ترويح الجنان ...........
. وزجر أرباب الريان
جارٍ تحميل الكتاب…
ترويح الجنان ...........
. وزجر أرباب الريان
ترويح الجنان
بتشريح حكم شرب الدخان
ومعه
زجر أرباب الريان عن شرب الدخان
للإمام أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الحنفي
ولد سنة 1264 هـ وتوفي سنة 1304 هـ
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على دربه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد:
هاتان رسالتان بديعتان لإمام عصره ومجدد دهره، مَن شاع ذكره في البلاد، وانتشر تآليفاته بين العباد، وزانت تحقيقات وتدقيقاته السواد، الإمام محمد عبد الحي اللكنوي، المتوفى سنة (1304 هـ).
أولهما: ترويح الجَنان بتشريح حكم شرب الدخان.
وتكلم فيها عن حكم شرب الدخان، وأنّه على الكراهة التحريمية، ويأثم مَن يتناوله، واستفاض في المسألة من جوانب متعددة في تحقيقها كما هي عادته، وقرّر أنّ الإثم حاصل إن كان الضرر موجوداً، واستفاض في نقل عبارات الفقهاء في تحقق الإثم بالضرر، فما صدر من خلاف بينهم قديماً بين الإباحة والكراهة التنزيهة والتحريمة مبناه على عدم التحقق من وجود الضرر، أما متى تحقق فلا شك بتحقق الإثم بشربه، وهذا يرد ما نسمعه
أحياناً ممن ينسبون للمذهب القول بالإباحة، فيكون على تقدير انتفاء الضرر، وليس ابتداء.
ومن المعلوم أن ضرر الدخان أصبح من الأمور المقطوع بها في هذا الزمان لتطور العلوم الطبيبة، فلم يعد لهذا القول مكاناً، ولا يصح نسبته للأحناف لابتنائه على علة، فمتى انتفت العلة انتفى الحكم، والله أعلم.
وثانيهما: زجر أرباب الرَّيان عن شرب الدخان.
وقد حقق فيها وجوب القضاء والكفارة على من يشرب الدخان في نهار رمضان، وذكر الشواهد العديدة من كتب الفقهاء التي تدل على هذا المقصود بلا خلاف ولا نزاع بين الفقهاء.
وأسأل الله تعالى أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
صلاح محمد أبوالحاج
بسم الله الرحمن الرحيم
حامدًا لخالق الإنس والجانّ، وشكرًا للذى خلق الإنسان وعلَّمه البيان، أشهد أنه لا إله إلاّ هو، وحده لا شريك له، شهادة تنجينا من عذاب الدّخان، وأشهد أنّ سيدنا محمدًا عبده ورسوله، سيّد أفراد الإنسان، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما دار القمران.
وبعد:
فيقول المحتاج إلى رحمة ربه القوي أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنويّ بن مولانا محمد عبد الحليم ـ أدخله الله في دار النعيم ـ: هذه رسالة نافعة، وعُلالة رائعة مسمّاة بـ:
«ترويح الجَنان
بتشريح حكم شرب الدخان»
مشتملة على حُكم بدعة حدثت بعد انقراض القرون المتطاولة، ومضت عليها قريب من ثلاثمئة سنة، قد أخذتها بالقبول الأيدي المتناولة، والذى بعثني على ذلك أنّ العلماء من وقت حدوثه إلى هذا الآن قد اختلفوا في حكم شربه, فمن مُفرِط ومن مُفرِّط، ومن سالك مسلكًا وسطًا في ما هنالك،
وكلّهم قد نصبوا الآيات العظمى على آرائهم، وأقاموا الطامّة الكبرى على مخالفيهم, فكم من رسائل فيه صنّفت، وكم من دفاتر فيه أُلّفت, وكم من كتب المذهب بذكره وشّحِت.
وقد سئلتُ عنه مرّة بعد مرّة: هل هو في درجة الإباحة أم دخل في حيّز الحرمة؟
وعلى تقدير الإباحة هل فيه كراهة تنزيهيّة أو تحريميّة أم إباحته مجرّدة عن البليّة؟
فأجبت كلّ مرة: إن من حرّمه فقد أفرط، و من أباحه إباحة مطلقة, فقد فرّط.
وعندي أنّه مباح مع الكراهة, وهو المسلك الوسط, ثم طالعت الرسائل التي صنّفت في هذه المسألة, ووقفت على ما ذكره المانعون من الأدلة, فإذا فيها ما يعجب الناظر، ولا يفهم المناظر، فأردت أن أضع رسالة أذكر فيها ما صفا، وأذر ما كدر، وألخّص فيها جميع ما ذكره المفرطون والمفرّطون، بتلخيص صاف عن الكدر، ثم أحقق الحق، وأبطل الباطل؛ إيقاظاً للخامل الجاهل, وتفريحاً للفاضل الكامل, والله أسأل أن يجنّب من الخطأ والزلل أقدامي, ومن السهو والخلل أقلامي, وأن يتقبّل هذه الرسالة وسائر تصانيفي بفضله وجوده وكرمه.
وها هذه الرسالة مرتّبة على مقدّمة، وأبواب خمسة، وخاتمة:
المقدمة: في ذكر ابتداء شرب الدخان والتنباك، وذكر منفعته ومضرّته.
والباب الأول: في إيراد روايات الفقهاء منعاً وإباحةً.
والثاني: في تحرير وجوه المانعين والمبيحين مع مالها وما عليها.
والثالث: في حكم شرب الدخان حالة الصوم وفيه أدرجت رسالتي «زجر أرباب الريان عن شرب الدخان»، وهي مرتّبة على مقصدين وخاتمة.
والرابع: في فوائد متفرّقة متعلّقة بالحلة والحرمة.
والخامس: في حكم استعاط التنباك وزراعته ومائه وغير ذلك.
والخاتمة: في حكم شرب القهوة.
• • •
المقدّمة
فيها فصلان: هما لدرك المقاصد أصلان.
الفصل الأول
في زمان ابتداء شرب دخان التّنباك
اعلم أنه لم يوجد له أثر في الأزمنة السابقة، ولم يدر له خبر في الأعصار السالفة، ولذلك ترى كتب السلف عن حكمه ساكتة.
وإنّما كان شيوعه في القرن الحادي عشر، واختلف فيه علماء ذلك العصر، فمنهم مَن حرمه، ومَن كرهه، ومنهم مَن جَوّزه، وصنّفت فيه الرسائل لتحقيق المقاصد والوسائل.
قال إبراهيم اللقانيّ المالكيّ (¬1) في «عمدة المريد شرح جوهرة التوحيد»: قد حدث في أوائل القرن الحادي عشر وقبيله بمدّة قليلة شرب دخان شيء يعبر عنه الناس بعبارات مختلفة.
فبعضهم يقوله: التنباك، ومنهم من يعبره بالتتن بالتائين الفوقانيتين.
وبعضهم: يتفوه بطابغي، وشرذمة بطبغا.
وقال العلامة الزاهد محمد بن أحمد بن عبد الرحمن: إنه ظهر في بلادنا شيء مسمّى بتنبكه في السنة الخامسة بعد الألف, وهي أوراق شجرة مسمّاة بطبغا، وقد ابتلى الله المسلمين بتدخينه وشرب الدخان منه انتهى حاصل ما ذكره اللقاني.
¬
(¬1) هو برهان الدين إبراهيم بن إبراهيم بن حسن بن علي اللقاني نسبة إلى لقانة ـ بالفتح ـ قرية من قرى مصر، المالكي مؤلف: «جوهرة التوحيد في العقائد»، وشروحه الثلاثة، و «قضاء الوطر من نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر»، و «نصيحة الإخوان باجتناب شرب الدخان»، وغير ذلك من التأليفات النافعة، وذكرها محمد بن فضل الله الدمشقي في «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» (3/ 176)، وذكر أنه كان أحد الأعلام المشار إليهم في الفقه، والحديث، والتبحّر في الكلام.
ومن مشايخه: عمر بن نجيم الحنفي صاحب: «النهر الفائق شرح كنز الدقائق»، وعلي بن غانم المقدسي الحنفي، والشيخ محمد السنهوري المالكي، والشيخ طه المالكي، والإمام محمد الرملي الشافعي شارح «المنهاج»، وكانت وفاته وهو راجع من الحج سنة إحدى وأربعين وألف، منه.
وذكر العلامة عبد الرحمن المرشدي (¬1) في «تذكرته»: اسمين آخرين «تنباكو» و «طابه» انتهى كذا في «تحفة الإخوان في منع شرب الدخان» للحاجّ محمد هاشم السنديّ الحنفيّ (¬2)، ألفه في سنة ألف ومئة وأربعة وثلاثين.
¬
(¬1) لعله عبد الرحمن بن عيسى بن مرشد العمري، الحنفي، أبو الوجاهة العمري المرشدي: مفتي الحرم المكيّ، وأحد الشعراء العلماء في الحجاز. عالم، أديب، مشارك في أنواع من العلوم، ولد بمكة في 5 جمادي الأولى، وولي إفتاء الحرم المكي، وقتل بمكة في 9 ذي الحجة.
من آثاره: «شرح عقود الجمان» للسيوطي في المعاني والبيان، و «الوافي شرح الكافي» في العروض والقوافي، و «حاشية على تفسير البيضاوي»، و «مناهل السمر في منازل القمر»، و «جامع الفتاوى»، وله نثر وشعر. (975 - 1037 هـ). انظر: خلاصة الاثر (2/ 369 – 376)، سلافة العصر (65 – 92)، نزهة الجليس (2/ 183 – 193)، هدية العارفين (1/ 548)، إيضاح المكنون (1/ 282 - 299).
(¬2) هو محمد بن هاشم بن عبد الغفور بن عبد الرحمن التتوي السندي: عالم بالحديث. من آثاره: «حياة القاري بأطراف صحيح البخاري» في مجلد كبير، و «فتح الغفار لعوالي الأخبار» في الحديث، و «إتحاف الأكابر بمرويات الشيخ عبد القادر» وذيول عليه، و «غنية الظريف بجمع المرويّات والتصانيف»، و «الرحيق المختوم في وصف أسانيد العلوم» أو «غاية النيل في اختصار الإتحاف والذيل»، (1104 - 1174 هـ). انظر: الأعلام (7/ 129)، إيضاح المكنون (4/ 184).
وفي كتاب الأشربة من «الدر المختار شرح تنوير الأبصار» (¬1): قال شيخنا النجم الغزي: والتتن الذي حدث، وكان حدوثه بدمشق في سنة خمسة عشر بعد الألف يدّعى شاربه أنه لا يسكر، وإن سلم له فإنّه مفتّر وهو حرام، لحديث أحمد عن أم سلمة قالت: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتّر» (¬2).
¬
(¬1) هو لعلاء الدين محمد بن علي بن محمد بن علي بن عبد الرحمن الحصكفيّ الأصل، الدمشقيّ الحنفيّ، مؤلّف شرح «تنوير الأبصار» المسمّى بـ» خزائن الأسرار» ومختصره «الدر المختار» وشرح «الملتقى» المسمّى بـ «المنتقى»، وشرح «المنار» المسمّى بـ «إفاضة الأنوار» و «تعليقات على صحيح البخاري» وغير ذلك، كان عالماً، محدّثاً، نحويّاً، كثير الحفظ، جيد التقرير والتحرير، أخذ عن والده، وعن محمد المحاسنيّ خطيب دمشق تلميذ الشرنبلاليّ، ولازمه حتى أجازه سنة 1042 هجري وارتحل إلى رملة، فأخذ بها عن خير الدين الرمليّ صاحب «الفتاوي الخيرية»، وسافر إلى الروم فولي تدريس بغير المدارس، ثم صار مفتي الشام إلى أن توفي سنة (1088) في شوال بدمشق، وعمره ثلاث وستون سنة، والحصكفيّ بفتح الحاء وسكون الصاد وفتح الكاف بعدها فاء نسبة إلى حصن كيفا على خلاف القياس والقياس الحصني وهي بلدة من ديار بكر. كذا في خلاصة الأثر. منه.
(¬2) أخرجه أحمد (26634)، وأبو داود (3686)، وابن أبي شيبة (23746)، والطبراني (23/ 337، رقم 781)، والبيهقي (8/ 296، رقم 17860)، وقال الحافظ في فتح الباري (10/ 44): إسناده حسن.
قال: وليس من الكبائر تناوله المرّة والمرّتين، ومع نهى ولي الأمر عنه حرّم قطعاً، على أنّ استعماله ربما أضرّ بالبدن، نعم الإصرارعليه كبيرة كسائر الصغائر، انتهى بحروفه (¬1).
وفي «الأشباه» في قاعدة الأصل الإباحة أو التوقف: ويظهر أثره فيما أشكل حاله كالحيوان المشكل أمره، والنبات المجهول سمّيته انتهى (¬2).
قلت (¬3): فيفهم منه حكم النبات الذي شاع في زماننا المسمى بـ «التتن»
فتنبّه، وقد كرهه شيخنا العمادي (¬4) في «هديته» إلحاقاً له بالثوم والبصل بالأولى، فتدبر (¬5)، انتهى كلام صاحب «الدر» (¬6).
¬
(¬1) انتهي من الدر المختار مع رد المحتار (6/ 459).
(¬2) انتهي من الأشباه والنظائر (ص 57)، الدر المختار مع رد المحتار (6/ 459).
(¬3) القائل الحصفكي رحمه الله تعالى.
(¬4) هو حامد بن علي بن إبراهيم العِمَادي الدمشقيّ الحنفي: مفتي دمشق وابن مفتيها. برع في الفقه والفرائض والأدب، وكان مهيبا وقورا أقام في منصب الإفتاء 34 سنة. له مؤلفات كثيرة، منها: الفتاوى في مجلدين كبيرين، نقحها محمد أمين بن عابدين وسماها العقود الدرية في تنقيح الفتاوي الحامدية، والدر المستطاب في موافقات ابن الخطاب وأبي بكر وأبي تراب، وترجمتهم مع عدة عن الأصحاب، والتفصيل بين التفسير والتأويل، و ضوء الصباح في ترجمة أبي عبيدة بن الجراح، وترجمة الشيخ الأكبر، وشرح خطبة الكشاف، ورسالة في الأفيون، ومجموع رسائل، وديوان شعر وشرح بيتي الرقمتين، وكان يستفتح أكثر دروسه بخطب من إنشائه جمعت في مجلد كبير. مولده ووفاته في دمشق. انظر: الأعلام (2/ 162)،سلك الدرر (2/ 11 - 19)، هدية العارفين (1/ 261)، إيضاح المكنون (1/ 13).
(¬5) ذكر صاحب التبيان أن وجه التدبر، بل وجه التنبه أيضاً أنه ما اجتمع محرم ومبيح إلا غلب المحرم، فمع التفتير والتخدير، ونهي ولي الأمر والإضرار، وأنه من جمل مابه التعذيب وغيرها من الإصراف، والبدعة السيئة يحرم استعماله، وكيف يلحق بالبصل والثوم. انتهى. ولا يخفى على المطلع على ما سنذكره في الباب الثاني. (منه).
(¬6) انتهي من الدر المختار مع رد المحتار (6/ 461).
وفي رسالة الشيخ محمد عبد الباقي الروميّ المكيّ الحنفيّ (¬1) المسمّاة
بـ «الحسام القاصم»: قد أبدع النصارى من أهل القرن الحادي عشر تتناً كريهة الريح والمنظر، ونوّعوا هيئات شربه، كما سوّل لهم الشيطان، وأملى لهم، وشيعوه في بلدان الإسلام حتى أهل الحرمين، فأوّل من جلبه إلى البرّ الروم النصارى, وأوّل من أحدثه بأرض المغرب اليهود، وأوّل من أخرجه ببلاد السودان المجوس, ثم شاع ببلاد الإسلام، وعمّت به الفتن المتنوّعة، وترتبّت عليه الأضرار الدينيّة والعقليّة والبدنيّة والماليّة والعرضيّة، انتهى
¬
(¬1) هو محمد شريف بن عبد الله بن عبد الباقي الكوتاهيّ، الروميّ، الحنفيّ، مفسّر، فقيه، أفتى ببلده، وتوفّي بمكّة، من آثاره: مصباح الآيات الجليلة الفرقانيّة ومفتاح التفاسير الجميلة القرآن، (ت 1308 هـ). انظر: هدية العارفين (2/ 391)، وإيضاح المكنون (2/ 491)، ومعجم المؤلفين (10/ 67).
كلامه على ما نقله الشيخ إسحاق بن عبد الوهاب (¬1) في رسالته المسمّاة بـ «نصيحة عباد الله وأمّة رسوله» وستطّلع في أثناء الأبواب على عبارات تفيد حدوثه بعد تمام الألف بلا ارتياب.
• • •
¬
(¬1) هو تلميذ الشيخ عبد الغني، وهو تلميذ الشيخ وجيه الدين العلويّ، فرغ من تأليف النصيحة سنة 1047هـ في بلد «بروج» من بلاد الهند -بفتح الباء وسكون الراء وفتح الواو ثم جيم- كذا في التبيان في الزجر عن شرب الدخان. (منه).
الفصل الثاني
في تحقيق حقيقة التنباك
قال الحكيم السيد محمد مؤمن الحسينيّ (¬1) في رسالته «تحفة المؤمنين» المؤلّفة سنة ألف وثمانين على ما نقله صاحب «التبيان في الزجر عن شرب الدخان» (¬2): أن «تنباكو» قسم من أقسام «مَاهيِزَ هرَج» الجبليّ الذي يسمّى
¬
(¬1) تحفة المؤمنين في الطب لمحمد مؤمن بن محمد زمان الحسينى التنكابنى الديلمى المازندراني الطبيب الشيعي. أولها سبحانك اللهم يا قدوس ويا طبيب النفوس الخ. كتبه باسم الشاه سليمان الصفوي في مجلد كبير. (ت1110هـ). انظر: إيضاح المكنون (3/ 260)، هدية العارفين (2/ 308).
(¬2) هو الفاضل محمد حسين بن العلامة المعمر محمد مراد الأنصاري السندي النقشبندي، ذكر في ديباجته أنه ظفر برسائل: منها: البرهان في تحريم الدخان المؤلفة سنة 1065 للعلامة أبي طالب بن علي الحنفي، ومنها: الحجة البالغة له أيضًا، ومنها: تحفة الإخوان في منع شرب الدخان المؤلفة سنة 1124 للحاج محمد هاشم السندي الحنفي، ومنها: رسالة للشيخ عبد الرحيم الحنفي السندي وغير ذلك، وكان تحفة الأخوان أحسنها، وكان بالفارسية فترجمها بالعربية، وزاد عليها زيادات، وذكر أيضًا أنه شرع في تأليفه في «بندر جده» في رجب سنه 1198. (منه).
«قُلٌومُس»؛ لأنّه تشبه في الماهيّة بالقسم الثالث من «القُلُومُس»، وفي السميّة تشبه «مَاهيِزَ هرَج»؛ لأنّ الأطباء عرّفوا القسم الثالث من الأقسام الخمس من «القُلُومُس» أنّ ورقه كورق «الكرنب»، لكن أطول منه، مع رطوبة قليلة متشبثة، وساقه أكبر، وبذره يميل إلى السواد.
ولأنّه وقع الوباء في زمان «بقراط الحكيم»، فقرر (¬1) نباتاً بأن يحرق في الخندق الذي حول البلد, ويدخّن به، ودخانه صار باعثًا لعدم وصول الوباء وتأثيره لأحد ممّن في البلد، والنبات كان قسماً من «قُلُومُس»، وهذا الأثر موجود في تدخين «التنباك»، وفي كل بلدة شاع فيها الدخان قلّ الوباء فيها بالتدريج حتى انعدم الوباء، وهو حارّ يابس في آخر الثالثة، معطس معطش مخفّف سمّ لأقسام الحيتان، ودخانه مصلح لفساد الهواء، ومنقّ للرطوبات الدماغيّ، ومحركها لوجع الأسنان الرطوبيّ، ورماده لجراحات الدوابّ، ومع دهن الورد للجرب المتقرّح، وهو يضرّ القلب والدماغ، ويغلّظ الدم، ويورث السدود والخفقان، ويكدر حواس المحرورين والسوداوين انتهى.
وقال صاحب «التحفة» أيضاً عند ذكر «قُلُومُس»: إنّه لغة يونانيّة بمعنى آذان الدبّ، وهو خمسة أصناف، و «مَاهِيزَ هرَج» نوع منه، ثمّ عرّف الأصناف الخمسة إلى أن وصل إلى الخامس منه، فقال: إن ماءه يقتل الحيتان،
¬
(¬1) زيادة في النسخة الباكستانية: نباتاً.
وجميع أقسامه حارّة يابسة، وعروقه في الأفعال قائم مقام «مَاهِيزَ هرَج»: وهو يضرّ الكلى.
وذكر في «مَاهيِزَ هرَج»: إنّه فارسيّ يسمّى بالعربيّة سمّ السمك, وهو قسم من «قُلُومُس» حارّ يابس في الثالثة، وإذا دقّ وطرح في الماء يخدّر الحيتان, ويفترها حتى تطفو ميتاً, وهو يضرّ الأمعاء انتهى ملخّصاً.
وقال اللقاني: لا أعلم أحدًا تكلّم على خصوص هذا الدّخان من الأطباء والحكماء الذين يعتمد على قولهم إلا أنّ ما أخبرني به الثقات والمعتبرون أنّه يُحدث شرب هذا الدخان في ابتداءه بعضاً من المنافع في البدن حتى يداوم عليه, فحينئذ يحدث الغشاوة في البصر، والثقل في الأعضاء والإمساك فى الهاضمة, وعلى هذا لا ريب لأحد من العقلاء في تحريمة مطلقًا انتهى.
قال الفاضل حسين بن الشيخ مراد الأنصاريّ السنديّ النقشبنديّ في رسالة له في هذه المسألة سمّاها بـ «التبيان في الزجر عن شرب الدخان» ـ فرغ منها في سلخ رجب سنة تسعين بعد الألف والمائة، وشرع فيها في الحادي والعشرين من الشهر المذكور من السنة المذكورة وكان كل ذلك في بندر جدة (¬1) ـ: عدم علم الشيخ اللقانيّ لأحد تكلّم على خصوص هذا الدخان من
¬
(¬1) هو موضع على مرحلتين من مكة -بضم الجيم- والعامة تقول: -بكسرها-، وفي القاموس (ص 271): الجداد –بالضم- ساحل البحر بمكه كالجدة وجدة موضع منه، كذا في سلوة الغريب لعلي بن أحمد بن معصوم الشيرازي ثم المكي. (منه).
عدم وصول «التحفة» إليه؛ لأنّ تأليف «التحفة» في سنة ألف وثمانين من الهجرة، وتأليف «عمدة» اللقانيّ، بل فراغها في تاسع عشرة بعد الألف منها، فالعذر بيّن على المتأمّل مع أنه كم ترك الأول للآخر، انتهى.
وفي «مخزن الأدوية» للطبيب محمد حسين (¬1) ما معربه: أن «تنباكو» ـ بفتح التاء وسكون النون وفتح الباء وألف وضم الكاف وسكون الواوـ يقال له بالتركية: «التتن»، هو من الأدوية الجديدة،، وجد من نحو ثلاث مائة سنة، وشاع من نحو مائتي سنة.
قالوا في باعث شهرته في بلاد الإيران والتوران والهند: إنّ طائفة من النصارى أخرجته من الأرض الجديدة، وأتى بورقه، وبذره في بلد الهند وغيره، فشاع بحيث لم يبقَ بلد وقرية لا يستعملانه فيها بشرب دخانه, أو أكل جرمه أو السعوط به.
وقيل: إنّ بدوّ شيوعه في إيران كان في عهد الشاه عبّاس الثاني, وفي الهند في آخر عهد السلطان أكبر وأوائل عهد «جهانكير».
¬
(¬1) هوالطبيب الحاذق السيد محمد حسين بن السيد محمد هادى العلوى الخراسانى ثم الشيرازى فاضل كامل من رجال القرن الثاني عشر، له تصانيف في الطب ألف بعضها في السنة الحادية والثمانين بعد ألف ومائة. (منه)
قلت: وهو قاموس طبي طبع في كلتا سنة 1842م. انظر: نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر (7/ 894)، اكتفاء القنوع بما هو مطبوع (ص 440)، إيضاح المكنون (4/ 452).
وذكر الحكيم محمد مؤمن في «تحفة المؤمنين»: إن الظاهر أنه قسم «مَاهيِزَ هرَج جبلي» الذي يسمّى بـ «قُلُومُس»؛ لأنه مشابه في الماهية بالقسم الثالث من «قُلُومُس»، والسمى مشابه «لمَاهيِزَ هرَج»، فإنهم عرفوا القسم الثالث أن ورقه كورق الكرنب، وأطول منه مع رطوبة قليلة متشبثة وبذره أحمر مائل إلى السواد, والمؤيد الثاني أن الحكيم بقراط قرر في زمانه لرفع الوباء نباتاً يحرق في خندق بأطراف البلدة ليكون دخانه باعثا لعدم وصول الوباء إلى البلدة, وكان ذلك النبات قسماً من أقسام «القُلُومُس»، وهذا الأثر موجود في تنباكو انتهى معرباً ملخّصاً.
وفي «مخزن الأدوية» أيضًا بعد ذكر أقسامه وأنواع الانتفاع به: إنّه حارّ يابس معطّش مجفّف مضرّ للقلب والدماغ، مورث للسدود والخفقان، وتكدّر الحواس، مغلّظ للدم، ودخانه مصلح فساد الهواء الوبائي، منقٍ للرطوبات الدماغيّة انتهى.
وفيه أيضًا في «حرف القاف»: «قُلُومُس» ـ بضم القاف واللام وسكون الواو وضم الميم في آخره سين مهملة لفظ ـ يوناني بمعنى: آذان الدب, نبات منقسم على خمسة أقسام:
منها: «مَاهِيزَ هرَج» ـ بفتح الميم و وسكون الألف وكسر الهاء وفتح الراء المهملة بعد الزاء المعجمة ـ معرب ماهي زهره فارسي بمعنى سمّ السّمك لكونه قاتلاً له. انتهى.
معرباً ملتقطاً، وإن شئت التفصيل في تحقيق أحوال «قُلُومُس» و «مَاهيِزَ هرَج» و «النتن» فارجع إليه، فإنّها لكشف أحوال الأدوية مخزن حسن.
• • •
الباب الأول
في ذكر روايات الفقهاء
في شرب الدخان منعاً
وحرمة وكراهة وإباحة
قال الشُّرُنْبُلاليُّ في «شرح منظومة ابن وهبان» في فصل الكراهة والاستحسان: مسألة مهمة أحببت ذكرها لمناسبة الحشيش؛ فإنه سألني بعض العظماء عن شرب الدخان الذي حدث في هذا الزمان.
فقلت: إن الذي يستعمل شرعاً، ويصل إلى الجوف، إما غذاء، أو دواء، والغذائية فيه منتفية, والدواء إن ظنّ به، فلا يداوم عليه لانعكاسه للضدّ، وهو لا يجوز.
وإن لم يكن غذاءً ولا دواءً، فهو نوع من العبث، وإنّه لا يجوز، وهذا مع قطع النظر عن الأمور الخارجيّة، كإتلاف المال بشراءه بما لا يرضاه أهل الصّلاح والرشد وغيره كأذيّته بنتن فمه كل من قابله، وقد منع آكل الثوم والبصل من حضور المساجد بنصّ الحديث، وإحراق من يمرّ على غفلة بنار
شاربه كشيطان بيده شعلة نار، خصوصاً عند الغروب والفجر، وجمعهم متقابلون بهذه القبيحة، وقلت:
ويُمنع من بيع الدخان وشربه ... وشاربُه فى الصوم لاشك يفطر
ويلزمه التكفير لو ظن نافعًا ... كذا رافعًا شهوات بطن فقرروا
وقد يشتمله قوله عز وجل: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [الأعراف: 157] انتهى.
وقال صاحب «تحفة الأخوان» بعد نقله محصله: إنه لم يجز شرب الدخان, كما لا يخفى وقد سبق عن «الإمداد» وغيره أن شرب هذا الدخان بدعة حدثت في هذا الزمان انتهى.
وقال ابن العماد (¬1) في «هديته»: يكره الاقتداء في الصلاة بمن هو معروف بأكل الربا، أو شيء من المحرمات، أو بإصرارعلى شيء من البدع المكروهة, كالدّخان المبتدع في هذا الزمان انتهى.
¬
(¬1) هو عبد الرحمن بن محمد عماد الدين بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عماد الدين الحنفيّ الدمشقيّ مؤلف الهدية في العبادات، ومنسك الحج المسمى بالمستطاع من الزاد لأفقر العباد ابن العماد، ورسائل كثيرة، كان أحد أفراد وأعيان العلم، مات والده وعمره سبع سنين.
وأخذ عن الحسن البوريني ومحمد بن محب الدين وغيرهما، وبرع في كل العلوم وحج سنة (1014)، فأخذ بالمدينة عن السيد صبغة الله البروجي، ولما رجع إلى دمشق، ولي تدريس المدرسة الشبلية سنة (1017)، ثم المدرسة السليمية سنة (1023)، ثم ولي الإفتاء بالشام سنة 1031، وتوجه إلى الحج سنة 1023، واشتهر ذكره وكبر صيته، وله نظم رائق، توفي بدمشق في جمادى الأولى سنة (1051)، وولادته كانت سنه (978هـ)، كذا في خلاصة الأثر (2/ 380). (منه).
وفي «عمدة المريد» للقاني: سئل عبد الرحمن المسيريّ (¬1) الذي كان رئيس الحنفيّة في زمانه عن حكم هذا الدخان, فشاهدت بأنه منع عن شربه, وسئل الشيخ سالم السنهوريّ (¬2) المالكيّ عن شرب الدخان, فأفتى بحرمته , ولم يزد عليه شيئًا، ثم سئل عنه الشيخ خالد السويديّ المالكيّ، فحكم بمنعه مطلقًا أيضاً.
سئل عن الشرب العلامة الفاضل القاضي محمد بن أحمد بن عبد الرحمن فقال: إنّه لمن غش الشيطان وتزيينه للنّاس الذين يلعب بهم، وتلبيسه
¬
(¬1) قال المحبي: في ترجمة الشَّيْخ حسن بن عمار بن عَليّ أَبُو الْإِخْلَاص الْمصْرِيّ الشَّرّ نبلالي الْفَقِيه الْحَنَفِيّ، قَرَأَ فِي صباه على الشَّيْخ مُحَمَّد الْحَمَوِيّ وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المسيري. وقال في موضع آخر: المعروف بابن الذئب. انظر: خلاصة الأثر (2/ 38).
(¬2) هو سالم بن محمد عز الدين بن محمد ناصر الدين أبو النجا السنهوريّ المصريّ المالكيّ، الإمام الكبير المحدّث، الحجّة الثبت، مفتي المالكية ورئيسهم، وهو شيخ البرهان اللقاني، وله مؤلفات: منها: حاشية على مختصر خليل، ورسالة في ليلة النصف من شعبان توفي في جمادي الآخرة سنة (1015).
ومن تلامذته الشيخ خالد بن أحمد بن محمد المالكيّ الجعفريّ المغربيّ ثم المكيّ، صدر المدرسين في عصره بالمسجد الحرام المتوفي سنة 1043 كذا في خلاصة الأثر (2/ 204). (منه).
عليهم؛ لأنهم يظنّون فيه الدواء للأمراض مع أنه يتولّد في أجوافهم وبطونهم من تكاثف الدخان درن وعَكَرُ, ويورث الأمراض في آخر الأمر بدليل قول جالينوس الحكيم حيث قال: اجتنبوا من الثلاثة: الغبار والرائحة الكريهة المنتنة والدخان, وأن تكرار الدخان يسود الشيء المقابل به, فيتولد منه الحرارة, ثم يوجب مرض الباطن انتهى ملخّصًا.
وفي «الوسيلة الأحمدية شرح الطريقة المحمدية» للشيخ رجب بن أحمد الحنفي (¬1) في آخر المبحث الثالث من مباحث الإسراف عند قول المصنف: ومن الإسراف ما صرف إلى المعاصي والمناهي .... الخ.
ومن الإسراف الذي صرف إلى المعاصي. والمناهي شراء الدخان وشربه الذي ظهر في هذا الزمان من قبل الكفرة العدوة لأهل الإيمان، وابتلي
¬
(¬1) قال صاحب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون (2/ 1112) عند ذكر شروح الطريقة، وشرحها المولى رجب بن أحمد شرحاً مفيداً، وهو معتبر عند الأساتيذ، سماه بالوسيلة الأحمدية والذريعة السرمدية، وقال: تم تبيضه في غرة الربيع الأول سنة (1087). (منه).
قلت: هو رجب بن أحمد الآمدي القيصري: فاضل من علماء ديار بكر. درّس في قيصريّة الروم. وانتقل إلى تبرة في ولاية إزمير ومات بها. له كتب، منها: الوسيلة الأحمدية والذريعة السرمدية شرح الطريقة المحمدية للبركوي. فرغ من تبييضه سنة 1087. وله جامع الأزهار ولطائف الأخبار، ورتبه على 97 بابا. انظر: الأعلام (3/ 18)، هدية العارفين (1/ 365 - 366)، معجم المؤلفين (4/ 152)، معجم المطبوعات (2/ 1806).
به كافة الأنام من الخواص والعوام، فإنّهم يشترون بثمن غالٍ، فيدخل في الإسراف المحرم مع نتن رائحته وأذيته للذين يتبعون النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد جاء في الحديث (¬1): «كل مؤذٍ في النار» (¬2)، ولذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربنّ مسجدنا، لأن الملائكة تتأذى مما تتأذى منه الإنس» (¬3)، واسم الإشارة الواقعة فيه إشارة إلى جنس ما له رائحة
¬
(¬1) هذا الحديث أورده السيوطي جلال الدين عبد الرحمن الشافعي في الجامع الصغير في حديث البشير النذير (2/ 308) رامزاً إلى الخطيب (11/ 297)، وابن عساكر (38/ 353) من حديث علي.
وقال علي العزيزي في شرحه السراج المنير إلى كل من آذى الناس في الدنيا يعذبه الله بنار الآخرة، انتهى.
وذكر السيوطي في البدور السافرة في أحوال الآخرة أنه أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس وابن عمر وابن مسعود بأسانيد جياد.
قال القرطبي في تأويله وجهان:
أحدهما: أن كل من آذى الناس في الدنيا، فهو معذب في النار يوم القيامة.
الثاني: أن كل ما يؤذي من السباع وغيرها في النار معدّ لعقوبة أهل النار، انتهى، (منه).
(¬2) قال ابن الجوزي في العلل المتناهية في الأحاديث الواهية: قال المؤلف هذ حديث لا يصح، والأشج غير موثوق بقوله عند العلماء، وقال المناوي في فيض القدير (2/ 30): قال الخطيب: وعثمان عندي ليس بشيء اه. وأورده الذهبي في المتروكين وقال: خبر غريب.
(¬3) أخرجه البخارى (816)، ومسلم (564)، وابن حبان (2086) من حديث جابر بن عبد الله رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ.
كريهة، وقد ثبت في «صحيح مسلم»: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا وجد من رجل ريح البصل والثوم أمر به فأخرج إلى البقيع» (¬1).
ولهذا قال الفقهاء: كل من وجد فيه رائحة كريهة يتأذى به الإنسان يلزم إخراجه ولو يجر من يده، أو رجله دون لحيته وشعر رأسه، فعلى هذا يلزم إخراج كثير من الأئمة والمؤذنين من المسجد والجامع في هذا الزمان؛ لوجود الرائحة الكريهة فيهم بسبب مداومتهم على استعمال الدخان الكريه الرائحة، بل إنهم إذا استعملوه عند دخول المسجد والجامع تكون الكراهة في حقهم أشد.
وقال جالينوس (¬2): اجتنبوا ثلاثة، وعليكم بأربعة ولا حاجة لكم إلى الطب، اجتنبوا الدخان والغبار والنتن، وعليكم بالدسم والحلو والطيب والحمام.
¬
(¬1) أخرجه مسلم (567)، وأحمد (186)، والنسائي (708)، والبيهقي (3/ 78، رقم 5266) من حديث عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه -.
(¬2) هو كاتب وطبيب إغريقي شهير تخصص في علم التشريح، أثرت دراساته وكتاباته تأثيراً كبيرًا في الطب الغربي لمدة (1300) سنة، ولد سنة (130) م، وتوفي سنة (200) م، ولد لأب وأم يونانيين في مدينة بيرغاموم القديمة والمسماة حاليًا برغاما في تركيا.
تلقى علومه في اليونان وآسيا الصغرى والإسكندرية، ومن ثم عاد إلى مسقط رأسه ليعمل طبيبا في مدرسة للمجالدين، ثم انتقل إلى روما في سنة (162) م حيث أسس عيادته الخاصة وعمل بالتدريس والكتابة وإلقاء المحاضرات، ثم عمل طبيبًا خاصًا للأمبراطور ماركوس أوريليوس، أمضى باقي فترة حياته في البلاط الإمبراطوري حيث اشتغل بالتأليف كما قام بالعديد من التجارب وعمليات التشريح على الحيوانات لدراسة العمليات الوظيفية لأعضاء مثل الكلية والحبل الشوكي بهدف التوصل إلى فهم طبيعة عمل هذه الأعضاء في جسم الإنسان.
وكان أول من توصل إلى العلاقة بين الكسر في العمود الفقري وانتقاع الحبل الشوكي والشلل، كما يعتقد أنه أول من استخدم أسلوب قياس النبض في تشخيص الحالات، ووضع العديد من النظريات المهمة في مجالات عمل العضلات وتكون الدم.
ترجمت العديد من كتاباته إلى العربية في عصر نهضة الدولة الإسلامية مما كان له الأثر الكبير في حفظ هذه الكتب من الاندثار. وترجم جميع كتبه حنين بن إسحاق.
وقال ابن سينا (¬1): لولا الدخان والقَتَام (¬2) ـ أي الغبار ـ لعاش ابن آدم ألف عام.
¬
(¬1) هو الحسين بن عبد الله بن سينا، أبو علي، شرف الملك: الفيلسوف الرئيس، صاحب التصانيف في الطب والمنطق والطبيعيات والإلهيات. أصله من بَلخ، ومولده في إحدى قرى بُخارى. ونشأ وتعلم في بُخارى، وطاف البلاد، وناظر العلماء، واتسعت شهرته، وتقلد الوزارة في همذان، وثار عليه عسكرها ونهبوا بيته، فتوارى. ثم صار إلى أصفهان، وصنف بها أكثر كتبه. وعاد في أواخر أيامه إلى همذان، فمرض في الطريق، ومات بها. صنَّف نحو مائة كتاب، بين مطوّل ومختصر، ونظم الشعر الفلسفي الجيد، ودرس اللغة مدة طويلة حتى بارى كبار المنشئين.
أشهر كتبه القانون كبير في الطب، بقي معولا عليه في علم الطب وعمله، ستة قرون، وترجمه الفرنج إلى لغاتهم، وكانوا يتعلمونه في مدارسهم، وطبعوه بالعربية في رومة وهم يسمون ابن سينا وله عندهم مكانة رفيعة. ومن تصانيفه المعاد رسالة في الحكمة، والشفاء في الحكمة، أربعة أجزاء، و السياسة، و أسرار الحكمة المشرقية ثلاث مجلدات، و أرجوزة في المنطق، و رسالة حي بن يقظان وغير ذلك كثير، (370 - 428 هـ). انظر: الأعلام (2/ 242)، وفيات الأعيان (1/ 152)، وآداب اللغة (2/ 336)، ولسان الميزان (2/ 291).
(¬2) القَتامُ: أي: الغبار الأسود. انظر: الصحاح (5/ 2005).
وقد كتب بعض المالكية في «الديار الحجازية» جوابًا عن سؤال يتعلق بالدخان: وهو أن استعمال الدخان حرام كأصله؛ لأن أصله الخشب والنار؛ لكونه أجزاء من الخشب ممزوجة بأجزاء النار، فهو من حيث أجزاءه النارية التي فيه يحرم استعماله لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10] فدل النص على حرمة النار, فيحرم الدخان الحاصل منها.
وأيضًا أنه تعالى جعل الدخان مما يعذّب، حيث قال: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِين، يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيم} [الدخان: 10 - 11].
والمراد بالدخان في هذه الآية حقيقة الدخان (¬1) على قول، وعلى هذا
¬
(¬1) ذكر في التفسير الكبير (27/ 656): أن فيه قولان: الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا على قومه بمكة لما كذبوه، وقال: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ سِنِيَّهِمْ كَسِنِيِّ يُوسُفَ» فارتفع المطر واجدبت الأرض، وأصابت قريش شدة المجاعة حتى أكلوا العظام والكلاب، فكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء كالدخان، وهذا قول ابن عباس في بعض الروايات، ومقاتل ومجاهد وهو قول ابن مسعود، وكان ينكر أن يكون إلا هذا الذي أصابهم من شدة الجوع، كالظلمة في أبصارهم.
والقول الثاني: إنه دخان
يظهر في العالم، وهو إحدى علامات الساعة، وهو المنقول عن علي والمشهور عن ابن عباس. (منه).
قلت: والحديث أخرجه البخاري (1006)، ومسلم (675)، وأبو داود (1442)، والنسائي (1073)، وابن ماجه (1244) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
القول يكون النظم الكريم صريحاً في كون الدخان عذابًا أليمًا، وما به التعذيب يحرم استعماله.
فإن الفقهاء قد اتفقوا على وجوب الفرار من محل العذاب, كبطن محسر (¬1)، فإنّه من التّحسير على لفظ اسم الفاعل وادٍ أهلك الله فيه أصحاب الفيل, فإذا وجب الفرار من محل العذاب فوجوبه مما به العذاب أولى وأحرى (¬2).
ثم إن المستعملين له، تراهم يُخرجونه من أنوفهم وحلوقهم، وفيه تشبه بأهل النار وبالذين يهلَكون في آخر الزمان من الأشرار، كما جاء في الحديث: «أنه يكون في آخر الزمان دخان يملأ الأرض، يقيم على الناس
¬
(¬1) وادي مُحَسِّرٍ: وهو بين منى ومزدلفة، سمي بذلك لأن فيل أبرهة كلَّ فيه وأعيا فحسر أصحابه بفعله، وأوقعهم في الحسرات. انظر: المصباح المنير (ص136).
(¬2) انظر: فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك (1/ 123) لمحمد بن أحمد بن محمد عليش (المتوفى: 1299هـ).
أربعين صباحاً، أما المؤمن فيصير منه كهيئة الزكام، وأما الكافر فيخرج من منخريه وأذنيه وعينيه، حتى يكون رأس أحدهم كالرأس الحنيذ ـ أي المشويّ ـ» (¬1).
فلا ينبغي للمؤمن من أن يتشبه بأهل العذاب، ولا أن يستعمل ما هو من نوع العذاب, وما هو من ملابسات أهل العذاب.
وقد ذكر في «نصاب الاحتساب» (¬2) وغيره من الرسائل: التختم بالحديد والصفر والرصاص حرام على النساء والرجال جميعًا؛ لما جاء في الحديث أنها من حلية أهل النار، انتهى كلامه (¬3).
¬
(¬1) أخرجه الطبري في التفسير (22/ 17)، قال الحافظ في فتح الباري (8/ 573): إسناده ضعيف.
(¬2) هو عمر بن محمد بن عوض الحنفي الإمام ضياء الدين السنامي الشيخ الفاضل الكبير العلامة، كانت له قدم راسخة في التقوى والديانة والاحتساب في الأمور الشرعية، ولد ونشأ بأرض الهند، وقرأ العلم على الشيخ كمال الدين السنامي، واشتغل بالحسبة مدة من الزمان، واشتغل بالتذكير أكثر من ثلاثين سنة وكان شديد النكير على أهل البدع والأهواء، لا يهاب فيه أحدًا ولا يخاف في الله لومة لائم، وكان يجتمع في مجالس وعظه خلق كثير يربو عددهم على ثلاثة آلاف من الخاصة والعامة، ولا يستطيع أحد ممن حضر ذلك المجلس أن يلتفت إلى شيء آخر غير الاستماع إليه. من كتابه نصاب الاحتساب، (ت 696 هـ). انظر: نزهة الخواطر (2/ 182)، الأعلام (5/ 63)، شذرات الذهب (5/ 436)، كشف الظنون (2/ 1953).
(¬3) انتهي النقل من نصاب الاحتساب (ص 269).
وفي موضع آخر من الوسيلة: أما الدخان الذي ظهر في هذا الزمان من قبل الكفرة العدوة لأهل الإيمان, ابتلى به كافة الأنام من الخواص والعوام، فقد فصّلناه في المبحث الثالث من الإسراف مما لا مزيد عليه، انتهى.
وفي «مجالس الأبرار» (¬1) في المجلس الثلاثين: الدخان الذي ظهر في هذا الزمان من قبل الكفرة العدوة لأهل الإيمان, وابتلى به كافة الأنام من الخواص والعوام، هل يفسد الصوم أم لا؟
فالجواب فيه: أن قول الفقهاء في عامة الكتب، وإن كان نصّا على أن مطلق الدخان إذا دخل الحلق، لا يفسد الصوم، لكنهم قالوا في تعليله؛ لأنه لايمكن الاحتراز عنه, فإن الصائم لا يجد بُدّاً من فتح فمه عند التكلم, فيدخل الدخان حلقه.
والقياس أن يفسد صومه، لوصول المفطر إلى جوفه بفعله، وكونه مما لا يتغذّى لا ينافي الفساد، كالتراب والحصاة، وهذا التعليل يقتضي أن يكون ذلك الدخان مفسدًا للصوم؛ لأنه يصل إلى جوفه بفعله، ويدل عليه ما قال قاضي خان في «فتاواه» (¬2).
¬
(¬1) هو كتاب نفيس على مائة مجلس في شرح مائة حديث يدل على تبحر مؤلفه، هو لأسعد الرومي على ما قيل: وسماه في كشف الظنون (2/ 1590) بأحمد الرومي. (منه).
قلت: قال الزركلي: وله ومختصر إغاثة اللهفان، و المجالس الروميّة في نهار العربية. انظر: الأعلام (1/ 153).
(¬2) انظر: فتاوى قاضيخان (1/ 182).
وإن صبّ الماء في أذنه اختلفوا فيه، والصحيح هو الفساد (¬1)؛ لأنه وصل إلى جوفه بفعله، فانظر كيف اعتبر الوصول إلى جوفه بفعله في فساد صومه، فإنّه لو اغتسل فدخل الماء في أذنه لا يفسد صومه، فعلم من هذا أن لفعله دخلاً في فساد صومه، بل لو نظر إلى ما ادّعاه مستعملوه من أنه دواء يلزم وجوب الكفارة؛ لأن الأصل في وجوبها وصول الغذاء أو الدواء إلى الجوف من المسلك المعتاد في نهار رمضان على التعمّد، وهذا المعنى على تقدير صدق دعواهم يكون موجودًا فيه.
ثم إنه في غير حال الصوم حلّ استعماله أم لا؟
قد كثر فيه الأقاويل، والحق الذي عليه التعويل أن الفعل الاختياري الصادر عن المكلف إن لم يترتب عليه فائدة دينية أو دنيوية، فهو دائر بين العبث واللعب واللهو، ولم يفرّق بين هذه الثلاثة في كتب اللغة، ولا بُدّ من الفرق لعطف بعضها على بعض في القرآن، وهو على ماذكره بعض الفحول، وكان حقيقا بالقبول أن العبث الذي ليس فيه لذة ولا فائدة.
وأما الذي فيه لذة بلا فائدة فهو لعب، ومثله اللهو، إلا أن فيه زيادة حظ النفس بحيث يشغل به عما يهمه، والكل حرام؛ لأنها لم تذكر في القرآن إلا على طريق الذم، فلما علم حرمة اللعب واللهو والعبث حرم استعمال
¬
(¬1) انظر: فتح القدير (2/ 342 - 343)، تبيين الحقائق (1/ 329)، البحر الرائق (2/ 300)، درر الحكام (1/ 202).
ذلك الدخان، لدخوله إما في اللعب أو اللهو أو العبث، بل هو بالعبث أنسب لخلوه عن اللذة التي في اللهو واللعب.
اللهم إلا أن يستلذه نفوس بعض المستعملين له بتسويل شيطاني، فحينئذ يدخل في اللعب أو اللهو، لكن لايكون فيه شيء من الفائدة أصلا، لا من الفائدة الدينية، وهو ظاهر ولا من الفائدة الدنيوية، لأنه لا يصلح لشيء من الغذاء أو الدواء أصلاً، بل هو مضر لاطباق الأطباء على أن مطلق الدخان مضر.
قال ابن سينا: لولا الدخان والقتام لعاش ابن آدم ألف عام.
وقال جالينوس: اجتنبوا ثلاثة، وعليكم بأربعة، ولا حاجة لكم إلى الطب, اجتنبوا الدخان والغبار والنتن، وعليكم بالدسم والحلوى والطيب والحمام.
وذكر في «القانون»: أن جميع أصناف الدخان مجفف بجوهره الأرضي، وفيه نارية يسيرة.
قال بعض الفضلاء: فإذا كان مجففًا يكون مجففاً للرطوبات البدنية، فيؤدي إلى حصول أمراض كثيرة، فلا يجوز استعماله؛ لوجوب صيانة النفس عن الضرر، وقد ذكر في «نصاب الاحتساب»: أن استعمال المضر حرام (¬1).
¬
(¬1) انظر: نصاب الاحتساب (ص 323).
فإن قيل: بعض الأطباء يعالجون بعض الأمراض ببعض أصناف الدخان, ويشاهد نفعه, فكيف يصح المنع عن استعمال جميع أصنافه؟
فالجواب: أنهم يعالجون لحظة يسيرة لا على الدوام, حتى يحصل ما ذكر من التجفيف.
فإن قيل: ما ذكر من التجفيف لا يضر في البلغمي لكثرة رطوباته, وانتفاعه بتجفيفها, فما وجه المنع؟
فالجواب: أن حد الانتفاع مجهول، فلابد في معرفة ذلك من طبيب حاذق عارف بالأمزجة، والقدر الذي ينتفع به، وإلا فالإقدام عليه غير جائزأصلاً, لوقوع التردد بين السلامة وعدمها، فإن العدول ممن كانوا استعملوه اختلفوا فيه، فمنهم من يقول: بضرره، ومنهم من يقول: بعدم ضرره، ومنهم: من يشك فيه، لكن الفريق الأغلب الذي جانب الحق إليه اقرب: يقول: إنه في ابتداءه يحدث قوّةً في الجسم، وحدةً في البصر، وهضماً في الطعام، ونشاطاً في الأعضاء، فاذا حصلت المداومة يورث غشاوةً في البصر، وثقلاً في الأعضاء، وإمساكاً فى الهاضمة، وضعفاً في البدن.
وذلك لأنه كما قال الأطباء: مجفف مع نوع حرارة، فيفعل في ابتداءه ما ذكروه أولاً، وفي انتهاءه ما ذكروه ثانياً.
على أنه لو تحقق نفعه فبعد النفع يمنع من استعماله؛ لأنه حينئذٍ يكون دواء, ولا يجوز استعمال الدواء بعد زوال المرض؛ لأنه إذا لم يجد مرضاً يزيله
يأخذ من البدن، فيؤدي إلى الضرر، وما يؤدي إلى الضرر يمنع من استعماله وإن كان فيه نفع.
ألا ترى: أن الخمر المحرمة بالنص قد أخبر القرآن بنفعها، ولكن جانب النفع إذا قابله جانب الضرر، يحمي جانب الضرر، حتى قال الفقهاء: لو كان في شئ وجوه شتى توجب الحل والجواز، ووجه واحد يوجب الحرمة وعدم الجواز، يرجح جانب الحرمة احتياطاً (¬1).
فإن قيل: إن المستعملين له يدّعون أنهم يجدون عقب استعمالهم خفة في البدن, فكيف يصح القول بعدم النفع فيه؟
فالجواب: على ما ذكره بعض المتناولين لتجربة نفعه وضرره أن المستعملين له يحصل لهم حال استماله ألم شديد، فعند فراغهم منه ينجون من ذلك ألالم، ويحصل لهم راحة، فيظن هؤلاء المساكين أن تلك الراحة حصلت من استعماله، ولا يدرون أنها حصلت من خلاصهم عن استعمالهم له.
ثم إن لنا في معرفة حرمة الأشياء وإباحتها وجهًا حسنًا يرجع إلى الأصول، وهو أن الحق في الأشياء قبل البعثة أن لا يكون فيها حكم.
وبعد البعثة اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال:
الأول: أنها متصفة بالحرمة، إلا ما دل دليل الشرع على إباحته.
¬
(¬1) انظر: المحيط البرهاني (2/ 457)، ومُسَلّم الثبوت (1/ 96)، الأشباه والنظائر لابن نُجيم (ص61 – 65)، الفروق للقرافي (11/ 227)
والثاني: أنها متصفة بالإباحة، إلا ما دل دليل الشرع على حرمته.
والثالث: وهو الصحيح أن يكون فيه تفصيل، وهو أن المضار متصفة بالحرمة بمعنى أن الأصل فيها الحرمة، وإن المنافع متّصفة بالإباحة لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 29] فإنه ذكره في معرض الامتنان, ولا يكون الامتنان إلا بالنافع المباح، فكأنه قال: هو الذي خلق لأجل نفعكم جميع مافي الأرض من المنافع لتنتفعوا بها.
وعلى هذا القول الثالث: الصحيح يخرج حكم هذا الدخان أيضاً، فإنه لو كان نافعًا لكان الأصل فيه الإباحة، لكن قد ثبت بأخبارالحذاق من الأطباء, أنه مضر ولو في الآجل, فيكون الأصل فيه الحرمة.
بل لو وقع الشك فيه لغلب جانب الحرمة, كما هو القاعدة الشرعية, فإنه عليه الصلاة والسلام قال: «الْحَلَالَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فقد اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحرم، يُوشِكُ أَنْ يقع فِيهِ» (¬1).
واختلف العلماء في حكم هذه الشبهات: فذهب بعضهم إلى حرمتها؛
¬
(¬1) أخرجه أحمد (18398)، والبخارى (52)، ومسلم (1599)، وأبو داود (3329)، والترمذى (1205)، والنسائى (4453)، وابن ماجه (3984)، والدارمى (2531)، والبيهقى (5/ 264، رقم 10180).
لأنه - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر في هذا الحديث بأن من ترك ما اشتبه عليه حكمه, ولم ينكشف أمره يكون دينه سالمًا مما يفسده أو ينقصه، ونفسه ناجياً مما يعيبه ويلام عليه، ومن لم يتركه بل فعل، يقع في الحرا، وهذا الدخان مما اشتبه عليه حكمه ولم ينكشف حقيقة أمره، فمن تركه ولم يستعمله يكون دينه سالمًا من الفساد أو النقصان، ناجياً من العيب واللوم بين الأنام، ومن لم يتركه بل استعمله, يقع في الحرام.
وذهب بعضهم إلى كراهتهما: لما جاء في حديث آخر أنه عليه السلام قال: «الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ تَبَيَّنَ رُشْدُهُ فَاتَّبِعُوهُ، وَأَمْرٌ تَبَيَّنَ لك عيبه فَاجْتَنِبُوهُ، وَأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ فدَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» (¬1) , ولا شك أن أمر الدخان مما أراب و أوقع في الاضطرار, وأقل مراتبه الكراهة.
ولا يظن أنه ينتهي إلى درجة الإباحة بتعلل كثير ممن يتعاطاه أنه نافع لكل داء, وأنهم وجدوا في استعماله دواء لأمراضهم؛ لأن ذلك من تلبيس إبليس عليهم وتزيينه لهم, حتى يتولد من تكاثفه عاقبة أمره داء لا دواء له, فإن تكراره يسود ما يقابله, فيتولد منه الحرارة, فيكون في عاقبة أمره داء لا دواء.
ثم يلزم على دعوتهم أن يكون الناس كلهم مرضى، وأن يكون مرضهم في جميع الفصول الأربعة من نوع واحد، وأن يكون معالجتهم فيها
¬
(¬1) أخرجه الطبرانى (10/ 318، رقم 10774). قال الهيثمى (1/ 157): رجاله موثقون.
بشيء واحد، على كيفية واحدة، وبطلانه غير خفي على أحد من العقلاء.
ثم فيه إضاعة المال؛ لأنه يشترى بثمن غالٍ، فيدخل في الإسراف المحرم مع نتن ريحه، وأذية الذين لا يستعملونه، وقد روي أنه - صلى الله عليه وسلم -، قال: «كلّ مؤذ في النار» (¬1).
وقال الكناسي: الرائحة المنتنة تحرق الخياشيم، وتصل إلى الدماغ، وتؤذي الإنسان، ولذلك قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبَ مَسْجِدَنَا يُؤْذِيَنَّا بِرِيحِهِ» (¬2)، والمراد من هذه الشجرة كل ما له رائحة كريهة يتأذى منها الإنسان، بدليل تعليله.
والمعنى أن من أكل شيئا مما له رائحة كريهة يتأذى بها الإنسان، فلا يقربن مسجدنا؛ لأنه يؤذينا برائحته الكريهة.
وقد ثبت في «صحيح مسلم»: «أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ إِذَا وَجَدَ مِنْ رَجُلٍ رِيحِ الْبَصَلِ أَوْ الثُّومِ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ» (¬3).
ولهذا قال الفقهاء: كل من وجد فيه رائحة كريهة، يلزم إخراجه من المسجد, ولو بجره من يده ورجله دون رأسه ولحيته, فعلى هذا يلزم إخراج
¬
(¬1) أخرجه الخطيب (11/ 297)، وابن عساكر (38/ 353).
(¬2) أخرجه مسلم (563)، وابن ماجه (1015) بلفظ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، وَلَا يُؤْذِيَنَّا بِرِيحِ الثُّومِ».
(¬3) سبق تخريجه وهو عند مسلم (567).
كثير من الأئمة والمؤذنين من المسجد في هذا الزمان لوجود رائحة كريهة فيهم بسبب مداومتهم على استعمال الدخان الكريهة الرائحة, بل هم قد يستعملونه في داخل المسجد الجامع، فيكون الكراهة في حقهم أشد وأكثر.
وقد كتب بعض المالكية في الديار الحجازية جواباً عن سوال يتعلق بالدخان: أن استعمال الدخان حرام كأصله؛ لأن أصله الخشبة والنار لكونه أجزاء من الخشب ممزوجة بأجزاء النار، فهو من حيث أجزاءه النارية التي فيه يحرم استعماله؛ لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10]، فدل النص على حرمة النار، فيحرم الدخان الحاصل منها.
وأيضاً أنه تعالى جعله مما يعذب به، حيث قال في حق قوم يونس: {لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [يونس: 98]، فالعذاب المكشوف عنهم كان دخاناً.
وقال في آية أخرى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِين، يَغْشَى النَّاسَ} الدخان: [10 – 11].
والمراد بالدخان معناه الحقيقي على قول، وعلى هذا القول يكون النظم الكريم صريحًا في كون الدخان عذابا أليمًا، وما به التعذيب يحرم استعماله، فإن الفقهاء قد اتفقوا على وجوب الفرار من محل العذاب كبطن محسّر، فإنه على لفظة اسم الفاعل من التحسير اسم وادٍ أهلك الله فيه
أصحاب الفيل، فإذا وجب الفرار من محل العذاب، فوجوب الفرار مما به العذاب أولى (¬1).
ثم أن المستعملين له تراهم أنه يخرج من حلوقهم وأنوفهم نار، وفيه تشبه بأهل النار وبالذين يهلَكون في آخر الزمان من الأشرار، كما جاء في الحديث «أنه يكون في آخر الزمان دخان» (¬2) الحديث.
فلا ينبغي للمؤمن أن يتشبه بأهل العذاب، ولا أن يستعمل ماهو من نوع العذاب، ولا ما هو من ملابسات أهل العذاب.
وقد كره جمع من العلماء التختم بالحديد والنحاس؛ لما ثبت في الحديث: «أنهما حلية أهل النار» (¬3).
وصحَّ على ماذكره الهلالي في «مختصر الإحياء»: أنّه - صلى الله عليه وسلم - كان يكره الطعام المسخن، ويقول: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُطْعِمْنَا نَارًا» (¬4) فهذا الدخان أولى
¬
(¬1) انظر: فتح العلي المالك (1/ 123).
(¬2) سبق تخريجه عن الطبري في التفسير (22/ 17).
(¬3) أخرجه أبو داود (4223)، والترمذى (1785) وقال: غريب. والنسائى (5195). قال الحافظ فى الفتح (10/ 323): أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان، وفى سنده أبو طيبة _ بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها _ اسمه عبد الله بن مسلم المروزى، قال أبو حاتم الرازى: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال ابن حبان فى الثقات: يخطىء ويخالف.
(¬4) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (7012). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 20): رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه عبد الله بن يزيد البكري ضعفه أبو حاتم، وبقية رجاله ثقات.
بالكراهة؛ لأنه مختلط بأجزاء نارية, كما مر, فلو لم يكن فى استعماله إلا تسويد الثياب والأبدان وكراهة الرائحة، لكفى زاجرًا للعاقل عن استعماله، بل لو لم يكن في استعماله إلا إحياء سنة الكفار الذين أخرجوه وأظهروه في بلاد الإسلام, توصلاً إلى إضرار أهل الإسلام لكان باعثًا للعاقل على اجتنابه، ومانعًا عن ارتكابه، انتهى كلامه.
وذكر الشيخ اسحاق الهندي في رسالته «النصيحة»، والشيخ حسين السندي في «التبيان»: فتاوي جماعة من العلماء حكموا بالحرمة أو الكراهة في جوابهم, حين سئل عنهم، نقلا عبارات الأسئلة والأجوبة بحروفها، ونحن نذكر عبارات أجوبتهم لتباين مسالكهم ومستندهم، وأما عبارات الأسئلة فهي متقاربة ليس في نقلهما كثير فائدة.
فمنها جواب عبد الباقي الحنفي: الحمد الله الهادي للحق الحق حرمتها, وتحقيقهما مأخوذ من الكتاب الشريف والحديث النبوي, والقواعد الشرعية والنصوص المحررة المرعية، إذ ترتبت عليها أمور مفسدة كالاشتغال عن الطاعات والدعوة إلى الفساد بالتمييل إلى الفسق، ونفي المروءة ووقوع الحريق العام في المحلات، وغلو الاسعار، والنتن المستقذر، فيتحقق الخبث فيها وقد قال الله تعالى {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [الأعراف:
157]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ} [الأعراف: 33]، فإذا صح دعوى الخبث فيها، فلا مجال لإنكار فاحشيتها وإثميتها، وقد شهدت الثقات في المؤلفات على أنها بدعة محدثة شنيعة قبيحة منكرة.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ» (¬1) الحديث المشهور، ولا تصور لإنكار منكريتها والمنكر حرام.
ولا قدرة لدعوى نفعها أيضًا لنص الحكماء الراسخين على شدة الضرر فيها, بل لايصح دعوى عدم ضررها لإطباق الأطباء على أن أصناف الدخان مجففة.
وفرّع العلماء على ذلك أنها تكون مؤذية لحصول أمراض كثيرة, وبعد تمام التجفيف يحترق القلب والدماغ.
وإن قطع النظر عن ضررها، فعدم نفعها محقق، وهو عبث صرف، وتضييع المال لشربها سرف، وهو حرام قطعي.
وضررها تدريجي غالبًا، ولهذا لا يظهر لشاربيها فلا يدركونها ويزين قبحها لهم إبليس، ويُلبّس عليهم بأنها المؤثرة لما قد يحصل من غيرها من وقع
¬
(¬1) أخرجه أحمد (17184)، وأبو داود (4607)، والترمذى (2676) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (42)، وابن حبان (5)، والدارمى (95)، والحاكم (329) وقال: صحيح ليس له علة. والبيهقى (10/ 114، رقم 20125).
البلغم والباسور (¬1)، بل ضررها متوفر يتوهمون نفعها من جهة، وضررها من جهات، وتضر بالدين لترتب المفاسد عليها، كما تقدم، وبالعقل لزيادة التجفيف واستعمال المضر حرام.
ومن لم يتب فقد ظلم نفسه، فيجب تعزير مباشريها وبائعيها، وبائعي آلاتها، ورد شهادتهم وعزلهم عن المناصب، ورفعها عن أسواق المسلمين على ولي الله الأمر (¬2) أيده الله.
وهو الذى شهد لها العلماء المعتبرون والفقهاء المعتمدون السالمون عن الميل إلى الهوى والبدعة، ولا التفات إلى مخالفة من خالف من المقارفين لها المنهمكين فيها، وما ذلك إلا بوسوسة الشيطان، وهوي الهوى وشهوة النفس.
وقد رددت شبهتهم العاطلة, ودعاويهم الكاذبة الباطلة في جزء سميته بـ «المدافع البرهانية في مدافع المناكير الدخانية» يسر الله تحصيله، فعليك بالحق فماذا بعد الحق إلا الضلال، والله الموفق وهو أعلم. «كتبه الفقير إلى لطف ربه الخفي محمد عبد الباقي بن سنبل تابع مصلى محمد بن محمد الرومي المكي الحنفي»
¬
(¬1) البَاسُور: مرض يحدث مِنْهُ تمدد وريدي دوالي فِي الشرج تَحت الغشاء المخاطي غَالِبا. انظر: المعجم الوسيط (1/ 36).
(¬2) في الباكستانية: على ولى الله الآمر أيده الله.
جواب آخر: الذي يقتضي قواعد أئمتنا في باب الأطعمة حرمتها إذا أدت إلى إسكار وإضرار بالعقل، أو بالبدن؛ لأن استعمال المسكر محرم لإسكاره واستعمال المضر بالعقل، أو بالبدن محرم لإضراره.
ثم ما ينبغي التنبيه عليه ما يكاد أن يغفل عنه، وهو أنه لا فرق في حرمة المضر، سواء كان مما نحن فيه أو من غيره بين ضرره دفعيا أو تدريجًياً، فليتنبه له، فإن التدريجى هو الأكثر وقوعًا، ولذا عم الابتلاء باستعمال المضر للعقل أوالبدن.
وبالجملة فاللائق بذي المروءة والدين اجتنابه، حيث لا ضرورة تدعو إليه اقتداء بقول نبيه - صلى الله عليه وسلم -: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (¬1)، وما أظن عاقلاً يرتاب في ما ذكر، والله أعلم.
(كتبه المفتقر إلى ربه الغني عمربن عبد الرحيم الحسيني الشافعي (¬2)).
¬
(¬1) أخرجه الطيالسى (1178)، والترمذى (2518) وقال: حسن صحيح. والدارمى (2532)، وأبو يعلى (6762)، وابن حبان (722)، والبيهقى فى شعب الإيمان (5747)، والنسائى (5711)، وابن خزيمة (2348)، والحاكم (2169) وقال: صحيح الإسناد.
(¬2) هو عمر بن عبد الرحيم البصري الحسيني الشافعي نزيل مكة، أخذ عن عبد الله السندي، وعلي العصامي، وعلي بن جار الله، والسيد مير بادشاه، وفاق في الفنون وألف شرح الفية السيوطي وغيره، وكانت وفاته بمكة في ربيع الثاني سنة 1037 كذا في خلاصة الأثر (3/ 210). (منه).
جواب آخر: هو محرم الاستعمال شرعًا قطعًا لخبثه، وإضراره العقول السليمة والأبدان وإسراف شاربيه، وقواطع الكتاب والسنة والقواعد الفقهية واضحة الدلالة على حرمة تعاطيه، كما لا يخفي على كل من أنصف وقد ذكرت ذلك في رسالة مستقلة فنسأل الله السلامة.
ويجب على كل من بُسطت يدُه في الأرض المنع من استعماله، والزجر عنه بيده ليرتدع بذلك أهل المعاصي والشرور.
وقد قال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز (¬1): تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، وكثيرًا ما كان يستشهد إمامنا مالك بن أنس بهذه الآية الشريفة {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ} [يونس: 32].
(كتبه خويدم نعال بني الوفاء السادات محمد بن محمد فتح الله بن علي المغربي الأصل السكندري المولد المالكي المذهب المدني الدار).
¬
(¬1) هو أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بن مرْوان بن الحكم الأموي القرشي، أبو حفص: الخليفة الصالح، والملك العادل، وربما قيل له خامس الخلفاء الراشدين تشبيها له بهم. وهو من ملوك الدولة المروانية الأموية بالشام. ولد ونشأ بالمدينة، وولي إمارتها للوليد. ثم استوزره سليمان بن عبد الملك بالشام. وولي الخلافة بعهد من سليمان سنة 99 هـ فبويع في مسجد دمشق. وسكن الناس في أيامه، فمنع سب علي بن أبي طالب (وكان من تقدمه من الأمويين يسبونه على المنابر) ولم تطل مدته، قيل: دس له السم وهو بدير سمْعان من أرض المعرة، فتوفي به. ومدة خلافته سنتان ونصف. (61 - 101 هـ). انظر: فوات الوفيات (2/ 105)، وتهذيب التهذيب (7/ 475)، وحلية الأولياء (5/ 253 – 353) وفيه طائفة كبيرة من أخباره وابن الأثير (5/ 22)، واليعقوبي (3/ 44)، وصفوة الصفوة (2/ 63)، وابن خلدون (3/ 76)
جواب آخر: قواعد الشرع الشريف على المذاهب الأربعة مقتضية لتحريم استعمال الدخان المشهور إن أضر بدين أو عقل، كما ورد في الدخان وضرره، وذكره في الطب النبوي.
وقد أجمع الأطباء الراسخون والحكماء المتقدمون على ذلك، وعلى أنه مجفف، فتحقق الضرر بالعقل، ثم بالبدن فيحرم، ويترتب عليه أمور خارجة مفسدة، وذلك مقتضى التحريم.
وقد صرح الشيخ ذو الاختصاص العلامة محمد بن الصديق الزَبيدي (¬1) الحنفي في إفتاءه: بأنه لاشك أنه بدعة محدثة شنيعة مستقبحة منكرة لا أصل له، وهو أيضًا عبث، فإضاعة المال له إسراف، وذلك حرام، فلا يجوز الإطلاق بإباحته مطلقًا.
وزعْم من زعَم نفعه مبني على الوهم المحض بتزيين إبليس، ـ خذله الله ـ لهم، وتلبيسه عليهم بأنها هي المؤثرة، والله أعلم.
(نَمَقَه المحتاج إلى عفو ربه الجلي محمد الرومي الحنفي خويدم العلم الشريف في الحرم المكي الحنفي).
¬
(¬1) هو محمد بن الصديق الخاص السراج الزبيدي، الإمام العلامة المحدث من علماء زبيد، كان عالم فقيه مسند من أكابر زبيد في وقته. وكان حيا سنة (1049هـ). انظر: خلاصة الأثر (2/ 308).
جواب آخر: القول بحله غير مقبول لإجماع العلماء على منكريته، وتوفر ضرره، وترتب مفاسد مقتضية للتحريم عليه وشهادة مفاهيم الكتاب الشريف، وتصريح الحديث النبوي المنيف.
وقد جزم العلامة سيد المحققين صبغة الله الحنفي (¬1)، والمفتون الأعظمون بالدولة العثمانية محمد بن سعد الدين وأخوه أسعد (¬2) الحنفيان،
والشيخ خالد المالكي (¬3)، والمفتي بزبيد إبراهيم بن محمد جمعان الشافعي (¬4)، والفاضل من الشام النجم الغزى الشافعي (¬5)، والشيخ إبراهيم
¬
(¬1) هو السيد صبغة الله بن روح الله بن جمال الله البردجي، نزيل المدينة، كان أحد أفراد الزمان في المعارف الإلهية، له الحاشية على تفسير البيضاوي، وكتاب باب الوحدة، وإراءة الدقائق شرح مرآة الحقائق وغير ذلك.
ولد بمدينة «بروج» من بلاد الهند، وأصله من «إصفهان»، انتقل جده منها إلى «بروج»، وأخذ صبغة الله عن العارف بالله وجيه الدين العلوي الهندي، وأكمل عنده الطريق، ثم حج سنة (1005)، وأقام بالمدينة يدرس الطلبة، ويربي المريدين إلى أن مات بها سنة 1015 كذا في خلاصة الأثر (2/ 243). (منه).
(¬2) هو أسعد بن سعد الدين بن حسن جان التبريزي الأصل، القسطنطيني المولد، مفتي التخت العثماني، اتفق أهل عصره أنه لم يكن له نظير فضلاً وديانة، ولي المناصب العظمى من التدريس والقضاء وغير ذلك، وولي الإفتاء بعد أخيه محمد سنة 1024، إلى أن توفي بقسطنطينيه سنة (1034)، كذا في خلاصة الأثر (1/ 396). (منه).
(¬3) هو خالد بن أحمد بن محمد بن عبد الله المالكي الجعفري المغربي ثم المكي صدر المدرسين في عصره بالمسجد الحرام، قرأ بالمغرب على شيوخ، ورحل إلى مصر، وأخذ عن الشمس الرملي، وسالم السنهوري، ثم جاور بمكة إلى أن مات في رجب سنة 1043 كذا في الخلاصة (2/ 129). (منه).
(¬4) هو إبراهيم بن محمد بن أبي القاسم جمعان -بفتح الجيم وسكون الميم وفتح العين- بن يحيى بن عمر محمد بن أحمد بن علي العدناني الزبيدي الشافعي مفتي «زبيد»، كان على جانب عظيم من نشر العلم والتدريس محدثا نقادا، وتوفى سنة 1034 «بزبيد»، وبنو جمعان قبيلة من صريف بن زوال بيت علم وصلاح كذا في الخلاصة (1/ 39). (منه).
(¬5) هو صاحب الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة وغيره محمد بن محمد بن محمد أبو المكارم العزي الدمشقي الشافعي، المتوفي سنة 1061، وترجمته مبسوطة في الخلاصة (4/ 189 - 200). (منه).
قلت: من كتبه لطف السمر وقطف الثمر من تراجم أعيان الطبقة الأولى من القرن الحادي عشر أخذ عنه المحبي كثيرا، وحسن التنبّه لما ورد في التشبه، وعقد الشواهد في الأخلاق والعظات، ورسالة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و النجوم الزواهر في شرح أرجوزة لأبيه بدر الدين، في الكبائر والصغائر، وإتقان ما يحسن من بيان الأخبار الدائرة على الألسن في الحديث. انظر: الأعلام (7/ 63).
اللقاني المالكي المصري، وأستاذه وشيخه الشيخ سالم، والشيخ محمد الحنبلي، والأكثرون من العلماء المعتبرين في البلدان المشتهرين بذلك، قواعد الشريعة المطهرة قاضية بذلك، والله أعلم.
(كتبه الفقير إلى الله ذي اللطف الخفي محمد عبد الباقي بن سنبل الحنفي).
جواب آخر: الحق الخفي على كثير من الناس حرمتها على القواعد الشرعية، إذ فيها الخبث، ولا ينفك أيضًا ترتب المفاسد عليها، وهو يقتضي الحرمة، ولا يبرح صاحبها خادمًا للنار.
وفيه تشَبَه بالمجوس من الكفار، ولا إنكار أنها من اليهود والنصارى، ففيه تشبه واقتداء بهم وإطاعة لهم في ما يقصدونه من غشهم وإحياء سنتهم.
وقد نطق العلماء المعتبرون والحكماء المعتمدون على شدة ضرر الدخان، ولا التفات إلى أقوال غيرهم بنفعها، فهم يصادفون وقوع نفع بسبب غيرها بقدرة الله، فيزعمونه منها، وضررها متعاقب متوفر متنوع متعددة جهاته، وذلك يقتضي الحرمة، ولا مجال أيضًا للمكابرة في منكريتها، والمنكر حرام.
وإن قطع النظر عن ذلك، فهى بدعة دينية وذرعة شيطانية، وقد ورد النهي عن تعاطي المحدثات، وإذا تقرر ضررها، فبذل المال في شربها إسراف، وهو حرام، فيجب الحَجْر على فاعلها، وتعزيره مع بائعها وبائعي آلاتها. (كتبه المفتقر إلى رحمة الله أحمد الرومي الحنفي).
جواب آخر: الدخان المشهور لا يخفي على ذي غَيْبة وحضور أنه من محدثات الأمور، ولم يكن فيها سلف من العصور، وهو من البدع المذكورة بين كل مؤمن وكفور، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن محدثات الأمور (¬1).
¬
(¬1) سبق تخريجه وهو عند أحمد (17184).
وقد ترتب عليه إسراف وإفساد في كل غَيْبة وحضور، ويكفي في تحريمه عموم قول سيد المرسلين: «كل بدعة ضلالة» (¬1) الشائع بين الأولين والآخرين، وتعاطيه مما يسقط المروءة بين الأنام، وتضييع المال بغير غرض شرعي حرام، والله أعلم. (كتبه عامر الشافعي خادم الفقراء بالأزهر (¬2))
جواب آخر: لاشك في حرمته بلا ارتياب، ويجب على كل من بسطت يده في الأرض الزجر عنه، والمنع من استعماله، وهذا الذي أدين الله واعتقده إلى يوم المآب، وفي ذلك ما يغني عن مزيد الإطناب، والله أعلم. (كتبه الفقير إلى غافر الزلات محمد بن محمد بن فتح الله المالكي).
جواب آخر: الدخان المشهور إن أضر في عقل، أو بدن فهو حرام، وإلا فلا، لكنه بدعة محدثة، وقد قال الإمام أحمد: أكره كل محدث، وتعاطيه على الهيئة الشائعة مخل بالمروءة، والله أعلم (كتبه منصورالبهوتي الحنبلي (¬3)).
¬
(¬1) سبق تخريجه وهو عند أحمد (17184)، وأبو داود (4607) وغيرهم.
(¬2) قال صاحب الخلاصة (2/ 262) في ترجمته: عامر بن شرف الدين المعروف بـ «الشبراوي» الشافعي المصري، الإمام الهمام الكبير الرحالة، كان في عصره من المشار إليهم بالفضل التام، وله بين علماء الأزهر الموقع العظيم، روى الفقه عن الشمس الرملي والنور الزيادي، وأخذ الحديث عن أبي النجا سالم السنهوري، وأجازه شيوخه في كثير من العلوم، وصار أوحد وقته في الفتيا، وتوفي سنة (1062)، انتهى ملخصا. (منه).
(¬3) هو منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن، شيخ الحنابلة بمصر، وخاتمة
علمائهم، كان عالما عاملاً ورعا متبحرا، له: شرح الإقناع وشرح زاد المستقنع وغير ذلك وتوفي في الربيع الثاني سنة 1051. (منه).
وانظر: خلاصة الأثر (4/ 426)، مختصر طبقات الحنابلة (104)، الأعلام (7/ 307).
جواب آخر: لا شبهة في أن شرب الدخان أمر مبتدع مستحدث، ولا يمتري ذو الإنصاف خالٍ عن الاعتساف في أن شربه قبيح مستقبح.
وقد سمعت من عمي العارف بالله الشيخ أحمد بن علان الصّديقي النقشبندي: أن شرب الدخان المشهور تخشى الخاتمة على شاربه، وذلك لأن الظاهر عنوان الباطن، والدخان يسود ما يواليه كما هو مشاهد في مواقد النيران، وسواد الظاهر يخشى منه أن يؤدي إلى سواد الباطن المرتب عليه سوء الخاتمة، وشرب الدخان بحسب أصله وذاته لا نفع فيه، فإن عرض ما يقتضيه رتب عليه حكمه.
وقد أفتى بتحريم شربه من أهل الشام النجم الغزي الشافعي، ومن أهل اليمن مفتي زبيد صاحبنا إبراهيم بن جمعان الشافعي وغيرهما من العلماء الأعلام، أما تقبيحه والحث على تركه، فاتفق عليه مَن عليهم الاعتماد وممن سلم من التعصب، والله أعلم.
(كتبه الفقير إلى الله محمد علي بن محمد علان الصديقي البكري
الشافعي (¬1) خادماً تفسير كتاب الله وأحاديث رسوله منفرداً بتلك الخدمة بالحرم الشريف المكي).
جواب آخر: هو منكر لا معروف، بل من أشنع المنكرات العقلية، ولما انضم من المفاسد صار من المنكرات الشرعية أيضًا، ولا حسن في شربه وقبحه يدرك بالبداهة بأصل الفطرة، ثم يثبت له القبح الشرعى، حيث صار من المنكر، وهو محدث مبتدع، لا معروف ولا مأثور، قاتل الله من أبدعه وأظهره، وضرره بيّن يشهد به الحس، ونصوص أئمة الطب في مطلق الدخان، ولا له نفع محقق خلا ما يدّعيه مستعملوها من النفع الموهوم.
¬
(¬1) هو محمد علي بن محمد علان بن إبراهيم بن محمد بن علان بن عبد الملك بن علي بن مبارك شاه الصديقي المكي الشافعي محي السنة بالديار الحجازية، ومقرئ صحيح البخاري من أوله إلى آخره مع شرب القهوة في جوف الكعبة، أحد العلماء المفسرين والمحدثين، أخذ عن جماعة: منهم: عمه شهاب الدين أحمد بن إبراهيم بن محمد بن علان إمام أهل التصوف في زمانه، صاحب التصانيف فيه المتوفي سنة 1023 في رمضان بمكة، ومنهم: عبد الملك العصامي ومحمد بن محمد بن جار الله بن فهد الهاشمي، وعمر بن عبد الرحيم البصري الحسيني وغيرهم، وأجاز له جماعة، وكان إماما ثقة من أفراد أهل زمانه معرفة وحفظا، صاحب كرامات.
له تصانيف تزيد على الستين: منها: فتح الكريم القادر بما يتعلق بعاشورا من المآثر، وتحفة ذوي الإدراك في المنع من التنباك، وإعلام الأخوان بتحريم الدخان، وحسن النبا في فضل قبا وغير ذلك، وكانت وفاته في ذي الحجة سنة 1057، وولادته في صفر سنة 996، كذا في الخلاصة (4/ 184). (منه).
وكيف يكون الاشتغال به معقولا ومشروعًا مع ماصرحنا به؟
بل هو فوق العبث، ولا يبعد القول بتحريمه إذا ثبت إليه من المفاسد الشرعية، والمضرات البدنية وغيرهما مما ذكرنا طرفا منه في الرسالة الموسومة «بتحذير الأمة عن ملابسة الغمة»، ولا يليق تعاطيها لآحاد الناس ممن له طرف من عقل، فضلا عن ذوي الهيئات والمروءات، وإخلالها بالمروءة مما لا يتوقف فيه عاقل. (قاله وكتبه عبده الجاني الراجي إلى عفوه ولطفه محمد عبد العظيم المكي الحنفي (¬1))
جواب آخر: له لا يتوقف من مارس كتب الشرعية وقواعدها، ووقف على تنصيصهم في بعض الأشياء مما لاتكاد تجد في بعض إلا علة أو علتين أن هذه الخبيثة حكمها الحرمة لوجود مقتضيات التحريم فيها أضعافًا مضاعفة باعتبار ماحكموا فيه من الحرمة من علة أو علتين، ولا يخفي أن الشيء قد يتصف بالحرمة باعتبار اقتران أمر خارجي به، وإن كان منصوصًا على إباحته في الشريعة، وهذه الخبثية وجوه التحريم فيها متوافرة.
(قال ذلك المفتقر إلى ربه ذي اللطف الخفي عبد العظيم محمد المكي الحنفي).
¬
(¬1) هو مفتي أئمة الحنفية بالحرم المكي، له ماثر وتصانيف: منها: رسالة في التقليد ذكر صاحب إيقاظ النيام في الإتمام بمقلد كل أمام، على ما أحفظ من أنه توفي سنة 1050 أو سنة 1056 - الشك منى-. (منه).
جواب آخر: استعمال الدخان حرام كأصله؛ لأن الخشب والنار، وكل منهما يحرم استعماله، وذلك لأن الدخان أجزاء من خشب ممزوجة بأجزاء من النار، فهو من حيث الأجزاء التي فيه يحرم استعماله، لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10]، فدل النص على تحريم النار، ومن حيث مجموعه يحرم الدخان؛ لأن الله جعله مما يعذب به.
وما به التعذيب يحرم استعماله لأذاه، قال الله تعالى: {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [يونس: 98]، وكان المكشوف دخاناً.
وقال الله: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِين، يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيم} [الدخان: 10 - 11] على أحد التأويلين.
ولأن الفقهاء أجمعوا على الفرار من محل العذاب كبطن محسّر، وإذا فر من محل العذاب، فلأن يفر مما به العذاب أولى، ولأنه قد شوهد في القضية التي هي آلة لاستعمال هذا الدخان الانسداد بشيء كالعلك يحدث من الدخان، وكما سد هذا المتولد من الدخان ثقبة القصبة، فكذلك يسد مجاري العروق التي هي مضاريب البدن، فيتعطل ماتحتها من وصول الغذاء إليه، وقد شوهد موت الفجأة لمتعاطيها، ولأنه يحرق الرطوبات التي في البدن، وذلك مقتضى الضرر، لايقال: هذه العلة تنهض في غير البلغمي لكثرة رطوباته وانتفاعه بتجفيفها.
لأنا نقول: إن حد الانتفاع بها مجهول، فقد يزيد المستعمل على القدر المنتفع به ولا يشعر.
لايقال: هذا شك في المانع، والأصل إطراحه: لأنا نقول: هذا في المانع الذي لا يتحقق الضرر مع بقائه ووجود، أما المانع الذي لو ترك لأضر، كما في مسألتنا، فإن الشك معتبر فيه في المنع- والله أعلم-.
(قاله الفقير إلى الله خالد بن أحمد بن محمد بن عبد الله المالكي الجعفري)
جواب آخر: الذي يتعين في هذا الشرب أنه خطأ غير صواب، والدلالة مأخوذة من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (¬1) الحديث، وقد ارتاب العلماء فيه، واجتنبوه ولم ير أحد منهم شربه.
ثم أكد هذا الحديثُ الحديثَ الآخر استفت قلبك، وإن أفتاك المفتون، فوجدنا بحمد الله قلوبنا منشرحة لتجنبه وبغضه، ومن أنكر هذا فلا نناظره، فإنه مكابر، ثم غير خفي على أرباب العقول أن هذا الشرب مجرد لهو ولعب، ومجرد عبث لايسمن ولا يغني من جوع بشهادة الحس والعقل.
وهذا لأنا لو صوبنا هذا الفعل لصوبنا أيضًا لكل إنسان أن يفتح فاه على التنور، ويشرب ماطلع من دخانه، إذ لا فرق بين آلة وغير آلة، وهذا
¬
(¬1) سبق تخريجه، وهو عند الطبرانى (10/ 318، رقم 10774).
قبيح لا يرتضيه أحد، وإنّما هو عبثٌ، والله يقول: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ} [المؤمنون: 115].
وقد صرَّح علمائنا بتحريم أكل الطين (¬1)، استدلالاً بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أكل
¬
(¬1) علله كثير من الفقهاء بكونه مضرًا، وقد ورد فيه عدة أحاديث، لكنها لاتخلو عن خدشة في سندها:
منها: حديث «إن الله خلق أدم من طين فحرم أكل الطين على ذريته» أخرجه ابن عدي (3/ 46) من حديث علي وجابر، وفيه جعفر بن عبد الله هو وضعه.
ومنها: «من أكل من الطين فقد أكل لحم الخنزير».
ومنها: «من أكل من الطين واغتسل به فقد أكل من لحم أبيه أدم واغتسل بدمه» رواهما ابن عدي (3/ 46) من حديث أنس من طريق علي بن عاصم، وعنه عبد القدوس بن عبد القاهر، وأتهم ابن عدي بهما ابن عاصم، وبرأه الذهبي، وأتهم بهما عبد القدوس.
ومنها: حديث «أقسم ربكم ليعذبن آكل الطين كعذاب شارب الخمر» [أخرجه ابن الجوزي (3/ 33)].
ومنها: «أن الله ليعذبن العبد على أكل الطين لما غير من جسمه» [أخرجه ابن الجوزي (3/ 33)] رواهما محمد بن عكاشة، وهو وضاع.
الأول: من حديث ابن عباس.
والثاني: من حديث البراء.
ومنها: «ألا من أكل الطين حاسبه الله على قدر ما نقص من لونه وقوته ألا من أكل الطين حشا الله بطنه يوم القيامة نارًا على قدر ما أكل من الطين» أخرجه ابن الجوزي (3/ 33) من حديث ابن عباس، وفيه صالح بن محمد الترمذي، وفيه أيضًا عاصم بن زمزم البلخي، ومقاتل بن الفضل مجهولان.
ومنها: «من أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه» أخرجه الطبراني في الكبير (6/ 253، رقم 6138) من حديث سلمان، من طريق يحيى بن يزيد الأهوازي، وهو كالمجهول، وابن عدي (5/ 307) من حديث أبي هريرة، وفيه عبد الملك بن مهران مجهول، وتعقب بأن ابن حبان ذكرها في الثقات.
وقال الذهبي في تلخيص الموضوعات (ص258): في يحيى لم أر من ضعفه، وأخرجه البيهقي أيضًا في سننه (10/ 11، رقم 20211).
ومنها: «أكل الطين حرام علي كل مسلم فمن مات وفي قلبه مثقال ذرة من طين كبّه الله على وجهه في النار» أخرجه ابن عدي (3/ 47) من حديث أنس من طريق خالد بن غسان عن أبيه، وتابعه أبو عقيل حبيب بن عبد الله بن صالح الليثي عن غسان، وجاء من حديث ابن عمر أخرجه الديلمي من طريق أبي الشيخ.
ومنها: حديث عائشة قال لها رسول الله «ياحميراء! لا تأكلى الطين فإنه يعظم البطن ويصفر اللون ويذهب ببهاء الوجه» أخرجه ابن الجوزي (3/ 33) من طريق يحيى بن عاصم وضعفه، وتابعه عمرو بن موهب العتكي، وأشعث السمان، أخرجهما أبو بكر الطربيشني في جزء الطين.
وأخرجه ابن عساكر من طريق آخر، وقال: حديث منكر.
وقال البيهقي: أحاديث تحريم الطين لا يصح منها شيء، كذا في تنزيه الشريعة عن الأحاديث الموضوعة (2/ 241) لابن عرّاق. (منه).
الطين حرام على كل مسلم» (¬1) ذكره السُّيوطيُّ، وعلل ذلك بعض علماءنا بأن ذلك ليس من عمل العقلاء مع كونه أهون حالا من الدخان، وأقل مضارًا
¬
(¬1) أخرجه الديلمى (1/ 419، رقم 1701)، و ابن عدى (3/ 46 ترجمة 605)، وقال بعد أن ذكره هو وحديث آخر: هذان الحديثان بهذين الإسنادين باطلان. وأورده ابن حبان فى الضعفاء (1/ 277، ترجمة 290) كلاهما فى ترجمة خالد بن غسان. وأورده القارى فى الموضوعات الكبرى (ص 66، رقم 229).
منه، فإن استدلالنا على كراهته ما نحن فيه بطريق الدلالة، فالجواب واضح، والدليل لائح، والجامع هو الضرر.
وقد اتفق علماء الأصول على أن الاستدلال بطريق الدلالة من الدليل متفق على قبوله، وأن العام المتفق على قبوله أولى من الخاص المختلف في قبوله، ومن لم تكفهِ الدلائل المختصرة لن تنفعه القناطير المقنطرة.
(قاله العبد المفتقر إلى الله الغني محمد بن صديق الخاص الحنفي الزبيدي غفر الله ذنوبه وستر عيوبه).
جواب آخر: هو منكر كما وقع عليه الإطباق ومن أنكر ذلك فقد أنكر شمس السبع الطباق، وكذلك أجمع على قبحه عامة العلماء، وبكراهتة الكراهة التحريمية مع ترتب المفاسد عليه، والأولى بالاتفاق تركه مطلقا، وشربه في الليالي والأيام فعل البهائم، ويخرم المروءة، ويسقط العدالة، وهو يقتضي الحرمة على كل حال، وشربه مفطر للصائم على جميع المذاهب والأقوال، والله أعلم.
(كتبه الفقير إلى الله ذي اللطف الخفي محمد عبد الباقي المكي الخفي).
جواب آخر: شرب الدخان المذكور من الأمر المبتدع مذموم منكر، كما يشهد بذلك مؤلفات الأئمة الموثوق بهم في مذمتها، وذم شربها حتى ترقّى كثير منهم عن التقبيح والتذميم إلى التحريم والتأثيم، وممن جزم بذلك صاحبنا مفتي زبيد العالم العلامة الشيخ إبراهيم بن جمعان الشافعي، وجمع من الشافعية بمصر، وآخرون من أرباب المذاهب الباقية، فهو منكر مستقبح والترك والإعراض عنه حسن مستملح، وشربه مفطر للصائم، والله أعلم.
(كتبه الفقير إلى الله محمد علي بن علان البكري الصديقي الشافعي).
جواب آخر: لا يخفي أن المسؤول من البدع المنكرة، فنقول: أما التنباك فهو كما ذكره السائل يستعمل أكلا وشمّا أي استعاطا وشربًا لدخانه، وهي متفاوتة في كراهة الريح، وإيذاء المؤمن وأعمها ضررا، وأشدها لهوا وأكثرها ريبةً، شرب دخانه لكثرة إيذائه من نتن رائحته وتغييره فم شاربه، ومحاسن لحيته ووجهه ويمينه إلى غير ذلك من الأمور المستقذرة طبعا، المكروهة عقلا، المردودة شرعا.
وهذا الاستعمال من الأمور المبتدعة حدثت في هذه القرون المتأخرة، لا من الأمور المعتادة، فإنه من حيل الشيطان قطعًا في الصدّ عن ذكر الله، وعن الصلاة والمساجد ومجالس الذكر والعلم.
وقد تكلم العلماء المتأخرون في ذلك، لأنه لم يكن في القرون السابقة، فمن مفرّط في ذمه حتى جزم بالحرمة، ومن مفرِط في مدحه حتى جعله من الطيب، وكل حزب بما لديهم فرحون.
وقد روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثًا مسلسلاً بالحنفية من طريق أبي حنيفة أنه قال: «حُبّك الشيءَ يُعمى ويصُم» (¬1).
ومنهم: من توسط، وقال إنه مكروه تحريمًا، وهذا عندي أحسن الأقوال وأعدلها إذ لا قاطع لتحريمه.
نعم إذا انهمك فيه صاحبه، حتى صده عن ذكر الله، أو عن الصلاة، أو الصيام، فإنه يكون حينئذ حراما؛ لأن تعمد مايوصل إلى ترك فريضة من فرائض الله حرام قطعا، كما يشاهد في الأسواق وللوسائل حكم المقاصد، وكل ما أدى إلى ما لايجوز لا يجوز.
والانهماك فيه إنما يكون من الأراذل، وأما أهل المروءة المبتلون به من عبيد النفس، كعلماء السوء، فلا يستعملونه إلا في أوقات خالية عن الطاعات الواجبة، ولا يصدهم ذلك عن ذكر الله، وعن الصلاة، ولكنه مكروه تحريما لنتن رائحته، وإيذاء جليسه.
¬
(¬1) حديث أبى الدرداء: أخرجه أحمد (21740)، والبخارى فى التاريخ الكبير (3/ 171)، وأبو داود (5130)، والحكيم (4/ 216)، والبيهقى فى شعب الإيمان (411)، وعبد بن حميد (205)، والطبرانى فى الأوسط (4359).
حديث عبد الله بن أنيس: أخرجه ابن عساكر (13/ 316) وقال: منكر بهذا الاسناد وفيه غير واحد من المجاهيل. وأورده القارى فى الموضوعات الكبرى (ص 108، رقم 409).
فإن قلت: فكيف تقول إنه مكروه، وقد ذكرت أنه نتن ومؤذٍ، وكل ماهذا شأنه فهو حرام؟
ولهذا لا يجوز تناول الطعام المنتن باتفاق الفقهاء، ولا يجوز إيذاء المؤمن، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 58].
قلت: ليس كل مؤذٍ ومنتن حراما، وإلا لكان أكل الثوم والبصل والفجل والكُرّاث حرامًا، ولما جاز لبس الجلود المدبوغة لما في ذلك من النتن والإيذاء.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أو فجلاً فلا يقربن مسجدنا»، وفي رواية: «فليعتزل مصلانا» (¬1)، وأمر بالغسل يوم الجمعة لما كانت الناس تلبس الجلود، وتأتي إلى الصلاة في الحر، فيحصل منهم العرق، فيشم من روائح الجلود نتن، حتى آذى بعضهم بعضًا، ولم ينههم عن لبس الجلود، ولأنه ليس فيه تلك الرائحة التي في البقول، لأنه تزول بالغَسل، و تلك لا تزول بالاستياك والغسل، والتنباك لا يخلو رائحته إما أن يكون كرائحة البقول أو كرائحة الجلود المذكورة.
¬
(¬1) أخرجه البخارى (817)، ومسلم (564)، وأبو داود (3822)، وابن خزيمة (1664)، أحمد (15334)، والطحاوى (4/ 240)، والبيهقى (3/ 76، رقم 4835)، بلفظ: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا».
والذي يظهر لي أنه كالأول لاتزول بالغسل والاستياك، لكنه يمكن معه الصلاة والصوم والذكر والقراءة باللسان، فيكون أكثر كراهية من لبس الجلود المذكورة، فيكون مكروها كراهة مترددة بين الأول والثاني، هذا كله في شرب دخانه، وأما أكله وشمه فهو مكروه تنزيها عندي، لأنها دون شرب دخانه في ما ذكرناه.
وإذا كان مباح الأصل جاز التداوي بشرب دخانه، أو أكله، أو استعاطه إذا أخبره طبيب حاذق بأنه لا يفيد إلا ذلك.
وقد رأينا منفعة مضْغِه لتآكل الأسنان لبعض الناس مالم يقم غيره مقامه، وما جاز للتداوي في مثل هذا يتقدر بقدره، فإذا حصل الشفا تركه.
وبالجملة: أنه من البدع الضالة المحرمة، فإنه وإن لم يكن فيه خلاف مأمور به ومنهي عنه، لكنه قد يؤدي إلى ترك مأمور به من صلاة، أو صوم، أو نحوهما، وإذا تقررت كراهته لعدم القاطع عندي لحرمته سوى ما مر، فلا يكن مشروعاً؛ لأنّ المكروه ليس بمشروع كما حقق في موضعه.
وأما المدوامة عليه فلا يجوز، لأن بذل المال لأخذه وشراءه إضاعة للمال، وإضاعة المال حرام للأحاديث المشهورة المتلقاة بالقبول.
وإذا كان البذل فيه حرامًا لكونه إضاعة للمال في غير حقه، كان البذل فيه إسرافا، والإسراف في المال حرام قطعي بنص الكتاب والسنة، فلا يجوزحينئذ شراؤه لنفسه لكونه إضاعة مال، وإسرافا، وظلمًا أعني بوضع
الشيء في غير محله: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُون} [الشعراء: 227] فتبين لك أن تحسين استعمال هذا الدخان من مكائد الشيطان، وقعوده على الصراط المستقيم للصد عن وروده.
فلو تأمل العاقل ماذا يضيع عليه من الأموال فيه، ولا ثواب في ذلك، بل يخشى عليه العقاب من ملازمته، وما فيه تضييع الأوقات التي يستحب فيها الذكر والفكر لرأي أنه قد خسر الدنيا بإضاعة المال، والآخرة لحرمان الثواب، فكم من فقير ومحتاج يقف على رأس شارب التنباك لقضاء حاجته لا يلتفت إليه، وهو قد أضاع مال الله في ما بين يديه، فهذا هو الخسران المبين، فنعوذ بالله من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ومن دعاء لايسمع، ومن بطن لا تشبع، وفي هذا القدر كفاية، والله ولي الهداية.
قد تم تحرير الجواب تسويدًا يوم الاثنين لعله الحادي والعشرون من شعبان سنة أربع وتسعين بعد الألف والمائة لعناية الفاضل العلامة الأديب النجيب الشيخ أحمد علي بن الشيخ العلامة الفاضل المعمّر محمد مراد الواعظ الأنصاري السندي كان الله له وفتح عليه.
(قال ذلك بفمه ورقمه بقلمه الفقير إلى الله سبحانه عبد الخالق بن علي بن الزين المزجاني الأشعري نسبا، الزبيدي بلدًا، النقشبندي طريقةً، الحنفي مذهبًا).
جواب آخر: إنّ جمهور أجلّاء المالكية على تحريم هذه الحشيشة الخبيثة.
وقد قال شيخ الطريقة الشاذلية: ومعدن السلوك والحقيقة شيخ مشايخنا أبو العباس سيدي أحمد بن ناصر المالكي، اتفق علماء الباطن ومحققوا أهل الظاهر على تحريمها، ولا يدخل في هذه الطريقة من يتعاطاها إلا أن يتوب ويزجر القائل.
(كتبه الفقير إلى الله حسين بن علي الحسني مفتي المالكية بمكة المشرفة).
جواب آخر: أنّ ماقاله الشيخ عبد الخالق بكراهته التحريمية والحرمة المقيدة فهو حق، ولا يرتاب عاقل في أنّ شربه بدعة سيئة من مكائد الشيطان وإضلاله، لكن أفتى بعض علمائنا بحرمتة، وعدّه من الكبائر، وهو الصواب عندي، وكان ظهوره وابتداؤه في زبيد حين حياة الوالد المرحوم، فأراد الاحتساب على شاربه في بعض ليالي رمضان بعد التراويح، وتفحص ومشى في البلد، فما وجد القدرة أو الشيشة أو البوري مع الآلات إلا عند عجوزة، فكسرها، وزجرها، ووبّخها بحيث رزقهما الله الانفعال.
(كتبه الفقير إلى الله سليمان بن يحيى بن عمر مقبول الأهدل)
وفي «التبيان»: سئل العلامة محمد جان السندي الحنفي بن العلامة عبد اللطيف بن المخدوم عثمان عن شرب الدخان، فأجاب مع افتاء أبيه
وجدّه أنه مكروه كراهة التحريم، بل حرام والإصرار عليه كبيرة كسائر الصغائر وشاربه فاسق مبدع يُعزّر، ويسقط عنه العدالة لقواعد المذهب، ورواياته، وكتب أصاب في الجواب، أو في ما أجاب أوْلا ارتياب في ما أجاب في التحرير نحو سبع وسبعين من فضلاء ذلك الوقت، ولا أعرف إلى الآن وهو سنة ثمان وتسعين بعد الألف والمائة أن يتفوه، بإباحة شرب الدخان أو يشربه من الفضلاء والصلحاء الأعيان بَيْد أن يشربه السُوقيّة والفسقة والمَلّامتيّة، انتهى ملخصاً.
هذه فتاوي المانعين (¬1).
¬
(¬1) ذكر الفاضل إسحاق في النصيحة: أن القائلين بالتحريم والمانعين جماعة:
منهم: وجيه الدين العلوي الهندي، والأحمد أبادي الحنفي، وتلميذه السيد صبغة الله البروجي، وتلميذه أيضًا عبد الغني الصديقي الحنفي السنبهلي تلميذه أيضًا مولانا حسن الحسيني، وتلميذه أيضًا الشيخ عبد اللطيف الهندي.
ومنهم: مولانا يار محمد الحنفي الأحمد أبادي.
ومنهم: مولانا حبيب الله الأحمد أبادي، وكان مبتلى به ثم تاب عنه.
ومنهم: مفتي مكة محمد عبد العظيم المكي الحنفي، وكتب رسالة سماها تحذير الأمة، ادعى فيها الإجماع على التحريم.
ومنهم: عمر بن عبد الرحيم البصري الشافعي.
ومنهم: أحمد بن العلان الصديقي، وصدر المدرسين محمد علي بن علان الشافعي.
ومنهم: مفتي الديار الرومية محمد بن سعد الدين، وأخوه أسعد.
ومنهم: سعد أفندي بن سعد الدين محمد بن علي الحنفي، قاضي المدينة المنورة، وكتب فيه رسالة.
ومنهم: مفتي «زبيد» إبراهيم بن جمعان، وتلميذه أبو بكر الأهدل الشافعي، وكتب رسالة سماها تحذير الأخوان عن شرب الدخان.
ومنهم: الشيخ محمد بن الصديق الخاص الحنفي اليمني، وكتب إقامة الدليل والبرهان على تقبيح البدعة المسماة بشرب الدخان.
ومنهم: الشيخ سالم السنهوري المالكي، وتلميذه البرهان اللقاني.
ومنهم: الشيخ خالد بن أحمد المغربي الجعفري المالكي.
ومنهم: القاضي محمد بن عبد الرحمن المالكي من فقهاء السودان.
ومنهم: القطب الشهير بـ «أبي الغيث القشاش» المالكي، والشيخ صالح البلقيني الشافعي.
ومنهم: الشيخ محمد بن محمد الملقب بـ «مولاة» المغربي الأصل الإسكندري المولد المالكي المذهب المدني الدار، وكتب رسالة.
ومنهم: مفتي الديار الرومية مصطفى الكروي العمادي، وكتب رسالة.
ومنهم: واعظ مكة الحاج سنة 1015 الشيخ عبد الرحمن.
ومنهم: مولانا عمر أفندي، وإمام مكة عيسى بن عمر، والقاضي محمد بن أحمد بن عبد الرحمن المالكي.
ومنهم: محمد عبد الباقي الرومي محمد ثم المكي الحنفي، وكتب رسالة، ونجم الدين بن بدر الدين العامري بن أحمد بن محمد الخطيب الشافعي وغيرهم من علماء العرب والهند والسِنْد وغيرهما. (منه).
وأما كلمات المجوزّين:
فمنها: ما سيأتي نقله في الباب الثالث من «تنقيح الفتاوي الحامدية» لابن عابدين الشامي.
ومنها: ما في «الحديقة الندية شرح الطريقة المحمدية» لعبد الغني النابلسي الحنفي (¬1) صاحب التصانيف المشهورة، والتآليف المنشورة ومن ذلك أي من البدع العادية استعمال النتن والقهوة الشائع، ذكرهما في هذا الزمان بين الأسافل والأعيان، والصواب أنه لا وجه لحرمتهما، ولا لكراهتهما في الاستعمال، بل هما من البدع في العادة.
ومن علّل حرمتهما بشيء لزمه حرمة البدعة العادية، وهو خلاف ماعليه جمهور العلماء وأمر السلطان، ونهيه إنما يعتبران إذا كانا على طبق أمر الله ونهيه، لا على مقتضى نفسه وطبعه، كما أن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ونهيه على طبق أمر
¬
(¬1) هو الفاضل عبد الغني بن صاحب الأحكام حاشية الدرر إسماعيل بن عبد الغني بن إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل النابلسي الدمشقي الحنفي، وتمام نسبه يعرف في ترجمة أبيه من خلاصة الأثر (1/ 408).
وهو صاحب التصانيف الشهيرة: منها: الحديقة الندية شرح الطريقة المحمدية، قد طالعته بتمامه، وذكر فيه في مواضع متفرقة كثير من تصانيفه، منها: نهاية المراد شرح هدية ابن العماد، والمطالب الوفية واللؤلؤ المكنون في حكم الأخبار عما سيكون، وغاية الوجازة في تكرار الصلاة على الجنازة، والنوافح الفاتحه بروائح 0 الرؤيا الصالحة، وإيضاح الدلالات بسماع الآلات، والصلح بين الإخوان في إباحة الدخان، وكفاية المستفيد في معرفة التجويد، ونفحات الأزهار على نسمات الأسحار، وغيرها، وكانت وفاته على ما في بعض نسخ كشف الظنون (2/ 1112) سنة 1144. (منه).
الله ونهيه لا هو من تلقاء نفسه، ومقتضى رأيه، وحاشاه من ذلك، ولو فرضنا أن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ونهيه كانا من تلقاء نفسه، لا من أمر الله ونهيه لما وجب علينا امتثال ذلك، فكيف يجب علينا امتثال أمر السلطان ونهيه المصادر لسن مجرد رأيه وعقله مالم يكن موافقا لحكم الله إلا إذا ظلم السلطان، وجار وشدد على الناس، وضيق عليهم في النهي عن استعمال هذين المباحَيْن، وخاف الناس على أنفسهم من شره خصوصًا إذا كان يستحل دماء المسلمين، ويوجب تعزيرهم في رأيه سبب ذلك، فلا يجوز أن يلقى أحد نفسه في التهلكة، ويكف المؤمن عن استعمال ذلك بهذا السبب لا معتقد الحرمة أو الكراهة، بل حاقنًا دمه وعرضه، انتهى كلامه في بحث البدعة عند ذكر البدع العادية، وهو في الفصل الثاني من الباب الأول من الطريقة.
وفي «الحديقة» أيضًا عند ذكر الإقتصاد: وهو في الفصل الثالث من الباب الأول من «الطريقة» أيضًا ذكروا في معنى الطيبات في هذه الآية، أي في قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32]، أقوالا:
أحدها: أن المراد بـ «الطيبات» اللحم والدسم الذي كانوا يحرمون على أنفسهم أيام الحج.
والقول الثاني: وهو قول ابن عباس وقتادة: إن المراد بذلك ما كان أهل الجاهلية يحرمونه من البحائر والسَّوائب (¬1).
والقول الثالث: الأية على العموم، فيدخل تحته كل مايستلذ ويشتهي من سائر المطعومات إلا ما ورد نص بتحريمه، كذا قاله الخازن (¬2)، وفي هذا دلالة واضحة على إباحة نحو القهوة والنتن مما تستلذه بعض الطباع، وتجد له نفعا، وليس هو من المسكرات، وليس في حرمته نص آية ولا حديث ولا قياس ثابت (¬3) بأحدهما، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم، انتهى.
وفيه أيضًا في موضع آخر: شرب النتن ليس بحرام، كما يزعمه بعضهم بالقياس على أكل الثوم بجامع الخبث، وهو بعد تسليم الخبث فيه، والقياس تبطل حرمته ببطلان حرمة أكل الثوم، وإن كان أكل الثوم يقتضي
¬
(¬1) انظر: جامع البيان في تأويل القرآن (17/ 313).
(¬2) هو علي بن محمد بن إبراهيم الشيحيّ علاء الدين المعروف بالخازن: عالم بالتفسير والحديث، من فقهاء الشافعية. بغدادي الأصل، نسبته إلى «شيحة» بالحاء المهملة، من أعمال حلب. ولد ببغداد، وسكن دمشق مدة، وكان خازن الكتب بالمدرسةُ السميساطية فيها. وتوفي بحلب.
له تصانيف، منها لباب التأويل في معاني التنزيل في التفسير، يعرف بتفسير الخازن، وعدة الأفهام في شرح عمدة الأحكام في فروع الشافعية، و مقبول المنقول في الحديث، (678 - 741 هـ). انظر: الدرر الكامنة (3/ 97)، الأعلام (5/ 5).
وانظر: لباب التأويل في معاني التنزيل (2/ 195).
(¬3) في الباكستانية: ولا قياس على ثابت.
منع الإنسان من دخول المساجد، وكذلك شرب الدخان المنتن عند من لم يعتد استعماله إذا كان يتضرر برائحته، يقتضي المنع من دخول المساجد من غير حرمة وأما حيث اعتاد على شربه غالب المصلين في المساجد بحيث لا يتضررون برائحته، فلا ينهي حينئذ، انتهى.
وفي «الأشباه والنظائر» لابن نُجيم: عند ذكر القواعد المندرجة تحت القاعدة الثالثة من القواعد المذكورة في النوع الأول من الفن الأول: قاعدة هل الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على عدم الإباحة، وهو مذهب الشافعي (¬1)، أو التحريم حتى يدل الدليل على الإباحة ونسبه الشافعية إلى أبي حنيفة (¬2).
وفي «البديع»: المختار أن لا حكم للأفعال قبل الشرع والحكم عندنا، وإن كان أزليًا فالمراد به ههنا عدم تعلقه بالفعل قبل الشرع، فانتفى التعلق لعدم فائدته، انتهى.
وفي «شرح المنار» للمصنف: الأشياء في الأصل على الإباحة عند بعض الحنفية، ومنهم الكَرْخي.
وقال بعض أصحاب الحديث: الأصل فيها الحظر.
¬
(¬1) انظر: التبصرة في أصول الفقه (1/ 535)، قواطع الأدلة في الأصول (2/ 63)، البحر المحيط في أصول الفقه (1/ 212)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص60).
(¬2) انظر: الأشباه والنظائر (ص 56).
وقال أصحابنا: الأصل فيها التوقف بمعنى أنه لابد لهما من حكم، لكنا لم نقف عليه بالعقل، انتهى.
وفي «الهداية» من الحداد: أنّ الإباحة أصل، انتهى (¬1).
ويظهر أثر هذا الاختلاف في المسكوت عنه، ويتخرج عليها ما أشكل حاله، فمنها الحيوان المشكل أمره، و النبات المجهول سميته .... إلخ.
قال السيد أحمد الحموي في «حواشي الأشباه»: قوله والنبات المجهول إلخ، يعلم منه حل شرب الدخان، انتهى (¬2).
وقد مر كلام صاحب «الدر المختار»: في المقدمة المتضمن لنقل نبذ من عبارة «الأشباه» وتفريع فهم حكم النتن منه، وأن الشيخ العمادي كرهه إلحاقًا له بالثوم.
وقال السيد أحمد الطحطاوي (¬3) في حواشيه عليه: قوله: قلت فيفهم منه حكم النبات .... ، وهوالإباحة على ماتقدم من الأصل الأول هذا الكتاب أو التوقف.
¬
(¬1) انظر: الهداية (4/ 404).
(¬2) انظر: غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر (1/ 223).
(¬3) لعله أحمد بن محمد بن إسماعيل الطهطاوي: فقيه حنفي. اشتهر بكتابه حاشية الدر المختار. ولد بطهطا بالقرب من أسيوط، بمصر، وتعلم بالأزهر، ثم تقلد مشيخة الحنفية، وخلعه بعض المشايخ، وأعيد إليها، فاستمر الى أن توفي بالقاهرة.
ومن كتبه أيضا حاشية على شرح مراقي الفلاح فقه، و كشف الرين عن بيان المسح على الجوربين رسالة. وفي تاريخ الجبرتي أن أباه رومي (تركي) حضر إلى مصر متقلدا القضاء بطحطا وهي (طهطا) وربما قيل له: الطحطاوي. (ت 1231 هـ). انظر: الأعلام (1/ 245).
قوله: (وقد كرهه شيخنا العمادي)؛ لا يخفى أن الكراهة تنزيهية بدليل الإلحاق بالثوم، والبصل والمكروه تنزيهًا يجامع الجواز. «أبو السعود بتصرف».
قوله: (إلحاقاً بالثوم)؛ يؤخذ منه كراهة التحريم في المسجد، للنهي الوارد فيهما، وهو ملحق بهما، والظاهر أن حكمه حال القراءة يكره، لما فيه من الإخلال بتعظيم كلام الله، انتهى كلامه.
وفي «رد المحتار على الدر المختار» لابن عابدين محمد أمين الشامي: عند العبارة المذكورة قوله والنتن ..... إلخ، أقول (¬1): قد اضطربت آراء العلماء فيه، فبعضهم قال: بكراهته، وبعضهم قال: بحرمته، وبعضهم: بإباحته، وأفردوه بالتأليف (¬2).
وفي شرح «الوهبانية» للشُّرُنْبُلاليّ: ويمنع من بيع الدُّخان وشربه، وشاربه في الصَّوم لا شك يفطر.
¬
(¬1) القائل: ابن عابدين رحمه الله تعالى.
(¬2) انظر: رد المحتار على الدر المختار (6/ 459).
وفي شرح العلامة الشيخ إسماعيل النابلسي (¬1) والد سيد عبد الغني على «الدرر» بعد نقله أن للزوج منع الزوجة من أكل الثوم والبصل وكل ما ينتن الفم، قال: ومقتضاه المنع من شربها، لأنه ينتن الفم خصوصًا إذا كان الزوج لا يشربه أعاذنا الله منه، وقد أفتى بالمنع من شُرْبه شيخ مشايخنا المسيرى وغيره، انتهى.
للعلامة الشيخ علي الأجهوري المالكي (¬2) رسالة في حله نقل فيها: أنّه أفتى لحلِّه مَن يعتمد عليه من أئمة المذاهب الأربعة.
قلت: وألّف في حله أيضًا سيدنا العارف عبد الغني النابلسي رسالة سماها «الصلح بين الإخوان في إباحة شرب الدخان»، وتعرض له في كثير من تآليفه الحسان، وأقام الطامة الكبرى على القائل بالحرمة أو بالكراهة،
¬
(¬1) ذكر له صاحب الخلاصة (1/ 408) ترجمة طويلة، وذكر أن أفضل وقته في الفقه، وله تصانيف كثيرة أجلها الأحكام شرح الدرر في اثنى عشر مجلدًا، وهو تلميذ الحسن الشرنبلالي، والشهاب الشوبري وغيرهما، وكانت ولادته سنة 1017 ووفاته سنة 1062. (منه).
(¬2) هو أبو الإرشاد نور الدين علي بن زين العابدين محمد بن أبي زين الدين عبد الرحمن الأجهوري -بضم الهمزة وسكون الجيم- نسبة إلى «أجهور الور» قرية بريف مصر، المالكي شيخ المالكية في عصره بالقاهرة، كان محدثًا فقيهًا رحْلة كبير الشأن، طار صيته في الخافقَين، له تصانيف كثيرة: منها: شروحه الثلاثة على مختصر خليل، وجزء في مسألة الدخان، وشرح رسالة ابن أبي زيد، وكانت ولادته سنة 967، ووفاته سنة 1066 بمصر كذا في الخلاصة (3/ 157). (منه).
فإنهما حكمان شرعيان، لابد لهما من دليل، ولا دليل على ذلك، فإنه لم يثبت إسكاره، ولا تفتيره، ولا إضراره، بل ثبت له منافع، فهو داخل تحت قاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة، وإن فرض إضراره للبعض لا يلزم منه تحريمه على كل أحد، فإن العسل يضر بأصحاب الصفراء العالية، وربما أمرضهم مع أنه شفاء بالنص القطعي، وليس الاحتياط في الافتراء على الله بإثبات الحرمة أو الكراهة اللذَين لابد لهما من دليل، بل في القول بالإباحة التي هي الأصل.
وقد توقف النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أن المشروع في تحريم الخمر أم الخبائث، حتى نزل عليه النص القطعي الذي ينبغي للإنسان سواء كان يتعاطاه أوْلا، كذا العبد الضعيف وجميع من في بيته إذا سئل عنه أن يقول: هو مباح، لكن رائحته تستكرهها الطباع، فهو مكروه لا شرعا إلى آخر ما أطال، وهذا الذي يعطيه كلام الشارح ههنا، حيث أعقب كلام شيخه النجم الغزي بكلام «الأشباه»، وبكلام شيخ العمادي، وإن كان في «الدر المنتقى» جزم بالحرمة، لكن لا لذاته، بل لورود النهي السلطاني عن استعماله، انتهى.
وفيه أيضًا قوله: فيفهم منه حكم النبات، وهو الإباحة على المختار أو التوقف، وفيه إشارة إلى عدم تسليم اسكاره وتفتيره وإضراره، وإلا لم يصح إدخاله تحت القاعدة المذكورة ولذا أمر بالتنبيه.
قوله: (وقد كرهه شيخنا العمادي)، أقول: ظاهر كلام العمادي أنه مكروه تحريمًا، ويفسق متعاطيه، فإنه قال في فصل الجماعة: ويكره الاقتداء بالمعروف بأكل الربا، أو شيء من المحرمات، أو يدام الإصرار على شيء من
البدع المكروهة، كالدخان المبتدع في هذا الزمان، ولا سيما بعد صدور منع السلطان.
ورد عليه سيدنا عبد الغني في «شرح الهداية» بما حاصله ما قدمناه، فقول الشارح: إلحاقاً بالثّوم والبصل ـ فيه نظر ـ؛ إذ لا يُناسب كلام العُمادي، نعم الحاقه بما ذكر هو الإنصاف، قال أبو السعود: فتكون الكراهة تنزيهية، والمكروه تنزيهاً يجامع الإباحة، انتهى.
هذه عبارات الفقهاء المختلفة من أصحاب المذاهب المتفرقة، كم ترى فيها تصادم الآراء، وتخالف الأهواء فمن مفرط ومن مُفَرِطٍ ومن متوسّطٍ، فعليك بترك الإفراط والتفريط، والأخذ بالمتوسط، وثمة عبارات أخر كثيرة لم أوردها حذرًا عن إطالة المورثة للملالة مع عدم الاحتياج إليها لاتحاد مفادها بمفاد ما أوردناها.
• • •
الباب الثاني
في تحرير الوجوه التي بني المانعون
منعهم عليها مع ما لها وما عليها
وتنقيح الوجوه التي بني المجوزون
جوازهم عليها
اعلم أن المانعين: منهم: المحرمون، ومنهم: الكارهون، قد سلكوا مسالك شتى على ما لا يخفى على من تدبر في ما مضى، وأكثرها لا تخلو عن خدشات واضحة وإيرادات قادحة، وقد ذكر صاحب «تحفة الإخوان»، وصاحب «التبيان»، وصاحب «الجوهرة»، و «البرهان» وغيرهم وجوه المانعين بتفصيل حسن، وأثبتوا مقدماتها على نمط أحسن، فنذكرها ملخصًا من كلامهم، المفصّل ثم نعقب بمالها وما عليها على الوجه الأجمل.
المسلك الأول:
أن شرب الدخان ليس مما يتغذى به ولا مما يتداوى به؛ لأنّ الفقهاءَ ما حكموا بوجوب الكفارة على الصائم بإدخاله وشربه إلا أن
يعتاده، وإن كان قابلا لأحدهما لحكموا بوجوب الكفارة على كل صائم اعتاده أوْلاً، وأيضًا عدم غذائيته ظاهر؛ لأنه لو كان غذاء لمال إليه طبع الذين لا يعتادونه.
وأما عدم دوائيته فلأن استعمال الدواء والاستعلاج لا يكون إلا عند ظهور المرض أو خوفه، فإذا ثبت أنه ليس بغذاء ولا بدواء لزم أن يكون حرامًا، لما في «آسار البحر»، قالوا: إن حرمة الشيء قد يكون لفساد الغذاء كالذباب والتراب، انتهى.
وفي «غايةالبيان»: أن كل نجس حرام، ولا ينعكس، فليس أن كل حرام نجس، لأن حرمة الشيء قد تكون لعدم صلاحيته للغذاء، كما إن الطين حرام، وليس بنجس، انتهى.
وفي «الكفاية» (¬1): أن حرمة الأكل قد تثبت لفساد الغذاء، كالذباب والخنفساء والتراب؛ لأنه ما أبيح إلا للغذاء في الأصل، فيصير الأكل بدونه عبثاً، أو للخبث طبعاً، كالضفدع والسلحفاة مما لايعتاد الناس أكله، أو للنجاسة؛ لأن الله حرم أكل كل نجس بنفسه، كالخمر أو بمجاورة كماء وقعت فيه نجاسة، أو للاحترام كالآدمي، انتهى.
¬
(¬1) لجلال الدين بن شمس الدين الخوارزمي الكرلاني، أحد من تضرب به الأمثال، وتشد إليه الرحال، وهو تلميذ لحسام الدين الحسين السغناقي وصاحب البناية كذا في طبقات الحنفية لمحمود بن سليمان الكفوي، والتفصيل في الفوائد. (منه).
وقد سبق عن «شارح الوهبانية»: أن كل ما لا يتغذى به، ولا يتداوى به يكون أكله عبثاً، فلا يجوز، ويؤيده مافي «الهداية» في باب ما يفسد الصلاة، وما يكره فيها: أنه يكره العبث بثوبه وجسده في الصلاة؛ لأن العبث خارج الصلاة حرام، فما ظنك بالصلاة (¬1)، انتهى.
وقال عبد الغفور في «حاشية الهداية»: أن مراد صاحب «الهداية» بالكراهة، الكراهة التحريمية، فلا ينافي الحرمة، انتهى.
ولا يخفى ما في هذا المسلك، إما أولاً فلكون الصغرى ممنوعة، فإنه وإن لم يكن غذاء، لكن ماذا أريد من نفي كونه دواء إن أريد نفيه مطلقًا بالنسبة إلى جميع الأمزجة في جميع الأزمنة فممنوع، بل باطل، كيف لا وفيه منافع ومصالح من دفع الرطوبات الدماغية، وكسر الأوجاع الرياحية وغير ذلك مما لا يخفى على من نظر بعين الإنصاف، وتجنب عن الاعتساف، وكونه مضراً لبعض الأمزجة أو في بعض الأزمنة، أو ببعض الخاصية لا يخرجه عن كونه دواء، فإنه ما من دواء إلا وفيه منافع ومضار، كما هو ظاهر لمن طالع كتب الأدوية الكبار، وما من دواء نافع للكل في جميع الأحوال، بل كثير من الأدوية ينفع جماعة ويكون سماً قاتلاً لجمع من الرجال، بل قد يكون مضرة لمن صارت له نافعة، وهذا كله ظاهر لا ينكره إلا مكابر، وإن أريد نفي دوائيته بالنسبة إلى البعض دون البعض فمسَلّم لكنه غير متمم.
¬
(¬1) انظر: الهداية في شرح بداية المبتدي (1/ 64).
وأما ثانيًا: فلأنا سلمنا أنه ليس بغذاء ولا بدواء، ولكن ليس أن كل ما لا يكون غذاء ودواء فهو حرام، وليس حرمة الذباب والتراب لمجرد عدم كونه غذاء، بل لكونه فاسدا غذاء وخبيثا.
فإن قلت: إن لم تَسْلم هذه الكلية عن النقض فهناك كلية أخرى سالمة عن النقض، وهي أن كل ما ليس بغذاء ولا دواء وهو مضر حرام، وشرب الدخان كذلك فهو حرام.
قلت: هذا مسلك آخر يأتي ما له وما عليه فإن ضم هو معه يرد عليه، ما يرد عليه.
فإن قيل: كل ما ليس بغذاء ولا دواء أكله عبث والعبث حرام؟
قلنا: هذا وإن مشى عليه طائفة من الفقهاء، لكنه لم يرتض به محققوا الفضلاء، أما أولاً فلعدم تسليم الصغرى؛ لأن العبث هو ما ليس فيه غرض صحيح، أو ليس فيه فائدة، أو نحو ذلك من العبارات المختلفة مبنى المتحدة معنى، ومن المعلوم أن النفع والفائدة لا ينحصر في الغذائية والدوائية حتى يلزم من نفيهما نفي الفائدة.
وأما ثانيًا: فلعدم تسليم الكبرى، وإن ذكرها صاحب «الهداية» وغيرها وقد قال العيني (¬1) في «البناية شرح الهداية» عند قول صاحبها: لأن العبث خارج الصلاة حرام، فما ظنك بالصلاة فيه نظر، فإنه من عبث بثوبه، أو بلحيته خارج الصلاة يكون تاركاً للأولى، ولا يحرم ذلك عليه، ولهذا قال في الحديث الذي ذكره: «كره لكم ثلاثا» (¬2)، وذكر منها العبث في الصلاة، فلم يبلغه درجة التحريم في الصلاة، فما ظنك بخارجها، انتهى (¬3).
¬
(¬1) أي صاحب الهداية في قوله: (يكره للمصلي أن يعبث بثوبه أو بجسده، لقوله عليه السلام: «إنّ الله كره لكم ثلاثا»، وذكر منها: «العبث في الصلاة»، ولأن العبث خارج الصلاة حرام ... إلخ).
وهذا الحديث رواه القضاعي في مسند الشهاب (1087) من طريق ابن المبارك عن إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن دينار عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً مرفوعا: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمُ الْعَبَثَ فِي الصَّلَاةِ وَالرَّفَثَ فِي الصِّيَامِ وَالضَّحِكَ عِنْدَ الْمَقَابِرِ» وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال (1/ 242) وعدّه من منكرات ابن عياش.
وقال ابن طاهر في كلامه على أحاديث الشهاب: هذا حديث رواه إسماعيل عن عبد الله بن دينار وسعيد بن يوسف عن يحيى، وهذا مقطوع، وعبد الله بن دينار شامي من أهل حمص، وليس بالمكي، كذا ذكره جمال الدين عبد الله الزيلعي في تخريج أحاديث الهداية (2/ 86)، وللعيني في البناية (2/ 435) كلام طويل في توثيق رواة هذا الحديث فليرجع إليه. (منه).
(¬2) انظر: تخريج الحديث السابق.
(¬3) انظر: البناية شرح الهداية (2/ 436).