الجزء 1 · صفحة 5
[مقدمات الطبع والتحقيق]
تقدِيم بقَلم سَمَاحَةِ الشَّيخ أبي الحَسَن عَلي الحَسَني النَّدوي
- الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده.
وبعد، فأبدأ هذا التقديم المتواضع لكتاب "التعليق الممجَّد على موطأ الإمام محمد" للإمام أبي الحَسَنات عبد الحي اللَّكنَويّ رحمه الله تعالى، تحقيق وأخراج أخينا الفاضل فضيلة الشيخ الدكتور تقيّ الدين النَّدْوي، بما قاله حكيمُ الإسلام الإمام أحمد بن عبد الرحيم المعروف بالشيخ وليّ الله الدهلوي (1114 هـ - 1176 هـ) في مقدمة كتابه "المصفّى شرح الموطأ" بالفارسية ما معناه بالعربية، قال - بعدَ ما ذكر حِيرتَه بسبب اختلاف مذاهب الفقهاء وكثرة أحزاب العلماء وتجاذيهم كلّ واحد عن الآخر إلى جانب - قال رحمه الله:
(أُلهمت الإشارة إلى كتاب "الموطأ" تأليف الإمام الهُمام حجة الإسلام مالك بن أنس، وعَظُم ذلك الخاطر رويداً فرويداً، وتيقَّنْتُ أنه لا يوجد الآن كتابٌ ما في الفقه أقوى من موطأ الإمام مالك، لأن الكتب تتفاضل فيما بينها: إما من جهة فضل المصنف، أو من جهة التزام الصحة، أو من جهة شهرة أحاديث، أو من جهة القبول لها من عامة المسلمين، أو من جهة حُسن الترتيب واستيعاب المقاصد المهمة أو نحوها، وهذه الأمور كلها موجودة في الموطأ على وجه الكمال بالنسبة إلى جميع الكتب الموجودة على وجه الأرض الآن) (نقلاً من "تسهيل دراية الموطّأ في كتاب المسوّي شرح الموطّأ"، إخراج دار الكتب العلمية - بيروت، ص 17 - 18) .
ومن كلامه فيه في نفس مقدمة المصفى:
الجزء 1 · صفحة 6
(لقد انشرح صدري وحصل لي اليقين بأن الموطأ أصح كتاب يوجد على وجه الأرض بعد كتاب الله، كذلك تيقَّنْت أن طريق الإجتهاد وتحصيل الفقه (بمعنى معرفة أحكام الشريعة من أدلتها التفصيلية) مسدود اليوم (على من رام التحقيق) إلاَّ من وجه واحد، وهو أن يجعل المحقِّق الموطّأ نصب عينيه ويجتهد في وصل مراسيله ومعرفة مآخذ أقوال الصحابة والتابعين (بتتبُّع كتب أئمة المحدثين) ، ثم يسلك طريق الفقهاء المجتهدين (في المذاهب) من تحديد مفهوم الألفاظ، وتطبيق الدلائل، وتبيين الركن والشرط والآداب، واستخلاص القواعد الكلية الجامعة المانعة، ومعرفة عِلَل الأحكام وتعميمها وتحقيقها، وفقاً لعموم العِلّة وخصوصها، وأمثال ذلك، ويجتهد في فَهْم تعقّبات الإمام الشافعيّ وغيره (كتفقّبات الإمام محمد في موطّئه، وكتاب الحجج) ، ثم يجتهد في تطبيق المختلفات أو ترجيح الأحسن منها، ويتمكَّن من تحصيل اليقين بدلالة الدلائل على تلك المسائل، وبغالب الظن للرأي لمعرفة أحكام الله تعالى) (المرجع السابق: ص 29) .
أما ما يتصل بمكانة الموطّأ للإمام محمد رحمه الله تعالى بالنسبة إلى موطّأ مالك برواية يحيى الأندلسي الليثي المصمودي وهو المتبادر بالموطّأ عند الإطلاق، وأكبّ عليه العلماء في القديم والحديث بالتدريس والشرح، فحسب القارئ ما يقوله الإمام عبدُ الحيّ بن عبد الحليم اللَّكنَوي صاحب "التعليق الممجَّد" في مقدمته لهذا الكتاب:
(له ترجيح على الموطّأ برواية يحيى وتفضيل عليه لوجوه مقبولة عند أولي الأفهام) (التعليق الممجّد، ص 35 طبع المطبع المصطفائي 1297 هـ) .
ثم ذكر هذه الأسباب وتوسَّع في عِّدها وشرحها (يُرجع إلى البحث في المقدمة، من ص 35 إلى ص 40) .
وقد كان الإمام عبد الحيّ اللَّكْنَويّ من أقدر الناس وأجدرهم بالتعليق على موطّأ الإمام محمد، لأنه كان يجمع بين الصلة العلمية القوية بالحديث والصلة العلمية القوية بفقه المذاهب الأربعة، وبصفة خاصة بالمذهب الحنفي، الذي كان
الجزء 1 · صفحة 7
الإمام محمد من أعلامه البارزين ومؤسِّسيه الأصيلين، فكان بذلك يجمع بين نسب علميّ معنوي قريب بصاحب الموطّأ إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس، ونسب معنوي علمي كذلك بالإمام محمد بن الحسن تلميذ الإمام مالك وصاحب الإمام أبي حنيفة. والنسب العلمي والمعنوي ليس أقلَّ قيمةً ولا أضعف تأثيراً من النسب الجسدي الظاهر، وبذلك استطاع أن يتغلب على ما يعتبره كثير من التناقض والجمع بين الأضداد واستطاع أن ينصف كل الإنصاف لصاحب الكتاب الأول الإمام مالك وراويه وناقله الراشد البار الفقيه المجتهد، والمحدث الواعي، الإمام محمد. هذا عدا ما اتصف به من اتِّساع الأُفق العلمي ورحابة الصدر، وسلامة الفكر، والذكاء النادر. يقول سَمِيُّه العلامة عبد الحيّ بن فخر الدين الحسني (م 1341 هـ) ، في كتابه المشهور: "نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر" في ترجمة الإمام عبد الحيّ اللَّكْنَوي يحكي قوله:
(ومن مِنَحِه أنه جعلني سالكاً بين الإفراط والتفريط لا تأتي مسألة معركة الآراء بين يديّ إلاَّ أُلهمت الطريق الوسط فيها، ولست ممّن يختار التقليد البَحْت بحيث لا يترك قول الفقهاء وإنْ خالَفَتْه الأدلة الشرعية، ولا ممن يطعن عليهم ويحقِّر الفقه بالكلّيّة) ("نزهة الخواطر" 8/235) .
وصاحب كتاب "نزهة الخواطر" قد أدرك الإمامَ عبدَ الحيّ اللَّكْنوي وحضر مجالسه أكثر من مرة، فشهادته له شهود عيان وانطباع معاصر خبير، يقول: (كان متبحراً في العلوم معقولاً ومنقولاً، مطَّلعاً على دقائق الشرع وغوامضه، تبحّر في العلوم، وتحرَّى في نقل الأحكام، وحرَّر المسائل وانفرد في الهند بعلم الفتوى، فسارت بذكره الرُّكبان، بحيث إن كل علماء إقليم يُشيرون إلى جلالته، وله في الأصول والفروع قوة كاملة وقدرة شاملة، وفضيلة تامة وإحاطة عامة ... والحاصل أنه كان من عجائب الزمن ومن محاسن الهند، وكان الثناء عليه كلمة إجماع، والاعتراف بفضله ليس فيه نزاع) ("نزهة الخواطر": 8/234 - 235) .
الجزء 1 · صفحة 8
و"التعليق الممجَّد" للإمام عبد الحيّ اللكنوي، يمثّل ما وُصف به من الجمع بين إتقان صناعة الحديث والاطّلاع على مراجعه، وبين المعرفة الدقيقة الواسعة بالمذاهب الفقيه، ثم ما اتّصف به من سعة الصدر من سعة العلم وإعطاء الحديث حقَّه من الإجلال والترجيح، والفقه من التقدير والاهتمام، والخروج من كل ذلك بكلام متَّزن مقتصد لا إفراط فيه ولا تفريط.
وقد اتفق لكاتب هذه السطور الاطّلاع على هذا الكتاب أيام طلبه لعلم الحديث وأيام التدريس، فأُعجب بسلامة فكره ورحابة صدره.
وقد كان هذا الكتاب "التعليق الممجد" في حاجة إلى أن يتناوله أحد المتوفِّرين على دراسة الحديث الشريف وتدريسه، بالعناية به تعليقاً وتصحيحاً، ونشره بالحروف العربية الحديثة حتى تتيسر قراءتُه لمن اعتاد ذلك من العلماء في العام العربي، فقد كان كتابُه بالخط الفارسي مطبوعاً كلَّ مرة على الحجر، غير واضح وغير شائق للمشتغلين بالحديث والفقه من العلماء الشباب والكهول والشيوخ في المشرق العربي.
وقد وُفِّق لذلك أخونا العزيز فضيلة الشيخ الدكتور تقيّ الدين النَّدْوي أستاذ الحديث بجامعة الإمارات العربية المتّحدة، وعُني بتصحيح نُسخ الكتاب والتعليق على مواضع كثيرة من الكتاب، والرجوع إلى المصادر التي نقل منها المؤلف عند التردد، ووضع الفهرس العام للكتاب، وقام بذلك بعمل علمي جليل وإحياء مأثرة من مآثر عالم مخلصٍ ربَّاني خادمِ العلوم الدينية وناشرها في ربوع الهند، ومؤلِّف كتب يبلغ عددُها إلى مئة وعشرة (110) كتب منها 86 كتاباً بالعربية، فاستحق بذلك الأخ العزيز الفاضل شكر المقدِّرين لكتاب الموطّأ، والمشتغلين بعلم الحديث والفقه، وثناء الجميع وتقديرهم، تقبَّل الله عمله ونفع به الداني والقاصي.
أبو الحسن علي الحسني الندوي 15 من ذي الحجة الحرام سنة 1409 هـ
دار العوم ندوة العلماء - الهند
الجزء 1 · صفحة 9
المجلد الأول
تَقدمة بقلم الأستاذ عَبد الفتاح أبو غُدّة
- وهي تتضمن بإيجاز:
كلماتٍ عن حفظ الله تعالى للسنة،
وتميز المدينة المنورة بأوفى نصيب منها،
وسبق علماء المدينة في تدوين الحديث،
وعن تأليف مالك للموطأ،
وتأريخ تأليف الموطأ،
وأن الموطأ أوَّل ما صُنِّفَ في الصحيح،
وعن مكانة الموطأ وصُعوبة الجمع بين الفقه والحديث،
وعن كبار الحفاظ الأقدمين وحدود معرفتهم بالفقه،
وأنَّ الإمامة في علم تجتمع معها العامية في علم آخر،
وعن يُسر الرواية وصُعوبة الفقه والاجتهاد.
وكلماتٍ عن مزايا الموطأ، وعن روايات الموطأ عن مالك،
وكلماتٍ في ترجمة محمد بن الحسن راوي الموطأ،
وكلماتٍ في رد الجَرح للراوي بالعمل بالرأي، وعن ظلم جملةٍ من المحدِّثين للإمامين: أبي يوسف ومحمد الفقيهين المحدِّثين،
وكلماتٍ للإمام ابن تيمية في دفع الجَرح بالعمل بالرأي، وعن تحجُّرِ جُلِّ الرُّواةِ وضِيقِهم من المشتغل بغير الحديث، والردِّ على من قَدَح في أبي حنيفة بدعوى تقديمه القياسَ على السُّنَّة،
وكلماتٍ في ترجمة الشارح الإمام اللَّكنوي، وأهمية طبع كتاب "التعليق المُمَجَّد".
الجزء 1 · صفحة 11
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمَةٌ وتقدِمةٌ إمَامَ مُوطّأ الإمام مَالك برواية الإمام محمَّد بن الحَسَن
وَهوَ المشْهُور بمُوطأ الإِمام محمَّد:
حفظ الله تعالى للسنة:
- لقد حَظِيَتْ سُنَّةُ النبي صلى الله عليه وسلم - وهي أحاديثه الشريفة: أقوالُه، وأفعاله، وتقريراتُه - من أول يوم بالعناية التامة، والحفظ والرعاية، والعمل بها من الصحابة الكرام والتابعين الأخيار، فحُفِظَت حفظاً تاماً، ونُقلتْ نقلاً دقيقاً، تحقيقاً لقول الله تعالى: {إنَّا نحنُ نَزَّلنا الذكرَ وإنّا لَهُ لَحافظون} .
فمن حفظِ الذكر والكتابِ الكريم حِفظُها، فإنها مفسِّرة له ومُعرِّفة بأحكامه ومَراميه، قال سبحانه: {وأنزلنا إليك الذكر لتبيِّنَ للناس ما نُزِّل إليهم} .
ولقد أقام الله سبحانه في القرون الثلاثة الأولى الخيِّرة: رجالاً تلقَّوْا هذا الدين بفَهم وبصيرة، وحُبِّ وولاء، وإعزاز وتكريم، فآثروه على أنفسهم وأهليهم وأولادهم وديارهم، وهاجروا في سبيل تحصيله وضبطه، وتلقيهِ وتبليغه، وهجروا الراحة والأوطان، وطافوا القرى والبلدان، لتحصيل الحديث النبوي الواحد وما يتصل به من آثار السلف الصالح، فبَلَغوا الغاية، وأتَوْا على النهاية، وكانوا بحق {خيرَ أُمَّة أُخرِجَتْ للناس} .
نصيب المدينة من السنة أوفى نصيب وسَبْقُها في تدوين السنة:
- وكان لكل بلد من البلدان التي فتحها الإسلامُ الحنيف واستقرَّ فيها المسلمون، نصيبٌ من العلم، يختلف عن الآخر قلةً وكثرة، بحسب كثرة الصحابة الواردين عليه
الجزء 1 · صفحة 12
والمقيمين فيه، فكان نصيبُ دارِ الهجرة النبوية: المدينةِ المنوَّرة أوفَى نصيب، لتوفر وجود الصحابة الكرام فيها، إذ كانت هي ومكةُ المكرَّمةُ بعدَ فتحها دارَ الإسلام الأولى ومَهْوَى أفئدة المؤمنين.
فعاشت فيها السنة وجاشت، وانتشرت في آفاق الإسلام، وتوارثها الناس جيلاً عن جيل، وقبيلاً عن قبيل، وكثر في دار الهجرة الفقهاء والمحدثون كثرة بالغة، فقد نُقل عن مالك، أنه قال: عرضتُ كتابي هذا على سبعين فقيهاً من فقهاء المدينة. فلمَّا نشأ مالك، كانت السنة قد أخذت طريقها إلى التدوين.
وكان تدوينها في المدينة المنورة قبلَ كل الأمصار، فألَّف فيها الإمام محمد بن شهاب الزهريُّ المدني، شيخ مالك، المتوفى سنة 124، وموسى بن عقبة المدني شيخ مالك أيضا المتوفي سنة 141، ومحمد بن إسحاق المُطَّلبي المدني، المتوفى سنة 151، وابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن المدني، المتوفى سنة 158.
وألَّف في زمن هؤلاء وبعدَهم غيرُهم من أئمة الحديث والسنَّة، في مكة المكرمة، والكوفة، والبصرة، وخراسان، ولكنَّ السَّبْقَ الأول في تدوين السنَّة كان لعلماء المدينة الأعلام، ويأتي تأليفُ الإمام مالكٍ "الموطأ" في عِداد الكتب التي دَوَّنَتْ السنَّة في المدينة وغيرها: (الكتاب العاشر) تدويناً، والأولَ تصنيفاً على الأبواب الفقهية، كما يُستفاد من "الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنَّة المشرَّفة" (للعلامة السيد محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله تعالى، ص 327، وص 4 من الطبعة الرابعة) ، فجاء الإمام مالك وقد تعقَّد التأليف في السنَّة بعضَ الشيء، وبَلَغ مالكٌ في الإمامة للمسلمين مبلغاً رفيعاً، فألَّف كتابَه العظيم: "الموطأ".
تأليف مالك الموطأ:
- وقد ذكر العلماء أن تأليف الإمام مالك "الموطأ"، إنما كان باقتراحٍ من الخليفة العباسي إبي جعفر المنصور - عبد الله بن محمد، ولد سنة 95، وتوفي سنة 158 رحمه الله تعالى -، في قَدْمَةٍ من قَدَماتِهِ إلى الحج، دعاه المنصور لزيارته فزاره، فأكرمه أبو جعفر وأجلسه بجانبه، وسأله أسئلة كثيرة، فأعجبه سَمْتُه وعلمه وعقله وسدادُ رأيه، وصِحةُ أجوبتهِ، فعَرَف له مقامَهُ في العلم والدين وإمامةِ المسلمين.
الجزء 1 · صفحة 13
فقد جاء أنَّ أبا جعفر قال لمالك: ضَعْ للناس كتاباً أَحمِلُهم عليه، فكَلَّمه مالك في ذلك - أي مانَعَه مالك في حملِ الناس على كتابة -، فقال ضَعْهُ فما أحدٌ اليومَ أعلمَ منك، فوضع"الموطأ"، فلم يَفرُغ منه حتى مات أبو جعفر.
وفي روايةٍ: قال مالك: دخلت على أبي جعفر بالغداة حين وقعت الشمسُ بالأرض، وقد نزل عن سريره إلى بساطه، فقال لي: حقيقٌ أنت بكل خير، وحقيقٌ بكل إكرام، فلم يزل يسألني حتى أتاه المؤذِّن بالظهر، فقال لي: أنت أعلمُ الناس، فقلت: لا واللهِ يا أمير المؤمنين، قال: بلى، ولكنك تكتمُ ذلك، فما أحدٌ أعلمَ منك اليومَ بعدَ أمير المؤمنين.
يا أبا عبد الله - كنية الإمام مالك -، ضَعْ للناس كُتُباً، وجنِّب فيها شدائدَ عبد الله بن عُمَر، ورُخَصَ ابن عباس، وشواذَّ ابن مسعود، واقصِد أوسط الأمور، وما اجتمع عليه الأمَّةُ والصحابة، ولئن بقيتُ لأكتبنَّ كتبك بماء الذهب، فأحمِلُ الناسَ عليها.
فقلت له: يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورَوَوْا روايات، وأخذ كلُّ قوم بما سَبَقَ إليهم، وعملوا به، ودانوا له، من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهِم، وإنَّ رَدَّهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناسَ وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم، فقال: "لَعَمْري لو طاوعتني على ذلك لأمرتُ به". انتهى (هذا وما قبله من "ترتيب المدارك" للقاضي عياض 2: 71 - 73) .
وقال العلامة المؤرخ القاضي الإمام ابن خلدون، في أوائل "مقدمته" (ص 17 - 18، و"انتصار الفقير السالك"، للراعي الأندلسي ص 208) ، "وقد كان أبو جعفر لمكانٍ من العلم والدين قَبلَ الخلافةِ وبعدَها (أطال الإمام ابن جرير الطبري في ترجمة أبي جعفر المنصور أيَّ إطالة، في سنة تاريخ وفاته سنة 158، فترجم له وذكر أخباره ووصاياه ... في 54 صفحة، من 8: 54 - 108. قال العلامة الزرقاني في مقدمته لشرح "الموطأ"1: 9، "وذكروا أنَّ المهديَّ والهادي سَمِعا "الموطأ" من مالك، وأنَّ الرشيدَ وبنيه الأمينَ والمأمونَ والمؤتَمن، أخذوا عن مالكٍ "الموطأ أيضاً" انتهى.
فهكذا كانت نشأةُ الملوك في العلم في القرون الخَّيرة الأولى، ومنه تُدرَكُ نشأةُ جَدِّهم أبي جعفر المنصور في القرن الأفضل والأعلم، التي أشار إليها الإمام ابن خلدون) ، وهو القائل لمالكٍ حين أشار
الجزء 1 · صفحة 14
عليه بتأليف "الموطأ": يا أبا عبد الله، إنه لم يَبق على وجه الأرض أعلَمُ مني ومنك، وإني قد شغَلَتني الخلافة، فضَعْ أنت للناس كتاباً ينتفعون به، تجنَّبْ فيه رُخَص ابن عباس، وشدائدَ ابن عمر - وشوادَّ ابن مسعود -، ووطِّئْهُ للناس توطئة، قال مالك: فوالله لقد علَّمني التصنيف يومئذ". انتهى.
فألف مالك "الموطأ"على هذا المنهج، فالموطأ معناه: المسهَّل الميسَّر (يقال في اللغة: وَطُؤَ الموضعُ يَوْطُؤُ وَطاءةً ووُطوءةً: لانَ سَهُل، فهو وطيءٌ، ووطَّأ الموضعَ صَيَّرهُ وطيءاً، ووطَّأ الفرِاشَ: دَمَّثَهُ ودَثَّرهُ، والموطَّأ: المسهَّلُ الميسَّر. كما في "القاموس" و"المعجم الوسيط") .
وذكر العلماء أن الإمام ابنَ أبي ذئب مُعاصِرَ الإمام مالك وبلديَّه - قد صنَّف موطّأً أكبرَ من موطأ مالك، حتى قيل لمالك: ما الفائدة في تصنيفك؟ فقال: ما كان لله بقي (من "الرسالة المستطرفة" ص 9) .
تأريخ تأليف الموطأ:
- ذكر العلماء أن أبا جعفر المنصور حين حَجَّ بالناس أيام خلافته، طَلَب من الإمام مالك أن يُدوِّن كتاب "الموطأ".
وقد استقرأت حجات أبي جعفر بعد خلافته، في "تاريخ الطبري"، فتبيَّن أنها كانت خمسَ حجات، أولُها في سنةِ 140 ثم سنة 144، ثم سنةِ 147، ثم سنةِ 152، ثم سنةِ 158، التي توفي فيها بمكة حاجاً محرماً.
ولم يتعرض الإمام ابن جرير عند ذكره هذه الحجات لأبي جعفر، للحديث عن تدوين كتاب "الموطأ".
نعم تعرَّض لذلك ابن جرير في كتابه "ذيل المذيَّل" المطبوع بآخر تاريخه 11: 659، فذكر القصة عن المهدي أولاً، ثم ذكرها عن أبي جعفر ثانياً برواية الواقدي.
وتابعه على ذكرِ ذلك كذلك: بتقديم رواية أن المهدي هو المُقترحُ لتأليف "الموطأ"، على رواية أن المنصور هو المقترح تأليفه: الإمامُ ابن عبد البر في "الانتقاء" ص 40، فساق الروايتين من طريق ابن جرير، الأولى بسنده إلى إبراهيم بن حماد الزهري المدني، عن مالك. والثانية بسنده إلى محمد بن عمر الواقدي، عن مالك.
الجزء 1 · صفحة 15
وعلَّق عليه شيخنا العلامة الكوثري رحمه الله تعالى، ما يلي:
"وصنيعُ ابن جرير في "ذيل المذيَّل" كما هنا، يُؤذِنُ بترجيحِهِ الروايةَ الأولى، وتحاميهِ عن رواية الواقدي - أن القصة مع المنصور -، لكن ابن عساكر خرَّج في "كشف المغطَّا من فضل الموطَّا" بطرقٍ عن مالك ما يُؤيدُ روايةَ الواقدي، وإن لم تخلُ واحدُ منها عن مقال. وفيه - أي في "كشف المغطى" - سماعٌ الرشيد "الموطأ" عن مالك لمَّا حَجَّ مع أبي يوسف.
والذي يُستخلص من مختلِفِ الروايات في ذلك، أنَّ المنصور تحادث مع مالك في تدوين عِلم أهل المدينة عامَ ثمانية وأربعين ومئة محادثةً إجمالية، ولمَّا حَجَّ قَبْلَ حجتِهِ الأخيرة، أوصاه أن يتجنب فيما يدونه شدائدَ ابن عُمَر، ورُخَصَ ابن عباس، وشَوَاذَّ ابن مسعود رضي الله عنهم.
وأما إخراجهُ للناس ففي سنة تسع وخمسين ومئة في عهد المهدي، فلا تثبُتُ روايتُهُ ممَّن تقدَّم على ذلك". انتهى.
وقال شيخنا الكوثري أيضاً رحمه الله تعالى، في مقدمته لجزء "أحاديث الموطأ واتفاق الرواه عن مالك واختلافُهم فيها" للدار قطني، ما يلي: "ألَّف عبد العزيز بن عبد لله بن أبي سلمة الماجِشُون كتاباً فيما اجتمع عليه أهل المدينة، ولما اطلع عليه مالك بن أنس رضي الله عنه، استحسن صنيعَه، إلى أنه أخَذ عليه إغفاله ذكر الأخبار والآثار في الأبواب، حتى قرر أن يقوم هو بنفسه بجمع كتابٍ تحتوي أبوابُهُ صِحاحَ الأخبار وعملَ أهل المدينة، في أبواب الفقه، فيدأ يمهُدُ السبيل لذلك.
وكان المنصور العباسي بلغه شيء مما عَزَم عليه مالك، فاجتمع به في حجته - قَبْلَ - الأخيرة في التحقيق، وأوصاه أن يدون علمَ أهل المدينة، مجتنباً رُخَصَ ابن عباس، وشدائدَ ابن عمر، وشواذَّ ابن مسعود رضي الله عنهم، حيث كان جماعة من أصحاب هؤلاء ينشرون علومهم في المدينة المنورة، منهم الفقهاء العَشَرة في أيام عمر بن عبد العزيز، ولهم أصحابٌ وأصحابُ أصحاب أدركهم مالك.
فتقوَّتْ عزيمة مالك حتى تجرَّد لجمع الصفوة من الأحاديث والآثار المروية عند أهل المدينة، ولجمع العملِ المتوارثِ بينهم، مقتصراً في الرواية على شيوخ أهل المدينة سوى ستة، وهم: أبو الزبير من مكة، وإبراهيم بن أبي عَبْلَةَ من الشام، وعبد الكريم بن
الجزء 1 · صفحة 16
مالك من الجزيرة، وعطاء بن عبد الله من خراسان، وحُمَيدٌ الطويل وأيوبُ السِّختياني من البصرة، إلى أن أتم عملَه في عهد المهدي العباسي، كما بينتُ ذلك فيما علقتُ على "الانتقاء" لابن عبد البر". انتهى.
وهذا الذي رجحه شيخنا من أن المنصور تحدث مع مالك في سنة 148، بشأن تدوين علم أهل المدينة، وأوصاه قبل حجته الأخيرة أن يتجنب في التأليف شدائد ابن عمر.. غير ظاهر فإن حجته الأخيرة التي توفي فيها كانت سنة 158، والحجة التي قبلها كانت سنة 152 والتي قبلها سنة 147، والتي قبلها سنة 144، والتي قبلها سنة 140، كما أسلفته عن "تاريخ ابن جرير".
ولم يحج المنصور في سنة 148، وإنما حج بالناس ابنُهُ جعفر كما في غير كتاب فتكون سنةُ 148 سَبْقَ قلم عن 147.
ثم قوله: إن المنصور تحدث مع مالك في تلك السنة، وأوصاه بتجنبِ ما أوصاه بتجنبه في الحجة التي قبل الأخيرة، وهي - كما عند ابن جرير - سنة 152، فيه بُعدٌ أيضاً فإن المتبادر أن يقع ذلك من المنصور في أول حجة له بعد توليه الخلافة سنة 140، أو في ثاني حجة سنة 144، ويمكن أن يكون ذلك في ثالث حجة سنة 147، أما في رابع حجة سنة 152، ففيه بُعدٌ شديد لأنه يلزم أن يكون مالك ألَّف "الموطأ" بأقلَّ من سبع سنوات، لأنه قد سمعه منه المهدي سنة 159، على ما ذكره شيخنا، في حين أن المهديَّ إنما حجَّ بالناس سنة 160، وحجَّ الهادي سنة 161، كما عند ابن جرير.
والمذكور أن مالكاً ألَّف "الموطأ" في سنين كثيرة، ذُكر أنها أربعون، وذُكر أنها دون ذلك، وعلى كل حال يستبعد أن تكون مدة التأليف نحو سبع سنوات، لما عُرف من إتقان مالك وضبطه وانتقائه، وقلة تحديثه بالأحاديث في مجالسه، فلم يكن يحدث في مجلسه إلا ببضعة أحاديث معدودة فتأليفه "الموطأ" بعد سنة 140 جزماً أو بعد سنة 147، وفراغه منه بعد سنة 158 جزماً، والله تعالى أعلم.
وهكذا تم تأليف هذا الكتاب "الموطأ" فقد جمع فيه الإمام مالك - كما سبق نقلُ قوله - حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأقوال الصحابة، وأقوال التابعين، ورأياً هو إجماعُ أهل المدينة، لم يخرج عنها، فجمع الحديثَ بأوسع معانيه - وما يتصلُ به من آثار الصدر الأول، لأنها كانت المرجع الأكبَر في الأحكام العملية.
الجزء 1 · صفحة 17
الموطأ أوَّلُ ما صُنِّف في الصحيح:
- قال العلامة الزرقاني في مقدمته لشرح "الموطأ" (12: 1) : "وأطلق جماعة على الموطأ اسم الصحيح، واعترضوا قول ابن الصلاح: أوَّلُ من صنَّف فيه البخاري، وإن عبر بقوله: الصحيح المجرَّد، للاحتراز عن الموطأ، فلم يُجرد فيه الصحيح بل أدخل المرسل والمنقطع والبلاغات، فقد قال الحافظ مُغُلْطاي: لا فرق بين الموطأ والبخاري في ذلك، لوجوده أيضاً في البخاري من التعاليق ونحوها.
ولكن فرَّق الحافظ ابن حجر: بأن ما في الموطأ كذلك مسموعٌ لمالك غالباً، قال: "وما في البخاري قد حَذَف إسنادَه عمداً، لأغراضٍ قررتها في "التغليق"، تظهر أن ما في البخاري من ذلك لا يخرجه عن كونه جّرَّد فيه الصحيح، بخلاف الموطأ" بل قال الحافظ مغلطاي: أوَّل من صَنَّف الصحيح مالك.
وقولُ الحافظ: هو صحيح عنده وعند من يقلده على ما اقتضاه نظرُه من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما، لا على الشرط الذي استقر عليه العمل في حد الصحة: تعقَّبَهُ السيوطي بأن ما فيه من المراسيل - مع كونها حجةً عنده بلا شرط، وعند من وافقه من الأئمة - هي حجةٌ عندنا أيضاً لأن المرسل حجة عندنا إذا اعتضد وما من مرسل في الموطأ إلا وله عاضد أو عواضد فالصوابُ إطلاقُ أن الموطأ صحيح لا يُستثنى منه شيء.
وقد صنف ابن عبد البر كتاباً في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل، وقال: وجميعُ ما فيه من قوله: بلغني، ومن قوله: عن الثقة عنده، مما لم يُسنده أحدٌ وستون حديثاً كلُّها مسندة من غير طريق مالك، إلا أربعةً لا تعرف: أحدها: إني لا أَنسى ولكن أُنَسَّى لأسُنَّ. والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم أُرِيَ أعمارَ الناس قبلهُ أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا مثل الذي بلغه غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر خيراً من ألف شهر والثالث قول معاذ: آخرُ ما أوصاني به رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقد وضعتُ رجلي في الغَرز - أن قال: حَسِّن خُلُقَك إلى الناس. والرابع: إذا نشأت بَحريَّةً ثم تشاءَمَتْ فتلك عين غَدِيقة".
الجزء 1 · صفحة 18
وتعقَّب الحافظ ابن حجر أيضاً الشيخُ صالحٌ الفُلاَّنيُّ فقال (كما في "الرسالة المستطرفة" ص 5 - 6) : "وفيما قاله الحافظ ابن حجر من الفرق بين بلاغات الموطأ ومعلَّقات البخاري: نظر، فلو أمعن الحافظُ النظر في الموطأ كما أمعن النظر في البخاري لعلم أنه لا فرق بينهما، وما ذكره من أن مالكاً سمعها كذلك، غيرُ مسلَّم، لأنه يذكر بلاغاً في رواية يحيى مثلاً أو مرسلاً، فيرويه غيرُهُ عن مالك موصولاً مسنداً.
وما ذكَرَ من كون مراسيل الموطأ حجةً عند مالك ومن تبِعَه دون غيرهم: مردودٌ بأنها حجة عند الشافعي وأهلِ الحديث، لاعتضادها كلِّها بمسندٍ ذكره ابن عبد البر والسيوطي وغيرُهما.
وما ذكره العراقي أن من بلاغاته ما لا يعرف: مردودٌ بأن ابن عبد البر ذكر أن جميعَ بلاغاته ومراسليه ومنقطعاته كلَّها موصولةٌ بطرق صحاح إلا أربعة، فقد وَصَل ابن الصلاح الأربعة بتأليف مستقل وهو عندي وعليه خطه، فظهر بهذا أنه لا فرق بين "الموطأ والبخاري"، وصَحَّ أن مالكاً أوَّل من صَنَّف في الصحيح، كما ذكره ابن العربي وغيرُه".
مكانة "الموطأ" وصعوبة الجمع بين الفقه والحديث:
- تأليفُ الحديث وجمعه في كتاب على الأبواب الفقهية، لا ينهض به إلا فقيه يدري معاني الأحاديث، ويفقه مداركها ومقاصدها، ويميز بين لفظ ولفظ فيها، وهذا النمط من العلماء المحدِّثين الفقهاء يُعَدُّ نَزْراً يسيراً بالنظر إلى كثرة المحدثين الرواة والحفاظ الأثبات، إذ الحفظُ شيء والفقه شيء آخرُ أميَزُ منه وأشرف، وأهم وأنفع، فإن الفقه دِقَّةُ الفهم للنصوص من الكتاب والسنَّة - عبارةً أو إشارةً، صراحةً أو كنايةً - وتنزيلها منازلها في مراتب الأحكام، لا وَكسَ ولا شطط، ولا تهوُّر ولاجمود.
وهذه الأوصاف عزيزةُ الوجود في العلماء قديماً فضلاً عن شدة عزتها في الخلف المتأخر، ويخطئُ خطأ مكعباً من يظن أويزعم أن مجرد حفظ الحديث أو اقتناء كتبه والوقوف عليه، يجعل من فاعل ذلك فقيهاً عارفاً بالأحكام الشرعية ودقيق الاستنباط. قال محمد بن يزيد المستملي: سألت أحمد بن حنبل عن - شيخه - عبد الرزاق - صاحب
الجزء 1 · صفحة 19
المصنف المطبوع في أحد عشر مجلداً -: أكان له فقه؟ فقال: ما أقلَّ الفقه في أصحاب الحديث (كما في ترجمة (محمد بن يزيد المستملي) في "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى 329: 1) .
وجاء في "تقدمة الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (ص 293) ، في ترجمة (أحمد بن حنبل) ، وفي "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي (ص 63) ، وفي "تاريخ الإسلام" للذهبي - مخطوط - من طريق ابن أبي حاتم، في ترجمة (أحمد بن حنبل) أيضاً، ما يلي:
"قال إسحاق بن راهويه: كنتُ أجالس بالعراق أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأصحابَنا، فكنا نتذاكرُ الحديث من طريق وطريقين وثلاثة، فيقول يحيى بن معين من بينهم: وطريق كذا، فأقول: أليس قد صح هذا بأجماع منا؟ فيقولون: نعم، فأقول: ما مرادُهُ؟ ما تفسيرُهُ؟ ما فقهه؟ فيَبقون - أي يسكتون مُفحَمين - كلُّهم! إلا أحمد بن حنبل". انتهى.
كبار الحفاظ الأقدمين وحدود معرفتهم بالفقه:
- قال عبد الفتاح: هذا النص يفيدنا بجلاء أن المعرفة التامة بعلم الحديث - ولو من أولئك الأئمة الكبار أركان علم الحديث في أزهى عصور العلم - لا تجعل المحدث الحافظ (فقيهاً مجتهداً) إذ لو كان الاشتغال بالحديث يجعل (الحافظَ) : (فقيهاً مجتهداً) ، لكان الحفاظ الذين لا يُحصى عددهم، والذين بَلَغَ حفظ كل واحد منهم للمتون والأسانيد ما لا يحفظه أهل مصر من الأمصار اليوم: أولى بالاجتهاد ولكنهم صانهم الله تعالى فما زعموه لأنفسهم.
بل إن سيد الحفاظ الإمام (يحيى بن سعيد القطان) البصري، إمام المحدثين وشيخ الجرح والتعديل: كان لا يجتهد في استنباط الأحكام، بل يأخذ بقول الإمام أبي حنيفة، كما في ترجمة (وكيع بن الجراح) في "تذكرة الحفاظ" للحافظ الذهبي (307: 1) . وفي "تهذيب التهذيب" (450: 10) في ترجمة (أبي حنيفة النعمان بن ثابت) : "قال أحمد بن
الجزء 1 · صفحة 20
سعيد القاضي: سمعتُ يحيى بن معين - تلميذ يحيى القِطان - يقول: سمعتُ يحيى بن سعيد القطان يقول: لا نَكذِبُ اللَّهَ، ما سمعنا رأياً أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله". انتهى.
وكان إمام أهل الحفظ في عصره وكيع بن الجراح الكوفي، محدثُ العراق، لا يجتهدُ أيضاً، ويفتي برأي الإمام أبي حنيفة الكوفي، ففي "تذكرة الحفاظ" للحافظ الذهبي (307: 1) ، و"تهذيب التهذيب" (126: 11 - 127) : "قال حسين بن حبان، عن ابن معين - تلميذ وكيع -: "ما رأيت أفضل من وكيع، كان يستقبل القبلة، ويحفظ حديثه، ويقوم الليل، ويَسرُدُ الصوم، ويُفتي بقول أبي حنيفة".
وكذلك هؤلاء الحفاظ الأئمة الأجلة، الذين عناهم الإمام إسحاق بن راهويه في كلمته المذكورة، ومنهم يحيى بن معين، كانوا لا يجتهدون، وقد أخبر عنهم أنهم كانوا يفيضون في ذكر طرق الحديث الواحد إفاضةً زائدة، فيقول لهم: ما مُرادُ الحديث؟ ما تفسيره؟ ما فقهه؟ فيبقون كلُّهم إلا أحمد بن حنبل.
وهذا عنوان دينهم وأمانتهم وحصافتهم وورعهم، إذ وقفوا عند ما يُحسنون، ولم يخوضوا فيما لا يُحسنون، وذلك لصعوبة الفقه الذي يعتمد على الدراية وعُمق الفهم للنصوص من الكتاب والسنَّة والآثار، وعلى معرفة التوفيق بينها، وعلى معرفة الناسخ والمنسوخ، وما أُجمعَ عليه، وما اختلف فيه، وعلى معرفة الجرح والتعديل، وقُدرةِ الترجيح بين الأدلة، وعلى معرفة لغة العرب، ألفاظاً وبلاغةً ونحواً ومجازاً وحقيقةً ...
ومن أجلِ هذا قال الإمام أحمد، لمَّا سأله محمد بن يزيد المستملي - كما تقدم -، عن المحدث الحافظ الكبير (عبد الرزاق بن همام الصنعاني) صاحب التصانيف التي منها "المصنف"، وشيخ الإمام أحمد نفسِه، وشيخ إسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، ومحمد بن يحيى الذهلي، أركان علم الحديث وروايته في ذلك العصر، وشيخ خلق سواهم، المتوفى سنة 211 عن 85 سنة: "أكان له فقه؟ فقال الإمام أحمد: ما أقلَّ الفقه في أصحاب الحديث! ".
الجزء 1 · صفحة 21
وروى الإمام البيهقي في "مناقب الشافعي" (152: 2) : "عن الربيع المُرادي قال: سمعت الشافعي يقول لأبي علي بن مِقلاص - عبد العزيز بن عمران، المتوفى سنة 234، الإمام الفقيه -: تريد تحفظ الحديث وتكونُ فقيهاً؟ هيهات! ما أبعَدك من ذلك - ولم يكن هذا لبلادة فيه حاشاه -.
قلت - القائل البيهقي -: وإنما أراد به حفظه على رَسم أهل الحديث، من حفظ الأبواب والمذاكرة بها، وذلك علم كثير إذا اشتغل به، فربما لم يتفرغ إلى الفقه، فأما الأحاديث التي يحتاج إليها في الفقه، فلا بد من حفظها معه، فعلى الكتاب والسنة بناء أصول الفقه، وبالله التوفيق.
وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ - هو الحاكم النيسابوري - قال: أخبرني أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المؤذن، قال: سمعت عبد الله بن محمد بن الحسن يقول: سمعت إبراهيم بن محمد الصيدلاني يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي - هو إسحاق بن راهويه - يقول: ذاكرت الشافعي، فقال: لو كنتُ أحفظ كما تحفظ لغلبت أهل الدنيا.
وهذا لأن إسحاق الحنظلي كان يحفظه على رسم أهل الحديث، ويَسرد أبوابه سرداً وكان لا يهتدي إلى ما كان يهتدي إليه الشافعي من الاستنباط والفقه، وكان الشافعي يحفظُ من الحديث ما كان يحتاج إليه، وكان لا يستنكف من الرجوع إلى أهله فيما اشتَبَه عليه، وذلك لشدة اتقائهِ لله عز وجل، وخشيته منه، واحتياطه لدينه". انتهى.
قال عبد الفتاح: وفي كلٍ من هذين النصين الغاليين فوائد عظيمة جداً، ففيه أن الجمع بين الفقه والحديث على رسم أهل الحديث متعذر - إلا لمن أكرمه الله بذلك - إذ قال الشافعي في هذا: هيهات!.
وفيه بيانُ الإمام البيهقي لهذا المعنى بجلاء ووضوح وهو إمام محدث وفقيه، فلكلامه مَقامٌ رفيع في هذا الباب.
وفيه دَعم الإمام البيهقي رحمه الله تعالى هذا الذي قاله في تفسير كلمة الشافعي
الجزء 1 · صفحة 22
لابن مقلاص، بكلمة الشافعي لإسحاق بن راهويه رضي الله عنهما، بشكل يَقطع لسان كل مشاغب على الفقهاء من رواة الحديث، بدعوى أنه أهل للاستنباط والفقه والاجتهاد في الأحكام.
فهذا يحيى بن معين إمامُ الحفظ للحديث، وإمامُ الجرح والتعديل، يقفُ ساكتاُ في مسألة جواز تغسيل المرأة الحائض للمرأة الميتة، حتى يأتيَ الإمام أحمد بن حنبل فيُفتيَهم بجواز ذلك، ويذكُرَ لهم دليلَه مما هو محفوظ لديهم كل الحفظ من عِدَّة طرق. كما سيأتي نقلُه قريباً.
وهذا الإمام الشافعي يقول لإسحاق بن راهويه: لو كنتُ أحفظ ما تحفظ لغلبتُ أهل الدنيا. وفيه بيانً تميُّز الشافعي بالفقه، وتميُّزِ ابن راهويه بالحفظ، ولكنه لم يُمكِّي ابنَ راهويه أن يبلغ مبلغ الشافعي بالفقه، مع إقرار الشافعي له بالتفوق العظيم الباهر في الحفظ، لأنه كما قال البيهقي: كان يَسردُ الحديثَ سرداً، مع أنه قد ذكره بعضُهم في عدادِ من كان له مذهب فقهي.
فسَرْد الحديث وحفظه وروايتُه: غيرُ فهمه واستنباط معنايه على وجهها، إذْ خلق الله تعالى لكل علم أهلاً ينهضون به ويتميزون على سواهم.
الإمامة في علم تجتمع معها العامية في علم آخر:
- ولا غضاضة في هذا، فالعلم رزقٌ وعطاء من الله تعالى، وهو كثير وكبير وثقيل، ولا يَملك كلُّ إمام ناصيةَ كل علم أراد معرفَته، فقد قال الإمام أبو حامد الغزالي، وتَبِعَهُ الإمام ابن قدامة الحنبلي، في بعض مباحث الإجماع، في كتابيهما: "المستصفَى" و"روضة الناظر"، ما معناه: كم من عالم إمامٌ في علم، عاميٌّ في علم آخر.
قال الإمام أبو حامد الغزالي في آخر رسالته: "قانون التأويل": "واعلم أنَّ بضاعتي في علم الحديث مُزجاة". انتهى.
ومثلُ هذه الكلمة المملوءة بالتواضع، لا يقولها هذا الإمامُ العظيم والمحجاجُ الفريد حُجَّةُ الإسلام، لولا ما كان عليه من السلوك السَّنِي والخُلُق السَّنِي والخُلُق السُّنِّي: "أنتم أعلم بأمر دنياكم".
الجزء 1 · صفحة 23
فهل رأيت في هؤلاء الأدعياء المدَّعين للاجتهاد، من يُنصف الواقع والحق، فيقولُ عن نفسِهِ فيما لا يُحسنه مثلَ هذا؟!
خلق الله للعلوم رجالاً * ورجالاً لنَفْشَةٍ ودَعَاوي!
وقال الحافظ الإمام أبو عًمَر بن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (160: 2) ، تعقيباً على قول الإمام أحمد: "من أين يَعرفُ يحيى بنُ معين الشافعي؟! هو لا يعرف الشافعي ولا يعرف ما يقول الشافعي قال أبو عمر: صدق أحمد بن حنبل رحمه الله، إنَّ ابن معين لا يَعرفُ الشافعي. وقد حُكي عن ابن معين أنه سُئل عن مسألةٍ من التيمم، فلم يعرفها!
حدثنا عبدُ الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا ابن زهير، قال: سُئل يحيى بن معين وأنا حاضر، عن رجل خيَّر امرأتَه، فاختارت نفسَها؟ فقال: "سَلْ عن هذا أهلَ العلم". انتهى.
وجاء في "ذيل طبقات الحنابلة" للحافظ ابن رجب (131: 1) ، و"المنهج الأحمد" للعُلَيمي (208: 2) ، في ترجمة (يحيى بن منده الأصبهاني) : "قال فُوْرَان: ماتت امرأة لبعض أهل العلم، فجاء يحيى بن معين والدَّوْرَقي، فلم يجدوا امرأةً تغسِلُها إلاَّ امرأةً حائضاً، فجاء أحمد بن حنبل وهو جلوس، فقال: ما شأنكم؟ فقال أهلُ المرأة: ليس يجدُ غاسلةً إلاَّ امرأةً حائضاً، فقال أحمد بن حنبل: أليس تَرْوُون عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة، ناولِيني الخمْرة، قالت: إني حائض، فقال: إنَّ حَيضَتَك ليست في يدكِ"، يجوزُ أن تغسِلَها، فخجلوا وبَقُوا! ". انتهى.
يُسر الرواية وصعوبة الفقه والاجتهاد:
- فلا شك في يُسر الرواية بالنظر لمن توجه للحفظِ والتحملِ والأداء، وآتاه الله حافظةً واعية، فلهذا كان المتأهلون للرواية أكثَرَ جداً من المتأهلين للفقه والاجتهاد، روى الحافظ
الجزء 1 · صفحة 24
الرامَهُرْمُزِي، في كتابه "المحدِّث الفاصِل بين الراوي والواعي" (ص 560) ، بسنده عن أنس بنِ سِيرين، قال: "أتيتُ الكوفة، فرأيتُ فيها أربعةَ آلافٍ يطلبون الحديث، وأربعَ مئةٍ قد فَقهُوا". انتهى.
وفي هذا ما يدل على أن وظيفة الفقيه شاقةٌ جداً، فلا يكثُرُ عدَدُه كثرةَ عَدَدِ النَّقَلَةِ الرواة، وإذا كان مثلُ (يحيى القطانِ) ، و (وكيع بن الجراح) ، و (عبدا الرزاق) ، و (يحيى بن معين) ، وأضرابِهم، لم يجرؤوا أن يخوضوا في الاجتهاد والفقه، فما أجرأ المدَّعين للاجتهاد في عصرنا هذا؟! مع تجهيل السلف بال حياءٍ ولا خجل، نعوذ بالله من الخذلان.
وإنما أكثرت من هذه الوقائع، لأولئك الحفاظ الكبار والمحدثين الأئمة، التي تبين منها أن الحفظ شيء، والفقه وفهم النصوص شيء آخر، لأن عدداً من الناس في عصرنا، يخيَّل إليهم أن كثرة الكتب التي تَقذِفُ بها المطابع اليوم، ووفرة الفهارس التي تُصنَعُ لها: تجعل (الإجتهاد) أمراً ميسوراً لمن أراده، وهو خيال باطل، وتوهم خادع.
فالحفظ العجيب الذي كان عليه هؤلاء المحدثون الأكابر في القرون الأولى الزاهرة، مع سيلان أذهانهم المسعفة - وليست كالكتب الجامدة الصماء - والبيئة التي كانت تجيش فيها من حولهم حلقات التحديث والتفقيه، والسماع والتدريس ووفرة المحدثين والفقهاء، كل ذلك لم يخولهم أن يجتهدوا ويغالطوا أنفسهم فصدقوا مع الله ومع أنفسهم، ومع الناس.
ولم يكونوا بحال من الأحوال أقل ذكاء من (المتمجهدين) في هذا العصر، بل كانوا أهل ذكاء مشهور، وفطنة بالغة، ووعي شديد وانقطاع للعلم، ولكنهم لم يدخلوا أنفسهم فيما لا يحسنون، واقتصروا على ما يحسنون فحُمِدَتْ سِيرتُهم، وعَظُمَتْ مكانتهم في النفوس، ودل ذلك على حُسن إسلامهم وفَهمهم لواقعهم، فرحمة الله تعالى عليهم ورضوانه العظيم.
قال الحافظ الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (81: 2) : "وليُعلم أن الإكثار من
الجزء 1 · صفحة 25
كتب الحديث وروايته، لا يصيرُ بها الرجل فقيهاً، إنما يتفقه باستنباط معانيه، وإنعام التفكر فيه" وساق الشواهد الكثيرة الناطقة، على ذلك.
فكتاب "الموطأ" تأليفُ محدث فقيه، وإمام مجتهد بارع كبير تميز بمزايا لا توجد في سواه من الكتب المصنفة في الحديث الشريف.
مزايا "الموطأ":
- لكتاب "الموطأ" مزايا كثيرة تميز بها عن سواه من كتب الحديث الشريف، أتعرض هنا إلى جملة منها باختصار:
فمزية"الموطأ"
أولاً: أنه تأليفُ إمام فقيه محدث مجتهد متقدم كبير متبوع شهد له أئمة عصره ومن بعدهم بالإمامة في الفقه والحديث دون منازع. روى الحافظ ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (1/1: 25) "عن علي بن المديني قال: كان حديث الفقهاء أحبَّ إليهم من حديث المَشيَخَة".
وقال الإمام ابن تيمية في "منهاج السنَّة النبوية" (115: 4 من طبعة بولاق) : "قال أحمد بن حنبل: معرفة الحديثِ والفقهِ فيه أحبُّ إليَّ من حفظِه. وقال علي بن المديني: أشرَفُ العلم الفقهُ في متون الأحاديث، ومعرفةُ أحوال الرواة". انتهى.
وفي "تدريب الراوي للحافظ السيوطي (ص 8) : "قال الأعمش: حديثٌ يتداوله الفقهاء خيرٌ من حديث يتداوله الشيوخ". وعقد الحافظ الرامَهرْمُزِي باباً طويلاً في (فضل من جَمَع بين الرواية والدراية) (ص 238 وما بعدها) ، وعقد بعده الحافظ الخطيب البغدادي في آخر كتابه "الكفاية" (ص 433) : (بابَ القول في ترجيح الأخبار) ، وذكر فيه ما يتصل بتفضيل حديث الفقيه على غيره.
ومزيتُهُ ثانياً: أنه أطبق العلماء على الثناء عليه وتبجيله، وكثر كلامهم في مدحه
الجزء 1 · صفحة 26
وتقريظه، وأكتفي هنا بكلمات قالها إمام الأئمة الفقيه المحدث المجتهد المتبوع الإمام الشافعي رضي الله عنه، وحسبك به وكفى.
قال: ما على ظهر الأرض كتابُ أصحُّ بعد كتاب الله من كتاب مالك. وفي لفظ آخر: ماعلى الأرض كتابٌ هو أقرَبُ إلى القرآن من كتاب مالك. وفي لفظ آخر: ما بعدَ كتاب الله تعالى أكثَرُ صواباً من موطأ مالك. وفي لفظ آخر: ما بعدَ كتابِ الله كتابٌ أنفعُ من الموطأ.
وتنوُّعُ هذه العبارات يفيدُ تكرارَ ثناء الإمام الشافعي رضي الله عنه على كتاب الموطأ، أكثر من مرة في أوقات متعددة.
ومزيته ثالثاً: أنه من مؤلفات منتصف القرن الثاني من الهجرة، فهو سابقٌ غيرٌ مسبوق بمثله، إذ هو أوَّلُ كتاب في بابه، وللسابق فضل ومزية، إذ هو الإمامُ الذي سَنَّ التأليفَ الحديثيَّ على أبواب الفقه، واقتدى به المؤتمُّون من ورائه مثلُ عبد الله بن المبارك، والبخاريِّ، ومسلم، وسعيد بن منصور، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه وسواهم.
فهو بسَبْقٍ حائزٌ تفضيلا * مُستوجِبٌ ثناءنا الجميلا
ومزيتُهُ رابعاً: أنه يرويه عن مؤلفِهِ إمامٌ فقيه محدِّثٌ مجتهدٌ كبير متبوع، مشهود له بالإمامةِ في الفقه والحديث والعربية، الإمامُ محمد بن الحسن الشيباني، لازَمَ شيخَه مالكاً ثلاث سنين، وسمع منه الكتاب بلفظه، فتملأَ وتروَّى، ونَهَل وعَبَّ من فقهه وعلمه وروايته، مع ما كان عليه من الذكاء النادر، والفطنة التامة، وفقاهةِ النفس والبدن.
ومزيتُهُ خامساً: أنه من رواية الإمام محمد بن الحسن الشيباني، تلميذ الإمامين أبي حنيفة وأبي يوسف، وشيخ الإمام الشافعي، وقد أتقن روايتَهُ عن شيخه مالك، وأضاف بعدَ روايتِهِ أحاديثَ الباب بيانَ مذهبه في المسألة موافقاً أو مخالفاً، وبيانَ مذهب شيخة الإمام أبي حنيفة فيها، وموافَقَتَهُ له أو مخالفتَه، وبيانَ مذهب شيخة الإمام مالك أحياناً، ومذهبَ عامَّةِ فقهائنا أيضاً.
ويُعقِّبُ في كثير من الأبواب ببيان معنى الحديث، وتوجيهه، وما يستحسنه أو يستحبه أو يكرهه من وجوه المسألة. وقد يُفصِّلُ تفصيلاً وافياً الأقوال والفروق بين مذهبه
الجزء 1 · صفحة 27
ومذهب شيخة الإمام أبي حنيفة، أو مذهب شيخِهِ الإمام مالك، ويُبَيِّنُ أحوالَ المسألة وأحكامَها، كما في الباب 18 (باب الوضوء من الرٌّعَاف) . وقد يسوقُ تأييداً لما ذهب إليه مخالفاً جملةَ أحاديث في الباب - عن غير مالك - عن أبي حنيفة وغيره.
وذكر في بعض الأبواب 16 ستة عشر حديثاً من غير طريق مالك، كما في الباب 5 (باب الوضوء من مَسِّ الذكر) ، تأييداً لمذهبه من عدم نقض الوضوء بمَسِّه. وهذا عدد كبيرٌ جداً في الباب.
وقد يورد في بعض الأبواب - لتأييد مذهبه - ستةَ أحاديث أو سبعةَ أحاديث أو أكثَر أو أقل، من غير طريق مالك أيضاً، كما تراه في الباب 17 (باب الاغتسال يوم الجمعة) , وهذا عددٌ كبير في الباب أيضاً.
ولكثرة ما رواه من الأحاديث فيه، من غير طريق مالك، ولكثرة ماذكره فيه أيضاً من اجتهادِه وفقهِهِ، وفقهِ أبي حنيفة وغيره في كل باب تقريياً ومذاهبِ بعض الصحابة في بعض الأبواب، اشتَهَر هذا الكتاب باسم (موطأ الإمام محمد) .
ولا غرابة في ذلك، إذ لم يكن (موطأ محمد) مجرَّدَ كتاب يُروَى بحروفه، كما سَمِعَهُ راويه من مؤلفه دون زيادة أو تعليق أو استدراك، بل هو كتاب فيه فقهُ الإمام محمد، وفقهُ شيخه الإمام أبي حنيفة، وفقهُ عامَّةِ أصحابنا الحنفية قبلَ الإمام محمد، ومذاهبُ بعض الصحابة، ومناقَشَتُهُ أيضاً لما ذهب إليه مالك أو غيرُه.
فهو مدوَّنَةٌ من فقهِ أهل الحديث والاجتهاد والرأي، في الحجاز والعراق، مع الموازنة بين تلك الآراء والمذاهب في المسألة.
وهذه ميزة غالية جداً عند من يدركها ويعرفُ قيمتها، فلا غرابة أن يُضاف (الموطأ) هذا، إلى روايه، لأنه من طريقه يُروَى، ولأنه أضافَ إليه أحاديث كثيرة، وأدخل فيه علماً زائداً غيرَ قليل، يتصل بفقه الحديث، وأحكامِ الباب، ومقابلة الاجتهاد بمثله.
كلمةٌ عن روايات الموطأ عن مالك:
- قال شيخنا العلاَّمة الكوثري رحمه الله تعالى، في المقدمة التي كتبها لجزء الحافظ الدارقطني المسمّى: "أحاديثُ الموطأ واتفاقُ الرواة عن مالك، واختلافُهم فيها زيادةً ونقصاً"، ما يلي:
الجزء 1 · صفحة 28
"ألَّفَ عبدُ العزيز بن عبد الله بن أبي سَلَمة الماجِشُون كتاباً فيما اجتمع عليه أهل المدينة، ولما اطلع عليه مالك بن أنس رضي الله عنه استحسن صنعه إلا أنه أخذ عليه إغفاله ذكر الأخبار والآثار في الأبواب، حتى قرر مالك أن يقوم هو بنفسه بجمع كتاب تحتوي أبوابه صحاح الأخبار، وعمل أهل المدينة، في أبواب الفقه، فألَّف الموطأ، وأَخَذ يلقيه على أصحابه فيتلقونَهُ منه سماعاً.
ولم يكن تأليفُه الكتاب ليعطيَهُ الناسَ فينسخوه ويتداولوه بينهم، كعادة أهل الطبقات المتأخرة في تصانيفهم، بل كان التعويل حينذاك على السماع فقط.
وكان تأليفُهُ الكتابَ لنفسِهِ خاصة، لئلا يَغلَطَ فيما يُلقيه على الجماعة، كعادة أهل طبقته من العلماء في تآليفهم، ولذا كان يَزيدُ فيه وينقُصُ منه حسبَ ما يبدو له في كل دَورٍ من أدوار التسميع المختلِفة، فاختلفت نُسَخُ الموطأ ترتيباً وتبويباً وزيادة ونقصاً وإسناداً وإرسالاً على اختلاف مجالس المستملين.
فأصبح رواتُها على اختلاف الخَتَمات هم مُدوِّنُوها في الحقيقة، فمنهم من سَمِعَ عليه الموطأ سبعَ عشرةَ مرة، أو أكثرَ أو أقل، بأن لازَمَه مُدَداً طويلةً تَسَعُ تلك المرات، ومنهم من جالسه نحو ثلاثِ سنوات، حتى تمكن من سماع أحاديثه من لفظه ومنهم من سَمِعَهُ عليه في ثمانية أشهر، ومنهم من سَمِعَهُ في أربعين يوما؟ ً، ومنهم من سَمِعَه عليه في أيام هرمه في مدة قصيرة، ومنهم من سَمِعَه في أربعة أيام، إلى آخِرِ ما فُصِّل في موضعه.
ومنازلُ هؤلاء المستملين تتفاوَتُ فهماً، وضبطاً، وضعفاً، وقوةً، فتكونُ مواطنُ اتفاقهم في الذروة من الصحة عن مالك، ومواضعُ اختلافهم وانفرادهم متنازلةَ المنازلِ إلى الحضيض حسبَ مالهم من المقام في كتب الرجال.
وقد ذكر أبو القاسم الغافقي اثني عشر راوياً من رواة الموطأ في "مسند الموطأ" له، فيهم عبد الله بن يوسف التِّنِّيسِي، ومحمدُ بن المبارك الصُّورِي، وسليمان بن بُرْدَة. واستدرك السيوطيُّ عليه راويين نسختاهما من أشهر النُّسخ.
وساق ابنُ طولون في "الفهرس الأوسط" أسانيد الموطأ من أربع وعشرين طريقاً، وكذلك أبو الصَّبر أيوبُ الخَلْوَتي، حيثُ ساق أسانيده في "ثَبَتِه" من طريق ابن طولون ومن غير طريقه.
الجزء 1 · صفحة 29
قال عبد الفتاح بن محمد بن بشير أبو غدة - غفر الله لمشايخه، ولوالديه وتاب عليهم وعليه وأحسن إليهم وإليه -: إني أروي الموطأ إجازةً بطريق شيخنا الحافظ المحدِّث الناقد العلاَّمة محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى، وهو يروي إجازةً بطريق الحَجَّار روايات:
-1 - محمد بن الحسن.
-2 - ويحيى بن يحيى النيسابوري.
-3 - وقتيبة بن سعيد.
-4 - وعبد الله بن عُمر بن غانم.
-5 - وعبد العزيز بن يحيى الهاشمي.
-6 - وعبد الملك بن عبد العزيز بن الماجِشُون.
-7 - وابن القاسم.
-8 - وعبد الله بن نافع الزبيري.
وبطريق أبي هريرة بن الذهبي روايات:
-9 - مُطَرِّف بن عبد الله اليَسَاري.
-10 - ومصعب بن عبد الله الزبيري.
-11 - وعلي بن زياد التونسي.
-12 - وأشهب.
وبطريق محمد بن عبد الله بن المحب روايةَ:
-13 - عبد الله بن وَهب وروايةَ:
-14 - إسحاق بن عيسى الطباع.
وبطريق إبراهيم بن محمد الأُرْمَوي رواية:
-15 - عبد الله بن مَسْلَمة القَعْنَبِي.
وبطريق زينب بنت الكمال المقدسية رواياتِ:
-16 - الشافعي.
-17 - ومحمد بن معاوية الأَطْرَابُلُسي.
-18 - وأَسَد بن الفُرات.
الجزء 1 · صفحة 30
وبطريق ابن حَجَر رواياتِ:
-19 - يحيى بن يحيى الليثي.
-20 - وأبي مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري.
-21 - ويحيى بن عبد الله بن بُكَير المصري.
-22 - وسُوَيد بن سعيد.
-23 - وسعيد بن كَثِير بن عُفَير.
-24 - ومَعْن بن عيسى القَزَّاز.
قال شيخنا الكوثري: "وهؤلاء أربعة وعشرون راوياً من أصحاب مالك.
وأحمدُ يُكثِرُ من طريق ابن مَهْدِي.
وأبو حاتم من طريق مَعْن بن عيسى.
والبخاري من طريق عبد الله بن يوسف التِّنِّيسِي.
ومسلم من طريق يحيى بن يحيى النيسابوري.
وأبو داود من طريق القَعْنَبي.
والنسائي من طريق قتيبة بن سعيد.
وقد أوصل الحافظ محمد بن عبد الله الدمشقي المعروفُ بابن ناصر الدين رواةَ الموطأ، إلى ثلاثةٍ وثمانين راوياً، في كتابه "إتحاف السالك برواة الموطأ عن مالك".
وأشهَرُ رواياته في هذا العصر روايةُ محمد بن الحسن بين المشارقة، وروايةُ يحيى الليثي بين المغاربة.
فالأولى: تمتازُ ببيان ما أخَذَ به أهلُ العراق من أحاديث أهل الحجاز المدونة في الموطأ، وما لم يأخذوا به لأدلةٍ أخرى ساقها محمد في موطئه، وهي نافعة جداً لمن يريد المقارنة بين آراءِ أهلِ المدينة وآراء أهل العراق، وبين أدلةِ الفريقين.
والثانية: تمتاز عن نُسَخ الموطأ كلِّها باحتوائها على آراءِ مالك، البالغةِ نحوَ ثلاثةِ آلاف مسألة في أبواب الفقه.
وهاتان الروايتان نُسَخُهما في غاية الكثرة في خزانات العالم شرقاً وغرباً.
وتوجَدُ رواية ابن وَهْب في مكتبتَي فيض الله وولي الدين بالآستانة. وروايةُ سُوَيد بن
الجزء 1 · صفحة 31
سعيد، وروايةُ أبي مصعب الزهري في ظاهرية دمشق. وأطرافُ الموطأ للداني في مكتبة الكبريلي في الآستانة.
وطالبُ الحديث إذا عُني بادئَ ذي بدء بمدارسة أحوال رجال الموطأ، فاحصاً عن الأسانيد والمتون فيه، تدرَّجَ - عن دوقٍ وخبرة - في مدارج معرفة الحديثِ والفقه في آن واحد بتوفيقِ الله سبحانه، فيصبحُ على نور من ربه في باقي بحوثه في الحديث، راقياً على مَرَاقي الاعتلاءِ في العلم نافعاً بعلمة منتفِعاً به، واللهُ سبحانه وليُّ التسديد".
كلمات في ترجمة محمد بن الحسن راوي الموطأ وكلمات في العمل بالرأي الذي يُغمَزُ به:
سيظهر للمطالع من قراءة هذا الموطأ وفرةُ شيوخ الإمام محمد بن الحسن ومكانته في الحديث، إلى جانب مكانته في الفقه والاجتهاد، فقد ظلمه جملةُ من المحدِّثين ظلماً شديداً، لما كان عليه من الاجتهاد والعمل بالرأي، والرأيُ عند الكثير منهم أو أكثرهم من خوارم الثقة بالراوي يذكرونه في ترجمة الراوي في جملة المغامز له ولو كان إماما ثقة كل الثقة في الحديث! مع أنه لا فقه بلا رأي، ولا أحد من الأئمة المتبوعين والمعتبرين لم يعمل بالرأي، فهم في نقد الراوي الذي لديه رأي يمشون على طريقة من لم يكن مثلَنا، فهو خصمٌ لنا، إنا لله!
فأذكُرُ هنا جُملاً يسيرة أقطِفها من ترجمة الإمام محمد بن الحسن، في "الجزء" المطبوع مع جزء "مناقب أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن" للحافظ الذهبي (ص 79، 80، 81، 82، 84، 93، 94، من الطبعة الثالثة في بيروت سنة 1408) ، للتعريف بَطَرَفٍ من سيرة هذا الإمام الجليل.
"انتهًتْ إليه رياسةُ الفقه بالعراق بعدَ أبي يوسف، وتفقَّهَ به أئمة، وصنَّف التصانيف، وكان من أذكياء العالم. وُلِّي قضاءَ القُضاة للرشيد، ونال من الجاه والحِشمة ما لا مزيد عليه. احتَجَّ به الشافعي في الحديث، يُحكَى عنه ذكاءٌ مفرط، وعقلٌ تام، وسُؤْدُد، وكثرةُ تلاوة
الجزء 1 · صفحة 32
(في "الآداب الشرعية" لابن مفلح الحنبلي 2: 165 بالسند إلى الربع المُرادي: "سمعتُ الشافعي يقول: لو أن محمد بن الحسن كان يكلمنا على قدر عقله ما فهمنا عنه، لكنه كان يكلمنا على قدر عقولنا فنفهمُهُ") .
محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وغيرُه، ثنا الشافعي، قال: قال محمد بن الحسن: أقمتُ على باب مالك ثلاث سنين، وسمعتُ منه لفظاً سبعَ مئةِ حديث ونيفاً لفظاً.
الربيعُ بن سليمان المُزني، سمعتُ الشافعي يقول: لو أشاءُ أن أقول: نَزَل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلته، لفصاحته، وسمعتُ الشافعي يقول: مارأيتُ سميناً أخفَّ روحاً من محمد بن الحسن، وما رأيت أفصحَ منه، كنتُ إذا رأيته يقرأ القرآن كأن القرآن نزل بلغته.
إدريس بن يوسف القراطيسي، سمعتُ الشافعي يقول: ما رأيت أعلمَ بكتاب الله من محمد بن الحسن، كأنه عليه نزل.
الطحاويُّ، سمعتُ أحمد بن أبي داود المكي، سمعتُ حرملة بن يحيى، سمعت الشافعي يقول: ما سمعتُ أحداً قط كان إذا تكلم رأيتُ أن القرآن نزل بلغته غيرَ محمد بن الحسن وقد كتبتُ عنه حِمْلَ بُخْتِيّ.
محمدُ بن إسماعيل الرَّقِّي، ثنا؟؟ الربيع ثنا الشافعي قال: حملتُ عن محمد الحسن حِمْلَ بُخْتِي كتباً، وما ناظرتُ أحداً إلاَّ تغيَّر وجههُ ما خلا محمد بنَ الحسن.
ابنُ أبي حاتم، ثنا الربيع سمعتُ الشافعي يقول: حملتُ عن محمد بن الحسن، حِمْلَ بُخْتي، ليس عليه إلا سَمَاعِي قال عبد الفتاح: كم يكون من الأحاديث في حِمل هذا البُختي: الجمل الطويل العنق الضخم الجسم؟ وكم هي قيمة هذه الشهادة الغالية من الشافعي؟
عباسُ بن محمد، سمعتُ ابن مَعين يقول: كتبتُ عن محمد بن الحسن "الجامع الصغير".
أبو خَازم القاضي، ثنا بَكرٌ العَمِّيُّ، سمعتُ محمد بن سَماعة يقول: كان محمد بن الحسن قج انقطع قلبُهُ مِن فكرِهِ في الفقه - يعني يقعُ له استغراق فكرٍ وخاطرٍ في مسائل
الجزء 1 · صفحة 33
الفقه يأخذه عمن حَوْلَه - حتى كان الرجلُ يُسَلِّمُ عليه، فيدعو له محمد، فيزيدُه الرجل في السلام، فيردُّ عليه ذلك الدعاءَ بعينه، الذي ليس من جواب الزيادة في شيء.
محمد بن سَمَاعة قال: كان محمد بن الحسن كثيراً ما يَتمثَّلُ بهذا البيت:
"مُحَسَّدون وشَرُّ منزلةً * مَن عاشَ في الناس يوماً غير محسود"
انتهى ما قطفتُه من جزء الحافظ الذهبي في ترحمة محمد بن الحسن رحمهما الله تعالى.
ومصداقاً لما وصفه به الإمام الشافعي، من سعة الصدر وكثرة الحِلم في المناظرة وعلى المخالفين والمعارضين، أوردُ هذه الواقعة، وفيها أكثرُ من شاهد وفائدة.
روى الحافظ الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (158: 11، وفي "أخبار أبي حنيفة وأصحابه" للقاضي أبي عبد الله الصيمري ص 128) ، في ترجمة (عيسى بن أبان) المحدِّث الفقيه، عن "محمد بن سَمَاعة قال " كان عيسى بن أبان يصلي معنا، وكنتُ أدعوه أن يأتي - مجلسَ - محمد بن الحسن، فيقول: هؤلاء قوم يخالقون الحديث، وكان عيسى حسَنَ الحفظ للحديث، فصلَّى معنا يوماً الصبح، وكان يومَ مجلسِ محمد، فلم أفارقه حتى جلس في المجلس.
فلما فرغ محمد - من المجلس - أدنيتُهُ إليه وقلتُ: هذا ابن أخيك أبانُ بنُ صدقة الكاتب، ومعه ذكاءٌ ومعرفةٌ بالحديث، وأنا أدعوه إليك فيأبى ويقول: إنَّا نخالفُ الحديث، فأقبَلَ عليه - محمد - وقال له: يابُنَيَّ، ما الذي رأيتنَا نخالفُهُ من الحديث، لا تَشهَد علينا حتى تَسمع منا.
فسأله يومئذٍ عن خمسةٍ وعشرين باباً من الحديث، فجعل محمد بن الحسن يُجيبه عنها، ويُخبره بما فيها من المنسوخ، ويأتي بالشواهد والدلائل. فالتفَتَ إليَّ عندما خرجنا فقال: كان بيني وبين النُّور سِتر، فارتفع عني، ما ظننتُ أنَّ في مُلكِ الله مِثلَ هذا الرجلِ يُظهِرُهُ للناس، ولَزِمَ محمد بن الحسن لزوماً شديداً حتى تفقَّه به". انتهى.
هذه لَمْعَةٌ من ترجمة محمد بن الحسن راوي"الموطأ" عن الإمام مالك رضي الله عنهما وجزاهما عن العلم والدين والمسلمين خيرَ الجزاء.
الجزء 1 · صفحة 34
كلماتٌ في العمل بالرأي الذي يُغمزُ به محمد بن الحسن والحنفيةُ وغيرهم:
- أشرتُ في أول الترجمة الموجزة لمحمد بن الحسن أنه كان يُغمَزُ بالعمل بالرأي.
وأقول: العملُ بالرأي مع العدالة والضبط لا يَجرح صحة الرواية، ولا يُضعفها، ولا يُخلُّ بصدق الراوي، لأن الأمانة في النقل منه قائمة تامة، وورَعُ العدل يمنعُهُ أن يزيد حرفاً أو يَنقُصَ حرفاً في الحديث الذي يرويه، لديانته بروايته، ولحفظِ سُمعتِهِ بسلامته.
وقد عَمِلَ بالرأي من لا يحصى كثرة من المحدثين والفقهاء من أهل المدينة والكوفة والبصرة والعراق وغيرها. بل اشتهر بعضهم بقَرْن الرأي في اسمه نَعتاً له، مثلُ الإمام ربيعةَ الرأي (أبي عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمن) التابعي المَدَني، شيخ مالكٍ والثوري وشعبة والليث بن سعد وهذه الطبقة، المتوفى سنة 136.
وأمَّا غمزُ الحنفية بالعمل بالرأي فقال الإمام فخر الدين البَزْدَوي في مقدمة كتابه "أصول الفقة" للحنفية أصحابَ الرأي: "وأصحابُنا هم السابقون في هذا الباب - أي الفقه -، وهم الربَّانيُّون في علم الكتابِ والسنَّة وملازمة القدوة، وهم أصحاب الحديث والمعاني.
أما المعاني فقد سَلَّم لهم العلماء، حتى سَمَّوهم أصحابَ الرأي، والرأيُ اسم للفقه - قال ابن تيمية: وتسمَّى كتبَ الفقه كتبَ الرأي، كما في "مجموع الفتاوي" 74: 18 -.
وهم أولى بالحديث أيضاً، ألا ترى أنهم جوَّزوا نسخ الكتاب بالسنَّة، لقوة منزلة السنَّة عندهم، وعملوا بالمراسيل تمسكاً بالسنَّة والحديث، ورأوا العمل بها مع الإرسال أولى من الرَّأي، ومَنْ رَدَّ المراسيل فقد رَدَّ كثيراً من السنة، وعَمِلَ بالفرع بتعطيل الأصل، وقدَّموا روايةَ المجهول على القياس، وقدَّموا قول الصحابي على القياس. وقال محمد رحمه تعالى في كتاب "أدب القاضي": لا يستقيمُ الحديثُ إلا بالرأي، ولا يستقيمُ الرأيُ إلا بالحديث". انتهى. كلام البزدوي.
قال العلاَّمة علاء الدين البخاري في شرحه: "كشف الأسرار" 17: 1: "معناه لا يستقمً الحديثُ إلاَّ باستعمال الرأي فيه، بأن يدرك معانيه الشرعية التي هي مناط
الجزء 1 · صفحة 35
الأحكام. ولا يستقيمُ إلاَّ بالحديث أي لا يستقيمُ العمل بالرأي والأخذ به إلاَّ بانضمام الحديث إليه".
قال عبد الفتاح: وقد أطلق هذا اللقب: (أصحابُ الرأي) على علماءِ الكوفة وفقهائها، من قِبَل أناس من رواة الحديث، كان علمهم أن يخدموا ظواهرَ ألفاظ الحديث، ولا يرومون فهمَ ما وراءَ ذلك من استجلاءِ دقائق المعاني وجليل الاستنباط، وكان هؤلاء الرواة يَضِيقُون صدراً من كل من أعملَ عقله في فهم النص وتحقيق العلة والمناط، وأَخَذَ يَبحثُ في غير ما يبدو لأمثالهم من ظاهر الحديث، ويَرَونه قد خرج عن الجادة، وتَرَك الحديثَ إلى الرأي، فهو بهذا - في زعمهم - مذمومٌ منبوذُ الرواية.
وقد جرحوا بهذا اللقب طوائف من الرواة الفقهاء الأثبات، كما تراه في كثير من تراجم رجال الحديث، وخذ منها بعض الأمثلة:
-1 - جاء في ترجمة (محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري) عند الحافظ ابن حجر في "هدي الساري" (161: 2) ، قولُ الحافظ: "من قُدَماءِ شيوخ البخاري، ثقة، وثَّقه ابن معين وغيرُه، قال أحمد: ما يُضعفه عند أهل الحديث إلا النظرُ في الرأي، وأما السماع فقد سَمِع" انتهى. قلت: انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ" للذهبي، (371: 1) و"تهذيب التهذيب" (274: 9 - 276) .
-2 - وقال الحافظ ابن حجر أيضاً في "هَدْي الساري" (170: 2) ، في ترجمة (الوليد بن كثير المخزومي) : "وثقه إبراهيم بن سعد وابنُ معين وأبو داود، وقال الساجي: قد كان ثقةً ثبتاً، يُحتَجُّ بحديثه، لم يُضعفه أحد، إنما عابوا عليه الرأي".
-3 - وقال الحافظ الذهبي في "المغني" (670: 2) : "مُعَلَّى بن منصور الرازي، إمامٌ مشهور، موثق، قال أبو داود: كان أحمد لا يروي عنه للرأي، وقال أبو حاتم: قيل
الجزء 1 · صفحة 36
لأحمد: كيف لم تكتب عنه؟ قال: كان يكتب الشروط، من كتبها لم يَخْلُ أن يكذب".
قلتُ: انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ" (377: 1) ، و"تهذيب التهذيب" (238: 10 - 240) ، وفي آخر ترجمته فيه: "قال أحمد بن حنبل: مُعلَّى بن منصور من كبار أصحاب أبي يوسف ومحمد، ومن ثقاتهم في النقل والرواية". أنتهى. فيكون أحمد ترك الكتابة عنه من أجل الرأي فقط.
وقد كثر هذا النبذُ لأهل الرأي، والنَّبذُ لروايات كثيرٍ منهم، حتى أثار مثل الإمام أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي وغيره من أئمة الحنابلة، أن يُتكلَّم بسبب هذا القول فيهم، أو بأويله على وجه محتمل، جاء في "مسودة آل تيمية في أصول الفقه" ص 265: "وقال والد شيخنا في قول أحمد: (لا يُروَى عن أهل الرأي) ، تكلَّم عليه ابن عقيل بكلام كثير، قال في رواية عبد الله: (أصحابُ الرأي لا يُروى عنهم الحديث) ، قال القاضي - أبو يعلى -: وهذا محمول على أهل الرأي من المتكلمين كالقدرية ونحوهم.
قلتُ - القائل الشيخ ابن تيمية -: ليس كذلك بل نصوصُه في ذلك كثيرة، وهو ما ذكرتُه في (المبتدع) (ص 264 في "المسودة") ، أنه نوع من الهجرة، فإنه قد صرَّح بتوثيق بعض من تَرَك الرواية عنه كأبي يوسف ونحوه، ولذلك لم يُرْوَ لهم في الأمَّهات كالصحيحين". انتهى.
ظلم جملة من المحدثين لأبي يوسف ومحمد الفقيهين المحدثين:
- قال العلاّمة الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى، في كتابه: "الجرح والتعديل" (ص 24) : وقد تجافى أرباب الصحاح الرواية عن أهل الرأي، فلا تكاد تجد اسماً لهم في سند من كتب الصحاح أو المسانيد أو السنن، كالإمام أبي يوسف والإمام محمد بن الحسن، فقد ليّنهما أهل الحديث! كما ترى في "ميزان الاعتدال"! ولعمري لم ينصفوهما وهما البحران الزاخران، وآثارهما تشهد بسعة علمهما وتبحرهما، بل بتقدمهما على كثير من الحفاظ، وناهيك كتاب "الخراج" لأبي يوسف، و"موطأ" الإمام محمد.
الجزء 1 · صفحة 37
وإن كنتُ أَعُدُّ ذلك في البعض تعصباً، إذ يَرى المنصفُ عند هذا البعض من العلم والفقه ما يَجدرُ أن يُتحمّل عنه، ويستفاد من عقله وعلمه، ولكن العصبية!!
ولقد وُجد لبعض المحدثين تراجمُ لأئمة أهل الرأي، يخجل المرء من قراءتها فضلاً عن تدوينها وما السبب إلاّ تخالُفُ المشرب، على توهم التخالف ورفض النظر في المآخذ والمدارك، التي قد يكون معهم الحقُ في الذهاب إليها، فإن الحق يستحيل أن يكون وقفاً على فئة معيّنة دون غيرها، والمنصفُ من دقّق في المدارك غاية التدقيق ثم حكم.
نعم، كان وَلَعُ جامعي السنة بمن طوَّفَ البلاد، واشتَهَر بالحفظ، والتخصص بعلم السنّة وجمعها، وعلماءُ الرأي لم يشتهروا بذلك، وقد أُشيع عنهم أنهم يُحكِّمون الرأي في الأثر! وإن كان لهم مرويات مسندةٌ معروفة رضي الله عن الجميع، وحشرنا وإياهم مع الذين أنعم الله عليهم". انتهى.
وقال شيخنا العلاّمة أحمد شاكر، رحمه الله تعالى في تعليقه على "مسند الإمام أحمد" (11: 13) : "أبو يوسف القاضي: ثقة صدوق، تكلموا فيه بغير حق، ترجمه البخاري في "الكبير" 4/397: 2، وقال: تركوه! وقال في "الضعفاء" ص 38: تركه يحيى وابن مهدي وغيرُهما وترجمه الذهبي في "الميزان" 447: 4، والحافظ في "لسان الميزان" 300: 6، والخطيبُ في "تاريخ بغداد" ترجمة حافلة 242: 14 - 262، وأعدلُ ما قيل فيه قول أحمد بن كامل عند الخطيب: ولم يَختلف يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني في ثقته في النقل" انتهى.
كلمات للإمام ابن تيمية في دفع الجرح بالعمل بالرأي:
- قال عبد الفتاح "وقد رأيت للشيخ الإمام ابن تيمية كلاماً حسناً، جلّى فيه شأنَ الرأي، وما يُذَمُّ منه وما لا يُذَمُّ، فأحببتُ إيراده هنا استيفاءً للمَقام وإن طال الكلام، فإنه قاطع للشغب على العمل بالرأي من كل مشاغب.
قال رحمه الله تعالى في كتابه: "إقامة الدليل على إبطال التحليل" (227: 3، ضمنَ "الفتاوى الكبرى") : "ما ورد في
الجزء 1 · صفحة 38
الحديث والأثر من ذم الرأي وأهله، فإنما يتناوَلُ الحيل، فإنها أُحدِثَتْ بالرأي، وإنها رأيٌ محض، ليس فيه أثر عن الصحابة، ولا له نظير من الحِيَل ثَبَت بأصل فيقاسُ عليه بمثله، والحكمُ إذا لم يَثُبت بأصل ولا نظير، كان رأياً محضاً باطلاً.
وفي ذم الرأي آثار مشهورة عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عُمَر وغيرهم، وكذلك عن التابعين بعدَهم بإحسان، فيها بيان أن الأخذ بالرأي يُحلِّلٌ الحرام، ويُحرِّم الحلال.
ومعلوم أن هذه الآثار الذَامة للرأي، لم يُقصَد بها اجتهادُ الرأي على الأصولِ من الكتاب والسنة والإجماع، في حادثة لم توجد في كتاب ولا سنَّة ولا إجماع، ممن يَعرف الأشباه والنظائر، وفقهَ معاني الاحكام، فيقيسُ قياسَ تشبيه وتمثيل، أو قياسَ تعليل وتأصيل، قياساً لم يعارضه ما هو أولى منه، فإنَّ أدلة جواز هذا للمفتي لغيره والعاملِ لنفسِه، ووجوبه على الحاكم والإمام أشهَرُ من أن تُذكَر هنا، وليس في هذا القياس تَحليلٌ لما حرَّمه الله سبحانه، ولا تحريم لما حللَّه الله.
وإنما القياسُ والرأي الذي يَهدِمُ الإسلام، ويُحلِّل الحرام، ويُحرِّم الحلال: ما عارض الكتابَ والسنَّة، أو ما كان عليه سلفُ الأمة، أو معانيَ ذلك المعتبرة. ثم مخالفتُه لهذه الأصول على قسمين:
أحدُهما: أن يخالف أصلاً مخالفةً ظاهرة، بدون أصل آخر. فهذا لا يقعُ من مفتٍ إلاَّ إذا كان الأصل مما لم يبلغه علمُه، كما هو الواقع لكثير من الأئمة، لم يبلغهم بعض السُّنَن، فخالفوها خطأً. وأما الأصولُ المشهورة، فلا يخالفها مسلم خلافاً ظاهراً، من غير معارضة بأصل آخر، فضلاً عن أن يخالفها بعضُ المشهورين بالفتيا.
الثاني: أن يخالف الأصل بنوعِ تأويلٍ وهو فيه مخطئ، بأن يضَعَ الإسمَ على غير موضعه، أو على بعض موضعه، ويُراعي فيه مجرَّدَ اللفظِ دون اعتبار المقصود لمعنىً أو غيرِ ذلك.
وإنَّ من أكثر أهل الأمصار قياساً وفقهاً أهلَ الكوفة، حتى كان يقال: فقهٌ كوفي، وعبادةٌ بصريَّة. وكان عِظَمُ علمهم مأخوذاً عن عمر وعلى وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم، وكان أصحابُ عبد الله، وأصحابُ عمر، وأصحابُ علي، من العلم والفقهِ بالمكان الذي لا يخفى.
الجزء 1 · صفحة 39
ثم كان أفقَههم في زمانه إبراهيمُ النخعي؟؟، كان فيهم بمنزلة سعيد بن المسيب في أهل المدينة، وكان يقول: إني لأسمعُ الحديث الواحد، فأقِيسُ به مئة حديث. ولم يكن يَخرج عن قول عبد لله وأصحابه. وكان الشعبيُّ أعلم بالآثار منه. وأهلُ المدينةِ أعلمُ بالسنةِ منهم.
وقد يوجد لقدماء الكوفيين أقاويلُ متعددة، فيها مخالفةٌ لسنة لم تبلغهم، ولم يكونوا مع ذلك مطعوناً فيهم، ولا كانوا مذمومين، بل لهم من الإسلام مكانٌ لا يخفى على من عَلِمَ سيرة السلف، وذلك لأن مثل هذا قد وُجِدَ لأصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، لأن الإحاطة بالسنَّة كالمتعذر على الواحِد أو النفرِ من العلماء. ومَنْ خالف ما لم يبلغه فهو معذور". انتهى.
قال عبد الفتاح: ولله دَرُّ الإمام ابن تيمية كيف جَلَّى هذه المسألة، واستوفاها ورَدَّ قول الجارح بها بمتانة وإقناع. وبهذه البيان الشافي الوافي يتبيَّنُ أن جرح الراوي بأنه (من أهل الرأي) مردود، ولا يصح غمزُ الثقات الأثبات والأعلام الكبار به.
تحجُّر الرواة وضيقهم من المشتغل بغير الحديث:
- ومأتى جَرحهم الراوي بهذا الجرح المردود: أنه كانت هِمّةُ أكثر أهل الحديث متوجهة إلى الرواية والسماع، ويرفضون النظر في المآخذ والمدارك، كما أشار إليه الشيخ القاسمي رحمه الله تعالى فيما تقدم من كلامه.
بل كان أولئك الرواة يَرون العلم كل العلم رواية الحديث ومتناً لا بحثاً وفقياً، ويرون إعمال الرأي في فهم الأثر خروجاً عليه، فإذا بلغهم عن فقيه أنه تكلّم في مسألةٍ باحثاً مجتهداً، أو عن متكلّم قال في صفةٍ من صفات الله تعالى قولاً، أو عن مُذكّرٍ تحدث عن حال النفس كاشفاً مُنَقّباً، أو عن محدثٍ روى شعراً: ثارَتْ لذلك حفيظتُهم، ونقموا عليه ما صنع، وقالوا فيه من الجرح ما يرونه ملاقياً للجارح الذي اتصف به في نظرهم.
وقد جاء في ترجمة الإمام الشافعي رضي الله عنه، في "معجم الأدباء" لياقوت الحموي (299: 17) ، ما نصه: "عن مصعب الزبيري قال: كان أبي والشافعي يتناشدان، فأتى
الجزء 1 · صفحة 40
الشافعي على شعر هُذيل حفظاً، وقال: لا تُعلِم بهذا أحداً من أهل الحديث، فإنهم لا يحتملون هذا". انتهى.
قلتُ: بل إنّ أهل الحديث لم يحتملوا أقل من هذا بكثير! لم يحتملوا تصنيفَ الحديث على الأبواب! جاء في "الحلية" لأبي نعيم (165: 8) ، في ترجمة الإمام الجليل القدوة عالِم خراسان الفقيه المحدث العابد المجاهد: (أبي عبد الرحمن عبد الله بن المبارك) المتوفى سنة 181 رحمه الله تعالى، ما يلي:
"قال أحمد بن أبي الحَوَارى: سمعتُ أبا أسامة - هو الحافظ الإمام الحجة حماد بن أسامة الكوفي - يقول: مررت بعبد الله بن المبارك بطرَسوس -ثغر من ثغور الجهاد في وجه الأعداء - وهو يُحدِّث، فقلتُ: يا أبا عبد الرحمن، إني لأنكر هذه الأبوابَ والتصنيف الذي وضعتمون ما هكذا أدركنا المشيخة! " انتهى.
فإذا كان هذا شأن أحد كبار المحدثين، مع شيخ المحدِّثين والزهاد، وإمام المجاهدين والعُبَّاد: عبد الله بن المبارك، وكلُّ الذي صنَعَهُ هو أنه جمع الأحاديث تحت عناوين (الأبواب والتصنيف عليها) ! فلا شك أنَّ شأنهم أشدُّ إنكاراً مئةَ مرةً مع الذي يُعمل رأيَه في فهم النص أو يؤوله لدليلٍ يقتضي ذلك عنده!
وقال الإمام الغزالي في "الإحياء" (79: 1 في مبحث (آفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة والعلماء السوء)) : "كان الأولون يَكرهون كَتبَ الأحاديث وتصنيف الكتب، لئلا يشتغل الناس بها عن الحفظ، وعن القرآن، وعن التدبر والتذكر، وكان أحمد بن حنبل ينكر على مالك في تصنيفه "الموطأ"، ويقول: ابتدع ما لم يفعله الصحابة رضي الله عنهم". انتهى.
وانظر أقوالاً أخرى للإمام أحمد - في هذا الصدد أيضاً وعلى غِرار ما نقله الإمام الغزالي - في "مناقب الإمام أحمد " لابن الجوزي في (الباب الثامن والعشرون في ذكر كراهيته وَضْعَ الكتبِ المشتملة على الرأي، ليتوافر الالتفات إلى النقل)
الجزء 1 · صفحة 41
(وذلك في ص 249 من الثانية المحققة، وص 192 من الطبعة الأولى) .
الردُّ على من قدح في أبي حنيفة بدعوى تقديمه القياس على السنة:
- قال الإمام المحقق ابن حجر المكي الهَيتَمي الفقيه الشافعي رحمه الله تعالى، في كتابه: "الخيرات الحِسَان في مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان" (ص 98) : (الفصلُ السابع والثلاثون في الرد على من قدح في أبي حنيفة، لتقديمه القياس على السنة) :
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر [الإمامُ المحدِّث الفقيه المالكي الأندلسي، في "جامع بيان العلم وفضله" (148: 2 وما تراه بين هاتين المعكوفتين [] هو من زيادتي على كلام ابن حجر الهيتمي من "جامع بيان العلم") ، في (باب ما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي والظن والقياس على غير أصل) بعد أن نَقَل طائفةً من أقوال بعض المحدثين في الغَمز بأبي حنيفة] ، ما يلي:
أفرط أصحاب الحديث في ذم أبي، وتجاوزوا الحد في ذلك، لتقديمه الرأي والقياس على الآثار. وأكثَرُ أهل العلم يقولون: إذا صح الحديث بَطَل الرأي والقياس. وكان رَدُّهُ لما من أخبار الآحاد بتأويلٍ محتَمل. وكثيرٌ منه قد تقدَّمه إليه غيرُه، وتابَعَهُ عليه مثلُه [ممن قال بالرأي] .
وجُلُّ ما يُوجَدُ له من ذلك تَبِعَ فيه أهلَ علم بلدِه، كإبراهيم النخعي، وأصحاب ابن مسعود، إلاَّ أنه أكثَرَ من ذلك هو وأَصحابُه. وغيرُهُ إنما يوجد له ذلك قليلاً.
[وما أعلمُ أحداً من أهل العلم إلاَّ وله تأويلٌ في آية، أو مَذْهَبٌ في سُنة، فرَدَّ من أجل ذلك المذهب سُنَّةً أخرى بتأويلٍ سائغ، أو ادّعاء نَسخ، إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيراً، وهو يوجَدُ لغيره قليلاً] .
قال الليث بن سعد: أَحصيتُ على مالك سبعين مسألةً، قال فيها برأيه، وكلُّها مخالفةٌ لسنةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كتبتُ إليه أعِظُهُ في ذلك.
ومِن ثمة لمَّا قيل لأحمد بن حنبل: ما الذي نَقَمتُم على أبي حنيفة؟ قال الرأي،
الجزء 1 · صفحة 42
قيل: أليس مالكٌ تكلَّم بالرأي؟ قال: بلى، ولكن أبو حنيفة أكثَرُ رأياً منه، قيل: فهلاَّ تكلَّمتم في هذا بحصته وهذا بحصته؟ فسكت أحمد.
قال أبو عمر: ولم نجد أحداً من علماء الأمة أثبَتَ حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رَدَّه إلاَّ بحُجَّة، كادِّعاءِ نسخ بأثرٍ مِثلِه، أو بإجماع، أو بعملٍ يجبُ على أصلِهِ الانقيادُ إليه، أو طعنٍ في سند. ولو رَدَّهُ أحدٌ من غير حجة لسقطَتْ عدالتُه فضلاً عن إمامتِه، ولَزِمَهُ اسمُ الفِسْق، ولقد عافاهم الله من ذلك.
ولقد جاء عن الصحابة رضي الله عنهم من اجتهاد الرأي والقولِ بالقياس على الأصول، ما يطولُ ذكرُه، وكذلك التابعون. وعدَّدَ ابنُ عبد البر منهم خلقاً كثيرين.
انتهى كلامُ ابن عبد البر، وفيه جوابٌ شافٍ عن ذلك القَدْح. والحاصلُ أنَّ أبا حنيفة لم ينفرد بالقولِ بالقياس، بل على ذلك عمَلُ فقهاء الأمصار كما قاله ابن عبد البر، وبَسَط الكلامَ عليه رَدَّاً على من جَهِلَ فجعَلَ ذلك عَيْباً". انتهى كلام ابن حجر الهَيْتَمي.
وهذا القَدْرُ من كلام الإمامين: ابنِ حجر المكي الشافعي، ابن عبد البر الأندلسي المالكي - إلى جانب كلام الإمام ابن تيمية الحَرَّاني الحنبلى - كافٍ في تجليةِ رَدِّ جرح الراوي بالعمل بالرأي، والله سبحانه وتعالى أعلم.
كلمات في ترجمة الشارح الإمام اللكنوي:
- ترجَمَ الإمام اللكنوي رحمه الله تعالى لنفسه، في ستة كتب من كبار تآليفه، في خاتمة " النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير"، وفي مقدمة كتابه هذا: "التعليق الممجد" في آخر الفائدة التاسعة، وفي مقدمة "السعاية لكشف ما في شرح الوقاية"، وفي مقدمة "عمدة الرعاية لحل شرح الوقاية"، وفي "التعليقات السَّنِيَّة على الفوائد البهية"، وفي مقدمة "الهداية" للإمام المَرْغِيناني.
وقد جمعتُ له ترجمةً مطولة مستفيضة من هذه الكتب الستة، وأثتبُّها في أول كتابه "الرفع والتكميل في الجرح والتعديل"، الذي خدمتُه في طبَعاته الثلاث، وأوفاها ترجمةً له في الطبعة الثالثة، كما ترجمتُ له بتراجم منقولة عن بعض معاصريه أو تلامذته، ومنها الترجمة في أول كتابه "الأجوبة الفاضلة عن الأسئلة العشرة الكاملة"، في مباحث هامة شائكة من علوم مصطلح الحديث الشريف. ومنها في أول كتابه "تحفة الأخيار بإحياء سُنَّة سيد الأبرار" - صلى الله عليه وسلم - الذي قريب الصدور إن شاء الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 43
وقد تحقق عندي واستقَرَّ في نفسي، من تتبعي لكتب الإمام محمد عبد الحي اللكنوي رحمه الله تعالى ومؤلَّفاته: رسائلَ صغيرة في صفحات، أو كتباً كبيرة في مجلدات: أنَّ تصانيفَهُ دائماً - على اختلاف مواضيعها - تتميَّزُ بمزايا لا تجتمع عند غيره.
ففيها التميُّزُ بالضبط التام الدقيق للألفاظ المقتضية ذلك، والشرحُ الوافي للمعاني، وتبيينُ الأحكام الفقهية - إن كان الموضوع فقهاً - بما يكفي ويشفي.
وفيها تراجم العلماء الذين يأتي ذكرُهم في سياق البحثِ عنده، لزيادة التعريف بهم، بإيجاز في محله، وباستيعابٍ في محله.
وفيها الحديثُ عن رجال الإسناد أو بيانُ حاله إذا كان المقامُ يقتضي ذلك. وفيها تنوُّع مَعارفه المتوازِنُ المتينُ، في التفسير، والحديث وعلومهما، والفقه، والأصول، والفتاوي، والكلام، والتاريخ، والسِّيَر، والتراجم، والأنساب، واللغة، والنحو، والصرف، والمنطق، والمناظرة، والحكمة. وقلَّ أن يجتمع هذا كلُّه في العلماء.
وفيها التمكن التام من الولوج في كل علم أو فن يؤلِّفُ فيه، بل فيه التفوُّقُ والمهارة البارزة والإتقان الظاهر في كل ما يكتبه، وفيها من التواضع البالغ عند عرض المسائل والآراء، التي يختارها أو يرجحها أو يجزم بها ويخطِّئ سواها، فلا انتفاخ ولا صُراخ، ولا استكبار ولا استعلاء، ولا تكلف ولا مغالاة.
وفيها الإنصاف والاعتدال، والبعدُ عن التعصب لمذهب أو رأيٍ معيَّن، بوضوح وجلاء، اتباعاً منه للدليل ولوجاهة الرأي المختار. وفيها استيعابُ الاستدلال للمسألة التي يحققها حتى ينتهي بالقارئ إلى الحكم الذي قرَّره ويُقنعَه به.
وفيها الصبر والجَلَدُ القوي على مناقشة ما يَحتاج إلى المناقشة بتروٍّ وأناة، ليتميَّز الصوابُ من الخطأ في الموضوع.
وفيها كثرةُ المصادر المعروفة وغيرِ المعروفة، يَسردُها بلا كلل ولا ملل، وكأنها كلَّها كالخاتم في يده، أو السطورِ أمامَ عينيه، فينقلُ منها ما يريد، لدعم ما انتهى إلى تقريره بكل أمانة ودقة واستيفاء، وكثير من تلك المصادر التي ينقل منها ما سمع جلَّة العلماء المشتغلين في العلم بأسمائها فضلاً عن معرفتهم بذواتها وقراءتها، فلذا يَكثُر الجديدُ والمفيدُ في كل ما يكتبه.
الجزء 1 · صفحة 44
وإني لأتعجَّبُ كيف نَقَل تلك النقول من مكامنها، وهي في بطون الكتب البعيدة عن الأيدي والأنظار، التي لا فهارس لها ولا أدلةً على مضامِينها، وإني أتصور أنَّ بينه وبين تلك النقول شعاعاً مرشداً إليها ومغناطيساً دالاً عليها أصدَق الدلالة وأدقِّها.
نعم الأمرُ كذلك في تصوري، وذلك الشعاع والمغناطيس هو الذَّهنُ الفريدُ المتقد، العجيب، الذي أكرمه الله به، فهو يرشده إلى كل شاذة وفاذة في الباب، فتراهُ يُوردُها في تأليفه دِراكاً تباعاً، حتى كأنه قد استظهرها حفظاً، وتمثَّلها لفظاً.
وقد صار طابَعُ الوَلُوع بالتحقيق والتدقيق، وترجيح الراجح وتضعيفِ الواهي في المسألة: عفوياً في حجاه وسِمَةً بارزة في جميع كتبه ومؤلفاته، فقد أَلِفَ واستلذَّ التحقيق واستطعمه حتى صار طبعاً في خاطره وتفكيره، وأُوتيَ الصبرَ عليه، على أنه لم يَسلم من الخطأ الذي ما تنزه عنه إلا الأنبياء الكرامُ عليهم الصلاة والسلام، الذي عصمهم الله تعالى بفضله وكرمه.
وكنتُ في أول أمري لمَّا أُطالعُ في كتابه المتميز المفيد: "الفوائد البهية في تراجم الحنفية"، وأراه يقول في تراجم من يترجمهم: (وقد طالعت من كتبه كتاب كذا، وكتاب كذا، وكتاب كذا) .
كنتُ أقول هذا القول على التجوُّز، أي أنه يتصفح الكتاب وينظر فيه بالإجمال، لأن الكتب التي يذكر مطالعته لها كثيرة جداً جداً، وبعضها في مجلدات كبار، فهي إلى ندرة وجودها، وأنها من المخطوطات: واسعةٌ متسعة، لا يَصبُر على قراءة الكتاب الواحد منها أمثالُنا! إلا إذا دَفَعَتْه إلى ذلك رغبة حبٍّ وشوق، أو إلزام أتاه من فوق.
فلما قرأتُ جملةً من كتبه، واستنرتُ بتآليفه ومداركه العالية عملاً بوصية شيخي الإمام العلامة المحقن محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى، تبيَّن لي أن قوله: (طالعت من كتبه كتاب كذا، وكتاب كذا....) : حقيقةٌ لا تجوُّز فيها، وأنها مطالعةُ العالم الذكي اللوذعي الذي يفهم ويعي، ويحفظ ما قرأ وطالع.
ويكون ما قرأهُ من سنين بعيدة منصوباً بين عينيه، ففي كثير من المواضِع والموضوعات، التي يكتبُ أو يؤلفُ فيها، تجدُهُ ينقلُ الكلمة القصيرة الصغيرة من الكتاب الطويل الكبير، فانبهرتُ من حَذَاقته وزكانته وشدةِ استيعابه للموضوع، الذي لا يصلُ إليه المطالعُ المطَّلعُ في مَظِنَّتِه إلى بصعوبة، تراهُ هو قد تناوله بسهولة ويُسر وانسجام.
الجزء 1 · صفحة 45
ومما أذكره مثالاً لهذه السِّمَةِ الساميةِ في كتبه: الكتابُ الكبيرُ الذي سمَّاه "ظفر الأماني في شرح مختصر السيد الجُرجاني"، في علم المصطلح الحديثي ومن أكبر ما أُلِّف فيه، فقد هالني حين حققته واعتنيت به لطبعه كثرةُ النقول فيه من مصادر بعيدة متباينة المواضيع والعلوم.
فتراه ينقل الجملة والجملتين، والكلمةً والكلمتين، ثم يُعَرِّحُ على كتاب آخر فينقل منه الصفحة أو نصفَها أو مثيلها، ثم ينتقل إلى كتاب آخر لا يُظَنُّ ولا يَرِدُ إلى الذهن أن يكون فيه الجملةُ التي يلتقطها منه، وتكون هي في موضعها الذي أثبتها فيه كحجرة الخاتم الثمينة في الخاتم النفيس.
فللَّه دَرُّه ما أعلمَهُ بالنصوص ومظانها وغيرِ مظانها، وما أصبرَهُ على نقلها وأنقَدَه لاختيارها، والكتبُ أغلبها لديه مخطوطة!
وإذا كان هذا شأنَه في الكتاب الكبير الضخم فلا يستغرب أن يكون هكذا شأنُه أيضاً في الكتب الصغيرة والرسائل اللطيفة، كرسالته: "تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار"، وهي من آخر ما اعتنيت بخدمته وتقديمه للطبع، فهذه الرسالةُ على لطافتها حجماً، نَقَل فيها من مصادر مخطوطة ما سمعتُ بأسماءِ كثيرٍ منها فضلاً عن رؤيتها، في الفقه الحنفي وفي غيره، فقد كان لديه مكتبة عامرة جامعة، تستجيبُ لكل علم يريدُ تحقيقَهُ والتأليفَ فيه.
فهذا الرجل إمامٌ في العلم، وإمام في كثرة التآليف المفيدة المتقنة، مع قِصَر العمر، فقد عاش تسعاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر، وخلَّفَ أكثر من خمسة عشر ومئةِ كتاب ورسالة، في مواضيع شتى في المنقول والمعقول، شرحاً أو تحشيةً أو تأليفاً مبتكراً مستأنفاً.
ولو حُسِبَتْ أيامُ حياته، وقُسِّمَتْ على صفحات مؤلفاته، لأتت بالمدهش العجاب، من وفرة ما يصنِّفُه كلَّ يوم، فأين وقتُ المطالعة والتفكير والنسخ والتسويد والتبييض إن كان لديه تسويد، والأكل والشرب والنوم والأسفار عنده؟
ولكنَّ هناك أناساً آتاهم الله تعالى المواهبَ النادرة الفَذَّة، والقدرةَ العجيبة الباهرة عل احتواء العلم، وتحقيقه، وتدوينه عَذْباً مُضيئاً وَضِيئاً، من شعاع الخاطر إلى رأس
الجزء 1 · صفحة 46
القلم، دون تردُّد أو تعثُّر، أو وهنِ ذهنٍ أو عبارة أو تكدُّر، أو فُتورِ بيان، فأنفاسُهم وخواطرهم تحمِلُ العلم مستقيماً، وأقلامُهم تستقبله كذلك فيَخرجُ عَسَلاً مصفَّى، وتأليفاً قويماً، ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء، والإمام اللَّكْنَويُّ الشابُّ منهم، جزاهم الله عن العلم والدين والمسلمين خيرَ الجزاء.
أهميةُ طبع كتاب التعليق الممجد:
- هذا الكتاب العظيم والشرح الجليل أحَدُ الكتب الكبار التي ألَّفها الإمامُ عبد الحيّ اللَّكنوي، من كتبه الكثيرة البالغة 115 كتاب، وقد بدأ بتأليفه أواخر سنة 1292، وكانت سنه 27 سنة، ثم اعترضَتْهُ أسفار وأعراض وأشغال، فأتمَّ تأليفَه في شعبانِ سنة 1295.
فهي موهبة عجيبة، وقُدرة غريبة، أن يتسنم كتابَ الموطأ شابٌّ هنديٌّ اللغةِ والدارِ في هذه السن، وقد ضمَّنه زاهي علمه وأرقى معرفته في الحديث الشريف وعلومه، وفي الفقه الحنفي والمذاهب الأخرى وسائر ما يتصل بذلك من العلوم من بعيد أو من قريب، فجاء هذا الكتاب درة فريدة من درر العم، وجوهرةً نفيسة من أنفس الجواهر.
وسيجدُ القارئ المطالع فيه المزايا التي تميَّز بها الإمامُ اللكنوي وأشرتُ إليها قريباً، وسيُدهَشُ من قُوَّةِ ملكته ناصية التحقيق والتدقيق، والضبطِ والإتقان، ومناقشة المذاهب والآراء، والترجيح والتضعيف، والتجرُّد والإنصاف، دُونَ ليٍّ للنصوصِ ولا اعتساف.
هذا الكتاب النفيس طُبح أكثر من خمس مرات في الهند وباكستان، الطباعة الهندية الحجرية، ذات الحواشي الغواشي! والسطورِ المنمنمة، والعبارات المستديرة على جوانب الصفحة الثلاث، والعبارات القصيرة المتداخلة بين السطور، لضبط اسم أو كلمة، أو بيان عطفٍ على معطوف أو إعراب، أو لغة أو رواية، أو اختلاف فيها أو ما إلى ذلك. وبعضُ هذه العبارات القصيرة كُتبَتْ تحت السطر على امتداده ومستواه، وبعضها كُتبَتْ فوق السطر مقلوبة عليه مع قرب السطور وتداخل الكلمات، كما يراه القارئ المتأمل في الصورة المأخوذة عن النسخة المطبوعة في هذه التقدمة، فصارت قراءتُه - مع نفاسة مضمونه في كل جملة شارحة، أو تعليقةٍ موضَّحة - عسيرةً، لا يَصبرُ عليها إلا سادتُنا ومشايخثنا العلماءُ الهنود والباكستانيون، الذي ألِفوا هذه الطريقة في الطباعة الحجرية،
الجزء 1 · صفحة 47
وفي تداخل الكلمات في السطور، وإلا أفرادٌ قليلون من العلماء العرب، الذين يستهويهم التحقيق العلمي والفتوحات الربانية في المطبوعات الهندية، النفيسة المضمون والعلم.
وأمَّا عامَّةُ القراء العرب فما أبعدَهم من الصبر على قراءة مثلِ هذا الكتاب، ومن المطبوعات الهندية القديمة، فلذا حُرم من هذا الكتاب وأمثاله كثيرون من إخواننا العلماء العرب، وحيلَ بينهم وبين ما يشتهون.
وقد كنتُ منذ ثلاثين سنة نوَّهْتُ بفضل هذا الكتاب ومزاياه، في بعض تعليقاتي على كتاب "الرفع والتكميل"، وقلتُ: إنَّ خُلُوَّ مكتبة العالم منه حِرمانٌ كبير، فأخذت هذا الكلمةُ مأخذها من عَزائم كثير من العماء وبعض الجهات العلمية الرسمية، التي اعتادت نشر الكتب النادرة النفيسة النافعة، فعزمَتْ وزارة الأوقاف في دولة الإمارات العربية المتحدة على طبعه، واهتمت به، وكلَّفتني بتحقيق دولة مقدمته التي قدَّم بها المؤلف قبل الدخول في الشرح، والتي تبلغ كتاباً مستقلاً غير صغير، ونسخَتْها وبعثتها إليَّ، ثم توقَّفَتْ لبعض الأسباب، فوقف الكتاب كما هو!
ثم عزَمَتْ مؤسسة شهيرة كبيرة قديرة من دور النشر، على نشره، ونسخته إلى منتصفه، وقدَّمته لي وكلَّفتني بتحقيقه والعناية به، وكنتُ حينئذ في ارتباط علمي ودراسي جامعي ومشاغل زاحمة! لا يمكنني معها أن أتفرغ له كما أحب، ليَخرج كما يَستحق أن يُخرَج به، فتوقفَ نشرُه أيضاً!
وأخيراً توجهَتْ هِمَّةُ الأخ الفاضل الشيخ الدكتور تقي الدين النَّدْوي، الهنديُّ المنشأ والدار، العربيُّ المُقام والقرار، إلى نسخه وكتابته والصبر على خدمته بكل دقة وأمانة، ليَخرج إلى القراء بالطباعة الفائقة، والعناية الطبية، وتنزيلِ شروحه وتعليقاته في منازلها، وربطها بالألفاظ المتصلة بها، مع الضبط والإتقان.
وكان مما أعانه وشجّعه على ذلك اهتمامُ الأخ الأستاذ محمد على دولة، ناشِرِ الكتب النافعة المختارة المنتقاة، السليمة القويمة، فاستقبل هذا الكتابَ بترحاب واستعداد كامل لنشره، عملاً بثنائي عليه وحَضِّي على طبعه وإخراجه.
فلهذين الأخوين الأستاذين الفاضلين يعودُ فضلُ إخراج هذا الكتاب العظيم، ولهما مِنَّةٌ على من يقرأه بهذا العرض الرائق القشيب، وهذا الطبع الفصيح الجميل.
الجزء 1 · صفحة 48
وإني لأقدم شكري الجزيل لهما على تحقيق هذا الأمنية الغالية، التي كانت في نفسي، فحقَّقَاها على خير ما يُستطاع، جزاهما الله خيراً، وتقبل منهما هذا العمل الصالح الثمين بإخراج هذا الكتاب وأمثاله. وحينما تتناولُهُ أيدي القراء العلماء العرب، سيعرفون منه نبوغ العالمِ الشابِّ الهندي عبد الحي اللكنوي، صاحب التصانيف الزائدة على 115 مؤلَّف، ومانتهُ في صفوف العلماء الكبار والمؤلِّفين المكثرين الأخيار، رحماتُ الله تعالى عليه ورضوانُه العظيم.
في الرياض يوم الجمعة 27 من صفر سنة 1412 وكتبه عبدَ الفتَّاح أبو غُدَّة
الجزء 1 · صفحة 51
& بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المحقِّق [د. تقي الدين الندوي أستاذ الحديث الشريف بجامعة الإمارات العربية المتحدة]
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فيَسُرّ المحقِّق ويسعده أن يقدِّم للقراء الكرام كتاب "التعليق الممجد على موطأ محمد" للإمام أبي الحسنات عبد الحي اللكنوي - رحمه الله تعالى رحمة واسعة - في الطبعة القشيبة المشرقة.
كتاب الموطّأ من أشهر ما دُوِّن في النصف الأول من القرن الثاني، هو تأليف إمام دار الهجرة - على صاحبها الصلاة والسلام - أبي عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأَصبحي الحمريري القحطاني، أحد أعلام الإسلام، وأحد أعيان هذه الأمة، وأحد أركان الملَّة، وأحد من وُضع له القَبول في الأرض، وأحد من سلَّمت له الأمة الإمامة في الحديث والفقه معاً.
وكتاب الإمام أبي عبد الله البخاري "الجامع الصحيح المسند من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُننِه وأيامه" وإن كان أصبح أصح كتاب بعد كتاب الله العزيز عند جمهور العلماء لما له من مزايا في التزام أمور وشروط، وآداب وعادات، في تخريجه الحديث، وانتقائه ما لم يشاركه فيه أحد من معاصريه، ولا ممن سبقه، مع ذلك فإن موطَّأ الإمام مالك أصبح قدوة وأسوة للبخاري، ولمن جاء بعده، فهو الذي انتهج هذا المنهج، وسلك مسلك الانتقاء والاصطفاء، وفتح هذا الباب من الجمع
الجزء 1 · صفحة 52
بين الحديث والفقه، وآثار الصحابة وأقوال التابعين، فللإمام مالك ولكتابه منَّة على رقاب الأمة جميعاً.
وتهافت على روايته وسماعه عن المؤلف الإمام محدِّثون وأئمة فقهاء، وعلماء وملوك، كما لم يتفق لغيره من الكتب ذلك، وقد أفرد له القاضي عياض باباً في المدارك ("ترتيب المدارك": 2/170) .
واشتهر من رواته جماعة نُسبت إليهم نُسَخ الموطَّأ: منهم الإمام محمد بن الحسن الشيباني الكوفي، صاحب الإمام أبي حنيفة النعمان، والإمام يحيى بن يحيى المصمودي الأندلسي، ونسخة يحيى هي المعروفة بين أهل العلم، قد شرحها جمع من المتقدمين والمتأخرين، ومنهم شيخنا المحدِّث الكبير محمد زكريا الكاندهلوي المتوفَّى سنة 1982 بالمدينة المنورة، على صاحبها الصلاة والسلام، وأسمى شرحه "أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك"، طُبع في القاهرة في خمسة عَشَرَ مجلداً.
وقد قام باستيفاء من شرحه قديماً وحديثاً من أقدم عهد إلى عهده في الفائدة العاشرة من الفصل الثاني من مقدمة الكتاب.
وأما نسخة محمد بن الحسن الشيباني، فلم يشرحها إلا الشيخ بيرى زاده، والشيخ علي القاري، ثم جاء بعدهما الإمام عبد الحي اللّكنَوي، فقام بشرح الكتاب فكفى وشفى.
والكتاب كان بالخط الفارسي، وطُبع في الهند مراراً طباعة حجرية دقيقة بحيث لا تكاد تبدو للناظر، وقد كان ذلك من أسباب زهد كثير من فضلاء العرب في الاستفادة منه، وانصرافهم عنه، وقد طال طلب إخواننا طبْع هذا الكتاب على الحروف الجديدة وفي الحروف العربية وحدها كما ذكر الشيخ عبد الفتاح أبو غُدّة في هامش "الرفع والتكميل" (في ص 65) ، وقد طُبع هذا الكتاب العظيم مرات كثيرة، وكلها
الجزء 1 · صفحة 53
في الهند نسأل اللَّه أن ييسِّر لنا طبعه في بلادنا، فإن خلوَّ مكتبة العالم منه لَحِرمان كبير.
وقد أمرني سماحة الأستاذ الكبير أبو الحسن علي الندوي بتحقيق هذا الكتاب العظيم، وانتساخ هوامشه ووضعها في محلها، فاشتغلت به متوَكِلاً على الله تعالى.
إن هذا الشرح لموطأ مالك برواية الإمام محمد بن حسن الشيباني زينة الشروح، وصاحبه كان آية من آيات الله في العلم والإخلاص والتقوى، {واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} (سورة البقرة: آية 282) .
هذا ويرى القارئ في الكتاب مسلكَ مالكٍ في السنن، وروحَ أبي حنيفة في الاستنباط، وعلمَ الشافعي في التأصيل والتفريع، وورع أحمد في الاحتياط.
عملي في هذا الكتاب:
-1 - انتسختُ هوامش الكتاب ووضعتها في محلها.
-2 - صحَّحتُ الكتاب وإذا وجدت فيه تحريفاً أو تغايراً ذا بال، نبَّهت إليه.
-3 - علَّقتُ على مواضع كثيرة من الكتاب بما يستكمل مقاصده ويزيد فرائده وفوائده.
-4 - وإذا ترددت في كلمة من الشرح رجعت إلى المصادر التي نقل منها المؤلف، وتأكّدتُ من صحتها.
-5 - كان المؤلف عليه الرحمة والرضوان - كعادته في أكثر كتبه - قد علَّق في حواشي الكتاب تراجم لكثير ممَّن ذَكَرَهم من العلماء وختمها بقوله: (منه) .
فإني وضعت محله (ش) إيذاناً بأنها من المؤلف الشارح.
-6 - وضعت فِهْرساً عامّاً للكتاب.
الجزء 1 · صفحة 54
وفي الختام أسأله تعالى أن يتقبَّل منا ومن جمع من ساهم في إخراج هذا الكتاب، وأن يوفِّقنا لخدمة السُّنَّة المطهرة وعلومها، وأن يحسن ختامنا ويرحم والدينا ومشايخنا وسائر المسلمين، إنه وليُّنا ومولانا، ونعم النصير.
د. تقي الدين الندوي أستاذ الحديث الشريف بجامعة الإمارات العربية المتحدة
الجزء 1 · صفحة 55
تَرجمَة "العَلاّمة فَخر الهِند عبد الحَي اللَّكنَوي" (من "نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواطر"، للشيخ السيد عبد الحيّ الحَسَني (م 1341 هـ) : 8/234) .
الشيخ العالِم الكبير العلاّمة، عبد الحيّ، بن عبد الحليم، بن أمين الله بن محمد أكبر أبي الرحم، بن محمد يعقوب، بن عبد العزيز، بن محمد سعيد، بن الشيخ الشهيد قطب الدين الأنصاري السهالوي اللَّكْنوي: العالمُ الفاضلُ النحرير، أفضل من بثَّ العلوم، فأروى كلَّ ظمآن.
وُلد في سنة أربع وستين ومئتين وألف ببلدة باندا، وحفظ القرآن، واشتغل بالعلم على والده وقرأ عليه الكتب الدرسية معقولاً ومنقولاً، ثم قرأ بعض كتب الهيئة على خال أبيه المفتي نعمة الله بن نور الله اللكهنوي، وفرغ من التحصيل في السابع عشر من سنِّه، ولازم الدرس والإفادة ببلدة حيدر آباد مدّةً من الزمان، وفَّقه الله سبحانه للحج والزيارة مرتين: مرة في سنة تسع وسبعين مع والده، ومرة في سنة ثلاث وتسعين بعد وفاته، وحصلت له الإجازة عن السيد أحمد بن زيني دحلان الشافعي، والمفتي محمد بن عبد الله بن حميد الحنبلي بمكة المباركة، وعن الشيخ محمد بن محمد الغربي الشافعي، والشيخ عبد الغني بن أبي سعيد العمري الحنفي الدهولي بالمدينة المنورة، ثم إنه أخذ الرخصة (أي التقاعد من الوظيفة) من الولاة بحيدر آباد وقَنِع بمئتين وخمسين ربّيّة بدون شرط الخدمة، وقدم بلدته لكهنوء، فأقام بها مدة عمره، ودرّس وأفاد وصنّف وذكّر.
وإني حضرت بمجلسه غير مرة، فألفيته صبيح الوجه أسود العينين، نافذ اللحظ، خفيف العارضين، مسترسل الشعر، ذكيّاً فَطِناً، حادَّ الذهن، عفيف
الجزء 1 · صفحة 56
النفس، رقيق الجانب، خطيباً مصقعاً، متبحراً في العلوم معقولاً ومنقولاً، مطّلعاً على دقائق الشرع وغوامضه، تبحّر في العلوم، وتحرّى في نقل الأحكام، وحرّر المسائل، وانفرد في الهند بعلم الفتوى، فسارت بذكره الرُّكبان، بحيث إن علماء كل إقليم يشيرون إلى جلالته.
وله في الأصول والفروع قوة كامة، وقدرة شاملة، وفضيلة تامة، وإحاطة عامّة، وفي حسن التعليم صناعة لا يقدر عليها غيره، وكان إذا اجتمع بأهل العلم وجرت المباحثة في فنّ من فنون العلم لا يتكلم قط، بل ينظر إليهم ساكتاً، فيرجعون إليه بعد ذلك، فيتكلم بكلام يقبله الجميع، ويقنع به كل سامع، وكان هذا دأبه على مرور الأيام، لا يعتريه الطيش والخِفّة في شيء كائناً ما كان.
الحاصل أنه كان من عجائب الزمن، ومن محاسن الهند، وكان الثناء عليه كلمةَ إجماع، والاعترافُ بفضله ليس فيه نزاع.
وكان على مذهب أبي حنيفة في الفروع والأصول، ولكنّه كان غير متعصِّب في المذهب، يتتبع الدليل، ويترك التقليد إذا وَجد في مسألة نصّاً صريحاً مخالفاً للمذهب، قال في كتابه "النافع الكبير": (ومن مِنَحه - أي منح الله سبحانه - أني رُزقت التوجُّه إلى فن الحديث وفقه الحديث، ولا أعتمد على مسألة مالم يوجد أصلها من حديث أو آية، وماكان خلاف الحديث الصحيح الصريح أتركه، وأظن المجتهد فيه معذوراً، بل مأجوراً، ولكني لست ممّن يُشوّش العوام الذين هم كالأنعام، بل أُكلّم الناس على قدر عقولهم ... ) . انتهى. وقال بُعَيْدَ ذلك: (ومن مِنَحه أنه جعلني سالكاً بين الإفراط والتفريط، لا تأتي مسألة معركة الآراء بين يديّ إلاَّ أُلهمت الطريق الوسط فيها، ولست ممن يختار التقليد البحت بحيث لا يترك قول الفقهاء وإن خالفته الأدلة الشرعية، ولا ممّن يطعن عليهم، ويهجر الفقه بالكلية) . انتهى.
وقال في "الفوائد البهيّة" في ترجمة عصام بن يوسف: (ويُعلم أيضاً أن الحنفي لو ترك في مسألةٍ مذهبَ إمامه بقوة دليل خلافاً لا يخرج به عن ربقة التقليد، بل هو عين التقليد في صورة ترك التقليد، ألا تري أن "عصام بن يوسف"
الجزء 1 · صفحة 57
ترك مذهب أبي حنيفة في عدم الرفع، ومع ذلك هو معدود في الحنفية (قال الإمام وليّ الله الدهلوي - رحمه الله تعالى - في كتابه "حجة الله البالغة" (1/126) : "قيل لعصام بن يوسف رحمه الله: إنك تكثر الخلاف لأبي حنيفة رحمه الله؟ قال: لأن أبا حنيفة أُوتي من الفهم ما لم نُؤتَ، فأدرك بفهمه ما لم ندرك! ولا يسعنا أن نفتي بقوله ما لم نفهم") . ويؤيِّده ما حكاه أصحاب الفتاوى المعتمدة من أصحابنا من تقليد أبي يوسف يوماً الشافعيَّ في طهارة القُلَّتَيْن، وإلى الله المشتكى من جهلة زماننا حيث يطعنون على من ترك تقليد إمامه في مسألة واحدة لقوة دليلها، ويُخرجونه عن مقلِّديه! ولا عجب منهم فأنهم من العوامّ، وإنما العجب ممن يتشبّه بالعلماء، ويمشي مشيهم كالأنعام) . انتهى.
وكان مع تقدمه في علم الأثر وبصيرته في الفقه له بسطة كثيرة في علم النسب والأخبار، وفنون الحكمة، وكان ذا عناية تامّة بالمناظرة، يُنبِّه كثيراً في مصنفاته على أغلاط العلماء، ولذلك جرت بينه وبين العلامة عبد الحق بن فضل حق الخير آبادي مباحثات في تعليقات حاشية الشيخ غلام يحيى على "ميرزاهد رسالة" وكان الشيخ عبد الحق يأنف من مناظرته، ويريد أن لا يُذاع رده عليه.
وكذلك جرت بينه وبين السيد صِدِّيق حسن الحسني القِنَّوجي فيما ضَبَط السيد في "إتحاف النبلاء" وغيره من وَفَيَات الأعلام نقلاً عن "كشف الظنون" وغيره، وانجرّت إلى ما تأباه الفطرة السليمة، ومع ذلك لمّا توفي الشيخ عبد الحي المترجَم له تأسف بموته تأسَّفاً شديداً، وما أكل الطعام في تلك الليلة، وصلى عليه صلاة الغيبة، نظراً إلى سعة إطّلاعه في العلوم والمسائل.
وكذلك جرت بينه وبين العلاّمة محمد بشير السَّهسَواني في مسألة شد الرحل لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن مصنفاته رحمه الله تعالى ...
الجزء 1 · صفحة 58
(سَرَد المؤلف هنا مصنفات الإمام اللكنوي ويأتي ذكر أكثرها في (ترجمته في هذه المقدمة بقلمه) سوى أني زدت ما فات ذكرها في ترجمته:
في فن الصرف: 1 - تكملة الميزان، 2 - شرحها.
وفي فن المنطق والحكمة: 1 - الكلام الوهبي المتعلق بالقطبي، 2 - حاشية على شرح تهذيب المنطق لعبد الله اليزدي.
وفي فن المناظرة: 1 - حاشية على شرح الشريفية المشتهر بالرشيدية.
وفي علم التاريخ: 1 - مقدمة السعاية، 2 - ومقدمة عمدة الرعاية، 3 - وإبراز الغَيّ في شفاء العَيّ، 4 - وتذكرة الراشد بردّ تبصرة الناقد، 5 - وطربُ الأماثل بتراجم الأفاضل، 6 - ورسالة في الرؤيا المنامية التي وقعت لي، 7 - وفرحة المدرسين بذكر المؤلّفات والمؤلفين.
وفي فن الفقه والحديث: 1 - القول الجازم في سقوط الحد بنكاح المحارم، 2 - وتعليقه، 3 - وردع الإخوان عمّا أحدثوه في آخر جمعة رمضان، 4 - وعمدة الرعاية بحل شرح الوقاية، 5 - وجمع المواعظ الحسنة لخطب شهور السنة، 6 - والآيات البينات على وجود الأنبياء في الطبقات، 7 - وجمع الغرر في الرد على نَثر الدرر، 8 - ونفع المفتي والسائل بجمع متفرقات المسائل، 9 - والآثار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة 10 - وغيث الغمام على حواشي إمام الكلام، 11 - ومجموعة الفتاوى (ثلاثة مجلدات كبار) ، 12 - وحاشية على شرح السيد الجرجاني للسراجية في الفرائض، 13 - وحاشية على الهداية، 14 - وظفر الأماني في شرح المختصر المنسوب للجرجاني في المصطلح، 15 - والرفع والتكميل في الجرح والتعديل، 16 - وتعليق على الجامع الصغير.
ومن مصنفاته التي لم تتم: منها 1 - خير العمل بذكر تراجم علماء فرنكي محلّ (لم يتم) ، 2 - والنصيب الأوفر في تراجم علماء المائة الثالثة عشر (لم يتم) .
وقال سماحة الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه: "المسلمون في الهند" (ص 40) : ويبلغ عدد مؤلفات علامة الهند فخر المتأخرين الشيخ عبد الحيّ اللكنوي (110) منها (86) كتاباً بالعربية.
وكانت وفاته لليلة بقيت من ربيع الأول سنة أربع وثلاثمئة وألف. ودفن بمقبرة أسلافه، وكنتُ حاضراً ذلك المشهد، وكان ذلك اليوم من أنحس الأيام، اجتمع الناس في المدفن من كل طائفة وفِرقة أكثر من أن يُحصروا، وقد صلُّوا عليه ثلاث مرات) .
الجزء 1 · صفحة 59
مقَدِّمَة الشَّارح
الحمد لله الذي اصطفى من عباده رسلاً وأنبياء، وجعل أفضلهم وأكملهم خاتَمَ الأنبياء، فهدى بهم الأمم الطاغيَة والفِرَق الباغِيَة، أحمده حمداً كثيراً، وأشكره شكراً جميلاً على أن اختار لأفضل أنبيائه وزراء ونقباء وخلفاء وأبدالاً ونجباء، من اقتدى بأحدهم اهتدى، ومن ترك سبيلهم ولم يتمسَّك بسننهم استحق الحفرة الحامية. أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسولُه، صاحب المعجزات الباهرة، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه وتَبَعه إلى يوم الآخرة.
وبعد فيقول عبده الراجي عفو ربه (في الأصل: عفوه القوي، والظاهر عفو ربه القوي) القوي، معدن السيئات ومخزن المخالفات المكنّى بأبي الحسنات، المدعو بعبد الحي اللَّكنَوي، ابن مولانا الحاج الحافظ محمد عبد الحليم، أدخله الله دار النعيم: لا يخفى على أولي الألباب أنّ أفضل العلوم علمُ السُّنَّة والكتاب، وأن أفضل الأعمال القيام بخدمتها ونشر أسرارهما، وكثيراً ما كان يختلج في قلبي أن أشرح كتاباً في الحديث وأكشف أسراره بالكشف الحثيث، باعثاً لرضا نبينا شفيع المذنبين، ورضاه رضا رب العالمين، عسى الله أن يجعلني ببركته من الصالحين، ويحشرني في زمرة الحدِّثين مع الأنبياء والصديقين. إلاَّ أن ضيق باعي قد كان يثبّطني عن القيام في هذا المقام إلى أن أشار إلىَّ (في الأصل: "إليه" والظاهر "إليَّ") بعضُ من أمْرُهُ حتم وإرشاده غنم أن أحشِّيَ موطَّأ الإمام مالك الذي قال الإمام الشافعيُّ في حقه: (ما على ظهر الأرض كتابٌ بعد كتاب الله أصحّ من كتاب مالك) (تزيين الممالك: ص 43) ، وأعلق عليه حاشية وافية وتعليقات كافية. فتذكّرتُ ما رأيت في المنام في السنة الثامنة والثمانين والمائتين (في الأصل: "والمائتين" ساقطة) بعد الألف من الهجرة - على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم والتحية - كأنِّي دخلت في المسجد النبوي بالمدينة الطيبة، فإذا أنا بالإمام مالك
الجزء 1 · صفحة 60
جالساً فيه، فحضرت عنده، وصافحته، وقلت له: كتابكم "الموطأ" لي فيه اختلاجات وشكوك، أرجو أن أقرأه عليكم لتحل تلك الشكوك، فقال فرحاً ومسروراً: هات به واقرأه عندي، فقمت من هناك لآتي به من بيتي، فاستيقظتُ، وحمدت الله على هذه الرؤيا الصالحة، وشكرته. فكأنّ في هذه الرؤيا إشارة من الإمام مالك إلى توجُّهي إلى مؤطئه (في الأصل "بموطئه" وهو تحريف، والصواب: "إلى موطئه") والاشتغال بدرسه وتدريسه وشرحه.
فلما تذكَّرتُ هذا صمَّمت عزمي بتعليق تعليق عليه، وشدَّدت مِئزري لكتابة حاشية عليه، وكان في بلادنا في أعصارنا من نسخه نسختان متداولتان: نسخة يحيى الأندلسي، ونسخة محمد بن الحسن الشيباني من أجل تلامذة الإمام أبي حنيفة، لا زال مغبوطاً بالفضل الرحماني، فاخترت لتعليق التعليق النسخة الثانية لوجهين:
أحدهما: أن النسخة الأولى قد شرحها جمع من المتقدمين والمتأخرين، ونسخة محمد لم يشرحها إلاّ الفاضلان الأكملان بيرى زاده، وعلي القاري فيما بَلَغَنا، وأنا ثالثهما إن شاء ربنا، فاحتياجها إلى التحشِّي والشرح أكثر ونفعه أكمل وأظهر.
وثانيهما: أن نسخة محمد مرجَّحة على موطّأ يحيى لوجوه سيأتي ذكرها في المقدِّمة، ونافعة غاية النفع لأصحابنا الحنفية خصّهم بالألطاف الخفية.
فشرعت في كتابة تعليق عليه مسمّىً (في الأصل: "مسمِّياً") بـ "التعليق الممجَّد على موطّأ الإمام محمد"، وفي شهر شوال من السنة الحادية والتسعين حين إقامتي بحيدر أباد - الدكن، صانه الله عن البدع والفتن، وكتبت قريباً من النصف، وبلغت إلى كتاب الحج، ثم ببركته يسَّر الله لي سفر الحجّ وسافرت في شوال من السنة الثانية والتسعين إلى الحرمين الشريفين مرة ثانية، رزقنا الله العودة إليهما مرة ثالثة، ومرة بعد مرة إلى أن أُتوفَّى في المدينة الشريفة، ثم رجعت في الربيع الأول من السنة الثالثة والتسعين إلى الوطن - حُفظ عن شرور الزمن - وابتليت مدة بالأمراض العديدة التي ابتليت بها في تلك الأماكن الشريفة إلى أن رزقني الله النجاة منها ببركة الأدعية
الجزء 1 · صفحة 61
والأذكار المأثورة، لا بالأدوية المعمولة، فاشتغلت بإتمامه مع زيادات لطيفة فيما أسلفته، فجاء بفضل الله وعونه بحيث تنشرح به صدور الأفاضل، وتنشط به آذان الأماثل، وأرجو من إخوان الصفا وخِلاّن الوفا أن يطالعوه بنظر الإنصاف، لا بنظر الاعتساف، ويصلحوا ما وقع فيه من الخطأ والخلل، وما أبرِّئ نفسي من السهو والزلل، فإن البراء من كلِّ خطأ ليس من شأن البشر، إنما هو شأن خالق القوى والقَدَر، وأستغفر الله من زلّة القَدَم وطغيان القلم، مما علمتُ وما لم أعلم، ورحم الله امرءاً أصلح السهو والنسيان أو دعاني بخير الدنيا والآخرة بحضرة المَلِك المنَّان، وقد جنحتُ في هذا التعليق إلى أمور يُحسنها أرباب الشعور:
أحدها: أني لم أُبال بتكرار بعض المطالب المفيدة في المواضع المتفرقة ظناً مني أن الإعادة لا تخلو عن الإفادة، مع أني كلما أعدت أمراً ذكرتُهُ لم أجعله خالياً عن أمرٍ مفيدٍ زدته.
وثانيها: أني التزمتُ بذكر مذاهب الأئمة المختلفة مع الإشارة إلى دلائلها بقدر الضرورة وترجيح بعض على بعض، ولعمري إنها طريقة حسنة، قلَّ من يسلكها في زماننا، وإلى الله المشتكى من عادات جهلاء بلادنا، بل من صنيع كثير من فُضَلاء أعصارنا، حيث يظن بعضهم أن المذهب الذي تمذهب به مرجَّح في جميع الفروع، وأن كل مسألة منه بريئة عن الجروح، وبعضهم يسعى في هَدم بنيان المذاهب المشهورة، وينطق بكلمات التحقير في حق الأئمة المتبوعة، وأبرأ إلى الله من هؤلاء وهؤلاء، ضلَّ أحدهما بالتقليد الجامد، وثانيهما بالظن الفاسد والوهم الكاسد، يتنازعون فيما لا ينفعهم بل يضرّهم، ويبحثون في ما لا يعنيهم، وينادي منادي كلٍّ منهما في حق آخرهما بالتكفير والتضليل والتفسيق والتجهيل، ومع ذلك يحسبون أنهم يحسنون {وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} (سورة الشعراء: آية 227) {إنَّما أَمرُهُم إلَى اللَّه ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلونَ} (سورة الأنعام: آية 159) ، ولعلمي أنّ (في الأصل: "هذه الاختلافات" بدون "أن") هذه الاختلافات الواقعة بين الأئمة
الجزء 1 · صفحة 62
في الفروع الفقهية المأخوذة من اختلافات الصحابة والروايات النبوية ليس فيها تفسيق ولا تضليل، ومن نطق بذلك فهو أحقّ بالتضليل.
وثالثها: أني أسندتُ البلاغات والأحاديث المرسلة وشيّدت الموقوفة بالمرفوعة.
ورابعها: أني أكثرت من ذكر مذاهب الصحابة والتابعين ومَن بعدَهم من الأئمة المجتهدين والمعتَبرين ليتنبه الهائم ويتيقّظ النائم، ويعلم أن اختلاف الأئمة رحمة، وأن لكل منهم قدوة.
وخامسها: أني ذكرت تراجم الرواة وأحوالهم وما يتعلق بتوثيقهم وتضعيفهم من دون عصبيَّة مذهبية وحميَّة جاهلية، وربما تجد فيه تكراراً لا يخلو عن الإفادة، فإن الإعادة لا يخلو عن ذكر اختلاف أو زيادة.
وسادسها: أني قد وجدت نسخ الموطأ مختلفة كثيرة الاختلاف، فذكرت اختلافها، وبينت الغير (هكذا جاء في الأصل، وهو استعمال خاطئ وغلط شائع، لما جمع فيه من إدخال "أل" على "غير" مع الإضافة إلى ما فيه "أل"، وصوابه أن يقال "غير الصحيح") ، الصحيح والصحيح منها من دون اعتساف.
وسابعها: أني نبَّهت على السهو والزلاَّت التي صدرت من عليٍّ القاريّ في "شرحه" في شرح المقصود أو تنقيد الرواة خوفاً من أن ينظره أحد ممن ليس له حظ في هذه الفنون، فيقع في الخطأ وسيء الظنون، لا تحقيراً لشأنه وكشفاً لنسيانه، فإني من بحار علمه مغترِف وبفضله معترِف، والمتأخر وإن كان علمه أوسع وكلامه أنفع إلاَّ أن الفضل للمتقدم والشرف للأقدم.
هذا، وأسأل الله تعالى خاشعاً متضرِّعاً أن يتقبَّل منِّي هذا التأليف وسائر تأليفاتي، ويجعلها خالصة لوجهه وذريعة لإقبال نبيه وسبباً لنجاتي، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وكان ذلك حين كنت مغبوطاً بين الأقران والأماثل ومحسوداً للأماجد والأفاضل بالمنن الفائضة عليّ، والإنعامات الواصلة إليّ من حضرة من هو قمر أقمار الوزارة، نور حديقة الرئاسة، سحاب ماطر الإنعام والإحسان، بحرُ زاخر الإكرام والامتنان، سدّته الرفيعة ملجأ للأماجد والأفاضل،
الجزء 1 · صفحة 63
وعتبته العلية محط الرجال (في الأصل: "رجال"، وهو تحريف.) الأماثل، يأتون إليه من كل مَرمَى سحيق، ويستفيضون من بحر فضله العميق، بأن ينشد في حقه ما أنشده التَّفْتازاني في حق ملكه:
أقامت في الرقاب له أيادي * هي الأطواق والناس الحمام
باسط بساط العدل والإنصاف، هادم قصر الجَور والاعتساف، هو الذي ضرب به (في الأصل: "ضربه" وهو تحريف) المثل في حسن الانتظام والأفضال، وذكر اسمه عند أرباب الإقبال آصف السلطنة النظامية، وزير الدولة الآصفية: النواب مختار الملك سالار جنك تراب عليخان بهادر، لا زالت أقمار دولته طالعة، وشموس إقباله بازغة، اللهم كما منحت على عبادك بفضله ولطفه فامنن عليه بعلوّ درجة في الدنيا والآخرة، واحفظه بحفاظتك من بليات الدنيا والآخرة بحرمة نبيك سيِّد الأنبياء وآله رؤوس الأتقياء.
الجزء 1 · صفحة 64
مقَدمة: فيهَا فوائد مُهمَّة
[الفائدة] الأولى: في كيفية شيوع كتابة الأحاديث وبَدْء تدوين التصانيف، وذكر اختلافها مَقصِداً، وتنوّعها مسلكاً، وبيان أقسامها وأطوارها.
- قال الحافظ ابن حجر العسقلاني (إمام الحفّاظ أحمد بن علي بن محمد العسقلاني المصري الشافعي، المتوفى سنة 852 هـ وقد ذكرت ترجمته في التعلقيات السنية على الفوائد البهية في تراجم الحنفية (ش)) : في "هدي الساري" (1/17 - 18 وفي الأصل: "الهدي الساري" وهو تحريف) . مقدمة شرحه لصحيح البخاري المسمّى بفتح الباري. أعلم - علمني الله وإياك - أن آثار النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعصر أصحابه وكبار تَبَعِهم مدوّنة في الجوامع ولا مرتَّبة، لوجهين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهوا عن ذلك، كما ثبت في "صحيح مسلم" خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم، والثاني: سعة حفظهم وسيلان ذهنهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار لمّا انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار، فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عَروبة وغيرهما، فكانوا يصنّفون كلّ باب على حدة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة في منتصف القرن الثاني فدوّنوا الأحكام، فصنف الإمام مالك الموطأ، وتوخّى فيه القويّ من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وصنّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج بمكة، وأبو عمرو عبد الرحمن الأَوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بن دينار بالبصرة، وهشيم بواسط، ومعمر باليمن، وابن المبارك بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالريّ، وكان هؤلاء في
الجزء 1 · صفحة 65
عصر واحد، فلا يدرى أيهم سبق، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم الى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنفوا المسانيد، فصنف عبد الله بن موسى العبسي مسندا، ثم صنف نعيم بن حامد الخزاعي نزيل مصر مسندا، ثم اقتفى الأئمة أثرهم في ذلك، فقلّ إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه في المسانيد كالإمام أحمد بن حنبل واسحاق ابن راهويه وعثمان ابن أبو شيبة وغيرهم، ومنهم من صنف على الأبواب والمسانيد معا" كأبي شيبة، فلما رأى البخاري هذة التصانيف، ووجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشتمل على الضعيف، فحّرك همتّه لجمع الحديث الصحيح. انتهى كلامه (ليس غرض الحافظ أن كتابة الحديث لم تبدأ إلا في أواخر عصر النابعين، بل غرضه أن الكتابة بصورة الكتب والرسائل لم يشرع فيها إلى ذاك الوقت، وإلا فمجرد الكتابة كان من زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك روايات كثيرة صريحة في زمنه صلى الله عليه وسلم، واستقر الأجماع على جوازها انظر: مقدمة "أوجز المسالك". 1/13، 14) .
وقال ابن الأثير الجزري (هو مبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الجزري، نسبة الى جزيرة ابن عمر بلدة الشافعي، مؤلف "جامع الأصول" و "النهاية" في غريب الحديث، وله أخ معروف بابن الأثير مؤلف "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" وهو أبو الفتح نصر الله المتوفي سنة 627 هجري، وأخ آخر مؤلف "أسد الغابة في أخبار الصحابة" اسمة عز الدين علي المتوفي سنة 62. هجري، وكثيراً ما يشتبه أحدهم بالآخر، وقد سقطت تراجمهم في التعليقات (ش) ، في مقدمة كتابه "جامع الأصول" (1/43ـ46) : والناس في تصانيفهم التي جمعوها مختلفو الأغراض، فمنهم من قصر همته على تدوين الحديث مطلقا ليحفظ لفظه وليستنبط له الحكم، كما فعله عبيد الله بن موسى العبسي وأبو داود الطيالسي وغيرهما من أئمة الحديث أولاً، وثانياً الإمام أحمد بن حنبل ومن بعده، فإنهم أثبتوا الأحاديث في مسانيد رواتها، فيذكرون مسند أبي بكر الصديق مثلاً، ويثبتون فيه كل ما روي عنه، ثم يذكرون بعده الصحابة واحداً بعد
الجزء 1 · صفحة 66
واحد على هذا النسق، ومنهم من يثبت الأحاديث في الأماكن التي هي دليل عليها، فيضعون لكل حديث باباً يختص به، فان كان في معنى الصلاة ذكروه (في الأصل: فيه ذكروه) في باب الصلاة، وإن كان في معنى الزكاة ذكروه في باب الزكاة كما فعله مالك بن أنس في (الموطأ) ، إلا أنه لقلة ما فيه من الأحاديث قلت أبوابه، ثم اقتدى به من بعده، فلما انتهى الأمر إلى البخاري ومسلم وكثرت الأحاديث المودعة في كتابيهما كثرت أبوابهما وأقسامهما، واقتدى بهما من جاء من بعدهما وهذا النوع أسهل مطلباً من الأول، لوجهين:
الأول: أن الإنسان قد يعرف المعنى الذي يطلب الحديث من أجله وإن لم يعرف راويه ولا في مسند من هو، بل ربما لا يحتاج الى معرفة راويه.
والوجه الثاني: أن الحديث إذا ورد في كتاب الصلاة علم الناظر فيه أن هذا الحديث هو دليل ذلك الحكم من أحكام الصلاة، فلا يحتاج إلى أن يتفكر به. ومنهم من استخرج أحاديث تتضمن ألفاظاً لغوية ومعاني مشكلة، فوضع لها كتاباً على حدة، قصره على شرح الحديث وشرح غريبه وإعرابه ومعناه، ولم يتعرض لذكر الأحكام، كما فعله أبو عبيدة القاسم بن سلام وعبد الله بن مسلم بن قتيبة وغيرهما ومنهم من ضاف الى هذا ذكر الأحكام وآراء الفقهاء مثل أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي وغيره. ومنهم من قصد ذكر الغريب دون متن الحديث، واستخرج الكلمات الغريبة دونها كما فعله ابو عبيدة أحمد بن محمد الهروي وغيره. ومنهم من قصد استخراج أحاديث تتضمن ترغيبا وترهيبا وأحاديث تتضمن أحكاماً شرعية فدونها وأخرج متونها وحدها كما فعله أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في كتاب "المصابيح". وغير هؤلاء المذكورين من أئمة الحديث لو رمنا أن نستقصي ذكر كتبهم واختلاف أغراضهم ومقاصدهم لطال الخطب ولم ينتهي إلى حد انتهى
الجزء 1 · صفحة 67
وقال أيضاً قبيل ذلك (1/ 40 - 43) : لما انتشر الإسلام، واتسعت البلاد، وتفرقت الصحابة في الأقطار وكثرت الفتوح، ومات معظم الصحابة وتفرق أصحابهم وأتباعهم، وقل الضبط، احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقيده بالكتابة، ولعمري إنها الأصل، فإن الخاطر يغفل، والذهن يغيب، والذكر يمل، والقلم يحفظ ولا ينسى، فانتهى الأمر إلى زمان جماعة من الأئمة مثل عبد الملك بن جريج ومالك بن أنس وغرهما ممن كان في عصرهما، فدونوا الحديث حتى قيل: إن أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج، وقيل موطأ مالك، وقيل: إن أول من صنف وبوب الربيع بن صبيح في البصرة، ثم انتشر جمع الحديث وتدوينه وسطره في الأجزاء والكتب، وكثر ذلك، وعظم نفعه إلى زمن الامامين أبي عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، فدّونا كتابيهما، وأثبنا من الحديث ما قطعا بصحته، وثبت عندهما نقله، وسمياّ كتابيهما الصحيح من الحديث، وأطلقا هذا الإسم عليهما، وهما أوّل من سمىّ كتابه بذلك. ولقد صدقا فيما قالا وبرا فيما زعما، ولذلك رزقهما الله من حسن القبول في شرق الأرض وغربها وبرها بحرها والتصديق لقولهما والانقياد لسماع كتابيهما ما هو ظاهر مستغن عن البيان، ثم ازداد انتشار هذا النوع من التصنيف والجمع والتأليف وتفرقت أغراض الناس وتنوعت مقاصدهم إلى أن انقرض ذلك العصر الذي كانا فيه، وجماعة من العلماء قد جمعوا وألفوا مثل أبي عيسى الترمزي وأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني وأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي وغيرهم من العلماء الذين لا يحصون، وكان ذلك العصر خلاصة العصور في تحصيل هذا العلم، وإليه المنتهى، ثم من بعده نقص هذا الطلب، وقل ذلك الحرص وفترت تلك الهمم، وكذلك كل نوع من أنواع العلوم والصنائع والدول وغيرها فإنه يبتدئ قليلا قليلا، ولا يزال ينمي ويزيد ويعظم إلى أن يصل إلى غاية هي منتهاه ويبلغ إلى أمد أقصاه، فكان غاية هذا العلم إلى زمن البخاري ومسلم ومن كان في عصرهما، ثم نزل وتقاصر إلى زماننا هذا، وسيزداد تقاصراً والهمم قصوراً. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 68
وقال السيوطي في كتابه "الوسائل إلى معرفة الاوائل" (ص 100 - 101) : أول من دون الحديث ابن شهاب الزهري في خلافة عمر بن عبد العزيز بأمره ذكره الحافظ ابن حجر في شرح البخاري، وأخرج أبو نعيم في"حلية الأولياء" (حلية الأولياء: 3/ 363) عن مالك بن أنس، قال: أول من دوّن العلم ابن شهاب، وقال مالك في الموطأ برواية محمد بن الحسن: أخبرنا يحيى بن سعيد بن عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى أَبِي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ سُنَّتِهِ أَوْ حَدِيثِ عُمَرَ أَوْ نَحْوِ هَذَا فَاكْتُبْهُ لِي، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء (انظر سنن الدارمي: 1/126؛ وتقييد العلم ص 105) . وأول من صنف في الحديث ورتبه على الأبواب مالك في المدينة وابن جريج بمكة، والربيع بن صبيح أو سعيد بن أبي عروبة أو حماد بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثوري بالكوفة، والأوزاعي بالشام، وهشيم بواسط، ومعمر باليمن، وجرير بن عبد الحميد بالريّ، وابن مبارك بخراسان، قال الحافظان بن حجر والعراقي: وكان هؤلاء في عصر واحد، فلا يدرى أيهم سبق، وذلك في سنة بضع وأربعين ومائة.
وأول من أفرد الأحاديث المسندة دون الموقوفات والمقاطيع على رأس المائتين عبيد الله بن موسى بالكوفة، ومسدّد بالبصرة، وأسد بن موسى الأموي بمصر، ونعيم بن حماد الخزاعي (في الأصل: "الخراعي"، وهو تحريف) . واختلف في أول من صنف المسند من هؤلاء، فقال الدارقطني: نعيم، وقال الخطيب: أسد بن موسى، وقال الحاكم: عبيد الله، وقال العقيلي: يحيى الحماني، وقال ابن عدي: أول من صنف المسند بالكوفة عبيد الله، ومسدد أول من صنف المسند بالبصرة، وأسد أول من صنف المسند بمصر، وهو قبلهما، وأقدمهما موتاً (انظر الرسالة المستطرفة ص 36 - 37؛ وتدريب الراوي ص 89؛ ومنهج ذوي النظر ص 18) وأول من صنف في الصحيح المجرد البخاري، ذكره ابن الصلاح، واحترز بالمجرد الذي زاده عن الموطأ، فإنه أيضا صحيح لكنه محتوي على الموقوفات والمقاطيع. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 69
وفي (تنوير الحوالك على الموطأ مالك للسيوطي) (1/4 - 5) : أخرج الهروي في "ذمم الكلام" من طريق الزهري، قال: أخبرني عروة ابن الزبير أن عمر ابن الخطاب أراد أن يكتب السنن، واستشار فيها أصحاب رسول الله، فأشار إليه عامتهم بذلك. فلبث عمر شهراً يستخير الله في ذلك شاكاً فيه، ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له، فقال: إني كنت ذكرت لكم في كتاب السنن ما قد علمتم، ثم تذكرت، فإذا أناس من أهل الكتاب من قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتباً، فأكبّوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء، فترك كتاب السنن. وقال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا قبيصة بن عقبة، أنا؟؟ سفيان، عن معمر، عن الزهري، قال: أراد عمر أن يكتب السنن، فاستخار الله شهراً، ثم أصبح وقد عزم له، فقال: ذكرت قوماً كتبوا كتابا فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله، وأخرج الهروي من طريق يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دينار، قال: لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الحديث، إنما كانوا يؤدونها لفظاً، ويأخذونها حفظاً إلا كتاب الصدقات، والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء حتى خيف عليه الدروس، وأسرع في العلماء الموت، فأمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أبي بكر الحزمي فيما كتب إليه أن انظر ما كان من سنة أو حديث عمر فاكتبه. وقال مالك في "الموطأ" برواية محمد بن الحسن عن يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العزيز كتب إلى أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حزم أن انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ أو سنته (في الأصل: "سنة"، وهو تحريف) أَوْ نَحْوِ هَذَا فَاكْتُبْهُ لِي، فَإِنِّي قَدْ خفت دروس العلم وذهاب العلماء، علَّقه البخاري في صحيحه، وأخرجه أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" بلفظ: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: انظروا حديث (في الأصل: "أحاديث"، وهو تحريف) رسول الله فاجمعوه، واخرج ابن عبد البر في "التمهيد" من طريق ابن وهب قال: سمعت مالكا يقول: كان عمر بن عبد العزيز يكتب الى الأمصار يعلمهم الفقه والسنن، وكتب الى المدينة يسالهم عما مضى، وأن يعلموا بما عندهم، ويكتب الى ابي بكر بن حزم أن يجمع السنن، ويكتب إليه بها، فتوفي عمر، وقد كتب ابن حزم كتابا قبل أن يبعث بها إليه. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 70
وفي "تنوير الحوالك" (1/6) أيضاً: قال أبو طالب المكي في "قوت القلوب": هذة المصنفات من الكتب حادثة بعد سنة عشرين أو ثلاثين ومئة، ويقال: إن أول ما صنف في الإسلام كتاب ابن جريج في الأثار، وحروف من التفاسير، ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني باليمن، جمع فيه سنن منثورة مبوبة، ثم كتاب الموطأ بالمدينة لمالك؟، ثم جمع ابن عيينة كتاب الجامع والتفسير في أحرف من القرآن وفي الأحاديث المتفرقة، وجامع سفيان الثوري صنفه أيضاً في هذة المدة، وقيل أنها صنفت سنة ستين ومئة. انتهى.
الفائدة الثانية: في ترجمة الإمام مالك
- (انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء: 8/48، ترتيب المدارك: 1/102، 254؛ وفيات الأعيان: 4/135، 139؛ تهذيب التهذيب: 10/5 وطبقات الحفاظ ص 89؛ وتهذيب الكمال: 7/139؛ ومقدمة أوجز المسالك 1/17، 55.
وليس في الإمكان حصر الكتب التي ألفت في سيرته، أو ترجمت له، ولي كتاب "الإمام مالك ومكانة كتابه الموطأ" مطبوع) .
وما أدراك ما مالك؟! إمام الأئمة، مالك الأزمة، رأس أجلة دار الهجرة، قدوة علماء المدينة الطيبة، يعجز اللسان عن ذكر أوصافه الجليلة، ويقصر الإنسان عن ذكر محاسنه الحميدة.
وقد أطنب المؤرخون في تواريخهم والمحدثون في تواليفهم في ذكر ترجمته وثنائه، وصنف جمع منهم رسائل مستقلة في ذكر حالاته كأبي بكر أحمد بن مروان المالكي الدينوري المصري المتوفى سنة عشر وثلاث مائة على ما في "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون " (2/1841) ، وأبو الروح عيسى بن مسعود الشافعي المنوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة، والجلال السيوطي الشافعي المصري صنف رسالة سماها "تزيين الأرائك بمناقب الإمام مالك" ولنذكر ههنا نبذاً من أحواله ملخصا من "معدن اليواقيت الملتمعة، في مناقب الأئمة الأربعة" وغيره من كتب ثقات الأمة قاصداً فيه الاختصار، فالتطويل يقتضي الأسفار الكبار.
فأما اسمه ونسبه، فهو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن
الجزء 1 · صفحة 71
عمرو بن الحارث بن غيمان - بغين معجمة وياء تحتية - ويقال عثمان (قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: 8/71: وهذا لم يصح) بن جثيل بجيم وثاء مثلثة ولام - وقيل خثيل بخاء معجمة - بن عمرو بن الحارث الأصبحي المدني، نسبة إلى أصبح بالفتح قبيلة من يعرب بن قحطان. وجده الأعلى أبو عامر ذكره الذهبي في"تجريد الصحابة". وقال: كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، ولابنه مالك رواية عن عثمان وغيره. وأما ولادته ووفاته. فذكر اليافعي في "طبقات الفقهاء" أنه ولد سنة أربع وتسعين، وذكر ابن خلِّكان وغيرُه انه ولد سنة خمسة وتسعين، وقيل سنة تسعين (قال الذهبي في المصدر السابق 8/49: الأصح في سنة ثلاثة وتسعين) ، وذكر المزِّي في "تهذيب الكمال" وفاته سنة تسعة وسبعون ومائة ضحوة رابع عشر من ربيع الأول، وحمل به في بطن أمه ثلاث سنين وكان دفنه بالبقيع وقبره يزار ويتبرك به. وأما مشايخه وأصحابه فكثيرون فمن مشايخه: إبراهيم بن أبي عبلة المقدسي، وإبراهيم بن عقبة، وجعفر بن محمد الصادق، ونافع مولى بن عمر، ويحيى بن سعيد، والزهري، وعبد الله بن دينار وغيرهم. ومن تلامذته سفيان الثوري، وسعيد بن منصور، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن الأوزاعي وهو أكبر منه، وليث بن سعد من أقرانه، والإمام الشافعي محمد بن ادريس، ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم. وأما ثناء الناس عليه ومناقبه فهو كثير: قال أبو عمر (ذكر بعضهم في كنيته، أبو عمرو بالواو، وذكر الزرقاني في "شرح المواهب" أن كنيته أبوعمر بضم العين بدون الواو (ش)) بن عبد البَرّ في كتاب "الأنساب": أن الإمام مالك بن أنس كان إمام دار الهجرة، وفيها ظهر الحق وقام الدين، ومنها فُتحت البلاد وتواصلت الأمداد، وسمي عالم المدينة، وانتشر علمه في الأمصار، واشتهر في سائر الأقطار، وضربت له أكباد الإبل، وارتحل الناس إليه من كل فج عميق، وانتصب للتدريس، وهو ابن سبعة عشر سنة، وعاش قريباً من
الجزء 1 · صفحة 72
تسعين، ومكث يفتي الناس ويعلم الناس سبعين سنة، وشهد له التابعون بالفقه والحديث. انتهى.
وفي "الروض الفائق" أنه العالم الذي يشير إليه (في الأصل: "به"، وهو خطأ) النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمزي (أخرجه الترمزي في كتاب العلم، رقم الحديث 2680) وغيره، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "ينقط العلم فلا يبقى عالم أعلم من عالم المدينة". وفي حديث آخر عن أبي هريرة: "يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل، فلا يجدون عالماً أعلم من عالم المدينة". قال سفيان بن عيينة: كانوا يرون مالكاً، وقال عبد الرزاق: كنا نرى أنه مالك فلا يعرف هذا الإسم لغيره، ولا ضربت أكباد الإبل إلى أحد مثل ما ضربت إليه. وقال مصعب: سمعت مالكاً يقول: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون شيخاً أني أهلٌ لذلك، وقال الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز. وقال رجل للشافعي: هل رأيت أحداً ممن أدركت مثل مالك؟ فقال: سمعت من تقدّمنا في السن والعلم يقولون: ما رأينا مثل مالك، فكيف نرى مثله؟ وقال حماد بن سلمة: لو قيل لي اختر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من يأخذون عنه العلم لرأيت مالك بن أنس لذلك موضعاً ومحلاً. وقال محمد بن ربيع حججت مع أبي وأنا صبي فنمت في مسجد رسول الله فرأيت في النوم رسول الله كأنه خرج من قبره وهو متّكئ على أبي بكر وعمر، فقمت، وسلّمت، فردّ السلام، فقلت: يا رسول الله، أين أنت ذاهب؟ قال: أقيم لمالك الصراط المستقيم، فانتبهت وأتيت أنا وأبي إلى مالك، فوجدت الناس مجتمعين على مالك وقد أخرج لهم الموطّأ، وقال محمد بن عبد الحكيم: سمعت محمد بن السري، يقول: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام، فقلت: حدّثني بعلم أحدّث به عنك. فقال: يا ابن السري، إني قد وصلت بمالك بكنز يفرقه عليكم، ألا وهو "الموطّأ"، ليس بعد كتاب الله ولا سنتي في إجماع المسلمين حديث أصح من "الموطأ"، فاستمعه تنتفع به. وقال يحيى بن سعيد: ما في القوم أصح حديثاً من مالك، ثم سفيان الثوريّ وابن عيينة. وقال أبو مسلم الخزاعي: كان مالك إذا أراد أن يجلس (أي للتحديث) توضأ وضوءه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، وتطيّب، ومشط لحيته، فقيل له في ذلك،
الجزء 1 · صفحة 73
فقال: أوقّر به حديث رسول الله. وقال ابن المبارك: كنت عند مالك وهو يحدثنا بحديث رسول الله، فلدغته عقرب ستّ عشرة مرة، وهو يتغير لونه، ويصفر وجهه، ولا يقطع الحديث، فلما تفرق الناس عنه قلت له: لقد رأيت اليوم منك عجباً، فقال: صبرت إجلالاً لحديث رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه، وينحني، فقيل له في ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم. وذكر ابن خلّكان (وفيات الأعيان: 4/136) : كان مالك لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنّه، يقول: لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفونة.
الفائدة الثالثة: في ذكر فضائل الموطّأ وسبب تسميته به وما اشتمل عليه.
- قال السيوطي في "تنوير الحوالك" (1/6، 8) : قال القاضي أبو بكر بن العربي في "شرح الترمزي": الموطّأ هو الأصل الأول واللباب، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب، وعليهما بنى الجميع كمسلم والترمزي. وذكر ابن الهيّاب (في الأصل: ابن الهباب، وهو تحريف) أن مالكاً روى مئة ألف حديث، جمع منها في الموطّأ عشر آلاف حديث، ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة، ويختبرها بالآثار والأخبار حتى رجعت إلى خمسمائة. وقال إِلْكيَا الهَرَّاسي في تعليقه في الأصول: إن موطّأ مالك كان اشتمل على تسعة ألاف حديث، ثم لم يزل ينتقي حتى رجع إلى سبعمائة. وأخرج أبوالحسن بن فهر في "فضائل مالك" عن عتيق بن يعقوب، قال: وضع مالك الموطّأ على نحو من عشرة آلاف حديث، فلم يزل ينظر فيه في كل سنة، ويسقط منه حتى بقي منه هذا ...
وأخرج ابن عبد البّر عن عمر بن عبد الواحد صاحب الأوزاعي، قال: عرضنا على مالك الموطّأ في أربعين يوماً فقال كتاب ألفته في أربعين سنة أخذتموه في أربعين يوما، ما أقل ما تفقهون فيه! ... وقال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الكناني الأصفهاني: قلت لأبي حاتم الرازيّ: لم سُمِّي موطّأ مالك بالموطّأ؟ فقال شيء قد صنّفه ووطّأه للناس، حتى قيل موطّأ مالك، كما قيل جامع سفيان، وقال أبو الحسن بن
الجزء 1 · صفحة 74
فهر: أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن فراس، سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أحمد الخلنجي، يقول: سمعت بعض المشايخ يقول: قال مالك: عرضت كتابي هذا على سبعين فقيهاً من فقهاء المدينة، فكلُّهم واطأني عليه فسَّميتُه الموطأ، قال ابن فهر: لم يسبق مالكاً أحداً إلى هذه التسمية، فإن من ألف في زمانه سمى بعضهم بالجامع، وبعضهم بالمصنف، وبعضهم بالمألف، والموطأ: الممهد المنقح، وفي القاموس وطّأه هيّأه ودمّثه وسهَّله، ورجل الموطأ الأكناف سهل دمث كريم مضياف، أويتمكَّن في ناحيته صاحبه، غير مؤذ ولا ناب (وفي الأصل: "ثاب" وهو تحريف) به موضعه، وموطأ العقب سلطان يتبع، وهذه المعاني كلها تصلح في هذا الاسم على سبيل الاستعارة، وأخرج ابن عبد البر عن المفضل بن محمد بن حرب المدني، قال أول من عمل كتاباً بالمدينة على معنى الموطأ من ذكر ما اجتمع عليه أهل المدينة عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وعمل ذلك كلاماً بغير حديث فأتي به مالك فنظر فيه، فقال: ما أحسن ماعمل هذا، ولو كنت أنا الذي عملت لابتدأت الآثار، ثم شدّدت ذلك بالكلام، ثم إنه عزم على تصنيف الموطأ، فصنفه، فعمل من كان بالمدينة يومئذ من العلماء الموطآت، فقيل لمالك: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب، وقد شركك فيه الناس وعملوا أمثاله، فقال: ائتوني بماعملوا به، فأتي به فنظر في ذلك ثم نبذه وقال: لتعلمنّ أنه لا يرتفع إلا ما أريد به وجه الله، قال: فكأنما ألقيت تلك الكتب في الآبار، وقال الشافعي: ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك، أخرجه ابن فهر من طريق يونس بن عبد الأعلى عنه، وفي لفظ: ما وضع على الأرض كتاب هو أقرب إلى القرآن من كتاب مالك، وفي لفظ: ما في الأرض بعد كتاب الله أكثر صواباً من موطّأ مالك، وفي لفظ: ما بعد كتاب الله أنفع من الموطّأ، وقال الحافظ مغلطاي أول من صنف الصحيح مالك (شرح الزرقاني: 1/8) .
وقال الحافظ بن حجر: كتاب مالك صحيح عنده وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما، قلت: ما فيه من
الجزء 1 · صفحة 75
المراسيل فإنها مع كونها حجة عنده بلا شرط، وعند من وافقه من الأئمة على الإحتجاج بالمرسل، فهي أيضا حجة عندنا، لأن المرسل عندنا حجة إذا اعتضد، وما من مرسل في الموطّأ إلا وله عاضد أو عواضد، فالصواب إطلاق أن الموطّأ صحيح كله، لا يستثنى منه شيء، وقد صنف ابن عبد البر كتاباً في وصل ما في الموطّأ من المرسل والمنقطع والمعضل، قال: وجميع ما فيه من قوله: بلغني، ومن قوله: عن الثقة عنده، مما لم يسنده: أحد وستون حديثاً كلها مسندة، من غير طريق مالك إلا أربع لا تعرف: أحدها: حديث إنِّي لأَنسى أَو أُنَسَّى لأَسُنَّ (وفي الأصل: "لا أنسى ولكن أنسى"، وهو تحريف؛ وأخرجه مالك في كتاب السهو: 1/100) ، والثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم أُري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر، والثالث: قول معاذ آخر ما أوصاني به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وضعت رجلي في الغرزان، قال: حسّن خلقك للناس، والرابع: إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة. انتهى.
وفي "سير النبلاء" للذهبي (هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان التركماني الدمشقي المتوفي سنة 748 هـ (ش)) في ترجمة الشيخ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح الشهير بابن حزم الظاهري الأندلسي القرطبي (سِيَر أعلام النبلاء: 18/184) المتوفى في شعبان سنة 456 هـ ست وخمسين بعد أربعمائة بعد ما ذكر مناقبة ومعائبة: وإني أنا أميل إلى محبة أبي محمد لمحبته بالحديث الصحيح، ومعرفة به، وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقوله في الرجال والعلل والمسائل البشعة في الأصول والفروع، وأقطع بخطئه في غير مسألة، ولكن لا أكفره، ولا أضلله، وأرجو له العفو والمسامحة، وأخضع لفرط ذكائه وسعة علمه، ورأيته ذكر قول من يقول: أجل المصنفات الموطّأ، فقال: بل أولى الكتب بالتعظيم صحيحا البخاري ومسلم، وصحيح ابن السكن، ومنتقى ابن الجارود، والمنتقى لقاسم ابن أصبغ، ثم بعدها كتاب أبي داود، وكتاب النسائي، ومصنف القاسم بن
الجزء 1 · صفحة 76
أصبغ، ومصنف أبي جعفر الطحاوي، قلت: ما ذكر سنن ابن ماجه ولا جامع أبي عيسى الترمزي، فإنه ما رآهما ولا أدخلا إلى الأندلس إلا بعد موته، قال: ومسند البزار، ومسند ابن أبي شيبة، ومسند أحمد بن حنبل، ومسند إسحق، ومسند الطيالسي، ومسند الحسن بن سفيان، ومسند ابن سنجر، ومسند عبد الله بن محمد المسندي، ومسند يعقوب بن شيبة، ومسند علي بن المديني، ومسند ابن أبي غرزة، وما جرى مجرى هذه الكتب التي أفردت بكلام رسول الله صرفاً، ثم الكتب التي فيها كلامه وكلام غيره، ثم مصنف عبد الرزاق، ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة، ومصنف بقيّ بن مخلد، وكتاب محمد بن نصر المروزي، وكتاب ابن المنذر الأكبر والأصغر، ثم مصنف حماد بن سلمة، وموطّأ مالك بن أنس، وموطّأ ابن أبي ذئب، وموطّأ ابن وهب، ومصنف وكيع، ومصنف محمد بن يوسف الفريابي، ومصنف سعيد بن منصور، ومسائل أحمد، وفقه أبي عبيد، وفقه أبي ثور، قلت ما أنصف ابن حزم، بل رتبة الموطّأ أن يذكر تلو الصحيحين مع سنن أبي داود النسائي (تدريب الراوي ص 54، والأجوبة الفاضلة ص 47. عدّ الجمهور الموطّأ في الطبقة الأولى من كتب الحديث منهم الإمام ولي الله الدهلوي وابنه العلامة عبد العزيز الدهلوي. مقدمة أوجز المسالك 1/32) ، لكنه تأدب، وقدم المسندات النبوية الصرفة، وإن للموطّأ لوقعاً في النفوس ومهابةً في القلوب، لا يوازيها شيء. انتهى كلام الذهبي (سِيَر أعلام النبلاء: 18/201 - 203) .
الفائدة الرابعة: قد يُتَوَهَّم التعارض بين ما مرَّ نقله عن الشافعي أن أصح الكتب بعد كتاب الله الموطّأ، وقول جمهور المحدثين أن أصح الكتب كتاب البخاري، ثم كتاب مسلم، وأن أعلى الأحاديث من حيث الأصحية ما اتفقا عليه ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطهما، ثم ما كان على شرط البخاري، ثم ما كان على شرط مسلم، ثم باقي الصحاح على حسب مراتبها، ومنهم من فضل صحيح مسلم على صحيح البخاري فإن كان مراده من حيث الأصحية، فهو غلط، وأن كان من وجه آخر، فهو أمر خارج عن البحث،
الجزء 1 · صفحة 77
ولإبن الهمام في "فتح القدير" (3/186) حاشية الهداية كلام في هذا المقام، لكنه مدفوع بعد دقة النظر عند الأعلام، وتفصيل هذا البحث مذكور في شروح الألفية وشروح شرح النخبة ودراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب، وجوابه على ما في "فتح المغيث شرح ألفية الحديث" للسخاوي (هو شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي: نسبة إلى سخا قرية من أعمال مصر، تلميذ الحافظ ابن حجر، المتوفى سنة 902 هـ بالمدينة المنورة. (ش)) ، و"تدريب الراوي شرح تقريب النواوي" للسيوطي، وغيرهما أن قول الشافعي كان قبل وجود كتاب البخاري ومسلم (فتح المغيث 1/27، وتدريب الراوي 1/91) . وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة " فتح الباري" (ص 10) نقلاً عن"مقدمة ابن الصلاح": أما ما روينا عن الشافعي أنه قال: ما أعلم في الأرض كتاباً في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك، ومنهم من رواه بغير هذا اللفظ أصح من الموطّأ، فإنما قال ذلك قبل وجود كتابي البخاري ومسلم، ثم أن كتاب البخاري أصح الكتابين، وأكثرهما فوائد. انتهى. وقال أيضاً: قد استشكل بعض الأئمة إطلاق تفضيل البخاري على كتاب مالك مع اشتراكهما في اشتراط الصحة والتثبّت والمبالغة في التحري، وكون البخاري أكثر حديثاً لا يلزم منه أفضلية الصحة، والجواب عن ذلك أن ذلك محمول على شرائط الصحة، فمالك لا يرى الانقطاع في الإسناد قادحاً، فلذلك يخرج المراسيل والمنقطعات والبلاغات في أصل موضوع كتابه، البخاري يرى أن الانقطاع علّة، فلا يخرج ما هذا سبيله إلا في غير أصل موضوع كتابه، كالتعليقات والتراجم، ولا شك أن المنقطع وإن كان عند قوم مما يحتج به فالمتصل أقوى منه إذا اشترك رواتهما في العدالة والحفظ، فبان بذلك فضيلة صحيح البخاري، واعلم أن الشافعي إنما أطلق على الموطّأ فضيلة الصحة بالنسبة إلى الجوامع الموجودة في زمانه، كجامع سفيان الثوري ومصنف حماد بن سلمة وغير ذلك، وهو تفضيل مسلم لا نزاع فيه. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 78
الفائدة الخامسة: من فضائل الموطّأ اشتماله كثيراً على الأسانيد التى حكم المحدثون عليها بالأصحية.
- وقد اختلف فيه، فقيل: أصح الأسانيد ما رواه محمد بن مسلم بن عبد الله بن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهذا مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، صرّح به ابن الصلاح، وقيل: أصحّها محمد بن سيرين، عن عبيدة بن عمرو السّلماني، عن علي بن أبي طالب، قاله علي بن المديني، وعمرو ابن علي الفلاّس. وقيل إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قاله يحيى بن معين والنسائي. وقيل: الزهري عن زين العابدين علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب حكاه ابن الصلاح عن أبي بكرٍ بن أبي شيبة، والعراقي عن عبد الرازق، وقيل مالك عن نافع، عن ابن عمر، وهذا قول البخاري، وبه صدق العراقي كلامه وهو أمر تميل إليه النفوس، وتنجذب إليه القلوب، وبناءً على هذا قال أبو منصور عبد القاهر التميمي البغدادي: إن أجل الأسانيد: الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، لأنه لم يكن في الرواه عن مالك أجل من الشافعي، (انظر مقدمة ابن الصلاح ص 86، طبع بتحقيق الدكتور عائشة عبد الرحمن على هامشها محاسن الاصطلاح) . وبنى عليه بعضهم أن أجلَّها أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك عن نافع عن إبن عمر، لكون أحمد أجلَّ من أخذ عن الشافعي، وتسمى هذه الترجمة سلسلة الذهب. وتعقب الحافظ مغلطاي أبا منصور التميمي في ذكره الشافعي، برواية أبي حنيفة، عن مالك إن نظرنا إلى الجلالة، وابن وهب والقَعْنَبِي إن نظرنا إلى الإتقان، وقال البلقيني في "محاسن الإصطلاح" (ص 86) : أما أبو حنيفة، فهو وإن روى عن مالك كما ذكره الدارقطني، لكن لم تشتهر روايته عنه كاشتهار رواية الشافعي، وقال العراقي: رواية أبي حنيفة عن مالك فيما ذكره الدارقطني في (غرائبه) ليست من روايته عن نافع ابن عمر، والمسألة مفروضة في ذلك، نعم ذكر الخطيب حديثا كذلك في روايته عن مالك، وقال الحافظ ابن حجر: أما اعتراضه
الجزء 1 · صفحة 79
بأبي حنيفة فلا يحسن، لأن أبا حنيفة لم يثبت روايته عن مالكك، وإنما أوردها الدارقطني ثم الخطيب لروايتين وقعتا لهما عنه، بإسنادين فيهما مقال، وأيضاً فإن رواية أبي حنيفة عن مالك إنما هي فيما ذكره في المذاكرة، ولم يقصد الرواية عنه كالشافعي الذي لازمه مدة طويلة، وقرأ عليه الموطأ بنفسه. وأما اعتراضه بابن وهب والقَعنَبي (ينسب إلى جده قعنب - بفتح القاف وسكون العين وفتح النون - وهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة، أحد رواة الموطّأ عن مالك، توفي بالبصرة سنة 221 هـ) ، فلا شك أن الشافعي أعلم منهما، وقال غير واحد: إن ابن وهب غير جيد التحمُّل، فيحتاج إلى صحة النقل عن أهل الحديث أنه كان أتقن الرواية عن مالك، نعم كان كثير اللزوم به. انتهى ملخّصاً. وقيل: أصح الأسانيد شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب يعني عن شيوخه، وقيل: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة، ذكره الخطيب عن ابن معين، وقيل يحيى بن أبي كثير بن أبي سلمة عن أبي هريرة، قاله سليمان بن داود الشاذكوني، وقيل: أيوب عن نافع عن ابن عمر، رواه خلف بن هشام البزار عن أحمد، وقيل: شعبة عن عمرو بن مرة عن مرة عن أبي موسى الأشعري نقله الخطيب عن وكيع، وقيل: سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود، قاله ابن مبارك والعجلي. هذا ما في "تدريب السيوطي" (انظر تدريب الراوي ص 74 - 77) و "شرح شرح نخبة الفكر" لملاّ أكرم السندي (ص 50 - 51) . وفي المقام تفصيل ليس هذا موضع ذكره.
الفائدة السادسة: قال السيوطي: في "تنوير الحوالك" (ص 1/10 - 12) : الرواة عن مالك فيهم كثرة جداً بحيث لا يعرف لأحد من الأئمة رواة كرواته، وقد أفرد الحافظ أبو بكر الخطيب كتاباً في الرواة عن مالك، أورد فيه ألف رجل إلا سبعة، وذكر القاضي عياض أنه ألف في رواته كتاباً، وذكر فيه نيفاً على ألف اسم وثلاثمائة، وأما الذين رووا عنه الموطّأ، فعقد لهم القاضي في المدارك باباً، وسمّى منهم غير الأربعة المشهورين -
الجزء 1 · صفحة 80
وسيأتي ذكرهم - الشافعي، ومطرف بن عبد الله، وعبد الله بن عبد الحكم، وبكار بن عبد الله الزبيري، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وزياد بن عبد الله الأندلسي، وسبطون (هكذا في الأصل، والصحيح شبطون بشين معجمة موحدة وطاء مهملة: شرح الزرقاني 1/6) بن عبد الله الأندلسي، ومحمد بن شروس الصنعاني، وأبا قرة السكسكي، وأبا (في الأصل: "أبو فلان"، وهو تحريف) فلان السهمي البغدادي، وأحمد بن منصور النامزاني، وقتيبة بن سعيد وعتيق بن يعقوب الزبيري، وأسد بن الفرات القروي، وإسحق بن عيسى الطباع، وبديرةَ المغني البغدادي، وحفص بن عبد السلام الأندلسي وأخاه حسان، وحبيب بن أبي حبيب، وخلف بن جرير بن فضالة، وخالد بن نزارة الإيلي، والغازي بن قيس الأندلسي، وقرعوس بن العباس الأندلسي، ومحرزّ المدني، وسعيد ابن عبد الحكم الأندلسي، وسعيد بن أبي هند الأندلسي، وسعيد بن عبدوس الأندلسي، وعبد الأعلى بن مسهر الدمشقي، وعبد الرحيم بن خالد المصري، وإسماعيل بن أبي أويس وأخاه أبا بكر، وعلي بن زياد التونسي، وعباس بن ناصح الأندلسي، وعيسى بن شجرة التونسي، وأيوب بن صالح المدني، وعبد الرحمن بن هند الطليطلي (في الأصل: "الطيطلي"، وهو تحريف) ، وعبد الرحمن بن عبد الله الأندلسي، وعبيد بن حبان الدمشقي، وسعيد بن داود المدني، قال القاضي: فهؤلاء الذين حقّقنا أنهم رووا عنه الموطّأ، ونص على ذلك أصحاب الأثر والمتكلمون في الرجال، وقد ذكروا أيضاً أن محمد بن عبد الله الأنصاري البصري أخذ الموطّأ عنه كتابةً، وإسماعيل بن إسحق أخذه مناولة، وأما القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة فرواه عن رجل عنه، وذكروا أن هارون الرشيد وبنيه الأمين والمأمون والمؤتمن أخذوا عنه الموطّأ، وقد ذكر عن المهدي والهادي أنهما سمعا منه ورويا عنه، ولا مرية في أن رواة الموطّأ أكثر من هؤلاء، ولكن إنما ذكرنا منهم من بلغنا نصاً سماعه منه وأخذه له عنه، أو من اتصل إسنادنا له فيه منه، والذي اشتهر من نسخ الموطّأ عنه مما رويته أو وقفت عليه، أو كان في رواية شيوخنا أو نقل منه أصحاب اختلافات الموطّآت
الجزء 1 · صفحة 81
نحو عشرين نسخة، وذكر بعضهم أنها ثلاثون، وقد رأيت الموطأ برواية محمد بن حميد بن عبد الرحيم بن سروس الصنعاني عن مالك، وهو غريب ولم يقع لأصحاب اختلاف الموطَّآت. هذا كله كلام القاضي (تنوير الحوالك: ص 9) . وذكر الخطيب ممن روى عن مالك الموطأ: إسحاق بن موسى الموصلي مولى بني مخزوم. وقال الخليلي في الإرشاد وقال أحمد بن حنبل كنت سمعت الموطأ من بضعة عشر رجلا من حفاظ أصحاب مالك فأعدته على الشافعي لأني وجدته (في الأصل وجدت والظاهر وجدته) أقومهم وقال أبو بكر بن خزيمة: سمعت نصر بن مرزوق يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: وسألته عن رواة الموطأ، فقال أثبت الناس في الموطأ عبد الله بن مسلمة القعنبي، وعبد الله بن يوسف التنّيسي بعده، قال الحافظ: وهكذا أطلق المديني والنسائي، وقال أبو حاتم أثبت أصحاب مالك وأوثقهم معن بن عيسى. وقال بعض الفضلاء: اختار أحمد في "مسنده" رواية عبد الرحمن بن مهدي، والبخاري رواية عبد الله بن يوسف التِّنِّيسي، ومسلم رواية يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري، وأبو داوود رواية القعنبي، والنسائي رواية قتيبة بن سعيد. قلت: يحيى المذكور ليس هو صاحب الرواية المشهورة، وهو يحيى بن يحيى بن بكير بن عبد الرحمن النيسابوري أبو زكريا مات سنة ستة وعشرين ومائتين في صفر، وأما يحيى صاحب الرواية المشهورة فهو يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس أبو محمد الليثي الأندلسي مات في رجب سنة أربع وثلاثين ومئتين. انتهى ملخصاً.
الفائدة السابعة: [نسخ الموطأ]
- قد أورد بعض أعيان دهلي (هو الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي المتوفي 1239 هجري. في الاصل: "الدهلي"، وهو تحريف) في كتابه "بستان المحدثين" المؤلف باللسان الفارسي في ذكر حال الموطَّأ، وترجمة مؤلِّفه، واختلاف نسخه، تفصيلاً حسناً. وخلاصة ما ذكره فيه معرّباً أن نسخ الموطأ التي توجد في ديار العرب في هذه الأيام متعددة.
الجزء 1 · صفحة 82
النسخة الأولى: المروجة في بلادنا، المفهومة من الموطَّأ عند الإطلاق في عصرنا، هي نسخة يحيى بن يحيى المصمودي (انظر ترجمته في الإنتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء ص 58 60، وشذرات الذهب 2/83) ، هو أبو محمد يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بفتح الواو وسكون السين المهملة، ابن شملل، بفتح الشين المعجمة والللام الأولى بينهما ميم، ابن منقايا، بفتح الميم وسكون النون، المصمودي، بالفتح نسبة إلى مصمودة، قبيلة من بربر وأول من أسلم من أجداده منقايا على يد يزيد بن عامر الليثي، وأول من سكن الأندلس منهم جده كثير، وأخذ يحيى الموطّأ أولاً من زياد بن عبد الرحمن بن زياد اللخمي المعروف بالشبطون، وكان زياد أول من أدخل مذهب مالك في الأندلس، ورحل إلى مالك للإستفادة مرتين، ورجع إلى وطنه واشتغل بإفادة علوم الحديث، وطلب منه أمير قرطبة قبول قضاء قرطبة فامتنع، وكان متورعاً زاهداً مشاراً إليه في عصره، وفاته في السنة التي مات فيها الإمام الشافعي، وهي سنة أربع ومائتين، وارتحل يحيى إلى المدينة، فسمع الموطّأ من مالك بلا واسطة إلا ثلاثة أبواب من كتاب الإعتكاف: باب خروج المعتكف إلى العيد، وباب قضاء الاعتكاف، وباب النكاح في الاعتكاف، وكانت ملاقاته وسماعه في السنة التي مات فيها مالك، يعني سنة تسع وسبعين بعد المائة، وكان حاضراً في تجهيزه وتكفينه، وأخذ الموطّأ أيضاً من أجل تلامذة مالك عبد الله بن وهب وأدرك كثيراً من أصحابه، وأخذ العلم عنهم، ووقعت له رحلتان من وطنه، ففي الأولى أخذ عن مالك، وعبد الله بن وهب، وليث بن سعد المصري، وسفيان بن عيينة، ونافع بن نعيم القاري وغيرهم، وفي الثانية أخذ العلم والفقه عن ابن القاسم صاحب المدونة من أعيان تلامذة مالك، وبعدما صار جامعاً بين الرواية والدراية عاد إلى أوطانه وأقام بالأندلس يدرس ويفتي على مذهب مالك، وبه وبعيسى بن دينار تلميذ مالك انتشر مذهبه في بلاد المغرب، وكانت وفاة يحيى في سنة أربعة وثلاثين بعد المائتين، وأول نسخته بعد البسملة، "وقوت الصلاة"، مالك ابن شهاب، أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يوماً، فدخل عليه عروة بن الزبير فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوماً، وهو
الجزء 1 · صفحة 83
بالكوفة، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا يا مغيرة؟ أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى معه رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ صلى ... الحديث.
النسخة الثانية: نسخة ابن وهب (أنظر ترجمته في: ترتيب المدارك 2/ 421، تهذيب التهذيب 6/73، الديباج المذهب 133، طبقات الحفاظ ص 126) : أولها: أخبرنا مالك عن أبي الزناد، وعن الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ... الحديث، وهذا الحديث من متفردات ابن وهب، ولا يوجد في الموطآت الأُخر إلاّ موطأ ابن القاسم. وهو أبو محمد عبد الله بن سلمة الفهري المصري، ولد في ذي القعدة سنة خمس وعشرين بعد مائة، وأخذ عن أربع مائة شيخ، منهم مالك، وليث بن سعد، ومحمد بن عبد الرحمن، والسفيانان وابن جريج، وغيرهم، وكان مجتهداً لا يقلد أحداً، وكان تعلم طريق الاجتهاد والتفقه من مالك وليث، وكان في عصره كثير الرواية للحديث، وذكر الذهبي وغيره أنه وجد في تصانيفه مائة ألف حديث وعشرون ألف من رواياته، ومع هذا لا يوجد في أحاديثه منكر فضلاً عن ساقط وموضوع، ومن تصانيفه كتاب مشهور بجامع ابن وهب، وكتاب المناسك وكتاب المغازي، وكتاب تفسير الموطأ، وكتاب القدر وغير ذلك، وكان صنف كتاب أهوال القيامة، فقُرئ عليه يوماً، فغلب عليه الخوف، حتى عرض له الغشي، وتوفي في تلك الحالة يوم خامس شعبان سنة سبع وتسعين بعد مائة.
النسخة الثالثة: نسخة ابن القاسم، ومن متفرداتها: مالك عن العلاء بن عبد الرحمن، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله: من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري فهو له كلّه، أنا أغنى الشركاء". قال أبو عمر بن عبد البر: هذا الحديث لا يوجد إلا في موطأ ابن القاسم وابن عفير.
وهو أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد المصري (انظر ترجمته في: وفيات الاعيان 1/276، الديباج المذهب 146، حسن المحاضرة 1/303، تذكرة الحفاظ 1/356، طبقات السيوطي 148.) ، ولد سنة
الجزء 1 · صفحة 84
اثنتين وثلاثين بعد مائة، أخذ العلم عن كثير من الشيوخ منهم مالك، وكان زاهداً، فقيهاً، متورعاً، كان يختم القرآن كل يوم ختمتين، وهو أول من دون مذهب مالك في"المدونة" وعليها اعتمد فقهاء مذهبه، وكانت وفاته في مصر سنة إحدى وتسعين بعد مائة.
النسخة الرابعة: معن بن عيسى، ومن متفرداتها: مالك، عن سالم أبي النضر، عن أبي سلمة، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم يصلي من الليل، فإذا فرغ من صلاته، فإن كنت يقظانة تحدث معي، وإلاّ اضطجع حتى يأتيه المؤذن.
وهو أبو يحيى معن (له ترجمة في: الانتقاء لابن عبد البر ص 61، تهذيب التهذيب 10/ 252، والديباج 347) ، بالفتح، ابن عيسى بن دينار المدني القّزاز، يعني بائع القز، الأشجعي، مولاهم، من كبار أصحاب مالك، ومحققيهم، ملازماً له، ويقال له: عصا مالك، لأن مالك كان يتكئ عليه حين خروجه من المسجد بعدما كبر وأسن، وتوفي بالمدينة سنة ثمانية وتسعين ومائة في شوال.
النسخة الخامسة: نسخة القعنبي، ومن متفرداتها: أخبرنا مالك عن ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبده ورسوله.
وهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي القعنبي (له ترجمة في: تذكرة الحفاظ 1/ 383، والديباج المذهب 131، والعبر 1/382) ، بفتح القاف وسكون العين، نسبة إلى جده. كان أصله من المدينة، وسكن البصرة، ومات بمكة، في شوال سنة إحدى وعشرون بعد المائتين، وكانت ولادته بعد ثلاثين ومائة، وأخذ عن مالك والليث وحماد وشعبة وغيرهم، قال ابن معين: ما رأينا من يحدث لله إلا وكيعاً، والقعنبي، له فضائل جمّة، وكان مجاب الدعوات، وعُدّ من الأبدال.
الجزء 1 · صفحة 85
النسحة السادسة: نسخة عبد الله بن يوسف (له ترجمة في: تهذيب التهذيب 6/88، تقريب التهذيب 1/463) الدمشقي الأصل التِّنِّيسي المسكن إلى تنّيس، بكسر التاء المثناة الفوقية وكسر النون الممشددة بعدها ياء مثناة تحتية آخره سين مهملة، بلدة من بلاد المغرب، وذكر السمعاني أنها من (في الأصل: "من بلاد"، وهو خطأ) بلاد مصر. وثقه البخاري وأبو حاتم، وأكثر عنه البخاري في كتبه، ومن متفرداتها إلاَّ بالنسبة إلى موطّأ ابن وهب: مالك عن ابن شهاب عن حبيب مولى عروة عن عروة: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ... الحديث.
النسخة السابعة: نسخة يحيى بن يحيى بن بكير أبو زكريا المعروف بابن بكير المصري (له ترجمة في: تذكرة الحفاظ 2/420، حسن المحاضرة 1/437، شذرات الذهب 2/71) ، أخذ عن مالك والليث وغيرهما، وروى عنه البخاري ومسلم بواسطة في صحيحيهما، ووثقه جماعة، ومن لم يوثقه لم يقف على مناقبه، مات في صفر سنة إحدى وثلاثين بعد المائتين. ومن متفرداتها: مالك عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه ليورثنّه". قلت: هذا الحديث موجود في موطّأ محمد أيضاً برواية مالك عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن حزم، عن عمرة، عن عائشة كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى (رقم الحديث 935) .
النسخة الثامنة: نسخة سعيد بن عفير (له ترجمة في: تذكرة الحفاظ 2/427، وتهذيب النهذيب 4/74، وميزان الاعتدال 2/155) ، وهو سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم الأنصاري، أخذ عن مالك والليث وغيرهما، وروى عنه البخاري وغيره، ولد سنة ست وأربعين بعد مائة، توفي في رمضان سنة ست وعشرين بعد المائتين. ومن متفرداتها: مالك عن ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ ثابت بن قيس بن شمّاس، عن جده، أنه قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْتُ، قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: نَهَانَا الله أن نُحمَد بما لم نفعل، وأجدني أحب أن نحمد ... الحديث. قلت: هذا موجود في موطّأ محمد أيضاّ.
الجزء 1 · صفحة 86
النسخة التاسعة: نسخة أبو مصعب الزهري (له ترجمة في: شذرات الذهب 2/100، والانتقاء ص 62، وترتيب المدارك 3/347) ، أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، من شيوخ أهل المدينة وقضاتها، ولد سنة خمسين مائة، ولازم مالكاً وتفقَّه، وأخرج عنه أصحاب الكتب الستة إلاَّ أن النسائي روى عنه بواسطة، توفي في رمضان سنة اثنتين وأربعين بعد المائتين، وقالوا موطّأه آخر الموطآت التي عرضت على مالك، ويوجد في موطّئه وموطّأ أبو حذافة السهمي نحو مائة حديث زائداً على الموطّأت الأخر، ومن متفرداتها: مالك عن هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرقاب أيها أفضل؟ قال: أغلاها ثمناً، وأنفسها عند أهلها. وقال ابن عبد البر: هذا الحديث موجود في موطّأ يحيى أيضاً.
النسخة العاشرة: نسخة مصعب بن عبد الله الزبيري (له ترجمة في: ترتيب المدارك 3/170 - 172، توفي سنة 236 هـ، وطبقات ابن سعد 5/439) ، قال بعضهم من متفرداتها: مالك عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأَصْحَابِ الْحِجْر: "لا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاءِ الْقَوْمِ المعذّبين الإ أن تكونوا باكين ... " الحديث، وقال ابن عبد البر: هذا موجود في موطّأ يحيى بن بكير وسليمان أيضاً، قلت: وفي موطّأ محمد أيضاً.
النسخة الحادية عشر: نسخة محمد بن مبارك الصوري (له ترجمة في: تهذيب التهذيب 9/424، تقريب التهذيب 1/204) .
النسخة الثانية عشرة: نسخة سليمان بن برد (له ترجمة في: ترتيب المدارك 2/460) .
النسخة الثالثة عشرة: نسخة أبي حذافة السهمي أحمد بن إسماعيل (تهذيب التهذيب 1/16، وميزان الاعتدال 1/83) ، آخر أصحاب مالك موتاً، كانت وفاته ببغداد سنة تسع وخمسين بعد المائتين يوم عيد الفطر، لكنه لم يكن معتبراً في الرواية، ضعّفه الدارقطني وغيره.
الجزء 1 · صفحة 87
النسخة الرابعة عشرة: نسخة سويد بن سعيد أبي محمد الهروي (تهذيب التهذيب 4/272) ، روى عنه مسلم وابن ماجه وغيرهما، وكان من الحفاظ المعتبرين، مات سنة أربعين بعد المائتين، ومن مفرداتها: مالك عن هشام عن عروة، عن أبيه، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لا يقبض العلم إنتزاعاً.." الحديث.
النسخة الخامسة عشر: نسخة محمد بن حسن الشيباني تلميذ الإمام أبي حنيفة، ومن مفرداته على ما سيأتي ذكره حديث "إنما الأعمال بالنية". هذا خلاصة ما في "البستان" مع زيادات عليه. وقد ذكر في "البستان" أيضا.
النسخة السادسة عشر: وهي نسخة يحيى بن يحيى التميمي، وقال إنّ آخر أبوابه باب ما جاء في أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، وقال فيه مالك، عن ابن الشهاب، عن محمد بن جببير بن مطعم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لي خمسة أسماءٍ: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب.
وهو يحيى بن يحيى بن بكير بن عبد الرحمن التميمي الحنظلي النيسابوري المتوفَّي سنة اثنتين وعشرين بعد المائتين (قال الحافظ في تهذيب التهذيب 11/296: مات في آخر صفر سنة ست وعشرين بعد المائتين. وله ترجمة في المدارك 2/408، والديباج 349، والانتقاء ص 13، وتذكرة الحفاظ 2/415. قال السيوطي في "االتنوير": ويحيى بن يحيى هذا ليس هو صاحب الرواية المشهورة الآن. مقدمة "أوجز المسالك" 1/39) ، روى عنه البخاري ومسلم وغيرهما. قلت: هذا هو آخر (أي آخر أبواب نسخة المصمودي أيضاً) نسخة المصمودي الأندلسي المتعارفة في ديارنا وشرح عليها الزرقاني وغيره كما لا يخفى على من طالعه. وقد ذكر السيوطي في "تنوير الحوالك" (1/10) أربعة عشر نسخة، حيث قال في