غاية المقال ..........
. فيما يتعلق بالنعال
جارٍ تحميل الكتاب…
غاية المقال ..........
. فيما يتعلق بالنعال
غاية المقال
فيما يتعلق بالنعال
ومعها
ظفر الأنفال على حواشي غاية المقال
للإمام أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الحنفي
ولد سنة (1264) وتوفي سنة (1304 هـ)
حققه وخرج أحاديث وعلق عليه
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ المتعال، وملبسه لأحبَّائهِ في المعال، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خير مَن لبسَ النِّعال، محمَّدُ بنُ عبدِ الله، وعلى آلهِ وأصحابِهِ والتَّابعينَ له بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.
وبعد:
فها نحنُ أمامَ تأليفٍ جديدٍ للإمامِ المحدِّثِ الفقيه، المجدِّد على رأسِ المئةِ الثَّالثةَ عشرةَ الهجريّة، الشَّيخ محمَّد عبد الحيِّ بن محمَّد عبد الحليم اللَّكْنَوِيّ الأيوبيّ الأنصاريّ الحنفي، نسبةً إلى الصَّحابيّ الجليل أبي أيوبٍ الأنصاريّ - رضي الله عنه -، جمع فيه المسائل المتعلِّقة بالنِّعال، ورتَّبها على ترتيبِ الكتبِ الفقهيّة، فبدأ بفصلٍ في الطَّهارة، وذكرَ مسائلَ النِّعالَ فيه، ثمَّ بفصلٍ في الصَّلاة، أوردَ فيه ما يتعلَّقُ بمسائل النِّعال، وهكذا.
فهذه المسائل كما صرَّحَ رحمهُ الله في مقدِّمتِه مذكورةٌ في الكتبِ الفقهيَّة، ولكنّه عملَ على جمعِها في هذا التَّأليف، مع تحقيقِها، وإيرادِ الأدلَّةِ عليها، فهذا الكتاب على صغرِ حجمِهِ حوى فروعاً وفوائدَ وتحقيقات خلت عنها المطوَّلات.
ورتَّبَ هذا الكتابَ على مقدِّمةٍ محتويةٍ على معنى النِّعالِ لغة، وما يتعلَّقُ به، ثمَّ باب في المسائلِ الفقهيّة المتعلِّقةِ بالنّعال على التَّرتيب السَّابق ذكرُه، ثمّ بابٌ في العاداتِ النَّبويَّةِ المتعلِّقةِ بالنِّعال، وقد خصَّ هذا البابَ الأخير بالتَّأليفِ المقرئ في كتابِه ((فتح المتعال في وصفِ النِّعال)) وذكرَ ترتيبَهُ ووصفَهُ الإمامُ اللَّكنويّ رحمه لله في هذا المؤلَّف (ص 22 - 23)، وأكثر النَّقل منه.
وللإمام اللَّكْنَويّ رحمه الله حاشيةٌ على هذا الكتابِ مسمَّاة بـ ((ظفر الأنفالِ على حواشي غايةِ المقال)) أضافَ فيها بعض الفوائد إلى الأصل، وقد جعلتُها في هامشِ الأصل، ورمزتُ بكلمةِ (ظفر) في خاتمةِ كلِّ هامشٍ منها، تفريقاً بينَه وبينَ الهوامشِ المضافةِ منِّي.
ونسبةُ هذا الكتابِ إلى الإمام اللَّكْنَويِّ رحمهُ الله ثابتة؛ فقد نسبَه إلى نفسه في مقدِّمته، وفي غيره من تآليفه مثل: ((تذكرة الراشد)) (ص 91،400)، و ((نفع المفتي والسائل)) (ص 32)، و ((غيث الغمام)) (ص 48)، و ((دفع الغواية)) (ص 27،42)، و ((الآثار المرفوعة)) (ص 38،138)، و ((مقدِّمة التعليق
المُمَجَّد)) (ص 28)، و ((مقدِّمة عمدة الرعاية)) (ص 30)، و ((النافع الكبير)) (ص 63).
والأصلُ الذي اعتمدتُ عليهِ في إخراجِه هو طبعةٌ حجريَّة ثَّانية له مقابلةٌ على مسوَّدةِ المؤلِّف رحمه الله تحت إشرافِ ابنِ أخ المؤلِّف وزوج ابنته محمَّد يوسف رحمه الله، المطبوعة سنة (1305 هـ) كما هو مذكورٌ في خاتمةِ طبعه (ص 226).
ومعلومٌ أنَّ الطَّبعاتِ الحجريَّةِ قليلةُ الأخطاء، كما نبَّه على ذلك الشَّيخُ المحقِّقُ عبدُ الفتاح أبو غدَّة رحمه الله رحمةً واسعةً في مقدِّمةِ تحقيقِ كتابِ ((ظفرِ الأماني بشرحِ مختصرِ السيّدِ الشَّريفِ الجرجاني)) للإمام اللَّكْنَويّ (ص 9)، ولاحظتُ ذلك أثناء اشتغالي بتحقيقِ مؤلّفات الإمامِ اللَّكْنَويّ، إلا أنَّ الطَّبعةَ الحجريَّة لهذا الكتابِ الذي بين أيدينا كان فيها كثيراً من التَّصحيفِ والتَّحريف، وقد بذلتُ جهدي في تصحيحِ عباراتِه، فأرجو من اللهِ تعالى أن أكون قد وفِّقتُ في ذلك.
والمنهجُ الذي سلكتُهُ في تحقيقِهِ باختصار؛ هو ضبطُ كلماتِه، وتفصيلُ جملِه بوضع علامات ترقيم مناسبة، ومراعاةُ قواعد الإملاء الحديثة، وتقطيعُ عباراتِه إلى مقاطعَ صغيرة، وتفسيرُ المبهمِ من مفرادتِه، وتصحيحُ ما وقعَ فيه من الأخطاء والتَّحريفات، وتخريجُ ما ورد فيه من الأحاديث، وتوثيقُ
نصوصِه من مظانّه ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وصنعُ فهارسَ علميَّة تخدمُ القارئ الكريم في الرُّجوعِ لما يريدُ منه بيسرٍ وسهولة.
وفي الختامِ أسالُ الله عزَّ وجلَّ أن يتقبَّلَ هذا العمل، ويجعلَهُ خالصاً لوجهِهِ الكريم، وأن ينفعَ به المسلمين والمسلمات، إنّه قريبٌ مجيبٌ الدّعوات، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
في 11 ربيع الأول 1422 هـ ... صلاح محمّد أبو الحاج
الموافق 2 حزيران 2001 مـ ... شارع حيفا/بغداد
?
بسم الله الرحمن الرحيم
نحمدَكُ يا مَن جعلَنا من أُمَّةِ خيرِ من لَبِسَ النَّعلَيْن، وأسألك أن تُصَلِّي على حبيبِك رسولِ الثَّقلَيْن، وعلى آلهِ وصحبِهِ ما دامَ دورُ القمريْن.
أما بعد:
فيقولُ العبدُ المفتاقُ إلى رحمةِ ربِّهِ القويّ، أبو الحسناتِ محمَّدٌ عبدُ الحيِّ اللَّكْنَويُّ الأنْصَاريّ، تجاوزَ اللهُ عن ذنبهِ الجَلِيِّ والخَفيِّ:
هذه رسالةٌ لطيفةٌ مسمَّاةٌ بـ:
((غاية المقال فيما يتعلّق بالنعال))
متضمِّنةٌ لمقدَّمةٍ وبابَيْن وخاتمة، بعثَني على تأليفها ما رأيتُ في هذا الزَّمان، زمان شرٍّ وطغيان، أنَّ النَّاسَ لا يُبالون في لُبْسِ النِّعال وإن كان على خلافِ أمرِ ذي الجلال، ظانِّينَ أنَّ لُبْسِ النِّعالِ كيف ما كان مباح، واستعمالُها
كيف شاءَ يُباح، وهل هذا إلاَّ لعدمِ الاطِّلاعِ على كتبِ الشِّرعِ المنقول، وعدمِ الالتفاتِ إلى الفروعِ والأصول.
وفقهاؤنا (¬1) الحنفيَّة، خصَّهم اللهُ تعالى بالطَّاعةِ الخفيَّة، وإن لم يتركُوا دقيقةً في هذا البابِ لكنَّهم ذكرُوه في مواضعَ متفرِّقَةٍ يتعسَّرُ جمعُها على أُولي الألباب، ورجائي من اللهِ تعالى أن تكونَ هذه الرِّسالةُ جامعةً لما ذكرُوه من المسائلِ والفوائد، حاويةً لما استنبطُتُه من الدَّلائلِ والزَّوائد، وما توفيقي إلاَّ بالله، عليه توكَّلتُ وإليه أُنيب، فهو حسبي، ونعمَ المجيب.
* * *
¬
(¬1) بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لذي الكرم والجلال الكبير المتعال، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له واهب الجود والأنفال، وأشهد أنَّ سيّدنا ومولانا محمّداً عبده ورسوله، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، خير من لَبِسَ النِّعال، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وتابعيه، صلاةً دائمةً بدوام الأيام والليالي.
وبعد:
فهذه تعليقاتٌ على رسالتي غاية المقال فيما يتعلق بالنِّعال [مسمَّاةً] بـ:
«ظفر الأنفال على حواشي غاية المقال»
يطرب بمطالعتها الأذهان، وتنشط بسماعها الآذان، أرجو من الله تعالى أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، إنه ذو الفضل العميم.
() في الأصل: فقهائنا.
المقدمة
في تحقيق لفظ النّعل
وما يتعلّق به
قال صاحبُ ((القاموس)) (¬1): النَّعلُ ما وُقِيَتْ به القدمُ من الأرض،
¬
(¬1) قوله: قال صاحب القاموس: هو محمَّد بن يعقوب بنِ إبراهيم بن عمر بن أبي بكر بن أحمد بن محمود بن إدريس بن فضل الله بن الشيخ أبي إسحاق الكازرونيّ، المشهور بمجد الدين الفَيْرُوزآباديّ الشِّيرَازِيّ اللُّغويّ الشَّافِعِيّ، ولد في الربيع الأول سنة (729 هـ) بكازرون، وحفظ القرآن، وهو ابن سبع وانتقل إلى شيراز، فأخذ الأدب واللغة عن والده وغيره، ودخل بغداد وواسط، ظهرت فضائله، وكثر من أخذ عنه، منهم: الصفدي، وابن عقيل، وابن هشام. ودخل القاهرة وأخذ عن علمائها، ودخل الروم والهند ولقي جمع من الفضلاء، ودخل زبيد في رمضان سنة (797 هـ) فتلقاه الأشرف بن إسماعيل وبالغ في إكرامه وصرف له ألف دينار، وأضيف إليه قضاء اليمن، واستمر بزبيد عشرين سنة، وفي أثنائها قدم مكة مراراً، وجاور بالمدينة مدَّةً، وقد بالغ في تعظيمه مثل شاه منصور صاحب تبريز، والسلطان بايزيد متولي الروم، وتمرلنك، وغيرهم، وصنف تصانيف كثيرة، منها: القاموس، وتخريج أحاديث المصابيح، وشرح صحيح البخاري، وسفر السعادة، وغير ذلك. كذا في بغية الوعاة في طبقات النحاة (1: 273) للسيوطي.
قلت: وكتابه القاموس كتاب لطيف في اللغة فاق به على من قبلَه، وعدَّ به من المجدِّدين على رأس المئة الثامنة، وكان وفاته على ما في البغية (1: 273) سنة (816 هـ) في شوال. ظفر.
كالنَّعلة مؤنَّثة، وجمعُهُ نِعال: بالكسر، والحسينُ (¬1) بن طلحة (¬2)، وإسحاق ابن محمَّد (¬3)، وأبو عليّ (¬4) النِّعاليُّون كلُّهُم محدِّثون، ونَعِلَ كَفَرِح، وتَنَعَّلَ وانْتَعَل: لَبِسَها، ورجلٌ نَاعلٌ ومُنْعَل كَمُكْرم: ذو نعلٍ، وفرسٌ مُنْعَل: شديدُ الحافر، وانتعلَ الأرض: سافرَ راجلاً، والتَّنعيل: تَنْعِيلُكَ حافرَ البِرْذَون (¬5) بحديدٍ ونحوه. انتهى كلامُه ملخَّصاً (¬6).
¬
(¬1) في الأصل: الحسن، والمثبت من القاموس.
(¬2) وهو الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة النِّعاليّ، أبو عبد الله، مسند بغداد. ينظر: طبقات المحدثين (1: 144)، والعبر (4: 125)، والتقييد (1: 148).
(¬3) ينظر: تذكرة الحفاظ (2: 696)، وسير أعلام النبلاء (14: 187).
(¬4) هو أبو علي بن دوما النعال. ينظر: تاريخ بغداد (5: 113)، والميزان (2: 232)، ولسان الميزان (2: 201).
(¬5) البِرْذَون: هو دابة شبيهةٌ بالفرس، ولكن في أذنيه استرخاء، وأبواه أعجميان. ينظر: حياة الحيوان (1: 119).
(¬6) أي الفيروزآباديّ من القاموس (4: 59 - 60).
وقال المُطَرِّزِي (¬1) في ((المغرب)): بالغين المعجمة: ناعلٌ ذو نَعَل، وقد نَعَلَ من بابِ مَنَع، ومنه حديثُ عمرَ رضيَ اللهُ تعالى عنه: (مُرْهُمْ فَلْيَنْعَلُوا وَلْيَحْتَفُوا): أي فليمشوا مرَّةً ناعلين، ومرَّةً حافين ليتعوَّدوا كلا الأمرين، والنَّعْل (¬2): الخُفُّ، ونَعَلَه: جعلَ له نَعْلاً، وجَوْرَبٌ مُنْعَل: وهو الذي وضعَ على أسفلِهِ جلدةٌ كالنَّعْلِ للقدم، وأمَّا قولُهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام: (إِذَا ابْتَلَّتْ النِّعَالُ فَالصَّلاَةُ فِي الرِّحَال) (¬3)، فالمرادُ به الأراضي الصِّلاب (¬4).
¬
(¬1) قوله: وقال المُطَرِّزِي في المَغْرِب: بالغين المعجمة: قيده عن كتابه الآخر المعرب، وهو مطوَّل من المغرب بالمعجمة، وهو أبو الفتح ناصر بن أبي المكارم عبد السيد بن علي الفقيه الحنفيّ الخوارزميّ كانت له معرفة تامّة بالنحو واللغة والشعر، قرأ على أبيه، وعلى الموفق خطيب الزَّمَخْشريّ، وكان رأساً في الاعتزال داعياً إليه، حنفي الفروع، ولادته سنة (538 هـ)، ودخل بغداد حاجَّاً سنة (601 هـ)، وجرى له هناك مباحث مع العلماء، وتوفِّي في جمادى الأولى سنة (610 هـ). كذا في تاريخ ابن خلِّكان (5: 369 - 371).
قلت: كتابه المغرب كتاب نفيس مفيد، مشتمل على كشف اللغات المذكورة في كتب الحنفيّة، فهو لهم كالأزهريّ والنوويّ للشافعيّة، وقد أسهبت في ترجمته في كتاب الفوائد البهية في تراجم الحنفية (ص 358 - 359)، فليراجع. ظفر.
(¬2) في الأصل: أنعل، والمثبت من المغرب.
(¬3) قال ابن حجر في تلخيص الحبير (2: 31): الحديث بهذا اللفظ لم أره في كتب الحديث، وقد ذكره بن الأثير في النهاية كذلك. وقال الشيخ تاج الدين الفزاري في الإقليد: لم أجده في الأصول، وإنما ذكره أهل العربية. وفي معناه وردت أحاديث منها: عن ابن عمر قال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطر في السفر أن يقول ألا صلُّوا في رحالكم) في صحيح البخاري (1: 227)، وصحيح مسلم (1: 484)، واللفظ له، وغيرها، وينظر: خلاصة البدر المنير (1: 188).
(¬4) انتهى من المغرب (ص 469).
وفي ((القاموس)) أيضاً: نَعَلَهم، كمَنَع: وهبَ لهم النِّعال، والدَّابةُ:
ألبَسَها النَّعل كأنْعلها ونَعّلَها، وأنْعَلَّ فهو ناعل: كثرتْ نعالِه، وفرسٌ مُنْعَل: كمُكْرَم، والمَنْعَل: كمَقْعَدٍ ومَقْعَدة: الأرضُ الغليظة. انتهى (¬1).
وقال النَّوويُّ (¬2) في ((تهذيبِ الأسماءِ واللُّغات)): النَّعلُ التي تُلْبَسُ، وهي معروفة، وهي مؤنَّثة، ونعلُ السَّيف: الحديدةُ التي تعملُ على أسفلِه،
¬
(¬1) من القاموس (4: 59 - 60).
(¬2) وهو يحيى بن شرف بن حسن الحزامي الحورَّاني النَّوَوِيّ الشَّافعيّ، أبو زكريا، محيي الدين، نسبةً إلى نَوَا من قرى حوران، وهو محرر المذهب الشافعي ومذهبه وملقحه ومرتبه. من مؤلفاته: المجموع، ومنهاج الطالبين، ورياض الصالحين، (631 - 676 هـ). ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة (3: 9 - 13)، وطبقات الأسنوي (2: 266 - 267)، وروض المناظر (ص 267).
وهي أيضاً مؤنَّثة، كذا قال أبو حاتم السِّجِسْتَانِيُّ (¬1) في كتابِه: ((المذكَّر والمؤنَّث)). انتهى (¬2).
وقال ابن الأثيرِ الجَزَرِيّ (¬3) في ((نهايةِ غريبِ الحديث)): قولُهُ: عليه
الصَّلاةُ والسَّلام: (إِذَا ابْتَلَّتْ النِّعَالُ فَالصَّلاَةُ فِي الرِّحَال)، جمعُ نَعْل، وهو ما غلظُ من الأرض، وإنّما خصَّها بالذِّكرِ لأنّها لا تبلُّ بأدنى بلل، بخلافِ رخوةِ الأرض.
وفي الحديث: (كَانَ نَعْلُ سَيْفِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ مِنْ فِضَّة) (¬4): أي الحديدةُ التي تكونُ في أسفل.
¬
(¬1) وهو سهل بن محمد بن عثمان الجشميّ السِّجِسْتانيّ النحويّ اللغويّ، أبو حاتم، قال الذهبي: صاحب المصنفات: حمل العربية عن أبي عبيدة والأصعمي. له: ما تلحن فيه العامة، والشوق إلى الوطن، والمعمّرين، (ت 250 هـ).ينظر: العبر (1: 455)، ومرآة الجنان (2: 156).
(¬2) من تهذيب الأسماء واللغات (2: 169 - 170).
(¬3) وهو مبارك بن محمد بن محمد الشيبانيّ، أبو السعادات، مجد الدين، المعروف بابن الأثير الجَزَريّ، قال: ابن المستوفي: أشهر العلماء ذكراً، وأكثر النبلاء قدراً، وأوحد الأفاضل المشار إليهم، وفرد الأماثل المعتمد عليهم. له: جامع الأصول في أحاديث الرسول، والإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف، (544 - 606 هـ). ينظر: مرآة الجنان (4: 11)، الكشف (2: 1989).
(¬4) في السنن الكبرى للنسائي (5: 508)، والمجتبى (8: 212)، والعلل ومعرفة الرجال (2: 431). وينظر: تحفة المحتاج (2: 61)، ونصب الراية (4: 232).
وفي الحديث: إنَّ رجلاً شكى إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ رجلاً فخاطبَهُ بقوله: يا خيرَ مَن يمشي فردَ النَّعل (¬1)، مؤنّثة: وهي التي تُلْبَسُ في المشي، وتُسمَّى الآن ناسومة، ووصَفَها بالفرد، وهو مذكَّر؛ لأنَّ تأنيثَها غير حقيقيّ، والعربُ تمدحُ برقَّةِ النِّعالِ وتجعلُها من لباسِ الملوك. انتهى (¬2).
وفي ((شرحِ شمائلِ التِّرمذيّ)) لابنِ حَجَرٍ المَكيِّ الهَيْتَمِيّ (¬3): النَّعلُ ما وُقِيَتْ به القدمُ عن الأرض، وأَفردَ ـ يعني التِّرمذيّ ـ الخُفَّ عنها بباب لتغايرهما عرفاً بل لغةً إن جعلنَا من الأرضِ قيداً في النَّعل. انتهى.
وقال العلاَّمةُ أحمدُ بن محمَّد، الشَّهيرُ بالمقرئ المالكيِّ المغربيِّ (¬4) في كتابِه: ((فتحِ المُتعالِ في مدحِ خيرِ النِّعال)): فيه أنَّ ظاهرَ كلامِ صاحب
¬
(¬1) لم أقف على هذا اللفظ، وفي المستدرك (3: 75) لفظ: ياخير من مشى، دون زيادة: فرد النعل، وفي مجمع الزوائد (8: 248) لفظ: يا خير من وطئ الحصى، قال الهيثمي: رواه الطبراني من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وكلاهما متروك.
(¬2) من نهاية غريب الحديث (5: 81 - 82).
(¬3) وهو أحمد بن محمد بن علي بن حَجَر الهَيْتَمِيّ السَّعْدِيّ المَكِّيّ، أبو العباس، شهاب الدين، نسبة لمحلة أبي الهَيْتَم من إقليم مصر الغربية، قال العيدروسي عنه: الشيخ الإمام خاتمة أهل الفتيا والتدريس، كان بحراً في علم الفقه وتحقيقه لا تكدره الدلاء، من مؤلفاته: تحفة المحتاج شرح المنهاج، وكف الرعاع، والزواجر، (909 - 974 هـ). ينظر: النور السافر (ص 258 - 263)، الكشف (2: 1876)، التعليقات السنية (ص 411 - 412).
(¬4) وهو أحمد بن محمَّد بن يحيى بن عبد الرحمن المقرئ التِّلِمْسَانِيّ المالكي، قال المحبي عنه: حافظ المغرب، لم يرَ نظيره في جودة القريحة وصفاء الذهن وقوة البديهة، وكان آية باهرة في علم الكلام والتفسير والحديث، ومعجزاً باهراً في الأدب والمحاضرات، من مؤلفاته: إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة، وأزهار الكمامه وأزهار الرياض في أخبار القاضي عياض، وعرف النشق في أخبار دمشق، (ت 1041 هـ). ينظر: خلاصة الأثر (1: 302 - 312)، الكشف (2: 1234).
((القاموس)) وبعضِ أئمَّةِ اللُّغةِ أنه قيدٌ فيه، وقد صرَّحَ بالقيديّة المولى عصامُ الدِّين (¬1)، فإنه قال: ولا يدخلُ فيه الخفّ؛ لأنه ليس ممَّا وُقِيَتْ به القدمُ عن
الأرض. انتهى.
وابنُ حجر لا يقيمُ له وزناً، وأكثرُ اعتراضاتِهِ على العصامِ غيرُ لازمٍ بعد التَّأمُّلِ وإمعانِ النَّظر. انتهى كلامُ المقرئ.
ثمَّ قال: فإن قلت: ما ذكرتُمُوه من أنَّ النَّعلَ مؤنَّثةٌ غيرُ مسلَّم من وجهَين:
أحدهما: أنه سُمِعَ تصغيرُهُا على نعيل، بغيرِ تاء، فقد علمَ أنَّ تصغيرَ المؤنَّثِ الخالي عن التَّاءِ لا بدَّ فيه من ردِّها، إذ به يعرفُ تأنيثُ الاسم؛ لأنَّ
¬
(¬1) لعلَّه: إبراهيم بن صدر الدين محمد بن سيف الدين الحنفيّ، عصام الدين، المشهور بعرب شاه، حفيد الأستاذ أبي إسحاق الاسفرائينيّ الأشعريّ، ومن مؤلفاته: حاشية على شرح الوقاية، (ت 951 هـ). ينظر: حاشية عصام الدين على شرح الوقاية، وفهرس مخطوطات الأوقاف في بغداد (1: 473).
التَّصغيرَ يردُّ إلى أصلِهِ كما قال ابن مالكٍ (¬1) في ((الألفيّة)) (¬2):
ويُعْرَفُ التَّقديرُ بالضَّميرِ ... ونحوِهِ كالرَّدِّ في التَّصغير (¬3)
وثانيهما: خطابُ رجلٍ له عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام: يا خيرَ مَن يمشي بنعلٍ فرد (¬4).
قلت: لا دلالةَ لكلِّ منهما على ما ذكر:
أمَّا الأوَّلُ: فهو من بابِ الشُّذوذِ فلا يلتفتُ إليه، ونظيرُهُ ألفاظٌ مؤنَّثة، سمعَ تصغيرُها بغيرِ تاء، نحو حربٍ ونابٍ وذو، على أنه قد صرَّحَ بعضُ أهلِ اللُّغةِ أنَّ تصغيرَ نعلٍ: نعلية، ونعله، ولعلَّهُ تبيينٌ لما يقتضيهِ القياس.
¬
(¬1) وهو محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك النحوي الطائي الجَيَّانِيّ الشافعي، المعروف بابن مالك، أبي عبد الله، جمال الدين، وقد صرف همَّته إلى النحو حتى بلغ فيه الغاية، وصنَّف التصانيف المفيدة، وكان إماماً في القراءات، وصنَّف فيها أيضاً قصيدة مرموزة في مقدار الشاطبية، وكان إماماً في اللغة، من مؤلفاته: تسهيل الفوائد، والضرب في معرفة لسان العرب، والكافية الشافية، و (600 - 672 هـ). ينظر: مرآة الجنان (4: 172)، النجوم الزاهرة (7: 243).
(¬2) ألفية ابن مالك (ص 63).
(¬3) ومعناه يعرف: يعرف التقدير للتاء في الاسم بالضمير إذا أعيد إليه نحو: الكتفُ نهشتُها، ونحوه: كالاشارة إليه نحو: هذه جهنم، كالرد للتاء: أي ثبوتها في التصغير، نحو: كُتيفة ... ينظر: البهجة المرضية (2: 193 - 194)، شرح ابن عقيل (4: 438)، وغيرها.
(¬4) سبق تخريجه (ص 16).
وأمَّا الثّاني: فقال فيه ابنُ الأثير: إنه قد تقرَّرَ في فنِّ العربيَّةِ أنَّ التَّأنيثَ إذا كان غير حقيقيٍّ يجعلُ كالمذكِّر.
قلت: لم أزلْ استشكلُ إطلاقَ ابنِ الأثيرِ بما تقرَّرَ في فنِّ العربيَّةِ أنَّ المؤنَّثَ على نوعَيْن:
1. نوعٌ ظهرتْ فيه التَّاء.
2. ونوعٌ قدُّرتْ فيه التَّاء.
فالأوَّلُ: ثلاثةُ أقسام:
1. مؤنَّثُ المعنى: نحو عائشة، فهذا لا يذكَّرُ إلاَّ ضرورة.
2. ومؤنَّثُ اللَّفظ: نحو حمزة، فهذا عكسُ ما قبلَهُ لا يؤنَّثُ إلا ضرورة.
3. وما ليس معناهُ مذكَّراً حقيقة: كخشبةٍ ونحوه، فهذا يؤنَّثُ نظراً إلى لفظِهِ نحو: خشبة واحدة.
وليعلمْ أنَّ هذا التَّقسيمَ فيما يمتازُ مذكَّرُهُ عن مؤنَّثِه، فإن لم يتميَّزْ نحو: نملة، أُنِّثَ مطلقاً؛ ولذا وَهِمَ مَن استدلَّ على كونِ نملةِ سليمانَ على نبيِّنَا وعليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بقولِهِ تعالى: ?قَالَتْ نَمْلَةٌ? (¬1)، حسبما هو مبسوطٌ في محلِّه.
وأمَّا النَّوعُ الثَّاني: وهو الذي قُدِّرتْ فيه التَّاء، نحو: كتفٌ ونعلٌ ويد،
¬
(¬1) من النمل، الآية (18).
ونحوها فمأخذه السَّماع، ويدلُّ على أنَّ فيه تاءً مقدَّرةً رجوعُهُ في التَّصغيرِ نحو: كُتفية، ويعرفُ تأنيثُهُ بعودِ الضَّميرِ وحذفِ تاءِ العددِ وغيرهما، فإن سُمِعَ تأنيثُهُ ولم تردْ التَّاءُ في تصغيرِهِ فشاذٌّ كالألفاظِ المذكورةِ التي منها نعل، والله أعلم.
ثمَّ رأيتُ للمولى عصامِ الدِّينِ في ((شرحِ الشَّمائل)) اعتراضاً على نحوِ إطلاقِ ابن الأثيرِ عند شرحِ قولِه نعلٌ واحد: الظاهر واحدة، ويوجّهُ تذكيرُهُ بأنَّ النَّعلَ مؤنَّثٌ غيرُ حقيقيّ.
ويردُّ عليه أنَّ الفرقَ بين الحقيقيِّ وغيرِهِ في إسنادِ الفعلِ وشبهِهِ إليه لا في العدد. انتهى.
وهو موافقٌ لِمَا ما سَنَحَ لي، إذ ليسَ مرادُهُ بالعددِ الحصرَ فيه حسبما هو معلوم.
ومن يَدِهِ أَخذَ العلاَّمةُ ابنُ حجر إذ قال في شرحِ الحديثِ المذكور: في نسخةٍ واحد، ويحتاجُ لتأويل، ولا يكفي في كونِ تأنيثِها غيرَ حقيقيّ. انتهى.
وقال قاضي القضاةِ شهابُ الدِّينِ الحافظُ ابن حجرٍ العَسْقَلانِيُّ (¬1) في ((فتحِ الباري)) عندما تكلَّمَ على حديثِ الإسراءِ على قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى
¬
(¬1) وهو أحمد بن علي بن محمد الكِنَاني العَسْقَلانيّ المِصْريّ القَاهِريّ الشّافِعِي، أبو الفضل، شهاب الدين، المعروف بابن حَجَر، وهو لقب لأحد آبائه، قال الإمام اللكنوي: وكل تصانيفه تشهد بأنه إمام الحفاظ محقِّق المحدِّثين، زُبدةُ النّاقدين، لم يُخلف بعد مثله، ومن مؤلفاته: الدرر الكامنة، تقريب التهذيب، وتهذيب التهذيب، ولسان الميزان، (773 - 852 هـ). ينظر: الضوء اللامع (2: 36 - 40)، الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجرللسخاوي، التعليقات (ص 36).
آلهِ وسلَّم: (بِطَسْتٍ (¬1) مَنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئ حِكْمَةً وَإِيَمَانَاً) (¬2)، كذا وقعَ بتذكيرِ الوصفِ على معنى الإناءِ لا على لفظِ الطَّسْتِ لأنها مؤنَّثة. انتهى (¬3).
وهو أيضاً ممَّا يردُّ كلامَ ابن الأثيرِ السَّابق، إذ لو كان إطلاقُهُ كافياً لاعتذرَ الحافظُ به من غيرِ إرادةِ الإناء.
نعم؛ يصحُّ ما قالَهُ ابنُ الأثيرِ في مثل قولِ قتادةَ (¬4) لأنس - رضي الله عنه -: كيف كان
¬
(¬1) الطَّسْتُ: من آنية الصُّفر، أنثى وقد تذكر، قال الجوهري: الطَّسْتُ: الطَّسُّ: بلغة طيء أبدل من إحدى السينين تاء للاستثقال، فإذا جمعت أو صغرت رددت السين؛ لأنك فصلت بينهما بألف أو ياء، فقلت: طساس، وطسيس. ينظر: اللسان (4: 2670).
(¬2) وهو قطعة من حديث طويل، أوله: عن أبو ذر: قال - صلى الله عليه وسلم -: (فرج سقف بيتي وأنا بمكة فَنَزل جبريلُ - صلى الله عليه وسلم - ففرج صدري، ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمةً وإيماناً، فأفرغَها في صدري ثُمَّ أطبقَه، ثُمَّ أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء ... ) في صحيح البخاري (1: 135)، وصحيح مسلم (1: 148)، وغيرهما.
(¬3) من فتح الباري شرح صحيح البخاري (6: 308).
(¬4) وهو قتادة بن دِعامة بن قتادة السَّدُوسي البصري، أبو الخطاب، قال قتادة: ما قلت لمحدِّث قطّ أَعِدْهُ عليّ، وما سمعتُ شيئاً إلا وعاه قلبي، وقال فيه شيخه ابن سيرين: قتادة أحفظ الناس، (ت 117 هـ). ينظر: العبر (1: 146)، التقريب (ص 389).
نَعْلُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلم (¬1)؟ بحذفِ تاءِ التَّأنيثِ من كان؛ لإسنادِ هذا الفعلِ إلى النَّعلِ وهي غيرُ حقيقة، ومثلُ ذلك جائزٌ إذا كان غيرَ الحقيقيِّ المسندُ إليه الفعلُ أو شبهه اسماً ظاهراً نحو: طلعَ الشَّمس بخلافِ الإسنادِ إلى ضميرِهِ نحو: الشَّمسُ طلعت، فلا بدَّ فيه من التَّاء، ولا تحذفُ فيه إلاَّ في ضرورةِ الشِّعر.
والعلاَّمةُ ابنُ حجرٍ المَكِّيِّ قال في قولِه: كان؛ لمَّا كان التَّأنيثُ غيرَ حقيقيٍّ صحَّ تذكيرُها باعتبارِ الملبوس. انتهى.
والظَّاهرُ الجاري على قواعدِ العربيَّةِ أنه لا يحتاج في إسنادِ الفعلِ إلى النَّعلِ بحذفِ التَّاءِ إلى الاعتذارِ بالتَّأويلِ المذكور؛ إذ الأمرُ جائزٌ بدونِهِ إلا أن يقالَ أنه زيادةُ خير. انتهى كلامُ المقرئ ـ رحمه الله ـ في ((فتحِ المُتعال))، وهو كتابٌ لطيف، طالعتُهُ بتمامِهِ في هذه السَّنةِ فوجدتُهُ جامعاً لما تفرَّق، وحاوياً لما تشتَّت، وقد فرغَ من تأليفِهِ في المدينةِ المنوَّرةِ سنة (1033) ثلاثٍ وثلاثينَ وألفٍ على ما ذكرَهُ في آخرِه، ورتَّبهُ على مقدِّمةٍ وأربعةِ أبواب.
أمَّا المقدِّمةُ: ففي معنى النِّعلِ والقبالِ (¬2)، والشِّراكِ (¬3)، ..........
¬
(¬1) في جامع الترمذي (4: 242): عن قتادة قال: قلت لأنس بن مالك: كيف كان نعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: لهما قبالان، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(¬2) القِبال: زمام بين الأصبع الوسطى والتي تليها. ينظر: القاموس (4: 34).
(¬3) الشِّراك: سَيْرُ النَّعْل الذي على ظهر القدم. ينظر: المصباح المنير (ص 312).
والشِّسْع (¬1)، وما يناسب ذلك.
وأمَّا البابُ الأوَّل: ففي بعضِ ما وردَ في النِّعالِ الشَّريفةِ النَّبويَّةِ على صاحبِها أفضلُ صلاةٍ وتحيَّة.
والبابُ الثَّاني: في صفةِ مثالِ نعلِهِ الشَّريف.
والبابُ الثَّالث: في إيرادِ نُبَذٍ من المُقطَّعاتِ التي أنشدها علماءُ المغربِ وغيرهم في وصفِ نعلِهِ الكريم.
والبابُ الرَّابع: في سردِ جملةٍ من خواصِّ الأمثالِ المجرَّبة، ومنافعة المنقولة.
وألحق في آخرِهِ خاتمة متضمِّنة للرَّجزِ الذي صنَّفَهُ في وصفِ نعلِهِ الشَّريف، وسمَّاهُ بـ ((نفحاتِ العنبرِ في وصفِ نَعْلِ ذي العلى والمنبر)).
وله رحمهُ اللهُ تعالى رسالةٌ صغيرةٌ أخرى موسومةٌ بـ ((النَّفحاتِ العنبريَّةِ في نعالِ خيرِ البريَّة))، ألَّفها قبلَ تأليفِ ((فتح المُتعال)). وكان وفاتُهُ على ما في ((خلاصةِ الأثرِ في أعيانِ القرنِ الحادي عشر)) (¬2): سنة (1041) إحدى وأربعينَ بعد الألف، جزاهُ اللهُ عنَّا جزاءً خيراً.
¬
(¬1) الشِّسْع: واحد شُسُوع النعل التي تشدُّ إلى زمامها. ينظر: مختار الصحاح (ص 337).
(¬2) خلاصة الأثر (1: 312) لمحمد أمين بن فضل الله بن محب الله المُحِبِّي الحَمَويّ الأصل الدِّمَشْقِيّ، ومن مؤلفاته: قصد السبيل بما في اللغة من الدخيل، وما يعول عليه في المضاف والمضاف إليه، والأمثال، (1061 - 1111 هـ). ينظر: الأعلام (6: 266). معجم المؤلِّفين (3: 146).
وقال الشَّيخُ شهابُ الدِّينِ أحمدُ بن يوسفِ بن محمَّدٍ الحَلَبِيّ، الشَّهيرُ بابنِ السَّمين (¬1) في كتابِهِ ((عمدةِ الحفَّاظِ في تفسيرِ أشرفِ الألفاظ)) في مادَّة نعل:
النَّعْل: ما ينتعلُهُ الإنسان، أي يلبسُهُ في رجلِه، وانتعلَ لَبِسَ نَعْلاً، والنَّعلُ مؤنَّثة.
وفي الحديث: (كَانَ نَعْلُ سَيْفِ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وعلى آلهِ وسلَّمَ مِنْ فِضَّة) (¬2)، والمرادُ به: الحديدةُ التي تكونُ في أسفل.
وفيه: (إِذَا اِبْتَلَّتِ النِّعَالُ فَالصَّلاةُ فِي الرِّحَال) (¬3):
قيل: هي هاهنا ما غَلُظَ من الأرض.
وقيل: هي النِّعالُ المعروفة، ويكنَّى بالنَّعلِ عن الرَّجلِ الذَّليل.
¬
(¬1) وهو أحمد بن يوسف بن عبد الدائم بن محمد الحَلَبيّ المقرئ النحويّ، أبو العباس، شهاب الدين، الشيهر بابن السَّمين، قال الأسنوي: كان فقيهاً بارعاً في النحو والقراءات، ويتكلم في الأصول، خيراً أديباً. ومن مؤلفاته: شرح الشاطبية، والقول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز، والدر المصون في إعراب القرآن، (ت 756 هـ). ينظر: الدرر الكامنة (1: 341)، الكشف (2: 1166).
(¬2) سبق تخريجه.
(¬3) سبق تخريجه.
وقيل: إنّما أمرَ موسى بخلعِ النِّعلَيْن بقولِهِ تعالى: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} (¬1)؛ لأنهما كانا من جلدِ حمارٍ لم يُدْبَغ. انتهى.
* * *
¬
(¬1) من سورة طه، الآية (12).
الباب الأول
في مسائل تتعلّق بالنعل
على سبيل الجمع والاستيعاب
بحيث لا توجد في الزّبر المتطاولة
والصّحف المتداولة
وفيه فصول، هي للمهمّات أصول:
فصل
في الوضوء وما يتعلّق به
* مسألة:
يجوزُ الوضوءُ في النَّعلَيْنِ بشرطِ أن يصلَ الماءُ إلى كلِّ جزءٍ من أجزاءِ الرِّجلَيْن، وذلك لأنَّ الفرضَ إنما هو غسلُ الرِّجلين، وهو حاصلٌ في النَّعلَيْن أيضاً، كيف لا وقد روى الجماعةُ إلاَّ التِّرْمِذِيّ عن ابن عمرَ رضيَ الله عنهما، قال: (إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعْر، وَيَتَوضَّأُ فِيهَا، فَأنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهُمَا) (¬1).
وستعرفُ تحقيقَ هذا الحديثِ إن شاءَ اللهُ تعالى (¬2).
¬
(¬1) في صحيح البخاري (5: 2199)، وصحيح مسلم (2: 844)، وصحيح ابن حبان (9: 79)، وسنن أبي داود (2: 150)، والسنن الكبرىللنسائي (5: 418)، وغيرها.
(¬2) في الباب الثاني في الفصل الأول في العادات النبوية - صلى الله عليه وسلم -.
* مسألة:
صرَّحَ الفقهاءُ أنه لا يجوزُ المسحُ على النَّعلَيْن، ولو اكتفى به لم يجزئه (¬1) وضوؤه؛ لفواتِ الرُّكن: أي غَسلُ الرِّجلين، أو مسحُ الخفَّين، لكن روى ابن ماجةَ عن عليِّ بن محمَّدٍ عن وكيعٍ عن سفيانَ عن أبي قيسٍ الأوديّ عن الهذيلِ بن شرحبيل عن المُغيرةَ بن شُعبةَ رضيَ الله تعالى عنه: (إنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلَّمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْن) (¬2).
ورواهُ التِّرِمِذيُّ (¬3) عن هنَّاد، ومحمودُ بن غيلان قالا: حدَّثنا وكيع: السند والمتن.
ثمَّ قال (¬4): هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.
ورواهُ أبو داود (¬5) عن عثمان بن أبي شَيْبة، عن وكيع إلى آخرِ السَّندِ والحديث.
ثمَّ نقلَ عن عبدِ الرَّحمنِ بن مَهْدي (¬6) أنه كان لا يحدِّثُ بهذا الحديث؛
¬
(¬1) في الأصل: ولم يجزه.
(¬2) في سنن ابن ماجه (1: 185).
(¬3) في جامعه (1: 167).
(¬4) أي الترمذي رحمه الله.
(¬5) في سننه (1: 41).
(¬6) وهوعبد الرحمن بن مَهْدي بن حَسَّان العَنْبَريّ، أبو سعيد، قال ابنُ المَدِينيّ: ما رأيت
أعلم منه، وكان يختم في كل ليليتين. (ت 198 هـ). ينظر: تهذيب الكمال (17: 430)، التقريب (ص 293).
لأنَّ المعروفَ عن المغيرة: (أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ مَسَحَ عَلَى الخُفَّين) (¬1).
ثمَّ روى عن مسدد، وعبّاد بن موسى، عن هشيم، عن يَعْلَى بن عطاء، عن أبيه، عن أوس بن حذيفة أبي أوسٍ الثَّقفيّ: (إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم (1 مَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمَيْه (¬2)) (¬3).
وفي رواية عبّاد: (رأيتُ رسولَ اللهِ أَتَى على كِظَامةِ قومٍ فتوضَّأَ ومَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمَيْه) (¬4).
قال ابنُ الأثير: كِظَامة: بكسرِ الكاف، وظاءٍ معجمةٍ مفتوحة، وميم: هي كالقناة، وهي آبارٌ تفجّر في الأرضِ متناسقة، ويخرقُ بعضُها إلى بعض، فيجمعُ مياهاً جارية، ثمَّ تخرجُ إلى منتهاها فتسيحُ على وجهِ الأرض. انتهى.
وروى أحمدُ بن حنبلٍ أيضاً (¬5) عن المغيرةَ نحو الحديثِ السَّابق.
فهذهِ الرِّواياتُ شاهدةٌ على جوازِ مسحِ النَّعلَيْن، وكفايةٌ في الوضوء.
¬
(¬1) في سنن أبي داود (1: 41).
(¬2) زيادة من السنن.
(¬3) في سنن ابي داود (1: 41).
(¬4) في سنن ابي داود (1: 41).
(¬5) في مسنده (4: 52).
ولأصحابِنا في الجوابِ عنها مسالكُ ثلاثة:
الأول: حملُهُ على المُنعلِ من الجورب.
قال في ((فتحِ القدير)) (¬1): فليكن محملُ الحديثِ لأنها واقعةُ حالٍ لا عموم لها، هذا إن صحّ، كما قال التِّرمذيّ، وإلا فقد نقلَ تضعيفَهُ عن
الإمامِ أحمد، وابنِ مَهْدي، ومسلم، قال النَّوويّ: كلٌّ منهم لو انفردَ قدِّمَ على التِّرْمِذِيّ (¬2) مع أنَّ الجرحَ مقدَّمٌ على التَّعديل. انتهى (¬3).
والثَّاني: حملُهُ على أنه قد لبسَ النَّعلينِ على الجوربَيْن، وهو ما (¬4) اختارَه الطِّيبيُّ (¬5) وغيرُه.
¬
(¬1) فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية لمحمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السَّكَنْدَرِيّ السِّيوَاسِيّ، المشهور بابن الهمام، كمال الدين، ومن مؤلفاته: تحرير الأصول، والمسايرة في العقائد، وزاد الفقير، قال الإمام اللكنوي: كلها مشتملة على فوائد قلما توجد في غيرها، (790 - 861 هـ). ينظر: الضوء اللامع (6: 127)، الفوائد (ص 296 - 298).
(¬2) انتهى من المجموع للنووي (1: 566).
(¬3) من فتح القدير (1: 139).
(¬4) في الأصل: بما.
(¬5) وهو الحسينُ بنُ محمَّد بن عبد الله الطِّيبِيّ، وقيل: الحسين بن عبد الله بن محمد، شرف الدين، قال ابن حجر: الإمام المشهور، كان ذا ثروة من الإرث والتجارة، فلم يزل ينفق ذلك في وجوه الخيرات إلى أن كان في آخر عمره فقيراً، مقبلاً على نشر العلم آية في استخراج الدقائق من القرآن والسنن. ومن مؤلفاته: الخلاصة في معرفة الحديث، وشرح الكشاف، وشرح مشكاة المصابيح، (ت 743 هـ). ينظر: الدرر الكامنة (2: 68 - 69)، البدر الطالع (1: 229 - 230)، الكشف (1: 720).
قال الشَّيخُ عبدُ الحقِّ الدِّهْلَوِيّ (¬1) في ((شرحِ المشكاة)): الجوربُ خُفٌّ يُلْبَسُ على الخُفِّ للبرد، أو لصيانةِ الخُفِّ الأسفل، ويقالُ له: الجُرْموقُ أيضاً. ومعنى الحديث: أن يكون قد لبسَ النَّعلَيْن فوقَ الجوربَيْن كما قالَهُ الخَطَّابيّ (¬2)، ولم يقتصرْ على مسحِهِما، بل ضمَّ إليهما مسحَ النَّعلَيْن، فعلى مَن يدَّعي جوازَ الاقتصارِ على مسحِهما الدَّليل.
¬
(¬1) وهو عبد الحقّ بن سيف الدّين بن سعد الله الترك البخاريّ ثمّ الدِّهْلَويّ الحنفيّ، قال الإمام اللكنوي: عالم الشّريعة والحقيقة، ماهر العلوم الظَّاهرة والباطنة ذو التّصانيف الشّهيرة المفيدة. ومن مؤلفاته: فتح المنان في مذهب أبي حنيفة النعمان فارسي، واللمعات شرح المشكاة، وشرح سفر السعادة بالفارسية، وهو شرح مفيدٌ، ينبغي لمن يطالع سفر السعادة أن يطالعه؛ لئلا يزل قدمه بقلّة علمه، (958 - 1052 هـ). ينظر: نزهة الخواطر (5: 206 - 213). الكشف (581)، إيضاح المكنون (4: 174).
(¬2) وهو حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخَطَّاب الخَطَّابيّ البُسْتِيّ، والخَطَّابيّ: نسبةً إلى جده الخَطَّاب، وقد صحح ابن خلِّكان أن اسمه حمد وليس أحمد، من مؤلفاته: معالم السنن في شرح سنن أبي داود، وغريب الحديث، وإعلام السنن في شرح البخاري، (ت 388 هـ). ينظر: وفيات (2: 214 - 216)، الأنساب (3: 380)، مقدمة التعليق الممجد (1: 99).
والثَّالث: أنّ مسحَ النَّعلَيْن منسوخ، نقَلَه الشَّيخُ الدِّهْلَوِيُّ عن ((سننِ الدَّارمي)) (¬1).
فائدة:
أوسُ المذكور في روايةِ أبي داودَ هو ابن حذيفةَ الثَّقَفيِّ والدُ عمرو بن أوس، كذا ذكرَهُ أحمد.
وقال أبو نُعَيمٍ (¬2) في ((معرفةِ الصَّحابة)): اختلفَ المتقدِّمونَ في أوسٍ هذا:
فمنهم من قال: أوسُ بن حذيفة.
ومنهم من قال: أوسُ بن أبي أوس، وكنيتُهُ أبو إياس. انتهى.
وقال ابنُ معين (¬3): أوسُ بن أبي أوس، وأوسُ بن أوس واحد، وهذا خطأٌ منه، وإن تبعَهُ أبو داودَ وغيرُه؛ فإنَّ أوسَ بن أوسٍ الثَّقَفيِّ الصَّحابيّ
¬
(¬1) سنن الدارمي (1: 195)، ولفظه: عن عبد خير، قال: رأيتُ علياً توضأ ومسحَ على نعلين فوسع، ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل كما رأيتموني فعلت لرأيتُ أن باطنَ القدمين أحقُ بالمسحِ من ظاهرهما. وفيها: هذا الحديث منسوخٌ بقوله: ?وَامْسَحُوا بِرُؤوسِكُم وَأَرْجَلَكُم إِلَى الكَعْبَيْن? [المائدة: 6].
(¬2) وهو أحمد بن عبد الله بن أحمد الأَصبهانيّ، أبو نُعَيْم، قال الذهبي: تفرَّد في الدنيا بعلُوِّ الإسناد مع الحفظ والاستبحار من الحديث والفنون. ومن مؤلفاته: حلية الأولياء، وتاريخ أصبهان، ودلائل النبوة، (336 - 430 هـ). ينظر: العبر (3: 170)، وفيات (1: 91 - 92)، النجوم الزاهرة (5: 30).
(¬3) وهو يحيى بن معين بن عَوْن بن زياد بن بسطام الغَطَفَانيّ البغداديّ، أبو زكريا، قال المزي: إمام أهل الحديث في زمانه والمشار إليه من بين أقرانه، قال ابن حجر: ثقة حافظ مشهورٌ إمامُ الجرح والتعديل، (ت 233 هـ). ينظر: تهذيب الكمال (31: 543 - 568)، التقريب (ص 527).
غيرُهُ روى عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ في فضلِ الاغتسالِ يومَ الجمعة (¬1). كذا في ((التَّهذيب)) (¬2)، و ((تهذيبه)) (¬3).
وأبو قيسٍ الأَودِيّ المذكورُ في روايةِ المغيرة، اسمُهُ عبدُ الرَّحمنِ بن ثَرْوان.
قال الإمام الزَّيْلَعِيُّ (¬4) في ((تخريجِ أحاديثِ الهداية)): قال النَّسَائِيُّ في ((سننِهِ الكبرى)): لا نعلمُ أحداً تابعَهُ على هذه الرِّواية، والصَّحيحُ عن المغيرةِ روايةُ المسحِ على الخُفَّيْن. انتهى (¬5).
¬
(¬1) وهو عن أوس بن أوس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن اغتسل يوم الجمعة وغسل، وبكر وابتكر، ودنا واستمع وأنصت، كان له بكلِّ خطوةٍ يخطوها أجرُ سنةٍ صيامُها وقيامُها) في جامع الترمذي (2: 367)، واللفظ له، وحسنه، وموارد الظمآن (1: 147)، وسنن ابن ماجه (1: 346)، ومسند أحمد (4: 9)، وغيرها.
(¬2) تهذيب الكمال (3: 388).
(¬3) تهذيب التهذيب (1: 334).
(¬4) وهو عبد الله بن يوسف بن محمد الزَّيْلَعِيِّ، جمال الدين، نسبة إلى زيلع بلدةٌ بساحل بحر الحبشة، له: نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، قال الإمام اللكنوي: هذا الكتاب هو أحسن تخاريج أحاديث الهداية، وتخريجه شاهد على تبحره في فن الحديث وأسماء الرجال وسعة نظره في فروع الحديث إلى الكمال، وله في مباحث الحديث إنصاف لا يميل إلى الإعتساف، (ت 762 هـ). ينظر: حسن المحاضرة (1: 203)، غيث الغمام (ص 18)، الفوائد (ص 378).
(¬5) من السنن الكبرى للنسائي (1: 92).
ورواهُ ابنُ حبَّانَ (¬1) في ((صحيحِه)) (¬2) في (النَّوعِ الخامسِ والثَّلاثين) من (القسمِ الرَّابع).
وذكرَ البَيْهَقِيُّ (¬3) حديثَ المغيرةِ هذا، وقال: منكرٌ ضعَّفَهُ سفيانُ الثَّوْرِيّ (¬4)
¬
(¬1) وهو محمَّد بن حِبَّان بن أحمد بن حِبَّان التَّمِيمِيّ البُسْتيّ الشَّافِعِيّ، أبو حاتم، قال ابنُ السَّمْعَانِيّ: كان إمام عصره تولَّى قضاء سمرقند مدَّة، من مؤلفاته: الصحيح والثقات، ومعرفة المجروحين، (ت 354 هـ). ينظر: العبر (2: 300)، طبقات الأسنوي (1: 201).
(¬2) صحيح ابن حبان (4: 167).
(¬3) وهو أحمد بن الحسين بن علي الخُسْرَوْجِرْدي البَيْهَقِيّ، أبو بكر، نسبة إلى خسروجرد وهي قرية من ناحية بَيْهَق، وبَيْهَق اسم لناحية من نواحي نيسابور مشتملة على عدة قرى، قال إمام الحرمين: ما من شافعيّ إلا وللشافعيّ في عُنُقِهِ منَّة إلا البيهقيّ، فإن له المنّة على الشافعيّ نفسه، وعلى كل شافعيّ لما صنّفه في نصرة مذهبه من ترجيح الأحاديث، كالسنن الكبير، والسنن الصغير، ومعرفة السنن والآثار، وجمعه لنصوصه في كتابه المسمَّى بالمبسوط، وتصنيفه في مناقبه، (ت 458 هـ). ينظر: العبر (3: 242)، طبقات الأسنوي (1: 98 - 99).
(¬4) وهو سُفْيان بن سعيد بن مسروق الثَّوْرِي الكوفي، أبو عبد الله، والثَّوْرِيّ نسبة إلى بني ثور من عبد مناة من مضر، قال ابن معين: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، (95 - 161 هـ). ينظر: وفيات (2: 386 - 391)، مرآة الجنان (1: 361)، الأعلام (3: 158).
وأحمد، وابنُ مَهْديّ، ويحيى بنُ مَعين، وعليُّ بنُ المَديني (¬1)، ومسلمُ بن الحجَّاج. انتهى (¬2).
وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ (¬3) في ((الإمامِ)): أبو قيس: احتجَّ به البُخاريُّ في ((صحيحِه)) (¬4)، وذكرَ البَيْهَقِيُّ في ((سننِه)) أنَّ أبا محمَّدٍ يحيى بن منصور قال: رأيتُ مسلمَ بن الحجَّاجِ ضعَّفَ هذا الخبر، وقال: أبو قيس الأَوْديّ وهذيل لا يحتملان (¬5) هذه الحكايةَ لأبي العبَّاسِ محمَّدٍ بن عبدِ الرَّحمن، فقال: سمعتُ عليّ بن محمَّد بن شيبان يقول: سمعتُ أبا قدامةَ السَّرَخْسِيّ يقول: قال عبدُ
¬
(¬1) وهو علي بن عبد الله بن جعفر السَّعْدِي البَصْرِيّ، أبو الحَسَن، المشهورُ بابن المَديني، قال ابنُ حجر: أعلم أهل عصره بالحديث وعلله، حتى قال البُخَاريّ: ما استصغرت نفسي إلا عند علي ابن المديني، (ت 234 هـ). ينظر: العبر (1: 418)، التقريب (ص 342).
(¬2) من سنن البيهقي الكبير (1: 184)، بتصرف.
(¬3) وهو مُحَمَّدِ بنِ عليِّ بنِ وهب القُشَيريّ المنفلوطيّ المصريّ المالكيّ الشَّافعيّ، أبو الفتح، تقي الدين، المعروف بابنِ دقيق العيد، وهو معدود من المجددين على رأس المئة السابعة، ومن مؤلفاته: الإمام، الإلمام في أحاديث الأحكام، وشرح على مختصر أبي شجاع، (625 - 702 هـ). ينظر: طبقات الأسنوي (2: 102 - 106)، الدرر الكامنة (4: 91 - 96)، المستطرفة (ص 135).
(¬4) ينظر: صحيح البخاري (6: 2479، 2482، 2676).
(¬5) وقع في الأصل: يحملان والمثبت من السنن، والنصب.
الرَّحمنِ بن مهدي: قلتُ لسفيانَ الثَّوري: لو حدَّثتني بحديثِ أبي قيسٍ عن هذيلٍ ما قبلتُهُ منك. انتهى (¬1).
وحديثُ أبي موسى الأشعريِّ الذي أشارَ إليه أبو داودَ في ((سننِه)) بقولِه: ويروى مسحُ الجوربَيْن عن أبي موسى أيضاً (¬2)، أخرجَهُ ابنُ ماجهَ في ((سننِه)) (¬3)، والطَّبَرَانِيُّ في ((معجمِه)) (¬4) عن عيسى بن سنان، عن الضحَّاك، عن أبي موسى: (إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم مَسَحَ عَلَى الجَوْرَبَيْن وَالنَّعلَيْن)، هكذا عزاهُ ابنُ الجَوْزِيِّ (¬5) في ((التَّحقيقِ)) (¬6) لابنِ ماجه، وكذلك الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ في ((الإمام))، ولم أجدْهُ في نسختي، ولا ذكرَهُ ابنُ عساكرَ (¬7)
¬
(¬1) من سنن البيهقي الكبير (1: 284). بتصرف.
(¬2) انتهى من سنن أبي داود (1: 41).
(¬3) في سنن ابن ماجه (1: 186).
(¬4) المعجم الأوسط (2: 24).
(¬5) وهو عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشيّ التَّيميّ البكريّ البغداديّ الحنبليّ، ينتهي نسبه إلى أبي بكر - رضي الله عنه -، أبي الفرج، جمال الدِّين، المعروف بابن الجَوْزي، والجَوْزيّ: نسبة إلى فرضة الجوز. حكي مرَّة أن مجلسه حُزِرَ بمئة ألف. ومن مؤلفاته: زاد المسير، والمنتظم، والموضوعات، (508 - 597). ينظر: وفيات (3: 140 - 142)، تذكرة الحفاظ (4: 1342).
(¬6) التحقيق في أحاديث الخلاف (1: 216).
(¬7) وهو علي بن الحسن بن هبة الله، أبو القاسم، ثقة الدين، المعروف بابن عساكر الدِّمَشْقِيّ، قال الذهبي: ساد أهل زمانه في الحديث ورجاله، وبلغ في ذلك الذروة العليا، ومن تصفَّح تاريخه، علم منْزلة الرجل في الحفظ. ومن مؤلفاته: الإشراف على معرفة الأطراف، وتبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري، وكشف المغطى في فضل الموطأ، (499 - 571 هـ). ينظر: معجم الأدباء (13: 73)، طبقات الأسنوي (2: 96)، العبر (4: 212).
في ((الأطراف))، فلعلَّهُ يكونُ في بعضِ النُّسخ.
وذكرَ البَيْهَقِيُّ: أنَّ الضَّحاكَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ لم يثبتْ سماعهُ من أبي موسى، وعيسى بن سنان ضعيفٌ لا يحتجُّ به. انتهى (¬1).
وأخرجَهُ العُقَيْلِيُّ في كتاب ((الضُّعفاء)) (¬2)، وأعلَّهُ بعيسى بن سنان.
وروى عبدُ الرزَّاقِ (¬3) في ((مصنَّفِه)): أخبرنا الثَّوريُّ عن الزِّبْرِقان، عن كعبِ بن عبدِ الله قال: رأيتُ عليَّاً رضيَ اللهُ عنه بالَ فمسحَ على جوربَيْه ونعلَيْه، ثمَّ قامَ ليصلي (¬4).
¬
(¬1) من سنن البيهقي الكبير (1: 284).
(¬2) ضعفاء العقيلي (3: 383).
(¬3) وهو عبد الرزاق بن همّام بن نافع الحِمْيَريّ الصَّنْعَانيّ، أبو بكر، والصَّنْعَانِيُّ نسبةً إلى مدينة صَنْعاء، قال ابن السَّمْعَاني: قيل ما رحل الناس إلى أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما رحلوا إليه. له: المصنف، (126 - 211 هـ) ينظر: وفيات الأعيان (3: 216) الأعلام (4: 126).
(¬4) في مصنف عبد الرزاق (1: 199).
وأخبرنا الثَّوريّ، عن منصور، عن خالد بن سعد، قال: كان أبو مسعودٍ الأَنْصَارِيِّ يمسحُ على جوربَيْن له من شعرٍ ونعليه (¬1).
أخبرنا الثَّوريُّ عن يحيى، عن أبي الجلاس (¬2)، عن ابن عمرَ: أنه كان يمسحَ على جوربيهِ ونعلَيْه (¬3). انتهى كلامُ الزَّيلعيّ ملخصاً (¬4).
قلت: منهُ يعلمُ أنَّ روايات مسحِ النَّعلَيْن ضعيفة، ومع قطعِ النَّظرِ عن ذلك لم يروَ في روايةٍ مسحهما فقط بل مع الجوربين، فيمكنُ حملُها على الاحتمالِ الأوَّلِ والثَّاني (¬5). واللهُ أعلم.
تتمة:
المرادُ (¬6) بالمُنعلِ في قولِ الفقهاء: يجوزُ المسحُ على جوربَيْه المُنعَلَيْن والمُجلّديْن بالاتّفاقِ بين علمائنا الثَّلاثة (¬7).
وفي الثَّخينَيْن غيرِ المُنعليْن والمُجلَّدَيْن خلاف؛ فعند أبي حنيفة - رضي الله عنه -: لا
¬
(¬1) في مصنف عبد الرزاق (1: 199).
(¬2) وقع في الأصل: الحلاس، والمثبت من المصنف، والتقريب (ص 555).
(¬3) في مصنف عبد الرزاق (1: 199).
(¬4) من نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية (1: 184 - 186).
(¬5) ? وهما: الأول: حمله على المنعل من الجورب.
والثَّاني: حمله على أنه قد لبس النّعلين على الجوربيْن.
(¬6) مبتدأ، وسيأتي خبره بعد ثلاث اسطر وهو ما جعل ..
(¬7) وهم: أبو حنيفة النعمان، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني - رضي الله عنهم -.
يجوز، وعندهما: يجوزُ، وعليه الفتوى ما (¬1) جعلَ على أسفلِهِ جلدةٌ كالمُنْعلِ للقدم، وهو بسكونُ النَّونِ من بابِ الإفعالِ من أَنْعل، كما ذكرَهُ النَّسَفِيُّ (¬2) في ((المنافع))، وتبعَهُ صاحبُ (¬3) ((الدُّرِّ المختار)) (¬4) وغيرُه.
وصرَّحَ في ((القاموس)) (¬5) و ((المغرب)) (¬6) بمجيئِهِ بالتَّشديدِ أيضاً من بابِ التَّفعيل.
وصرَّحَ بجوازِهِما ................................................
¬
(¬1) خبر. أ.
(¬2) وهو عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، أبو البركات، حافظ الدين، من مؤلفاته: الكافي شرح الوافي، المنافع شرح النافع، وكنْز الدقائق، وتفسير المدارك، قال الإمام اللكنوي: وكل تصانيفه نافعةٌ مُعتبرةٌ عند الفقهاءِ مطروحةٌ لأنظار العلماءِ، (ت 701 هـ). ينظر: الجواهر المُضيَّة (2: 294)، الفوائد (ص 102)، تاج (ص 174).
(¬3) وهو محمد بن علي بن محمد الحِصْنيّ الأصل الحَصْكَفِيّ الحَنَفيّ، علاء الدين، نسبة إلى حصن كيفا في ديار بكر على خلاف القياس، قال المحبي: مفتي الحنفية بدمشق، وصاحب التصانيف الفائقة في الفقه وغيره، ومن مؤلَّفاته: مختصر الفتاوى الصوفية، تعليقات على صحيح البخاري، وتعليقات على البيضاوي، (ت 1088 هـ). ينظر: خلاصة الأثر (4: 63 - 65)، طرب الأماثل (ص 564 - 566).
(¬4) الدر المختار شرح تنوير الأبصار (1: 180).
(¬5) ينظر: القاموس (4: 59 - 60).
(¬6) ينظر: المغرب (ص 469).
العَيْنِيُّ (¬1) في ((شرحِ الهداية)) (¬2) هذا.
* * *
¬
(¬1) وهو محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد العنتابيّ المولد، العَيْنيّ الحلبيّ الأصل، القاهريّ الحنفيّ، أبو محمد، بدر الدين، كان أبوه قاضياً بعين تاب، فنسب إِليه، قال السُّيوطيّ: كان إماماً عالماً علامة، عارفاً بالعربية والتصريف، حافظاً للغة، سريع الكتابة. ومن مؤلفاته: شرح شرح معاني الآثار، ومنحة السَّلوك شرح تحفة الملوك، وعمدة القاري شرح صحيح البخاريّ (762 - 855 هـ). ينظر: الضوء اللامع (10: 131 - 135)، الفوائد البَهيَّة (ص 340)، البدر الطالع (2: 294).
(¬2) البناية في شرح الهداية (1: 598).
فصل
في تطهير النجاسة
إذا أصابتْ النَّجاسةُ خُفَّاً أو نَعْلاً فإن لم يكنْ لها جِرْمٌ (¬1) كالبولِ والخمرِ فلا بُدَّ من الغَسلِ رطباً كان أو يابساً.
وكان القاضي أبو عليٍّ النَّسَفِيُّ (¬2) يحكي عن الشَّيخِ الإمامِ أبي بكرٍ محمَّد ابن الفضلِ (¬3) أنه قال: إذا أصابَ نعلَهُ بولٌ أو خمر، ثمَّ مشى على التُّرابِ أو الرَّملِ حتى لَزِقَ به بعضُ التُّرابِ وجَفّ، ثمَّ مسحَهُ بالأرضِ يطهرُ عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
¬
(¬1) الجِرْم: بالكسر: الجسد. ينظر: مختار الصحاح (ص 100).
(¬2) وهو الحسن بن عبد الملك النَّسَفِيّ، القاضي، أبو علي، من شيوخ أبي العبَّاس المُسْتَغْفِرِيّ. ينظر: الجواهر المضية (2: 68).
(¬3) وهو محمَّد بن الفضل الكَمَاريّ البُخَاريّ، أبو بكر الفَضْليّ، قال الكفوي: كان إماماً كبيراً، وشيخاً جليلاً، معتمداً في الرِّواية، مُقلّداً في الدِّراية، رحلَ إليه أئمةُ البلاد، وكتب الفتاوى مشحونةً بفتاواه ورواياته، (ت 371 هـ).ينظر: طبقات طاشكبرى) (ص 62). والفوائد (ص 303).
وهكذا ذكرَه الفقيهُ أبو جعفرٍ (¬1) عنه (¬2) وعن أبي يوسفَ مثل ذلك، إلاَّ أنه لم يشترطْ الجفاف.
وأمَّا التي لها جِرْم؛ فإن كانت رطبةً لا يطهرُ إلا بالغَسل، هكذا ذكرَهُ في ((المبسوط)) (¬3).
وعن أبي يوسفَ أنه إذا مسحَهُ بالرَّملِ أو التُّرابِ ثمَّ مسحَهُ تطهرُ على قياسِ ما مرّ، وإليهِ مالَ مشائخنا للبلوى.
وإن كانت يابسةً يطهرُ بالحكِّ والحثِّ عندهما.
وقال محمَّد: لا يطهرُ إلا بالغَسل.
¬
(¬1) وهو محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمَّدِ البَلْخيّ الهِنْدُوَانيّ، أبو جعفر، نسبةً إلى هِنْدُوَان، محلةٌ ببلخ، قال الكفوي: شيخ كبير، وإمام جليل القدر، كان على جانب عظيم من الفقه والذكاء والزهد والورع، (ت 362 هـ). ينظر: العبر (2: 328)، الجواهر (1: 192)، الفوائد (ص 295).
(¬2) أي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
(¬3) ينظر: المبسوط (1: 83) لمحمد بن أحمد بن أبي سهل السَّرَخْسِيّ، أبي بكر، شمس الأئمة، والسَّرَخْسِيُّ نسبة إلى سَرَخْس: بلدة قديمة من بلاد خُراسان، وهو اسم رجل سكن هذا الموضع وعَمَّرَه، وأتمَّ بناءه ذو القرنين، قال الكفوي: كان إماماً علامة، حجَّة متكلماً، مناظراً أصوليّاً، مجتهداً، ومن مؤلَّفاته: شرح السير الكبير، وأصول السرخسي، وشرح مختصر الطحاوي، توفي في حدود (500)، تاج (ص 234)، ينظر: الجواهر المُضِيَّة (3: 78)، الفوائد (ص 261).
والصَّحيحُ قولُهما؛ لحديث: (إذا أَتَى أَحَدَكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقْلِبْ نَعْلَيْه، فَإِنْ كَانَ بِهِمَا أَذَى فَلْيَمْسَحْهما بِالأَرْض، فَإِنَّ الأَرْضَ لَهَا طَهُور) (¬1).
والسرُّ فيه أنَّ الجلدَ صلبٌ لا يتشرَّبُ فيه النَّجاسةَ ورطوباتَها إلاَّ بعدَ زمان، فإذا حكَّهُ وحتَّهُ زالَ جِرْمُ النَّجاسة، وما بقيَ منه إلاَّ قدرَ ما تشرَّبَهُ وهو قليل، والقليلُ عفو.
وعن محمَّدٍ أنه رجعَ عن قولِهِ لمَا رأى بالرَّيِّ (¬2) من كثرةِ السِّرقينِ (¬3) في
¬
(¬1) عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: (إن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي فخلعَ نعليه، فخلعَ الناس نعالَهم، فلمَّا انصرفَ قال لم خلعتُم نعالَكم، فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثاً، فإذا جاء أحدُكم المسجدَ فليقلبْ نعلَه، فلينظر فيهما خبث فليمسحهما بالأرض، ثُمَّ ليصلِّ فيها) في صحيح ابن خزيمة (1: 384)، واللفظ له، والمستدرك (1: 391)، وشرح معاني الآثار (1: 511)، ومسند أحمد (3: 92)، والمعجم الأوسط (8: 313)، وينظر: نصب الراية (1: 207) لمعرفة باقي طرقه.
(¬2) الرَّيّ: وهي مدينة مشهورة من أمهات البلاد، وأعلام المدن، كثيرة الفواكه والخيرات، وهي محطّ الحاج على طريق السابلة، وقصبة بلاد الجبال، بينها وبين نيسابور مائة وستون فرسخاً (806.4 كم)، وإلى قزوين سبعة وعشرون فرسخاً (136.08 كم)، ومن قزوين إلى أبهر اثنا عشر فرسخاً (60.48 كم)، ومن أبهر إلى زنجان خمسة عشر فرسخاً (75.6 كم). ينظر: معجم البلدان (3: 116)، والمقادير الشرعية (ص 208).
(¬3) السِّرقين: أي السِّرْجِينُ: الزِّبْلُ كلمةٌ أعجميَّةٌ، وأَصلُها سِرْكِينُ بالكافِ فعُرِّبَتْ إلى
الجيمِ والقاف، فيقال سِرْقِينٌ أيضاً وكُسِرَ أَوَّلُهُ لِمُوَافَقَةِ الأَبنيةِ العربيةِ. ينظر: المصباح المنير (274)، اللسان (3: 1999).
طريقِهم.
واعلمْ أنَّ محمَّداً ذكرَ في ((الجامعِ الصَّغير)) (¬1) أنها تطهرُ عندهما بالحَتِّ والحَكّ، وذكرَ في ((المبسوط)) (¬2) المسح، قال مشايخُنَا: لولا ذكرُ الحتِّ والحكِّ في ((الجامع)) (¬3) لكنّا نقول: لا تطهرُ إلا بالمسح؛ لأنَّ الحَتَّ والحَكَّ ليس لهما أثرٌ في التَّطهير، ألاَّ ترى إلى أنَّ المسافرَ إذا أصابَ يدَهُ نجسٌ فمسحَهُ بالأرضِ يطهر، ولو حتَّهُ أو حكَّهُ لا يطهر.
ثمَّ في صورةِ غسلِ النَّعلِ والخُفِّ إن كان الجلدُ صلباً لا يتشرَّبُ رطوباتِ النَّجاسةِ يغسلُ ثلاثَ مرَّات.
وقيل: يغسلُ ثلاثَ مرَّاتٍ دفعةً واحدة، والأصحُّ أن يغسلَ ويتركَ في كلٍّ مرَّةٍ حتى ينقطعَ التَّقاطر، ويذهبَ الندوة، وإن لم ييبس.
وإن كان رخواً فقيل: لا يطهرُ أبداً عند محمَّدٍ إذا لم يمكنْ عصرُه.
وفي ظاهرِ الرِّواية (¬4): يطهرُ بالغَسل، .................................
¬
(¬1) الجامع الصغير (ص 80).
(¬2) ينظر: المبسوط (1: 83).
(¬3) الجامع الصغير (ص 80).
(¬4) ظاهر الرواية: المراد بها: ما روي عن أصحاب المذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وغيرهم في كتب محمد - رضي الله عنه - التي هي المبسوط، والزيادات، والجامع الصغير،
والجامع الكبير، والسير الصغير، والسير الكبير؛ لأنها مروية عنها برواية الثقات، فهي ثابتة عنه إما متواترة أو مشهورة بخلاف غيرها من كتبه التي تسمى النوادر، مثل: الكيسانيات، والهارونيات، والجرجانيات، والرقيات فهي لم تروَ عن محمد بروايات ظاهرة ثابتة صحيحة. ينظر: شرح رسم المفتي (1: 16 - 17).
هذا كلُّهُ من ((الذَّخيرةِ)) (¬1)، و ((فتاوى قاضي خان)) (¬2)، وغيرهما.
وفي ((البحرِ الرَّائق)) (¬3) عند قولِ الماتن (¬4): والخُفُّ بالدَّلكِ بنجسٍ ذي
¬
(¬1) ينظر: المحيط البرهاني (ص 409 - 410)، والذخيرة مختصرة منه، وكلاهما: لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز، ابن مازه البُخاري، برهان الدين، قال الكفوي: كان إماماً فارساً في البحث عديم النظير، له مشاركة في العلوم وتعليق في الخلاف، (ت 616 هـ). ينظر: الجواهر (3: 233 - 234). الفوائد (ص 291 - 292). الكشف (2: 1619).
(¬2) فتاوى قاضي خان (1: 25) لحسن بن منصور بن محمود بن عبد العزيز الأُوزْجَنْدِي الفَرْغَانِي الحَنَفِي، أبو القاسم، فخر الدين، المشهور بقاضي خان، قال الحصيري: هو القاضي الإمام، والأستاذ فخر الملَّة ركن الإسلام، بقيَّة السلف، مفتي الشرق. ومن مؤلفاته: شرح الجامع الصغير، وشرح الزيادات، وشرح أدب القضاء، (ت 592 هـ). ينظر: الجواهر (2: 94)، تاج التراجم (ص 151 - 152)، الفوائد (ص 111).
(¬3) البحر الرائق شرح كنْز الدقائق لإبراهيم بن محمد بن نُجَيْم المصريّ، زين العابدين، من مؤلفاته: فتح الغفار شرح المنار، والفتاوي، ولب الأصول اختصر فيه التحرير، قال الإمام اللكنوي عن مؤلفاته: كلُّها حسنةٌ جداً، (926 - 970 هـ). ينظر: التعليقات السنية (ص 221 - 222). الكشف (1: 385، 2: 1515). الرسائل الزينية (ص 7).
(¬4) أي صاحب متن كنْز الدقائق، عبد الله النَّسَفِيّ، (ت 701 هـ).سبقت ترجمته.
جِرْم، ولا يغسل (¬1): أي يطهرُ الخُفُّ بالدَّلكِ إذا أصابتْهُ نجاسةٌ لها جِرْم، فإن لم يكنْ لها فلا بدَّ من غسلِه؛ لحديثِ أبي داود: (إِذَا جَاءَ أَحَدَكَم المَسْجِدَ فَلْيَنْظُر، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ أَذَىً فَلْيَمْسَحْهُمَا، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا) (¬2).
وخالفَ فيه محمَّد، والحديثُ حجَّةٌ عليه؛ ولهذا رُوي رجوعُهُ. كما في ((النِّهاية)) (¬3).
وقيَّدَ المصنِّفُّ (¬4) بالخُفّ؛ لأنَّ الثَّوبَ والبدنَ لا يطهران بالدَّلكِ إلاَّ في المَني.
وعلى هذا فما رُوي عن محمَّدٍ أنَّ المسافرَ إذا أصابَ يدَهُ نجاسةٌ فمسحَها يطهر، فمحمولٌ على أنَّ المسحَ لتقليلِ النَّجاسة، وإلاَّ فمجرَّدُ المسحِ كيف يطهِّرُه؟ فإنَّ محمَّداً لا يجوِّزُ التَّطهيرَ بغيرِ الماء، وهما لا يقولان بالدَّلكِ إلاَّ في الخُفِّ والنَّعل. كذا في ((فتحِ القدير)) (¬5).
¬
(¬1) انتهى من كنْز الدقائق (ص 8).
(¬2) سبق تخريجه (ص 38).
(¬3) النهاية شرح الهداية لحسين بن علي بن حجاج السِّغْنَاقيّ أو الصِّغْنَاقِيّ، حسام الدين، نسبةً إلى سِغْنَاق بلدة في تركستان، قال السيوطي: كان عالماً فقيهاً، نحوياً جدلياً، ومن مؤلفاته: شرح التمهيد في قواعد التوحيد لأبي المعين المكحولي، والكافي شرح أصول البزدوي. توفِّي بعد سنة (710 هـ). ينظر: تاج التراجم (ص 160)، الكشف (2: 2032)، الفوائد (ص 106).
(¬4) أي مصنف الكنْز.
(¬5) فتح القدير على الهداية (1: 171).
وظاهرُ ما في ((النِّهاية)) أنَّ المسحَ للتَّطهير، فيحملُ على أنَّ عن محمَّدٍ روايتَيْن.
ولم يقيِّده المصنِّفُ بالجفافِ إشارةً إلى أنَّ قولَ أبي يوسفَ هاهنا هو
الأصحّ، وهما قيَّداهُ بالجفاف، وعلى قولِهِ أكثرُ المشايخ.
وفي ((النِّهاية))، و ((العناية)) (¬1)، و ((الخانيَّة)) (¬2)، و ((الخلاصة)) (¬3): عليهِ الفتوى.
وفي ((الكافي)) (¬4): الفتوى على أنه يطهرُ لو مسحَهُ بالأرضِ بحيثُ لم يبقَ أثرُ النَّجاسة، وعلمَ منهُ أنَّ المسحَ لا يطهرُ ما لم يذهبْ أثرُ النَّجاسة.
¬
(¬1) العناية على الهداية (1: 172) لمحمد بن محمد بن محمود الروميّ البَابَرْتيّ، أبي عبد الله، أكمل الدين، نسبة إلى بَابَرْتا بالقصر قرية بنواحي بغداد، قال الكفوي: إمام محقِّق، مدقِّق متبحر، حافظ ضابط، لم ترَ الأعين في وقته مثله، كان بارعاً في الحديث وعلومه، ذا عناية باللغة والنحو والصرف والمعاني والبيان. ومن مؤلفاته: حواشي الكشاف، وشرح ألفية ابن معطٍ، وشرح أصول البزدوي، (714 - 786). ينظر: تاج التراجم (ص 276)، الفوائد (ص 320).
(¬2) الفتاوى الخانية (1: 25).
(¬3) خلاصة الفتاوي لطاهرِ بنِ أحمدَ بنِ عبدِ الرشيد بن الحسين البُخَاريّ، افتخار الدِّين، قال: الكفوي: كان عديم النظير في زمانه، فريد أئمة الدهر، شيخ الحنفية بما وراء النهر، من أعلام المجتهدين في المسائل، ومن مؤلفاته: النصاب، وخزانة الواقعات، (1/ 482 ـ 542 هـ). ينظر: الفوائد (ص 146). الجواهر (2: 276). التاج (ص 172).
(¬4) الكافي شرح الوافي لعبد الله بن أحمد النَّسَفيّ، (ت 701 هـ). سبقت ترجمته.
ثمَّ اعلم أنا قد قدَّمنا أنَّ الطَّهارةَ بالمسحِ مختصٌّ بالخُفِّ والنَّعل، وأنَّ المسحَ لا ينبغي في غيرهما كما قالوا، لكن ينبغي أن يستثنى منه ما في ((الفتاوى الظَّهيريَّة)) (¬1) وغيرها: إذا مسحَ الرَّجلُ محجمهُ ثلاثَ مرَّاتٍ بثلاثِ خرقاتٍ أجزأه عن الغَسل، هكذا ذكرَهُ أبو اللَّيث (¬2)، ونقلَهُ في ((فتحِ القدير))، وأقرَّهُ عليه، ثمَّ قال: وقياسُهُ ما حولَ الفصدِ إذا تلطَّخَ ويخافُ من الإسالةِ السَّريانُ إلى الثّقب (¬3).
وفي ((الظَّهيريَّة)): خفٌّ بطانةُ ساقِهِ من كِرباسٍ (¬4) فدخلَ في خروقِهِ نجسٌ، فَغَسَلَ الخفَّ ودلَكَهُ باليد، ثمَّ ملأهُ ماءً وأراقَهُ طَهُرَ الكِرباسُ للضَّرورة. انتهى ما في ((البحر)) ملتقطاً (¬5).
¬
(¬1) الفتاوى الظهيرية لمحمد بن أحمد بن عمر المحتسب البُخَاريّ الحَنَفيّ، ظهير الدين، قال الإمام اللكنوي: طالعت الفتاوي الظهيرية فوجدته كتاباً متضمناً للفوائد الكثيرة. ومن مؤلَّفاته: الفوائد الظهيرية، (ت 619). ينظر: الفوائد (ص 257)، الكشف (2: 1226).
(¬2) وهو نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السَّمَرْقَنْدِيّ الحَنَفيّ، أَبو اللَّيْث الفقيه، إمام الهدى، ومن مؤلفاته: مختارات النوازل، وخزانة الفقه، وبستان العارفين، (ت 375 هـ). ينظر: الفوائد (ص 362)، تاج التراجم (ص 310).
(¬3) انتهى من فتح القدير (1: 176).
(¬4) الكِرْباس: بالكسر: ثوب من القطن الأبيض معرَّبٌ. كما في القاموس (2: 254)، وتاج العروس (16: 432).
(¬5) من البحر الرائق (1: 236).
وفي ((الهداية)) (¬1): إذا أصابَ الخفَّ نجاسةٌ لها جرمٌ كالرَّوثِ والعذرةِ والدَّمِ فجفَّتْ فَدَلَكَهُ بالأرضِ جاز، وهذا استحسان.
وقال محمَّد: لا يجوز، وهو القياس؛ لأنَّ التَّداخلَ في الخفِّ لا يزيلُهُ الجفافُ ولا الدَّلك.
ولهما قولُهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام: (فَإِن كَانَ بِهِمَا أَذَىً فَلْيَمْسَحْهُمَا (¬2) بِالاَرْضِ؛ فَإنَّ الأَرْضَ لَهْمَا طَهُور) (¬3). انتهى (¬4).
وفي ((شرحِ الأشباهِ والنَّظائر)) للحَمَوِيّ (¬5): ..........................
¬
(¬1) الهداية شرح بداية المبتدي لعلي بن أبي بكر بن عبد الجليل بن أبي بكر الفَرْغَانِيّ المَرْغِينَانِيّ، أبي الحسن، برهان الدين، قال الكفوي: كان إماماً فقيهاً، حافظاً مفسِّراَ، جامعاً للعلوم، ضابطاً للفنون، متقناً محقِّقاً، نظاراً مدققاً، زاهداً ورعاً، بارعاً فاضلاً، ماهراً أصوليّاً، أديباً شاعراً، لم ترَ العيون مثله في العلم والأدب، وله اليد الباسطة في الخلاف، والباع الممتد في المذهب، ومن مؤلفاته: مختارات النوازل، وكفاية المنتهى، مختار الفتاوى، (ت 593 هـ). ينظر: الجواهر (2: 627 - 629). تاج (ص 206 - 207)، مقدِّمة الهداية (3: 2 - 4).
(¬2) وقع في الأصل: ليمسحهما، والمثبت من الهداية.
(¬3) سبق تخريجه (ص 38).
(¬4) الهداية (1: 34 - 35).
(¬5) وهو أحمد بن محمد المَكَّيُّ الحُسَيْنِيُّ الحَمَويّ المِصْريّ الحَنَفيّ، شهاب الدين، من مؤلفاته: غمز عيون البصائر على محاسن الأشباه والنظائر، وتذهيب الصحيفة بنصرة الإمام أبي حنيفة، والعقود الحسان في مذهب النعمان، (ت 1098 هـ). ينظر: هدية العارفين (1: 164)، ومعجم المؤلفين (1: 259).
في ((التُّمُرْتَاشِيّ)) (¬1) نقلاً عن أبي اليسر (¬2): إنَّ الخُفَّ إنما يطهرُ بالدَّلكِ إذا أصابَ النَّجسُ موضعَ الوطء، فإن أصابَ ما فوقَهُ لا يطهرُ إلاَّ بالغَسل، والصَّحيحُ أنه على الاختلاف، ومثلُهُ الفرو: أيّ الوجهُ الذي لا شعرَ عليه، أمّا الوجه الذي عليه الشّعرُ فلا يطهرُ إلاَّ بالغَسل. انتهى (¬3).
هذا خلاصةُ ما ذكروهُ في هذا المبحث، وإن شئتَ زيادةَ تفصيلٍ فارجعْ إلى الأسفارِ الفقهيّة.
وأمَّا الحديثُ الذي استدلَّ به صاحبُ ((الهداية)) (¬4) وغيرُهُ لأبي حنيفةَ
¬
(¬1) وهو أحمد بن إسماعيل التُّمُرْتَاشِيّ الخَوَارَزْمِيّ، أبو العبَّاس، ظهير الدين، قال الكفوي: إمام جليل القدر، عالي الإسناد، مطَّلع على حقائق الشريعة. ومن مؤلفاته: شرح الجامع الصغير، وكتابالتراويح. ينظر: الجواهر (1: 147 - 148)، الفوائد (ص 35).
(¬2) وهو محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البَزْدَويّ، أبو اليسر، قال عمر النسفيّ: كان شيخ أصحابنا بما وراء النهر، وكان إمام الأئمة على الإطلاق، والموفود إليه من الآفاق، (ت 493 هـ). ينظر: الجواهر (4: 98 - 99)، وطبقات طاشكبرى (ص 86).
(¬3) من غمز عيون البصائر على محاسن الأشباه والنظائر للحموي (1: 199).
(¬4) الهداية (1: 35).
وأبي يوسفَ فمرويٌّ في ((سننِ أبي داود)) وغيرِه، وسيأتي ذكرُهُ في (فصلِ الصَّلاةِ) إن شاءَ اللهُ تعالى.
وروى أبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم: (إِذَا وَطِئ أَحَدُكُمْ الأَذَى بِخُفَيِّهِ فَطُهُورُهُمَا التُّرَاب) (¬1).
ورواهُ ابن حبِّانَ في ((صحيحِه)) (¬2).
وقال (4 الحاكم (¬3): حديثٌ صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ ولم يخرِّجاه (¬4).
وفي روايةٍ له عنهُ مرفوعاً: (إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُم بِنَعْلِهِ الأَذَى، فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُور) (¬5).
¬
(¬1) في سنن أبي داود (1: 105).
(¬2) صحيح ابن حبان (4: 250).
(¬3) سقطت من الأصل. وهو محمد بن عبد الله بن محمد الضَّبِّي الطَّهْمَان النَّيْسابوريّ، أبو عبد الله، المعروف بالحاكم، وإنما عرِّف بالحاكم لتقلده القضاء، قال ابن خَلكان: إمام أهل الحديث في عصره، والمؤلف فيه الكتب التي لم يسبق إلى مثلها، كان عالماً عارفاً واسع العلم. ومن مؤلفاته: معرفة علوم الحديث، وتاريخ نيسابور، وفضائل الشافعي، (321 - 405 هـ). ينظر: وفيات (4: 280 - 281)، طبقات ابن قاضي شهبة (1: 197 - 198)، المستطرفة (ص 17).
(¬4) انتهى من مستدرك الحاكم (1: 391).
(¬5) في صحيح ابن حبان (4: 249).
وروى ابنُ عَدِيٍّ (¬1) في ((الكامل)) عن عبدِ اللهِ بن زيادٍ بن سمعان، مولى أمِّ سلمةَ عن سعيدٍ المُقْبِريّ، عن القَعْقَاعِ بن حكيم، عن أبيهِ عن عائشة، قالت: سألتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ عن الرَّجلِ يَطَأُ بنعلَيْه الأذى، قال: (التُّرَابُ لَهُمَا طَهُور) (¬2).
تنبيه:
صرَّحُ فقهاؤنا (¬3) في مواضعَ شتَّى أنَّ الثَّوبَ لا يطهرُ بالدَّلكِ بالأرض، وعليه الأئمَّةُ الباقية، مع أنه قد روى أبو داودَ بإسنادهِ إلى أُمِّ سلمةَ أنَّ امرأةً سألتها فقالت: إنّي امرأةٌ أطيلُ ذيلي وأمشي في المكانِ القذر، فقالت: قال رسولُ الله (3 صلَّى الله عليه وسلم (¬4): (يطهِّرُهُ مَا بَعْدَه) (¬5).
وروى أيضاً عن امرأةٍ من بني عبدِ الأشهلِ أنها سألت رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم فقالت: يا رسولَ الله؛ إنَّ لنا طريقاً إلى المسجدِ
¬
(¬1) وهو عبد الله بن عَدِيّ بن عبد الله الجُرْجَانيّ، أبو أحمد، ويعرف بابن القطَّان، قال السَّهْمي: كان حافظاً متقناً، لم يكن في زمانه مثله، من مؤلفاته: الكامل في ضعفاء الرجال، (ت 365 هـ). ينظر: العبر (2: 337)، مرآة الجنان (2: 381).
(¬2) في الكامل في ضعفاء الرجال (4: 126).
(¬3) ينظر: مجمع الأنهر (1: 59)، والعناية (1: 197)، وغيرها.
(¬4) غير موجودة في الأصل، وأثبتها من السنن.
(¬5) في سنن أبي داود (1: 104).
منتنةً (¬1) فكيف نفعلُ إذا مُطرنا؟ قال: (أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ طَيْب، قَالَت: قُلْت: بَلَى، قَالَ: فَهَذِهِ بِهَذِه) (¬2).
فالرِّوايتان (¬3) تدلاَّنِ على طهارةِ الثَّوبِ بالدَّلك، قال بعضُ علمائنا
في تأويلِ الحديثِ الأوّل: أي يطهرُ المكانُ الذي بعدَ المكانِ الأوَّلِ بزوالِ ما تشبَّث بالذَّيلِ من القذرِ يابساً.
وأقرَّهُ عليٌّ القَارِي (¬4) في ((شرحِ المشكاة)) ثم قال: وهذا التَّأويلُ متعيِّنٌ على تقديرِ صحَّةِ الحديث؛ لانعقادِ الإجماعِ على أنَّ الثَّوبَ إذا أصابتهُ نجاسةٌ لا يطهرُ إلاَّ بالغَسلِ بخلافِ الخفّ. انتهى (¬5).
قلت: هذا التَّأويلُ لا يتمشَّى في الرِّوايةِ الثَّانية؛ فإنَّ فيها (¬6) التَّصريحَ بالمطرِ إلاَّ أن يقال: ليس فيها السُّؤالُ عن الذَّيلِ والثَّوب، فلعلَّ السُّؤالَ يكونُ
من النَّعلِ والخفّ، واللهُ أعلم.
¬
(¬1) في الأصل: منتنا، والمثبت من السنن.
(¬2) في سنن أبي داود (1: 104).
(¬3) في الأصل: فالروايان.
(¬4) وهو علي بن سلطان محمد الهَرَويّ القاريّ الحَنَفيّ، أبو الحسن، نور الدين، من مؤلِّفاته: فتح باب العناية بشرح النقاية، الأثمار الجنية في طبقات الحَنَفِيَّة، وشرح مسند الإمام، (930 - 1014 هـ). ينظر: الكواكب السائرة (1: 445 - 446).طرب الأماثل (ص 515 - 517). الإمام علي القاري (ص 44).
(¬5) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للقاري (1: 356).
(¬6) في الأصل: فيه.
فصل
في الصّلاة وما يتعلّق بها
وفيه مسائل:
* مسألة:
يجوزُ دخولُ المسجدِ متنعِّلاً بشرطِ أن يكونَ النَّعلان طاهرَيْن، صرَّحَ به الفقهاء، ودلَّتْ عليه الأخبارُ والآثار، وذكرَ بعضُ أصحابِنا: أنه سوءُ أدب.
قال السَّيدُ الحَمَوِيُّ في ((حاشيةِ الأشباهِ والنَّظائر)) تحت قولِ الماتنِ (¬1) في بحثِ (أحكام المسجد): فمنها: تحريمُ دخولِهِ على الجُنبِ وإدخالُ نجاسةٍ (¬2) فيه؛ ولذا قالوا: ينبغي لمَن أرادَ أن يدخلَ المسجدَ أن يتعاهدَ النَّعلَ والخفَّ عن النَّجاسةِ ثمَّ يدخلُ فيه احترازاً (¬3) عن تلويثِ المسجد. انتهى (¬4).
¬
(¬1) هو ابن نجيم المصري (ت 971 هـ)، صاحب الأشباه والنظائر. سبقت ترجمته.
(¬2) انتهى من الأشباه والنظائر (ص 439).
(¬3) وقع في الأصل: احتراز، والمثبت من غمز العيون.
(¬4) من غمز عيون البصائر على الأشباه والنظائر (2: 132).
وفي ((ردِّ المُحتار)): في الحديث: (صَلُّوا فِي نِعَالِكُم، وَلا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ وَالنَّصَارَى) (¬1) رواهُ الطَّبَرانِيُّ (¬2). كما في ((الجامعِ الصَّغير)) (¬3) رامزاً لصِحَّتِه (¬4).
وأخذَ منه جمعٌ من الحنابلة (¬5) أنه سُنّة، ولو كان يمشي بها في الشَّوارع؛ لأن النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلَّمَ وأصحابَهُ كانوا يمشونَ بها في طريقِ المدينة، ثمَّ يصلُّون فيها.
قلت: لكن إذا خُشِيَ تلويثُ فرشِ المسجدِ بها ينبغي عدمُهُ وإن كانت
¬
(¬1) في المعجم الكبير (7: 190)، ومعجم شيوخ الإسماعيلي (1: 384).
(¬2) وهو سليمانُ بن أحمد بن أَيُّوب اللَّخميّ الطَّبَرَانِيّ، أَبو القاسم، نسبة إلى طبرية، مدينة من الأردن، قال اللكنوي: صاحب المعاجمِ المشهورة، كان ثقةً صدوقاً، عارفاً واسع الحفظ، بصيراً بالعلل والرِّجال، كثير التصانيف النَّافعة، (260 - 360 هـ). ينظر: العبر (3: 315 - 316). مرآة الجنان (3: 372).
(¬3) الجامع الصغير (2: 388) لعبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السُّيوطيّ الطولونيّ الشَّافعيّ، أبو الفضل، جلال الدين، من المجدِّدين على رأس المئة التاسعة الهجرية، وتصانيفه تزيد عن الألف، ومن مؤلفاته: الدر المنثور، وتبييض الصحيفة في مناقب أبي حنيفة، والإتقان في علوم القرآن، (849 - 911 هـ). ينظر: الضوء اللامع (65 - 70)، النَّور السَّافر (ص 51 - 54)، مقدمة التعليق الممجد (ص 25).
(¬4) في السراج المنير على الجامع الصغير للعزيزي (2: 388): قال العلقمي: بجانبه علامة الصحة، وقال: المناوي ضعيف وغايته حسن. ا. هـ.
(¬5) منهم السفاريني في غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (2: 303)، وكذلك الزيدية، ينظر: البحر الزخار للمرتضي (2: 215).
طاهرة، وأما المسجدُ النَّبويٌّ فقد كان مفروشاً بالحصى في زمنِهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بخلافِهِ في زمانِنا، ولعلَّ ذلك محمل ما في ((عمدةِ المفتي)) (¬1) من أنَّ دخولَ المسجدِ مُتنعِّلاً من سوءِ الأدب. انتهى كلامه (¬2).
وقد وردَ في طرقٍ كثيرةٍ أنه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كان يُصلِّي في الخُفَّيْن والنَّعلَيْن، وظاهرٌ أنَّ صلاتَهُ لم يكنْ إلاَّ في المسجدِ فدلَّ ذلك على جوازِ دخولِ المسجدِ متنعِّلاً.
لا يقال: لو جازَ التَّنعُّلُ في المسجدِ لما أُمِرَ موسى على نبيِّنَا وعليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بخلعِ نعلَيْه حين حضرَ بالوادي المقدِّس، وقد أُمِرَ بذلك بقولِهِ تعالى: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدِّسِ طُوىً} (¬3)؛ لأنَّا نقول إنِّما أُمِرَ بذلك لأمرٍ آخر، فقد أخرجَ التِّرْمِذِيُّ عن ابن مسعود: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلّم: (كَانَ عَلَى مُوسَى يَوْمَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ كِسَاءً مِنْ صُوف، وَجُبَّةُ صُوف، وَسَرَاوِيلُ صُوف، وَكَانَتْ نَعْلاهُ مِنْ جِلْدِ
¬
(¬1) عمدة المفتي والمستفتي لعمر بن عبد العزيز بن مازه، أبي محمد، المعروف بالصدر الشهيد، برهان الأئمة، حسام الدين، من مؤلفاته: شرح الجامع الصغير، والفتاوى الصغرى، والفتاوى الكبرى، وشرح أدب الخصاف، (483 - 536 هـ). ينظر: الجواهر (2: 649 - 650)، النجوم الزاهرة (5: 268 - 269)، إيضاح المكنون (4: 124).
(¬2) أي ابن عابدين في رد المحتار (1: 442).
(¬3) من سورة طه، الآية (12).
حِمَارٍ مَيِّت) (¬1).
وأخرجَ عبدُ الرَّزَّاق، والفِرْيَابِيّ (¬2)، وعبدُ بن حميد (¬3)، وابنُ أبي حاتم (¬4) عن عليٍّ رضيَ الله عنه: في قولِهِ تعالى: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} (¬5) قال: (كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ فَأُمِرَ بِخَلْعِهِمَا).
وأخرجَ عبدُ بن حميد، عن الحَسَن (¬6) قا: ما بالُ خلعِ النَّعلَيْن في
¬
(¬1) في مستدرك الحاكم (2: 411)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وجامع الترمذي (4: 224)، وقال: هذا حديث غريب، وسنن سعيد بن منصور (5: 152)، ومسند البزار (5: 400)، ومسند أبي يعلى (8: 399).
(¬2) وهو جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض الفِرْيابيّ، أبو بكر، قال الذهبي: صاحب التصانيف، وكان أحد أوعية العلم، ومن مؤلفاته: السنن، ومناقب مالك، وأحكام العيدين، (207 - 301 هـ). ينظر: العبر (2: 119)، مرآة الجنان (2: 238).
(¬3) وهو عبد بن حميد بن نصر الكِسِّي، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، نسبة إلى كس مدينة قرب سمرقند، له: منتخب مسند عبد بن حميد، مسندان كبيران، وتفسير القرآن، (ت 249 هـ). ينظر: الثقات (8: 401)، طبقات الحفاظ (1: 238)، هدية العارفين (ص 437).
(¬4) وهو عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المُنْذِر التَّمِيميّ الرَّازيّ، المعروف بابن أبي حاتم، قال أبو يَعْلَى الخليليّ: أخذ علمَ أبيه وأبي زُرعة، وكان بحراً في العلوم ومعرفة الرجال، (ت 327 هـ). ينظر: العبر (2: 208). مرآة الجنان (2: 289).
(¬5) من سورة طه، الآية (12).
(¬6) وهو الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، كان من سادات التابعين، وجمع كل فنّ
من علم وزهد وورع وعبادة، (21 - 110 هـ). ينظر: وفيات (2: 69 - 72)، الأعلام (1: 242).
الصَّلاة، إنِّما أُمِرَ موسى أن يخلعَ نعلَيْه؛ لأنهما كانتا من جلدِ حمارٍ ميّت.
وأخرجَ عبدُ بن حميدٍ أيضاً مثلَهُ عن كعب (¬1).
وأخرجَ ابنُ أبي حاتمٍ عن الزُّهريّ (¬2) قال: كانتا من جلدِ حمارٍ أهليّ.
وأخرجَ أيضاً عن مجاهد (¬3)، قال: كانت نعلا موسى من جلدِ خنْزير.
وأخرج عبدُ بن حميد، وابن أبي حاتمٍ عن عكرمة (¬4)، قال: إنّما أمرَ بخلعِ نعلَيْه كي يمسَّ راحةَ قدميهِ الأرضَ الطَّيبة.
¬
(¬1) في موطأ مالك (2: 912).
(¬2) وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله الزُّهْريّ القُرَشِيّ، أبو بكر، نسبة إلى بني زهرة، وهم بطن من بطون قريش، قال عمر بن عبد العزيز: لم يبق أعلم بسنة ماضية من الزهري، (51 - 124 هـ). ينظر: طبقات الشيرازي (ص 47 - 48)، التقريب (ص 440). الإمام الزهري (ص 260).
(¬3) وهو مجاهد بن جَبْر، المَكِّيّ، تابعي، أبو الحجَّاج، قال خُصَيف: كان أعلمهم بالتفسير، وعن مجاهد، قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرَّة، وقال لي ابن عمر: وددت أن نافعاً يحفظ كحفظك، (21 - 103 هـ). ينظر: طبقات الشيرازي (ص 58)، العبر (1: 125).
(¬4) وهو عِكرِمة بن عبد الله مولى عبد الله بن عباس، أبو عبد الله، أصله من البربر من أهل المغرب، قيل لسعيد بن جبير: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: عكرمة، وقد تكلم الناس فيه لأنه كان يرى رأي الخوارج، (ت 107 هـ). ينظر: وفيات (3: 265 - 266)، العبر (1: 131 - 132).
وفي ((تفسيرِ الإمامِ فخرِ الدِّين الرَّازيّ)) (¬1): ذكروا في قولِهِ تعالى: ?فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ? (¬2) وجوهاً:
أحدها: إنّهما كانتا من جلدِ حمارٍ ميِّت، وهو قولُ عليٍّ رضيَ اللهُ عنه، ومقاتل (¬3)، والكَلْبِيّ (¬4)، والضَّحَّاك (¬5)، وقتادة، والسُّدِّي (¬6).
¬
(¬1) وهو محمد بن عمر بن الحسن التيميّ البكريّ، أبو عبد الله، فخر الدين، من مؤلفاته: تفسير القرآن المسمَّىمفاتيح الغيب، ولوامع البينات في شرح أسماء الله تعالى والصفات، وأسرار التنْزيل، (544 - 606 هـ). ينظر: وفيات (4: 248)، مرآة الجنان (4: 7 - 11)، النجوم الزاهرة (6: 197 - 198).
(¬2) من سورة طه، الآية (12).
(¬3) وهو مقاتل بن سليمان بن بشير الأزديّ البلخيّ الخراسانيّ، أبو الحسن، المفسِّر، من مؤلفاته: التفسير الكبير، ونوادر التفسير، ومتشابه القرآن، (ت 150 هـ). ينظر: التقريب (ص 476)، الأعلام (8: 206).
(¬4) وهو محمد بن السائب بن بشر العُزَّي الكَلْبِيّ، أبو النضر، النسابة المفسِّر، قال الذهبي: أجمعوا على تركه. له: تفسير، (ت 146 هـ).ينظر: تهذيب الكمال (25: 246)، العبر (1: 206).
(¬5) وهو الضَّحَّاك بن مُزاحم الهلالي الخُراساني، أبو القاسم، صاحب التفسير، وثقه أحمد وغيره، (ت 102 هـ). ينظر: العبر (1: 124)، طبقات المفسرين (1: 216).
(¬6) وهو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السُّدِّي الأعور الحجازيّ الكوفي، أبو محمد، تابعي، قال ابن تغرى بردى: صاحب التفسير والمغازي والسير، وكان إماماً عارفاً بالوقائع وأيام الناس، قال يحيى بن سعيد: ما رأيت أحداً يذكر السُّدِّي إلا بخير، وما تركه أحد، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، (ت 128 هـ). ينظر: الميزان (1: 395 - 396)، النجوم الزاهرة (1: 308)، طبقات المفسرين (1: 109).
والثَّاني: إنه إنّما أُمِرَ بخلعِهما لينالَ قدماهُ بركةَ الوادي، وهو قولُ الحَسَن، وسعيدُ بنُ جبير (¬1)، ومجاهد.
والثَّالث: أن يحملَ ذلك على تعظيمِ البقعةِ من أن يطأها إلاَّ حافياً، معظّماً لها، وخاضعاً عندَ سماعِ كلامِ ربِّه تعالى.
وأمّا أهلُ الإشارة (¬2) فقد ذكرُوا في ذلك وجوهاً:
أحدُها: إنَّ النَّعلَ يُفسَّرُ في النَّوم: الزَّوجة والولد، فقولُهُ تعالى: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} (¬3) إشارةٌ إلى أنه لا يلتفتُ خاطرُهُ إلى الزَّوجةِ والولد، وأن لا يبقى مشغولاً بأمرِهما.
¬
(¬1) وهو سعيد بن جُبَير الأسدي الوالبيّ الكوفي، قال أحمد: قتل الحجاج سعيداً وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه، (ت 95 هـ). ينظر: العبر (1: 112)، التقريب (ص 174).
(¬2) أي أهل التفسير الإشاري، وهم الصوفية، قال عبد الله بن الصديق الغماري في بدع التفاسير (ص 150): التفسير الإشاري الذي يسلكه الصوفية في تفاسيرهم، وذلك أنهم حين يتكلَّمون على آية من القرآن، يقرُّون تفسيرها اللفظي كما ذكره المفسرون، ويأخذون منها بعد ذلك معنى إشارياً يتصل بما يفيضون فيه من مقامات وأحوال، ومعارف وأسرار. ا. هـ.
(¬3) من سورة طه، الآية (12).
وثانيهما: إنَّ المرادَ بخلعِ النَّعليْنِ تركُ الالتفاتِ إلى الدُّنيا والآخرة بأن يصيرَ مستغرقَ القلبِ بالكُليَّةِ في معرفةِ اللهِ تعالى.
والمرادُ بالوادي المقدَّسِ وادي قدسِ اللهِ تعالى وجلالِه.
وثالثهما: إنَّ الإنسانَ حالَ الاستدلالِ على الصَّانعِ لا يمكنُهُ أن يتوصَّلَ إليه إلاَّ بمقدِّمتيْن وهما يشبهانِ النَّعلين؛ لأنَّ بهما يتوصَّلُ العقلُ إلى المقصود، وينتقلُ من النَّظرِ في الخلقِ إلى معرفةِ الخالق، فكأنه قيل له: لا تكنْ مشتغلَ القلبِ والخاطرِ بتلك (¬1) المقدِّمتين؛ لأنك وصلتَ إلى الوادي المقدَّسِ الذي هو بحرُ معرفةِ اللهِ تعالى، ولُجَّةُ (¬2) اُلوهيّته. انتهى كلامه.
ثم قال: ليس في الآيةِ دلالةٌ على كراهةِ الصَّلاةِ والطَّوافِ في النَّعل، والصَّحيحُ عدمُ الكراهة؛ وذلك لأنا إن علَّلنا الأمرَ بخلعِهما بتعظيمِ الوادي كان الأمرُ مقصوراً على تلك الصُّورة.
وإن علَّلنا بأن النَّعلَيْن كانا من جلدِ حمارٍ مدبوغٍ فجائزٌ أن يكونَ قد كان محظوراً فنسخَ بقولِهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام: (أَيَّمَا إِهَابٌ دُبِغَ فَقَدْ طَهُر) (¬3)، وقد صلَّى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم في نعلَيْه. انتهى.
¬
(¬1) في الأصل: بتنيك.
(¬2) لُجَّة: يقال لُجَّة الماء: أي معظمه. ينظر: مختار الصحاح (ص 592).
(¬3) في صحيح مسلم (1: 277)، وسنن أبي داود (4: 66)، وسنن الترمذي (4: 221) رقم (1728)، وغيرها.
وفي ((فتحِ المتعال)): قلت: وقد تذكَّرتُ والحديثُ شجونٌ ما حكاهُ أحدُ أسلافي هو الإمامٌ الصوفيٌّ وحيدُ دهرِهِ سيّدي أبو عبدِ الله المقرئ التِّلِمْسَانِيّ (¬1) نشأةً وقبراً، قاضي حضرةِ فاس في كتابِهِ ((الحقائق والرَّقائق)) عن الإمامِ فخرِ الدِّين، ونصُّه: حُدِّثتُ أنَّ الإمامَ الفخرَ مرَّ ببعضِ المشيخةِ من الصُّوفيِّين، فقيل للشَّيخ: هذا يقيمُ على وجودِ الصَّانعِ ألفَ دليل، فلو قُمْتَ إليه، فقال الشَّيخ: لو عرَفَهُ ما استدلَّ عليه، فبلغَ ذلك الإمام، فقال: نحنُ نعلمُ من وراءِ الحجاب، وهم ينظرونُ من غيرِ حجاب.
وهذا قولُهُ في التَّفسيرِ أنَّ النَّعلَيْن هما المقدِّمتان (¬2) ... الخ. انتهى.
قلت: وقد كفَّرَ بعضُ مَن لا عِلْمَ له الطَّائفةَ الصُّوفيةَ الصَّافيةَ بتفسيرِهِم الآياتِ القُرآنيّة بما لم يشهدْ به النَّقل، من ذلك؛ تفسيرُ النَّعلَيْن بالمُقدِّمتين، وليس كذلك؛ فإنه ليس غرضُهُم من تفاسيرِهم القطعَ والحتم، بل مجرَّدُ الإشارة، وهو لا يوجبُ التَّكفير، بل هو عينُ الإيمان، وحقُّ الإيقان.
¬
(¬1) وهو محمد بن أحمد بن أبي بكرة القرشيّ التِّلِمْسَانيّ المقرئ، أبو عبد الله، قاضي فاس، قال ابن فرحون: كان نسيج وحده في المتأخرين، مشاراً إليه بالعدوة الغربية اجتهاداً وخوفاً وحفظاً وعنايةً واطلاعاً ونقلاً ونزاهةً، سليم الصدر، محافظاً على العمل، حريصاً على العبادة، قائماً على العربية والفقه والتفسير ... ، ومن مؤلفاته: الحقائق والرقائق، ورحلة المتبتل، (ت 759 هـ). ينظر: الديباج المذهب (1: 288 - 289)، معجم المؤلفين (3: 53).
(¬2) في الأصل: المتقدمتان.
ورأيتُ في كتابِ ((التَّفرقةِ بين الإسلامِ والزَّندقة)) للإمامِ حُجَّةِ الإسلامِ الغَزَالِيِّ (¬1) أنه قال في فصلٍ من فصولِه: من النَّاسِ مَن يُبادرُ إلى
التَّأويلِ بغلباتِ الظُّنونِ من غيرِ بُرهان، ولا ينبغي أن يبادرَ إلى تكفيرِهِ في كلِّ مقام، بل ينظرُ فيه، فإن كان تأويلُهُ في أمرٍ لا يتعلَّقُ بأصولِ العقائدِ ومهمّاتها فلا يكفِّرُه، وذلك كقولِ بعضِ الصُّوفيَّة: إنَّ المرادَ برؤيةِ الخليلِ على نبيِّنا وعليه الصَّلاةُ والسَّلامُ الكواكبَ والقمرَ والشَّمسَ وقولُهُ هذا ربي: غيرُ ظاهر، بل هي جواهرٌ نورانيَّةٌ ملكيّة لا حسيّة، وقد تأوَّلوا العصا والنَّعلَيْن في قولِهِ تعالى: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} (¬2)، وقولِه: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ} (¬3)، ولعلَّ الظَّنَّ في مثلِ هذه الأمورِ التي لا تتعلَّقُ بأصولِ الدِّين تجري مجرى البرهان، فلا يكفرُ به ولا يُبدَّع. انتهى كلامه ملخصاً.
هذا كلامٌ وقعَ في البَيْن، ونرجعُ إلى ما كُنَّا بصددِه.
فالحاصلُ أنَّ أمرَ خلعِ النَّعلَيْن لموسى لا دلالةَ له على كراهةِ دخولِ المسجدِ متنعّلاً، ولو دلَّ عليه بالفرضِ فلا يضرُّنا؛ لوجودِ ما ينسخُهُ في
¬
(¬1) وهو محمد بن محمد بن محمد الطُّوسي الغَزاليّ، أبو حامد، زين الدين. حجة الإسلام، ومجدد المئة الخامسةالهجرية. له: الإحياء، وكيمياء السعادة، وبداية الهداية، (450 - 505 هـ). ينظر: وفيات (4: 216 - 219، 1: 98)، طبقات الأسنوي (2: 112)، التعليقات (ص 243).
(¬2) من سورة طه، الآية (12).
(¬3) من سورة طه، الآية (69).
شريعتنا، ومن هاهنا ظهرَ سخافةُ ما في ((مُنْيةِ المفتي)) (¬1)، وأقرَّهُ عليه الحَمَويُّ (¬2) من أنه يكرهُ دخولُ المسجدِ مُتنِّعلاً لقولِهِ تعالى: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} (¬3).
وأخرجَ الدَّارَقُطْنِيُّ (¬4) في ((الأفراد))، والخَطيبُ (¬5) في ((التّاريخ)): عن ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم: (تَعَاهَدُوا نِعَالَكُم عِنْدَ أَبْوابِ المَسَاجِد) (¬6).
وأخرجَ أبو نُعَيمٍ في ((حليةِ الأولياء)): عن ابنِ عمرَ مرفوعاً: (تَفَقَّدُوا
¬
(¬1) منية المفتى ليوسف بن أبي سعيد أحمد السِّجِسْتَانِيّ، ينظر: الكشف (2: 1887).
(¬2) في غمز عيون البصائر (2: 235).
(¬3) من سورة طه، الآية (12).
(¬4) وهو علي بن عمر بن أحمد الدَّارَقُطْنِيّ البَغْدَادِيّ الشَّافِعِيّ، أبو الحسن، والدَّارَقُطْنِيّ: نسبةً إلى دار القُطْن، محلة كبيرة ببغداد. قال أبو الطيب الطَبَري: الدَّارَقُطْنِيّ أمير المؤمنين في الحديث. ومن مؤلفاته: السنن الكبير، والمختلف والمؤتلف، والعلل، (306 - 385 هـ). ينظر: الكامل في التاريخ (7: 174). طبقات الشافعية الكبرى (2: 312). الأنساب (2: 437 - 439).
(¬5) وهو أحمد بن علي بن ثابت، المعروف بالخَطيب البَغْداديّ، أبي بكر، من مؤلفاته: تاريخ بغداد، والكفاية في علم الرواية، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، (392 - 463 هـ). ينظر: معجم الأدباء (4: 13 - 45)، طبقات ابن هداية الله (ص 164 - 166)، النجوم الزاهرة (5: 87 - 88).
(¬6) في تاريخ بغداد (5: 277).
نِعَالَكُمْ عِنْدَ أَبْوَابِ المَسَاجِد) (¬1).
والحقُّ عندي أنَّ دخولَ المسجدِ مُتنعِّلاً والصَّلاةُ في النَّعل وإن كان جائزاً لكنَّه من المسائلِ التي لا يُفْتى بها في زمانِنا هذا، ولا يرتكبُ بها لجرِّهِ إلى المفاسد، وطعنِ العامّة، وقد وقعَ مثلَ ذلك كثيراً في عصرِنا هذا؛ ولذا أفتيتُ بكونِهِ سوءُ الأدب.
ومن حسنِ التَّواردِ ما في ((فتحِ المتعال)) نقلاً عن بعضِ أربابِ الكمالِ من قولِه: إنه وإن كان جائزاً فلا ينبغي أن يُفعلَ اليومَ لا سيّما في المساجدِ الجامعة، فإنه قد يؤدِّي إلى مفسدةٍ عظيمة، بل لا يدخلُ المسجدَ بالنَّعلِ مخلوعةً لا مستورة؛ ولهذا أنكرَ الشَّيخُ أبو محمَّدٍ على الشَّيخِ أبي صالح إدخالَهُ الأنعلةَ غير مستورة، وقال: إنكم أيّها الرَّهطُ أئمَّةٌ يقتدى بكم، فلا تفعلوا.
ويُحكى أنَّ عربَ (¬2) إفريقيَّة لما دخلَ جامعَ الزَّيتونةِ بنعلِهِ قال له العامَّة: انزعها، فقال: قد دخلتُ بها على السُّلطانِ فكيف لا أدخلُ بها هذا الموضع، فوثبوا عليه وقتلوه، وأثارَ ذلك شرَّاً عظيماً على أهلِ تونسَ في ذلك التَّاريخ. انتهى كلامُهُ وتمَّ مرامه (¬3).
¬
(¬1) في حلية الأولياء (7: 269).
(¬2) اسم هذا الأعرابي هداجاً، وهو من أكابر أعراب إفريقية. ينظر: رفع الاشبتاه عن مسألتي كشف الرؤوس ولبس النعال في الصلاة للكوثري (ص 12).
(¬3) فإن قلت: قد روى ابن أبي شيبة [في مصنفه (2: 238)]، والأرزقي عن عبد الله بن الزبير أنه قال: إن كانت الأمة من بني إسرائيل لتقدم مكة، فإذا بلغت ذا طوى خلعوا نعالهم.
وروى أبو نعيم في الحلية (3: 298) عن مجاهد: كان يحج من بني إسرائيل مئة ألف، فإذا بلغوا [أنصاب] الحرم قلعوا نعالهم، ثم دخلوا الحرم حفاة.
فهذا يدل على أن مقتضى التعظيم الحفى عند دخول المسجد.
قلت: لعلّ الحفى كان من أسباب التعظيم عندهم، ولا دلالة له على كراهة دخول المسجد متنعلاً، كيف وقد وجد ما ينافيه في شرعنا؟. منه رحمه الله. (ظفر).
* مسألة:
يجوزُ الصَّلاةُ في النَّعلَيْن إذا كان طاهريْن، ثبتَ ذلك من فعلِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ والصَّحابةِ ومَن تبعهم، ووردَ الأمرُ بذلك، ولذلك قال صاحبُ ((الدرِّ المختار)) تبعاً لمن قبله: الصَّلاةُ فيهما أفضل (¬1).
أخرجَ ابنُ عَدِيّ، وأبو الشَّيخ (¬2)، وابنُ مَرْدُويَة (¬3) عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ تعالى عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلّم: (خُذُوا زِينَةَ الصَّلاة، قَالُوا: وَمَا زِينَةُ الصَّلاة؟ قَالَ: إِلْبَسُوا نِعَالَكُم، فَصَلُّوا فِيهَا) (¬4).
¬
(¬1) انتهى من الدر المختار (1: 441).
(¬2) وهو عبد الله بن محمد بن جعفر الأنصاري الأصبهانيّ، أبو محمد، ويعرف بأبي الشَّيْخ، قال الخطيب: كان حافظاً ثبتاً متقناً، وقال غيره: كان صالحاً عابداً قانتاً، ثقة كبير القدر. ومن مؤلفاته: التفسير، وكتاب السنة، وطبقات المحدثين، (274 - 369). ينظر: العبر (351 - 352). النجوم الزاهرة (4: 136).
(¬3) وهو أحمد بن موسى بن مَرْدُويَة الأَصْبَهَانِيّ، أبي بكر، من مؤلفاته: التفسير، والمسند، والتاريخ، والمستخرج، (323 - 410 هـ). ينظر: العبر (3: 102)، الأعلام (1: 246).
(¬4) في الكامل (2: 162).
وأَخْرَجَ العُقَيْلِيّ، وأبو الشَّيخ، وابنُ مَرْدُويَة، وابنُ عَسَاكِر عن أنسٍ رضيَ اللهُ تعالى عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلَّم في قولِ اللهِ عزَّ وجل: ({خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد} (¬1): أي صَلُّوا فِي نِعَالِكُم (¬2)) (¬3).
وأخرجَ ابن مَرْدُويَة عنه مرفوعاً: (ممَّا أَكْرَمَ اللهُ بِهِ هَذِهِ الأُمَّةَ لُبْسُ نِعَالِهِم فِي صَلاتِهِم).
قلت: هذا الحديثُ يرشدُكُ إلى أنَّ الصَّلاةَ في النِّعالِ من خصائصِ هذه الأمَّة، به صرَّحَ السُّيوطيُّ في كتابِهِ ((أنموذج اللَّبيب في خصائصِ الحبيب)).
وأخرجَ أبو داود، والحاكم وصحَّحَه، عن شدادِ بن أوسٍ رضيَ الله تعالى عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم: (خَالِفُوا اليَهُود، فَإِنَّهُم لاَ يُصَلُّونَ فِي خِفَافِهِم وَلا نِعَالِهِم) (¬4).
¬
(¬1) من سورة الأعراف، الآية (31).
(¬2) وقع في الأصل: نعالم، والمثبت من الضعفاء.
(¬3) في ضعفاء العقيلي (2: 142)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (36: 362، 51: 185).
(¬4) في مستدرك الحاكم (1: 391)، وسنن أبي داود (1: 176)، ومجمع الزوائد (2: 54)، ومسند البزار (8: 406).
وأخرجَهُ البَيْهَقِيُّ أيضاً في ((سننه))، وابنُ حبَّانَ في ((صحيحِه)) بزيادة: (وَالنَّصَارَى) (¬1).
وأخرجَ الطَّبَرَانِيُّ في ((الكبير)) عنه مرفوعاً: (صَلُّوا فِي نِعَالِكِم وَخِفَافِكِم، فَإِنَّهُم لاَ يُصَلُّونَ فِي خِفَافِهم وَلاَ نِعَالِهِم) (¬2).
وأخرجَ الطَّبَرَانِيُّ عن ابنِ مسعود، قال السُّيوطيّ: سندُهُ ضعيف، قال: قال رسولُ الله عليه وعلى آلهِ وسلَّم: (مِنْ تَمَامِ الصَّلاةِ الصَّلاة فِي النَّعْلَيْن) (¬3).
وأخرجَ البُخَارِيُّ في (بابِ الصَّلاةِ في النَّعال) من (كتابِ الصَّلاة)، ومُسْلِم، والتِّرْمِذِيّ، والنَّسَائِيّ عن أنسٍ أنه سئل: (أَكَانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم يُصَلِّي فِي نَعلَيْه؟ قَالَ: نَعَمْ) (¬4)، وَالسَّائلُ عنه هو أبو سلمةَ سعيدٌ بن يزيدِ الأَزْدِيّ كما في بعضِ الرِّوايات.
وأخرجَهُ ابنُ عَسَاكِر أيضاً: قال الدَّارَقُطْنِيّ: إسنادُهُ صحيح.
وأخرجَ ابنُ عَسَاكر أيضاً: عن حذيفةَ قال: (إِنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم صَلَّى فِي نَعْلَيْه).
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان (5: 561)، وسنن البيهقي الكبير (2: 432)، وموارد الظمآن (1: 107)، والفردوس (2: 169).
(¬2) في المعجم الكبير (7: 290).
(¬3) في المعجم الأوسط (1: 54).
(¬4) في صحيح البخاري (1: 151)، والمنتقى (1: 53)، وجامع الترمذي (2: 249)، وسنن الدارمي (1: 370)، ومسند أبي عوانة (2: 64)، وغيرها.
وأخرجَ أيضاً عن مَن سمعَ عمرو بن حريث يقول: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آله وسلَّمَ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْن مَخْصُوفتَيْن (¬1)) (¬2).
وأخرجَ الطَّبَرَانِيُّ عن عَلْقَمة أنَّ (¬3) ابنَ مسعود: أتى أبا موسى الأشعريّ في مَنْزلِهِ فحضرتِ الصَّلاة، فقال له أبو موسى: تقدَّم يا أبا عبدِ الرَّحمن، فإنّك أقدمُ سنِّاً وأعلم، فقال: لا، بل أنت تقدَّم، فإنِّما أتيناكَ في منْزلِك، فتقدَّم أبو موسى فخلعَ نَعْلَيْه، فلمَّا صلَّى، قال له ابنُ مسعود: لمَ خلعتَ نعلَيْك أبالوادِ المقدَّسِ أنت! (لَقَدْ رَأَيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ يُصَلِّي فِي الخُفَّيْن وَالنَّعلَيْن) (¬4).
وروى مالكٌ في ((الموطّأ)) عن عمّه أبي سهيلٍ ابن مالك، عن أبيهِ قال: كنتُ مع عثمانَ بن عفَّان، فقامتِ الصَّلاةُ وأنا أكلِّمُهُ أن يَفْرِضَ لي، فلم أزلْ أكلِّمُهُ وهو يسوِّي الحصباءَ بنعلَيْه، حتى جاءهُ رجالٌ وَكَّلَهم بتسويةِ الصُّفوف، فأخبروهُ أنها قد استوت، فقال لي: استوِ في الصَّفَّ ثمَّ كبَّر (¬5).
¬
(¬1) مَخْصُوفَتَيْن: من خصف النعل يخصفها خصفاً: ظاهر بعضها على بعض وخرزها. ينظر: اللسان (2: 1174).
(¬2) في تاريخ ابن عساكر (4: 207)، وروى ابن عساكر أيضاً في تاريخه (19: 243): عن أبي الأوبر قال: قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: (ورب هذه البنية لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي في نعلين حتى قضى صلاته).
(¬3) وقع في الأصل: ن، والمثبت من المعجم.
(¬4) في المعجم الكبير (9: 255، 25).
(¬5) في موطأ مالك (1: 158).
فهذهِ الأخبارُ والآثارُ ونظائرُها كلُّها تدلُّ على جوازِ الصَّلاةِ في النَّعلِ سواءٌ كان في البيتِ أو في المسجد.
ونقلَ العلاَّمةُ المقرئ في ((فتحِ المتعال)) عن خطِّ الحافظِ أبي زرعةَ العِرَاقِيِّ الشَّافِعِيِّ (¬1) ابنِ الحافظِ زَيْنِ الدِّينِ العِرَاقِيّ (¬2)، أنه سئلَ عن المشي بالنَّعلِ التي يمشي بها في الطُّرقاتِ إذا لم تكنْ بها نجاسة هل هو مكروهٌ في المسجدِ احتراماً له؟ وهل صلاةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّمَ في نعلَيْه كانت في المسجدِ أم لا؟
فأجابَ بأنه لا كراهةَ في المشي بالنَّعلِ في المسجدِ إذا تحقَّقَ أنه لا نجاسةَ فيه، فإن تحقَّقَ فيه النَّجاسة حَرُمَ المشيُ بها إن كانت النَّجاسةُ رطبة، أو
¬
(¬1) وهو أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الكرديّ المهرانيّ، أبو زرعة، ولي الدين، ويعرف بابن العراقي كأبيه، قال العيني: كان عالماً فاضلاً له تصانيف في الأصول والفروع. من مؤلفاته: رواة المراسيل، والأطراف بأوهام الأطراف للمزي، وشرح البهجة الوردية، (762 - 826هـ). ينظر: الضوء اللامع (1: 337 - 344)، ومعجم المؤلفين (1: 168 - 169).
(¬2) وهو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقيّ الكرديّ المهرانيّ المصريّ الشّافعيّ، أبو الفضل، زين الدين، قال ولده: انتسبنا بعراق العرب، وإلا فهو كُردي، شيخ الحافظ ابن حجر، من تصانيفه: الألفية المسماة التبصرة التذكرة، وشرحها المسمى فتح المغيث شرح ألفية الحديث، وتخريج أحاديث الإحياء، (725 - 806هـ). ينظر: الضوء اللامع (4: 171 - 177)، وحسن المحاضرة (1: 204)، والتعليقات السنية (ص67).
مشي بها على موضعٍ رطبٍ في المسجد، أو كان ينفصلُ من النَّجاسةِ شيء، ففي هذه الأحوال يحرم المشي بها في المسجد، فإن انفصلت الرطوبة من الجانبين ولم ينفصل من النجاسة شيء لم يحرمْ المشي بها، وأمَّا صلاتُهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في نعلَيْه: فالظَّاهرُ أنه كان في المسجد، فإنَّ في ((الصَّحيحَيْن)) وغيرهما عن سعيد بن يزيد قال: سألتُ أنسَ بن مالك: (أَكَانَ رسولُ اللهِ يصلِّي في نَعْلَيْه؟ فقال: نعم) (¬1).
وظاهرُهُ أنَّ هذا كان شأنُهُ وعادتُهُ المستمرَّةُ دائماً.
وقال والدي في ((شرحِ جامعِ التِّرمذي)): اختلفَ نظرُ الصَّحابةِ والتَّابعينَ في لُبْسِ النِّعالِ في الصَّلاةِ هل هو مستحبّ، أو مباح، أو مكروه، والذي يترجَّحُ التَّسويةُ بين اللُّبْسِ والنَّزعِ ما لم يكن فيهما نجاسةٌ محقّقةٌ أو مظنونة. انتهى كلامُ أبي زرعةَ رحمهُ الله، المنقول في ((فتحِ المتعال)).
قلت: هذا كلامٌ حسنٌ لطيف، إلا أنَّ ما ذكرَهُ من دلالةِ حديثِ أنسٍ على كونِ العادةِ النَّبويَّةِ مستمرَّةٌ بالصَّلاةِ في النِّعالِ منظورٌ فيه؛ لعدمِ وجودِ ما يدلُّ عليه فيه، ولعلّه استخرجَهُ من لفظ: كان؛ وهو استخراجٌ سخيفٌ لما نصَّ عليه الإمامُ النَّوويُّ في (كتابِ صلاةِ اللَّيل) من ((شرحِ صحيح مسلم)): من أنَّ لفظ كان لا يدلُّ على الاستمرارِ والدَّوامِ في عرفِهم أصلاً، والتَّفصيلِ
¬
(¬1) سبق تخريجه (ص60).
فيه فارجعْ إليه (¬1).
وقال ابنُ دقيقِ العيد ـ من أكابرِ المحدِّثين ـ: الصَّلاةُ في النِّعالِ من الرُّخصِ لا من المستحبّات؛ لأنَّ ذلك لا يدخلُ في المعنى المطلوبِ من الصَّلاة، وهي وإن كانت من ملابسِ الزِّينةِ إلا أنَّ ملامسةَ الأرضِ التي تكثرُ فيها النَّجاساتُ قد تعارضُ ذلك، وإذا تعارضَ مراعاتُ التَّحسينِ ومراعاتُ إزالةِ النَّجاسةِ قدِّمتْ الآنية؛ لأنها من بابِ دفعِ المفاسد، والأولى من بابِ جلبِ المصالح، إلا أن يردَ دليلٌ بإلحاقها بما يتحمّل به فيرجعُ إليه، ويتركُ هذا النَّظر. انتهى كلامه (¬2).
وقال الحافظُ ابن حَجَرٍ العَسْقَلانِيّ في ((فتحِ الباري شرحِ صحيحِ البخاريّ)): وردَ ما يقتضي استحبابَ الصَّلاةِ مُتنعِّلاً، وهو روايةُ أبي داودَ (¬3) والحاكم (¬4)، وفيها: الأمرُ بمخالفةِ اليهود، فيكون استحبابُ ذلك متأكِّداً.
ووردَ في كونِ الصَّلاةِ في النِّعالِ من الزِّينةِ المأمورةِ بأخذها في الآية،
¬
(¬1) قال النووي في شرح صحيح مسلم (6: 21): إن المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين أن لفظه: كان؛ لا يلزم منها الدوام ولا التكرار، وإنما هي فعل ماض يدل على وقوعه مرة، فإن دلَّ دليل على التكرار عمل به وإلا فلا تقتضيه بوضعها. ا. هـ.
(¬2) أي ابن دقيق العيد من إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (1: 252)، بتصرف.
(¬3) في سننه (1: 176).
(¬4) في مستدركه (1: 391).
حديثٌ ضعيفٌ جداً أوردَهُ ابنُ عَديّ في ((الكامل)) (¬1)، وابنُ مَرْدُويَة في ((تفسيرِه))، من حديثِ أبي هريرة، والعُقَيْلِيُّ (¬2) من حديثِ أنس. انتهى كلامه (¬3).
وفي ((فتحِ المتعال)): وقد روى أبو داودَ من حديثِ عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلَّمَ يُصَلِّي حَافِيَاً وَمُتَنَعِّلاً) (¬4)، وهو يدلُّ على الجوازِ من غيرِ كراهة.
وحكى الغَزَالِيُّ في ((إحياءِ العلوم)) عن بعضِهم: إنَّ الصَّلاةَ في النَّعلِ أفضل (¬5)، فراجعه.
وروى ابنُ أبي خيثمة (¬6)، عن أوسٍ الثَّقفيِّ قال: (أَقَمْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ نِصْفَ شَهْرٍ فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي وَعَلَيْهِ نَعْلانِ مُتْقَابِلَتَان) (¬7). انتهى كلامه.
¬
(¬1) الكامل في ضعفاء الرجال (2: 162).
(¬2) في ضعفاءه (2: 142).
(¬3) أي ابن حجر من فتح الباري (1: 494).
(¬4) في سنن أبي داود (1: 176).
(¬5) انتهى من إحياء علوم الدين (1: 223).
(¬6) وهو أحمد بن زهير أبي خيثمة بن حرب بن شدَّاد النَّسَائيّ البغداديّ، أبو بكر، قال الدَّارَقُطْنِيّ: لا أعرف أغزر من فوائد تاريخه، من مؤلفاته: التاريخ الكبير، أخبار الشعراء، وكتاب الإعراب، (185 - 279هـ). ينظر: النجوم الزاهرة (3: 83)، الأعلام (1: 123).
(¬7) في مجمع الزوائد (2: 55).
قلت: الذي يترجَّحُ هو أنه لا وجهَ لكراهةِ الصَّلاةِ فيها؛ لثبوتِ فعلِ ذلك من أصحابِ الشَّرع.
وأمَّا الأفضليَّة: فإنَّ أرادَ به اقتداءَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلَّم فنعم، وإلاَّ فهو فعلٌ مباحٌ من الرُّخصِ الشَّرعيَّة، هذا هو الذي نصَّ عليه المحقِّقونَ من الفقهاءِ والمحدِّثين.
وعامَّةُ الفقهاءِ يقتصرونَ على قولِهم: المستحبُّ أن يصلِّيَ في ثلاثةِ أثواب: الإزارُ والقميصُ والعِمَامة، ولم يذكرُوا النَّعل، فافهم.
* مسألة:
يشترطُ لصحَّةِ الصَّلاةِ طهارةُ النَّعلِ أيضاً، كما يشترطُ طهارةُ باقي ثيابِه.
قال البِرْجَنْدِيُّ (¬1) في ((شرحِ النُّقاية)) عند قولِ المصنِّفِ (¬2) في (بابِ شروطِ الصَّلاة): هي طهرُ بدنِ المُصَلِّي من حدثٍ وخبثٍ وثوبه (¬3): ينبغي أن يعمَّ الثَّوبَ بحيثُ يشملُ القَلَنْسُوةَ (¬4) والخُفَّ والنَّعلَ ونحوها (¬5). انتهى.
¬
(¬1) وهو عبد العلي بن محمد بن البِيرْجَنْدِيّ الحنفيّ، ويقال: البِرْجَنُدِيّ، فاضل جامع للعلوم، له يد طولى في العلوم الرياضية، من تصانيفه: شرح المجسيطي، وشرح رسالة الطوسي في الاسطرلاب، وحواشٍ على شرح ملخص الجغميني لقاضي زاده موسى الرومي، وشرح الرسالة العضدية في المناظرة، (ت0/ 932هـ).ينظر: الكشف (1: 41، 2: 1826، 1971)، التعليقات السنية (ص35)، دفع الغواية (ص38).
(¬2) أي مصنف النقاية، وهو عبيد الله بن مسعود بن محمود المَحْبُوبِيّ البُخَاريّ الحَنَفيّ، قال الكفوي: وهو الإمامُ المتَّفق عليه، والعلامةُ المختلف إليه، ينتهى نسبة إلى عبادة بن الصَّامت - رضي الله عنه -، ومن مؤلفاته: التوضيح في حل غوامض التنقيح، وشرح الوقاية، والشُّروط، والمحاضر، (ت747هـ). ينظر: تاج التراجم (ص203)، مفتاح السَّعادة (2: 162،170 - 171)، الفوائد (ص185 - 189).
(¬3) من النقاية (ص17).
(¬4) القَلَنْسُوة: من ملابس الرؤوس، معروف. ينظر: تهذيب الأسماء واللغات (2: 101)، واللسان (5: 3720).
(¬5) ينظر: حاشية النقاية (ص17).
قلت: الأحسنُ أن يكون المرادُ من قولِهِم: وثوبُه؛ أعمُّ من أن يكونَ ملبوسَهُ أو مبسوطَهُ أو متَّصلاً به، أو محمولاً عليه، أو غير ذلك ممَّا لهُ تعلُّقٌ بالمصلِّي، فإنَّ طهارةَ جميعِ ذلك مشروطٌ في صحَّةِ الصَّلاةِ كما لا يخفى على مَن طالعَ الفروعَ المذكورةَ في الباب.
وأخرجَ أبو داود، وابنُ حبَّانَ في ((صحيحِه))، والحاكمُ في ((المستدرك))، وعبد بن حميد، وإسحاقُ بن راهَويه (¬1)، .................................
¬
(¬1) وهو إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد الحَنْظَليّ المروزيّ، أبو يعقوب، المعروف بابن راهويه، وراهَويه: لقب أبيه؛ لأنه ولد في طريق مكة، والطريق بالفارسة (راه)، و (ويه) معناه: وُجِد، فكأنه وجد في الطريق، وقيل: غير ذلك، قال أحمد: لا أعلم بالعراق له نظيراً، وما عبر الجسر مثل إسحاق. من مؤلفاته: المسند، والتفسير، (161 - 238 هـ). ينظر: وفيات (1: 199 - 201)، العبر (1: 426).
وأبو يَعْلَى المَوْصِلِيّ (¬1) وغيرُهم، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضيَ اللهُ عنه قال: (بَيْنَمَا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذَا خَلَعَ نَعْلَيْه فَوَضَعَهَا عَنْ يَسَارِه، فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ ذَلِكَ أَلْقُوا نِعَالَهَم، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ صَلاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُم عَلَى إِلْقَائِكِم نِعَالَكُم؟ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرَاً، ثُمَّ قَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُم المَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرَاً أَوْ أَذَى فَلْيَمْسَحْه، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا) (¬2) هذا لفظُ أبي داود، وألفاظُ غيرِهِ متقاربة.
ووردَ في بعضِ الرِّواياتِ أنَّ جبريلَ أخبرني: (إِنَّ فِيهمَا دَمَ حَلَمَة) (¬3)؛ وهو بفتحاتٍ: صغار القِرْدان وعظيمه (¬4) من الأضداد، كما في ((القاموس)) (¬5).
وهو نصٌّ في أنَّ تلك النَّجاسةِ كانت قليلة.
¬
(¬1) وهو أحمد بن عليّ بن المُثَنى التَّميميّ المَوْصِليّ، أبو يَعْلَى، قال الذهبي: كان ثقةً صالحاً، متقناً يحفظ حديثه، من مؤلفاته: المسند، (ت307هـ). ينظر: ينظر: العبر، الكشف) (2: 1679).
(¬2) في صحيح ابن خزيمة (1: 384)، وصحيح ابن حبان (5: 560)، والمستدرك (1: 391)، وسنن الدارمي (1: 370)، ومسند أحمد (3: 92)، ومسند عبد بن حميد (1: 278)، وغيرها.
(¬3) في سنن الدارقطني (1: 399).
(¬4) وقع في الأصل: عظمه، والمثبت من القاموس.
(¬5) القاموس المحيط (4: 101).
قال شيخُ الإسلامِ العَيْنِيّ في ((شرحِ الهداية)): وجهُ الاستدلالِ بهذا الحديثِ على طهارةِ الخُفِّ بالدَّلكِ ظاهر.
فإن قلت: الحديثُ مطلق، فلمَ قيَّدَهُ أبو حنيفةَ بالنَّجاسةَ التي لها جِرْم.
قلت: التي لا جِرْمَ لها خرجت بالتَّعليل، وهو قولُهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلام: (فَإِنَّ التُّرَابَ لَهَا طَهُور) (¬1): أي مزيلٌ لنجاستِه، ونحن نعلمُ يقيناً أنَّ النَّعلَ والخُفَّ إذا شربَ البولَ والخمرَ لا يزيلُهُ المسح، ولا يخرجُهُ من أجزاءِ الجلد، فكان الحديثُ مصروفاً إلى الأذى الذي يقبلُ (¬2) الإزالةَ بالمسح.
فإن قلت: لعلَّ الأذى المذكور في الحديثِ يكون طيناً.
قلت: الأذى في لسانِ الشَّرعِ يحملُ على النَّجاسة.
فإن قلت: حديثُ أبي سعيدٍ (¬3) ساقطُ العبرة؛ لأنه لو كان هناك نجاسةٌ لاستقبلَ الصَّلاة.
قلت: يحتملُ أن يكونَ الحظرُ مع النَّجاسةِ ... تركَ ... في ... ذلك الوقت، ويحتملُ أن ... يكونَ ... أقلَّ من ... درهم. ... كذا ... في ((المبسوط)) (¬4)،
¬
(¬1) سبق تخريجه (ص28).
(¬2) في الأصل: يقيل.
(¬3) أي الحديث السابق ذكره.
(¬4) ينظر: المبسوط (1: 83 - 88).
و ((الأسرار)) (¬1). انتهى (¬2).
وفي ((فتحِ المتعال)): قال بعضُ الشَّافعيَّة (¬3): المرادُ بالقذر: الدَّمُ اليسيرُ المعفوُّ عنه، وإنّما فعلَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلَّمَ تَنَزُّهاً عن النَّجاسةِ وإن كان معفوَّاً عنها.
وقال بعضُ متأخِّري المالكيَّة: لا مانعَ من حملِهِ على الكثير، ويكون حجَّةً لقول سَحْنُونَ (¬4) وجماعة: إنَّ ذاكرَ النَّجاسةِ إن أمكنَهُ النَّزعُ نَزَعَ وتمادى على صلاته. انتهى.
¬
(¬1) الأسرار في الأصول والفروع لعبيد الله بن عمر بن عيسى الدَّبوسِيّ الحَنَفيّ، أبو زيد، نسبةً إلى دَبُوسة وهي بليدةٌ بين بُخارا وسَمَرْقَند، قال الذهبي: كان أحد من يضرب المثل في النظر واستخراج الحجج، وهو أول من أبرز علم الخلاف إلى الوجود، وكان شيخ تلك الديار. من مؤلفاته: تقويم الأدلة، والنظم في الفتاوى، وشرح الجامع الكبير، وتأسيس النظر في اختلاف الأئمةت430هـ). ينظر: وفيات (3: 48)، النجوم الزاهرة (5: 76 - 77)، هدية العارفين (5: 648).
(¬2) من البناية في شرح الهداية للعيني (1: 717 - 718).
(¬3) مثل الرملي في نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (2: 35).
(¬4) وهو عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي، الملقب بسَحْنون، انتهت إليه رئاسة العلم في المغرب، له: المدونة، (160 - 240هـ). ينظر: العبر (1: 432 - 433)، والأعلام (4: 129).
فائدة:
ذكرَ النَّسَفِيُّ في ((كشفِ الأسرار)) (¬1) وغيرُهُ (¬2) من الأصوليِّين: إنَّ فعلَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلَّم ليس بموجب، أخذاً من حديثِ خَلْعِ النِّعال، فإنَّه لو كان فعلُهُ موجباً لما أنكرَ عليهم.
وأوردَ عليه ابنُ ملكٍ (¬3) في ((شرحِ المنار)): بأنَّ الإنكارَ لم يكن للمتابعة، بل لأنَّ خلعَ النِّعالِ كان مخصوصاً به، فإنه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ علَّلَ الإنكارَ بإخبارِ جبريل. انتهى (¬4).
وأنت تعلم ما فيه، فإنَّ كونَ خلعِ النِّعالِ مخصوصاً به إنّما علمَ بإخبارِه، ولم يكن للصَّحابةِ علمٌ به قبل ذلك، وهم إنما خلعُوا نعالَهم متابعة،
¬
(¬1) كشف الأسرار شرح المنار (1: 36).
(¬2) ينظر: كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (3: 203)، ونور الأنوار (1: 36)، وشرح ابن العيني (ص26).
(¬3) وهو عبد اللطيف بن عبد العزيز بن أمين الدين بن فرشتا الكِرْمَانِيّ، المعروفِ بابن مَلَك، وفرشتا: الملك، قال الكفوي: كان أحد المشهورين بالحفظ الوافر من أكثر العلوم، وأحد المبرزين في عويصات العلوم، وله القبول التام عند الخاص والعام. ومن مؤلفاته: شرح الوقاية، وشرح المجمع، ومبارق الأزهار فِي شرح مشارق الأنوار، (ت801هـ). ينظر: الضوء اللامع (4: 329)، الفوائد (ص181)، دفع الغواية (ص6).
(¬4) من شرح المنار لابن ملك (ص26).
فلو كان نفسُ فعلِهِ موجباً لما سألهم بقوله: ما حملَكَم على إلقاءِ النِّعال، واكتفى بمجرَّدِ ذكرِ الخصوصيَّة.
وجعلَ ابنُ الحاجب (¬1) في ((مختصرِه)) هذه القصَّة سند القائلين بكونِ فعلِهِ موجباً.
وحرَّرَهُ شارحُهُ العضدُ (¬2) بأنه لو لم يكن موجباً لمَ قرَّرهم عليه، وقد أقرَّهم عليه، ولم يزجرهم.
وعندي إنَّ التَّقريرَ الأوَّلَ أولى، وتأييدُهُ بعدمِ كونِ الفعلِ موجباً أحرى، فإنه لو كان نفسُ فعلِهِ موجباً لما كان لسؤالِهِ أوَّلاً معنى، وتقريرُهُم عليه بعد ذلك لا يدلُّ على الوجوبِ حتماً، كما لا يخفى.
¬
(¬1) وهو عثمان بن عمر بن أبي بكر الدّوَنيّ الكرديّ الأَسْناويّ المصريّ المالكيّ الأصوليّ النحويّ، أبو عمرو، جمال الدين، المعروف بابن الحاجب، وأسنا: بليدة صغيرة من الأعمال القُوصِيَّة بالصعيد الأعلى من مصر، من مؤلفاته: مختصر منتهى السَّول والأمل في علمي الأصول والجدل، والكافية، وجامع الأمهات، (570 - 646هـ). ينظر: وفيات (3: 248 - 250)، مرآة الجنان (3: 114).
(¬2) وهو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الإِيجِيّ الشِّيرَازِيّ الشَّافِعِيّ، أبو الفضل، عَضُد الدِّين، من مؤلفاته: العقائد العضدية، وشرح مختصر ابن الحاجب، والفوائد الغياثية، (ت756هـ). ينظر: الدرر الكامنة (2: 322 - 323)، التعليقات السنية (ص514).
وفي ((الفتاوى البزَّازيّة)) (¬1): يجوزُ أن يحملَ نعلَهُ في الصَّلاةِ إن خافَ ضياعَه، وإن كانت فيه نجاسةٌ بالغةٌ فرفعَه، فإن رفعَ قدرَ ما يؤدَّي فيه ركنٌ فسدت، وإلاَّ لا، والأفضلُ أن يضعَ نعلَيْه في الصَّلاةِ قداَّمَهُ ليكونَ قلبُهُ فارغاً منه؛ ولذا قيل: قدِّمْ قلبَك: أي نعلَك في الصَّلاة، وأطلقَ اسمَ القلبِ على النَّعل تقبيحاً.
وإن كان النَّعلُ النَّجسُ في يدِهِ أوانَ الشَّروعُ لا يصيرُ شارعاً. انتهى (¬2).
* مسألة:
لو (¬3) صلَّى خالعاً نعليهِ فأرادَ سارقٌ أن يذهبَ بنعلَيْه، وهو يظنُّ أنه لو لم يقطعْ صلاتَهُ يذهبْ (¬4) بنعلِهِ جازَ له نقضُ الصَّلاةِ لاستردادِ نعلِهِ لما صرَّحُوا أنَّ المصلِّي إذا خافَ على نفسِهِ أو ذهابِ ماله يجوزُ له قطعُ صلاتِه، فإنّ حقَّ
¬
(¬1) لمحمد بن محمد بن شهاب الكَرْدَريّ البريقينيّ الخَوَارَزْميّ الحَنَفيّ، المعروف بابن البَزَّاز، حافظ الدين، قال الكفوي: كان من أفراد الدهر في الفروع والأصول، وحاز قصبات السبق في العلوم. من مؤلفاته: الوجيز المشهور بالفتاوى البزَّازية، (ت827). ينظر: تاج (ص354)، الفوائد (ص309)، الكشف (1: 242).
(¬2) من الفتاوى البزازية (4: 35).
(¬3) في الأصل: الو.
(¬4) في الأصل: ليذهب.