رسالة في التحفة المرضية في الأراضي المصرية
للفقيه زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة في التحفة المرضية في الأراضي المصرية
للفقيه زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي فضل العلم و أهله و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده و بعد يقول العبد الضعيف زين بن نجيم الحنفي: لما كثر الكلام في سنة ثمان و خمسين و تسعماية في حكم المبايعة في الأراضي من بيت المال، و استمر مدة طويلة و في صحة الوقف و وجوب الخراج في الموقوف من الأراضي سألني جماعة أن أكتب رسالة مختصرة و نبذة محررة مشتملة على بيان هذه الأحكام، لعل أن يعمل بها الحكام، فاستخرت الله تعالى في ذلك، و سميتها التحفة المرضية في الأراضي المصرية.
المسألة الأولى: اعلم أن الإمام نصب ناظرا لمصالح المسلمين، و صرح في فتح القدير بأنه كوصي اليتيم و اختلفوا في وصي اليتيم على بيع عقار اليتيم، فذهب المشايخ المتقدمون إلى أنه له البيع مطلقا و اختاره القاضي الاسبيجاني و صاحب المجمع و كثير، و ذهب المتأخرون إلى أن له البيع، بشرط أن يكون على الميت دين أو أوصى بدراهم مرسله، و ليس له غير العقار، أو يكون فيه مصلحة ظاهرة كبيعه بضعف قيمته، أو يكون مؤونتها تزيد على غلابتها، أو لحاجة كعدم وجود ما ينفقه على اليتيم. قالوا و الفتوى على قول المتأخرون و ممن صرح به الإمام الزيلعي في شرح الكنز، فأفاد ذلك أن للإمام بيع عقار بيت المال، على قول المتقدمين مطلقا و على المفتى به لحاجة أو مصلحة، و من ذلك الأراضي الخراجية و ما أفتي به المحقق في فتح القدير من اشتراط الحيلة بجواز بيع الإمام الأراضي، تخريجا على بيع الوصي عقار اليتيم غير صحيح، بل على قول الكل، لأنه على قول المتأخرون لا يقتصر على الحاجة بل إما هي أو المصلحة كما ذكرنا. و أما قول المتقدمين فظاهر، ثم ظاهر ما في الخلاصة يدل على جواز البيع للإمام مطلقا فإنه قال في كتاب البيوع ما لفظه، أرض خراج مات مالكها فللسلطان أن يؤاجرها و يأخذ الخراج من أجرتها. و في سير واقعات الناطفي و في باب اليا لو أراد السلطان أن يشتريها لنفسه يأمر غيره بأن يبيعها من شخص ثم يشتريها لنفسه انتهى. فقد أفاد جواز البيع، و لم يقيد بشيء مع أنها بموت مالكها صارت لبيت المال، إذ المفروض أن ليس لمالكها وارث بدليل أنه قال للسلطان أن يؤاجرها، و لو أخلف مالكها وارثا لكان الوارث هو المتصرف و الخراج واجب عليه فيها، و لو كان صغيرا لأن الخراج يجب في أرض الصبي لأنه مؤنة كما في أكثر الكتب.
و صرح الإمام الزيلعي في شرح الكنز بأن للإمام ولاية عامة، و له أن يتصرف في مصباح المسلمين و الاعتياض عن المشترك العام جائز من الإمام، و لهذا لو باع شيء من بيت المال صح بيعه انتهى. فقوله شيئا نكرة في سياق الشرط، فتعم المنقول و العقار الدور و الأراضي لحاجة و غيرها و صرح في فتح القدير بأن المأخوذ من أراضي مصر الآن إنما هو بدل إجارة الإخراج. ألا ترى أن الأراضي ليست بمملوكة للزراع و هذا بعدما قلنا إن أراضي مصر خراجية و الله أعلم كأنه لموت المالكين شيئا فشيئا من اخلاف ورثته فصارت لبيت المال انتهى فالحاصل ان ارض مصر خراجية في الأصل، كما صرح به في الهداية فقال: و عمر رضي الله عنه حين فتح السواد وضع الخراج بمحضر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، و وضع علي مصر حين افتحها عمروا بن العاص. و كذا اجتمعت الصحابة على وضع الخراج علي سواد مصر أي قراها حين افتتحت صلحا على يد عمروا بن العاص، و ذكره العلامه الشميني في شرح النقاية معزيا الي ابن مسعود في الطبقات ان مصرا فتحت عنوة علي يد عمر بن العاص ثم صالحهم علي الجزية في رقابهم، و الخراج علي أراضيهم انتهى. فقد اتفقوا علي ان مصر خراجية بوضع عمرو بن العاص رضي الله عنه. و إنما اختلفوا هل فتحت عنوة أو صلحا و لا أثر له في كونها خراجية لأنها تكون خراجية، اذا لم يسلم أهلها سواء فتحت عنوة و من علي أهلها بها او صلحا و وضع عليهم الجزية كما صرح به في الخلاصة و غيرها.
قال في الهداية و مكة مخصوصة من هذا، فان رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحها عنوة و تركها لأهلها، و لم يوظف الخراج ثم اتفق ايمة الحنفية رضي الله عنهم علي ان الامام اذا فتح بلدة و اقر أهلها عليها و وضع الخراج عليها و علي أراضيهم فانهم يملكون الأراضي و يصح منهم سائر التصرفات من بيع و هبة و وصية و اجارة و اعارة و وقف، سوا كان المتصرف باقيا علي الكفر او اسلم، و ان الخراج لا يسقط بالإسلام و لا بالبيع من مسلم بل يجب الخراج علي المشتري لا خلاف منهم فيما ذكرناه. و كذا اتفقوا انها تورث عنه فكذا وجب الخراج في الأراضي الخراجية علي اربابها الى ان لا يبقى منهم احد فحينئذ ينتقل الملك الى بيت المال، فيؤجرها الامام و يأخذ جميع الأجرة لبيت المال، كذا صارت لبيت المال. و اختار السلطان استغلالها فانه يؤجرها و يأخذ أجرتها من المستاجر لبيت المال. فاذا اختار بيعها فله ذلك اما مطلقا أو لحاجة او مصلحة كما بيناه فثبت بذلك ان بيع الأراضي المصرية صحيح علي كل حال، اما من مالكها او من السلطان فان كان من مالكها انتقلت بوظيفتها من الخراج الي المشتري و ان كان من السلطان فلا يخلوا اما ان ذلك لموت مالكها أو لعجزه عن زراعتها، فان كان لعجزه عن زراعتها، فإن الخراج يسقط. قال الامام الولوالجي في فتاواه: و لو عجز رجل عن ذراعة ارضيه و هي خراجية دفعها الامام الي من يقدر علي الزراعة و يأخذ منه الخراج و يدفع الفضل الي رب الأرض بعد حصة الزارع، و كذلك النخيل لان في الخراج منفعة عامة للمسلمين و في انكساره ضرر عامة المسلمين، فجاز دفع ضرر العامة باجارة ارضيه او يدفعها مزارعة فان لم يجد مستاجرا و مزارعا باعها ممن يقدر بقدر خراجها، فكذا في النهاية و المحيط و غيرهما و زاد في التجنيس بان السلطان اذا أراد ان يشتريها لنفسه أمر غيره أن يبيعها من غيره، ثم يشتريها لنفسه من المشتري لأن هذا ابعد من التهمة.
و إن كان لموت مالكها فقد قدمنا انها صارت لبيت المال، و ان الخراج سقط عنها لعدم من يجب عليه، و ان المأخوذ إنما هو بدل اجارة و أنه كله لبيت المال، فاذا باعها الامام و الحالة هذه فلا يجب علي المشتري الخراج، لما ان الامام قد أخذ الثمن لبيت المال، فلا يمكن بعده ان تكون المنفعة له كلها او بعضها. فإن قلت ان المالك لها لو باعها او باعها السلطان لعجزه لم يسقط الخراج كما قدمناه، فكذا اذا باعها السلطان لموت مالكها قلت ان في مسألة ما اذا باعها مالكها او السلطان لعجزه لم يحصل لبيت المال في مقابلة الخراج شيء. أما فيما اذا باعها مالكها فظاهر، لأنه أخذ جميع الثمن. و إنما وقع الاختلاف في وجوب الخراج سنة البيع هل هو على البائع او المشتري. و أما اذا باعها السلطان لعجز مالكها فلان ما أخذه السلطان من الثمن إنما هو خراج السنة فقط، و ما بقي يرده على مالكها، كما صرحوا به في المحيطة و غيره في شرح الكنز من مسائل شتى و أما اذا باعها بعدما صارت لبيت المال، فإنما باعها بعد ما سقط الخراج لبيت المال عنها لعدم من يجب عليه، لأنه كما صرحوا به يجب في الذمة لا في الخراج، بدليل أنه يجب بالتمكن من الزراعة، كبدل الاجارة، الا ان بينهما فرقا ذكره في النهاية، و هو ان بدل الإجارة يجب شيء فشيئا بحسب حدوث المنافع، بخلاف الخراج. و قد قال في الخلاصة و الخانية ان خراج الوظيفة هو ان يكون الواجب فيه سببا في الذمة يتعلق بالتمكن من الانتفاع بالأرض انتهى. لا يقال ان الخراج وظيفة الأرض لا يسقط أصلا، لأنا نقول هو كذلك ما دامت الذمة صالحة للوجوب. فاذا مات مالكها، و لم يخلف وارثا سقط لعدم المحل كما قررناه. و لا يمكن الوجوب على المشتري من السلطان لان الخراج لا بد فيه من الالتزام حقيقة و هو ظاهر أو حكما، بان انتقلت الأرض اليه ممن وجب الخراج عليه لنفسه كبيعه و بيع السلطان عند عجزه و لم يوجد في مسألتنا.
و لو قيل موضع الخراج الآن على ارضه لم يجز، لان المسلم لا يجوز وضع الخراج عليه. و ان جاز بقا بالتزامه. و انما وجب الخراج عليه فيما اذا جعل داره بستانا و سقاه بماء الخراج، لما ان سقيه بماء الخراج التزام منه، كما في شرح الهداية مع ان المذهب وجوب العشر مطلقا دون الخراج و هو الأظهر كما في غاية البيان لما ذكرنا. و لو قيل بعوده لم يجز، لأن الساقط لا يعود، و ليس هو من باب زوال المانع لان المقتضى لم يبق موجودا، و هو الالتزام حقيقة أو حكما.
المسألة الثانية في صحة وقف أراضي مصر. فاعلم ان الواقف لها لا يخلوا اما ان يكون مالكا لها في الأصل، بأن كان أهلها حين من الامام على أهلها او تلقي الملك من مالكها بوجه من الوجوه أو غيرهما فان كان الأول، فلا خفاء في صحة وقفه لوجود ملكه، كما صرحوا به في الخصاف و غيره. و ان كان الواقف غيرهما فلا يخلوا اما ان وصلت إلى يده باقطاع السلطان إياها له أو بشراء من بيت المال بعدما وصلت لبيت المال لموت مالكها و عدم وارث او يكون الواقف لها السلطان من بيت المال من غير ان تكون ملكه. فان كان الأول صدقة ففيه تفصيل. فان كانت مواتا او ملكا للسلطان صح وقفها. و ان كانت من حق بيت المال لا يصح، كذا في الإسعاف للعلامة الطرابلسي و الجمع بين وقفي هلال و الخصاف للقاضي و في احكام الوقف للخصاف و صرح الشيخ قاسم في فتاواه بان من اقطعه السلطان أرضا من بيت المال ملك المنفعة بمقابلة استعداده لما اعد له، فله إجارتها، و تبطل بموته، و اخرجه من الاقطاع لأن للسلطان ان يخرجه منها انتهى. و ان وصلت الأرض الى الواقف بشراء من بيت المال على الوجه الذي ذكرنا فان وقفه صحيح لانه مالك لها و يراعي شروط وقفه سواء كان سلطانا أو أميرا أو غيرهما. و ما ذكره الجلال السيوطي للشافعي في كتابه المسمى بالينبوع من أنه لا تراعي شروطه ان كان سلطانا أو أميرا، و انه يستحق ريعه من غير مباشرة للوظايف فمحمول علي ما اذا وصلت إلى الواقف باقطاع السلطان إياه من بيت المال كما لا يخفى الا ان يكون بناه على أصل في مذهبه فلا كلام لنا فيه. و ان كان الواقف لها السلطان من بيت المال من غير شراء فافتي الشيخ قاسم بان الوقف صحيح، أجاب به حين سيل عن وقف السلطان حقق ارضا من بيت المال على مصالح مسجد و أفتي بأن سلطانا آخر لا يملك ابطاله، و ذلك بعد ان كان السلطان برقوق قبله أرصدها على رجل ثم من بعده علي مصالح ذلك المسجد.
و قال ان الارصاد من السلطان برقوق المتقدم ليس صريحا في الوقفية، فتضمن كلامه حكم صحة وقف السلطان من بيت المال، و ارصاده كذلك. و ذكر في فتح القدير انه يجب على السلطان وقف مسجد من بيت المال و سياتي في بيان مصروف الخراج و الله أعلم.
المسألة الثانية في وجوب الخراج في الأرض الموقوفة. و قد علمت فيما سبق أنه لا يخلوا اما ان تكون الأرض في يد أربابها أو في يد من انتقلت اليه منهم أو في يد المشتري لها من بيت المال أو المقطع لها من السلطان. فان كانت في يد مالكها فلا كلام في وجوب الخراج عليه كما سبق. و اختلفوا فيما اذا أوجب السلطان له خراج أرضه فجوزه أبو يوسف و منعه محمد، و الفتوى على الجواز ان كان مصرفا للخراج كمقاتل و عالم كما صرحوا به، فان خرجت العين من ملكه فان كان بالميراث فظاهر، و ان كان بالبيع أو الهبة أو الصدقة و نحو ذلك انتقلت اليه بوظيفتها من الخراج؛ و ان خرجت من ملكه بالايقاف لله تعالى، فالخراج واجب على حاله كما صرحوا به في الخلاصة و غيرها، لأن الخراج مونة فيها معني العقوبة فصح ايجابه في مال الصغير. و الوقف و ان كانت في يده بالشراء من السلطان فان كان لعجز أربابها عن زراعتها فالخراج واجب على المشتري. و في مال الوقف ان وقفها المشتري لما ان السلطان في البيع وكيل عن أربابها و لهذا يأخذ الخراج الواجب من الثمن و يدفع اليهم ما فضل، فلم يأخذ لبيت المال في مقابلة الخراج إلا بدل شي كما قدمنا تقريره، فكأن المالك لها قد باعها بنفسه، فلا يسقط الخراج عن مشتريها و لا عنها بالوقف.
و ان كان بيع السلطان لها لكونها صارت ملكا لبيت المال بموت اربابها فقد قدمنا انه لا خراج على مشتريها لكون السلطان أخذ بعوض العين و هو الثمن لبيت المال، فلم يبقي الخراج وظيفة الأرض، فاذا وقفها مالكها فلا خراج في مال الوقف؛ فقول أيمة الحنفية ان الأرض الموقوفة يجب فيها الخراج مقيد بما اذا لم يكن واقفها اشتراها من بيت المال بعد ان صارت ملكا له بموت أربابها. أما اذا اشتراها على الوحه المذكور، فلا خراج فيها قبل وقفها كما قدمنا، فكذا بعد وقفها. و هذا ظاهر لا يخفي. و لهذا قيد الامام الخصاف وجوب الخراج في الأرض الموقوفه بان تكون ارض الخراج. و هذا بموت اربابها لم تبقى خراجية لعدم من يجب عليه كما سبق تقريره. فان قلت ان وجوب الخراج في أراضي مصر الموقوفة لاجل سقيها بماء النيل و هو خراج علي قول ابي حنيفة و ابي يوسف كما في معراج الدراية و غيره. قلت الماء انما يعتبر فيما اذا جعل داره بستانا لا في كل أرض مع ان الاظهر عدم اعتباره فيها أيضا كما قدمناه في غاية البيان من ان كون ماء النيل خراجيا. انما هو رواية عن أبي يوسف. و ظاهر ما في البدايع انه ظاهر الرواية عن ابي حنيفة و صاحبيه انه عشري كما ذكره في سيحان و جيحان و الفرات و دجلة. و لا شك ان النيل مثلها كما في المعراج. فان قلت ان الأراضي التي للزراعة لا تخلوا من مؤنة. أما الخراج او العشر، و قد حكمت بسقوط الخراج فينبغي ان يجب العشر. قلت نعم ينبغي وجوبه كما صرح به في البدايع و غيرها، و صرحوا به في الأصول بان العشريجب في مال الوقف، و صرح في خزانة الفقه من كتاب الوقف بان المتولي اذا دفع ارض الوقف مزارعة جاز عند الصاحبين فكان العشر علي أرباب الوقف فيما اذا كان لهم، و ان كان الارباب مساكين انتهى. و كذا صرح بوجوب العشر الخصاف و غيره. و انما لم اجزم به في الأراضي المصرية الموقوفة لأني لم ار نقلا في وجوبه.
اذا كانت مشتراه من بيت المال فحاصله ان الأرض الموقوفة اذا كانت عشرية لا يخلوا اما ان يكون زرعها المتولي أو دفعها للغير مزارعة أو أجرها ففي الأول لا شك في مال الوقف، و أما الثاني فعلي قولهما العشر واجب علي الوقف و المستاجر لان الخراج بينهما و العشر يجب فيه و علي مذهبه فهي فاسدة. ولو حكم بصحتها للزم من مذهبه جميع العشر على الوقف وان أجرها فعند ابي حنيفة العشر على الوقف، و عندهما على المستاجر. و ظاهرالبدايع ترجيح قولهما لأن العشر يجب في الخارج، و هو ملك المستاجر فكان العشر عليه كالمستعير. و في الحاوي القدسي و اذا اجر ارض العشر فعشر الخارج على رب الأرض، و قالا على المستاجر و به نأخذ انتهى بلفظه. فان قلت قد حررت و فصلت في الوقف المبني على الشرا من السلطان انه ان كان لعجز اربابها فالخراج واجب في الأرض الموقوفة؛ و ان كان لموت أربابها فلا وجوب فيها، فاذا رايت المبايعة من السلطان يشتبه الامر علينا هل هي من القسم الأول أو من الثاني قلت وجود الاشتباه بأحد شيئين اما بقول الموثقين في المبايعة انها من بيت المال و ان الثمن سلم الى وكيل بيت المال، فحينئذ بيقين انه لبيت المال لموت أربابها لما علمت أن بيع السلطان لعجز اربابها لا يوجب اخذ الثمن لبيت المال بل يأخذ قدر الخراج المستحق و يدفع الباقي الى اربابها، فهذه قرينة معنية مزيلة للاشتباه.
و اما بالنظرالى الثمن فانه قليل ان كان البيع لعجز اربابها لان المشتري في هذه الحالة تجعل نفسه مزارعا و يوجب على نفسه الخراج و هو ضرر عليه، فانه يجب عليه بالتمكن من الزراعة و ان لم يزرع و لو بنا فيها وجب الخراج عليه كما في الخلاصة و غيرها و ان اجرها أو اعارها وجب الخراج على الموجر و المعير و هي مقتضى السعي و في التخلص منه للتزامه فحينئذ لا يرغب فيها بثمن كثير، فقلة الثمن قرينة على انه لعجز أربابها، و كثرته قرينة على انه لموت أربابها لان المشتري في هذه الحالة مالك لها على الخلوص، ليس بمزارع ولا فلاح فحينئذ يرغب فيها بثمن كثير وهذا أمر ظاهر مشهور، فان من المعلوم المتواتر ان الامر في الزمن الماضي اذا اشتروا من بيت المال أراضي يفرحون بذلك و يفتخرون بها، ولم ينقل عن احد ان السلطان طلب منهم الخراج بعد بيعه لهم ولا ان السلطان و العلماء اوجبوا عليهم الخراج ولا على الموقوفة. ومن تأمل ما كتبناه و حررناه بعين الانصاف ظهر له انه الحق المبين والحبل المتين من فضل رب العالمين. تتمة: وان كانت في يده الاقطاع من السلطان فان كان مالكها بان كانت مواتا او ملك السلطان فقد علمت حكم ما اذا وقف أرضا مملوكة له لا بطريق الشراء من بيت المال، وان لم يكن كذلك فقد علمت انه لا يصح وقفه لعدم الملك وان كان الواقف لها سلطانا من بيت المال من غير ان يكون مالكا لها فقد علمت فيما سبق انه اذا كان على مصالح مسجد فانه وقف صحيح لازم ليس لمن بعده ابطاله. ومن المعلوم انه لا يجب على هذا الوقف الخراج لان الصرف الى مصالح المسجد من جملة مصارف الخراج كما ذكره قاضي خان في فتاواه فلا فائدة في الاخذ منه ثم الدفع اليه.
تتمة: الخراج في اللغة ما يخرج من غلة الأرض أوالغلام، ومنه الخراج بالضمان أي الغلة بسبب ان ضمنته ثم سمي ما ياخذه السلطان خراجا فيقال ادي فلان خراج ارضه و ادي اهل الذمة خراج رؤسهم يعني الجزية كذا في المغرب وأما في الفقه فهو على قسمين خراج وظيفة وخراج مقاسمة فالوظيفة ما وظفه عمر رضي الله عنه في كل جريب و هي الأرض البيضا الصالحة للزراعة درهم وقفين مما يزرع فيها فالجريب ارض طولها ستون ذراعا و عرضها ستون ذراعا كما صححه الزاهدي. بزراع الملك كسرى يزيد على ذراع القامة بقبضة والعقيز هو الصاع ثمانية ارطال و الدرهم من الفضة الخالصة وزنه وزن سبعة. وفي جريب يصلح للرطاب خمسة دراهم وفي جريب الكرم عشرة دراهم وفي ارض الزعفران والبستان كل محوط فيه أشجار متفرقة يمكن زراعة أوسط الأشجار و ليس في الأشجار التي علي السناة شيء وان كانت الأشجار ملتفة لا يمكن زراعة ارضها فهي كرم. فان كانت الأرض لا تطيق ان يكون الخراج خمسة دراهم بان كان الخارج لا يبلغ عشرة دراهم يجوز ان ينقص حتى يصير الخراج بمثل نصف الخراج وان كانت الأرض تطيق الزيادة ففي كل بلدة فيها وظيف من الامام لا يجوز تغييره ولا يزاد في قولهم جميعا.
وان لم يكن فيهما توظيفا من الامام يجوز عند محمد وعند أبي يوسف وهو رواية عن ابي حنيفة و ليس للامام ان يجعل الخراج اكثر من خمسة دراهم كذا في الخلاصة وغيرها من كتب ايمتنا وأما خراج المقاسمة فهو ان يكون الواجب فيه السدس أو الخمس و هو كالعشر و لا بد من الزراعة حقيقة ولا يكفي التمكن لوجوبه لكن مصرفه مصرف الخراج الموظف كما في الخانية بخلاف خراج الوظيفة فانه حق ثابت في الذمة، يجب بالتمكن من الزراعة وان لم يزرع ومصرفه عندنا على ما ذكره في الهداية وغيرها على مصالح المسلمين كسد الثغور وبناء القناطر والجسور ويعطي قضاة الإسلام وعمالهم وعلماءهم منه ما يكفيهم و يدفع منه ارزاق المقاتله وذراريهم لأنه مال بيت المال فانه وصل الى المسلمين من غير قتال وهو معد لمصالح المسلمين وهو راد عملتهم ونفقة الذراري على الآباء. فلو لم يعط كفايتهم لاحتاجوا الى الاكتساب فلا يتفرغوا للقتال. زاد صاحب الهداية في فتاواه انه يدفع الى طلبة العلم كفايتهم وان لم يكونوا علماء لانهم بصدد النفع للمسلمين في المستقبل. وزاد قاضي خان في فتاواه ان من مصرفه بناء المسجد والنفقة عليها. وزاد في الفتاوي الظهيرية ان ما فضل بعد المصارف بصرف الى الفقراء او الى نفقة الكعبة. وفي المحيط والراي الى الامام في التسوية والتفضل. وفي فتاوى الامام الزاهدي الترجيح بالفضل والفقه لا بالحاجة وهو فعل عمر رضي الله عنه والعمل به زماننا انتهى. وفي مال الفتاوى ان لكل قاري في كل سنة من بيت المال مايتي دينار أو الفي درهم ان اخذها في الدنيا والا اخذها في الآخرة. و ذكر قبله ان من راي الخراج ملك السلطان كفر، كذا عن علي رضي الله عنه انتهى. و ذكر الزاهدي في الحاوي لو انكر الخراج والعشر لا يكفر ولا يفسق خصوصا في زماننا انتهى. يعني انهما لا يصرفونهما مصارفهما ولم يقدر الرواية في الارزاق والاعطية سوي قوله ما يكفيهم وذراريهم وسلاحهم وأهاليهم.
وما ذكر عن الحديث لحافظ القرآن وهو مفتى اليوم مايتي دينار. ان المراد انه زاد فيه دليل على قدر الكفاية انتهى، فبين فيه بان الحافظ للقرآن هو المفتي يعلم الحلال والحرام لا مطلق الحافظ، اذ قد يكون جاهلا وذكر المحقق من ابن بطال في شرح البخاري انه يجب على السلطان ان يقضي ديون الميت، اذ لم يترك وفاء ان كان دينه قدر ماله في بيت المال والا فبقدره. واستدل عليه بحديث البخاري عن النبي صلى الله عليه و سلم من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا فعلي انتهى. وذكر في مفيد النعم ومبيد النقم ان من وظايف السلطان الفكرة في العلماء والفقراء والمستحقين وتنزيلهم منازلهم وكفايتهم من بيت المال الذي هو في يده أمانة عنده ليس هو فيه الا كواحد منهم، وله نسبة ولاء المسلمين، فان ترك العلماء والفقراء جياعا في بيوتهم يبيتون ومنهم من يطوي الليلة واليلتين هو وعياله واخذ في تعظيم ملكه ويحاسن سماطه وزينته ولباسه ولباس حاشيته فذاك أحمق جهول وانضم الي هذا انه استكثر علي الفقهاء ما بايدهم وتعرض لاوقاف وقفها أهل الخير ممن تقدمه عليهم فانه بلاء علي بلاء فان حقه ان ينظر في مصالحهم واوقافهم وان لا يكلهم اليهم اليها بل يرزقهم من بيت المال ما تتم به الكفاية فاذا تعرض لها فقد خرق حجاب الهيبة والله اعلم.