافية، وهل معني الحكم بالموجب هو الحكم بالمقتضى دائمًا فيكون المراد [بالموجب في الحكم] معناه الأصلي أو ما هو أعم من ذلك محل نظر [يظهر مما سيذكر].
والظاهر من استعمالاتهم واطلاقاتهم أَنَّه باق في هذا الباب على المعنى الأصلي [المذكور]، ولكن يلزم في بعض الصور أَنَّ الموجب في «باب الحكم» أعم من المقتضي [فيصدق الموجب بدون المقتضي] في بعض [صور] القضاء وهو التحقيق. [وبيانه] أَنَّه لو باع مدبره ثم حصل في ذلك التنازع والتداعي عند القاضي الحنفي، فاستوفى وحكم بموجب ذلك البيع؛ فإن ذلك الحكم يكون صحيحا، ومعناه الحكم ببطلان ذلك البيع.
ومن المعلوم تحقيق أَنَّ الشيء لا يقتضي بطلان نفسه، فظهر أَنَّ الحكم بالموجب في هذه الصورة لا يكون حكما بالمقتضى ولا [يكون] الموجب دائما المقتضى [، ولو كان المراد بالموجب في هذه الصورة هو المقتضي لكان هذا الحكم باطلاً لا معني له، وكان للقاضي الشافعي ان يحكم بصحة ذلك البيع، ولا يمنعه من ذلك ما فعله القاضي الحنفي؛ لأَنَّه على ذلك التقدير ولا موجب للبيع عند الحنفي، بمعنى لا مقتضي له؛ لأَنَّ بيع المدبر باطل عنده فلم يتوجه الحكم بمقتضاه إذ لا مقتضي له؛ ولأنه يصح أن يقال: موجب هذا البيع عند الحنفية البطلان، ولا سبيل إلى صحة هذا الحكم وهذا الاطلاق لا يحسن ان يحمل الموجب في هذا الباب، على ما هو أعم من المقتضي حتي يُصَدَّق بدونه في هذه المسألة، وأمثاله ومثله ما] لو وقف على نفسه فحكم القاضي الشافعي بموجب ذلك فهو صحيح، ومعناه الحكم بإبطال ذلك [الوقف] وليس للحنفي الحكم بصحته بعد [ذلك، ويصح أن يقال:] موجب هذا الوقف عند الشافعية البطلان.
[إلى ان قال:] فإذا قضي القاضي بموجب بيع صحيح كان موجبه [في هذه الصورة مقتضاه الشرعي وهو] خروج العين المبيعة من ملك البائع ودخولها في ملك المشتري، واستحقاق التسليم [والتسلم] في كل من الثمن والمثمن إلى غير ذلك من مقتضيات البيع ولوازمه.
[إلى أن قال:] وأنما الحكم بالموجب فيما إذا باع مدبره فهو بطلان.
[إلى أن] قال: [وأما] وهاهنا فائدة وهو أَنَّهم قالوا: القضاء بصحة الوقف لا يكون قضاء بلزومه؛ لأَنَّ الوقف جائز غير لازم عند الإمام لازم عندهما. فإذا قضى القاضي بصحته، احتمل أن يكون قضى بذلك على مذهبه ولا معنى للجواز هاهنا إلا لصحة ولا يلزمها اللزوم فيحتاج [إلى] لزوم الوقف إلى التصريح بذلك.
ثم قال: القضاء في حقوق العباد إنما هو لدفع النزاع والخصام الواقع بينهم في الحوادث التي يترافعون فيها إلى القاضي حين التجاذب بين الخصمين، ويشترط لذلك الحكم الطريق المصححة الموصلة إليه من الدعوى والحجة والتطبيق، بين الحجة والدعوى والمقضي به. وهذا أمر متفق عليه بين الحنفية والشافعية، فمتى أمكن تنازع في صحة وفساد كان الحكم به استقلالا، والا فالحكم بالصحة إنما هو في ضمن الحكم بالإنشاء.
ثم الحكم في قولهم بالموجب إما أن يكون أمراً واحداً أو أمورًا؛ [فإن كان أمورًا] فإما أن يستلزم بعضها بعضا أو لا.
والمراد بهذا الاستلزام أنَّ ثبوت بعضها عند القاضي يستدعي ثبوت البعض الآخر شرعًا بحيث لا يقبل الانفكاك في الثبوت وليس المراد بالاستلزام [الاستلزام] في الوجود مطلقا لما سيظهر من أنَّ أحد الأمرين الذي يطلق عليه الموجب، [قد] يستلزم الآخر في نفس الأمر، ولا يستلزمه الثبوت عند القاضي فقبل أحدهما الانفكاك عن الآخر في الحكم الذي هو القضاء، فيمكن القضاء بأحدهما دون الآخر فإن لم يقبل الانفكاك [لم يقبل] في نفس الأمر.
فهذه الأقسام [ثلاثة:
الأول:] [في] كون الموجب أمراً واحداً،
والثاني: كونه أمورًا يستلزم بعضها بعضًا في الثبوت،
[والثالث: كونه لا يستلزم بعضها بعضا في الثبوت.]
فالأول: كالقضاء بالموجب في الأملاك المرسلة، والطلاق، والعتاق إذا فرضنا أنَّه لا موجب لذلك سوى ثبوت ملك [الرقبة في] العين المدعي بها وانحلال قيد العصمة وثبوت الحرية، وهذا الكلم فيه.
وأما [القسم] الثاني: فذكر الموجب دال عليها جميعًا وأن الطريق الموصلة إلى أحدهما موصلة إلى البعض ضرورة الاستلزام والاستتباع [في الثبوت].
مثاله: كَفل لإنسان بماله على آخر مطلقاً، فطالبه في غيبة المكفول عنه، فإذا ادعى [الدائن على الكفيل بدين] له [[على الغائب المكفول عنه]، وطالبه]، فأنكر فبرهن على الدين والكفالة فاستوفى [القاضي الحنفي] وقضى فالموجب هنا أمران:
لزوم الدين ذمة المكفول عنه.
ووجوب أدائه على الكفيل بالطلب.
والثاني يستلزم الأول في الثبوت، [فطريقه طريقه، ولا يتصور انفكاك الثاني عن الأول في الثبوت] إذ لا يمكن التنازع والتخاصم بين الدائن والكفيل [في الدين والمطالبة به] مع قطع النظر عن المديون والأصيل، ولا أن يثبت عند القاضي وجوب أداء الدين على الكفيل دون ان يثبت عنده شغل ذمة الأصيل بالدين فإذا قضي بالموجب وبمثله فقد قضى بجميعه.
وأما القسم الثالث: وهو ما إذا كان أمورًا لا يستلزم بعضها بعضًا في الثبوت [عند القاضي، بل هي مما تقبل الانفكاك في الثبوت، وان استلزم بعضها بعضا في الوجود وبالنسبة] إلى الحكم الشرعي [المذهبي] لا الحكم الذي هو القضاء بالموجب. هاهنا مجمل فيفسره الطريق الموصلة الى القضاء فإن أدت إلى جميع تلك الأمور حمل الموجب عليها، فُسر بها والا فيجب تلك الطريق، بمعني أنها إذا أدت إلى بعض [منها] متعين تعين انه المقتضى به دون الآخر؛ فللمخالف الدخول بحكمه على ذلك الأمر الآخر [ولا يكون ذلك الحكم بذلك البعض الذي أدت إليه وفسر به الموجب مانعا من الحكم بذلك الأمر الآخر] الذي لم تؤد إليه [الطريق] على خلاف مذهب الحاكم ومثل ذلك كثيرًا.
[فمنها: ما] إذا وهب ابنه وسلَّمه العين الموهوبة فالموجب [ها] هنا أمران: خروجها عن ملك الأب إلى الابن وعدم الرجوع عندنا خلافًا للشافعي، [والأول لا يستلزم] الثاني في الثبوت فيجوز التداعي من حيث انتقال الملك مع قطع النظر عن الرجوع وعدمه، فإذا قضي بموجب هذه الهبة رجع في معناه إلى الطريق فان [أدت] إلى الجميع كان القضاء بالموجب قضاء بها فليس له الدخول وإن كان التداعي عند الحنفي لم يصرح بالرجوع ولا بعدمه كان قضاء بالأول فقط، فللشَّافعي الحكم بصحة رجوعه، ولو كان القاضي الحاكم بموجبها شافعيّا، كان للحنفي الحكم بعدم الرجوع.
والحاصل أَنَّ القضاء في حقوق العباد يشترط [له] الدعوى والمخاصمة الموصلة شرعاً، إلا ما كان عليه سبيل الاستلزام الشرعي، وليس للقاضي أن يشرع في القضاء بين اثنين فيما لم يتخاصما فيه، ومما يتعلق بذلك سؤال حكم حنفي بموجب بيع عبد بشرط البراءة من كل عيب وبعدم الرد وإن ظهر عيب، والحال أنَّ البائعين لم يتخاصما في عيب، وإنما تداعيا في مطلق البيع وقامت البينة ببيعه بهذا الشرط. وللقضاة عادة بالحكم على هذا الوجه؛ فلو ظهر به عيب فتخاصما عند شافعي هل للشافعي أن يحكم بالرد أم لا؟ ويكون حكم الحنفي مانعًا؛ وهل للحنفي الحكم بذلك؟ وإذا ساغ له ذلك، فهل قضاؤه بعدم الرد قصدي أو ضمني؟ وهل القضاء الضمني مانع للمخالف أم لا؟
فأجاب: ليس للحنفي ان يحكم بذلك، ولا ان يحكم بعدم الرد بعيب وإن ظهر، والحال ما ذكر من عدم الخصومة عنده في العيب، وإذا قضي بدون الطريق الموصلة إلى قضائه [رد قضاءه].
وللشافعي الحكم بالرد والقضاء إذا حصل على وجهه منع المخالف قصدا كان أو ضمنا، وليست هذه من القضاء الضمني فانه هو الذي لا بد له من القضاء القصدي كما ذكره علماؤنا في حيلة إثبات الدين على الغائب من مسألة الكفالة المتقدمة.
ومن أمثلة ذلك ما إذا باع حصة من بناء على أرض محتكرة وقضي الحنفي بموجبها فأراد [[الشريك] الأخذ [بالشفعة، ورفعت إلى قاضٍ يرى ذلك فله الحكم]] بالشفعة على مذهبه، ولا يمنعه حكم الحنفي؛ لأَنَّ موجب هذا البيع شيئان: انتقال الملك، ووجوب عدم الشفعة، ولا استلزام بينهما، وذلك أنَّه لم يقع نزاع عند الحنفي بالشفعة.
وإذا قضي حنفي بموجب التواجر فمات أحدهما كان للمخالف الحكم بعدم فسخها بموته ولا يمنعه حكم الحنفي.
ولو كان القاضي بموجب البيع في الشفعة مالكيًا، والقاضي بموجب التواجر شافعيًا كان للحنفي الحكم ببطلان الشفعة وانفساخ الاجارة إذا رفعت إليه.
وإذا قضى حنفي بموجب الطلاق في المدخول بها وقد سمى مهرها فللشَّافعي الحكم بالمتعة، ولا يمنعه حكم الحنفي بالموجب إلا إنْ حصل التداعي بينهما فيها.
هذا آخر ما أوردناه من كلام بن الغرس - رحمه الله - فيما يتعلق بهذه المسالة، وقد زال بما ذكرناه [من الأمثلة عدم اللبس، وظهرانه لا فرق في اشتراط الحكم في الحادثة بين مذهب ومذهب لما قدمناه من الأمثلة للمذاهب الأربعة، وتبين بما ذكرناه] أَنَّ التنافيذ في زماننا ليست حكما لما قدمناه من كلام «البَزَّازِيَّة» من اشتراط الحادثة عند اثبات قضاء قاضٍ آخر.
وقال في «البَزَّازِيَّة» في موضع آخر قبيل التحكيم: قاضي بلدة حكم على رجل بمال وسجَّل، ثم مات القاضي وأحضر المدعي المحكوم عليه عند قاضٍ آخر، وبرهن على قضاء الأول أجبره الثاني على أداء المال إنْ كان حكم الأول صحيحا.
ولو شهدوا أَنَّ قاضيا من قضاة البلد قضا بهذا المال لا يحكم به. انتهى.
ولهذا قال العلامة ابن الغرس: وأما التنفيذ فالأصل فيه أنْ يكون حكما؛ إذ من صيغ القضاء قول القاضي أنفدت عليك القضاء.
وقالوا: إذا رفع إليه قضاء قاض [آخر] أمضاه بشروطه المذكورة [في كتب الفقه]، وهذا هو التنفيذ الشرعي في الأصل.
ومعني «رُفع إليه» أي: حصلت عنده خصومه شرعية [من مدع على خصم] لا على الصفة التي ترفع [بها] الآن، فإذا حصل التنفيذ على هذا الوجه فهو حكم. والأصل في ذلك أَنَّ الحادثة الشخصية الواحدة تجوز شرعا ان يتوارد عليها الاحكام المتعددة في المتفق عليها في الحكم الشرعي، في المسالة التي هي مذكورة في كتب الفقه وهي مورد الحكم [الذي هو القضاء]. والظاهر أنَّ هذا الأصل إجماعي [وأما] التنفيذ المعروف الان وهو المستعمل غالبا ومعناه إحاطة القاضي الثاني [علمًا] بحكم القاضي الأول على وجه التسليم الأول وانه غير متعرض عنده ويسمى اتصالا، ويتقيد بذكر الثبوت والتنفيد. انتهى.
وأما الإبهام الصادر من الموثقين بقولهم: «مستوفيًا لشرائطه الشرعية واجباته المحررة المرعية»، ولما كثر الإفتاء مني بعدم صحة الحكم بلا تقدم دعوى صار بعضهم يزيد بعد دعوى شرعية فلا اعتبار به ولا يعوّل عليه.
قال في «الخلاصة» من «كتاب المحاضر والسجلات»: [الأصل في المحاضر والسجلات] أن يبالغ في الذكر والبيان بالتصريح، ولا يكتفي بالإجمال حتي قيل: «لا يكتفي في المحضر أن يكتب «حضر فلان وأحضر معه فلانا» فادعي هذا الذي حضر عليه، ولكن يكتب هذا الذي حضر على هذا الذي أحضره معه، وكذا يكتب عند ذكر [المدعي و] المدعي عليه لفظ المدعي هذا والمدعي عليه هذا»، قال الإمام النسفي، في فتاواه: [من] المحاضر والسجلات الإشارة في مواضعها من أهم ما يحتاج إليه في الدعاوي ولا يكتفي بذكر قوله: «فشهد كل واحد منهم بعد الاستشهاد ما لم يذكر عقيب دعوى المدعي هذا ولا يكتفي بقوله عقب دعوى المدعي على المدعي عليه [هذا] إلا بعد قوله والجواب بالإنكار من المدعي عليه وهذا لازم، ولا بد أن يبين تفسير الإنكار».
وينبغي أن يكتب في السجل حكم القاضي ولفظة الشهادة، بتمامها ولا يكتفي بما يكتب في السجلات: ثبت عندي على الوجه الذي يثبت الحوادث الشرعية، وما لم يذكر على وجهه لا يفتي بصحة السجل. ولا يكتفي بقوله: وشهد الشهود على موافقة الدعوى، وذكر الإمام النسفي - رحمه الله - في نسخه حكاية شمس الأئمة الحلواني - رحمه الله - مع قاضي عنبسة ورده المحاضر والسجلات بهذا.
ونقل عن شمس الأئمة انه كان يقول: «يكتفي بقوله: وشهدوا على موافقة الدعوى والمدعي يقول: «المدعي به ملكي»، والشاهد يقول: «المدعي به ملك المدعي»، فلا يكون بينهما موافقة» قال [- رحمه الله -]: والمختار في هذا الباب أن يكتفي به في السجلات دون المحاضر؛ لأَنَّ السجل لا يرد من مصر آخر فلا يكون في التدارك حرج». انتهى.
وفي الفتاوى «الصَّيرفية» و «الظَّهيرية»: سئل عن كتاب طويل كتبه قاضي سمرقند إلى قاضي مرو وعليه: هل هو صحيح؟ قال لا؛ لأَنَّه ذكر فيه الدعوى، وذكر أنَّ الشهود وهم فلان وفلان [ابن] فلان شهدوا على موافقة الدعوى ولم يفسروا الشهادة فلا بد من تفسيرها وعليه فتوى استاذنا والمتأخرين»، قال: ولما استقضي ببخارى قاضي عنبسة – وكان إماماً كاملاً – كان يكتب المحاضر ويستفتي عن صحتها الحلواني، فكان يكتب في [جميعها: «لا والله أعلم» , فجاءه يوما وقال:
«ما بال الشيخ يكتب في] جميع محاضرنا بـ «لا»؟!»
قال: لأَنَّها كلها فاسدة!
قال: بماذا فسادها؟!
قال: يجب أن تتعلم فتعلم.
قال: جئتك له!
قال: فاعلم أَنَّ الخلل في ترك تفسير الشهادة، ولا بد من تفسيرها لينظر فيها أصحيحة أم لا!
قال: فإني نظرت في المحاضر التي عندي من القضاة الذين كانوا قبلي وليس فيها تفسير الشهادة وعليها جوابك وجواب أقرانك وسلفك بالصحة، ما بالى وحدي تشرط على ما لم تشترطه على غيري؟!
قال شمس الأئمة الحلواني: لأَنَّهم كانوا يعرفون الموافقة بين الدعوى والشهادة ولا يخفي عليهم ذلك، وكان قبلهم الشيخ أبو علي النسفي وكان يعلم ذلك ولا يخفي عليه، فإذا رأينا ما أطلقوا في النسخة أنهم شهدوا شهادة موافقة للدعوى اكتفينا به وأفتينا بالصحة. [قال فأما] أنت وأمثالك فلا نثق بالوقوف منهم على حقيقة ذلك، فلا بد من التفسير.
قال شيخ الإسلام: وسمعت الشيخ أبا شجاع يقول: كنا نتساهل في ذلك كما تسهل بعض مشايخنا ونكتفي به ونحيل الأمر إلى القاضي حتي عرض عليّ يومًا صكًا ليس فيه تفسير الشهادة، فطالبتهم ففسروا على غير صحة، فأعيدوا ثانيا وثالثا فلم يصححوا، فتحقق عندي أنَّ الصواب الاستفسار وعلى ذلك استقراري وجوابي. وقيل له: فإن فسر شهادة واحد بتفسير صحيح، وذكر بعده أن الثاني والثالث شَهدا كذلك ولم تفسر شهادة من وراء الأول أيكفي ذلك؟ قال: نعم بعد أن يذكر ذلك على وجه لا يوهم المفتي؛ لأَنَّ الثاني لم يقل شهدت بما شهد الأول فان ذلك مما اختلف فيه، والصحيح عندنا أن الثاني إذا قال ذلك لم تقبل. انتهى.
فإذا كان الحلواني رد محاضر قاضي عنبسة بسبب هذا الإبهام مع شهادتهم له بانه كان إماماً فكيف بمحاضر قضاة [هذا] الزمان والموثقين الذين يكتبون ما لا يقع.
وفي آخر «المغرب» معزيا إلى شروط الحاكم: إذا ذكر الشك بطل الصك. انتهى.
وفي «السراجية»: إذا ذكر في السجل أن الشهود شهدوا على موافقة الدعوى ولم يفسروا الشهادة لم تصح إلا إذا كان القاضي عالماً كاملا. انتهى.
وفي «الملتقط» و «خزانة الفتاوى»: لا يصح إذا كان القاضي لا يعتمد عليه. انتهى.
ومما فرعته على أن قضاء المخالف إذا رفع إلينا فإنه نمضيه فيما وقع حكمه به لا في غيره: ما [لو] قضى شافعي ببينة ذي اليد على خارج نازعه ثم تنازع ذو اليد وخارج آخر عند حنفي فإنه يسمع الدعوى بينهما، ولا يكون قضاء الشافعي مانعا من سماعها والحكم بتقديم بينة ذو اليد لا يكون مانعا للخارج الآخر بناءً على أنَّ مذهبنا أنَّ القضاء بالملك لا يكون على الكافة، وإنما [كأنه] يقتصر [على المقضي] عليه وهو الخارج الأول.
وإن كان مذهب الحاكم ان يَتَعَدَّى كما قدمناه من أنَّ قضاء المالكي بغير دعوى غير صحيح عندنا، وإن كان صحيحا عنده فإذا رُفع الينا لا ننفذه، كذلك هنا لا يتعرض لحكمه على الخارج الأول، وأما الثاني فلم يقع حكمه [عليه] على مقتضى مذهبنا.
ويدل عليه ما في «الخانية» و «الظهيرية» من أنَّ القضاء بالملك يقتصر على المقضي عليه، وعلى من تلقى الملك منه فلا يتعدي [إلى] الغير.
ومما فرعته لو حَجَرَ شافعيٌّ على سفيه بعد دعوى صحيحة بحيث كان القضاء على مذهبنا كما نقلناه عن «الذخيرة» و «المحيط»، ثم رفعت الينا حادثة من تصرفاته فإنَّا نحكم بمذهب أبي يوسف ومحمد في الحجر على السفيه فإنهما وإنْ وافقا الشافعي على أصل الحجر لم يوافقاه على أَنَّه يُؤَثِّرُ في كل شيء وإنما يُؤَثِّرُ عندهما فيما يُؤَثِّرُ فيه الهزل. فإذا تزوجت السفيهة التي حَجَرَ عليها شافعي ولم يرفع نكاحها لم نبطله، وإذا رُفع إلى حنفي فله أَن يحكم بصحته حيث كان الزوج كفوا، على قولهما المفتى به ولا يمنعه من ذلك مذهب الشافعي لعدم وجود حادثة الزوج وقت الحجر ولم يكن لازمة للحجر حتى تدخل ضمنًا لقبول الانفكاك لجواز أن لا يتزوج المحجورة أصلًا.
[وقد أفتيت به أخذًا بما قدمناه،] وقد توقف فيه بعض من لا اطلاع له على كلامهم.
ومما فرعته: لو حكم حنفي بصحة وقف ولزومه بعد دعوى ومنازعة فيه وكان متضمنا لشروطه لا يكون حكمه واقعًا على الشروط، فللمخالف إذا رفعت إليه الحكم بمقتضى مذهبه إذا لم يقع الحكم بها، وليست مستلزمة لها لجواز أن يقف ولم يشترط.
ومما فرعته أخذًا من القضاء الضمني: مَالوا ادعى الوكالة عن زوجته فلانه [فأنكر الخصم وكالته، فبرهن أن زوجته فلانه] بنت فلان، وكَّلَتْهُ في كذا وحكم به أنَّه يكون حكمًا بالزوجية بينهما فإذا ماتت ونوزع كان له الميراث بالقضاء الأول أخذًا مما نقله العمادي في «الفصول»: «لو ادعى أن لي على فلان دينًا، وانه مات وأنت وارثه وابنه واسم أبيك كذا واسم جدك كذا وبرهن تقبل ويثبت النسب». انتهى.
لكن ذكر قبله فيما لو ادعي أن لي على أحمد [[بن محمد بن أحمد] كذا درهما وهو هذا، فشهد شهوده ان هذا احمد] بن محمد وله عليه كذا ثبت المال [دون] النسب إذ المدعي وشهوده ليسوا بخصم في إثبات النسب فلا يثبت وثبت المال لوجود الاشارة. انتهى.
ومما فرعته على اشتراط الدعوى: أَنَّ إمضاء القاضي محاسبات الأوقاف للنظار وليس بحكم لعدم الدعوى والحادثة، فلو ظهر شيء بعده عُمل به ونقضت كما لو أقيمت البينة على ناظر أنه قبض كذا من موضع كذا ولم يكن كتب في المحاسبة فإنه يلزمه.
ومما فرعته: أَنَّ تقرير القاضي النفقة للمرأة قضاء، وطلب المرأة تقرير لها دعوى وامتناعه منازعة معها، فوجد الشرط كما بينته في الشرح من النفقات [والقضاء] [بخلاف] تقرير القاضي في الوظايف بالأوقاف ليسَ بقضاء لفقدِ الشرط.
ولذا [قالوا:] لو قرر القاضي شخصاً في شي من وقف الفقراء فإنَّه غير لَازم فللناظِر أن يُعطي غيره، إلا إذا حكم القاضي بأنه لَا يُعطى غيرهُ، واستفيدَ من كلام «ابن الهمام» صحه الحكم وبينت في شرح «كتاب القضاء» من البحر صورته.
ومما فرعته: أنَّ المتبايعين لو تنازعا في الصحةِ والحكم والفساد عند قاضي حنفي بسبب عدم رؤية المبيع فحكم الحنفي بالصحة بناءً على مذهبه كان ذلك حكما منه بالصحة المقيدة - اي بالنسبة إلى عدم الرؤية – [لا بالصحة المطلقة قصراً للحكم على الحادثة، فلو تنازعا في الصحة والفساد بسبب فوات شرط من شروط الصحة غير الرؤية] للمبيع عند شافعي لم يمنعه حكم الحنفي بالصحة لكونه لم يحكم بالصحة المطلقة، [ولا يصح حكمه بالصحة المطلقة] إلا بعد ثبوت شرائطها، وهي تزيد على ثلاثين شرطاً.
ثم اعلم أن هذا كله فيما يشترط فيه الدعوى، وأما الوقف فالصحيح عدم اشتراطها لكونه حق الله تعالى فيقبل البينة بلا دعوى، ويحكم به كما في «البزازيه» و «الظهيريّه» و «العماديّه» وغيرها.
وكذا لو باع أرضاً ثم ادعى أنَّهُ وقفها لا تسمع دعواه للتناقض، لكن تقبل بينته على الصحيح، ويحكم به ويبطل البيع.
فعلى هذا الإشهاد على التنافيذ الواقعة في زماننا لمكاتيب الأوقاف؛ لأَنَّ حاصلهما إقامة البينة على حكم القاضي بالوقف فيقبلها القاضي ويحكم بالوقف بلا تقدم دعوى لما قدمناه، وعلى هذا فقولهم: ان التنافيذ في زماننا ليست أحكاماً إنما هي في غير الوقف, ويدل عليه ما في شروط «الظهيريّه» [بما لفظه]، وعلى هذا فقولهم في تصوير الحكم بصحه الوقف بعد الدعوى والمنازعة من المتولي للواقف إنما هو للاحتياط خروجاً من الخلاف وإلا فعلى الصحيح يكفي للحكم بصحة إقامه البينة كما لا يخفى. والله سبحانه وتعالى أعلم [[بالصواب] وإليه المرجع والمآب والحمد لله وحده وسلام على نبيه آمين].