إبراز الغي الواقع في شفاء العي
للإمام محمد عبد الحي اللكنوي
توفي سنة (1304 هـ)
حققه وعلق عليه
الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
جارٍ تحميل الكتاب…
إبراز الغي الواقع في شفاء العي
للإمام محمد عبد الحي اللكنوي
توفي سنة (1304 هـ)
حققه وعلق عليه
الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
بسم الله الرحمن الرحيم
لك الحمدُ ياربِّ على أن هديتنا إلى سَواء السَّبيل، أشهدُّ أنَّك لا إله إلا أنت وحدكَ لا شَرِيكَ، لك ولا نَظيرَ لك ولا مَثيل، وأشهدُ أن سيدنا ومولانا محمداً عبدُكَ ورسولك المفضل على جميعِ خَلقِكَ أكبر تَفضيل، اللهم صَلِّ عليه وعلى آله وصحبه ومَن تَبعهم بإحسانٍ إلى يومٍ يَتميزُ فيه العزيزُ مِن الذليلِ.
وبعدُ فيقولُ العبدُ الرَّاجي رحمة ربِّه القوي أبو الحسنات مُحَمَّدُ عبد الحي اللَّكْنَوِيّ ـ تجاوز الله عَن ذنبه الجَلِيّ والخفي ـ ابنُ عبدِ الحليمِ ـ أدخله الله في دارِ النَّعيمِ ـ:
قد وصلتْ إلىَّ رسالة مسمَّى بشفاءِ العيِّ عمَّا أورده الشَّيخُ عبدُ الحي مُشتملةً على الأجوبةِ عن بعض إيراداتي على صاحبِ الاتحاف والاكسير والحطة وغيرها من التصانيف الجليلة، وهو العالمُ الجليلُ والفاضلُ النبيلُ
مجمعُ الكمالاتِ الإنسيةِ منبع الفضائل الحميدة، النّواب السَّيد صديق حسن خان بهادر دام اقباله ابن المولوي السَّيد أولاد حسن القنوجي المرحوم، وقد كنتُ أوردتُ عليه في تَصانيفي ما صَدَرَ عنه في تَصانيفِهِ وهو غَلطٌ قطعاً أو ظنَّاً، وما كان ردِّي له بُغضاً وعناداً، بل حسبما يردُّ بعضُ العلماءِ بعضاً لإبطالِ الباطلِ وإظهارِ الحقِّ، وهو أمرٌ أحق، وذلك لأنَّ تَصانيفَهُ وإن اشتهرتْ وكثرتْ وأفادت الخلائقَ ونفعت، ولكنها مع ذلك غير مُنقحةٍ ولا مُهذبةٍ يَعلمُ مَن طالعَها أن مؤلِفَها لم يَقصدَ فيها إلا جَمعَ الرَّطبِ واليابسِ، كجمع ِالغافلِ والنَّاعسِ، لا يُنقحَ الأُمورَ التي يجبُ تنقيحها، ولا تحقيقُ التي يَجِبُ تَحقيقها، وفيها مَسائلٌ بشعةٌ شاذةٌ، ودلائلٌ مطروحةٌ ومخدوشةٌ، وأغلاطٌ فاحشةٌ لا سيما في تصانيفه المتعلقةٌ بتواريخِ المواليدِ والوفياتِ، وَذكرِ التَّراجمِ والطبقاتِ.
ومن المعلومِ أنَّ مَثلَ هذه الأمور مُفسِدَةٌ لخلقِ اللهِ ومضلةٌ لعباد الله، والواجبُ على العلماءِ المتدينينَ أن يكفوا النَّاس عَن أمثالِ هذه الأمورِ السَّخيفةِ وَيَحفظوهم من الأحكامِ الضَّعيفةِ، فَمِن ثُمَّ تَوجهت إلى إبرازِ بَعضِ أغلاطِهِ الصَّريحةِ في تَصانيفِهِ المُتَفرقَةِ لغرضين:
أحدهما: أن يتحفظَ الخواصُ والعوامُ عن الخرافاتِ والاكاذيبِ والأوهام.
وثانيهما: أن يَتنَبَهَ مُؤلِفها ويَتيَقظ مُصنفها، فَيَنْقُدُ ما في تصانيفها ويزيل في النَّظر الثَّاني أغلاطَها.
ولم أكتبْ تَصنيفاً مُستقلاً في إبرازِ أغلاطِهِ ولا توجهتُ إلى جمعِ مسامحاتِهِ، ولو شئت لفعلت قصداً إلى أنَّ ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وقد حَصلَ الغرضُ الأَوَّل بحمدِ اللهِ تعالى ولم يحصلْ الثَّاني.
وكان أهمهما حيث لم يَتنبه مؤلفها بل تَوجه إلى الإصرارِ بما فيها والجواب عما أُورد عليها، فصنفتُ رسالةً مذكورةً مُسمَّاةً بشفاءِ العي بإشارتِهِ وَبعلمِهِ ـ والله أعلم بمن ألفها وَمَن هذبها ـ وقد وجدتُ في أولها اسم مُولفها أَبُو الفتح عَبْد النَّصير، والظَّاهرُ أنَّهُ اسم لا وجودَ لمسمَّاهُ في بلدةِ بهوبال، فان كان فليس من المشهورين بالفضل والكمال، ولعلَّه واحدٌ من طَلبةِ العلومِ غير لائق لأن يُخاطبَهُ أربابُ العلومِ، والذي أظنُّ فيما سمعتُ من بعضِ الثّقاتِ أنَّهُ ألفها الشَّيخ محمد بشير السهسواني ـ مُؤلف الرَّسائل في بحث زيارة القبر النَّبوي ـ، فإن كان كذلك فهو مأخوذ بالعودِ إلى ما يَحْسَبُهُ ذَنباً بعد التَّوبةِ وذلك لأني لما صنَفتُ رسالتي «الكلام المبرم في نَقضِ رسالته القول المحقَّق المحكم» وأدرجتُ في ديباجَةِ اسم بَعض تَلامذتي، أوردَ عليَّ في رسالتِهِ «القول المنصور»: بأن مثلَ هذه الصنيع غير جائز، فلما أوردت عليه في «الكلام المبرور» بأنَّهُ قد ارتكب هو أيضاً عند مُقابلةِ بعضِ العلماءِ بمثله، ذَكَرَ في رسالةِ «المذهب الماثور»: أني قد تُبْتُ منه فيالها من توبةٍ قد جَعلَها شيئاً فرياً واتخذها ظهريا، حيثُ صنفَ هذه الرسالةِ بنفسِهِ وأدرج فيه اسم أبي الفتح عبد النَّصير مع علمه قبحَ صنيعِهِ وأيا ما كان؛ ألفه الشَّيخ السَّهسواني، أو رجلٌ آخر مُسمَّى بعبدِ النَّصير، فلا ريبَ في أن صاحبَ الاتحافِ قد اطلعَ
عليه ورضى به، كيف لا؟ وَمَن يَنصرُ رجلاً ويجيبُ عن الإيراداتِ الواردةِ عليه، لا بد أن يطلع المنصورُ عليه ويفهمُهُ.
وقد وقفتُ على بعضِ تحريراتِ صاحبِ الاتحافِ كَتَبَهُ إلى بعضِ الأحبابِ فيه ما يدلُّ على أنَّهُ واقفٌ بهذا الردِّ وراضٍ بِهِ، وإذا كان هذا هكذا فلستُ أُخاطبُ عبدَ النَّصيرِ ولا الشَّيخ السَّهسواني في هذه المباحثِ، بل مُخاطَبَتي بصاحبِ الاتحاف فإني أنا وهو بحمدِ الله أَخوانِ في العلمِ والكمالِ وإن فاقَ هو بالرياسةِ والاقبالِ، ومباحثةُ الأخ مع الأخ أهون من المباحثةِ مع الأجانبِ.
وقد كنتُ أردتُ أن أتركَ التعقباتِ عليه لِمَا سمعتُ أنَّهُ يَحزنُ منها، ويَحْمِلُها على التَّعصبِ والعنادِ، ولكنه لَمَا ألفَ واحدٌ مِن ناصريهِ هذه الرِّسالةِ المستقلةِ بمقابلتي ـ فتأليفُهُ عينَ تأليفِهِ ـ دَعانِي ذلك إلى تأليفٍ مُستقلٍ في جوابِهِ، وسمَّيتُ هذا التأليفَ بـ:
«إبرازِ الغي الواقع في شفاء العي».
ولقبتُهُ بـ: «حفظ أهل الإنصاف عن مُسامحاتِ مُؤلف الحطةِ والإتحافِ».
ولنقدمَ مقدمةً تشتملُ على ذِكْرِ بعضِ مسامحاتِ صاحبِ الإتحافِ في رسائلِهِ المُتفرِقِةِ واختياراتِهِ الغير المرضيةِ، ليعلمَ النَّاظرونَ صدقَ ما اسبقنا ذَكْرَهَ، وليتَنَبَهَ مُؤلِفُها فينقحَ تآليفه.
ولئن قام هو أو واحد من ناصريه إلى الجوابِ عنها والإصرار عليها، أو حَمَلَهُ سُوءُ الخصومةِ على تأليفِ رسالةٍ في إبرازِ أَغلاطي ـ وَأَنَا إن شاء الله منها برئ ـ، وَجَدَ في المرةِ الثَّالثةِ أضعافاً مُضاعفةً ورسائلَ مُتعددةً في أغلاطٍ فاحشةٍ.
وبعد الفراغِ من المقدمةِ نتوجهُ إلى إبرازِ ما في «شفاء العي من الغي»، فنقولُ: قد اختارَ صاحبِ الإتحاف في تَصانيفِهِ عاداتٍ وطرقاً يَجبُ أن يجتنِبَ عنها فَمِن ذلك: أنَّهُ يُقلِدُ تَقليداً جامداً لابن تَيميَّة وتلامذتِهِ وللشوكاني وأمثاله مع أنَّهُ من أشد المُنكرينَ على المقلدينَ ـ فإلى الله المشتكى من مثلِ هذا الصنعِ ـ فَما الذي حرَّم تقليدَ المجتهدينَ والأئمةِ المتبوعين وأباحَ تقليدَ هؤلاء المستحدثين وليسوا بجنب المجتهدين المتبوعين إلا كعصافيرٍ بجنبِ النَّاطقين، ومَن طالعَ تَصانيفه عَلِمَ هذا الأمر فإنَّهُ يُرجِّحُ غالباً ما رجَّحوهُ وان كان سخيفاً، ويكتب ما سطَّروهُ وإن كان غلطا فاحشاً.
ولنذكر في مثالِهِ أُموراً عديدةً، فمنها: أنَّهُ افترى على الإِمَام مَالِك وعلى الأئمةِ الأربعةِ وعلى الجمهورِ في بحث زيارة القبر النبوي في كتابِهِ «رحلةُ الصّديق إلى البيتِ العتيقِ» وَخَلطَ بحثاً ببحثٍ آخر، وأجرى الخلافَ المنقولَ في شَدِّ الرِّحال بقصد الزِّيارةِ في نفسِ الزِّيارةِ، وستَطَلِعُ على ذلك أثناء البحث عما في «شفاء العي».
ومنها: أنه رَجَحَ عدمَ وجوبِ قضاءِ الصلاةِ على الذي تَركها عمداً في رسالته «حل السؤالات المشكلةِ»، وهو مذهبُ بعضُ الظَّاهريَّةِ، ومنشأُ قَولهم أنَّ قَضاءَ صلاةٍ فاتةٍ بالنَّومِ والنِّسيانِ قد وردَ الأُمرُ به في السُّنن، وأمَّا
التَّاركُ العامدُ فلم يرد دليلٌ صَريحٌ صَحيحٌ على وجوبِ القضاءِ عليه، وهم قد جَمدوا على ظاهرِ ما وردَ مِن غير رَويَّةٍ وفكرٍ حَتَّى قالوا: «إنَّ حديثَ لا يبولنَّ أحدكم في الماءِ الدَّائمِ ثُمَّ يَغتسلُ منه»، أنَّهُ لو تَغوطَ فيه أو بالَ غير الغاسلِ والمتوضى يَجوزُ فيه الغسلُ والتَّوضئ لعدم ورودِ النَّهي، ولهم مثلُ هذا كثيرٌ يأبى عنه العقلُ السَّليم والفهمُ المُستقيم، وقد تَبعهم في مَسألة القضاءِ الشَّوكاني في بعضِ تأليفاتِهِ وهو كثير الاتباع لهم، وهذا مذهبٌ شاذٌ مردودٌ مخالفٌ لجمهورِ علماءِ الملةِ وحملةِ الشَّريعة، بل وللطبيعةِ الوقادةِ والنَّفسِ المدركةِ، قال ابن عبد البر في «الاستذكار شرح موطأ الإِمَام مَالِك» عند شرح حديث التَّعريس: فإن قيل فَلِمَ خُصَّ النَّائم والنَّاسي بالذكرِ في قوله في غيرِ هذا الحديثِ: «مَن نَامَ عن صلاةٍ أو نَسيها فليصلها إذا ذَكَرَها»، قيل: خَصَّ النَّائمَ والنَّاسي ليرتَفِعَ التَّوهمُ والظَّنُّ فيهما لرفع القلمِ وسقوطِ المآثم عنهما بالنَّوم والنِّسيان، فأبان رسولُ اللهِ أن سُقوطَ الإثم عنهما غيرُ مُسقطٍ لِمَا لَهُ فيهما من فَرضِ الصَّلاة، وأَنَّها واجبةٌ عليهما عند الذِّكرِ لها يَقضيها كلُّ واحدٍ مُنهما بعد خروجِ وَقتِها إذا ذَكَرَها.
ولم يحتجْ إلى ذكرِ العامدِ معهما؛ لأنَّ العلَّةَ المتوهمةَ في النَّائم والنَّاسي ليستْ لهُ ولا عذرَ لَهُ في تركِ فرضٍ، وحوى الله في حكمه على لسانِ رسولِهِ بينَ حُكمِ الصَّلاةِ الموقوتَةِ والصيامِ الموقوت في شهرِ رمضانِ بأنَّ كُلّ واحدٍ منهما يقضي بعد خُروج وقتِهِ فَنَصَّ على النَّائمِ والنَّاسي في الصَّلاةِ كما وصفنا، ونَصَّ على المريضِ والمسافرِ في الصَّومِ، وأجمعتُ الأمةُ وَنَقلَتْ الكافةُ فيمن لم يَصمْ شهرَ رمضانَ عمداً وهو مُؤمن بفرضِهِ وإنَّما تَركَهُ أَشراً وبطراً تَعمدَ
ذلك ثُمَّ تابَ منه، أنَّ عليه قضاء، وكذلك مَن تَركَ الصَّلاةَ عامداً، فالعامدُ والنَّاسي في القضاءِ للصلوةِ سواءٌ وإن اختلفا في الإثم كالجاني على الأموال المتلف لها عامداً وناسياً سواءٌ إلا في الإثم بخلافِ رمي الجمارِ في الحجِ التي لا تُقضي في غيرِ وقتِها لعامدٍ ولا ناسٍ لوجوبِ الدَّمِ فيما يَنوبُ عنها، وبخلاف الضَّحايا والصَّلاة والصِّيام كلاهما فرضٌ واجبٌ ودينٌ ثابتٌ يؤديان أبداً وإن خَرَجَ الوقتُ المؤجل لِمَا قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - دينُ الله أحقُّ أن يُقضي وإذا كان النَّائم والنَّاسي للصَّلاةِ، وهما معذوران يقضيان بعدَ خروجِ وقتِها كان المتعمد لتركها أولى بان لا يَسقطَ عنه فرض الصَّلاة، وأن يحكمعليه بالإتيان بها؛ لأنَّ التَّوبةَ من عصيانِهِ هي أداؤها وإقامتها مع النَّدمِ على ما سلفَ مِن تَركِهِ لها في وقتِها، وقد شذَّ بعضُ أهلُ الظَّاهرِ وأقدَمَ على خلافِ جُمهورِ عُلماء المسلمين وسبيل المؤمنين، فقال: ليس على المتعمدِ في تَركِ الصَّلاةِ وقتها أن يأتي بها في غيرِ وقتِها لأنَّهُ غير نائمٍ ولا ناسٍ وإنَّما قال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن نَامَ عن صلاة أو نَسيها»، والمتعمدُ غير النَّاسي، وظنَّ انه يستندُ في ذلك بروايةٍ شاذةٍ جاءتْ
عن بعضِ التَّابعين شذَّ فيها عن جماعاتِ المسلمينِ وهو محجوجٌ بهم مأمورٌ باتباعهم ولم يأتِ فيما ذَهَبَ إليه من ذلك بدليلٍ يَصحُّ في العقولِ، انتهى كلامه ملخصاً.
ثُمَّ قال ابنُ عبدِ البرِ بعدِ ذِكرِ الأحاديثِ الدَّالةِ على وجوبِ القضاءِ مطلقاً ولو كان التَّاركُ عامداً: وأجمعوا على أنَّ للعاصي أن يتوبَ مِن ذنبِه بالنَّدَمِ عليه واعتقادِ تَركِ العودِ عليه، ومَن لَزِمَهُ حقٌّ لله أو لعبادِهِ لَزِمَهُ
الخروج منه، وقد شَبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حقُّ الله بحقوقِ الآدميينَ وقال: «دينُ اللهِ أَحقُّ أن يُقضي»، انتهى.
ثُمَّ قال بعد إلزامه مَن تَفوهَ بهذا من الظَّاهريَّةِ بأُصولِهم وأقوالِ إِمامِهم ما أرى هذا الظَّاهري إلا وقد خرج عن قولِ جماعةِ العلماءِ من السَّلفِ والخلفِ وخالفَ جميعَ فِرقِ الخلفِ والسَّلفِ وشَذَّ عنهم، ولا يكون إماماً في العلم مَن أخذ بالشَّاذِ في العلمِ.
وقد أوهم في كتابِه أن لَهُ سلفاً من الصَّحَابَةِ والتَّابعينَ تَجاهلاً منه أو جَهلاً، وكلُّ ما ذُكِرَ في هذا المعنى فَغيرُ صحيحٍ ولا له حجَّةٌ في شيءٍ منه، انتهى ملخصاً.
فَظَهَرَ بهذا أنَّ قَولَ الشَّوكانيّ تِبعاً لبعضِ الظَّاهريَّةِ في هذه المسألةِ من خرافاتِ الكلامِ لا له قَرارٌ على أُصولِ الظَّاهريَّةِ ولا على أُصولِ غيرهم مِن علماءِ الشَّريعةِ، بل هو مُخالفٌ برمتِهِ عندَ مَن له أَدنى عقلٌ، ولا يَستقيمُ أمرُ النقل إلا بالعقلِ للكتابِ والسُّنَّةِ وإجماع مَن قَبلُ مُتفوهٌ هذا المسألة.
فحرامٌ على حملةِ الشَّريعةِ أن يذكروا رأيه في هذا الباب إلا لردِّه ولإظهارِ الصَّوابِ، فَضلاً عن تَرجيحهِ وتأصيلِهِ وتقويتِه وتنقيحِهِ، ولن يُصلحَ العطارُ ما يفسدُهُ الدَّهرُ.
ومنها: أنَّهُ رجَّح عدَّم وجوبِ الزَّكاةِ في أموالِ التِّجارةِ، وأحسنَ إحساناً عظيماً على أرباب التجارة في «مسكِ الختامِ شرحِ بلوغِ المرامِ»، وشرحِ رسالةِ الشَّوكانيّ تبعاً للشوكاني، وهو قولٌ مخالفٌ لجمهورِ العلماءِ من الخلفِ
والسَّلفِ، فإنَّهم يُوجبونَ الزَّكاةَ في عروضِ التِّجارةِ إلا داودَ الظَّاهري، فإنَّهُ خالَفَهم كما ذَكَرَهُ النَّووي في «شرح صحيح مُسْلِم» وغيره.
وهو قولٌ شاذٌ ضعيفٌ، وقد شهدتْ الأخبار المرفوعةُ والآثارُ الموقوفةُ بوجوبِ الزَّكاة فيها، وليس هذا موضعَ بَسطِهما، ويكفي في ذلك قَوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض} الآية فالحذرُ الحذرُ مِن مثلِ هذه الفُتيا المُخالفةُ لظاهرِ القرآنِ ولأخبارِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، وضعفُ بعضها عندنا ضعفٌ غير مضرٍ للاحتجاجِ، ولآثار الصحابة كعمرٍ وابنِ عُمَر وغيرهما.
وهناك مسائلٌ كثيرةٌ تَبِعَ فيها ابنَ تيميَّة والشَّوكانيّ مع ضَعفِ أقوالِهم فيها.
وفيما ذَكَرنا وبطريق النَّموذج كفاية لِمَن تأملها.
ومِن عاداتِهِ الَّتِي يَجبُ الاحترازُ عنها أنَّهُ يَجعلُ ما يوافق رأيَهُ وإن كان مختلفاً فيه مع عِلْمِهِ بكونِهِ مُختلفاً فيه مجمعاً عليه، وهذا من عاداتِ ابنِ تيميَّة وتلامذتِهِ، والنَّاسُ على دينِ مُلوكِهم، وأمثلته في تصانيفِهِ كثيرةٌ، ولنكتف بذكِرِ واحد منهما، وهو أنَّهُ قال في رسالتِهِ «أبجد العلوم» في ترجمةِ الإِمَام أبي حَنِيْفَةَ: أنَّهُ لم يرى أحداً مِن الصَّحَابَةِ باتفاقِ أهل الحديث وإن عاصرَ بعضهم على رأي الحنفيةِ، انتهى.
وفيه: أمَّا أولاً فهو أنَّ عَدَمَ رؤيةِ الصَّحَابَةِ مطلقاً ليس مُتفقاً عليه بين المحدثين، بل هو مُختلفٌ فيه بينهم، والمعتمدُ هو ثبوتُ الرؤية لأنسٍ ـ رَضِي
الله عَنْهُ ـ عندهم كما حقَّقته في رسالتي «إقامة الحجَّة على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة» بذكر عبارةِ الذهبي والولي العراقي والحافظ ابْنِ حَجَر والسّيوطيَ وابنِ سَعْد واليافعي وابنِ الجوزي وعلي القاري والتوريشتى والجزري وغيرهم، وأرجو من المنصف أن لا تَبقى له شبة في تابعيته بعد الاطلاع على تلك العباراتِ.
وأما المتعسف فكلامه خارجٌ عن بحثِ الثقاتِ، فغايةُ ما في البابِ أن يكون رأي مؤلفِ «أبجدِ العلوم» مائلاً إلى عَدَمَ تابعيتِهِ لِمَا عَرَضَ لَهُ نَوعٌ مِن الشُّبهةِ، لكنه لا يقتضي أن يَرتَفِعَ خَلافُ المحدثينَ في البابِ، ويُنسبُ إليهم الاتفاقُ فيما اختلفوا فيه البتة.
وأمَّا ثانياً فهو أن صاحبَ «الأبجد» قد نَقلَ بنفسِهِ في رسالةِ «الحطة» عبارة السيوطي المشتملة بعبارةِ الولي العراقي وابنِ حَجَر العَسْقَلانيّ المفيدُ لتابعيته، فما بالهُ جَعلَ عَدَمَ تابعيتِهِ في «الأبجد» مُتفقاً عليه مع علمه بأنَّهُ مُختلفٌ فيه، فلعلَّهُ نَسي ما كَتَبَهُ سابقاً أو تَعمدَ به مُغالطاً أو عادَ من مراتبِ «الحطة» إلى مَنازلِ «الأبجدِ» مُتنازلاً، وأياً ما كان فمثله عجيبٌ عن مِثلهِ، والله يعفو عنا وعنه.
وأمَّا ثالثاً (¬1): فهو أن قوله: وإن عاصرَ الخ، مُشتملٌ على تدليسٍ يَجبُ أن يحترزَ مِثلهُ عن مِثلهِ، فإنَّهُ يُوهمُ أن إثباتَ المعاصرةِ مختصٌ بالحنفيةِ، وليس كذلك، بل جميعُ الفقهاءِ والمحدثينَ وجميعُ العقلاءِ والمورخينِ قائلونَ
¬
(¬1) في الأصل: لثا.
بمعاصرتِهِ لبعضِ الصَّحَابَةِ، كيف لا وقد وُلدَ أَبُو حَنِيْفَةَ على الأصحِّ الأشهرِ سنةَ ثمانين، وكان ذلك العصرِ عصرُ الصَّحَابَةِ باليقين.
وأمَّا رابعاً: فهو أن عبارتَهُ هذه تُوهم أنَّ الْحَنَفِيَّةَ مُقتصرونَ على إثبات المعاصرة وليس كذلك، فإن أكثرهم بل كلَّهم ذَهبوا إلى رؤيته للصَّحَابَة، وإنَّما اختلفوا في روايتِهِ عن الصَّحَابَة، فَجمعٌ منهم نَفوها كجمع من المحدثين، وجمعٌ منهم أثبتوها وقالوا: هو المذهب المتين.
ولقد اقشعرَ جلدي وتوحشَ فؤادي حين رأيتُ عبارةَ «الأبجد»، وحَكَمَ كُلُّ مَن فَهِمَها أنَّها تَجاوزت عن الحدِّ، وهو الذي أزعجني إلى جمعِ نبذٍ مِن مسامحاتِهِ في تصانيفِهِ لئلا يَغترَ الجاهلون بأمثالِ هذه الكلماتِ في تأليفاتِهِ، والله أَسألُ أن يُجنبني ويجنبه من أمثالِ هذه المغالطاتِ، ويوفقنا لاكتساب بالباقياتِ الصالحاتِ.
ومِن عاداتِهِ الَّتِي يَجبُ على المصنفينَ الاحترازُ عنها أن كلامَهُ في مَوضعٍ يُعارضُ كلامَهُ في مَوضعٍ آخر، وهذا وإن كان أمراً طبعياً للبشرِ، والسَّلامةُ من جميعِ أنواعِ التَّعارض مُختصة بخالقِ القوي والقدر، لأن مَن لَهُ اهتمامٌ بنشرِ العلمِ والتأليفِ يَجبُ عليه الاهتمامُ بقدرِ وسعِهِ الشَّريف، كيف لا وهو مسئولٌ يوم القيامةِ عن كُلِّ ما كَتَبَهُ ومناقشٌ في كُلّ ما سَطَرَهُ.
والتَّخالفُ من عالم بين كلاميه في تأليفين ليس بمستبعدٍ غايةَ البعدِ، إنَّما المُستبعدُ تَخالفهُما في تأليف واحدٍ وفي صفحتين مُتقاربتين أو في صفحةٍ
واحدةٍ، ومثل هذا وَجَمْعُ الرَّطبَ واليابسَ يَجعلُ المُعتبرَ غير معتبرٍ، والمعتمدَ غيرُ معتمدٍ.
ومِن عاداتِهِ أن يَنقلَ في تَصانيفه كُلِّ ما وَجَدَ في المُنقولِ عنه، وَيَكتَبَ كُلَّ ما وَجدَ فيما أخذَ عنه وإن كان غَلطاً صريحاً يَطلعُ عليه الطَّلبةُ أو مُستحيلاً عقلياً أوعادياً يَعلمُهُ الكملةُ، وهذان الأمران ظاهرانِ على مَن طالعَ تَصانيفَهُ لا سيما تَصانيفهُ المتعلقة بالتراجمِ والطبقاتِ المشتملة على ذِكرِ تَواريخِ المواليدِ والوفيات وهما قبيحان جداً، موحشان لناظر تأليفاته عاماً وخاصاً، ولا يَنفعُ في هذا البحثِ أنَّهُ ناقلٌ من «كشفِ الظُّنُّونِ» أَوْ «البستانس أو مِن غيرهما مِن كُتبِ الشأنِ، فإنَّ مثل هذا النَّقل الصَّرفِ ليس إلا من شأنِ الغافلين لا مِن شأنِ العالمينَ الهادين.
ولنذكر من بعضِ رسائله بعضُ أَغلاطِهِ ومُعارضاتِهِ إيقاظاً للنائمين وإزالةً لوحشةً الهائمينَ، وليس الغرضُ منه تَنقيصُهُ وَذِكْرِ مَعائبِهِ حاشاهُ عن ذلك، بل ما أسلفنا ذِكرَهُ.
ذُكْرُ بَعضُ المسامحاتِ والمعارضاتِ الواقعةِ في «إتحافِ النُّبلاء» في المقصدِ الأَوَّل منه:
الأَوَّل: قال في المقصدِ الأَوَّل في بابِ الألفِ: «الابتهاج بأذكار المُسافر الحاج» للشيخ شمسِ الدِّين مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّخاويّ والمتوفَّى سنة ستين وثمانمئة، انتهى.
وهذا خطأٌ فإنَّ وفاةِ السّخاويّ كان بعدَ تسعمئة، ذَكَرَهُ في «النّور السَّافر في أخبارِ القرنِ العاشرِ» وأرخ وفاتَهُ سنة اثنتين بعدَ تسعمئة، كما نَقلتُ قدراً من كلامِهِ في «التَّعليقات السّنية على الفوائد البَهيَّة»، وقال ابن روزبهان في «شرح شمائل الترمذي»: الشيخ أَبُو الخير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد السَّخاويّ المِصريّ رحلة الزَّمان وحافظُ العصرِ، فريدُ عصره لازمَ المشايخَ وصاحبَ الحافظَ ابنَ حَجَرَ سنين مُتطاولةً، وأثنى عليه الحافظُ في كتبِهِ سيما في الطَّبقاتِ وأصلُهُ من سخا قَصبةٌ أعمالِ مصر، وكانت ولادتُهُ بالقاهرةِ، وله تَصانيفٌ تَنيفُ على أربعمئةِ مجلدٍ كَمَا ذَكَر لي وَفَصَلَ كَثيراً منهما في إجازتِهِ وكان لَهُ مئةً وعشرونَ شيخاً في صحيحِ البخاري، صَحِبْتَهُ بالمدينةِ الطَّيبةِ ولازمتُهُ دَرَساً وإفادةً وقراءةً وسماعاً، وكان يَرحلُ كُلَّ زمانٍ إلى الحجازِ، وَيَسكُنُ بها سِنين ويجاورُ في الحرمينِ ويُصنفُ تَصانيفَ، ثُمَّ يَرجعُ إِلَى مصر، وارتحلَ في آخر عمرِهِ إِلَى الحجازِ واستوطنَ مكةَ وَتُوفّي بها في نَيفٍ وتسعمئة، انتهى ملخصاً.
الثَّاني: قال في صفحة أُخرى: الأجوبة المرحلية فيما سُئِلَ عنه مِن الأحاديثِ النَّبويَّة للشيخ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن السَّخاويّ المتوفي سنة اثنتين وتسعمئة، انتهى.
وفيه: أنَّهُ مُناقضٌ لما ذَكَرَهُ قُبيلَهُ مِن أنَّهُ ماتَ سنة ستين وثمانمئة.
الثَّالث: قال: أذكارُ الصلاة لزين المشائخ مُحَمَّد بن القاسم البَقَّالي الخوارزمي الحَنَفِي المتوفي سنة اثنتين وستين وخمسمئة، انتهى.
وفيه أنَّ وفاتَهُ كانت سنةَ ستٍ وسبعينَ وخمسمئةٍ على ما نَصَّ عليه الكفوي في «طبقاتِ الْحَنَفِيَّة» وغيره.
الرَّابع: قال عند ذكر الأربعينيات: أربعين للشيخ مُحَمَّد بن عَلَيّ البِرْكِلي الرومي المتوفي سنة ستين وتسعمائة، انتهى.
هذا مُخالفٌ لما أرخهُ الثّقات، قال عبد الغني بن اسماعيل النَّابلسي في «الحديقة الندية» شرح كتاب البِرْكِلي المسمَّى بـ «الطريقة المحمَّديَّة» مُترجماً له الشَّيْخ مُحَمَّد أفندي الرومي البِرْكِلي: نَشأ في طلبِ العلمِ والمعارفِ حَتَّى بَرَعَ فيها، واشتغلَ على محي الدِّين أخي زاده، وصارَ مُلازماً من المولى عَبْد الرَّحْمَن أحد قضاة العسكر في زمنِ السَّلطانِ سُليمان، ثُمَّ غَلبَ عليه الزهدُ والصَّلاحُ واتصلَ بخدمته الشَّيْخُ عَبْدُ الله القراماتي، ثُمَّ أمره شيخه بالعودةِ إِلَى الاشتغالِ بدراسةِ العلومِ، فانتفعَ به خَلقٌ كثيرٌ، وَحَصلَ بينه وبين عَطَاء مُعلمُ السُّلطان سليم مَحبةٌ، فَبَنَى عطاءَ مدرستَهُ بقصبة بَركل بفتح الباء، وَعينَ له في كُلِّ يومٍ ستينَ درهماً، وله مُؤلفاتٌ: ـ «شرحِ مُختصر الكافية» للبيضاوي، و «متن في علم الفرائض»، و «الطريقة المحمدية» وهو من أجل تأليفاتِه تُوفّي في الجمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وتسعمائة، انتهى كلامه ملخصاً.
وكذا أرخَهُ صاحبُ «كشف الظُّنون» عند ذكر «الطَّريقة المحمَّديَّة».
الخامسُ: قال: أربعين الدَّارَقُطْنِيّ: هو أَبُو الْحَسَن عَلَيّ بن عُمَرَ بنِ أحمد بنِ مَهْدِيّ الْحَافِظ الْبَغْدَادِيّ المتوفي سنة خمسٍ وثلاثينً وثلاثُ مئةٍ. انتهى.
وهذا خطأٌ فاحشٌ فإن وفاتَهُ كانت سنة خمسٍ وثمانينَ وثلاثُ مئةٍ، كَمَا ذَكَرَهُ السَّمْعانيّ في كتاب «الأنساب» حيث قال بعدما ذَكَرَ أنَّ الدَّارَقُطْنِيّ بضمِ القافِ نسبة إلى دار قطن محلة كبيرة ببغداد، كان أحد الحُفَّاظ المتقنين ضَرِبَ المثلَ في الحفظِ، سَمِعَ أبا القاسم البغوي، وأبا بكرٍ داود السّجستاني وخلقاً كثيراً، وعنه الْحَافِظ أَبُو نُعَيْم صاحبُ «حلية الأولياء» وغيره، قال أَبُو الخطيب في «تاريخ بغداد» في وصفِهِ: كان فريدَ عصرِهِ وإمام وقته، أثنى عليه علماءُ الأثرِ، عارفاً بالأثرِ والعللِ وأسماءِ الرِّجالِ وأحوال الرّواةِ مع الصّدقِ والأمانةِ والثّقةِ والعدالةِ وصحةِ الاعتقادِ، وكان يُتقنُ سوى الحديثَ فنوناً، وكانت ولادتُهُ سنةَ ستٍ وثلاثمئةٍ، وتوفي في ذي القعدةِ سنة خمسٍ وثمانين وثلاثمئةٍ. انتهى ملخصاً.
كذا أرخَهُ الذّهبي في «العِبَر بأخبار مَن غبر»، واليافعي في «مرآة الجنان» وذكرا ترجمتَهُ ووفاتَهُ في حوادثِ سنة خمسٍ وثمانين، وابنُ الأثير في «الكامل» وابن الشحنه في «روضةِ المناظر في أخبار الأوائل والأواخر»، وابنُ خلكان في تاريخه، والتَّاج السّبكي في «طبقات الشَّافعية» وغيرهم في تَصانيفهم.
السَّادسُ: قال: أربعين طاشكبري زاده أحمد بن مصطفى الرومي المتوفي سنة ثلاثٍ وستينَ وتسعمئةٍ. انتهى.
وهذا عجيبٌ فإن أحمد هذا قد اتم تَصنيفَهُ «الشقائقِ النعمانية في علماء الدولة العثمانية» في رمضانَ سنة خمسٍ وستينَ وتسعمئةٍ على ما ذَكَرَهُ
صاحبُ «كشف الظُّنون» عند ذكرِهِ، فكيف يَصحُّ مَوتُهُ سنة ثلاثٍ وستينَ، وأرخ صاحبُ «الكشف» هناك وفاتَهُ سنة ثمانٍ وستين.
السَّابعُ: قال: عند ذِكرِ شُراحِ أربعين النووي: وشرحُ مُلا عَلَيّ قاري الْمَكِّيّ الحَنَفِي المتوفي سنة أربعٍ وأربعينَ وألف. انتهى.
وهذا زلةٌ فاحشةٌ فإنَّ وفاتَهُ على ما في «خلاصة الأثر» سنة أربعَ عشرةَ وألفٍ، وقد أرخَ هذا المؤلفُ في رسالته «الحطة» وفاتَهُ سنة ستَ عشرةَ وألفٍ، فيالهما من مُناقضةٍ بَينةٍ.
الثَّامن: ذَكَرَ من شُراح أربعين النَّووي الَّذِينَ عبد الرَّحْمَن الشَّهير بابنِ رجبٍ الحنبلي، وأرخَ وفاتَهُ سنة خمسٍ وتسعينَ وسبعمئةٍ، وهذا مُخالفٌ لِمَا أرخ هو في رسالتِهِ «الحطة» عند ذكر شُراحِ «صَحيحِ الْبُخَارِيّ» أَنَّهُ تُوفي سنة خمسٍ وتسعينَ وتسعمئةٍ.
التَّاسعُ: قال: «إرشاد السَّاري شرح صحيح الْبُخَارِيّ» للعلامةِ شهاب الدِّين أحمدَ بن مُحَمَّدِ أَبِي بكرٍ المِصريّ القَسْطَلَّانيّ الشَّافِعِيّ المتوفي سنة عشرين وتسعمائة. انتهى.
وهذا مع كونه مُخالفاً لما أرخَ به وفاتَهُ في «الحطة» غير صَحيحٍ، قال مُحَمَّد بنُ عبدِ الباقي الزّرقاني في «شرح المَوَاهب اللَّدُنِّيَّة»: أحمد بن مُحَمَّد بن أَبِي بكرٍ بنِ عبد الملك بن أحمد القَسْطَلَّانيّ المِصريّ، وُلدَ كَمَا ذَكَرَهُ شيخه الْحَافِظ السّخاويّ في «الضوء اللامع بمصر»: ثاني عشرَ ذي القعدةَ سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وأخذَ عن الشَّهابِ العُباديّ، والبرهان العجلوني،
والفخر، والشَّيخ خالد الأزهري النّحوي، والسخاوي، وغيرهم، وقرأ «صحيح الْبُخَارِيّ» على الشَّهاوي في خمسةِ مجالسٍ، وحَجَ مراراً، وجاور بمكة مرتين، وكان يَعظُ بالغمري وغيره للجم الغفير، ولم يكن له في الوعظ نظير. انتهى كلام السخاوي.
وتُوفي ليلة الجمعة بالقاهرةِ سابعٍ محرم سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وله عدَّةُ مؤلفاتٍ. انتهى كلامه.
العاشر: قال: «إرشاد الفحول إِلَى تحقيق الحقِّ من علم الأصول» للحافظ العلامةِ شيخِ الإِسلام خادمِ الكتابِ والسُّنَّة مُحَمَّد بن عَلَيّ الشّوكانيّ المتوفي سنة خمسين ومئتين وألف. انتهى.
هذا مُخالفٌ لِمَا ذَكَرَهُ في المقصدِ الثَّاني مِن هذا الكتاب عند ذِكرِ تَرجَمِةِ الشّوكانيّ: أَنَّهُ مات يوم الاربعاء سادسَ عشرَ (¬1) الجمادي الأُخرى سنة خمسٍ وخمسينَ ومئتين وألف.
الحادي عَشرَ: قال: «أسماءُ رجالِ الكتبِ الستةِ» للحافظِ ابنِ النّجار مُحَمَّد بنِ مَحْمُودِ بنِ الْحَسَنِ بن هبة الله المتوفي سنة ثلاثٍ وأربعينَ وست مئة، وأيضاً للشيخِ سراج عُمَر بنِ عَلَيّ المعروفِ بابنِ الملقن المتوفي سنة أربع وأربعمئة.
¬
(¬1) في الأصل: عشري.
وهذا مع كونه مُخالفاً لِمَا أرخَ وفاة ابن الملقن في هذا الكتاب غير مرَّةٍ خطأٌ فاحشٌ، فإنَّ ابنَ الملقن وفاتُهُ في ابتداء المئة التَّاسعة، قال السّخاويّ في «الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع»: عُمَر بن عَلَيّ بن أحمد بن مُحَمَّد بن عبد الله سراج الدِّين أَبُو حفصٍ العمادياشئ الأندلسي التكروري الأصل المِصريّ الشَّافِعِيّ ويعرف بابن الملقن، وُلدَ في الرَّبِيع الأَوَّل سنة ثلاثٍ وعشرين وسبعمئة بالقاهرة، وكان أصلُ أبيه أندلسياً، فتحول بالتكرور وأقرأ أهلها الْقُرْآنَ، وَتَميزَ في العربيةِ وَحَصَّلَ مالاً ثُمَّ قَدِمَ القاهرةَ فأخذ عنه الأسنوي ثُمَّ ماتَ، فأوصى بابنه عمر إِلَى الشَّيْخ عيسى المغربي، رَجلٌ صالحٌ كان يُلقن القرآنَ بجامعِ طولون، فتزوج بأمِّه، ولذا عُرِفَ الشَّيْخ به حيثُ قيل له ابنُ الملقن، ونشأ في كفالةِ زَوجِ أمِّهِ، وحفظَ الْقُرْآنَ وعدَّةَ كُتُبٍ وتفقَهَ بالتّقي السبكي، والجمال الاسنائي، والعز بن جماعة. وأخذَ في العربيةِ عن أَبِي حيان، وابن هشام، وابن الصائغ. وسَمَعَ الحديثَ على السّراجِ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن نُمَيْر الكاتب، وأبي الفتح بن سيد النَّاس، والقطب الحلبي، والعلاء مغلطائي. ودخل الشَّام سنة سبعينَ فأخذ عن ابنِ أميلة وغيره من مُتأخري أصحاب الفخر، وأجازَ له المزي وغيره من مصر ودمشق. واشتغل بالتصنيفِ وهو شابٌ، فمن تصانيفه: «تَخريج أحاديث الرّافعيّ» في سبعِ مُجلداتٍ، و «مختصره الخلاصة» في مجلد، و «مختصره المنتقى» في جزء، و «تخريج أحاديث وسيط للغزالي»، وتخريج أحاديث المهذب المسمَّى بـ «المحرَّر المُذهَّب»، و «تخريج أحاديث منهاج الأصول»، و «تخريج أحاديث مُختصر ابْن الحاجب»، وشرح العمدة المسمَّى بـ «الإعلام»،
و «قطعة من شرح الْبُخَارِيّ»، وقطعة من شرح المنتقى لابن تَيْميَّة، وطبقات الشافعية إلى سبعين وسبعمائة، وطبقات الْمُحَدِّثِينَ، وشرح المنهاج الفرعي ولغاته في مجلد والاعتراضات عليه وشرح التنبيه، والخلاصة في الْحَدِيث، وأمنية النبيه فيما يرد على تصحيح النَّووي، والتَّنبيه، وشرح الحاوي الصغير في مجلدين لم يوضعْ مثلُهُ، وتصحيحه في مجلد، وشرح التّبريزي في مجلد، وشرح زوائد مسْلِم على الْبُخَارِيّ، وزوائد أَبِي دَاوُد على الصحيحين، وزوائد الترمذي على الثلاثة، وزوائد النَّسَائيّ عليها، وزوائد ابْن ماجة على الخمسة سمَّاهُ «ما تَمُسُ إِلَيْه الحاجةُ على سننِ ابنِ ماجه»، وشرح أربعين النووي، والخصائص النَّبويَّة، وطبقات القراء، وطبقات الصوفية، وتلخيص الوقوف على الموقوف، وشرح ألفية ابْن مَالِك، وشرح مختصر ابْن الحاجب، وغيره، واشتهرتْ تصانيفه في الآفاقِ، وكان يُقَالُ أنَّها بلغتْ ثلثُ مئةِ تصنيفٍ، وماتَ ليلةَ الجمعةِ سنة أربعٍ وثمانمئةٍ. انتهى ملخصاً.
الثَّاني عَشرَ: قال: «إصلاحُ غلط المحدِّثين» للإمامِ أَبِي سُلَيْمَان أحمد بن مُحَمَّد الخطابي المتوفي سنة ثمانٍ وثمانينَ وثلاثُمئةٍ. انتهى.
هذا مخالفٌ لِمَا أرخَ وفاتَهُ في «الحطة» عند ذِكرِ شَراح «صحيح الْبُخَارِيّ»: أَنَّهُ ماتَ سنة ثمانٍ وثلاثُمئةٍ.
الثَّالثَ عشرَ: قال: «الزامات على الصحيحين» لأبي الْحَسَن عَلَيّ بن عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيّ المتوفي سنة خمسينِ وثمانينَ وثلاثُمئةٍ. انتهى.
هذا مخالفٌ لما ارخَهُ سابقاً عند ذِكْرِ الأربعين أَنَّهُ ماتَ سنة خمسٍ وثلاثينَ وثلاثُمائةٍ.
الرَّابعَ عَشرَ: قال: «ألفيةٌ في أُصولِ الْحَدِيث» للشيخ الإِمَام الْحَافِظ زين الدِّين عبد الرحيم بن الْحُسَيْن العراقي المتوفي سنة خمسٍ وثمانمئةٍ. انتهى.
هذا مخالفٌ لما أرخ به وفاتَهُ عند ذِكرِ «تخريج أحاديثِ الإحياءِ» أَنَّهُ ماتَ سنة ستٍ وثمانمئةٍ، وذلك هو الموافقُ لتصريحاتِ المعتمدين، قال السّخاويّ في «الضوء اللامع في أعيان القرن التَّاسع»: عبد الرحيم بن الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن بن أَبِي بكرٍ بن إِبْرَاهِيم الزَّين أَبُو الفضل الكردي الأصل المهراني المِصريّ الشَّافِعِيّ ويُعْرَفُ بالعراقي، قال وَلدُهُ: انتسبنا بعراقِ العربِ وإلا فهو كُردي الأصل، وُلدَ في حادي عَشرَ الجمادي الأولى سنة خَمسٍ وعشرين وسبعمئةٍ، وماتَ ليلةَ الأربعاءِ ثامنِ شعبانَ سنة ستٍ وثمانمئةٍ بالقاهرةٍ. انتهى ملخصاً.
وله في «الضوء اللامع» ترجمةٌ طويلةٌ حسنةٌ، وكذا أرخ وفاتَهُ السّيوطيّ في «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة»، والحافظُ ابنُ حَجَرَ، وغيرهما، وقد ذكرتُ نبذاً من حالِهِ في «التَّعليقات السنية على الفوائد البَهيَّة».
الخامسَ عَشرَ: ذَكَرَ مِن شُراحِ الألفية: زكريا بن مُحَمَّد الْأَنْصَارِيّ، وأرخَ وفاتَهُ سنة ثمانٍ وعشرين وتسعمئةٍ، وهو مناقضٌ لما أرخَ به وفاتَهُ عند ذِكرِ شُراحِ «جامعِ مسلم» أَنَّهُ ماتَ سنة ستٍ وعشرينَ، وقد تَرجَمَهُ السّخاويّ في
«الضوء» بترجَمَةٍ طويلةٍ وملخصها: أَنَّهُ شيخُ الإِسلام زكريا بن مُحَمَّد بن أحمد بن زَكَرِيَّا زين الدِّين القاهريّ الأزهريّ الشَّافِعِيّ القاضي، وُلدَ سنة ستٍ وعشرين وثمانمئة بسبيكة، وتحول إِلَى القاهرةِ سنة ـإحدى وأربعين وأخذ العلمَ عن العلم البلقيني، والشَّمسِ الوفائى، والشّهابِ ابن المجدي، والحافظِ ابنِ حَجَر، والشرفِ المناوي، والكافياجى، وابنِ الهمامِ، والشمني، وغيرِهم.
وَتَصدَى للتدريسِ في حياةِ شيوخِهِ وَشَرحَ عدَّةً من الكتبِ منها: آداب البحث سمَّاهُ «فتح الوهاب بشرح الآداب»، وفصول ابن الهائم سمَّاهُ «غاية الوصول إِلَى علم الفصول»، وآخرٌ سمَّاهُ «منهج الوصول»، وألفيةُ ابنِ الهائم المسمَّاةِ بـ «الكفاية» و «تنقيح اللباب» للولي العراقي، و «مختصر الروضة» لابن المقري، و «مقدمة التّجويد» لابن الجزري، و «مختصر ايساغوجي»، و «القصيدة المنفرجة»، وغيرها، واشتهرَ من تَصانيفه كثيراً: «شرحُ البهجةِ الورديةِ»، وله شرح «ألفية العراقي» مأخوذٌ من شرحِ السَّخاويّ، ورأيتُ على هَوامشِ نُسخةٍ من «الضوء» الَّتِي كان عليها خط السّخاويّ بمواضعَ مَكتوباً بيد جاد الله بن فهد الْمَكِّيّ بعدَ المؤلف: عُزلَ القاضي زَكَرِيَّا عَن القضاءِ في أول سنةِ ستِ وتسعمئةٍ، ثُمَّ عُرضَ عليه فأعرضَ عنه بكفِ بصرِهِ، وانتفع به النَّاسُ، واشتهرتْ مؤلفاتَهُ وتميزت تلامذته، وألحق الأحفاد بالأجداد وعمَّرَ حَتَّى جاوزَ المئة أو قاربها، وماتَ
يومَ الجمعةِ رابع ذي الحجَّة عامَ ستٍ وعشرينَ، وحزنَ النَّاسُ عليه كثيراً لمحاسنِهِ الزوائدَ (¬1) وأوصافِهِ الشَّهيرةِ. انتهى.
السَّادسَ عَشرَ: ذَكَرَ أَنَّهُ شَرَحَ الألفيةَ مؤلفها شرحاً كبيراً وختمه إحدى وسبعينَ وسبعمئةٍ، وسمَّاهُ بـ «فتح المغيث بشرحِ ألفيةِ الْحَدِيث» وفيه أنَّ هذا الاسمَ لشرحِ السّخاويّ، وهو أحسن شروحِهِ نَصَّ عليه في «النَّور السَّافر في أخبارِ القرنِ العاشر».
السَّابعَ عَشرَ: قال عند الأمالي: «أمالي القضاعي في الْحَدِيث»، هو أَبُو عبد الله مُحَمَّدُ بن سلامة بن جَعْفَر بن عَلَيّ بن حكمون بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن مُسلِم الفقيه الشَّافِعِيّ المتوفي سنة ثمان وخمسينَ وثلاثُمئةٍ. انتهى.
ثُمَّ ذِكِرِ في صفحة أُخرى عند ذِكرِ «الإنباء» للقضاعي: أَنَّهُ تُوفّي سنة أربعٍ وخمسينَ وأربعمئةٍ.
وهذا تناقضٌ فاضحٌ وتعارضٌ لائحٌ.
الثَّامنَ عشرَ: ذَكَرَ «الأمالي» لأبي القاسم عَلَيّ بنِ الْحَسَنِ بنِ عساكرَ الدِّمَشْقِيّ، وأرخَ وفاتَهُ سنة إحدى وسبعينَ وخمسمئةٍ.
وهذا مناقضٌ لما أرخَهُ به عند ذِكرِ «تاريخ دمشق»، وسيأتي إنشاء الله ذِكرُهُ.
¬
(¬1) في الأصل: الزوائدة.
التَّاسعَ عَشرَ: ذَكَرَ في فصلِ التَّاء عند ذِكْرِ تواريخ دمشق: أنَّ أعظمها تاريخ الحافظ أَبِي الْحَسَنِ عَلَيِّ بنِ حسين المعروف بابنِ عساكرَ الدِّمَشْقِيّ المتوفي سنةَ إحدى وسبعينَ وسبعمئةٍ في ثمانينَ مجلداً، انتهى.
ثُمَّ قال: قال ابنُ خلكان في تاريخِهِ: قال لي شيخنا الْحَافِظ زكي الدين أَبُو مُحَمَّد عبد العظيم المنذري، حافظُ مصرَ، وقد جَرَى ذِكرُ هذا التَّاريخُ وأخرجَ منه مجلداً وطالَ الحديثُ في أمرِهِ واستعظامِهِ ما اظن هذا الرجل إلا عَزَمَ على وضعِ هذا التَّاريخِ من يومِ عَقلَ على نَفسِهِ وشرع في الجمعِ مِن ذلك الوقتِ، وإلا فالعمرُ يَقصرُ عن أن يجمعَ فيه الإنسانُ مثل هذا الكتابِ بعد الاشتغالِ والتَّنبيه، ولقد قال الحقَّ ومن عرف عليه عرف حقية هذا القولِ، انتهى.
وهذا مِمَّا يُفضي العجبَ العجبَ فإنَّ عبارتَهُ شاهدةٌ على أنَّ لـ «تاريخِ دَمشقَ» هذا ومؤلفَهُ ابنُ عساكرَ ذكراً في «تاريخ ابْن خلكان»، وإن ابنَ خلكان وشيخُهُ المنذري مَدَحاهُ، ومن المعلومِ المصرحِ في «طبقات الشافعية» لابن شهته، و «مرآة الجنان» لليافعي، وغيرِهما: أنَّ وفاةَ المنذري سنةَ ستٍ وخمسينَ وستمئة، وإنَّ وفاةَ ابنِ خلكان سنةُ إحدى وثمانين وستمئةٍ، فكيف لا يُستبعدُ مع ذلك وُقوعُ وفاةُ ابنِ عساكرَ سنة إحدى وسبعينَ وسبعمئة.
والذي في «تاريخ ابن خلكان» أنَّ وفاتَهُ سنةَ إحدى وسبعينَ وخمسمائةٍ، وعبارتُهُ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم عَلَيّ بنُ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بنُ هبةِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ الْحُسَيْنِ المعروفُ بابنِ عساكرَ الدِّمَشْقِيّ، كان محدثُ الشَّامِ في وقتِهِ، ومن أَعيانِ الفقهاءِ الشَّافعيَّةِ، غَلبَ عليه الحديثُ فاشتهرَ به وبالغَ في طلبِهِ إِلَى أن جمعَ منه ما لم يَتفقْ لغيرِهِ، ورحلَ وطوفَ وجابَ البلادَ ولقي المشايخَ، وكان
رفيق الْحَافِظ أَبِي سَعْدٍ عبدِ الكريمِ ابن السمعاني في الرحلةِ، وكان حافظاً ديناً جَمَعَ بين المتونِ والأسانيدَ، سَمَعَ ببغدادَ سنةَ عشرينَ وخمسمئةٍ من أصحابِ البرمكي والتَّنوخي والجوهري، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى دمشقَ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى خراسانَ وَدَخلَ نيسابور وهراة وأصبهان، وَصَنفَ التَّصانيفَ المفيدةَ، وخَرَّجَ التَّخاريجَ، صَنَفَ «التاريخ الكبير» بدمشقَ في ثمانينَ مجلداً، أتى فيه العجائبَ على نسقِ «تاريخِ بغدادَ».
قال لي شيخُنَا الْحَافِظ عبد العظيم المنذري إلى آخرِ ما نقله، ثُمَّ قال: وكانت ولادةُ الحافظِ في أولِ المحرمِ سنةِ تسعٍ وتسعينَ وأربعمئةٍ، وتُوفي ليلةَ الأثنينِ الحادي والعشرينَ من رجب سنة إحدى وسبعينَ وخمسمئةٍ بدمشقَ، وَدُفِنَ عند أهلِهِ ووالده بمقابرَ بابِ الصَّغيرِ.
وتُوفي وَلدَهُ أَبُو مُحَمَّد الْقَاسِم الملقبُ بهاء الدِّين في التَّاسعِ من صفرٍ سنةَ ستمئةٍ بدمشقَ، وَدُفِنَ خارج باب النَّصر، وَمَولِدُهُ بها ليلةَ النَّصف من جمادي الأولى سنةَ سبعٍ وعشرينَ وخمسمئةٍ.
وتُوفي أخوه الفقيهُ المحدِّثُ الفاضلُ صائنُ الدِّين هبةُ اللهِ بنُ الْحَسَنِ بنِ هبةِ اللهِ يومَ الأحد الثَّالثَ والعشرينَ من شعبانَ سنةَ ثلاثٍ وستينَ وخمسمئةٍ، وَمولِدُهُ على ما ذكره الْحَافِظ بهاء الدِّين أخوه في العشر الأَوَّل من رجبٍ سنةَ ثمانٍ وثمانينَ وأربعمئةٍ، انتهى كلامه.
وهناك ابنُ عساكرَ آخرٌ ذَكَرَهُ ابنُ خلكان أَيْضًا، وهو ابنُ أخي الْحَافِظ أَبِي الْقَاسِم بنِ عساكرَ السَّابق ذِكْرُهُ، وهو أَبُو منصورٍ عبدُ الرَّحْمَنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ
الْحَسَنِ بنِ هبةِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ الْحُسَيْنِ الدِّمَشْقِيِّ، الملقبُ بفخرِ الدِّينِ، وُلِدَ سنةَ خمسينَ وخمسمئةٍ، وَدَرَسَ بالقدسِ زماناً وبدمشقَ، وتُوفي في عاشرِ رجبٍ يومِ الأربعاءِ سنةَ عشرينَ وستمئةٍ بدمشقَ، انتهى.
وكذا أَرخَ وفاةَ ابنِ عساكرَ الحافظِ المذكورِ سنةَ إحدى وسبعينَ وخمسمئةٍ الذَّهبيُّ في «العبرِ بأخبارِ من غبر»، واليافعيُّ في «مرآةِ الجنانِ»، والتَّقي بن شهبة الدِّمَشْقِيّ في «طبقات الشَّافعيَّة»، والقاضي مجير الدِّين الحنبلي في «الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل».
العشرون: قال: «تاريخ الذّهبيّ» هو الإِمَامُ الحافظُ شمسُ الدِّين أَبُو عبدُ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ أحمد المتوفي سنةَ ستٍ وأربعين وسبعمئةٍ. انتهى.
وهذا مخالفٌ لِمَا صَرَحَ به الثّقاتُ فقد صَرَحَ ابنُ شهبةَ في «طبقاتِ الشَّافعيَّة»: أنَّ وفاتَهُ سنةَ ثمانٍ وأربعينَ، وقد نَقلتُ قدراً من ترجمتِهِ في «التّعليقات السّنية على الفوائد البَهيَّة».
وفي «فوات الوفيات» للصلاح الكتبي مُحَمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ عُثْمَانَ بنِ قايماز شمس الدِّين أَبُو عبدُ الله الذّهبيّ الْحَافِظُ، أتقن الحديثَ ورجالَهُ وَنَظَرَ عِللهُ وأحوالَه، وعَرَفَ تراجمَ النَّاسِ وأبان الإبهامَ في تواريخِهم والإلباسَ، جَمَعَ الكثيرَ وَنَفعَ الجمَّ الغفيرَ، وَقَفَ الشَّيْخُ كمالُ الدِّينِ بنُ الزنلكاني على تاريخه الكبير المسمَّى بـ «تاريخ الإِسلام» جزءً بعد جزءٍ، وقال هذا كتابٌ جليلٌ.
ومن تصانيفِهِ «تاريخ الإِسلام» في عشرينَ مجلداً، و «تاريخ البلاد» عشرين مجلداً، و «الدول الإسلامية»، و «طبقات القراء»، و «طبقات الحُفَّاظ» مجلدان، و «ميزان الاعتدال» ثلاثُ مجلداتٍ، «المثبت في الأسماء
والأنساب» مجلد، «بناء الرجال» مجلد، «تذهيب التَّهذيب» مجلد، «اختصار سنن البيهقي» خمسُ مجلداتٍ، «تنقيح أحاديث التعليق» لابن الجوزي، «المستملى اختصار المحلى»، «المغني في الضّعفاء»، «العِبَر بأخبار من غبر»، «إختصار المستدرك» للحاكم مجلدان، «اختصار تاريخ ابْن عساكر» عشرُ مجلداتٍ، «اختصار تاريخ الخطيب» مجلدان، «إختصار تاريخ نيسابور» مجلد، «الكبائر»، جزء «تحريم الأدبار»، جزآن «أخبار السَّد»، «أحاديث مختصر ابْن الحاجب»، «توقيف أهل التّوفيق على مناقب الصديق» مجلد، «نَعَمْ السَّمر في معرفةِ عُمَرَ» مجلد، «التّبيان في مناقب عُثْمَانِ» مجلد، «فتح الطالب في أخبار عَلَيّ بن أَبِي طالب»، «معجم أشياخه» هو ألفٌ وثلاثمئةِ شيخٍ، اختصار كتاب الجهاد» لابنِ عساكرَ مجلد، «ما بعد الموت» مجلد، «اختصار كتاب القدر» للبيهقي ثلاثة أجزاء، «هالة البدر في عددِ أهلِ بدر»، «اختصار تقويم البلدانِ» لصاحبِ حماةَ، «نفض الجعبة بأخبارِ شُعْبَة»، «فض نهارك بأخبارِ» ابن المبارك، «أخبار أبي مُسلِم الخراساني».
وكان مولدُهُ في الرَّبِيعِ الأَوَّل سنةَ ثلاثٍ وسبعنَ وستمئةٍ، وتُوفي في سنة ثمانٍ وأربعين وسبعمٍئه. انتهى ملخصاً.
قُلْتُ: طالعتُ من تصانيفِهِ «الكاشفَ مختصر تهذيب الكمال»، و «ميزانَ الاعتدال»، و «تذكرةَ الحُفَّاظ»، و «سِيَرَ النُّبَلاء»، و «العِبَرَ»، و «كتابَ العرش»، وغيرَها، وكلُّهما مُفيدةٌ وافيةٌ مُشتملةٌ على تحقيقاتٍ شامخةٍ.
الحادي والعشرونَ: أرخَ عند ذِكْرِ «تِبيانِ الوهمِ والخليطِ الواقعِ في حديثِ الاطيط» للحافظِ أَبِي الْقَاسِمِ ابنِ عساكرَ الدِّمَشْقِيّ وفاته (¬1) سنة إحدى وسبعينَ وخمسمئةٍ.
وهذا مناقضُ لِمَا أرخَهُ به سابقاً من أنه مات سنةَ إحدى وسبعينَ وسبعمئةٍ.
الثَّاني والعشرونَ: أرخ وفاة الذّهبيّ عند ذِكْرِ التَّجريدِ في «أسماء الصَّحَابَةِ» سنةَ ثمانٍ وأربعينَ وسبعمئةٍ.
وهو مناقضٌ لِمَا أرخَهُ به عند ذِكْرِ «التاريخ» أنه مات سنة ستٍ وأربعينَ، وما أرخَهُ عند ذِكرِ «تذكرة الحُفَّاظ» أنَّهُ ماتَ سنة سبع وأربعينَ.
الثَّالثُ والعشرون: أَنَّهُ أرخَ وفاة القَسْطَلَّانيّ عند ذِكْرِ «تحفة السامعِ والقارى نجّم صحيح الْبُخَارِيّ» سنةَ ثلاثَ وعشرينَ وتسعمئةٍ.
وقد أَرخَ سابقاً عند ذِكرِ «إرشاد السّاري» سنةَ عشرين.
الرَّابعُ والعشرونَ: أرخَ وفاة العراقي عند ذِكرِ «تخريج أَحاديث الإحياء» سنةَ ستٍ وثمانمئةٍ.
وقد أرخَ سابقاً سنةَ خمس.
الخامسُ العشرون ذَكَرَ عند ذِكْرِ «تَخاريجِ أحاديث الإحياء» أنَّ لزينِ الدِّين قاسم بن قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي كتاباً سمَّاهُ بـ «تُحْفَة الأحياء فيما فات من
¬
(¬1) في الأصل: وفات.
تخاريج أحاديث الإحياء»، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ تِسعٍ وسبعينَ وثمانمئةٍ.
وقد أرخ قبيله وفاتَّهُ عند ذِكْرِ «تحفة الأحياء فيما فات من تخاريخ الإحياء» لابن قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي سنةَ تسعٍ وتسعينَ وثمانمئةٍ.
وهذه مناقضةٌ بينةٌ، وقد ذَكَرَهُ السّخاويّ في «الضوء اللامع» وأرخَ وفاتَه سنةَ تِسعٍ وسبعينَ وثمانمئةٍ، وقال في تَرجَمته: قاسمُ بنُ قُطْلُوبُغَا زينُ الدِّينِ الحَنَفِي، هو إمامٌ علامةٌ قوي المُشاركةِ في فُنونٍ، كثيرُ الأدب، واسعُ الباعِ في استحضارِ مذهبِهِ متقدمٌ في هذا الفنِ طَلقُ اللسانِ قادرٌ على المناظرةِ وإفحامِ الخصمِ، لكن حافظتَهُ أحسن من تَحقيقِهِ، وقد انفرد من علماءِ مذهبه الذين أدركناهُم بالتَّقدمِ في هذا الفنِ، وصارَ بينه وبينَهُم مع توقفِ الكثيرِ منهم في شأنِهِ، وعَدَمِ إنزالِهِ مَنزِلَتَهُ جَرياً على عادةِ العصرين.
وتعلَّلَ الشَّيْخ بعدَّةِ أمراضٍ بمرضٍ حادٍ وبحبسِ البولِ والحصاةِ، وَتَنَقَلَ لعدَّةِ أماكَن إلى أن تَحولَ قُبيل مَوتِه بقاعةٍ بحارةِ الديلم، وماتَ فيها في الرَّبِيع الآخر سنةَ تسعٍ وسبعينَ وثمانمئةٍ، وسمعت معه مع ولدي المسلسل بالأوليةِ، وَكَتَبْتُ عنه من نَظمِهِ وفوائدِهِ، بل قرأتُ عليه شرحَ ألفيةِ العراقي، انتهى.
وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّهُ دارَ سنةَ اثنتين وثمانمئةِ بالقاهرةِ، وماتَ أبوهُ وهو صغيرٌ، وحفظَ القرآنَ وكتباً عرضاً على العزِ بن جماعة، وتَكَسبَه بالخياطةِ مدَّةً وبرعَ فيها، ثُمَّ أقبلَ على الاشتغالِ وأخذَ علومَ الحديثِ عن التَّاجِ أحمد الفرغاني قاضي بغداد، والحافظِ ابنِ حَجَر والسّراجِ قاري الهدايةِ، والمجدِ الرّومي،
وعبدِ السَّلام البغداديّ، وعبدِ اللطيفِ الكرماني. واشتدتْ عنايته بملازمَتِهِ ابن الهمام بحيث سَمعَ عليه غالبَ ما كان يقرءُ عندَهُ. انتهى.
وَذَكَرَ أَيْضًا: أن من تصانيفِهِ شرحُ قصيدةِ ابنِ فرح في «الاصطلاح»، و «رح منظومة ابن الجَزَرِيّ»، و «حواشي ألفية العراقي»، و «حواشي على نخبة ابن حَجَر»، و «تخريج أحاديث العوارف»، و «أحاديث الاختيار شرح الْمُخْتَار»، و «أحاديث البَزْدَوي»، و «أحاديث الإحياء»، و «أحاديث الشفا»، و «أحاديث أابي اللَّيْث»، و «أحاديث جواهر الْقُرْآن» للغزالي، و «أحاديث منهاج العابدين» له، و «أحاديث شرح العقائد النسفية»، و «نزهة الرائض في أولية الفرائض»، و «ترتيب مسند أَبِي حَنِيْفَةَ» لابن المقري، و «تبويب مسنده» للحارثي، و «الأمالي على مسند أَبِي حَنِيْفَةَ»، و «عوالي أَبِي اللَّيْث»، و «عوالي الطحاوي»، و «تعليق مسند الفردوس»، و «أسماء رجال شرح معاني الآثار»، و «رجال موطأ مُحَمَّد»، و «رجال كتاب الآثار» له، و «رجال مسند أَبِي حَنِيْفَةَ»، و «ترتيب الإرشاد» للخليلي، و «ترتيب التمييز» للجوزقاني، و «أسئلة الحاكم» للدَّارَقُطْنِيّ، و «الاهتمام الكلي بإصلاح ثقات العجلي»، و «زوائد العجلي»، و «زوائد رجال الموطأ»، و «مسند للشافعي»، و «سنن الدَّارَقُطْنِيّ على الستة»، و «تقويم اللسان في الضُّعَفَاء»، و «حواشي مُشتبه النّسبة» لابنِ حَجَر، و «الأجوبة عن اعتراض ابن أبي شَيْبَةَ على أَبِي حَنِيْفَةَ، و «تلخيص سيرة مغلطائي»، و «تلخيص دولة الترك»، و «تبصرة الناقد في كيد الحاسد»، و «ترصيع الجوهر النقي»، و «مُنتقى في قضاة مصر»، و «تاج التراجم
فيمن صنف من الْحَنَفِيَّة»، و «تراجم مشايخ المشايخ»، و «تراجم مشايخ شيوخ الْعَصْر»، و «شرح المصابيح» للبغوي، و «شرح مختصر القُدُوْرِيّ»، و «شرح مختصر المنار»، و «شرح درر البحار»، و «الأجوبة عن اعتراضات ابن العز على الهداية»، و «رفع الاشتباه عن مسألة المياه»، و «النّجدات في السّهو عن السجلات»، و «القول القائم في بيان حكم الحاكم»، و «القول المتبع في أحكام الكنائس والبيع»، و «تخريج الأقوال في مسألة الاستدلال»، و «تحرير الأنظار في أجوبة ابن العطار»، و «الأصل في الفصل والوصل»، و «شرح فرائض الكافي»، و «شرح مجمع البحرين»، و «شرح مختصر الكافي» لابن المجدي، و «شرح جامعة الأصول في الفرائض»، و «شرح ورقات إمام الحرمين»، و «شرح رسالة السيد في الفرائض والفوائد الجلّة في اشتباه الْقِبْلَة»، و «رسالة في الْبَسْمَلَة»، و «رسالة في رفعِ اليدين»، و «تعليق على القصارى في الصّرف»، و «تعليق على شرح العربي في الصّرف» للتفتازاني، و «تعليق على شرح العقائد»، وأجوبة عن اعتراضات ابن العز على الْحَنَفِيَّة»، و «تعليق على الأندلسية في العروض»، و «شرح مخمسة عبد العزيز في العربية»، و «اختصار تلخيص المفتاح»، و «شرح مناظر النّظر في المنطق» لابن سينا، و «أعمال في الوصايا، و «أعمال في إخراج المجهولات»، و «تعليق على تقريب ابن حَجَر»، و «رسالة فيمن روى عن أَبِيه عَن جدِّهِ»، و «غريب أحاديث شرح الأقطع على القُدُوْرِيّ، وغيرِ ذلك.
قُلْتُ: طالعتُ من تصانيفِهِ «فتاواه»، و «شرح مختصر المنار»، و «تحرير أقوال في صوم ست شوال»، و «القول القائم»، و «القول المتبع»، و «تخريج الأقوال»، وغيرَها، وكلُّها نافعةٌ جداً.
السَّادسُ والعشرونَ: ذَكَرَ عند ذِكْرِ تخريجِ أحاديث الهدايةِ أن للشيخِ جمال الدِّين يُوسُفَ الزّيلعيّ الحَنَفِي المتوفي سنة اثنتين وسسبعينَ وسبعمئة تخريجاً واسمه «نصب الرّاية لاحاديث الهداية»، انتهى معرباً.
وفيه أن الزّيلعيّ هذا هو جمالُ الدِّين عبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ الزّيلعيّ تلميذُ الفخر الزّيلعيّ شارح «الكنز» وغيرَهُ، نصَّ عليه السّيوطيّ في «حسن المحاضرة»، وغيره على ما بسطُهُ في «الفوائد البَهيَّة في تراجم الْحَنَفِيَّة».
السَّابع والعشرونَ: قال في صفحةٍ أُخرى: «تخريج أحاديث الكشاف» للإمام المحدِّث جمال الدِّينِ عبدِ الله بن يُوسُفَ الزّيلعيّ الحَنَفِي المتوفي سنة اثنتين وستين وسبعمئة.
وهذا مناقضٌ لما ذكره قبيله إن كان في ظنِّهِ أن مخرجَ أحاديث «الكشاف»، ومخرج أحاديث «الهداية» زيلعيّ واحدٌ أَوْ إن ظَنَّ أنهما اثنان فهو غَلطٌ مُتفقٌ عليه.
الثَّامنُ والعشرونَ: ذَكَرَ بُعيدَهُ أن " الكشاف" تأليف أَبِي الْقَاسِم جار الله مَحْمُود بنِ عُمَرِ الزّمخشري الخوارزمي المتوفي سنة ثمانٍ وعشرينَ وخمسمئةٍ. انتهى.
وهذا مُخالفٌ أرخه الكفوي في «طبقات الْحَنَفِيَّة»، وعلى القاري الْمَكِّيّ في «طبقات الْحَنَفِيَّة»، والسمعاني في كتاب «الأنساب»، والسيوطي في «بغية الوعاة في طبقات النحاة»، والذهبي في «العبر بأخبار من غبر»، واليافعي في «مرآة الجنان»، وابن الأثير في «الكامل»، وابن الشحنة في «روضة المناظر»، وغيرُهم من أَنَّهُ ماتَ سنة ثمانٍ وثلاثينَ وخمسمئةٍ بجرجانية خوارزم ليلةَ عرفةَ.
وقولُ هؤلاء الكبارِ أَحرى بالقبولِ من قولِ هذا القائلِ، وقد ذَكرتُ تَرجمةَ الزّمخشريّ في «الفوائد البَهيَّة».
التَّاسع والعشرون: قال: «التَّعديل والتَّجريح فيمن روى عن الْبُخَارِيّ في الصحيح» لأبي الوليد سُلَيْمَانَ بنِ خلفِ بنِ سَعْدِ التحبيبي الأندلسي الباجي المالكي المتوفي سنة أربعٍ وسبعمئةٍ. انتهى.
هذا خطأٌ فاحشٌ، فإنَّ وفاةَ الباجي سنة أربعٍ وسبعينَ وأربعمئةٍ هكذا أرخَهُ ابنُ خلكان في «تاريخه»، والذهبي في «العِبَر بأخبار من غبر «، وفي " سير النُّبَلاء" واليافعي في "مرآة الجنان" وغيرُهم.
وله تَرجمَةٌ طويلةٌ في " سير النُّبَلاء"، أوردتُ قدراً منها في " مُقدمة التّعليق المُمَجَّد على موطأ مُحَمَّد"، فلتطالع.
الثَّلاثون: ذَكَرَ " التَّحقيق في أحاديث الخلاف" لأبي الفرج عبدِ الرَّحْمَنِ بن عَلَيّ بنِ الجوزي، وأرَخَ وفاتَهُ سنةَ تسعٍ وتسعينَ وخمسمئةٍ، وهذا مُخالفٌ لِمَا أرخَهُ الذهبي واليافعي وغيرُهما من أَنَّهُ تُوفي سنةَ سبعٍ وتسعينَ وخمسمئةٍ.
وقال ابن خلكان في "تاريخه": أَبُو الفرج عبدُ الرحمن بن أَبِي الْحَسَنِ عَلَيّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَلَيِّ بنِ عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حمادي بنِ أحمدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرَ الجوزي بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ الْقَاسِمِ بنِ النّضرِ بنِ القاسمِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ الْقَاسِمِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَبِي بكرٍ الصّديق ـ رَضِي الله عَنْهُ ـ كان علامةَ عصرِهِ، وإمامَ وقتِهِ في الحديثِ وصناعةِ الوعظِ.
وصنفَ في فنونٍ عديدة منها: " زاد المسير في علم التّفسير"، وله في الحديثِ تصانيفٌ كثيرةٌ، و" المنتظم في التَّاريخ"، وله "الموضوعات"، و" تلقيح الفهوم"، و" لقط المنافع في الطب". وكانت ولادتُهُ على سبيل التقريب سنةَ ثمانٍ أو عشرةَ وخمسمئةٍ، وتُوفي ليلة الجمعة ثاني عَشرَ رمضان سنةَ سبعٍ وتسعينَ وخمسمئةٍ ببغدادَ.
والجَوْزي: بفتح الجيم وسكون الواو بعدها زاء معجمة، هذه النّسبةُ إلى قَرضة الجوز موطن مَشهورٌ. انتهى ملخصاً.
وفي شرحِ الزّرقانيّ " للمَوَاهب اللَّدُنِّيَّة" عند بحثِ مهر حواء ـ على نَبينا وعليها الصَّلاة والسَّلام ـ العلامةُ أبو الفرج عبدُ الرحمنِ بن علي الحافظ البكري الصديقي البغدادي الحنبلي الواعظ.
قال في " تاريخ الحُفَّاظ": ما علمت أحداً صنَفَ صنف وحَصلَ له من الخظوةِ في الوعظِ ما لم يحصلْ لأحدٍ قطُّ، قيل: حضرَهُ في بعضِ المجالسِ مئةَ ألفٍ، مات يوم الجمعةِ ثالثِ رمضانَ سنةَ سبعٍ وتسعينَ خمسمئةٍ، وقيل له
الجَوْزي بجوزة كانت في دارِهم لم يكنْ بواسط سوها. انتهى. وكان مَن قال إلى الجوز يبيع او غيره، لم يحرر. انتهى.
الحادي والثلثون: ذَكَرَ " التوضيح لمبهمات الجامع الصَّحيح" للحافظ أَبِي ذر أحمد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الحلبي المشهور بسبط العجمي، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ أربع وثمانينَ وثمانمئةٍ.
وفيه خطأٌ في اسمهِ وتاريخِ وفاتِهِ، بل هو أَبُو الوفاء إِبْرَاهِيمُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ خليلِ برهان (¬1) الدِّين الطّرابلسيّ الأصل، طرابلس الشَّام، الحلبي المولد والدَّار، الشَّافِعِيّ، وإنَّما قيل له سبط ابن العجمي لاَّن أُمَّهُ ابنةُ عُمَرَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الموفقِ بنِ هاشم بنِ أَبِي حامد عبد الله ابن العجمي، وُلدَ في ثاني عشرَ رجبٍ سنةَ ثلاثٍ وخمسينَ وسبعمئةٍ بالجَلّوم بالفتح ثُمَّ التَّشديد، وماتَ أبوهُ وهو صغير جداً فكفلته (¬2) أُمّه وانتقلت به إِلَى دمشقَ، فحفظَ بها بعضَ الْقُرْآن، ثُمَّ رَجِعتْ به إِلَى حلبٍ فنشأ بها، وأخذ الصرفَ عن الجمال يوسف الملطي الحَنَفِي، والنّحو عن أَبِي عبدِ الله بن جابرِ الأندلسي والكمال بن العجمي، وطرفاً من البديعِ عن أَبِي عبدِ الله الأندلسي، وفنونَ الحديثِ عن الصَّدر الياسوقي والزّين العراقي وبه انتفع وعن البلقيني وابن الملقن.
¬
(¬1) في الأصل: و.
(¬2) في الأصل: فكلفت.
وحجَ سنةَ ثلاثَ عشرةَ وثمانمئةٍ، وكان الوقوف يوم الجمعة، وزار المدينةَ وبيتَ المقدسِ مِراراً، ولما هجم تمرلنك بحلب طَلَعَ بكتبِهِ إِلَى القلعةِ، وكان فيما سلبوه حَتَّى لم يبقْ عليه شيء، بل أُسر وبقى معهم إِلَى أن رحلوا إِلَى دمشقَ، فرجع إِلَى وطنه، ووجد أكثر كتبه، واجتهد في فن الحديث اجتهاداً كثيراً حتى قرء صحيح البخاري أكثر من ستينَ مرةٍ، وصحيح مسلم نحواً من عشرين، وكتبَ تعليقاً على سنن ابن ماجه، وشرحاً مختصراً على الْبُخَارِيّ سمَّاه " التَّلقيح والمقتضى في ضبط ألفاظ الشفا"، و" نور النّبراس على ابن سيد النَّاس"، و" حواشي صحيح مسْلِم" لكنها ذهبت في الفتنة، و" حواشي سنن أَبِي دَاوُد" و" حواشي التَّجريد والكاشف"، و" تلخيص المستدرك"، و" ميزان الاعتدال" سمَّاه " نثل الهميان في معيار الميزان"، لكنه كَمَا قال ابنُ حَجَرَ لم يُمعن النَّظرَ فيه، و" حواشي مراسيل العلائي"، و" حواشي ألفية العراقي وشرحها"، وله "نهاية السّول في رواة الستة الأُصول"، و" الكشف الحثيث"، و" التبيين وتذكرة الطالب المعلم في من يقال أَنَّهُ مخضرم"، و" الاعتتباط"، و" تلخيص مهمات ابن بشكوال".
وكان إماماً علامةً حافظاً خيراً ديناً ورعاً وافرَ العقلِ حسنَ الأخلاقِ محباً للحديثِ وأهلِهِ متعففاً عن التردُّدِ لبني الدُّنيا، ومات مطعوناً سادسَ عشرَ شوالَ سنةَ إحدى وأربعينَ وثمانمئةٍ، وهو يتلو القرآنَ، هذا خلاصةُ ما في " الضوء اللامع" للسخاوي، وكفاكه به قدوةً والتفصيلَ فيه.
قُلْتُ: طالعتُ من تصانيفه " الكشف الحثيث عمن رمى بوضع الْحَدِيث"، و" التبيين لأسماء المدلسين"، و" الاغتباط بمن رمى بالاختلاط".
الثَّاني والثَّلثون: ذَكَرَ عند ذِكْرِ شروح " صحيح الْبُخَارِيّ": شرح أَبِي سليمان أحمد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن خطاب السبتي، وأرخَ وفاتَهُ سنة ثمانٍ وثلاثُمئةٍ.
وهو خطأٌ، فإن وفاتَ الخطابي ليست في السَّنةِ المذكورةِ، بل في سنةِ ثمانٍ وثمانينَ وثلاثمئةٍ على ما نص عليه السمعاني في " الأنساب"، وابن خلكان في " تاريخه"، والذهبي في " العِبَر"، واليافعي في " تاريخه" وغيرُهم من الثقاتِ، وقد ذَكَرْتُ نبذاً من ترجمته، وأن الصَّحيح في اسمه حمدٌ لا أحمد في " مقدمة التَّعليق المُمَجَّد"، فلتطالع.
الثَّالثُ والثَّلثون: ذَكَرَ مِن شروحِهِ، شرح قطبِ الدِّينِ عبدِ الكريم بنِ عبدِ النّور الحلبي الحَنَفِي، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ خمسٍ وأربعينَ وسبعمئةٍ.
وهذا مُناقضٌ لما أرخ به وفاتَهُ قبلَ ذلك عندَ ذِكْرِ الاهتمامِ بتلخيصِ الإِمَام أَنَّهُ ماتَ سنةَ خمسٍ وثلاثينَ.
الرَّابعُ والثَّلثونَ: ذَكَرَ من شروحِ " صحيح الْبُخَارِيّ": شرح برهان الدِّين إِبْرَاهِيمَ بنِ مُحَمَّدِ الحلبي المعروف بسبطِ ابنِ العجمي، وأرخ وفاتَهُ سنةَ إحدى وأربعينَ وثمانمئةٍ.
وهذا مناقضٌ لما ذكره سابقاً من أَنَّهُ مات سنة أربع وثمانينَ.
الخامسُ والثلثون: ذَكَرَ من شراحِهِ الحافظَ زينَ الدِّينِ عبدَ الرَّحْمَنِ بنَ أحمد الشَّهير بابنِ رجبٍ الحنبليّ، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ خمسٍ وتسعينَ وتسعمئةٍ.
وهذا عجبٌ عجيبٌ، فإن قد عَلِمَ أن ابنَ رجبٍ هذا من تلامذةِ الشَّيخ ابنِ تيمية أحمدَ بنِ عبدِ الحليمِ الحراني، وقد تُوفي ابنُ تيميةَ سنةَ ثمانٍ عشرينَ
وسبعمئةٍ، أَفلا يُستبعدُ أن تلميذَهُ عَمَرَ إلى أن ماتَ قريبَ المئة الحاديةَ عشرة، ومن طالعَ تصانيفَ السّيوطيّ و القَسْطَلَّانيّ وغيرِهما عَلِمَ كَذِبَ ذلك قطعاً، ولعلَّ الصَّوابَ ما أرخَهُ صاحبُ " الكشف" عندَ ذِكْرِ " لطائفِ المعارفِ" لابن رجب أَنَّهُ ماتَ سنةَ خمسٍ وتسعينَ وسبعمئةٍ.
السَّادسُ والثَّلثونَ: ذَكَرَ من شروحِهِ شَرَحَ الإِمَام فخر الإِسلام عَلَيّ بنِ البرذوي الحَنَفِي المتوفي سنةَ أربع وثمانينَ وثمانمئةٍ.
وهذا خطأٌ فاحشٌ يتعجبُ منه الطلبةُ أَيْضًا فضلاً عن الكملةِ، فإن مَن قَرأ " التَّوضيحَ"، و" التَّلويح"، و" الهداية"، وغيرَها يَعلَمُ قطعاً أن البرذوي مُقدَمٌ على أصحابِها، وهم قد مَضوا قبل المئة التَّاسعةِ، بل بعضُهم قَبلَ المئةَ الثَّامنةَ، وبعضُهم قبلَ المئة السَّابعةَ، فكيف يكون وفاتُ البرذوي في المئةِ التَّاسعةِ، أفتراهُ بُعثَ بعد الموتِ أو خُلِدَ في الدُّنيا إِلَى يوم الفوت.
وقد أرخَ الكفوي في " طبقات الْحَنَفِيَّة" وفاتَهُ سنَةَ اثنتينَ وثمانينَ وأربعمئةِ، وقد ذَكَرْتُ قدراً من حالِهِ في " مقدمة الهداية"، وفي "الفوائد البَهيَّة".
السَّابعُ والثلثونَ: ذَكَرَ من شُراحِهِ القاضي أبا الوليد سليمان الباجي، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ أربعٍ وسبعينَ وأربعمئةٍ.
وهذا مُناقضٌ لما ذَكَرَهُ سابقاً أَنَّهُ ماتَ سنةَ أربعٍ وسبعينَ وسبعمئةٍ.
الثَّامنُ والثَّلثونَ: ذَكَرَ من شُراحِ " صحيح مُسلِم" علياً القاري الْمَكِّيّ، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ ستَ عشرةَ وألفٍ.
وهذا مخالفٌ لما في " خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشرَ" وغيرِه، أَنَّهُ تُوفي سنةَ أربعَ عشرةَ وألفٍ، وقد ذَكَرْتُ تَرجمتَهُ في " التعليقات السّنية على الفوائد البَهيَّة".
التَاسعُ والثَّلثونَ: ذَكَرَ من شروح " جامع الترمذي" شَرحَ الحافظ أَبِي بكرٍ بن العربي مُحَمَّدِ بنِ عبدِ الله الإشبيلي، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ ستٍ وأربعينَ وخمسمئةٍ، وهذا مخالفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الثّقاتُ كابنِ خلكان والذّهبي واليافعي وابن بشكوال وغيرِهم، أَنَّهُ ماتَ سنةَ ثلاثٍ وأربعينَ.
الأربعونَ: ذَكَرَ من شِراحِهِ الْحَافِظ زينَ الدِّينِ عبدَ الرَّحْمَنِ بنَ رجبٍ الحنبلي وأرخَ وفاتَهُ سنةَ خمسٍ وتسعينَ وسبعمائةٍ.
وهذا مناقضٌ لما مَرَّ منه سابقاً أَنَّهُ ماتَ سنةَ خمسٍ وتسعينَ وتسعمائةٍ.
الحادي والأربعونَ، ذَكَرَ " جامع المسانيد والألقاب" لابن الجوزي، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ سبعٍ وتسعينَ وخمسمئةٍ.
وهذا مخالفٌ لما مَرَّ منه سابقاً أَنَّهُ تُوفي سنةَ تسعٍ وتسعينَ.
الثَّاني والأربعونَ: ذَكَرَ «جامع المسانيد» لعمادِ الدِّينِ إِسْمَاعِيلَ بنِ عُمَرَ المعروف بابنِ كثيرٍ الدِّمَشْقِيّ المتوفي سنة أربع وتسعينَ وستِمئةٍ.
وهذا خطأٌ فاحشٌ فإن ولادتَهُ بعدَ السنةِ المذكورةِ، ووفاتَهُ في المئةِ الثَّامنةِ، قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في «الدرر الكامنة في أعيان المئة الثَّامنة»، وُلدَ ابنُ كثيرٍ سنةَ سبعمئةٍ أو بعدها بيسير، وماتَ أبوهُ سنةَ ثلاثٍ ونشأَ هو بدمشقَ، وسَمِعَ من ابنِ الشّحنة وابنِ الزراد وإسحاق الآمدي وابن عساكر والمزي
وطائفةٍ، واشتغلَ في الحديثِ مطالعةً في متونِهِ ورجالِهِ، فَجَمَعَ التَّفسيرَ، وشَرَعَ في كتابٍ كبيرٍ في الأحكام ولم يكمل، وَجَمَعَ التَّاريخ الذي سمَّاه بالبدايةِ والنِّهايةِ، وعملَ طبقات الشَّافعيَّة، وخَرَّجَ أحاديثِ أدلةِ التَّنبيه، وأحاديثَ مُختصرَ ابنِ الحاجبِ، وَشَرَعَ في «شرحِ الْبُخَارِيّ»، ولازمَ المزي وقرأ عليه تهذيبَ الكمالِ، وصاهرَهُ على ابنتِهِ، وأخذَ عن ابنِ تيميةِ؛ ففتن بحبه؛ وامتحن بسببه، وكانَ كثيرَ الاستحضارِ سارتْ تصانيفهُ في حياتِهِ، ولم يمكن على طريقةِ المحدِّثين في تحصيلِ العوالي وتمييزِ العالي من النَّازل ونحو ذلك من فنونِهم، وإنَّما هو من محدِّثي الفقهاء، وقد اختصر مع ذلك كتابَ ابنِ الصلاحِ، قال الذّهبي في «المعجم»: الإمامُ المفتى البارعُ المحدِّثُ ابنُ كثيرٍ فقيهٌ متقنٌ محدِّثٌ مفسرٌ له تَصانيفٌ مفيدةٌ، ماتَ سنةَ أربعٍ وسبعينَ وسبعمئةٍ. انتهى كلامُ ابن حجر.
وفي «طبقات ابن شهبة»: إِسْمَاعِيلُ بنُ كثيرٍ بنِ ضوأ بنِ كثيرٍ الْقُرَشِيّ الدِّمَشْقِيّ مولدُهُ سنةَ إحدى وسبعمئةٍ، وتفقهَ على الشيخينِ برهانَ الدِّينِ الْفَزَارِيّ وكمالِ الدِّينِ بن قاضي شهبة، ثُمَّ صَاحِب أبا الْحَجَّاج المزي ولازمه، وأقبل على علمِ الحديثِ، وأخذَ الكثيرَ عن ابن تَيْميَّةَ، وقرأ الأصول على الأصفهاني، وأقبلَ على حفظِ المتونِ ومعرفةِ الأسانيدِ والعللِ والرِّجالِ والتَّاريخِ حَتَّى بَرَعَ وهو شابٌ، وصنفَ في صغرِهِ كتابَ " الأحكامِ" على أبوابِ الفقه والتاريخ المسمَّى بـ" البداية والنّهاية"، وصنفَ كتاباً في جمعِ المسانيدِ العشرة، واختصرَ " تهذيب الكمالِ" سمَّاهُ " التَّكميل"، وطبقات الشافعية ورتبه على الطبقات لكنه ذَكَرَ فيه خلائقَ ممن لا حاجةَ لطلبةِ العلمِ
إلى مَعرفِةِ أحوالِهم؛ فلذلك جمعنا هذا الكتابَ وشَرَحَ قطعةً من " البخاري" وقطعه من التنبيه، ولي بعدَ موتِ السبكي دارَ الحديثِ بالأشرفيةِ مُدَّةً يسيرةً.
قال الحافظُ شهابُ الدينِ بن حجر: كان أحفظَ مَن أدركناهُ لمتونِ الأحاديث وأعرَفَهم بجرحها ورجالها وصحيحها وسقيمها، وكان أقرانُهُ وشيوخُهُ يَعترفونَ له بذلك، وتُوفي في شَعبان سنةَ أربعٍ وسبعينَ وسبعمئةٍ، وَدُفِنَ بمقبرةٍ الصُّوفيةِ عند شيخِهِ ابنِ تَيْميَّة. انتهى.
قُلْتُ: قد طالعتُ تاريخه وهو نفيسُ جداً مشتملٌ على بسطٍ بسيطٍ في أحوالِ العلماءِ والسَّلاطين والوقائع والحوادث.
الثَّالثُ والأربعونَ: ذَكَرَ " حادي الأرواح الى بلاد الأفراحِ" لابن القيم، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ اثنتين وخمسينَ وسبعمئةٍ.
وهو مخالفٌ لما أرخَهُ عند ذِكْرِ " جلاء الأفهام في الصَّلاة على خير الأنام" له أَنَّهُ ماتَ سنةَ إحدى وخمسينَ.
وهذا هو الموافقُ لما ذَكَرَهُ السّيوطيّ في " بغية الوعاة في طبقات النّحاة" وغيره.
الرَّابعُ والأربعونَ: ذَكَرَ " الحصن الحصين" للشمس مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّد الجَزَرِيّ وأرخَ وفاتَهُ سنةَ أربعٍ وثلاثينَ وسبعمئةٍ.
وهو خطأٌ فاحشٌ فإنَّهُ وُلِدَ بعدَ هذه السَّنة، ووفاتُهُ في المئةِ التّاسعةِ سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ وثمانمئةٍ، كَمَا ذَكَرَهُ أحمد بن مصطفى الشهير بطاشكبرى زاده
في " الشّقاق النّعمانية في علماءِ الدّولة العثمانية"، وقد ذَكْرَتُ نبذاً من تَرجمتِهِ وَترجمةِ أولاده في " التّعليقات السّنية".
وفي " الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل" لمجير الدِّين الحنبلي: شمس الدِّين أَبُو الخير مُحَمَّد بن مُحَمَّد الجَزَرِيّ الدِّمَشْقِيّ الشَّافِعِيّ، مولدُهُ ليلةَ السبت سادسَ عشرَ رمضانَ سنةَ إحدى وخمسينَ وسبعمئةٍ، واعتنى بالقراءات فأتقنها وَمَهَرَ فيها، وله مُصنفاتٌ منها: كتابُ " النشر في القراءات"، و" ذيل طبقات القراء" للذهبي، و" الحصن الحصين"، و" التّوضيح في شرح المصابيح"، وغيرُها، وجميعُ مصنفاتِهِ مُفيدَةٌ نافعةٌ.
وَعُينَ لقضاءِ الشّام فلم يتم له ذلك، وولي تدريس الصلاحية بعد نجمِ الدِّينِ ابنِ جماعةَ، ثُمَّ تَوجَهَ من القدسِ إِلَى بلادِ الرّوم ثُمَّ سافرَ إِلَى بلادِ فارسٍ وولي قضاءَ شيراز، وحضرَ القاهرةَ سنةَ سبعٍ وعشرينَ وثمانمئة، ثُمَّ سافرَ إِلَى شيراز وتُوفي هناك نهارَ الأضحى سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ وثمانمئةٍ. انتهى.
قُلْتُ: طالعتُ من تصانيفِهِ " الحصن الحصين"، ومختصره المسمى بـ" العدَّة"، وشرحه المسمَّى بـ" مفتاح الحصن" وغيرَ ذلك، وَذَكَرَ في آخرِ " الحصن" أنَّهُ فَرَغَ من تصنيفِهِ يومَ الأحدِ الثَّاني والعشرينَ من ذي الحجَّةِ سنةَ إحدى وتسعينَ وسبعمئةٍ الخ.
الخامسُ والأربعونَ: ذَكَرَ في ذِكْرِ " الحصن" أن الجَزَرِيّ لمَّا فرَّ حين طَلبه تيمور تحصنَ بهذا الحصن، وهذا يُفضي منه العجبَ، فإنَّهُ لَمَا ذَكَرَ أَنَّهُ تُوفي سنَةَ أربعٍ وثلاثينَ وسبعمئةٍ، كيف يصحُّ طلبُ تيمورَ وفرارُهُ منه، فإنَّ وَقعَتَ
تيمورَ في تلك البلادِ كانت في آخر الثَّامنةِ وابتداء المئةِ التَّاسعةِ لا فى ابتداء الثَّامنةِ، أفتراهُ طلبَهُ بعدَ موتِهِ، وَفَرَ منه في قبرِهِ.
السَّادسُ والأربعونَ: ذَكَرَ بعد سطورٍ عديدةٍ ما معربه أَنَّهُ فَرَغَ من تأليفِ " الحصنِ" يومَ الأحدِ الثَّاني والعشرينَ من ذي الحجَّة سنةَ إحدى وتسعينَ وتسعمئةٍ بالمدرسةِ التي أنشأها برأس عقبة الكتان داخلَ دمشقَ الخ.
وهذا أعجبُ من الأولينِ فإنَّهُ لَمَا كانت وفاتَهُ سنةَ أربعٍ وثلاثينَ وسبعمئةٍ، فكيف يصحُّ إتمامه " الحصن" في السنةِ الحاديةَ والتَّسعينَ بعد تسعمئةٍ ولعلَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ صنَفَهُ في قبرِهِ.
السَّابعُ والأربعونَ: هذا يَدلُّ على أَنَّهُ لم يتفق له مُطالعةِ " الحصن الحصين" فضلاً عن استفادةِ بركاتِهِ، فإنَّ المؤلفَ بنفسِهِ ذَكَرَ في آخرة أنَّهُ أتمهُ سنةَ إحدى وتسعينَ وسبعمئةٍ.
الثَّامنُ والأربعون: ذَكَرَ بعد سطورٍ عديدةٍ أنَّ شَرحَ " الحصنِ الحصين" المسمَّى بـ" مفتاح الحصن" شَرحٌ مفيدٍ لمؤلفِهِ، وَفَرَغَ منه سنةَ إحدى وثلاثينَ وثمانمئةٍ بعد تأليف " الحصن" بأربعينَ سنةٍ. انتهى ملخصاً معرباً.
وهذا يفضي إِلَى العجبِ على العجبِ، فإنه لَمَّا ذَكَرَ سابقاً أَنَّهُ فَرغَ من تأليف " الحصن" سنةَ إحدى وتسعينَ وتسعمئةٍ وأنَّهُ ماتَ سنةَ أربع وثلاثينَ وسبعمئةٍ، فكيفَ يُمكنُ فَراغُهُ من تأليف " الحصن" بعد تأليف " الحصن" نحو أربعين سنةَ، والي الله المشتكى من مثل هذه الزَّلاتِ المتتابعة في سطورٍ
مُتقاربةٍ، وَمَن بَلغَ إِلَى هذه المرتبةِ مِن الغفلةِ حُرِّمَ عليه أخذَ القلمِ باليدِ وتسويدَ الورقةِ.
التَّاسعُ والأربعونَ: ذَكَرَ " در السَّحابة في وفيات الصَّحَابَة" لرضي الدَّين حسن بنِ مُحَمَّدِ الصنعاني وفأرخَ وفاتَهُ سنةَ خَمسٍ وستمئةٍ.
وهو غلطٌ مخالفٌ لِمَا في " طبقات الْحَنَفِيَّة"، و" طبقات النّحاة" للسيوطي، و" سبحة المرجان"، وغيرِها أَنَّهُ ماتَ سنةَ خمسينَ وستُمئةٍ.
ولتطلب تَرجمتُهُ من رسالتي " الفوائد البَهيَّة"، ومن رسالتي الَّتِي أنا مُشتغلُ في هذه الأيامِ بجمعها " إنباء الخلان بأنباء علماء هندوستان".
الخمسون: ذَكَرَ " دقائق الأخبار لمحمدِ بنِ سلامةَ أَبِي (¬1) عبدِ الله القضاعي، وأرخ وفاتَهُ سنةَ أربعٍ وخمسينَ وأربعمئةٍ.
وهو مخالفٌ لِمَا أرخَ به وفاتَهُ عند ذِكْرِ " الأمالي" أَنَّهُ تُوفي سنةَ ثمانٍ وخمسينَ وثلاثُمئةٍ.
الحادي والخمسون: ذَكَرَ " سننَ الدَّارَقُطْنِيّ" عَلَيّ بنُ عُمَرَ الحافظِ الْبَغْدَادِيّ، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ خمسٍ وثمانينَ وثمانمئةٍ.
وهذا أمرُ يضحكُ عليه الطلبةِ فضلاً عن الكملةِ فإنَّ أهلَ العلمِ قاطبةً يعملونَ أن الدَّارَقُطْنِيّ لم يُدرك المئةَ التَّاسعةَ، بل ولا الثَّامنة ولا السَّابعة ولا السَّادسة ولا الخامسة، مع أَنَّهُ أرخَ وفاتَهُ عند ذِكْرِ " الأربعين" سنة خمس
¬
(¬1) في الأصل: أبو.
وثلاثينَ وثلاثمئةٍ، وأرخَ عند ذِكرِ الالزامات على الصحيحين سنةَ خمسٍ وثمانينَ وثلاثمئةٍ، وهذه أقوالٌ متناقضةٌ لا يُدرى ما هو الصَّحيح منها.
وقد ذَكَرْنا ترجمتَهُ سابقاً فتذكرَهُ.
الثَّاني والخمسون: ذَكَرَ " شرح حديث الأربعين" للبِرْكِلي الرّومي، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ إحدى وثمانينَ وتسعمئةٍ.
وهذا مخالفٌ لِمَا مرَّ منه عند ذِكْرِ " الأربعين" أَنَّهُ ماتَ سنةَ ستينَ وتسعمئةٍ.
الثَّالثُ والخمسونَ ذَكَرَ "شرح حديث عبادة" للشيخ ابن أَبِي جمرة، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ خمسٍ وسبعينَ وستمئةٍ.
وهذا مخالفٌ لِمَا أرخ به جَمْعٌ من المعتبرين، قال عبد الوهاب الشعراني في " طبقات الأولياء" منهم: الشَّيْخ عبدُ الله بن جمرة الأندلسي المرسي القدوةُ الرَّباني، قَدِمَ مصرَ وله زاويةٌ بخط جامع المقسم، وكان ذا تَمسكٍ بآثارِ النَّبِيّ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ وحاله وهمته على العبادةِ وشهرةً كبيرةً بالإخلاص والفرارِ من النَّاسِ، وابتلى بالإنكارِ عليه حين قال أَنَّهُ يَرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقظةً ومشافهةً، وقامَ عليه بعضُ النَّاسِ، فانقطعَ في بيتِهِ إلى أن ماتَ سنة خمسٍ وخمسينَ وستمئةٍ. انتهى.
وذَكَرَ السّيوطيّ وفاتَهُ سنةَ خمسٍ وتسعينَ حيثُ قال في «حسن المحاضرة في أخبارِ مصرَ والقاهرةَ» الإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ ابنُ أَبِي جمرةَ المقرئي المالكي العالمُ
البارعُ والنَّاسكُ، قال ابنُ كثيرٍ كان قوالاً بالحقِّ أماراً بالمعروف، ماتَ بمصر في ذي القعدةِ سنةَ خمسٍ وتسعينَ وستمئةٍ. انتهى.
ويُوافقُهُ قول مُحَمَّدِ بنِ عبد الباقي الزرقاني في «شرح المَوَاهب اللَّدُنِّيَّة» عبدُ اللهِ بنُ أَبِي حجرة المقرئي المالكي البارعُ النَّاسك، ماتَ بمصرَ في ذي القعدةِ سنةَ خمسٍ وتسعينَ وستمئةٍ.
وفي " التَّبصير في تعداد من هو بجيم وراء الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدُ عبدُ اللهِ بنِ أَبِي جمرة المغربي نَزيلُ مصر كان عالماً عابداً شهيرَ الذِكْرِ شَرحَ منتخباً له من " الْبُخَارِيّ" نَفَعَ الله ببركتِهِ، وهو من بيتٍ كبيرٍ بالمغربِ شهيرِ الذِكْرِ. انتهى.
الرَّابعُ والخمسونَ: ذَكَرَ مِن شُروح «شِفاء عياض» شرح أَبِي ذر أحمدَ بنِ إِبْرَاهِيم الحلبي المتوفي سنة أربعٍ وثمانينَ وثمانمئةٍ.
وهذا مع كونِهِ غير صحيحٍ في نفسِهِ كَمَا مَرَّ منا ذِكْرُهُ، وَمُعارضٌ بِمَا أرخَهُ به عند ذِكْرِ شُراحِ «صحيح الْبُخَارِيّ» أَنَّهُ ماتَ سنةَ إحدى وأربعينَ وثمانمئةٍ.
الخامسُ والخمسونَ: ذَكَرَ مِن شُراحِ " الشفا" كَمالُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي شريف القدسي المتوفي سنةَ إحدى وخمسينَ وتسعمئةٍ.
وهذا ليس بصحيحٍ فقد ذَكَرَ ترجمتَهُ مطولةً تلميذُهُ مجيرُ الدينِ الحنبليّ القدسيّ في " الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل"، وأرخَ ولادتَهُ سنةَ اثنتين وعشرين وثمانمئةٍ، وَذَكَرَ في اسمه ونسبه أَنَّهُ كمالُ الدِّينِ أَبُو المعالي مُحَمَّدُ بنُ الأمير ناصرِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بن أَبِي بكر عَلَيّ بن أَبِي شريف القدسي
الشَّافِعِيّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ تتلمذَ (¬1) على ابنِ الهمامِ صاحب "فتح القدير" وعلى الْحَافِظِ ابنِ حَجَر والسّعدِ الديري وغيرِهم، وأنَّهُ دَخلَ في القاهرةِ سنةَ إحدى وثمانينَ واستوطَنَها، وصنفَ " الأسحار بشرح الإرشاد"، و" الدرر اللوامع بتحرير الجوامع" في الأصول، و" الفرائد في شرح العقائد النّسفية"، و" المسامرة شرح المسايرة" لابن الهمام في الكلام، وقطعة علي " البيضاوي"، وقطعة علي " الْبُخَارِيّ"، وقطعة على " صفوة الزبد".
وذَكَرَ في " كشف الظنون" وفاتَهُ سنةَ خمسٍ وتسعمئةٍ.
السَّادسُ والخمسونَ: ذَكَرَ أن من شروحِ " الشفا" شرح أَبِي عبدِ الله أحمدَ بنِ مُحَمَّدِ بن مرزوق التّلمساني المالكي المتوفي سنةَ إحدى وثمانينَ وسبعمئةٍ.
وهذا مخالفٌ لما مَرَّ منه عند ذِكْرِ شُروح "صحيح الْبُخَارِيّ"، وشرح العلامة أَبِي عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق التّلمساني المالكي شارح " البردة" المتوفي سنةَ اثنتين وأربعين وثمانمئةٍ.
السَّابعُ والخمسونَ: ذَكَرَ من شُروح «شمائل الترمذي» (¬2) شرح على القاري الْمَكِّيّ، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ ستَ عشرةَ وألفٍ.
وهذا مخالفٌ لما أرخه به عند ذِكرِ شُراح «أربعين النووي» أَنَّهُ ماتَ سنةَ أربعٍ وأربعينَ وألفٍ.
¬
(¬1) في الأصل: تلمذ.
(¬2) في الأصل: الترزي.
الثَّامنُ والخمسونَ: ذَكَرَ " شهاب الأخبار" للقاضي أبي عبد الله مُحَمَّدِ بنِ سلامةَ بنِ جَعْفَرَ بنِ عَلَيِّ بنِ حكمونَ القضاعي الشَّافِعِيّ، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ أربعٍ وخمسينَ وأربعمئةٍ.
وهذا مخالفٌ لما أرخَهُ عند ذِكْرِ " أمالي القضاعي" أَنَّهُ ماتَ سنةَ ثمانٍ وخمسينَ وثلاثمئةٍ.
التَّاسعُ والخمسون: ذَكَرَ " صفوة الصفوة" لابن الجوزي، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ سبعٍ وتسعينَ وخمسمئةٍ.
وهذا مخالفٌ لِمَا ارخَهُ به عند ذِكْرِ " التّحقيق" أَنَّهُ تُوفي سنةَ تسعٍ وتسعينَ.
الستونَ: ذَكَرَ " الطريقة المحمَّديَّة" للبِرْكِلي، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ إحدى وثمانينَ وتسعمئةٍ.
وهذا مخالفٌ لما مرَّ منه عند ذِكْرِ " الأربعين" له، أَنَّهُ ماتَ سنةَ ستينَ وتسعمئةٍ.
الحادي والستونَ: ذَكَرَ " عارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي" لأبي بكرٍ ابن العربي، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ ثلاثٍ وخمسينَ وخمسمئةٍ.
وهو مع كونِهِ مخالفاً لِمَا ذَكَرَهُ عند ذِكْرِ " جامع الترمذي" أَنَّهُ ماتَ سنةَ ستٍ وأربعينَ وخمسمئةٍ غير صحيحٍ في نفسِهِ أَيْضًا على ما مرَّ ذِكْرِهُ.
الثَّاني والستونَ: ذَكَرَ عندَ ذِكْرِ " علوم الْحَدِيث" لابن الصلاح، أَنَّهُ اختصرَهُ العمادُ بنُ كثيرٍ، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ أربعٍ وسبعينَ وسبعمئةٍ.
وهذا مخالفٌ لما مرَّ منهُ عند ذِكْرِ " جامع المسانيد" له، أَنَّهُ تُوفي سنةَ أربع وتسعينَ وستمئةٍ.
الثَّالثُ والستونَ: ذَكَرَ عوالي أحاديث الليث بن سعد، وأنَّهُ خَرَّجَهُ الشَّيْخ قاسم بن قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ تسعٍ وسبعينَ وثمانمئةٍ.
وهذا معارضٌ لما ذَكَرَهُ عند ذِكْرِ «تحفة الأحياء» أَنَّهُ ماتَ سنةَ تسعٍ وتسعينَ.
الرَّابعُ والستونَ: ذَكَرَ «الفائق في غريب الْحَدِيث» للعلامةِ جارِ اللهِ محمودِ الزّمخشريّ، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ ثمانٍ وثلاثينَ خمسمئةٍ.
وهذا مخالفٌ لما أرخَهُ به عند ذِكْرِ تخريج أحاديث «الكشاف» أَنَّهُ ماتَ سنةَ ثمانٍ وعشرينَ وخمسمئةٍ.
الخامسُ والستونَ: ذَكَرَ «فرائد القلائد على أحاديث شرح العقائد» لعلي القاري، وَذَكَرَ أَنَّهُ قال في آخره قد وَقَعَ الفراغُ من تسويدِهِ في الحرمِ الشَّريفِ الْمَكِّيّ في شهر صفر، فتم بالخيرِ عامَ ثمانٍ وخمسينَ بعدَ الألفِ ـ خَتَمَ الله لنا بالحسنى وبلغنا بالمقام الأسنى ـ. انتهى.
وهذا عجيبٌ جداً:
أما أولاً فلأنَّهُ لا وجودَ لهذهِ العبارةِ الَّتِي ذَكَرَها في آخر " الفرائد".
وأما ثانياً فلأنَّهُ أرخَ وفاةَ القاري في " الحطة"، و" الإتحاف" تارةً سنةَ أربعٍ وأربعينَ وألفٍ، وتارةً سنةَ ستٍ عشرةَ وألفٍ، فهلا تَنبَهَ على أَنَّهُ ماتَ في تلك السنةَ كيف خَتَمَ "الفرائد" في تلك السنةِ.
السَّادسُ والستونَ: ذَكَرَ كتاب " الأشرافِ في مسائلِ الخلافِ" للحافظ أَبِي بكرٍ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ المنذرِ المتوفي سنةَ تسعَ عشرةَ وثلاثُمئةٍ.
وهذا مع كَونِهِ مُخالفاً لما ذَكَرَهُ عند ذِكْرِ " الأوسطِ في السنن والإجماع" لابن المنذر أَنَّهُ تُوفي سنةَ تسعٍ أو عشرٍ (¬1) وثلاثُمئةٍ غيرُ صحيحٍ في نفسِهِ، فإنَ وفاةَ ابنِ المنذرِ كانت سنةَ عشر (¬2) بعدَ ثلاثُمئةٍ أو سنةَ تسعٍ نَصَّ عليه ابنُ خلكان واليافعي وغيرُهما.
السَّابع والستونَ: ذَكَرَ «المختلف والمؤتلف» لعلاء الدِّين عَلَيّ بنِ عُثْمَانِ المارديتي الحَنَفِي، وأرخَ وفاتَهُ سنَةَ خمسٍ وسبعئةٍ.
وهو مخالفٌ لما أرخهُ به عند ذِكْرِ «علوم الحديثِ» لابن الصَّلاحِ أَنَّهُ ماتَ سنةَ خمسينَ وسبعمئةٍ، وذلك هو المذكور «طبقات الْحَنَفِيَّة» للكفوي وغيرِهِ، وقد ذَكَرَتُ ترجمتَهُ في «الفوائد البَهيَّة».
الثَّامنُ والستونَ: ذَكَرَ «مُسندَ» أبي عبدِ الرَّحْمَن بقي بن مخلد القرطبي الْحَافِظَ، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ اثنتينِ وسبعينَ وسبعمئةٍ، وقال ما معربه: أنَّ ابنَ
¬
(¬1) في الأصل: عشرة.
(¬2) في الأصل: عشرة.
حزمٍ قال أنَّ في هذا المسندِ رَوَى عن ألف وثلاثُمئةِ صحابي، ورَتَبَ على أبواب الفقهِ. انتهى.
وهذا عجيبٌ جداً فانَّ ابنَ حزمٍ من رجال المئةِ الرَّابعةِ والخامسةِ، فإن ولادتَهُ كانت في رمضانَ سنةَ أربعٍ وثمانينَ وثلاثُمئةٍ، ووفاتَهُ في شعبانَ سنةَ ستٍ وخمسينَ وأربعمئةٍ نَصَّ عليه ابن خلكان وغيرُهُ، فكيف لا يُستبعدُ أن يَصفَ ابن حزمٍ مسندَ مَن ماتَ في المئةِ الثَّامنةِ على ما ذَكَرَهُ، وقد ذَكَرَ اليافعيّ وغيرُهُ أن وفاةَ بقي سنةَ ستٍ وسبعينَ ومئتين.
التَّاسعُ والستونَ: ذَكَرَ من شروحِ «المشكاة» علي القاري الْمَكِّيّ، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ أربعَ عشرةَ بعدَ الألفِ.
وهذا معارضٌ بما ذَكَرَهُ سابقاً أَنَّهُ ماتَ سنةَ أربعٍ وأربعينَ، وبما ذَكَرَهُ في موضعٍ آخر أَنَّهُ ماتِ سنةَ ستَ عشرةَ، وبما ذَكَرَهُ سابقاً أَنَّهُ أَتَمَ فَرائدَ القلائدِ عام ثمانٍ وخمسينَ وألفٍ.
السبعونَ: ذَكَرَ من شُراح " المصابيح" قُرَّة بنُ يَعْقُوبَ بنِ إِدْرِيسِ الحَنَفِي القرماني، المُتوفى سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ وثمانمئةٍ، وفيه أَنَّهُ ليس هو قُرَّة بنُ يَعْقُوبَ بل هو يَعْقُوبُ بنُ إِدْرِيسِ المُشْتَهِر بقُرَّةِ يَعْقُوب. وقد ذَكَرَتُ تَرجمتَهُ في «الفوائد».
الحادي والسبعونَ: ذَكَرَ «مسند ابن أَبِي شَيْبَة»، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ خمسٍ وثلاثينَ وثلاثُمئةٍ.
وهذا خطأٌ فاحشٌ فإنَ وفاتَهُ خمسٍ وثلاثينَ ومئتينِ، كَمَا ذَكَرَهُ اليافعي في «مرآة الجنان»، وَذَكَرَ في ترجمتِهِ قال أَبُو زرعة: ما رأيتُ أحفظَ منه، وقال أَبُو عبيدة: انتهى عِلْم الْحَدِيث إِلَى أربعة أَبِي بكرٍ بنِ أَبِي شَيْبَة وهو أَسرَدُهُم لَهُ، وابنِ معينِ وهو أَجمَعَهُم لَهُ، وابنِ المديني وهو أعلَمَهُم بِهِ، وأحمدَ بن حنبلِ هو أفقَهَهُم بِهِ. انتهى.
وفي " تذكرة الحُفَّاظ" للذهبي: أَبُو بكرٍ بنُ أَبِي شَيْبَةَ عبدُ الله بن مُحَمَّدِ بنِ أَبِي شَيْبَة إِبْرَاهِيم بنِ عُثْمَانَ العيسى مولاهم الكوفي صاحب " المسند"، و" المصنف"، وغير ذلك، سَمَعَ من شريك القاضي وابنِ المبارك وابنِ عيينة وجرير بن عبد الحميد وطبقتم، وعنه أَبُو زرعةَ والْبُخَارِيّ ومُسلِم وأبو داود وابنُ ماجه وأبو بكرٍ بنُ أبي عاصم وبقى بن مخلد والبغوي.
قال أحمد: صدوق هو أحب إلي من أخيه عُثْمَانَ، وقال العجلي: ثقةٌ حافظٌ، وقال الفلاس: ما رأيت من أَبِي بَكْر، وَكَذا قال أَبُو زُرعةَ الرَّازِيّ، وقال صالحُ بنُ مُحَمَّدٍ: أعلمُ أدركتُ بالحديثِ وعللِهِ علي بن المديني، وأحفظهم له عند المذاكرة أبو بكرٍ بن أَبِي شَيْبَة، قال الْبُخَارِيّ: ماتَ سنةَ خمسٍ وثلاثينَ ومئتين. انتهى ملخصاً.
الثَّاني والسَّبعون: ذكر " مصنف ابن أَبِي شَيْبَة"، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ خمسٍ وثلاثينَ ومئتين.
وهذا وإن كان صحيحاً في نفسِهِ، لكنه مُعارضٌ بما ذَكَرَهُ عند ذِكْرِ " المسند".
الثَّالثُ والسبعونَ: ذَكَرَ في بابِ الواو " وظائف النَّبِيّ" لمُلا عبدِ الغني بنِ أحمدَ بنِ عبدِ القدوسِ الحَنَفِي.
وهذا خطأٌ من كاتبِهِ فإنَّ اسمه عبدُ النَّبِيّ لا عبدُ الغني، ولتُطلبَ تَرجمتُهُ من رسالتي " إنباء الخلان".
ذِكْرِ قَدَرٍ من المسامحاتِ الواقعةِ في " الحطة في ذِكْرِ الصّحاحِ الستة":
الرَّابعُ والسبعون: ذَكَرَ عند شُراح «صحيح الْبُخَارِيّ» أحمد بن مُحَمَّد الخطابي، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ ثمانٍ وثلاثُمئةٍ.
وهذا خطأٌ فإنَّ وفاتَهُ كانت سنةَ ثمانٍ وثمانينَ وثلاثُمئةٍ كما ذَكَرَهُ السمعاني في " الأنساب" وابن خلكان والذهبي وغيرُهم، وكذا أرخَهُ صاحب " كشف الظنون" عند ذِكْرِ شُراح " سننِ أَبِي دَاوُد"، وَذَكَرَ عند ذِكْرِ شُراح " صحيح الْبُخَارِيّ" وفاتَهُ سنةَ ثمانٍ وثلاثُمئةٍ فلم يُصبْ، وقد ذَكَرْتُ ترجمتَهُ وأنَّ الصَّحيح في اسمه حمد لا أحمد في مُقدمةِ شرحي لموطأ مُحَمَّد المسمَّى بـ" التعليق المُمَجَّد".
الخامسُ والسَّبعونَ: ذَكَرَ عند ذِكْرِ شُراح " صَحِيح الْبُخَارِيّ": فخر الإِسلام عَلَيّ بنُ مُحَمَّدِ البَزْدَوي الحَنَفِي، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ أربعٍ وثمانينَ وثمانمئةٍ.
وهذا خطأٌ فاحشٌ على ما مرَّ ذِكْره سابقاً.
السَّادسُ والسبعون: ذَكَرَ من شراحه ابن رجب الحنبليّ، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ خمسٍ وتسعينَ وتسعمئةٍ.
وهو أَيْضًا خطأٌ فاحشٌ كما مرَّ ذِكْرُهُ.
السَّابع والسَّبعون: ذَكَرَ من شروح " صحيح مُسْلِم" شرحَ علي القارى الْمَكِّيّ، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ ستَ عشرةَ وألفٍ.
وهو مع كونِهِ مُخالفاً لما ذَكَرَهُ في المقصد الثَّاني من" إتحاف النُّبَلاء"، أَنَّهُ ماتَ سنةَ أربعَ عشرةَ، ولِمَا ذَكَرَهُ في موضعٍ من المقصدِ الأَوَّل منه، أَنَّهُ ماتَ سنةَ أربع وأربعينَ، ولِمَا مرَّ منه ذِكْرُهُ فيه أَنَّهُ أَتمَ بعضَ تأليفاتِهِ سنةَ ثمانٍ وخمسينَ غيرُ صحيحٍ في نفسِهِ أَيْضًا على ما مرَّ ذِكْرُهُ.
الثَّامنُ والسَّبعون: ذَكَرَ عند ذِكْرِ شروح " مُسْلِم" وعلى " مُسْلِم" كتاب لمحمدِ بنِ أحمدَ بنِ عَبَّاد الخلاطي الحَنَفِي المتوفي سنةَ تسعٍ وسبعينَ ومئتين.
وهذا خطأٌ فاحشٌ بل هو مُحَمَّدٌ بنُ عَبَّاد الخلاطي المتوفي سنةَ اثنتينِ وخمسينَ وستمئةٍ.
التَّاسعُ والسَّبعونَ: ذَكَرَ ابنُ الملقن من مُختصريّ " مسند أحمد بن حنبل"،
وأرخَ وفاتَهُ سنةَ خمسٍ وثمانمئةٍ.
وفيه ما فيه كَمَا مرَّ ذِكْرُهُ.
الثَّمانونَ: ذَكَرَ في الفصلِ الخامسِ من البابِ الأَوَّل: اعلم أن الأئمةَ المجتهدينَ تفاوتوا في الإكثار من هذه الصناعةِ، والإقلال فأبو حَنِيْفَةَ يُقالُ بلغتْ رواياتُهُ إلى سبعةَ عشر حديثاً الخ.
وهذا وإن كان مذكوراً في " مقدِّمة تاريخ ابن خلدون"، وأخذَ كلامَهُ بتمامِهِ هنا وَنَقَلَهُ برمتِهِ لكنه قولٌ مردودٌ، والظَّاهرُ أَنَّهُ ليس من ابنِ خلدون بل من غلطِ الكتابِ؛ ولذا نَبَّهَ عليه مُصحِّحُ نسخةَ " مقدِّمة ابْن خلدون" المطبوعةِ" بمصرَ سنةَ أربعٍ وسبعينَ من هذه المئة، وَكَتَبَ على قَولِهِ سبعةَ عشرَ حديثاً الَّذِي في شرح الزَّرقاني على الموطأ حكايةً أقوالٌ خمسةٌ في أحاديثِهِ أوَّلها 500. وثانيها 200 وثالثها ألف ونيف. ورابعها 1720. وخامسها 666.
وليس فيه قولٌ بما في هذه النَّسخةِ، قالَهُ نصر الهوسني. انتهى.
وبالجملةِ فإيرادُ مثلَ هذا القولُ الباطلُ والسكوتُ عليه بعيدٌ عن المحقِّقين
والعلماء المتدينين، وَمَن اطَّلع على كُتُبِ مناقبِ أَبِي حَنِيْفَةَ عَلِمَ كَذِبَ هذه الجملة.
ذُكْرُ بعضُ المسامحاتِ الواقعةِ في " الأكسير في أصول التفسير":
الحادي والثَّمانون: ذَكَرَ " أسماء الْقُرْآن" لابن القيم، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ إحدى وخمسينَ وسبعمئةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ " أمثال الْقُرْآن" له، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ أربعٍ وخمسينَ.
وهذه مناقضةٌ واضحةٌ.
الثَّاني والثَّمانونَ: ذَكَرَ " الاستغناء بالقران" لابن رجبٍ الحنبلي، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ خمسِ وتسعينَ وسبعمئةٍ.
وهو مخالفٌ لما أرخَ به في " الحطةِ"، و" الإتحاف" كما ذِكره سابقاَ.
الثَّالثُ والثمانون: ذَكَرَ البرهان للإمام الرَّازِيّ، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ ستينَ وستُمئةٍ.
وهو غلطٌ فاحشٌ، فإنَّ وفاتَهُ سنةَ ستٍ وستُمئةٍ.
الرابعُ والثَّمانون: ذَكَرَ " بهجة الأريب ممّا في الكتاب العزيز من الغريب" لعلي بنِ عُثْمَانَ علاء (¬1) الدِّين التركماني، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ خمسٍ وسبعُمئةٍ.
وهذا مع كونِهِ مخالفاً لِمَا أرخه في " الإتحاف" غير صحيحٍ في نفسِهِ، فقد ذَكَرَ الكفوي في " طبقات الْحَنَفِيَّة" أَنَّهُ تُوفي سنةَ خمسينَ وسبعُمئةٍ، وذَكَرَ السيوطي أَنَّهُ تُوفي سنةَ خمسٍ واربعينَ كما ذَكَرْتُهُ في " الفوائد البَهيَّة".
الخامسُ والثَّمانونَ: ذَكَرَ " فتح القدير" للشّوكانيّ، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ خمسٍ وخمسينَ بعد الألفِ والمئتينِ.
وهو مخالفٌ لما ذَكَرَهُ غيرُ مرَّةٍ في " الإتحاف" أَنَّهُ ماتَ سنةَ خمسينَ.
السَّادسُ والثَّمانون: ذَكَرض " الكشاف" للزّمخشريّ، وأرخَ وفاتَهُ سنةَ ثمانٍ وعشرينَ وخمسمئةٍ.
هو معارضٌ لما أرخَهُ به في " الإتحاف" كَمَا مرَّ ذِكْرُهُ.
هذا آخرُ الكلامِ في هذا المقامِ، وكان إتمام هذا المرامِ في جلساتٍ خفيفةٍ آخرُها يومَ الخميسِ الخامسِ والعشرينَ من الجمادي الأولى من السَّنةِ السَّابعةِ
¬
(¬1) في الأصل: علاؤ.
والتّسعينَ بعدَ الألفِ والمئتينِ من الهجرةِ النَّبويَّة على صاحبها أفضل الصَّلوات والتَّحية وآخرُ دَعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسوله محمدٍ وآله وصحبِهِ أجمعينَ.
تنبيه:
هذه المسامحاتُ الَّتِي سطرتها إنَّما هي قطرةٌ من بحرِ مسامحاتِ " الإتحاف" وغيرِهِ، وهي الَّتِي تَبَدَتْ ببادي النَّظر من غيرِ تفتيشٍ زائدٍ، ولو طبقتُ تَواريخَ الوفياتِ وغيرها المذكورة في تلك الرَّسائل بكتب التَّواريخِ المعتمدةِ؛ لظهرتْ أضعافا مضاعفةً، بل لو طُبقَ ما في المقصد الأَوَّل من " الإتحاف" مع ما في المقصدِ الثَّاني منه وطبقَ ما فيهما مع ما في غيرهما من تصانيفِ صَاحِب " الإتحاف" لبلغتْ كثرةً كثيرةً.
والآنَ نَشرعُ في ردِّ ما أجابَ به عن إيراداتي السَّالفةِ وما خدشَ به بعضَ التَّقريراتِ السَّابقةِ سوى ما أوردَ على كلامي الذي أوردتُهُ على الشّوكانيّ في رسالتي " إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإِمَام"، فإني أتركه حذراً من تطويلِ الرِّسالةِ مع كونِهِ اجنبياً عن ما هو المقصودُ في هذه الرسالةِ من المباحثةِ مع صاحب " الإتحاف" إظهاراً للحقِّ ودفعَ الإعتسافِ، وسنتوجه إلى جوابِهِ في موضعٍ آخرٍ مناسبٍ له إن شاء الله تعالى، وبالله ثقتي وعليه توكلي.
قُلْتُ: في منهيات " النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير" بعدما ذَكَرْتُ ترجمةَ ابنِ الهمامِ مؤلف " فتح القدير" وغيره، قد ذَكَرَ بعضُ معاصرينا في
كتابه " إتحاف النُّبَلاء" وغيره من تصانيفه: أنَّ ابنَ الهمام من المتعصبين في الْمَذْهَب الحَنَفِي، وهو كذبٌ وزور وحاشاه من ذلك، فإنَّهُ من المحقِّقين يَرُدُّ على كثيرٍ من المسائل لكونها مخالفةً للأحاديث من غير تعصبٍ مذهبي.
قال في " شفاءِ العي" فيه نظرٌ من وجوهٍ شتى:
الأَوَّل: أنَّ هذا الإيراد واردٌ بعينه على ذلك المعترض، حيث قال في " الفوائد البَهيَّة": وقد سلكَ يعني ابنُ الهمام في أكثر تصانيفِه لا سيما في " فتح القدير" مَسلكَ الإنصاف متجنباً عن التَّعصبِ المذهبي والاعتساف إلا ما شاء الله. انتهى.
بيانه إنَّ صاحبَ " الإتحاف" لم يقلْ إلا ما قال هذا المعترض، كيف لا؟ وعبارتُهُ هكذا: ابْن الهمام خفيت صلب بورد وفتح القدير شرح بداية استدلال بابي حَنِيْفَةَ بسياركوشيده اكثر مواضع جاؤه انصاف هم بميوره وجاى طريق تعصب سبرده انتهت.
فلا يعزب عن المنصفِ اللبيب أنَّ هذه العبارة نَصٌّ على أنَّ مؤدى كلامُ صاحبِ " الإتحاف" إنما هو أن ابنَ الهمامِ قد سِلكَ في كثيرٍ مِن المواضعِ مسلكَ الإنصاف وفي بعضِها آثر طريقَ التَّعصبِ والإعتساف وهو عين ما قال المعترض.
أقول: لا يُنكرُ وجودُ التَّعصبِ في بعضِ المسائلِ والصَّلابةِ في بعضِ الدَّلائلِ من ابن الهمام كَمَا لا يَخفَى على من طالع بحثَ سؤر الكلب وغيره لا إنصاف في كثيرٍ من المواضعِ فإنَّهُ كثيراً ما يُرجحُ ما وافق الأحاديث، وإن
خالفَهُ الجمهور ويشيرُ إِلَى قوةِ الخلافِ، والى ما هو المنصور، وهذا لا يُصحح إطلاق المتعصب والصّلب الذي يؤدى مؤداه عليه، فإن مثل هذا اللفظِ انَّما يُطلق على من كانت عادته ذلك ويخفى الحق كثيراً مع ظهور الحقِّ فيما هنالك، وإلا فالتعصب أحياناً أمرٌ قَلْ مَن خَلَى عنه، ولا يُطلقُ على من يسلك مسلك التَّعصب أحياناً أَنَّهُ متعصبٌ أَو متعسف.
وهذا كما أن " منكر الْحَدِيث" لا يطلقُ في عرف المحدِّثين على كل من روى منكراً، بل على من كان غالب رواياتِهِ منكراً، إِذَا عَرفْتَ هذا عَلِمْتَ أن مفادَ عبارة " الفوائد البَهيَّة" ليس إلا وجود التَّعصب منه في بعضِ المواضعِ، وهذا لا يستلزمُ أنَّ يطلقَ لفظ: الصّلب او المتعصب عليه كما في " الإتحاف"، فبين عبارتي " الإتحاف"، والفوائد" بونٌ بعيدٌ.
ثُمَّ قال في " شفاء العي": الثاني إنَّا لا نُسلم أَنَّهُ رغبَ في مسألة فضلاً عن المسائلِ الكثيرةِ في الْمَذْهَبِ الحَنَفِي، وأخذَ بمقابلتِهِ بالحديث النّبويّ.
نعم؛ إِذَا كانت في المسألة رواياتٌ في الْمَذْهَبِ الحَنَفِي رُبّمَا يرجح أقربها (¬1) بالحديثِ، وأين هذا من الردِّ والمخالفة؟
أقولُ: لم يدعْ أحدٌ أَنَّهُ أعرض في المسألة من مسائلِ الْحَنَفِيَّةِ اعراضاً تاماً، وأخذَ بمقابلتِهِ بالحديثِ أخذاً كاملاً يُفيدُ عَدَمَ تَسليمِهِ وترجيحِهِ لما قرب من الْحَدِيث من بين رواياتِ الْحَنَفِيَّة كافٍ لإثبات أَنَّهُ غيرُ مُتعصبٌ، فإن المتعصبين والمقلِّدين الجامدينَ عادتهم ترجيح ما ثَبَتَ عَن أئمتهم في ظاهرِ
¬
(¬1) في الأصل: الزوائدة.
الرِّوَايَةِ وإن خالفَ الأدلةَ، وتركَ ما ثَبَتَ عنهم بطريقِ النّدرةِ وإن وافقَ الدَّلائلَ الصَّحيحةَ، واختيارُ ما رجَّحهُ المشايخُ المتقدمونَ وإن كان دليلهم ضعيفاً، وتسويتُهُ الأحاديثَ موافقة للمذاهبِ وإن كان سخيفاً، وعَدَمُ قبولُ الخلافِ بل وَعَدَمُ الإشارةِ إِلَيْه أيضاً إن كان قوياً.
وابنُ الهمامِ بريءٌ عن أمثالِ هذه الأمورِ في كثيرٍ من المباحثِ كَمَا لا يَخفَى على الباحثِ، وليس المرادُ بالمخالفةِ تَركُ المذهبُ الحَنَفِي وهُجْرَانُهُ بلا ضرورةٍ، والدخولُ في طرقِ الطوائفِ الغير المقلِّدةِ حَتَّى يَمنعَ عدمَ وجودِهِ فيه.
ثُمَّ قال: الثَّالث أنَّ طائفةً من مسائلِ الْحَنَفِيَّةِ تُخالف الأحاديث الصحيحةَ الصريحةَ كعدَمِ رفعِ اليدينِ عند الرُّكوعِ والرفع منه، وَعَدَمِ جوازِ صلاةِ الفجرِ إذا أدركَ ركعةً قبلَ أن تطلعَ الشمسُ، وجوازِ أداءِ السُّنَّةِ بعدَ إقامةِ صلاةِ الفجرِ، وَعَدَمِ جوازِ الجمع بين الصلاتين في السَّفرِ، وَعَدَمِ تكرارِ الرّكوعِ في ركعةٍ واحدةٍ في صلوةِ الكسوفِ، وتقديرِ أَقلِ المهرِ بعشرةِ دَراهِمٍ، وعَدَمِ طهارةِ ما بالَ عليه الطفلُ الذكرُ قبل أنَّ يُطعمَ بالرشِ، وعَدَمِ إيتارِ الإقامةِ، وعَدِمِ الإيتار بواحدةٍ، وعَدَمِ أداءِ ركعتي تحيةِ المسجدِ في حالِ الخُطبةِ، وعَدَمِ استنانِ صلاةِ الاستسقاءِ بالجماعةِ، وعَدَمِ تقليبِ الرداءِ، وعَدَمِ نَدْبِ الرَّكعتينِ قبلَ المغربِ، وعَدَمِ جَوازِ صيامِ الولي عن الميتِ، وعَدَمِ كراهةِ صومِ يومِ الجمعةِ منفرداً، وغيرِها، مع أنَّ ابنَ الهمامِ لا يردُّ على شيء منها، بل يؤيدُ في كثيرٍ منها، ويسكتُ في بعضٍ، وحسبكَ به شاهداً على تعصبِهِ المذهبي.
أقولُ: في العبارةِ إيهامٌ إن هذه المسائلَ مُتفقٌ عليها ومٌفتي بها عند الْحَنَفِيَّةِ مع أنَّ بعضَها ليس كذلك.
وهناك مسائلٌ كثيرةٌ للحنفيةِ مشهورةٌ في كُتُبِهم الشَّهيرَةِ أشارَ ابنُ الهمامِ بقوةِ ضدّها، فَلِمَ صارَ تأييد تلك موجباً لأن يُطلقَ عليه اسم المتصلبِ ولَمْ يصرْ نَقضُ هذه هو موجباً لأن لا يُطلقَ عليه لفظُ الصَّلبِ.
ثُمَّ قال الرَّابع: إنَّ العلماءَ صرحوا بكون ابنُ الهمامِ جدلياً نَصَّ عليه مَحْمُودٌ بن سليمانَ الكفوي في " كتائب أعلام الأخيار"، والسّيوطيّ في " البغية" على لخصه المعترض في " الفوائد البَهيَّة"، والمجادلةُ هي المنازعةِ لا لاظهارِ الصَّوابِ بل لالزامِ، وهذا تصريحٌ بكونِهِ متعصباً، لا يُقَالُ ليس المرادُ بالجدلِ ما يُقابلُ المناظرةَ والمكابرةَ بل المرادُ به عِلْمُ المباحثةِ، وأنَّ السّيوطيّ صَرَحَ بكونِهِ متحقِّقاً، فكيف يكون متعصباً لأنا نقولُ لو كان المرادُ المباحثةَ لزمَ التِّكرارُ؛ لأنَّهم يذكرون في صفتِهِ مع جدله نظاراً أيضاً.
وأمَّا كون محقِّقا فلا يُنافي كونه متعصباً فإنه بالحيثيتين، فإنَّهُ محقِّقٌ في رواياتِ المذهبِ يُرجح ما هو أقربُ بالحديثِ، ومتعصبٌ من حيثُ أَنَّهُ لا يقبلُ الحقَّ المخالفَ للمذهبِ الحَنَفِي وإن ظَهَرَ الدَّليلُ.
أقولُ: هذا عجيبُ جداً:
أمَّا أولاً فلإنَّ صفةَ كونِهِ جدلياً إنَّما يذكرونها في أثناء مدحه، فكيف يكونُ المرادُ به الجدلَ الذي هو موجبٌ لنقصه، أمَّا رأيتَ كلامَ الكفوي في ترجمة: كان إماماً نظاراً فارساً في البحثِ، فُروعي أُصولي مُحدِّث مفسر حافظ
نحوي كلامي منطقي جدلي، وله تصانيفٌ مقبولةٌ معتبرةٌ. انتهى.
أما اطَّلعتَ على قولِ السّيوطيّ كان علامةً في الفقهِ والإصول والنحوِ والصَّرفِ والمعاني والبيانِ والتصوفِ والموسيقى محقِّقاً جدلياً نظاراً، وكان له نصيبٌ وافرٌ ممَّا لأربابِ الأحوالِ والكراماتِ. انتهى.
فهل يقولُ عاقلٌ أن المرادَ بالجدَليّ مَن يَرتكبُ المجادلةَ، كلا فإنَّ هذه من الصِّفاتِ القبيحةِ، فكيف يذكرونها في سردِ الأوصافِ الجميلةِ.
وأمَّا ثانياً فلأن تَعريفَ المجادلةِ بما ذَكَرَهُ مِن أنَّها هي المُنازعُةُ لا لإظهارِ الصَّوابِ بل لإلزامِ الخصمِ وإن كان مذكوراً في " الشريفيةِ" وغيرِها، لكنَّهُ مَخدوشٌ بعدَمِ كونَهِ جامعاً لعدَمِ صدقِهِ إلا على المجادَلَةِ السائلية.
ومن المعلومِ أن المجادلَ كما أَنَّهُ يكون سائلاً يكونُ مجيباً أَيْضًا، والمجيبُ المجادلُ ليس غَرضُهُ إلزامُ الخصمِ بل غَرَضُهُ السَّلامَةُ من إلزامِ الخصمِ نَصَّ عليه (¬1) القطب الرَّازِيّ صاحب " المحاكمات" وصاحب " الأداب الباقية".
وأمَّا ثالثاً: فلأن المجادلةَ والجدلَ بالمعنى الذي ذَكَرَهُ يُنافي المُناظرةَ لكونِها بقصدِ إظهارِ الصَّوابِ، وقد نفى ذلك في المجادلةِ فلم يتنبَّهُ لذِّكرهم النُّظار في توصيفِهِ الدَّال على أَنَّهُ قاصدٌ لإظهارِ الصَّوابِ في بحثِهِ، فَمع ذلك كيفَ يَصحُّ جدله بالمعنى الذي ذَكَرَهُ وإلا تَلزمُ المنافاةُ البينةُ، والتزامها أشنعُ من التزامِ التَّكرارِ الذي فرَّ عنه، فحقَّ أن يقالَ في حقِّه فرَّ من المطر وقام تحت الميزاب.
¬
(¬1) في الأصل: على.
وأمَّا رابعاً فلأنَّهُ ليس المرادُ بقولهم الجدَّلي ما توهمه بل المرادُ بالجدلِ عِلْمُ الجدلِ والخلافِ، وهو مِن فروعِ أصولِ الفقهِ، داخلٌ تحت المناظرةِ والاتصافِ به من الكمالاتِ الإنسانية.
قال المؤرخُ ابنُ خلدون في " مقدمة تاريخه": أما الجدلُ وهو مَعرفةُ أدابٍ المناظرةِ التي تجري بين أهل المذاهبِ الفقهيةِ وغيرِهم، فإنه لَمَا كان بابُ المناظرةِ في الردِّ والقبولِ مُتسعاً، وكلُّ واحدٌ من المناظرينَ في الاستدلالِ والجوابِ يُرسلُ عنانَهُ في الاحتجاجِ، ومنه ما يكونُ صواباً منه ما يكون خطأً، فاحتاجَ الأئمةُ إِلَى أن يضعوا أدآباً وأحكاماً يَقفُ المناظرانِ عند حدودها في الردِّ والقبولِ، وكيف يكونُ حالُ المستدلِ والمجيبِ، وحيث يَسوغُ له أن يكون مستدلاً، وكيف يكون مخصوصاً منقطعاً، ومحلُ اعتراضِهِ أو مُعارضتِهِ وأين يَجبُ عليه السكوتُ ولخصمِهِ الكلامُ والاستدلالُ، ولذلك قيل: أَنَّهُ معرفةٌ بالقواعدِ من الحدودِ والآدابِ في الاستدلالِ التي يتوصلُ بها إِلَى حفظِ رأيٍ وهدمهِ، كان ذلك الرأي من الفقه وغيره، وهي طريقتان:
طريقةُ البَزْدَوي: وهي خاصة بالأدلة الشرعية.
وطريقةُ العميدي: وهي عامةٌ في كلِّ دليلٍ يستدلُ به من أي علمٍ كان، وهذا العميدي هو أولُ مَن كَتَبَ فيها، ونسبتْ الطريقةُ إِلَيْه، وَضَعَ الكتابَ المسمَّى بـ" الإرشاد" مختصراً، وتبعَهُ من بعدِهِ من المتاخرينَ كالنسفي وغيرِهِ، وَكَثرتْ في الطريقةِ التآليف وهي لهذا العهد مَهجورةٌ؛ لنقصِ العلمِ والتَّعليم في الأمصارِ الإسلامية، وهي مع ذلك كماليةٌ. انتهى كلامه.
وفي " تقرير العلوم": علمُ الجدلِ: علمٌ باحثٌ عن الطُرُقِ الَّتِي يَقتَدِرُ به على إبرامِ أي وضعٍ كان وعلى هدمٍ أي وضعٍ أريدَ، وهذا من فروعِ علمِ النَّظرِ المبنى لعلم الخلافِ، وهو مأخوذٌ من الجدلِ الذي هو أحدُ أجزاءِ مباحثِ المنطقِ، لكنَهُ خُصَّ بالعلومِ الدِّينيةِ ومبادئه بعضها أمور مشتتةٌ في علم النَّظر وبعضُها خطابيةٌ وبعضها أُمورٌ عاديةٌ.
وله استمدادٌ من علمِ المناظرةِ.
وموضوعُهُ تلكَ الطُرقِ والغرضُ منهُ تحصيلُ ملكة الهدم والإبرام.
قُلْتُ: الجدلُ لإظهارِ الصَّوابِ لا بأسَ بِهِ، وربما ينفع به في تشحيذ الأذهان وتصقيل الخواطر، والذي مَنَعَ منه العلماءُ هو الجدلُ الذي يُضيعُ الأوقاتَ ولا يحصلُ منه طائلٌ.
وعلمُ الخلافِ: علمٌ باحثٌ عن وجوهِ الاستنباطاتِ المختلفةِ عن الأدلةِ الإجماليةِ والتَّفصيليةِ، الذَّاهبُ إلى كلٍّ منها طائفةٌ من العلماءِ.
ومبادئه تستنبط (¬1) من علم الجدل.
واعلم أَنَّهُ يُمكنُ جَعلُ علم الجدلِ والخلافِ من فروعِ علمِ أصولِ الفقه. انتهى مُلتقطاً.
وفي " الحديقة النّدية شرح الطّريقة المحمَّديَّة": يقال: جَدَلَ الرَّجلُ جدلاً فهو جَدِلٌ من بابه تعب إِذَا اشتدت خصومته، وجادلَ مجادلةً وجدالاً إِذَا
¬
(¬1) في الأصل: الزوائدة.
خاصمَ بما يُشغلُ عن ظهورِ الحقِّ ووضوحِ الصَّوابِ هذا أصله ثُمَّ أُستعملَ على لسانِ حملةِ الشَّرعِ في مقابلةِ الأدلةِ لظهورِ أرجحها وهو محمودٌ إن كان للوقوفِ على الحقِّ وإلا فمذمومٌ. انتهى.
وأما خامساً: فلأنَّ حَمَلَ الجدلي على المتعصبِ والمجادلِ مطلقاً يردُّهُ قوله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {وجادلهم بالتي هي أحسن}، ومن المعلومِ أنَّ اللهَ تعالى لا يأمرُ أحداً بالمجادلةِ التَّعصبيةِ.
وأما سادساً: فلأنَّ الجدَلَ عند أهلِ الشَّرعِ عبارةٌ عن مقابلةِ الأدلةِ بظهورِ أرجَحِها كما مَرَّ نَقْلُهُ آنفاً، فمنه محمودٌ ومنه مذمومٌ فلا يَصحُّ حَملُ الجدلي على المجادلِ المتعصبِ قطعاً.
ثُمَّ قال الخامسُ أنَّ ابنَ الهمامِ مع كونِهِ خارقاً لِمَا أجمع عليه فُحولُ الأئمةِ مِن كَونِ ما في الصَّحيحين أصحُّ الأحاديثَ على ما يأتي، قد يُرجِحُ ما في الصِّحيحين على ما في غيرها لإثبات المذهبِ الحَنَفِي، ويُناقضُ نفسَهُ الخ.
أقولُ: لم ينكرْ ابنُ الهمامِ تَقَدَمَ الصَّحيحينِ مطلقاً على ما في غيرها بل حيثُ وَجَدَ شُروط الصِّحِةِ التي اعتبرها الْبُخَارِيّ ومُسلِمٌ في رِوايةِ غيرِها كما يُنادِيِه قَولُهُ في " فتح القدير" في بحثِ الرَّكعتينِ قبل المغرب: قَولُ مَن قال أصحُّ الأحاديثِ ما في الصِّحيحين ثُمَّ ما انفردَ به الْبُخَارِيّ ثُمَّ ما انفردَ به مُسلِمٌ ثُمَّ ما اشتملَ على شرطِهما ثُمَّ ما اشتملَ على شَرطِ أحدِهما، تَحكمٌ لا يجوزُ التَّقليد فيه، إذ الأصحيةُ ليس إلا لاشتمالِ رواتِهما على الشّروطِ التي
اعتبراها، فإذا فُرِضَ وجودُ تلك الشُّروطُ في رِوايةِ حديثٍ في غير الكتابين بين أفلا يكونُ الحكمُ بأصحيةِ ما في الكتابين عينَ التَّحكم. انتهى.
إذا عرفتَ هذا سَهلَ عليك الأمرُ في دَفعِ المناقضةِ لإمكان أن يُقال حيث اعترفَ بتقدمِ ما في الصَّحيحين على ما في غيرهما لم يوجدْ هناك في رِوايةِ غيرِهما شُروطُهُا.
ثُمَّ قال السَّادسُ: أنَّ ابنَ الهمامِ لا يقولُ بترجيحِ أحاديثَ الصَّحيحينِ على أحاديثِ غيرِها بل يَنقُضُ ما اتفقَت (¬1) عليه الأمَّة من أنَّ أحاديثَ الصَّحيحينِ أصحُّ الأحاديثِ.
أقول: كلامُ ابنُ الهمامِ في هذا المقامِ غيرُ مقبولٌ عند محقِّقي الأعلام، كما بَسطَهُ صاحبُ " دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب" لكن هنا ليس من التَّعصبِ والصَّلابةِ من شيء، بل هو اختلاف أصولٍ اختار فيه ما اختار لدليلٍ لاحَ لَهُ وإن ظَهَرَ خَطاؤه عند غيرِهِ، ولم يزلْ العلماءُ مُختلفينَ في الأصولِ ويحقِّقونَ ما بَنوهُ بالمعقولِ والمنقولِ، ولا يكون أحدهما بسببه مُتعصباً ولا متصلباً.
قُلْتُ: في منهيات " النافع الكبير" بعد ذِكْرِ مناقبِ ابنِ تَيْميَّةَ ومدائِحِهِ، قد تَفَرَقَ النَّاسُ في عصرِنا في شأنِ ابنِ تَيْميَّة فرقتين:
¬
(¬1) في الأصل: اتفق.
ففرقةٌ ظنَّتْ جملةَ أقوالِهِ كالوحي من السماءِ، فبالغتْ في الأخذ بما ذهبَ إِلَيْه وإن كان مخالفاً للجمهورِ أو كان مخالفاً لتصريحاتِ مَن هو أعلى من ابنِ تَيْميَّةَ.
وطائفةٌ أخرجتُهُ من أهلِ السُّنَّةِ بسببِ ما نُقِلَ عنه من المتفرداتِ المخالفةِ للجمهورِ.
وأنا سالكٌ مسلكٌ بَينَ بَينَ وأقولُ كما قال (¬1) الذهبي: هو عديمُ النَّظيرِ بحرُ العلومِ شيخُ الإِسلامِ، ومع ذلك فهو بشرٌ لَهُ ذُنوبٌ وخطأٌ، فليسدَّ الإنسانُ لسانَهُ عن تَحقيرِهِ وليدققَ النَّظرَ في ما قال، فإن كان صواباً فليقبلَهُ، وإن كان خطأً فليتركَهُ.
قال في " شفاء العي" لا وجه لصحةِ هذا الكلامِ، فإنَّهُ لا وجودَ للطائفةِ الأولى في زماننا أصلاً إلا في في ذهنِ المعترضِ.
أقول: هذا نفيٌ عجيبٌ ولو طولبَ هذا النَّافي بالبرهانِ على ذلكَ لعجزَ عنه إلا أن يتمسك بأن الأصلَ في الأشياءِ العدمِ، وهو لا يُعارضُ إثباتَ المُثبتِ، فإن المُثبِتَ معه زيادةُ علمٍ ليست للنافي، وقد تَقرر في الأصولِ وَشَهِدَ به المعقولُ والمنقولُ أنَّ الإثباتَ مُقدمٌ على النَّفي، ولعمري كيف نفى وجودَ هذه الطائفةِ في هذا الزَّمانِ مُطلقاً، ولم يَتَيسر له سباحةُ جميعِ البلادِ ولا ملاقاةُ جميعُ الأفرادِ حَتَّى يَعرِفَ خُلو كُلَّ بلدةٍ في هذا الزمانِ عن وجودِ هذه
¬
(¬1) في الأصل: قاله.
الطائفةِ، والمُثْبِتُ يكفيه الوقوفُ على وجودِها ولو في بَعضِ البلادِ ولا يَلزَمُهُ الوقوفُ على أحوالِ جميعِ الأفرادِ فانعكس ما قاله وصَدَقَ أَنَّهُ لا وجودَ لهذا النفي المطلقِ إلا في ذهنِهِ، نَعَمْ لو ادعى أحدٌ في أشخاصٌ معنيين أنهم منهم وقابله هذا النَّافي بأنَّهُم ليسوا منهم لكان للكلامِ نَوعُ استقرارٍ.
وأمَّا هذا النَّفي العام، فليس له ثُبُوتٌ واستقرارٌ، وهل هذا إلا كما قال في زماننا رئيسُ الملاحدةِ لا وجودَ للجنِ ولا للشَّياطينِ لا في الأعصار الماضيةِ ولا الحاليةِ، أو قال مبتدعٌ مٌحسِّنٌ للبدعاتِ الواهيةِ لا وجودَ في هذا الزمان للفرقَةِ المبتدعةِ الطاغيةِ، وأمثالُ هذه السُّلوبُ الكليةُ كـ {شجرةٍ خبيثةٍ اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار}، وكـ {بناءٍ أسس بُنيانُهُ على شفا جرف هار}.
ثُمَّ قال: اللهم إِلَّا أن يُرادَ بها المحقِّقون من علماءِ زماننا الَّذِينَ يوافقون في بعضِ المسائلِ شَيْخَ الإِسلامِ ابنَ تَيْميَّة كمسألة زيارةِ خيرِ الأنام، ومسألة الاستواء وغيرهما ممِّا دَلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّةُ.
أقولُ: مسألةُ زيارةِ خير الأنام كلامُ ابنُ تَيْميَّةَ فيه من أفاحشِ الكلامِ، فإنَّهُ يُحرمُ السَّفرِ لزيارةِ قبرِ الرسولِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ وَيجعَلُهُ سَفَرَ معصيَةٍ، ويُحرِمُ نَفسَ زيارةِ القبرِ النَّبويِّ أيضاً ويَجعَلُها غَيرَ مَقدُورةٍ وغَيرَ مَشروعَةٍ وممتنعَةً، ويَحكُمُ على الأحاديثِ الواردةِ في التَّرغيبِ إليها أنَّ كلَّها موضوعةٌ مع حسنِ بعضِها.
ولعلمي عِلْمُ ابنِ تَيْميَّةَ أكثرُ من عقلِهِ، ونَظرُهُ أكبرَ من فَهْمِهِ، وقد شَدِّدَ عليه بسبب كلامه في هذه المسألةِ علماءُ عصرِهِ بالنَّكيرِ وأوجبوا عليه التَّعزير،
وذلك سنة ستٍ وعشرينَ وسبعمئةٍ في شعبانَ، فاعتقلَ بالقلعةِ ولمْ يزلْ بها إِلَى أن دَخَلَ في ذي القعدةِ سنةَ ثمانٍ وعشرينَ وسبعمئةٍ مُرتحلاً من هذه الدَّار في أبوابِ الجنانِ على ما بسطه الحافظُ ابنُ حَجَرٍ العَسْقَلانيّ في "الدرر الكامنة في أعيان المئةِ الثامنةِ" ـ فرحمه الله رحمةً واسعةً نَعَمْ الرَّجلُ كانَ لولا ما نُقِلَ منه من المسائلِ البشعةِ والتَّقريراتِ.
وبالجملةِ فكلامُهُ في مسألةِ الزِّيارةِ ليس ممِّا يقَبَلُهُ المحقِّقون إلا مَن أُشربَ شَرابَ حبَ ابنِ تَيْميَّة، وهو خارجٌ عن مخاطباتِ أرباب القرائحِ السَّليمة، وقد ذَكرْتُ كثيراً ممَّا يتعلقُ بهذا المبحثِ في رسالتي " الكلام للبرم في نقض القول المحكم"، و" الكلام المبرور في ردِّ القول المنصور"، و" السعي المشكور في ردِّ المذهب المأثور" ألفتها رداً لرسائلِ مَن حَجَّ ولم يزرْ قَبرَ النَّبِيّ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ـ وحرَمَ زيارةَ قبرِهِ المعهودةَ في العصورِ الإسلاميةِ على العالِم.
فإلى الله المُشتكى وإليه المتضرعُ والملتجى من أمثالِ هذهِ الأقوالِ، تَقشعرُ منه جُلودُ مَن يَخشى ذا الجلالِ، وإذ قد جَرَى ذِكْرُ مَسألةِ الزِّيارة ناسبَ أن يذكر ما وَقَعَ مِن صاحبِ " إتحاف النُّبَلاء" في رسالتِهِ رحلَةِ الصديق إِلَى البيتِ العتيقِ تبعاً لابنِ تَيْميَّةَ وتلامذتِهِ من المسامحةِ بالكلماتِ المختصرةِ، والتَّفصيل قد فرغتُ عنه في الرَّسائلِ المذكورةِ.
قوله في البابِ الخامسِ من الرحلةِ المعقودِ لذكرِ زيارةِ النَّبِيّ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ في الفصلِ الأوَّل منه: قد اختلفَتْ فيها أقوالُ أهلُ العلمِ فذهبَ الجمهورُ إلى أنَّها مندوبةٌ، وذهبَ بعضُ المالكيةِ وبعضُ
الظَّاهريَّةِ إلى أنَّها واجبةٌ، وقالت الحنفيةُ أَنَّها قُريبةٌ من الواجباتِ، وذهبَ شيخُ الْإِسْلَامِ ابْن تَيْميَّة إلى أنَّها غيرُ مشروعةٍ وتبعَهُ على ذلك جمعٌ من المحدِّثين، وروي ذلك عَن مالكٍ والجويني والقاضي عياض. انتهى.
وفيه أنَّ ظاهرَ كلامِهِ يُنادي على أَنَّهُ يَذكرُ الاختلافِ في نفسِ الزِّيارةِ لا في السَّفرِ إِلَى المدينةِ بقصدها، وحينئذٍ فَذِكْرُ خلافَ القاضي عياض وغيرِه فيه خلطٌ بحثٍ ببحيثٍ آخر.
وتوضيحه أن هاهنا أمرين:
أحدُهما: نفسُ زيارةِ قبرِ المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.
والثَّاني: السَّفرُ إلى المدينةِ بقصد الزِّيارةِ.
وأحدُهما لا يستلزمُ ثانيهما، فقد يوجدُ الأَوَّل بدون الثَّاني كما للمقيمِ في المدينةِ الطيبةِ، والآفاقي إذا سافرَ إِلَى المدينةِ بقصدِ زيارةِ المسجدِ النَّبويّ الذي هو (¬1) أحدُ المساجدِ الثلاثةِ الَّتِي تُشدُّ إليها الرِّحال المُشارِ إِلَيْه بقوله ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ: " لا تُشدُّ الرِّحال إِلَّا إلى ثلاثةِ (¬2) مساجدٍ: المسجدُ الْحَرَام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى". أو سافرَ إلى المدينةِ بقصدِ طلبِ العلمِ أو لملاقاةِ الأحبابِ أو للسياحةِ إلى غير ذلك من الأغراضِ المجوزةِ للسفرِ، فزارَ قبرَ الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
¬
(¬1) في الأصل: هي.
(¬2) في الأصل: ثلاث.
وقد يوجد الثَّاني دون الأوَّل بأن سافرَ الآفاقي إلى المدينةِ بقصدِ الزيارةِ، فاذا وصلَ إلى المدينةِ عرضَ له عائقٌ أَوْ أرضى عَن الحضورِ حضرةَ قبرِ الرسولِ وزيارتِهِ، فبين الأمرينِ عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ تحققاً.
إذا عرفتْ هذا فنقولُ: السَّفرُ إلى المدينةِ وشدُّ الرِّحالِ إليهما بقصدِ المسجدِ النبوي جاء بالاتفاق، حَتَّى أن مَن حَرَمَ سفرَ الزِّيارةِ أجازهُ أَيْضًا؛ لورودِ الأحاديث الصَّحيحةِ في ذلك، السَّفرُ إلى المدينةِ بقصدِ نفسِ زيارةِ القبرِ النَّبويّ اختلفَ فيه: فينقل عَن الجويني وعياض حُرْمَتُهُ أخذاً من حديثِ: " لا تُشدُّ الرِّحال" وغيره.
وقامَ لنصرةِ الرأي ابنُ تَيْميَّةَ وتلامذتُهُ: ابنُ القيم، وابن رجب، وابن عبد الهاد. وسلكوا في هذا مَسلكه، وحقَّقوا في زعمِهم ما حقَّقوه لكن صدقَ عليهم:
تروح إلى العطارِ تبغي شبابها
ولن يصلح العطار ما أفسده الدهر
وقد قامَ نُقادُ فنِّ الحديثِ والفقه لإبطال هذا الرأي، وجعلوه سخيفاً، ونقضوا دلائلَ المنكرين، وجعلوا طريق استدلالهم ضعيفاً، وصنفَ التَّقي السبكي في هذه المسألةِ " شفاء السقام في زيارة خير الأنام"، فأفادَ وأجادَ.
وصنفَ في ردِّه ابنِ عبدِ الهادِ كتاباً سمَّاه " الصارم المنكي على نحرِ ابنِ السبكي" ملأهُ بزوائدٍ مستغني عنها، وأقوالٍ مردودةٍ قد رُدَّ عليها، ولعمري أَنَّهُ كتابٌ نفيسٌ في بابِهِ يَشهدُ بتحرِ مؤلفِهِ، لولا ما فيه من دعاوي كاذبةٍ
وإعادةِ إقوالٍ مردودةٍ من دونِ أن يُجيبَ عن ردِّها جواباً شافياً، ويأتي في بابِ المنعِ الذي ذهبَ إِلَيْه شيخُهُ دليلاً كافياً.
وقد رددتُ على مواضعَ من كتابِهِ في " السعي المشكور"، وفي عزمي إن ساعدني التَّوفيقُ أن أرد كتابَهُ رداً مُستقلاً، وأُورد فيه كلاماً وافيا، بحيث يتوب وجهُ وروحُ شيخِهِ وصاحبيِهِ عمَّا اقترفاهُ ـ فرحمهم اللهُ رحمةً واسعةً ـ لقد كانوا عديمي النَّظير في تبحرِهِم، مُستحقينَ لأن تُقبلَ جميعُ أقوالِهم ويُفتخَرُ بتحقيقاتِهم لولا ما كسبوهُ من الأقوالِ السَّخيفةِ والآراءِ المردودةِ.
وأمَّا الإِمَام مالكٍ فقد نَقَلَ ابنُ تَيْميَّة واتباعُهُ: أَنَّهُ أَيْضًا ذاهبٌ إِلَى هذا الرَّأي، لكنهم مؤاخذون بتصحيحِ نَقلٍ صحيحٍ صريحٍ، وكتبُ المالكيةِ مُكذِبَةٌ لهم، وأصحابُ مالكٍ يُنكرونَ أن يكونَ هذا مذهبُ إمامهم؛ وهم أعرفُ به من غيرهم. وبالجملةِ فهذا الرَّأي سخيفٌ جداً، ولا عبرة في هذا إِلَى الذَّاهبِ مالكاً كان أَوْ غيرَهُ، عياضاً كان أَوْ غيرَهُ، ابنَ تَيْميَّةَ كان أَوْ غيرَهُ.
فانظر إِلَى ما قال ولا تنظر إِلَى مَن قال.
وجمهورُ علماءِ الأُمَّةِ وأكثرُ محقِّقي الملةِ منكرونَ عن هذا الرأي أشدَّ الأباء، ويجوزونَ شَدَّ الرِّحال بقصدِ زيارةِ القبورِ لا سيما زِيارة سيدِ القبورِ، قبرُ سيدِ أهلِ القبورِ، بل صَرَحَ بعضُهم بندبِ السَّفرِ إِلَى المدينةِ بقصدِ نفسِ الزِّيارةِ وتَجريدِ السَّفرِ له عن السَّفرِ بقصدِ مسجدِهِ.
وقد رأيتُ في المنامِ عند تأليف " السعي المشكور" وبلوغي إِلَى بحثِ شَدِّ الرِّحال ما أكدَ رأيي (¬1)، وأن ما ذهبَ إِلَيْه الجمهورُ هو الصَّوابُ النَّقي، فله الحمدُ على ذلك، وهذا إِذَا كان المقصودُ من السَّفرِ نفسَ زيارةِ القبورِ على الوجوهِ الشَّرعيةِ.
وأمَّا الزِّيارةِ البدعيةِ، والسَّفرُ بقصدها المُشتملُ على أُمورٌ مُحرمةٍ ومَكروهةٍ كالسَّفر بقصدِ الشّركة في مجالسِ الأعراسِ المعهودةِ في زماننا المشتملةِ على جَعلِ قُبورِ المشايخِ عيداً وعلى أمورٍ كثيرةٍ غير مَشروطةٍ كالغناءِ مع المزاميرِ والرَّقصِ، وجعلِ القبورِ أوثاناً تُعبَدُ فلا كلامَ في عدَمِ جوازِهِ.
وأمَّا نفسُ زيارةِ القبرُ النَّبويّ فلم يذهبْ أحدٌ من الأئمةِ وعلماءِ الملةِ إِلَى عصرِ ابنِ تَيْميَّةَ إِلَى عدَمَ شرعيته، بل اتفقوا على أنَّها أفضلُ العباداتِ وأرفعُ الطاعاتِ، واختلفوا في ندبِهما ووجوبِها، فقال كثير منهم: بأنَّها مندوبةٌ.
وقال بعض المالكية والظَّاهريَّة: أنَّها واجبةُ.
قال أكثرُ الْحَنَفِيَّةِ: أنَّها قُريبٌ من الواجبِ، وقريبُ الواجبِ عندهم في حُكمِ الواجبِ.
وأوَّلَ مَن خَرقَ الإجماع فيه وأتى بشيء لم يَسبقْ إِلَيْه عالمٌ قبلَهُ هو ابنُ تَيْميَّةَ، فإنَّهُ جَعلَ نفسَ زيارةِ القبرِ النَّبويّ أَيْضًا غيرُ مَشروعةٍ، وكثيرٌ من أتباعِهِ وإن أنكروا صحةَ هذا القولِ منه، وهو الذي كنت أظنُّهُ سابقاً لكن معاينة " الصارم" لتلميذهِ جعلني على يقينِ إنكارهِ نفسَ الشَّرعيةِ كما لا يخفى
¬
(¬1) في الأصل: رأي.
على مَن طالعه، ولعلك تفطنت من هذا البحثِ ما صدرَ من صاحب " الرِّحلةِ" في قوله المذكورِ من الخلطِ والمغالطةِ.
أمَّا أولاً: فلأنَّهُ في صدد ذِكْرِ الخلافِ في نفسِ الزِّيارةِ ذَكَرَ خلافَ الجويني وعياض مع أن خلافهما في جَوازِ السَّفر بقصدِ الزِّيارةِ لا في نفسِ الزِّيارةِ، وهما أمرانِ متغايرانِ.
وأمَّا ثانياً فلأنَّهُ نَسبَ ذلك إِلَى مالكٍ مع أَنَّهُ بريءٌ عن هذا القولِ، فعندَهُ ليس نَفسُ الزِّيارةِ غيرُ مشروع ولا السَّفرُ إِلَيْه.
وأمَّا ثالثاً: فلأنَّ نفسَ زيارةِ القبرِ النَّبويّ عندَ ابنِ تَيْميَّةَ ممتنعةٌ وغير مقدورةٌ، فما معنى كونِ عنده غير مشروعةٍ، فإنَّ شرعيةَ الشَّيء وعدَمِها فرعٌ إمكانه كما قال بدرُ الدِّين الشلبي القاضي مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ أَبُو البقاءِ الدِّمَشْقِيّ الحَنَفِي المُتوفَّى على ما قيل سنةَ تِسعٍ وستينَ وسبعمئةٍ تلميذُ المزيّ والذّهبيّ في البابِ الثلاثين من كتابه " آكام المرجان في أحكام الجان": قولُ الفقهاءِ لا تَجوزُ المناكحةِ بين الجن والإنس وكراهةُ من كرهه من التَّابعينَ دليلٌ على إمكانِهِ؛ لأن غير الممكن لا يُحكمُ عليه بجوازِ ولا بعدَمِهِ في الشَّرعِ. انتهى.
وأمَّا رابعاً فلان ابنُ عبدِ الهاد صَرَحَ في " الصارم" في مواضعَ أنَّ ابنَ تَيْميَّةَ لا يُنكرُ زيارةَ القبرِ النَّبويّ الشَّرعيَّة، إنِّما يُنكرُ الزِّيارةُ البدعيةِ، وهذا وإن كان غيرُ صحيحٍ في نفسهِ كما بسطته في " السعي المشكور" لكن يكفي لإلزام صاحب " الرحلة" المُصوبِ لكلماتِ " الصَّارم" حيثُ يقولُ: أنَّها عندَ
ابنِ تَيْميَّةَ غيرُ مَشروعةٍ، فإن قال مُرادي ذِكْرُ الخلافِ في السَّفرِ بقصدِ الزِّيارةِ لا في نفس الزِّيارة قُلنا ذلك أبعد وأبعد، فإنَّهُ حينئذٍ لا يصحُّ ذِكْرُ قولِ الْحَنَفِيَّةِ بقرب الوجوب وقولِ الظاهريةِ والمالكيةِ بالوجوبِ، فإنَّ هذين القولين إنَّما هما في نفس الزِّيارةِ لا المسافرةِ، فلم يَقلْ أحدٌ بوجوبِ السَّفرِ إِلَى المدينةِ بقصدِ الزِّيارةِ وإن ذَهبَ بعضُهم إِلَى وجوبِ نفسِ الزِّيارةِ مع أَنَّهُ يأبى هذا المرادُ كلامَهُ بعدَهُ؛ فإنَّهُ ذَكَرَ دلائلَ كون نفسِ الزِّيارةِ مشروعاً، وأجابَ عنها أخذاً من " الصارم"، وقد فرغْتُ عَن ردِّ بعضِ ما في " الصَّارم" في " السعي المشكور" وذلك كافٍ لردِّ ما أخذَهُ منه.
قوله في " الرحلة" بعدَ ورقةٍ ذَكَرَ فيها البحثَ في الأحاديثِ الواردةِ في الزيارةِ أخذاً من " الصارم".
وبالجملةِ هذه الأحاديثُ التي استدلَ بها تقي الدِّين عَلَيّ بنُ عبدِ الكافي السبكي المتوفَّى سنةَ ستٍ وخمسينَ وسبعمئةٍ في " شفاء الأسقام في زيارة خير الأنام"، والشَّيخُ ابنُ حَجَرٍ الْمَكِّيّ الهيثمي الشَّافِعِيّ في " الجوهر المنتظم في زيارة النَّبِيّ المُكرمِ" وغيرُهما في غيرِهما، ليس فيهما حديثٌ حسنٌ أو صحيحٌ بل كلُّها ضعيفةٌ موضوعةٌ أو منكرةٌ لا أصلَ لها. انتهى.
وفيه أَنَّهُ ليست كلَّها ضعيفةً ضعفاً لا يَصحُّ الاحتجاجُ به بل بعضُها حسنُ كحديثِ " مَن زارَ قبري وجببتْ له شفاعتي" وغيرِه، كما بسطته في " السعي المشكور" وغيرِه.
قوله: فَظَهَرَ بهذا أنَّ ما ذَهبَ ابنُ تَيْميَّةُ وأهلُ الحديثِ ومالكٌ إمامُ دارِ الهجرةِ والجويني والقاضي عياض ومَن تَبعه عن المحقِّقين من تضعيفها وردِّها وعدَمِ قبولِها هو الصوابُ البحتُ فيه، أَو افتراءٌ على مالكٍ والجويني وعياضٍ فإنَّهم لم يضعفوا الإحاديثَ الواردةَ في الزِّيارةِ ولم يردوها، ومَن ادَّعى ذلك فعليه البيانُ بنقلِ عباراتِهم الصَّريحةِ.
وإنَّما تكلَّهم الجويني وعياضٌ في بحثِ شدِّ الرِّحالِ بقصدِ الزِّيارةِ وهو أمرٌ آخرٌ، وقد غلطهما المحقِّقون في ذلك.
قوله: ولو فرض عنهما أو صحتها لا دلالةَ لها على السَّفر للزيارةِ بل على الزِّيارةِ فقط، وليس النِّزاعُ في زيارةِ القبورِ كلِّيٌ في السَّفرِ إِلَيْهَا وشدُّ الرِّحالِ إِلَيْهَا، وهو مسألة غير هذه المسألةِ.
فيه أَنَّهُ لو (¬1) كانت المسألتان متغايرتين عنده فَلِمَ أجرى الخلافَ الذي وقعَ في شدِّ الرِّحال بقصدِ الزِّيارة في نفسِ الزِّيارةِ.
قوله بعد نحو ورقةٍ: لم يتنازعُ الأئمةُ الأربعةُ والجمهورُ في أنَّ السَّفرِ إِلَى غير المساجدِ الثلاثةِ ليس بمستحبٍ لا لقبورِ الأنبياءِ والصَّالحينَ ولا غيرَ ذلك.
فيه افتراءُ على الأئمةِ الأربعةِ والجمهورِ كَمَا بسطتُهُ في " السعي المشكور".
¬
(¬1) في الأصل: لا.
تنبيه:
ليس الغرضُ ممَّا أوردنا هاهنا البحث بصاحب " الرحلة" في هذه المسألةِ بل الغرضُ مجردُ ذِكْرِ مُسامحاتِهِ وافتراءاته؛ لئلا يَقعُ العوامُ في الغلطِ من كلماتِهِ.
ومَن قَصدَ البحث فيه والجواب عمَّا أوردتُهُ فليطالع " السعي المشكور" وليجيب عنه، ودونه خرطُ القتاد.
ثُمَّ قال في " شفاء العي": فإن كان هذا فلا ريب في أَنَّهُ كَذِبٌ وافتراءٌ، أمَّا تَرى العلماءَ المذكورين لا يوافقونَ شيخَ الإِسلام ابنَ تَيْميَّةَ في كلِّ مسألةٍ بل فيما كان ثابتاً بالكتابِ والسُّنَّةِ الصَّحيحةِ، وأمَّا ما كان مُخالفاً لهما فيردون عليه، وقد وافق المُعترضُ أَيْضًا ابنَ تَيْميَّةَ في بعضِ فتاواه في مسألةِ الاستواءِ.
أقول: إني ما وافقتُ ابنَ تَيْميَّةَ في مسألةِ الاستواء إلا لأنَّهُ وافقَ فيه جماعاتِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ والأئمةِ المُجتهدينَ.
وأمَّا مباحثَهُ الشَّاذةُ المردودة كبحثِهِ في مسألةِ الزِّيارةِ وأبحاثِهِ في كثيرٍ مِن الأحاديثِ الجيادِ في كتابِهِ " منهاج السُّنَّة"، فأنا مع جمهورِ علماءِ الأُمَّةِ، وأكثرُ محقِّقي الملةِ بمعزلٍ عنها، وكثيرٌ مِن علماءِ عصرِنا قد تبعوه في هذه المباحث أَيْضًا حباً بابنِ تَيْميَّةَ ـ وحبك في الشَّيءِ يُعمى ويصم ـ.
قلت: في منهيات " النافع الكبير" بعد ذِكْرِ تَرجمةِ السيوطي المتوفَّى سنةَ إحدى عشرةَ وتسعمئةٍ: ذَكَرَ بعضُ المعاصرين في رسالتِهِ " الجنة في الأسوةِ الحسنةِ بالسنة": أنَّ السُّيوطيّ تلميذُ ابنِ حَجَرٍ العَسْقَلانيّ، وهو زَلةٌ عن
قلمِهِ، فإنَّ وفاةَ ابنُ حَجَرٍ على ما ذَكَرَهُ السّيوطيّ في " حسن المحاضرة" سنةَ اثنتين وخمسينَ وثمانمئةٍ، وولادةَ السّيوطيّ سنةَ تِسعٍ وأربعينَ فأنى يَصحُّ التلمذ.
وقلتُ أَيْضًا في " التعليقات السنية على الفوائد البَهيَّة": نظيرَ هذا الخطأِ ما صدرَ عن بعض أفاضلِ عصرنِا في رسالتِهِ " حصول المأمول من علم الأصول"، و" الجنة بالأسوة الحسنة بالسنة" أن السيوطي تلميذٌ لابن حَجَرٍ العَسْقَلانيّ، وقد تعقبتُ عليه في بعضِ رسائلي أنَّ وفاةَ ابنِ حَجَرٍ سنة (852) وولادةَ السيوطي سنة (849)، صَرَحَ به أصحابُ التَّواريخِ والطَّبقاتِ ونَصَّ عليه هذا الفاضلُ أَيْضًا بنفسِهِ في مواضعَ من رسائلِهِ، فأنى يَصحُّ التلمذ.
ثُمَّ ذَكَرَ هذا الفاضلُ في رسالتِهِ بدايةِ السائلِ إِلَى أدلةِ المسائلِ: أنَّ السّيوطيّ تلميذ لابنِ حَجَرٍ المذكورِ، وكَتَبَ عليه منهيةً مُحصلها أَنَّهُ هكذا ذَكَرَهُ الشَّوكاني، ولعلَّ التَّلمذُ منه بالواسطةِ أَو بالإجازةِ، وكَتَبَ على بعضِ المواضعَ من رسالتِهِ منهج الوصولِ إِلَى اصطلاح أحاديث الرَّسول منهيةً بهذه العبارةِ.
قال عَلَيّ القاري في أولِ " المرقاةِ شرح المشكاة": وقد حصلَ إِلَى إجازةٍ تامةٍ ورخصةٍ (¬1) عامةٍ من الشَّيْخ العلامةِ عَلَيّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أحمد الخباني الأزهري الأشعري، وقد قال قرأتُ على شيخِ الإِسلام وإمامِ الائمةِ الأعلام الشَّيْخِ جلالِ الدِّينِ السّيوطيّ كتباً من الحديثِ وغيرِهِ من العلوم كـ"
¬
(¬1) في الأصل: ورخصت.
الْبُخَارِيّ" و" مسْلِم" وغيرِهما من الكتبِ الستةِ وغيرِها، البعضُ قراءةً والبعضُ سماعاً.
وقد أجازني بجميعِ مَروياتِهِ وبما أجازهُ بِهِ خاتمةِ المحدِّثين مولانا الشَّيْخُ ابنُ حَجَرٍ العَسْقَلانيّ. انتهى.
وهذا يدلُ على أنَّ السّيوطيّ أخذَ عن الحافظِ ابن حَجَرٍ صاحبِ " الفتح"، فليعلم. انتهى.
وأنت تعلم أن أخذَ السّيوطيّ عن الحافظِ ممِّا يستحيلُهُ النَّقل مع صحَّةِ التَّواريخِ المذكورةِ، نعم له تلمذ عنه بواسطةٍ، فإنَّ حَمَلَ كلامِ الشّوكانيّ عليه فلا بأس بِهِ، إذ قد يُطلقُ التِّلميذُ على تلميذِ التَّلميذِ وإلا فلا صحةَ له.
وأمَّا كلامُ القاري فإن حُمِلَ على الأخذِ كما ظَنَّهُ فهو غيرُ صحيحٌ، نعم يُحتَملُ أن يكونَ الحافظُ أجازَ أهالي مصر وكان فيه السّيوطيّ ابنَ سنين؛ فحصلتْ له الإجازةُ أَو أحضر والدُ السّيوطيِّ السيوطيَّ عندَهُ في حالةِ صباهِ فأجازَ، ولكن يختلجُ بالخاطرِ أن السّيوطيّ لو كانت له إجازةٌ من الحافظِ، ولو فى حالِ صباهُ لذَكَرَهُ في رسائلِهِ خصوصاً عند ذِكْرِ مشائخِهِ ومفاخرِهِ، كيف لا وحصول الإجازة من الْحَافِظ مفخرٌ عظيمٌ، أي مفخرٍ، فليحرر هذا المقام.
قال في " شفاء العي" هذا الاعتراضُ من أعظمِ الاشكالاتِ وأقوى الاعضالات في زعمه؛ ومن ثُمَّ بَينَهُ غير مرَّةٍ فلا بأس لو طولنا الكلامَ في هذا المقام تطويلاً.
أقولُ ليس هذا أعظمَ الاشكالات بل أعظمها ما أُورد على صَاحِب " الإتحاف" بتغييرِهِ أعوامَ الوفياتِ تغييراً فاحشاً كما مَرَّ نُبَذٌ منه سابقاً.
والتطويلُ الذي ذَكَرَهُ بإيرادِ عباراتِ الكتبِ لتأييدِ الوجوهِ الَّتِي ذَكَرَها مستغنى عنه لا فائدةَ فيه إلا زيادةُ حجمِ رسالته؛ ليظنَّ النَّاظرونَ جلالته وفخامته.
قال: فاعلم أن صَاحِب " الْجَنَّة ليس فيه زلةٌ ولا خطأٌ تُرشدك إِلَيْه" الوجوه الآتية: الأَوَّل: أن أخذ السّيوطيّ عَن الحافظِ ليس بالمستحيلِ ولا مُستبعدٍ، أفلا تعلم أن سنة وفاةَ ابنِ حَجَرٍ وسنةَ ولادةِ السيوطي لا تأباه، فإنَّهُ يُمكن على هذا أن يكونَ السّيوطيّ وُلدَ في أولِ سنةِ تِسعِ وأربعينَ، ومات ابنُ حَجَرٍ في آخرِ اثنتين وخمسينَ فيكونَ سنُّ السّيوطيّ في زمانِ الْحَافِظِ نحواً من أربعةِ أعوامٍ وهو سنٌ يُمكنُ فيه التَّمييز الَّذِي هو مناطُ صحَّةِ الأخذِ والتَّحملِ بطريقِ السَّماعِ.
أما قَرَعَ سمعكَ أنَّ علماءَ أُصولِ الحديثِ صرحوا بأنَّهُ ليس لأولِ زمنٍ يَصحُّ فيه السَّماع للصغيرِ حدٌّ معين، بل المعتبرُ التَّمييز ... الخ.
أَقولُ: أُمورُ التَّاريخُ ليستْ ممِّا يَجري فيها الاحتمالُ أو ليتَ ولعلَّ فقد صَرَحَ السّيوطيّ في " حسن المحاضرة": أنَّ وفاةَ ابنِ حَجَرَ في ذي الحجة سنةَ اثنتين وخمسين، وصَرَحَ هو أَيْضًا فيه في ترجمةِ نفسهِ أنَّ ولادتَهُ مُستهلُ رجبٍ سنةَ تسعٍ وأربعينَ وثمانمئةٍ، فعلى هذا كان السّيوطيّ حين وفاةِ ابنِ حَجَرَ ابنَ ثلاثَ سنينَ ونصفٍ تقريباً، وكون هذا السِّنِ سنَ التَّمييزِ المفيدُ للتَّحملِ