إحكام القنطرة .............
..... في أحكام البسملة
جارٍ تحميل الكتاب…
إحكام القنطرة .............
..... في أحكام البسملة
إحكام القنطرة
في أحكام البسملة
للإمام أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الحنفي
ولد سنة (1264) وتوفي سنة (1304 هـ)
حققه وخرج أحاديث وعلق عليه
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرَّحْمَن الرحيم
تقدمة الكتاب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رَسُول الله، وآله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين. وبعد:
فهذا تأليفٌ نفيسٌ فريدٌ في بابِهِ اسمه: «إحكام القنطرة بأحكام الْبَسْمَلَة»، ألفه مجدِّد المئة الثَّالِثَة عشرة الهجرية، الإِمَام الفقيه المحدِّث المحقِّق مُحَمَّد عَبْد الحي ابن مُحَمَّد عَبْد الحليم اللَّكْنَوِيّ الحَنَفِي.
رَفَعَ فيه السّتار عَن أحكام مسائل الْبَسْمَلَة المختلفةِ، محقِّقاً لما وَقَعَ الخلاف فيه بين المذاهب مِن أحكامها المتعلقة بالطَّهارةِ والصَّلاةِ، مبيناً لرأيها وما لها وما عليها، خاصةً في مسألة الجهر والسّرِّ بها في الصَّلاةِ، مُرجَّحاً بعين الإنصاف ما يقتضيه الدَّليل.
عرف ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ـ بالإنصاف والتَّحقيق العميق والنظر الدقيق، فنال القبول عند الخاصة والعامة، وكان مجدِّداً للمئة الثَّالِثَة عشرة الهجرية على ما عرف به التجديد عند الأمة على مدار القرون من
أن يبلغ المجدِّد رأس المئة وهو مشارٌ إِلَيْه بالبنان، قامعٌ للبدع محي للسنة، وغير ذلك من الصفات الَّتِي استكملت الكلام عنها في مبحث خاص في رسالتي للماجستير وهي بعنوان: «المنهج الفقهي للإمام اللَّكْنَوِيّ»، فلا حاجة للإعادة هنا.
ومسألةُ البَسْمَلَةِ من المسائلِ الَّتِي كثر التَّأليف فيها، من ذلك:
1 ـ «الأسئلة في الْبَسْمَلَة»: لبرهان الدين إبراهيم بن محمد القباقبي، المتوفَّى في حدود سنة خمسين وثمانمائة. كما في «الكشف:92:1».
2 ـ «الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف» للحافظ أبي عمر يوسف عبد البر النمري القرطبي (ت 463 هـ)، وهو مختصرٌ: ذَكَرَ فيه اختلاف العلماء في قراءةِ الْبَسْمَلَةِ في الصَّلاةِ، وفي كونها آية من القرآن ومن الفاتحة. «الكشف:182:1».
3 ـ «الحجَّةُ الواضحةُ في أن الْبَسْمَلَةَ ليست من الفاتحة» للقاضي أبي العباس أحمد بن إبراهيم السروجي الحَنَفِي (ت 16 أَو 717 هـ). «الكشف:631:1».
4 ـ «رسالة في الْبَسْمَلَة» لجلال الدِّين رسولا بن أحمد بن يُوسُف الثيري الحَنَفِي التباني (ت 793 هـ). «الكشف 851:1».
5 ـ «كتاب الْبَسْمَلَة» لأبي شامة عَبْد الرَّحْمَن بن إِسْمَاعِيل الدِّمَشْقِيّ (ت 665 هـ). «الكشف:1402:2».
6 ـ «ميزان المعدلة في شأن الْبَسْمَلَة» لجلال الدِّين عَبْد الرَّحْمَن بن أَبِي بَكْر السيوطي (ت 911 هـ). ((الكشف:1918:2)).
7 ـ «نهاية المطلوب في إستحباب كتابة الْبَسْمَلَة بكمالها في كلّ مكتوب» لعلي بن أحمد الأَنْصَارِيّ القرافى. «الكشف 1990:2».
وعملي في هذا الكتاب باختصار فهو أمام يدي القارئ الكريم، هو تخريج الأحاديث الواردة فيه، وعزو النصوص إلى مصادرها ما استطعت إلى ذلك مع مقابلتها بها، واثبات الفرق إِذَا كان ذات بال وفيه فائدة، وتفصيل مقاطعه وجمله، وضبط كثيراً من عباراته بالشكل، وصنع فهارس تفصيلية له.
والأصلُ الَّذِي اعتمدتُ عليه طبعةٌ حجريَّةٌ له طبعتْ في سنةِ (1305 هـ)، عَثَرْتُ عليها في مكتبةِ الأزهرِ الشَّريفِ، أثناء سفري إلى مصر للبحثِ عَن مؤلفاتهِ، فهي عزيزة الوجود غزيرة الجود.
وأما بخصوص تحقيق نسبة هذا الكتاب للإمام اللَّكْنَوِيّ:
أَنَّهُ ذكره فِي كثير من مؤلفاته، منها: «ظفر الأماني»، (ص 370). و «غيث الغمام»، (ص 218). قال فيه عنه: «ذكرت فِيهَا المذاهب الواقعة فِيهَا [أي البَسْمَلَة]، مع ترجيح مذهب وجوب التسمية عند
الوضوء، وحقَّقتُ فِيهَا أن طرق الحديث، وإن كَانَ بعضها ضعيفة لكن ضم بعضها إلى بعض يُفيد الثبوت». و «دفع الغواية»، (ص 42). و «مقدِّمة تحفة الأخيار»، (ص 35). و «إقامة الحجَّة»، (ص 45). و «مقدِّمة عمدة الرعاية»، (ص 30). و «النافع الكبير»، (ص 63).
ونسبه إِلَيْه الكثير من العلماء، منهم: العلامة الحسيني فِي «معارف العوارف»، (ص 113).
وفي الختام أسأل الله عزوجل أن ينفع به الكملة والطلبة، ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، ويغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات، والصَّلاة والسَّلام على سيد المرسلين، سيدنا مُحَمَّداً، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه:
صلاح مُحَمَّد أَبُو الحاج
12/ربيع الأَوَّل/1420 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
حَمْداً لِمَنْ اسمُهُ مِفتاحُ كُلِّ كِتابٍ، وَصَلاةً على شَفيعِ الأمَّةِ، وعلى الآلِ والأصحابِ.
أمَّا بعدُ:
فَيَقولُ عبدُهُ الرَّاجي عَفْوَهُ القويّ، مُحَمَّدُ عَبْدُ الحيّ اللَّكْنَوِيّ الأَنْصَارِيّ ـ تَجاوَزَ اللهُ عَن ذَنبِهِ بعفوِهِ السَّاري ـ:
هَذِهِ رِسالةٌ لَطيفةٌ، وعُجالةٌ نَفيسةٌ، مُسمَّاةٌ: بـ «إحكامِ القنطرةِ فِي أَحكَامِ البَسْمَلَةِ»، لِيوافقَ الاسمُ المُسمَّى، ويُطابقَ اللفظُ المعنى.
فإِّني قد جَمعتُ فِيهَا المسائلَ المُتفرقةَ، وَأوردتُ في أَثنائها الفوائدَ المُتشتتةَ، قاصداً إِحكامَ الأَحكام، بإيرادِ دَلائِلها مع النَّقضٍ والإبرامِ.
ورَتبتُها على مُقدمةٍ وبابين:
المُقدِّمةُ
في نُبذٍ من فَضائِلها
وما يتعلقُ بها
اعلم أنَّ البَسْمَلَةَ بالفتحِ مَصدرُ بَسملَ يُبسملُ: أي قال: بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وهو من بابِ النَّحتِ: كَحوقَلةٍ، وَحمدَلةٍ، وَغيرِها.
قال ابن فارس في «فقه اللغة» (¬1)، (باب النحت): العربُ تَنحتُ من كَلمتينِ كَلِمَةً وَاحدةً، وهو جِنسٌ من الاختصارِ: كحيعلة من حي على. انتهى.
¬
(¬1) اسمه الصاحبي: وقد ورد باسم فقه اللُّغَة؛ لأنه الاسم الَّذِي شهر به، والنَّصُ منقولٌ من مزهر اللغات للسيوطي، وقد عرفه السيوطي باسم فقه اللُّغَة، وهذا الكتاب صنفه لصاحب بن عَبَّاد فسمِّي بالصاحبي، وذكر في أَوَّل الكتاب: هذا الكتاب الصاحبي في فقه اللُّغَة العربية وسنن العرب في كلامهم، وَإِنَّمَا عنونته بهذا الاسم لأني لما ألفته أودعته في خزانة الصاحب. ا. هـ.
وابن فَارِس هو أَبُو الحُسَيْن أحمد بن فَارِس بن زَكَرِيَّا (ـ 395 هـ) صَاحِب التآليف العديدة النافعة منها: معجم مقاييس اللُّغَة، والمجمل. كما في مقدِّمة مقاييس اللُّغَة (ج 1/ص 37).
وأما الصاحب بن عَبَّاد هو كافي الكفاة، أَبُو القَاسِم إِسْمَاعِيل بن عَبَّاد بن العَبَّاس الطَّالَقَانِيّ الأصبهاني (326 - 385 هـ) ومن مؤلفاته: المحيط في اللُّغَة، والكشف عَن مساوئ شعر المتنبي، والفرق بين الضاد والظاء. كما في مقدِّمة المحيط في اللُّغَة (1/ 811).
وفي «إصلاح المنطق» (¬1) لابن السِّكِّيت (¬2) يقال: قَدْ أكثرَ مِن البَسْمَلَةِ: إِذَا أَكثَرَ مِن قَولِ بِسْم اللَّهِ، وَمِن الهيللةِ: إِذَا أكثرَ مِن قَولِ لا إله إلا الله، وَمِن الحوقلةِ والحولقة: إذا أكثرَ مِن قَولِ لا حَولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، ومِن الجعفدةِ: أي مِن جُعلتُ فِداكَ، ومِن السّبحلةِ: أي قَولُ سُبحانَ اللهِ. انتهى.
وفي «التَّنوير» لابن دحيةَ: رُبمَا يَتفقُ اجتماعُ كَلمتينِ مِن كَلمةٍ واحدةٍ دَالةٍ عليهما، وإنْ كانَ لا يُمكنُ اشتقاقُ كَلمةٍ مِن كَلمتينِ على
¬
(¬1) طبع في دار المعارف المصرية. تحقيق: أحمد شاكر وعبد السلام هارون.
(¬2) هو أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن إِسْحَاق، عرف بابن السِّكِّيت، والسِّكِّيت لقب أَبِيه إِسْحَاق، وهو بكسر السين المهملة وتشديد الكاف المكسورة، ومن مؤلفاته: كتاب الأضداد، وكتاب القلب والإبدال، وكتاب الألفاظ، (ت 186 - 244 هـ). كما في إصلاح المنطق (ص 9 - 11).
قياسِ التَّصريفِ، كقولهم مُهلِلٌ (¬1): أي قال: لا إلهَ إلا اللهُ، وَحمْدَلَ: أي قال: الحمدُ للهِ، وَحولقَ: أي قال: لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ.
ولا تَقُل حَوقلَ بتقديمِ القافِ، فإنّ الحوقلةَ: مشيةُ الشَّيخِ الضَّعيفِ، والبَسْمَلَةُ: قَولُ باسم (¬2) الله، والسّبحلةُ: قَول سُبحانَ الله، والحسبلةُ: قَولُ حَسبي اللهُ، والسَّمعلةُ: سَلام عليكم، والطَّلبقةُ: أطال اللهُ بَقائَكَ، وَالدَّمغزةُ: أدامَ اللهُ عِزكَ. انتهى.
وَيُفهمُ مِن هذا كِلِّهِ؛ أَنّهُ لا بُدَّ فِي النَّحتِ مِن اعتبارِ التَّرتيبِ، ومِن ثَمَّ خَطّأَ الشِّهابَ الخفاجي جَماعةٌ مِن المحقِّقينَ في قَولهِ طَبلقَ مَنحوتٌ مِن طال بَقائُكَ، وقالوا المنحوتُ مِنهُ: إنَّما هو طلبق (¬3).
وزيادةُ تَفصيلِ النَّحتِ في «مُزهر اللُّغات» (¬4) للسّيوطيّ، فارجع إِلَيْه.
¬
(¬1) في مزهر اللغات (ج 1/ص 233): هلل.
(¬2) باسم تكتب بالألف، يَقُولُ د. توفيق حمارشه في الوجيز في علامات الكتابة والترقيم (ص 89): تحذف همزة الوصل من كلمة اسم في البَسْمَلَة مثل بسم الله الرَّحْمَن الرحيم، ولا تحذف من غيرها مثل: {اقرأ باسم ربك الَّذِي خلق} [1/العلق]، ونحو: باسمك اللهم.
(¬3) وقع في الأصل طبلق.
(¬4) (ج 1/ص 232 - 234) بدون دار طبع، وتاريخ طبع.
وَذكرَ جَمعٌ أنّ البَسْمَلَةَ وَإنْ كانَ في الأصل مَصدراً، لكنّهُ غَلبَ استعمالهُ في نفسِ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَيطلقونَ البَسْمَلَةَ وَيُريدون بهِ هذهِ الكلماتِ.
ومنه قَولُ الفقهاءِ في مَواضعَ تُسنُّ البَسْمَلَةُ، ثُمَّ المُرادُ بها في أَبوابِ الصَّلاةِ، وَأبوابِ الأكلِ وَالشُّربِ، وَنحوها: هو الكلماتُ المذكورةُ بأجمعها.
وَفي أَبوابِ الذَّبحِ، وَنحوها: بِسم اللَّهِ فقط.
وَلها فَضائلَ كثيرةٌ:
قَدْ أوردَها السّيوطيّ في «الدُّرْ المنثور» (¬1)، وَغيرهُ.
فَمِنْ ذَلِكَ: ما رَوَى الخطيبُ (¬2) عَن أنس - رضي الله عنه - مَرفوعاً: «مَنْ رَفَعَ قِرطاساً مِن الأرضِ فيها بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ إجلالاً لَهُ أنْ يُداسَ؛ كُتِبَ عِندَ اللهِ مِن الصِّديقينَ».
وَرَوَى أَبو دَاوُد في «مَراسيلهِ» (¬3) عَن عُمرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ: «أنّ النَّبِيّ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ، مَرَّ على كِتابٍ في الأرضِ، فَقَالَ
¬
(¬1) فِي الدُّرْ المنثور فِي التفسير المأثور: السّيوطيّ، (ج 1/ص 19 - 30).
(¬2) فِي تاريخ بغداد، (ج 12/ 241).
(¬3) في مراسيل أَبُي دَاوُد (بَاب في الكتاب ملقى في الطريق) رقم (499). وفِي الدُّرْ المنثور، (ج 1/ص 29).
لِفتى مَعهُ: ما هَذَا، قَالَ: بِسْم اللَّهِ، قَالَ: لَعَنَ اللهُ مَن فَعلَ هَذَا، لا تَضَعوا بِسْم اللَّهِ، إِلا فِي مَوْضِعهِ».
وَمنها: ما رَوَى أَبُو نُعَيْم (¬1) في «تاريخ أصبهان»، وابنُ أَشته في كتاب «المصاحف»، عَن أَنسٍ - رضي الله عنه - مَرفوعاً: «مَنْ كَتَبَ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَجوّدَهُ (¬2) تَعظيماً لَهُ، غُفرَ لَهُ» (¬3).
قَالَ السُّيوطيّ في «الدُّر المنثورِ»: سَندُهُ ضَعيفٌ. انتهى.
ومِن المُقرّرِ أَنَّ الضَّعيفَ يَكفي في فَضائلِ الأعمالِ.
وَمنها: ما رَواهُ الدّيلميّ عَن ابن مَسعود - رضي الله عنه - مَرفوعاً: «مَن قَرأ بِسْم اللَّهِ، كَتبَ اللهُ لَهُ بِكلِ حَرفٍ أَربعةَ آلافِ حَسنةٍ، ومَحى عنه أَربعةَ آلافِ سَيئةٍ» (¬4).
¬
(¬1) هو أحمد بن عَبْد الله بن أحمد الأصبهاني الحَافِظ (336 - 430 هـ). كما في الكشف (ج 1/ص 47).
(¬2) في الدُّرْ المنثور: مجّودة.
(¬3) في الدُّرْ المنثور، (ج 1/ص 27).
(¬4) في المصدر السابق، (ج 1/ص 26)، وتتمة الحَدِيث فيه: ورفعَ لَهُ أربعةَ آلافِ درجةٍ.
وَمنها: ما رَواهُ أَبُو نُعَيْم، والدّيلميّ، عَن عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالت: «لما نَزلت بِسم اللَّهِ، ضَجَّتْ جِبالُ مَكة، وَسمعَ أهلُ مَكةَ دَويّاً، فَقالوا: قَدْ سَحرَ مُحمدٌ» (¬1).
وَمنها: ما رَواهُ الدّيلميّ في «مُسندِ الفردوس»، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهم - مَرفوعاً: «إنّ المعلمَ إذا قالَ للصَّبيّ، قُل: بِسْم اللَّهِ، فَقَالَ (¬2)، كُتَبَ للمعلمِ وَللصبي وَلأبويهِ، بَراءةٌ مِن النَّارِ».
وَمنها: ما رَواهُ وَكيعٌ، عَن ابن مَسعودٍ - رضي الله عنه -، قَالَ: «مَنْ أرادَ أنْ يُنجيَهُ اللهُ مِن الزَّبانيةِ التّسعةَ عَشرَ فَليقرأ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» (¬3).
وَمنها: ما رَواهُ عَبدُ الرَّزاقِ، وَعبدُ بن حُميد، وابنُ جَريرٍ (¬4)، وابنُ المنذرِ، وابنُ أَبي حاتِمِ، عَن الزُّهْرِيّ في تَفسيرِ قَولِهِ تَعالى: {وَأَلزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} (¬5)، قال: «هي بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
¬
(¬1) في المصدر السابق، (ج 1/ص 26).
(¬2) غير موجودة فقال في الدُّرْ المنثور.
(¬3) في الدُّرْ المنثور، (ج 1/ص 26).
(¬4) ذكر ابنُ جَرِير فِي مَعنَى كَلمةِ التَّقوى، أنَّ الأكثرَ قالوا: أنَّها لا إله إِلا الله، وقَالَ آخرون: الإخلاص، وآخرون: بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وآخرون: لا إِلا إِلا الله وحده لا شَرِيك لَهُ، لَهُ المَلِك وَلَهُ الحمدُ، وهو على كُلٍّ شَيْء قَدْير.
(¬5) مِن سورة الفتح، آية (26).
وَمنها: ما رَواهُ الحَافِظُ عَبدُ القادرِ الرّهاويّ (¬1) في «أَربعنيتِهِ»؛ بسندٍ حَسنٍ، عَن أَبي هُريرةَ - رضي الله عنه - مَرفوعاً: «كُلُّ أَمرٍ ذِي بَالٍ لا يُبدأُ فيه بِبِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فهو أَقْطَعُ» (¬2).
وَرَوى الخطيبُ في «جَامعهِ» (¬3)، عَن أَبي جَعفرَ مُعْضَلاً (¬4): «بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِفتاحُ كِلِّ كِتابٍ» (¬5).
¬
(¬1) هو أَبُو مُحَمَّد الرهاوي محدِّث الجزيرة، كان مملوكاً لواحد من أكابر الموصل، دار البلاد وأخذ عَن حفاظ الحَدِيث ورجع إلى بلده بالرها سنة (536 هـ)، وتوفِّي (612 هـ). قيل: له تآليف كثيرة منها أربعين المتباينة في الحَدِيث. كما في الكشف (ج 5/ص 596).
(¬2) في الدُّرْ المنثور، (ج 1/ص 26).
(¬3) اسمه: الجامع لأخلاق الرواي والسامع في قواعد أصول الحَدِيث وهو لأحمد بن عَلَيّ بن ثابت الخطيب البَغْدَادِيّ الحَافِظ الشَّافِعِيّ، كان فقيهاً محدِّثاً صنف قريباً من مئة تأليف (392 - 463)، ومن مؤلفاته: تاريخ بغداد، وصلاة التسابيح، ونهج الصواب في أن التسمية من خاتمة الكتاب. كما في كشف الفنون في أَسْمَاء الكتب والفنون (ج 5/ص 79) للعلامة مصطفى بن عَبْد الله الحَنَفِي المعروف بحاجي خَلِيفَة (1017 - 1067 هـ). دار الفكر.
(¬4) المُعْضَلُ بفتح الضَّاد المعجمة، على صِيغةِ اسم المفعول، يُقَالُ: أَعضَلَهُ فهو مُعْضَلٌ، وَعَضِيل. وَإِنَّمَا سُمِّي بِهِ لأنَّ المُحدِّث الَّذِي حَدَّثّهُ أَعضَلَهُ، حيثُ ضيَّقّ المجالَ، وَشدَّدَ الحالَ، حيثُ حَذَفَ مِن الرّواةِ أَزيَدَ مِن واحدٍ، بحيث لا يُعرَفُ حالُهُ تَعديلاً وَجرحاً ... وَيُشتَرَطُ فِي المُعْضَلِ أن يكون سُقوطُ اثنينِ على التَّوالي، فَلو سَقَط واحدٌ مِن مَوضعٍ، وَآخَرُ مِن مَوضعٍ آخَر مِن السَّندِ، لم يكن مُعضَلاً، بَل مُنقطِعاً، كَذَا فِي ظَفرِ الأماني (ص 354 - 355) للإمام اللَّكْنَوِيّ. تحقيق: الشَّيْخ عَبْد الفتاح أَبُو غدة. مكتب المطبوعات الاسلامية بحلب. 1416 هـ.
(¬5) في الدُّرْ المنثور، (ج 1/ص 27).
وَهذا يُفيدُ أَنَّهُ مِفتاحُ الكُتبِ السَّماويةِ بأجمَعِها.
وَقَدْ صَرَحَ بِهِ بَعضُ المشايخِ، كما ذَكرَهُ العزيزي في «شرح الجامع الصَّغير»، وَيَعضُدُهُ ما رَواه أَبو عُبيد، عَن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمرو بنِ العاص، قَالَ: «أَوَّلُ مَا نَزلَ مِن التَّوراةِ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، {قُل تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُم} (¬1) الآيات.
لكنْ يُخالفهُ مَا رَواهُ الدَّارَقُطْنِيّ، مِن حَديث بُريدَةَ، أَنَّ رَسولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ قال: «لأعلِمنَكُم آيةً لَمْ تَنْزل على نَبي بَعد سُليمان غَيري، بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» (¬2).
¬
(¬1) مِن سورة الأنعام، آية (151)، وتَكملة الآية: {أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِن إِمْلاقٍ، نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وَلا تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالحَقِّ، ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.
(¬2) فِي سنن الدَّارَقُطْنِيّ، (ج 1/ص 310)، رقم (39). والسُنن الكبرى للبيهقي (ج 10/ص 62)، رقم (19808)، والمعجم الأوسط للطبراني (ج 1/ص 367)، رقم (629).
وَكَذا ما رَوَى البَيْهَقيُّ (¬1)، عَن ابن عَبَّاس - رضي الله عنهم -، قَالَ: «أَغفلَ الناسُ آيةً مِن كِتابِ اللهِ، لَمْ تَنْزل على أَحدٍ سُوى النَّبِيّ ـ عليه الصَّلاة والسلام ـ، إلّا أَن يَكونَ سُلَيْمَان بن دَاوُدَ بِسْم اللَّهِ .. الخ» (¬2).
وَرَوى الطّبرانيُّ عن بُريدَةَ - رضي الله عنه - مَرفوعاً: «أُنزلتْ عَلَيّ آية، لَمْ تَنْزل على أَحدٍ بَعدَ سُليمانَ بِسْم اللَّهِ .. الخ» (¬3).
وَقَدْ اختلفَ أَصحابُ السِّيرةِ النَّبويَّةِ، في أَنّها هَل مِن خَصائصِ رَسولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ، أَمْ لا:
فَمنهم مَن عَدّها منها، وَتَردُّهُ روايةُ الخطيبِ (¬4)، وَنقَلَ الزّرقانيّ فِي «شرح المَوَاهب اللَّدُنِّيَّة»، عَن شَيخهِ: أَنَّ كَونَها قُرآناً يُتلَى مِن خَصائِصَ نَبيِّنا، وأمّا نَفسُها، فَليسَ كَذلكَ لِثبوتِ نُزولِها على سُليمانَ، وَلعلَّهُ كانَ لِلتبركِ فَقط، وفيه أَنَّ كَونَها مَتلّوةٌ أَيضاً لَيست مِن الخصائصِ كَما يُعلمُ مِن رِوايةُ أَبي عُبيد.
¬
(¬1) هو أحمد بن الحُسَيْن عَلَيّ البيقهي الشَّافِعِيّ (384 - 458) من تصانيفه: معرفة السنن والآثار، ومعالم السنن في الحَدِيث، والخلافيات بين الحَنَفِيَّة الشافعية، وغيرها، قال ابن خلكان في ترجمته تبلغ تصانيفه ألف جزء. كما في الكشف (ج 5/ص 78).
(¬2) فِي الدُّرْ المنثور، (ج 1/ص 20)، ونسبه إلى البيهقي فِي شعب الإيمان، وإلى أَبي عُبَيْد، وابنِ مردويه.
(¬3) فِي الدُّرْ المنثور، (ج 1/ص 19).
(¬4) مرَّت سابقاً (ص 15): وهي بسم الله الرَّحْمَن الرحيم مفتاح كُلّ كتاب.
وَذهبَ بَعضُ المحقِّقينَ إلى أَنَّها بهذهِ الألفاظِ العربيةِ بهذا الترتيبِ مِن الخصائصِ، وَما في سورةِ (¬1) النَّملِ (¬2)، جاءَ على جِهةِ التَّرجمةِ عَما في كِتابهِ، لأنَّهُ لَمْ يَكنْ عَربياً، وَحسَّنَهُ الزّرقانيّ، وَقال: ما رُوي أَنّ «آدم لَمّا أَرادَ الخروجَ مِن الجنَّةِ، قال: بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالَ لَهُ: جِبْرِيلُ لَقدْ تَكلمتَ بِكلمةٍ عَظيمةٍ، فإنّما كانَ بِإلهام مِن اللهِ تَعالى، وَلَمْ تَنْزل عَليه».انتهى.
وَمنها: ما رَواه الدارقطني بِسندٍ ضَعيفٍ، عَن ابن عُمرَ مَرفوعاً: «كَانَ جبرئيلُ إِذَا جاءني بِالوحي، أوّلَ مَا يُلقِي عَلَيّ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» (¬3).
وَمِنها: ما رَواه أبو دَاوُدَ، والبَزَّارُ، والطبرانيُ، والحاكمُ وصححه، والبيهقيُ في «المعرفة» عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: «كانَ رَسولُ اللهِ ـ صَلَّى
¬
(¬1) فِي الأصل صورة، وهي بهذا الرسم في كثير من المواضع الَّتِي صحّحت دون الإشارة إلى ذلك.
(¬2) آية (30)، {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ، وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.
(¬3) رواه الدَّارَقُطْنِيّ فِي سننه (ج 1/ص 305).
اللهُ عَلَيّهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ لا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ، حَتَّى تَنَزَّلَ عَلَيْهِ بِسْم اللَّهِ» (¬1).
وَرَوى الحاكمُ وصححهُ، البيهقيُ فِي «سننهِ»: عَن ابْن عَبَّاس - رضي الله عنهم -، قَالَ: «كَانَ المسلمونَ لا يَعلمونَ انقضاءَ السُّورةِ، حَتَّى تنْزلَ بِسم اللَّهِ، فإذا أُنزلت عَلموا أنَّ السُّورةَ قد انقضت» (¬2).
وَرَوى نَحوهُ (¬3): أبو عُبيد عن سَعيدِ بن جُبيرٍ، والطبرانيُ، والحاكمُ، والبيهقيُ عن ابن عَباسٍ، والبيهقيّ، والواحديّ، عن ابن مَسعودٍ.
وَمنها: ما رَواه ابن مردويه، والثّعلبي عن جابرٍ - رضي الله عنه - قال: «لَمّا نَزلت بِسْم اللَّهِ، هَربَ الغَنمُ إلى المشرقِ، وَسكنتْ الريحُ، وَهاجُ البحرُ، وَحَلفَ اللهُ أَنْ لا يُسمَّى على شَئٍ إلا بارَكَ فيهِ» (¬4).
وَللبسملةِ خَواصٌّ مَذكورةٌ في «الدُّرْ النَّظيم في خَواصِّ القُرْآنِ الكريم» (¬5)، وَحِكاياتٌ كَثيرةٌ مَبسوطةٌ في ..............................
¬
(¬1) رواه أَبُو داود فِي كتاب الصَّلاة، في (بَاب مَنْ جَهَرَ بِهَا)، رقم (669).والسيوطي فِي الدُّرْ المنثور، (ج 1/ص 20).
(¬2) في الدُّرْ المنثور، (ج 1/ص 20).
(¬3) في المصدر السابق، (ج 1/ص 20). أي نَحْو لفظ الحَدِيث السَّابق.
(¬4) في المصدر السابق، (ج 1/ص 27).
(¬5) اسمه كاملاً: الدُّر النظيم في خواص القُرْآن العظيم والآيات والذكر الحكيم. طبع في القاهرة سنة (1282 هـ و 1315 هـ)، وهو لعفيف الدِّين، عَبْد الله بن أسعد اليافعي اليمني (698 ـ 768 هـ) وله: مرآة الجنان، وروضة الرياحين في حكايات الصالحين، ونشر المحاسن الغالية في فضل الصوفية ... ، وغيرها من المؤلفات الكَثِيرَة. كما في مقدِّمة مرآة الجنان (ج 1/ص 5 - 14).
«نزهته المجالس» (¬1)، وَغيرهِ مِن كُتَبْ الفضائلِ وَالسُّلوك، قد صَفَحْنَا عَن إيرادِها، لِئلا يَطولَ الكَلام.
¬
(¬1) هو لعبد الرَّحْمَن بن عَبْد السلام بن عَبْد الرَّحْمَن بن عُثْمَان الصفوري الشَّافِعِيّ (ت 894 هـ). كما في الكشف (ج 2/ص 1947).
البابُ الأوَّلُ
في ذِكرِ الاختلافاتِ الواقعةِ
فِي كَونِ البَسْمَلَةِ مِن القُرْآنِ
اعلَمْ أَنَّهُمْ اختلفوا فِي ذَلِكَ على أَقوالٍ تسعةٍ (¬1):
الأوَّلُ: أَنَّها آيةٌ تامَّةٌ مِن كِلِّ سُورةٍ، الفاتحةُ وَغيرُهَا، وهو قَولُ ابنِ كَثيرٍ، وَعاصمٍ، وَالكسائي، وَغيرِهِم مِن قُراءِ مَكةَ، وَالكوفةَ، وَإليهِ ذَهبَ ابنُ المُبَارَكِ، والشَّافِعِيّ.
وَالثَّاني: أَنَّها لَيستْ بآية أَصلاً، لا مِن الفاتحةِ، وَلا مِن سُورةٍ أُخرى، وهو مُختارُ مَالكٍ، وَغيرِهِ مِن فُقهاءِ المدينةِ، وَالبصرةِ، وَالشامِ، وَقُرَّاءِ المدينةِ.
¬
(¬1) أوصلها الشهاب الخفاجي إلى عشرة أقوال في حواشيه المسمَّاة عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي (ج 1/ص 26 - 28). دار صادر.
وَالثَّالثُ: أَنَّها آية مِن الفاتحةِ، لا مِن غَيرِها، وَإليهِ ذَهبَ بَعضُ أَصحابِ الشَّافِعِيّ.
وَالرَّابعُ: أَنَّها بَعضُ آيةٍ مِنها فقط، وهو روايةٌ عَن الشَّافِعِيِّ.
وَالخامسُ: أَنَّها آيةٌ فَذَّةٌ، لَيستْ مِن الفاتحةِ، وَلا مِن سُورةٍ أُخرى، أُنزِلتْ لِبيانِ مَبادئِ السُّورِ وَخواتِيمها، وهو مُختارُ جَماعةٍ مِن مُتأخري أَصحابِنا كَما ذَكرَهُ السَّرَخْسيُّ في «أصولِ الفقهِ».
وَاستندَ لِذلكَ بِما رَواهُ المعلي، عَن مُحَمَّدِ، أَنَّهُ سألَ مُحَمَّد عَن البَسْمَلَةِ، فَقالَ: ما بَيْنَ الدّفتينِ كَلامُ اللهِ وهو قَولُ ابنِ المُبَارَكِ، وَداودَ وَأتباعِهِ، وهو المنصوصُ عَن أَحمدَ بنِ حَنبلٍ.
وَذَكرَ أَبُو بَكرٍ الرازي أَنَّهُ مُقتَضى قَولِ أَبي حَنيفةَ، وهو قَولُ المحقِّقينَ مِن أَهلِ العلمِ، فإنَّ فِي هَذَا القولِ جَمعاً بَيْنَ الأَدلةِ وَكِتابَتُها سَطراً مُفْصَلاً، يُؤيِّدُ ذَلكَ، كَذَا فِي «نصبِ الرَّايةِ لأحاديثِ الهدايةِ» للعلامةِ الزّيلعيّ (¬1).
وفي «تَحريرِ الأصول» لابن الهمام (¬2): الأحق المطابقِ لِلواقعِ، أَنَّها مِن القُرْآنِ لِتواتُرِها فِي المُصحفِ، وهو دَليلُ تَواتُرِ كَونِها قُرآناً، لأنَّ
¬
(¬1) فِي نصب الراية، (ج1/ص327).
(¬2) هو مُحَمَّد بن عَبْد الواحد بن عَبْد الحميد السكندري السيواسي (ت816هـ) قال الإِمَام اللَّكْنَوِيّ: طالعت من تصانيفه: فتح القدير، وتحرير الأصول، والمسايرة في العقائد ... وكلها مشتملة على فوائد قلما توجد في غيرها، وقد سلك في أثر تصانيفه لا سيما في فتح القدير مسلك الإنصاف متجنباً عَن التعصب المذهبي والاعتساف إِلا ما شاء الله. كما في الفوائد (ص180). مطبعة السعادة بمصر. ط1. 1324هـ.
الإثباتَ فِي المصاحفِ مَعْ الأمرِ بِالتَّجريدِ مَلزومُ القرآنيةِ، وَتواتُرِ المَلزومِ يَدُلُّ على تَواتُرِ اللازمِ. وَتواتُرِ قِراءةِ رَسولِ اللهِ السورَ بِالبَسْمَلَةِ لا يَستلزمُ كَونُها جُزءٌ مِن السُّور لِجوازِ كَونِ الافتتاحِ بِها لِلتبركِ، بِخلافِ التَّركِ فإنَّهُ يَدَلُّ على أَنَّهُ لَيس مِنْها. انتهى.
وفي «شرح المَوَاهب اللَّدُنِّيَّة» للزّرقانيّ (¬1)، قالَ السّهيليّ: نَزَلَتْ البسملةُ مَعْ كُلِّ سورةٍ بعد {اقرأ} (¬2)، فَهي آيةٌ، لا مِن سورةٍ، وقد ثُبِّتتْ في المُصحفِ بإجماعِ الصَّحَابَةِ، وَلا نَلتزمُ قَولَ الشَّافِعِيّ أَنَّها آية مِن كُلِّ سُورةٍ، بَل إِنَّها آيةٌ مِن القُرْآنِ مُقتَرِنةً مع كُلِّ سُورةٍ، وهو قَولُ دَاودَ، وَأَبي حَنيفةَ، وهو قَولٌ بَيِّنٌ لِمَنْ أَنصَفَ. انتهى كَلامُ السّهيليّ.
وهو اختيارٌ لُهُ مُخالفٌ لِلمعتمدِ مِن مَذهبِ مالكٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى ـ. انتهى.
¬
(¬1) هو مُحَمَّد عَبْد الباقي الزرقاني، مؤلف شرح الموطأ، وشرح المَوَاهب اللَّدُنِّيَّة وغيرها، وهما شرحان نفيسان معتبران. كما في غيث الغمام (99) للإمام اللَّكْنَوِيّ. المطبع العلوي. 1304هـ.
(¬2) مِن سورة العلق، آية (1)، ?اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ?.
وقال العلامةُ الإِتْقَانيّ (¬1) فِي شَرحِ «المنتخب الحسامي» المُسمَّى بِـ «التّبيين»: مَذهبِ أَبِي حَنيفةَ وَأَصحابِهِ أَنَّها مُنْزَّلَةٌ مِن القُرْآنِ لا مِن أَوَّلِ السُّورةِ، وَلا مِن آخِرِها، وهو قَولُ مالكٍ، وَالأوزاعي، وقد روى عَن مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ نَحوهُ، وَمَذهبُ الشَّافِعِيّ أَنَّها مِن رَأسِ كُلِّ سُورةٍ. انتهى.
وَلا يَخفَى عَليكَ أَنَّ ما ذَكَرَهُ مِن مَذهبِ مالكٍ، خِلافُ المشهورِ عَنْهُ، المُختارُ عِندَ أَصحابِهِ.
وَقالَ البيضاوي: لَمْ يَنُصَّ أَبُو حَنيفةَ فِيهِ بِشيءٍ، فَظُنَّ أَنَّها لَيستْ مِن السُّورةِ عِندَهُ. انتهى (¬2).
قَالَ الخفاجي (¬3) في «حواشيه» (¬4): لَمَّا كَانَ المُصَنِّفُ شافِعيَّ المذهبِ
¬
(¬1) هو أمير كاتب العميد، المكنى بأبي حَنِيْفَةَ الإَِتْقَانيّ (ت758هـ) قال الإِمَام اللَّكْنَوِيّ: طالعت من تصانيفه: التبيين، وغاية البيان، فوجدته كما قال الكوفي: شديد التعصب في مذهبه من غير حجَّة على دعواه، ولا دليل. كما في الفوائد (ص50).
(¬2) في تفسيره (ج1/ص28)
(¬3) هو أحمد بن مُحَمَّد بن عُمَر قاضي القضاة شِهَاب الدِّين الخفاجي المِصريّ الحَنَفِي (ت169هـ) قال الإِمَام اللَّكْنَوِيّ: طالعت من تآليفه: شرح الشفا المسمَّى بنسيم الرياض، وحواشيه على تفسير البيضاوي، وفيها فوائد لطيفة، ومباحث شريفة. كما في طرب الأماثل (ص182). مطبعة دبدة أحمدي. 1303هـ.
(¬4) (ج1/ص28 - 29).
قَائِلاً بِمفهومِ المُخالفةِ، مَعْ أَنَّهُ مُراعىً في عِباراتِ المُصَنِّفينَ، وَمَفهومُ قَولِهِ لَمْ يَنُصَّ: أَي لَمْ يُصرحْ، لا أَنَّهُ لَيسَ فِي كَلامِهِ إِشارةٌ إِليهِ، فَصَحَّ تَفريعُ قَولِهِ، فَظُنَّ عَليهِ، فَلا يُرَدُّ عَليهِ أَنَّ عَدَمَ النَّصِ على الشيءِ نَفياً وَإثباتاً لا يَتفَرَعُ عَليهِ ظَنُّ عَدَمِهِ، وَلا حاجَةَ إِلى ما قِيلَ أَنَّ أَبَا حَنيفةَ مِن أَهلِ الكوفةِ الذّاهبينَ إِلى كَونِها مِن الفاتحةِ، فَسكوتُهُ يُشعِرُ بِمُخالفَتِهِ لَهُمْ.
وَقِيلَ: الفاءُ لِمجردِ تأخرِ الظَنِّ عَن عَدِمِ النَّصِ، وَسببُ الظَنِّ أَمرَهُ بِالإسرارِ بِها.
وَقالَ الكَرْخي: لا أَعرفُ هَذِهِ المَسألَةَ بِعينِها لِمتَقدِِّمِي أَصحابِنا، إلا أَنَّ أَمرَهُم بِإخفائِها يَدُلُّ على أَنَّها لَيستْ مِن السُّورةِ عِندَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَنُصَّ فِيها بِشيءٍ، ظُنَّ أَنَّهُ أَبقاها على أَصلِهِ (¬1).
وَقِيلَ: ظَنّ فِي هَذِهِ العبارةِ لَيسَ فِعلاً مَجهولاً، بَل مَصدَرٌ مُنونٌ مَرفوعاً على أَنَّهُ خَبرٌ مُقدَمٌ، وَالمرادُ تزييف (¬2) نِسبَتِهِ إِليهِ، وَالردُّ على الزّمخشريّ فِي قَولِهِ أَنَّهُ مَذهبُ أَبِي حَنيفةَ تَلميحاً لِقولِهِ تَعالى: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} (¬3).
¬
(¬1) وتتمة العبارة من الحواشي (ج1/ص29): أصلها من العدم حَتَّى يظهر الثبوت.
(¬2) فِي الأصل تزئيف.
(¬3) مِن سورة الحجرات، آية (12).
قُلتُ: هو أَيضاً مِن بَعضِ الظَنِّ، وَما فِي «الكشاف»: إن لَمْ نَقُل أَنَّهُ ظَفَرَ بِروايةٍ عَنْهُ بِناءاً على إطلاقِ مَذهبِ أَبِي حَنيفةَ على ما هو المُتداول عِندَهُم، فإنَّ قُلتَ كَيفَ يَصحُّ القولُ بِأَنَّها لَيستْ مِن السُّورةِ، وَأنَّ أّبَا حَنيفةَ لَمْ يَنصَّ بِشيءٍ مَعْ أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ القاسمِ، و «البرهانَ الكافي»، وَغيرَهُما، نَقلوا عَن أَبِي حَنيفةَ إيجابَها فِي الصَّلاة حتَّى قَالَ الزّيلعيّ: يَجبُ سُجودُ السَّهوِ بِتركِها، وَنَقلَ عَن «المُجْتَبَى» وُجُوبَها فِي كُلِّ رَكعةٍ.
قُلتُ: قالَ الأستاذُ المقدسيّ فِي كِتابِ «الرّمز»، عَن شَرحِ «المختار»، عَن شَيخهِ السّمديسيّ (¬1) أَنَّها لَيستْ بِواجبةٍ، فَقَدْ حَكَى المحقِّقونَ كالإِمَام أَبِي بَكرٍ الرَّازِيّ وَغيرِهِ: أَنَّ الخلافَ إنِّما هو فِي السُّنِّيَّةِ لا فِي الوجوبِ. انتهى كَلامُ الخفاجي مُلَخَصَاً.
وَفِي «حَواشي الكشاف» لِلتفتازاني (¬2) عَنْ قُدماءِ الحَنَفِيَّةِ: أَنَّها لَيستْ مِن القُرْآنِ، وَأَنَّ تَقييدَ التَّواترِ فِي تَعريفِ القُرْآنِ بِقولِهم بِلا شُبهةٍ احترازٌ عَنها.
¬
(¬1) هو مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أحمد بن الإِمَام الحَنَفِي الشهير بالسمديسي من علماء القرن التاسع، من تصانيفه: فتح المدبر للعاجز المقصر في الفروع، فيض الفغار في شرح المُخْتَار من فروع الحَنَفِيَّة. كما في الكشف (ج6/ص217).
(¬2) هو سَعْد الدِّين التفتازاني (722ـ792هـ)، قال الإِمَام اللَّكْنَوِيّ: طالعت من تصانيفه: التلويح، وشرح عقائد النَّسَفيّ، وحواشي الكشاف ... وكل تصانيفه تنادي على أَنَّهُ بحر بلا ساحل وحبر بلا مماثل. كما في التعليقات السنية على الفوائد البَهيَّة للإمام اللَّكْنَوِيّ. مطبعة السعادة بمصر. ط1. 1324هـ.
وَلَمَّا لاحَ لِلمتأخرينَ بِالنَّظرِ إِلى الأَدلةِ أَنَّها مِن القُرْآنِ، قَالوا الصَّحيحُ مِن المذهبِ أَنَّها آيةٌ واحدةٌ مِن القُرْآنِ، وَلَيستْ آية وَلا بَعضُ آيةٍ، فَصارَ مَحلُ الخلافِ بَينَهُمْ وَبَينَ الشَّافِعِيّةِ، أَنَّها آية واحدة غَيرُ مُتعلَّقةٍ بِشيءٍ مِن السُّورِ، أَو مِئةٌ وَثلاثَ عشرةَ آيةً مِن مئة ثَلاثَ عشرةَ سُورة كَالآيةِ المتكررةِ فِي سُورةٍ. انتهى كَلامُهُ.
وَالسَّادسُ: أَنَّهُ يَجوزُ جَعلُها آيةً مِن السُّورِ، وَجعلُها لَيستْ مِنْها، بِناءاً على أَنَّها نَزلتْ مَرةً، وَلم تَنْزل أُخرَى.
قالَ الخفاجيُّ: هَذَا القولُ أَغرَبُ الأَقوالِ، وَكانَ ابن حَجرٍ يَرتَضِيهِ، وَيقرِّرُ بِهِ فِي دُروسِهِ، وَأَطنبَ فِي تَحسينِهِ السّيوطيّ. انتهى (¬1).
قُلتُ: لا شَكَّ فِي أَنَّ البَسْمَلَةَ نَزَلَتْ مَعْ كَثيرٍ مِن السُّورِ، مِنْها سُورةِ الكَوثرِ وَغيرها (¬2)، وَلَمْ تنْزل مَعْ بَعضِ السورِ كَسورةِ ?اقرأ? الَّتِي بِها بَدءَ الوحيُ.
فَبِناءاً عَليهِ القولُ بِأَن جَعلها جُزء وَعَدمُهُ مِن نتائجِ كَونِ القُرْآنِ نَازِلاً على سَبعةِ أَحرفٍ، كَما اختارَهُ العلامةُ ابن النَّقاش، وابن حَجَر،
¬
(¬1) من حواشي الخفاجي على تفسير البيضاوي (ج1/ص27).
(¬2) فِي الأصل وغيره.
وَغيرُهِما، لَيسَ بِبَعيدٍ، بَل هو أَحسنُ الأَقوالِ، وَإليهِ مَالَ المُحدِّثُ وَلي اللهُ الدِّهْلَوِيّ حَيثُ قَالَ فِي رِسالةِ «تَدوين مَذهبِ النَّاطقِ بِالصَّوابِ عُمرَ بنِ الخطابِ»: رَوى مالكٌ، وَالشَّافِعِيّ، عَن أَنسٍ: كَانَ أَبُو بَكرٍ وَعُمرُ وَعُثمانُ يَستَفتحونَ القِراءةَ بِـ {الحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ}.
وَرَوى أَبُو بَكرٍ بنُ أَبِي شَيبةَ، عَن عَبدِ اللهِ بِن مغفل، عَن أَبِيه، قَالَ: «صَلَّيتُ خَلفَ رَسولِ اللهِ، وَأَبي بَكرٍ، وَعُمرَ، وَعثمانَ، فَلَمْ أَسمَعْ أَحدَاً مِنْهُمْ يَقَولُ ذَلِكَ».
وَرَوى أَبُو بَكرٍ عَن الأَسودِ، قَالَ: «صَليتُ خَلفَ عُمرَ سَبعينَ صَلاةً، فَلَمْ يَجهَرْ فِيها بِبِسْم اللَّهِ».
وَرَوى أَبَو بَكرٍ، عَن عَبدِ اللهِ بِن أَهزَى، أَنَّ عُمرَ - رضي الله عنهم -: «جَهرَب ِبِسْم اللَّهِ».
قُلتُ: رَوَى عَنْهُ أَهلُ المدينةِ، وَالكوفةِ، وَالبصرةِ، تَركَ الجهرَِ بِالبسملةِ.
وَرَوى عَنْهُ أَهلُ مَكةَ الجهرَ، فَوقَعَ الفقهاءُ فِي التَّرجيحِ، فَذَهبَ الشَّافِعِيّ إِلى تَرجيحِ الجهرِ، وعلى قِياسِ قَولِ مُحمَّد فِي دُعاء الافتتاح أَنَّهُ جَهرَ فِي بَعضِ الأوقاتِ لِيعلِّمهم أَنَّهُ سُنَّتَهُ.
واَلأوجَهُ عِندِي أَنَّ عُمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كَانَ تَعلَّم مِن رَسولِ اللهِ في قِصتِهِ مَعْ هِشام بن حَكيم (¬1) أَنَّ القرآنَ نَزَلَ على سَبعةِ أَحرفٍ كُلِّها كافٍ وَشافٍ، وَكانَ يَرى أَنَّ الابتداءَ بِالبسملةِ على أَنَّها مِن الفاتحةِ حَرفٌ صحيحٌ، وَتركَها على أَنَّها إِنَّما تُسنُّ البدايةُ بِها في كِتابةِ القرآنِ، وَالتَّلاوة خارجِ الصَّلاة حرفٌ صَحيحٌ أَيضاً، وَالابتداءُ بِها على أَنَّها لَيستْ مِن
¬
(¬1) رواها البُخَارِيّ فِي كتاب الخصومات، فِي (بَاب كَلامِ الخُصُومِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ)، رقم (2241)، عَن عَبْدِالرَّحْمَنِ بن عَبْدٍالقَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بن الخَطَّابِ = ... =ـ رَضِي اللَّه عَنْه ـ، يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بنَ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ على غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَقْرَأَنِيهَا وَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ، فَقُلتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ على غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ لِي: أَرْسِلهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقَرَأَ، قَالَ هَكَذَا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ لِي: اقْرَأْ فَقَرَأْتُ، فَقَالَ هَكَذَا: أُنْزِلَتْ إِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا منه مَا تَيَسَّرَ. ومسلم فِي كتاب صلاة المسافرين وقصرها، في (بَاب بَيَانِ أَنَّ القُرْآنَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ وَبَيَانِ مَعْنَاهُ)، رقم (1354). والترمذي في كتاب القراءات، في (بَاب مَا جَاءَ أَنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ)، رقم (2867). والنسائي في كتاب الافتتاح، في (جَامِعُ مَا جَاءَ فِي القُرْآنِ)، رقم (927)، و (928)، و (929). وأبو دَاوُد فِي كتاب الصَّلاة، في بَاب (بَاب أُنْزِلَ القُرْآنُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ)، رقم (1261). ومالك فِي كتاب النداء للصلاة، في (بَاب مَا جَاءَ في القُرْآنِ)، رقم (423). وأحمد في مسند العشرة المبشرين بالجنة، رقم (153)، و (226)، و (280).
الفاتحةِ حرفٌ صَحيحٌ أيضاً، فَعملَ بِهذه الأحرفِ في الأوقاتِ، انتهى كَلامُهُ وَتَمَّ مَرامُهُ.
وَالسابعُ: أَنَّها بَعضُ آيةٍ مِن السُّورِ كُلِّها.
وَالثامِنُ: أَنَّها آيةً مِن الفاتحةِ، وَجزءُ آيةٍ مِن السُّورةِ.
وَالتاسعُ: عَكسُهُ.
وَهذه الأقوالُ كُلُّها إنَّما هي في ما سِوى البسملةِ المَتلوِّةِ في سُورةِ النَّمل، فإنِّها آيةٌ مِنْها اتفاقاً، وَفي غَيرِ أَوَّلِ سورةِ بَراءةٍ، فَإنَّها لَيستْ مِنْها اتِّفاقاً.
وَنَقَلَ الزّمخشريّ (¬1) عَن ابنِ عَبَّاس ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَركَ البسملةَ فكأنَّهُ تَرَكَ مِئةً وَأربَعَ عشرةَ آيةً (¬2).
وَأورَدَ عَليهِ: أَنَّ الظَّاهرَ ثَلاثَ عَشرَةَ لأنَّها لَيستْ مِن سورة بَراءةٍ اتِّفاقاً.
وَأُجيبَ عنه: بأَنَّ الفاتحةَ نَزلتْ مَرَّتينِ، فَفيها البسملتانِ، وفيه أَنَّه تَكونَ الفاتحةُ إذاً أربعَ عشرةَ آية، وَلَمْ يَقل بِهِ أَحدٌ.
¬
(¬1) في الكشاف (ج1/ص11).
(¬2) قال ابن حَجَر في الكافي الشافي (ج1/ص11): موقوف، ليس بمعروف عنه
وَقيلَ مُرادُ ابنُ عَبَّاس، أَنَّهُ إذا تَركَها في جَميعِ السُّورِ يَكونُ المُتروكُ هِذِهِ العدِةِ.
وَقيلَ المُرادُ تَركُها في أَثناءِ سُورةِ النَّملِ أَيضاً، وهي وإنْ كَانت بَعضُ آيةٍ، لكنَّ تَركَها يَتَضَمَّنُ تَرَكُ آيةٍ لِكونِها عُبارةٌ عَن المجموعِ، وَهَذَا أَحسنُ كَذَا فِي «كَشفِ الكشَّاف».
هَذَا هو ضَبطِ المذاهبِ الواقعةِ فِيها على سَبيلِ الاختصارِ.
وَنتوجَّهُ الآن إلى أَدلة القائلين بِكونِها آيةً، وَالذَّاهبينَ إلى خِلافِهِ مَعَ مالها وَما عليها.
فَنقولُ: إنَّ القائلينَ بِكونِها جُزء من السُّورِ، استدلوا بوجوهٍ كثيرةٍ:
مِنها: ما أَورَدَهُ الإِمَامُ فخرُ الدِّين الرَّازِيّ في «تفسيرِهِ»، وِتَبعَهُ مَنْ تَبعهُ بِقولِهِ: قِراءةُ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَاجبةٌ في أَوَّلِ الفاتحةِ، وَإذا كَانَ كَذلك، وَجبَ أَنْ تَكون آيةً مِنها (¬1).
بَيانُ الأوَّلُ قَولُهُ تَعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} (¬2)، وَلا يَجوزُ أَنْ تَكونَ الباءُ صِلةً زَائدةً، لأنَّ الأصلَ أَنْ يكونَ بكلِّ حَرفٍ فَائدةٌ، وَإذا كانَ هذا الحرفُ مُفيداً، كانَ التَّقديرُ اقرأ مُفتتِحاً باسم رَبكَ، وَظاهرُ الأمرِ
¬
(¬1) (ص21 - 25) ..
(¬2) مِن سورة العلق، آية (1).
للوجوبِ، وَلمْ يَثبتْ هذا الوجوبُ في غَيرِ الصَّلاةِ، فَتعيَّنَ أنْ يكون في الصَّلاة. انتهى.
قُلتُ: لا يَخفَى عَليك ما فيه من الضَّعفِ، فإنَّ وجوبَ البسملةِ في الصَّلاةِ مَمنوعٌ عِندَ (¬1) الخصمِ، كَمَا مَرَّ.
وَقولهُ تَعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} لا يوجبُ إلا مُطلقَ الذِّكرِ لا خُصوصَ هَذَهِ الألفاظِ.
وَلو سُلِّم وُجوبُها، فَقولُهُ: وإذا كانَ كَذلكَ، فَإِنَّه (¬2) ممنوعٌ لجوازِ أَنْ تَكونَ وَاجبةً مع عَدمِ كَونِها مِن القرآنِ، نَعمْ لَو ثَبتَ أَنَّ كُلَّ مَا وَجَبَ فِي الصَّلاةِ مِن قَبيلِ الأقوالِ، فهو مِن القُرْآنِ، لَتَمَّ الكلامُ وَإذْ لَيْسَ فَلَيسَ.
وَلو سُلِّمَ أَنَّ وجوبَها في الصَّلاةِ يَستلزمُ كَونُها من القُرْآنِ، لَكنَّا لا نُسلِّم كَونُها جُزءٌ مِن الفاتحةِ، فَيجوزُ أَنْ تَكونَ مِن القُرْآنِ مِن غَيرِ الجُزئيةِ، كما ذَهبَ إليهِ مُحقِّقوا أَصحابِنا.
وَكَونُها أوَّلُ الفاتحةِ لا يَستلزمُ أَنْ يكون جُزءٌ مِنْها، كما لا يَخفَى.
وَمنها: ما أَورَدَهُ الإِمَام أيضاً، وَتبعَهُ البيضاويُّ، وَغيرُه مِن أَنَّ التَّسميةَ مكتوبةٌ بِخطَّ القُرْآنِ، وَكلُّ مَا لَيْسَ بِقرآنِ فَأنَّهُ لَيْسَ بمَكتوبٍ
¬
(¬1) فِي الأصل عبد.
(¬2) فِي الأصل آه.
بِخطهِ، وَلِهذا لَمْ يُكتَبْ آمينْ فيه، وَقَدْ منعوا من كِتابة (¬1) أَسامي السُّورِ، والعلاماتِ الدَّالَّةِ على الأعشارِ والأخماسِ، وَلمْ يمنعوا عنها، فَعُلِمَ أَنَّها من القرآنِ.
وَأنتَ تَعلمُ ما فيه، فإنَّ مَنْ ذَهبَ إلى أنَّها لَيستْ من القُرْآنِ، يَقولُ إنَّما كُتبتْ بِخطِ القُرْآنِ لِلأذنِ مِن الشَّارعِ، وَلَمْ يُوجد ذَلِكَ فِي آمينَ.
عَلَى أَنَّ هَذَا الوجهَ أيضاً قاصرٌ عن إثباتِ مَذهبِ الشَّافِعِيّةِ كالوجهِ الأوَّلِ، لأنَّهُ أيضاَ لا يُوجبُ إلا كَونها مِن القُرْآنِ، لا كَونُها جُزءٌ مِن سُورةٍ.
وَمِنْها: مَا ذَكَرَ أَيضاً، مِن أَنَّ المسلمينَ أَجَمعوا على ما بَينَ الدَّفَّتين كَلامُ اللهِ، والتَّسميةُ مَوجودةٌ فيها، فَوجبَ أَنْ تكونَ من القُرْآنِ.
قُلتُ: دَعوى الإجماعِ عَجيبةٌ مَعَ وُجودِ الاختلافِ فيها، وَلو كانَ الإجماعُ لَعرفَهُ مالكٌ.
وَمِنٍها: ما ذَكَرَهُ أيضاً من أَنَّ قَولَهُ ـ عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام ـ: «كُلُّ أمرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبدَأ فيه باسمِ اللهِ، فهو أَبترُ أو أَجذمُ» (¬2).
¬
(¬1) فِي الأصل كتاب.
(¬2) عزاه الإِمَام اللَّكْنَوِيّ في السِّعَاية شرح الوقاية (ج1/ص191) بهذا اللفظ إلى الحَافِظ الرهاوي في أربعينه كما ذكره النووي في أَوَّل شرح صَحِيح مسْلِم ا. هـ. وبغير هذا اللفظ رواه أحمد فِي باقي مسند المكثرين، عَن أَبِي هُرَيْرَة: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ كُلُّ كَلامٍ أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ، لا يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فهو أَبْتَرُ أَوْ قَالَ أَقْطَعُ. وعند أَبِي دَاوُد فِي كتاب الأدب، فِي (بَاب الهَدْيِ فِي الكَلامِ) رقم (4200)، عَن أَبِي هُرَيْرَة مُرسلاً وَمَرفوعاً، بلفظ كُلُّ كَلامٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِالحَمْدُ لِلَّهِ، فهو أَجْذَمُ. ومثله عند ابن ماجة فِي كتاب النكاح، فِي (بَاب خُطْبَةِ النِّكَاحِ)، رقم (1884).
وأعظمُ الأعمالُ بعدَ الإيمانِ الصَّلاةُ، فَقِراءةُ الفاتحةِ بِدونِ قِراءتِها يُوجِبُ كَون هذه الصَّلاةِ بتراءٌ، وَلفظُ الأبترِ يَدُلُّ على غايةِ النُّقصانِ، فَلزِم أَنْ تَكونَ الصَّلاةُ الخاليةُ عَن البَسْمَلَةِ في غايةِ النُّقصانِ، وَكُلُّ مَنْ أقرَّ بِهِ قَالَ بِفسادَ الصَّلاةِ، وَذلك يَدُلُّ على أَنَّها مِن الفاتحةِ.
قُلتُ: لَو صَحَ هذا التَّقريرُ لَلَزِمَ كَونُ البسملةِ جُزءٌ لِكلِّ أَمرٍ ذِي بَالٍ، وَبُطلانُهُ ظاهرٌ، وَلا دِلالَةَ للأبتَرِ على ما ذَكَرَهُ، فأنَّهُ يَجئ بِمعنى مُنقَطعُ الخيرِ، وهو المُرادُ هاهنا، وهو لا يَستلزمُ الجزئيةَ.
وَمِنْها: ما أَورَدَهُ أَيضاً مِن أنَّهُ رُويَ: «أَنَّ النَّبيَّ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ قَالَ لأبيّ بن كَعْب مَا أعظمَ آيةٍ فِي كتابِ الله تَعَالَى، فَقَالَ: بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَصدَقَهُ فِي قَولِه».
فَهَذَا الكلامُ يَدُلُّ على أَنَّها آيةٌ تامةٌ، ومعلومٌ أَنَّها لَيستْ آيةً تامةً في سُورةِ النَّمل، فَلا بُدَّ أَنْ تَكونَ تامةً في غَيرِ هَذَا الموضعِ، وَكُلُّ مَنَ قَالَ
بذلك قَالَ إنَّها (¬1) آيةٌ تامةٌ من الفاتحةِ.
قُلتُ: المُقدِّمةُ الأخيرةُ باطلةٌ، كَمَا لا يَخَفَى.
وَمِنها: مَا ذَكَرَهُ أيضاً مِن أَنَّ سائِر الأنبياءِ ـ على نَبيِّنا وعليهم الصَّلاة والسَّلام ـ، كانوا عِندَ الشّروعِ في أَعمالِ الخيرِ يَذكُرونَ بِسْم اللَّهِ، فَوجَبَ أَنْ يَجِبَ على رَسولِنا، وإذا ثَبَتَ في حقِّ الرَّسولِ ثَبَتَ وُجُوبِهِ في حَقِنا أَيضاً، وَإذا كَانَ كَذلكَ ثَبَتَ أَنَّهُ آيةً مِن الفَاتحةِ.
قُلتُ: المُقدِّمةُ الأخيرةُ فيه أيضاً باطلةٌ.
وَمِنها: أَنَّهُ تعالى مُتقدِّمٌ بِالوجودِ، وَالقديمُ الخالقُ يَجِبُ أَن يَكونَ ذِكرُهُ أَيضاً سَابقاً، وَهَذَا لا يَحصلُ إلا إِذَا كَانتْ قِراءةُ بِسْم اللَّهِ سَابِقةً على سائرِ الأذكارِ، وإذا ثَبَتَ هَذَا، ثَبَتَ أَنَّ القولَ بوجوبِ هَذَا التَّقدمِ حَسنٌ في العقولِ، وَجَبَ أَن يكونَ مُعتبراً في الشَّرعِ، لِقولِه ـ عَليه الصَّلاة وَالسَّلام ـ: «مَا رَأَى المُسْلِمُونَ حَسَنًا، فهو عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» (¬2).
¬
(¬1) فِي الأصل أَنَّهُ.
(¬2) رَوَاهُ أحمد في مُسند المكثرين مِن الصَّحَابَة، رقم (3418)، عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ، فَوَجَدَ قَلبَ مُحَمَّدٍ، صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم، خَيْرَ قُلُوبِ العِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ بَعْدَ قَلبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ، خَيْرَ قُلُوبِ العِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ على دِينِهِ، فَمَا رَأَى المُسْلِمُونَ حَسَنًا، فهو عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا، فهو عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ.
وَإذا ثَبَتَ وجُوبِ القراءةِ، ثَبَتَ أيضاً أَنَّها مِن الفاتحةِ، إذْ لا قائِل بِالفرقِ.
قُلتُ: المُقدِّمَةُ الأخيرةُ فيه باطلةٌ، فإنَّ وُجوبَ قِراءتِها أَوَّلاً لا يَستلزمُ كَونُها جُزءٌ من الفاتحةِ، وَقولُهُ إذْ لا قائلَ بِالفرقِ، باطلٌ، فإنَّ أصحابنا قالوا بعدم (¬1) جُزءيتها مع قَولِهم بِوجوبِها لِثبوتِ المُواظبةِ النبويَّةِ عليها، وَإسنادُ «مَا رَأَى المُسْلِمُونَ حَسناً، فهو عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» إلى النَّبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ غَير صحيحٍ، فإنَّ هَذَا القولَ لَمْ يُوجدْ مَرفوعاً، بَل هو مَوقوفٍ على ابْن مَسْعُودٍ، رَواه أَبُو نعيمٍ، وأحمدَ، وغيرُهُما، كَمَا حَقَّقَهُ السَّخاويُّ، وَغيرُهُ مِن المُحدِّثينَ.
وَمِنْها: أَنَّهُ رَوى الثعلبيّ في «تفسيره» عَن بريدة قال: قالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ: «ألا أُخبِرُكَ بآيةٍ لَمْ تنْزِل على أَحدٍ بَعدَ سُليمانُ بنُ دَاودَ غَيري، فقُلتُ بَلى، فقالَ: بأيِّ شيءٍ تَفتَحُ القرآنَ إذا افتَتَحتَ الصَّلاةَ، قُلتُ: ببِسم اللَّهِ، قالَ: هي هي» (¬2)، وَرَواهُ أَبُو حاتمٍ، والطبرانيُّ، وَالدارقطنيُّ، والبيهقيُّ أَيضاً.
¬
(¬1) فِي الأصل لعدم.
(¬2) رواه الطبراني فِي المعجم الأوسط (ج1/ص367)، رقم (629). والبيهقي في السنن الكبرى (ج10/ص62)، رقم (19808). والدَّارَقُطْنِيّ في سننه (ج1/ص310)، رقم (39).
وَرَوى الثعلبيُّ (¬1)، وابنُ المنذرِ، والطبرانيُّ، وَالحاكمُ وَصححهُ، وَابنُ جَريرٍ (¬2)، وَابن مردويهٍ عن ابنِ عبَّاس، أَنَّهُ سُئِلَ عن قَولِهِ تَعالى: ?وَلَقَدْ ءَاتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ المَثَانِي? (¬3)، قالَ: هي فاتحة الكتاب، قيلَ فأَين السَّابعةُ، قَالَ: بِسْم اللَّهِ.
وَأخرجَ ابنُ الضريس عن سعيدِ ابنِ جُبيرٍ، مِثله.
¬
(¬1) في الجواهر الحسان في تفسير القُرْآن (ج1/ص21).مطبوع في أربع مجلدات. مؤسسة الأَعْلَى للمطبوعات. بيروت.
(¬2) قَالَ ابن جَرِير في تفسيره: اختلف أهل التأويل في معنى السَّبع الذي أتى الله نبيه ـ صلى الله عَلَيْهِ وسلم ـ مِن المثاني، فَقَالَ بعضهم عني بالسَّبع: السَّبع السُّور مِن أوَّل القُرْآن اللواتي ينعرفن بالطول. وقائلوا هذه المقالة مُختلفون في المثاني، فكان بعضهم يقول: المثاني هَذِهِ السَّبع، وَإِنَّمَا سُمِّينَ بِذَلِكَ، لأنهن ثني فيهن الأمثال والخبر والعبر ... وقال آخرون: عني بِذَلِكَ: سبع آيات، وقالوا: هُنَّ آيات فاتحة الكتاب، لأنهن سَبع آيات. وهم أيضا مختلفون في معنى المثاني، فقال بعضهم: إِنَّمَا سمِّين مثاني، لأنهن يُثنين في كلِّ رَكعةٍ من الصَّلاةِ ... وقال آخرون: عَني بالسَّبعِ المثاني، معاني القُرْآن ... وقال آخرون مِن الَّذِينَ قالوا عَني بالسَّبع المثاني فاتحة الكتاب: المثاني هو القُرْآن العظيم ...
وأَولى الأقوالِ في ذَلِكَ بالصَّوابِ، قول مَن قَالَ: عَني بالسَّبع المثاني السَّبع اللواتي هُنَّ آيات أمّ الكتاب، لصحة الخبر بذلك عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ... فعَنْ أَبِي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ـ صلى الله عَلَيْهِ وسلم ـ: أمّ القُرْآن السَّبع المثاني الَّتِي أُعطيتها
(¬3) مِن سورة الحجر، آية (87).
وَرَوى سعيدُ بنُ مَنصورٍ في «سُنَنِهِ»، وَابنُ خُزيمةَ في كِتاب «البسملة»، وَالبيهقيُّ عَن ابن عبَّاس، قَالَ: استَرَقَ الشَّيطان مِن النَّاسِ أَعظَمَ آيةٍ في القرآنِ، بِسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (¬1).
وَرَوى ابنُ مَرْدويه، والبَيْهَقيُّ في «شُعب الايمان»، وَأبوعُبيدٍ عَنْهُ نَحوَهُ.
وَرَوى الثعلبيّ عَن عَليّ ـ رَضِي الله عَنْهُ ـ: أَنَّهُ كَانَ إذا افتتحَ الصَّلاةَ، كَانَ يَقرَأُ بِسْم اللَّهِ، وَكانَ يَقولُ مَنْ تَركَها، فَقَدْ نَقَصَ.
وَرَوى أيضاً عن أَبِي هُريرةَ: إذا قَرأتم أُمَّ القرآنَ، فَلا تَدَعُوا بِسْم اللَّهِ، فإنَّها إحدَى آياتها.
وَرَوى أبو عُبيدٍ، وَابنُ سعدٍ في «الطَّبقاتِ»، وَابنُ أبي شيبةَ، وَأحمدَ، وَأبو دَاوُدَ، وَابنُ خزيمةَ، وَابنُ الانباريِّ في كتاب «المصاحف»، والدَّارَقُطْنِيّ، والحاكمُ وَصححهُ، البيهقيُّ، وَالخطيبُ، وَابنُ عَبدُ البرِّ، كِلاهُما في كِتاب «البَسْمَلَةِ» عن أُمِّ سَلمةَ ـ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْها ـ: «أَنَّ النَّبيَّ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ كانَ يَقرأُ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،
¬
(¬1) رواه البيهقي في السنن الكبر (ج2/ص50)، رقم (224). مكتبة دار الباز. مكة المُكَرَّمَة. 1994م.
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ .. ألخ)) (¬1)، قَطَّعَها آيةً آيةً، وَعدَّها عَدَّ الإعرابِ، وَعدَّ بِسْم اللَّهِ آيةً مِنْها.
وَرَوى الثّعلبيّ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -،قالَ: «كُنتُ مع رسولِ الله ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ فِي المسجدِ إذ دَخَلَ رَجلٌ، فافتَتَحَ الصَّلاةَ وَتَعَوذَّ، ثُمَّ قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَقالَ لَهُ يا رَجُل، قَطَعتَ على نَفسِكَ الصَّلاةَ، أَمَّا عَلِمتَ أَنَّ بِسْم اللَّهِ من الحَمدِ، فَمَنٍ تَرَكَها فَقَدْ تَرَكْ آيةً، وَمَنْ تَرَكَ آيةً فَقَدْ فَسدتْ عليه صلاتُهُ».
وَرَوى أيضاً عن طَلحةَ - رضي الله عنه - مَرفوعاً: «مَن تَرَكَ بِسْم اللَّهِ فَقَدْ تَرَكَ آيةً من كِتابِ اللهِ».
وَرَوى البغويّ في «معالم التنْزيل» بِسندِهِ، عَن أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: «بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا فَقُلنَا مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأَ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ} ... الخ» (¬2).
¬
(¬1) رواه أَبُو دَاوُد فِي كتاب الحروف والقراءات، رقم (3487). وأحمد فِي باقي مسند الأَنْصَار، رقم (25371). والدَّارَقُطْنِيّ فِي سننه (ج1/ص313)، قَالَ: إِسْنَادِه صَحِيح وكلهم ثقات.
(¬2) رواه مسْلِم فِي كتاب الصَّلاة، فِي (بَاب حُجَّةِ مَنْ قَالَ البَسْمَلَةُ آيَةٌ مِن أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ سِوَى بَرَاءَةٌ)، رقم (607)، وتكملة الحَدِيث هي: ?فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هو الأَبْتَرُ?، ثُمَّ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الكَوْثَرُ، فَقُلنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ هو حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، فَيُخْتَلَجُ العَبْدُ مِنْهُمْ، فَأَقُولُ رَبِّ إِنَّهُ مِن أُمَّتِي، فَيَقُولُ: مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ. وَرَوَاهُ النَّسَائيّ فِي كتاب الافتتاح، فِي (قِرَاءَةُ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، رقم (894). وأبو دَاوُد فِي كتاب الصَّلاة، فِي (بَاب مَنْ لَمْ يَرَ الجَهْرَ بِبِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، رقم (666)، وفي كتاب السُّنَّة، (بَاب فِي الحَوْضِ)، رقم (4122)، وأحمد فِي باقي مسند المكثرين، رقم (11558).
فهذهِ الأحاديثُ وَأمثالُها صَريحةٌ في كَونِها جُزءً مِن السَّورِ، وَكَذَا أَحاديثُ الجهرِ بِها في الصَّلاةِ، كَمَا سَيأتِي ذِكرُها.
وَأَجابَ العينيّ (¬1)، والطّحطاويّ (¬2)، وَابنُ الهمامِ، وَغيرُهم من أَصحابِنا عن رِوايات الثعلبيِّ: بِأَنَّها بِأَجمَعِها ليست بِذاك، فإنَّ الثّعلبيّ حاطُبُ اللَّيلِ، يَذكُرُ الغَثَّ وَالسَّمِينَ، فَلا اعتبار بما رَواهُ.
وعن حَديثِ أُمَّ سَلَمَةَ: بأَنَّ في إسنادِهِ عمرَ بنَ مَروانِ البلخيّ عَن ابْن جريج، قَالَ يحيى بنُ معينٍ: هو ليس بِشيءٍ.
وعن حَديثِ أَنسٍ: بِأنَّ قِراءَةَ البَسْمَلَةِ مَعَ السَّورةِ لا تَدُلُّ على أَنَّها جُزُءٌ مِنْها.
¬
(¬1) في البِنَاية (ج2/ص222).
(¬2) في الأصل تحريف إلى الطحاوي، ووفاة الطحاوي قبل الثعلبي.
وعن باقي الأحاديثِ بأَنَّها تُعارِضُهما، ما رُوي عن أَجلَّةِ الصَّحابةِ، فَلا اعتبار للضَّعيف في مُقابَلةِ القَويِّ.
وأَمَّا أَحاديثُ الجهرِ بها فَستَقِفُ على ما فِيها.
وأحتَجَ مَن لَمْ يَجعلها جُزُءً من السُّور بِوجوهٍ:
منها: مَا رَواهُ مالك في «المُوطَّأ»، وَسفيانُ بنُ عيينةَ في «تفسيرهِ»، وَأبو عُبيدٍ في «فَضَائِلِ القرآنِ» وابنُ أَبِي شيبةَ، وأحمدُ، وَالبخاريُّ، وَمسلمٌ، وَأبو دَاودَ، وَالتِّرمِذيُّ، وَالنَّسائيّ، وَابنُ ماجهَ، وَابنُ جَريرٍ، وَابنُ الأنباريِّ، وَابنُ حبَّانِ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالبيهقيُّ في «سنَنِهِ»، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ: «مَن صَلَّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ، فَهِيَ خِدَاجٌ، قَالَ أَبُو السَّائِبِ: فَقُلتُ: أَبا هُرَيْرَةَ إِنِّي أَكُونُ أَحْيَانًا وَرَاءَ الإِمَامِ، فَغَمَزَ أَبُو هُرَيْرَةَ ذِرَاعِي، وَقَالَ: اقْرَأْ يَا فَارِسِيُّ بهَا فِي نَفْسِكَ، فإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ العَبْدُ {الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِين}، يَقُولُ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَيَقُولُ العَبْدُ: ?الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، فَيَقُولُ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَيَقُولُ العَبْدُ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، فَيَقُولُ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَيَقُولُ العَبْدُ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، فَيَقولُ: هَذِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، أوَّلها
لي وآخرها لِعبدِي، وله مَا سَأَلَ، فَيَقُولُ العبدُ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} إلى آخِر السُّورةِ، هَذَا لِعَبْدِي، وَلَهُ مَا سَأَلَ» (¬1).
¬
(¬1) رواه البُخَارِيّ فِي كتاب الأذان، فِي (بَاب القِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ)، رقم (714)، عَن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ. وَفِي كتاب التوحيد، قَالَ: بَاب وَسَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاةَ عَمَلًا وَقَالَ لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ. ومسلم فِي كتاب الصَّلاة، فِي (بَاب وُجُوبِ قِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... )، رقم (598)، و (599). والترمذي فِي كتاب تفسير القُرْآن، فِي (بَاب ومِن سُورَةِ فَاتِحَةِ الكِتَابِ)، رقم (2877). وَفِي كتاب تفسير القُرْآن، رقم (2877)، ثُم قَالَ أَبو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَن أَبِيهِ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ. وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَن أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نَحْوَ هَذَا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَن أَبِيهِ، عَنِ العَلاءِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي وَأَبُو السَّائِبِ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نَحْوَ هَذَا، أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بنُ= =يَحْيَى وَيَعْقُوبُ بنُ سُفْيَانَ الفَارِسِيُّ، قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَن أَبِيهِ، عَنِ العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أَبِي وَأَبُو السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، وَكَانَا جَلِيسَيْنِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: مَن صَلَّى صَلاةً، لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ، فَهِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَمَامٍ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ أَكْثَرُ مِن هَذَا، وَسَأَلتُ أَبَا زُرْعَةَ عَن هَذَا الحَدِيثِ فَقَالَ: كِلا الحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَن أَبِيهِ، عَنِ العَلاءِ. والنسائي فِي كتاب الافتتاح، فِي (تَرْكُ قِرَاءَةِ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي فَاتِحَةِ الكِتَابِ)، رقم (899)، و (900). وابن ماجه فِي كتاب الأدب، فِي (بَاب ثَوَابِ القُرْآنِ)، رقم (3774). وأحمد عَن أَبِي هُرَيْرَة: فِي باقي مسند المكثرين، رقم (6990)، و (7199)، و (7502)، و (7560)، و (9519)، و (9552)، و (9808)، و (9928)، وعن عَائِشَة فِي باقي مسند الأَنْصَار رقم (23947)، (25152)، وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ، فِي مسند المكثرين مِن الصَّحَابَة، رقم (6609)، و (6720). ومالك في كتاب النداء للصلاة، فِي (بَاب القِرَاءَةِ خَلفَ الإِمَامِ فِيمَا لا يُجْهَرُ فِيهِ بِالقِرَاءَةِ)، رقم (174).والدارقطني فِي سننه، (ج1/ص312).
قالَ ابنُ عَبدِ البرِّ: هذا الحديثُ قد رَفَعَ الاشكالَ في سُقوطِ بِسْم اللَّهِ من الفاتحة، وهو نَصٌّ لا يَحتَمِلُ التأويلَ، وَلا أَعلَمُ حَدِيثاً أَبينَ منه في سُقوطِها. انتهى.
ووجهُ التَّمسكِ بِهِ أَنَّهُ ابتدأ القسمةَ بالحمدِ للهِ دونَ البسملةِ، فَلو كانت مِنْها لأبتدأ بِها.
وَأَيضاً فَقَدْ جَعلَ النّصفَ {إيّاكَ نَعبدُ}، فتكون ثلاثُ آياتٍ للهِ في الثَّناءِ عَليهِ، وَثَلاثُ آياتٍ للعبدِ، وآيةٌ بَينهما، وَفي جَعلِ التَّسميةِ منها إبطال هذهِ القسمةِ.
وَأَيضاً أَنَّهُ قال: يَقولُ العبدُ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} ... ألخ.
ثُمَّ قال: هؤلاءَ لِعبدي، هكذا ذَكرهُ أبو داودَ، والنَّسائي، بإسنادٍ صحيحٍ (¬1).
وهو جَمعٌ، فَيقتَضي ثلاثَ آياتٍ، وَعلى قَولِ الشَّافِعِيّ يكون اثنينِ، وهو خُلافُ التَّصريحِ بِالنِّصفِ؛ فإن قُلتَ: لِم لا يرادُ قسمةَ المعنى، لا الآي؟.
قُلتُ: هذا باطلٌ فإنَّ اللهَ مُتفردٌ بالحمدِ، والثناءِ، والاستعانةِ.
والعبدُ يَتفَردُ بالخضوعِ، والتَّذلَّل، ولا يَجوزُ أَن يُرادَ ذلك، بقولِهِ: قُسمت الصَّلاةُ.
مِثاله: إذا كان ثَوبٌ لِزيدٍ، وثوب لِعمرٍو، وَلا يَجوز أَن يَقولَ قَسمتُ الثوبَ بينهما.
فإنَّ قالت: الشَّافِعِيّةُ في إسنادِهِ مثلُ العلاء بن عبد الرحمن، وَتَكَلَّمَ فيه: ابن مَعين، فَقالَ لَيس حَديثهُ بحجةٌ.
وقال ابن عَديٍّ: ليس بِالقوي.
قُلنا: هذا جَهَلٌ، وَفرطُ تَعصبٍ، يَترُكونَ الحديثَ الصحيحَ لِكونِهِ غَير مُوافقٍ لِمذهبهم، وقد رَواه عن العلاءِ الأئمةُ الثِّقاتِ كمالكٍ،
¬
(¬1) في البِنَاية (ج2/ص233): بإسنادين صحيحين.
وسفيانَ (¬1)، وابن جريحج (¬2)، وعبدِ العزيزِ (¬3)، والوليدِ بنِ كثيرٍ، ومُحمَّد بن إسحق (¬4)، وغيرِهم، وهو (¬5) ثِقةٌ صَدوقٌ.
فإن قالوا: سَلَّمنا ما قُلتُم، وَلكن جاءَ في بَعض الرُّواياتِ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ذِكرُ التَّسمية، كَما رَواهُ الدَّارقطنيُّ والبيهقيُّ بِسندٍ ضَعيفٍ عَنهُ، سَمعتُ رَسولَ الله يَقولُ: «قُسِمت الصَّلاة بيني وبين عبدي، يَقولُ عَبدي إذا افتتح الصَّلاة: بِسْم اللَّهِ يَقولُ الله: يَذكرني عبدي، وإذا قالَ: ?الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ?، يَقولُ الله: حَمدنِي عَبدي ... » (¬6) الحديث.
¬
(¬1) هو ابن عُيَيْنَة كما في البِنَاية (ج2/ص244) وهو أَبُو مُحَمَّد الكوفي ثُمَّ المَكِّيّ، ثقة إمام حجَّة إِلا أَنَّهُ يغيَّر حفظه بآخرة وكان ربما دلَّس على الثِّقَات (ت198هـ)، كما في التقريب (ص184). تحقيق: عادل مرشد. مؤسسة الرسالة. ط1. 1996هـ.
(¬2) هو عَبْد المَلِك بن عَبْد العَزِيز بن جريج الأموي المَكِّيّ، ثقة فقيه فاضل، وكان يدلِّس ويرسل (ت150هـ)، كما في التقريب (ص304).
(¬3) هو الدَّراوَرْدِي كما في البِنَاية (ج2/ص244)، وهو أَبُو مُحَمَّد الجهني المَدَنيّ، صدوق كان يحدِّث من كتبه فيخطئ (ت187هـ).كما في التقريب (ص299).
(¬4) هو أَبِي بَكْر المطلبي مولاهم المَدَنيّ، إمام المغازي، صدوقٌ يدلِّس ورمي بالتشيع والقدر (ت150هـ). كما في التقريب (ص403).
(¬5) أي العلاء بن عَبْد الرَّحْمَن، كما في البِنَاية (ج2/ص224). وهو أبو محمد المَدَنيّ المَخْزُومِيّ (ت151هـ). كما في تهذيب الكمال (ج31/ص73 - 75).
(¬6) رواه الدَّارَقُطْنِيّ في سننه (ج1/ص312)، رقم (35). فِي (بَاب وجوب قراءة بسم الله ... ).
قُلنا: في إسنادِهِ عَبدُ اللهِ بنُ زيادٍ بنِ سمعانَ، وهو مَتروكٌ، وَضعَّفَهُ أَحمدُ، وَكَذبَه مالِكٌ، وقال ابنُ حبَّانَ: كان يَروي ما لَمْ يَسمعْ، فَمعَ ضَعفِ إسنادِ هذا الحديِثِ، كيف يُعلَّل به ما رَواهُ أَصحاب الصِّحاح والسُّنن؟!. كَذَا ذَكَرَهُ العينيُّ في «البِنَاية» (¬1).
وَمن حُججهم أيضاً: أَنَّهُ لَو كانت البسملةَ من الفاتحةِ للزِمَ التّكرارُ في قوله تَعَالَى: ?الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ? لِوجوديهما فيهما، إلا أنَّ هذهِ الحجةُ ضعيفةً، فإنَّ التّكرارَ لأَجلِ التَّأكيد كَثيرٌ في القرآن، فالتَّكرار ليس نَصاً على ما ذَكَروهُ.
وَمنها: ما رَواهُ التِّرمذيُّ وَحسَنهُ، وَأحمدُ في «مُسندِهِ»، وابنُ حبَّانَ في «صحيحه»، وَالحاكمُ في «مُستدركِهِ» وَصححه (¬2)، وَأَبو داودَ، وابنُ ماجهَ، وَالنَّسائيُّ، وغيرُهم، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ (¬3)، قَالَ: إِنَّ سُورَةً مِنَ القُرْآنِ ثَلاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ، حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وهي {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلكُ} (¬4)» (¬5).
¬
(¬1) (ج2/ص212 - 224).
(¬2) فِي الأصل صحيحه.
(¬3) فِي الترمذي عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيّ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ.
(¬4) مِن سورة تبارك، آية (1).
(¬5) رواه الترمذي فِي كتاب فضائل القُرْآن، فِي (بَاب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ سُورَةِ المُلكِ)، رقم (2816). وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وأبو دَاوُد فِي كتاب الصَّلاة، فِي (بَاب في عَدَدِ الآيِ)، رقم (1192). وابن ماجة في كتاب الأدب في (بَاب ثَوَابِ القُرْآنِ)، رقم (3776). وأحمد عَن أَبِي هُرَيْرَة فِي باقي مسند المكثرين، رقم (7634)،= = (7927). والدَّارِمِيّ فِي سننه فِي كتاب فضائل القُرْآن، في (بَاب فِي فَضْلِ سُورَةِ تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَتَبَارَكَ)، رقم (3279).
وفي إسنادِهِ عباسُ الجُشَميُّ إِنَّهُ (¬1) عَبْد الله، قالَ في «التَّهذيب»: ذَكَرَهُ ابنُ حبِّان في «الثَّقات»، وأخرجَوا لَهُ حَديثاً واحداً في فَضلِ {تَبَارَكَ}. انتهى (¬2).
وَجهُ الاحتجاج به أنَّ هذهِ السَّورةَ ثَلاثونَ آيةٍ بدون البَسْمَلَةِ بلا خِلافٍ، فَعُلِم أنَّها ليست منها.
وَأيضاً افتتاحهُ بِقولِهِ: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلكُ} يَدُلُّ عليه، كما لا يَخفى. كذا قال الزَّيلعيُّ في «تخريج أحاديث الهداية» (¬3).
وَقالَ الجزريُّ في «مفتاح الحصن الحصين»: استَدَلَّ بهذا الحديثِ مَنْ لا يَرَى البَسْمَلَةَ آيةً، لأنَّ {تَبَارَكَ} ثَلاثونَ آيةً بغيرِها، وَلا دَليلَ فيه
¬
(¬1) وقع في الأصل ابن والتصويب من التهذيب.
(¬2) في تهذيب الكمال (ج14/ص214 - 215).
(¬3) في نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية (ج1/ص410 - 411) للعلامة جمال الدِّين أَبِي مُحَمَّد عَبْد الله بن يُوسُف الزَّيْلَعيّ الحَنَفِي (ت762هـ)، تحقيق: أحمد شمس الدِّين. دار الكتب العلمية. ط1. 1996م.
لاحتمالِ أَن تَكونَ آيةً في أوَّلِ السُّورةِ بذاتها لا منها وهو أَحدُ أَقوالُ الشَّافِعِيّ. انتهى.
قُلتُ: هذا الاحتمالُ هو الَّذي ذهب إليه المحقِّقونَ مِن أَصحابِنا، وغيرُهم، كَمَا ذَكرْنا.
والاستدلالُ بهذا الحديثِ ليس لإبطالِهِ، بل لإبطالِ المشهورِ من مَذهبِ الشَّافِعِيّ، أنَّها جُزءٌ مِن كُلِّ سورةٍ.
وَمنها: ما رَواه ابنُ أَبي شيبةَ، وأحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، والتِّرمذيُّ وحسَّنَهُ، وابنُ أبي داودَ في «المصاحف»، وابنُ المنذرِ، والنّحاسُ في «ناسخه»، وابنُ حبِّان، وأبو الشَّيخ، والحاكمُ وصححهُ، وابن مردويه، والبيهقيُّ في «الدَّلائلِ»، عَن ابْنَ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهم -، قَالَ: قُلتُ لِعُثْمَانَ ابْنِ عَفَّانَ: مَا حَمَلَكُمْ على أَنْ عَمَدْتُمْ (¬1) إِلى الأَنْفَالِ وهي المَثَانِي (¬2)، وَإِلَى سُورَةِ بَرَاءَةٌ (¬3) وهي مِنَ المِئِينَ (¬4)،فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ يُنْزَلُ عَلَيْهِ مِنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ العَدَدِ، فَكَانَ إِذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ شيْ دَعَا
¬
(¬1) فِي الأصل عدتم. وَفِي السُّنن كما هي مثبته.
(¬2) السُّور مِن سُورة البقرةِ إلى التَّوبةِ.
(¬3) فِي الأصل غير موجودة. وَفِي السُّنن موجوده.
(¬4) السُّورة الَّتِي آياتها تقارب المئة.
بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ، فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ الآيَاتِ في السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَتْ سُورَةُ الأَنْفَالِ مِن أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِن أَخِرِ مَا نَزَِلَ، وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهًا بِقِصَّتِهَا، فَظَنَنَّتُ أَنَّهَا مِنْهَا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا منها، فَمِن أَجلِ ذلك قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْم اللَّهِ، وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ» (¬1).
قالَ الطَّحاويُّ (¬2) في «شرح معاني الآثار» بَعدَ رِوايةِ هذا الحديثِ: فهذا عثمان يُخبر أنَّ بِسْم اللَّهِ لَمْ يكن عنده من السُّور، وَأَنَّهُ إنَّما كَانَ يَكتُبُها في فَصلِ السُّورِ، وهي غَيرُهنَّ. انتهى (¬3).
ومنها: أَنَّهُ قد رَوَى البُخاريُّ، وَمسلمٌ، والنَّسائيُّ، والتِّرمذيُّ، وغيرُهم، قِصَّةَ بَدءِ الوحي (¬4)، ..........................................
¬
(¬1) رواه الترمذي فِي كتاب تفسير القُرْآن، فِي (بَاب ومِن سُورَةِ التَّوْبَةِ)، رقم (3011)، قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وأبو دَاوُد فِي كتاب الصَّلاة، فِي (بَاب مَن جَهَرَ بِهَا)، رقم (668). وأحمد فِي مسنده فِي مسند المبشرين بالجنة، رقم (372)، و (468).
(¬2) هو أَبُو جَعْفَر، أحمد بن مُحَمَّد بن سلامة بن عَبْد المَلِك الأزدي الحجري المِصريّ الطحاوي الحَنَفِي (229 - 321هـ).
(¬3) من شرح معاني الآثار في بَاب قراءة بسم الله الرَّحْمَن الرحيم (ج1/ص202). تحقيق: مُحَمَّد زهري. دار الكتب العلمية. ط2. 1987م.
(¬4) رواه البُخَارِيّ فِي (بَاب بَدْءُ الوَحْيِ)، رقم (3)، وَفِي كتاب تفسير القُرْآن،
فِي (سُورَةُ المُدَّثِّرِ)، رقم (4541)،وفي بَاب قَوْلِهِ (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ)، قم (4543)، وفي (سُورَةُ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)،رقم (4572)،وفي بَاب قَوْلُهُ (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ) رقم، (4574).وفي كِتَاب التَّعْبِيرِ، بَاب أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، رقم (6467). ومسلم فِي كتاب الايمان، بَاب بَدْءِ الوَحْيِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ، رقم (231)، (233). والترمذي فِي كتاب المناقب، في (بَاب فِي آيَاتِ إِثْبَاتِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَمَا قَدْ خَصَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ)، رقم (3565). وأحمد فِي مسنده، فِي باقي مسند الأَنْصَار، رقم (24767).
ونُزول {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (¬1)، وهو أوَّلُ مَا نَزلُ مِن القُرْآنِ على الأصحِ، وليس فيه ذِكَرُ البَسْمَلَةِ، فلو كانت جُزءً منها لَنَزلت مَعها.
وأمَّا روايةُ ابنُ جَرِير الطَّبريّ عَن ابْنِ عبَّاسٍ - رضي الله عنهم -: «أوَّل ما أُنزل جِبْرِيل على رَسُول اللهِ، قَالَ: يا مُحَمَّد استعذ، فقال: أستعيذ بالسَّميع العليم مِن الشَّيطان الرَّجيم، ثُمَّ قال له: قل بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ... » الحديث.
فضعيفةٌ في إسنادها ضَعفٌ، وانقطاعٌ كَمَا فِي «المَوَاهب اللَّدُنِّيَّة».
وبعد اللّتيا والّتي، نَقولُ: أورد على أصحابنا أنَّ ما ذكرتم من الأحاديثِ، وإنْ دلَّت على أَنَّها ليست جُزءً منها، لَكِن ما ذكرناه من الأحاديثِ صَريحةٌ في أَنَّها جُزءٌ، غاية ما في البابِ أن تكون هي ضعيفةً،
¬
(¬1) مِن سورة العلق، آية (1).
وهو لا يضرُّ، فإنَّ بَعضها مُتعاضدٌ بِبِعضها، فَهي مُحصِّلَةٌ للظنِّ القويّ بلا ريبٍ، والمطلوب هاهنا الظَّنُّ لا القطعُ.
وفِقهُ المقام ما ذكره الشّهاب في «حواشيِّ تفسيره البيضاويّ» (¬1): من أنَّ الاختلاف بين الحنفيَّة والشَّافِعِيّة في هذا المقام مَبنيٌّ على الخلافِ الأصوليِّ، وهو أنَّه هَل يَكفي في ما نَحنُ فيه الظَّنُّ أم لا؟.
فاختارت الشَّافِعِيّة أنَّ التَّواتر القطعيُّ إنَّما يُشترطُ في ما يَثبتُ قُرآناً على سبيلِ القطعِ، فأمَّا ما يَثبتُ قُرآناً على سبيلِ الحكمِ، فَيكفي فيه الظَّنُّ، كما فيما نحن فيه، ومعنا كَونه على سبيلِ الحكمِ، أنَّ له حكم القُرْآن مِن الكتابةِ بين الدَّفَّتين ووجوبِ القراءةِ، كَمَا حقَّقهُ الغزاليّ وغيره من محقِّقي الشَّافِعِيّة. وَذهبتْ الحنفيَّة إلى أنَّ كلَّ ما يُسمَّى قُرآناً، لا بدَّ فيه مِن القطعِ، والتَّواتر في نَفسهِ وَمَحلِهِ، كَمَا في سُورة النَّملِ، وما بين السَّور ليس كَذَلِكَ.
وإليه مَال القاضي أبو بكر الباقلانيّ، وشنع على الشَّافِعِيّة تَشنيعاً بَليغاً، فحيثُ انتفى ذَلِكَ انتفت القرآنيَّةُ ولو حُكما، ولِذا عَرَّفوا القرآن: بأنه المنقول بين دفَّتي المصاحف تواتراً.
واختاره ابن الحاجب وغيره من أئمةِ المالكيَّةِ.
والشَّافِعِيّة أيضاً مُختلفونَ فيه، فاحفظ هذا الفقه فإنَّهُ فِقه جَليل، وفي
¬
(¬1) (ج1/ص30).
كُتبِ الأصولِ له زيادةِ تَفصيلٍ.
قلتُ: هذا الفقهُ إنَّما هو بحسبِ مَذهبِ قُدماء أصحابنا، وأما المتأخرون منهم، فلما لاح لهم قوةُ دَلائلِ كَون البسملةِ آية من القرآنِ، ولم يَظفروا بِدليلٍ قَويّ يَدلُّ على جزئيتِها من الفاتحةِ أو سورةٍ أخرى، بل ظفروا بِدليلٍ قويٍّ يَدلُّ على خلافهِ كما بَسطنا سابقاً، اختاروا أنَّها جُزءٌ من القرآنِ لا مِن السُّورة، فافهم.
فرع: يتفرعُ على هذا الاختلافِ، الاختلافُ في تعيين آياتِ سورةِ الفاتحةِ بين الحنفيَّةِ والشَّافِعِيّةِ بَعدما اتفقوا على أنَّها سَبعُ آياتٍ، لما أخرجهُ أحمدُ، وابنُ جريرٍ، وابنُ المنذرِ، وابنُ أبي حاتمٍ، وابنُ أبي مَردويه عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُ ـ قَالَ رَسُول اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ: «الحمد لله (¬1) هي فاتحةُ الكتابِ، وهِيَ السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرْآنُ العَظِيمُ» (¬2).
فذهبتْ الحنفيَّةُ إلى أنَّ البَسْمَلَةَ خارجةً عنها، وصِراطَ الذين أَنعمتَ عليهم آيةٌ، ويؤيدهُ ما رَواهُ البُخَارِيّ، وأحمدُ، والدارميُّ، وأبوداودَ، والنّسائي، وابن جريرٍ، وابنُ حبانَ، وابنُ مردويه، والبيهقيُّ، عَن أَبِي سَعِيدِ - رضي الله عنه -، قَالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي في المَسْجِدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ، فَلَمْ
¬
(¬1) وقع في الأصل القُرْآن والتصويب من المسند.
(¬2) رواه أحمد في باقي مسند المكثرين رقم (9411،9412).
أُجِبْهُ، فَقَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} (¬1)، ثُمَّ قَالَ: ألا لاعَلِّمَنَّكَ أَعْظَم سوَرةٍ في القُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ، فأَخَذَ بِيَدِه، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، قُلتُ: يا رَسُول اللهِ إنّك قُلتَ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ {الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ}، هي السَّبْعُ المَثَانِي (¬2) وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ» (¬3).
وَذهبتْ الشَّافِعِيّةُ إلى أنَّ البَسْمَلَةُ آيةٌ منها دونّ أَنعمت عليهم.
* * *
¬
(¬1) مِن سورة الأنفال، آية (24).
(¬2) وقع فِي الأصل العظيم والتصويب من السّنن.
(¬3) رواه البُخَارِيّ فِي كتاب تفسير القُرْآن، فِي (بَاب مَا جَاءَ فِي فَاتِحَةِ الكِتَابِ)، رقم (4114). وأبو دَاوُد فِي كتاب الصلاة، فِي (بَاب فَاتِحَةِ الكِتَابِ)، رقم (1246). والنسائي في كتاب الافتتاح، فِي (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ المَثَانِي وَالقُرْآنَ العَظِيمَ})، رقم (904). وأحمد فِي مسند المكيين، رقم (15171)، وفِي مسند الشاميين رقم (17177). والدارمي كتاب الصَّلاة، فِي (بَاب أُمُّ القُرْآنِ هي السَّبْعُ المَثَانِي)، رقم (1454)، وَفِي كتاب فضائل القرآن، فِي (بَاب فَضْلِ فَاتِحَةِ الكِتَابِ)، رقم (3237).
البابُ الثَّاني
في نُبَذٍ من الأحكامِ
المتعلقةِ بها
* مَسألةٌ:
يُستحبُ أن يقولَ: بِسْم اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ، عند دُخول الخلاء، وكثيرٌ من الفقهاءِ وإن لم يُصرحوا بالبَسْمَلَةِ في هذا المقامِ، بَل اكتفوا بالاستعاذةِ لورودِ أَكثر الأحاديث في الاكتفاءِ بِها، إلا أنَّ بَعضَ مُحقِّقيهم مِن المتأخرينَ، قد صَرحوا بِندبِها لِورودِ بَعض الأحاديث بذلك.
قَالَ الشُرُبنُلالي في «مراقي الفلاح» (¬1): يُقدِمُ تَسميةُ اللهِ على الاستعاذةِ، لقوله ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ: «سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الجِنِّ، وَعَوْرَاتِ بَني آدم، إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الخَلاءَ، أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ» (¬2).
ولقوله ـ عليه السَّلامُ ـ: «إِنَّ هَذِهِ الحُشُوشَ (¬3) مُحْتَضَرَةٌ (¬4)، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الخَلاءَ (¬5)، فَليَقُل أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ» (¬6). انتهى.
وقال السَّيد أحمد الطَّحْطَاويّ في «حواشيه» عَلَيْهِ: مَا ذَكرهُ من الحديثينِ لا يَفيدُ التَّقديمَ، فالأولى ما قاله ابن حَجَر: السُّنَّةُ منهما تَقديمُ التَّسميةِ على التَّعوذِ، عَكسُ المعهود في التِّلاوةِ، الحديث اليَّعمري: «إذا
¬
(¬1) (ص94).
(¬2) رواه الترمذي في كتاب الجمعة، في (بَاب مَا ذُكِرَ مِنَ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ دُخُولِ الخَلاءِ)، رقم (551). وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، (بَاب مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ الخَلاءَ)، رقم (551).
(¬3) الحشوش: جمع الحُشّ بالفتح والضم: بستان النخيل في الأصل ثُمَّ استعمل في موضع قضاء الحاجة. كما في المراقي (ص94).
(¬4) احتضارها رصدُ بني آدم، والفضاء يصير مأواهم بخروج الخارج. كما في المراقي (ص94).
(¬5) في الأصل أَحَدُكُمُ الخَلاءَ غير موجوده، وَفِي أَبِي دَاوُد موجودة.
(¬6) رواه أَبُو دَاوُد في كتاب الطهارة، في (بَاب مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ الخَلاءَ)، رقم (5). وابن ماجه في كتابِ الطهارةِ وسننها، في (بَاب مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ الخَلاءَ)، رقم (292). وأحمدُ في مسندِ الكوفيين، رقم (18483)، و (18525)، و (18526).
دخلتم الخَلاء، فقولوا بِسْم اللَّهِ أعوذُ باللهِ من الخبثِ والخبائثِ))، وإسناده على شرطِ مسلمٍ، وقال بعضُ الفضلاءِ: بالاكتفاءِ على أحدهما يَحصلُ أصلُ السُّنَّةِ، والجمعُ بينهما أفضل. انتهى كلامه.
وفي «آكام المرجان في أحكام الجان» (¬1) للقاضي بَدر الدِّين الشّبلي من أصحابنا: روى ابن السّنيّ من حديثِ أنسٍ مَرفوعاً: «هَذِهِ الحُشُوشُ مُحْتَضَرَةٌ، فَإِذَا دَخلَ أَحدُكم الخلاء، فَليَقُل: بِسْم اللَّهِ» (¬2).
ومِمَّا يَدلُّ على اطلاعِ الجنِّ على عَوراتِ النَّاسِ عند إتيانِ الخلاءِ، ما رَواهُ الترمذي (¬3)، من حديثِ عَلَيٍّ ـ رَضِي الله عنه ـ مَرفوعاً: ((سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الجِنِّ، وَعَوْرَاتِ أُمَتِي (¬4)، إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الخَلاءَ، أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ» (¬5).
¬
(¬1) هو لمحمد بن عَبْد الله الدِّمَشْقِيّ (712 - 769هـ)، كان أَبُو قيّم الشبلية في دمشق، من مؤلفاته: محاسن الوسائل إلى معرفة الأوائل، وقلادة النحر، وتثقيف الألسنة، وآداب الحمَّام. كما في آكام المرجان تحقيق: مجدي مُحَمَّد الشهاوي. مكتبة الايمان. المنصورة.
(¬2) أخرجه ابن السني في عمل اليَوْم الليلة (2)، كما في أحكام المرجان.
(¬3) في كتاب الجمعة، في (بَاب مَا ذُكِرَ مِنَ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ دُخُولِ الخَلاءِ)، رقم (551). وَرَوَاهُ ابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، (بَاب مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ الخَلاءَ)، رقم (551).
(¬4) في الترمذي: بَنِي آدَمَ.
(¬5) سبق تخريجه (ص49).
قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلا مِن هذا الوَجْهِ وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ القَوِيِّ.
وفي «الصَّحيحينِ» مِن حديثِ أنسٍ - رضي الله عنه -: «كان رَسُولُ اللهِ إِذَا دَخَلَ الخَلاءَ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ» (¬1).
ورواهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ في «سننِهِ»، فَقَالَ: «كَانَ يَقَولُ: بِسْم اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ» (¬2). انتهى.
وفي «الدُّرْ المنثور» في تَفسيرِ قَولِهِ تَعَالَى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي} (¬3) الآية، أَخرجَ ابنُ أبي الدّنيا، والبيهقيُّ، عن الأصبغ، قَالَ:
¬
(¬1) رواهُ البُخَارِيّ في كتاب الوضوء، في (بَاب مَا يَقُولُ عِنْدَ الخَلاءِ)، رقم (139)، وَفِي كتاب الدعوات، في (بَاب الدُّعَاءِ عِنْدَ الخَلاءِ)، رقم (5847). ومُسْلِم في كتاب الحيض، في (بَاب مَا يَقُولُ إِذَا أَرَادَ دُخُولَ الخَلاءِ)، رقم (563). والترمذي في كتاب الطهارة في (بَاب مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الخَلاءَ)، رقم (5)، و (6). والنسائي في كتاب الطهارة، في (القَوْلُ عِنْدَ دُخُولِ الخَلاءِ)، رقم (19). وأبو دَاوُد في كتاب الطهارة في (بَاب مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ الخَلاءَ)،رقم (4)، و (5).وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها في (بَاب مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ الخَلاءَ)، رقم (292)، عن زيد بن أَرْقَمَ. وأحمد في باقي مسند المكثرين، رقم (11509)، و (11545)، وَفِي مسند الكوفيين، عَن زيد بْن أَرْقَمَ، رقم (18483)، و (18525)، و (18526). والدارمي في كتاب الطهارة، في (بَاب مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ المَخْرَجَ)، رقم (667).
(¬2) صَحِيح كما فيالجامع الصغير (ج2/ص110)، وصحيح الجامع (4741)، كما في أحكام المرجان.
(¬3) مِن سورة البقرة، آية (152).
كان عَلَيّ ـ رَضِي الله عنه ـ إِذَا دَخل الخلاءَ، قَالَ: بِسْم اللَّهِ الحافظِ عن المؤذي، وإذا خَرجَ مَسحَ بيدِهِ على بطنِهِ، وقال: يا لها مِن نِعمة لَو يَعلمُ العبادُ شُكرها. انتهى.
وفي «إرشاد السَّاري شَرح صحيح البُخَارِيّ» (¬1): قد رَوَى المعمريُّ مِن طَريقِ عبدِ العزيز بن المُخْتَارِ، بإسنادٍ على شرطِ مُسلمٍ مَرفوعاً: «إذا دَخلتم الخلاء فَقُولُوا: بِسمِ اللهِ، أَعُوذُ باللهِ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ» (¬2)، وفيه
زيادة «البَسْمَلَةِ». قَالَ الحَافِظ ابن حجر: لم أَرها في غير هَذِهِ الرِّوايةِ. انتهى.
* مسألةٌ:
يَنبغي أن يُبسمل عند ابتداءِ الوضوءِ، واختلفوا فيه اختلافاً كَثيراً:
فَمنهم مَن مَنعهُ، وَقَالَ: لا يُسمّي قَبل الوضوءِ، أخذاً مِمَّا رَواه أبو داودَ، وابنُ حبانَ، والحاكمُ في «مستدركه»، وصححه على شرط
¬
(¬1) (ج1/ص233). لأبي العَبَّاس شِهَاب الدِّين أحمد بن مُحَمَّد القَسْطَلانيّ (ت923هـ). دار الكتب العلمية. 1323هـ.
(¬2) سبق تخريجه (ص50).
الشيخين، وغيرُهُم، عن مُهاجر بن قنفذ (¬1): أَنَّهُ سَلَّمَ على رَسُولِ اللهِ، وهو يتَوَضَّأَ، فَلَمْ يَردَّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَمنعنِي أن أردَّ عَليكَ، إِلا إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ على غَيرِ طُهْرٍ»
وَرَوى أَبُو داودَ، وغيرهُ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهم - أَنَّهُ قَالَ: «مَرَّ [رَجلٌ علي] (¬2) رَسُولِ اللَّهِ في سِكَّةٍ مِنَ سِكَكِ المدينةِ، وقد خَرَجَ مِن غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، إِذ سَلّمَ رَجلٌ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَديِهِ على الأَرضِ، فَمَسَحَ وجهه مسحاً، ثُمَّ ضَرب ضَربةً، ثُمَّ مَسحَ ذِراعيهِ إلى المرفَقينِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلامَ إِلا أَنِّي لَمْ أَكُنْ على طهارةٍ» (¬3).
فإنَّ هاتينِ الرّوايتينِ وأمثالهما تَدلُّ على كَراهة ذِكر اللهِ حالةِ الحدثِ، والتَّسميةُ أيضاً ذِكرٌ مِن الأذكارِ، فَوجَبَ أن تُكره عند ابتداءِ الوضوءِ، وأنت تَعلمُ أنَّ هذا الاستدلالُ ضَعيفٌ، لِوجوهٍ:
أَحدُها: أنَّ الرِّوايتينِ المذكورتينِ ضَعيفتانِ.
¬
(¬1) هو ابن عُمير بن جُدْعَان التَّيْمِيّ، صحابي أسلم يوم الفتح، وولاه عُثْمَان على شُرطَته م مات بالبصرة. كما التقريب (ص480).
(¬2) غير موجودة في الأصل، ومثبته من السنن.
(¬3) رواه أَبُو دَاوُد في كتاب الطهارة، في (بَاب التَّيَمُّمِ في الحَضَرِ)، رقم (279).
أمَّا الأولى: فَلِمَا قَالَ ابنُ دقيقٍ العيد في «الإِمَام» (¬1): مِن أنَّ سَعِيد ابن أبي عَروبة الَّذِي يَرويه عن قَتادة، عن الحَسَن، عن الحُسَيْن، عن المُهاجر: ضَعيفٌ، كان اختلطَ في آخرِ عُمرهِ، وَلا عِبرة لِتصحيحِ الحاكمِ، فإنَّهُ كَثيراً مَا يُصححُ ما ليس بصحيح.
وأمَّا الثَّانيةُ: فَلِمَا قَالَ النَّووي في «الخلاصةِ»: مِن أن في سَندِهِ مُحَمَّد بن ثابت العبدي، وهو ضَعيفٌ جِداً، ضَعَّفه ابن معين، والبُخَارِيّ، والنَّسَائيّ، كَذَا ذَكَرَهُ العَيْنيُّ في «البِنَاية شرح الهداية» (¬2).
وثانيها: ما ذَكره العيني (¬3) أَيضاً مِن أنَّ التَّسميةُ مِن لَوازمِ إكمالِ الوضوءِ، فَكَانَ ذِكرها مِن تَمامهِ، وَالذَّاكر لَها قَبل وضوءهِ مُضطراً إِلَيْه لإقامةِ السُّنَّةِ المكمِّلةِ للفرضِ، فَخصتْ مِن عُمومِ الذِّكرِ، كَيف لا، وقد وَردتْ أَحاديث كثيرةٌ تَدلّ على التَّرغيبِ فيها عند ابتداء الوضوءِ.
وثالثها: أنَّهم جَوزوا قِراءة القرآنِ للمحدثِ، وَحَكَى النَّووي في
¬
(¬1) هو شرح الإلمام في أحاديث الأحكام لتقي الدِّين مُحَمَّد بن عَلَيّ المعروف بابن دقيق العيد الشَّافِعِيّ (ت725هـ) جمع فيه متون الأحاديث المتعلقة بالأحكام مجردة عَن الأَسَانِيد ثُمَّ شرحه وبرع فيه وسمَّاه الإِمَام، قيل: إِنَّهُ لم يؤلف في هذا النوع أعظم منه لما فيه من الاستنباطات والفوائد. كما في الكشف (ج1/ص58).
(¬2) (ج1/ص141).
(¬3) في البِنَاية (ج1/ص133).
«شرح صحيح مُسلم» (¬1) الإجماع عليه.
وَرَوى أَبو داودَ، وابنُ ماجهَ، وغيرُهما، عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالتْ: «كَانَ رَسُولَ اللهِ يَذْكُرُ اللَّهَ على كُلِّ أَحْيَانِهِ» (¬2).
فَمَا بالك بالتَّسميةِ عند ابتداء الوضوءِ مَعَ ورودِ السُّنَّةِ بِها، كَمَا ستقف عليه.
¬
(¬1) (ج4/ص290) وقال النووي: اعلم أَنَّهُ يكره الذكر في حالة الجلوس على البول والغائط وفي حالة الجماع. وفي (ص287) قال عَن هذه الكراهة انها: كراهة تنْزيه لا تحريم، فلا إثم على فاعله، وكذلك يكره الكلام على قضاء الحاجة بأي نوع كان من أنواع الكلام، ويستثنى من هذا كله موضع الضرورة.
(¬2) رواه أَبُو دَاوُد في كتاب الطهارة، في (بَاب في الرَّجُلِ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى على غَيْرِ طُهْرٍ)، رقم (17). وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، في (بَاب ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ على الخَلاءِ وَالخَاتَمِ في الخَلاءِ)، رقم (298). وذكره البُخَارِيّ مُعلقاً في كتاب الحيض، في (بَاب تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلا الطَّوَافَ بِالبَيْتِ)، وقال: وَكَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ ـ يَذْكُرُ اللَّهَ على كُلِّ أَحْيَانِهِ. وَفِي كتاب الآذان، في (بَاب هَل يَتَتَبَّعُ المُؤَذِّنُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا، وَهَل يَلتَفِتُ في الأَذَانِ)، قَالَ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ كان النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ ـ يَذْكُرُ اللَّهَ على كُلِّ أَحْيَانِهِ. ومُسلمٌ في كتاب الحيض، في (بَاب ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى في حَالِ الجَنَابَةِ وَغَيْرِهَا)، رقم (558). والترمذي في كتاب الدعوات، في (بَاب مَا جَاءَ أَنَّ دَعْوَةَ المُسْلِمِ مُسْتَجَابَةٌ)، رقم (3306)، قَالَ أَبو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ= =حَسَنٌ غَرِيبٌ. وأحمدُ في باقي مسند الأَنْصَار، رقم (23274)، و (24044)، و (25172).
ومِنهم: مَن قال: هي فَرضٌ، وهو مَذهب أَربابِ الظَّاهرِ، وإسحاق ابن راهويهِ، وَحَكى المُنذريّ (¬1) عَنْهُ أَنَّهُ قالَ: لَو تَركها عَامداً يَجب عليه إعادةِ الوضوءِ، واستدلوا على ذَلك بِظواهرِ الأحاديثِ الَّتِي رُويت في هذا البَابِ، وَهي وإن كانت ضَعيفةٌ لكن بَعضها يَعضدُ بَعضها، وباجتماعهما يَحصل نَوع من الحسنِ، كَمَا هو مُقررٌ في الأُصولِ.
فَروى أبو دَاوُدَ، وأحمدُ، وابنُ ماجةَ، والطبرانيّ، مِن حديث يَعقوب ابن سَلمة، عن أَبِيه، عن أَبي هُريرةَ - رضي الله عنه - مَرفُوعاً: «لا صَلاةَ لِمَنْ لا وُضُوءَ لَهُ، وَلا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» (¬2).
¬
(¬1) في كتاب الترغيب والترهيب (ج1/ص164).
(¬2) رواه أَبُو دَاوُد (ج1/ص25)، رقم (101)، و (101)، في (بَاب التسمية على الوضوء). وفِي كتاب الطهارة، في (بَاب في التَّسْمِيَةِ على الوُضُوءِ)، رقم (92). وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها في (بَاب مَا جَاءَ في التَّسْمِيَةِ على الوُضُوءِ)، رقم (392)، و (393)، و (394). وأحمد في مسند المكثرين، رقم (9050)، وَفِي مسند المدنيين، رقم (16054)، وَفِي باقي مسند الأَنْصَار، رقم (22152)، و (25894)، و (25894)، و (25895)، و (25896). والطبراني في المعجم الأوسط (ج2/ص71)، رقم (1119). وَفِي المعجم الكبير (ج6/ص121)، رقم (5699)، و (ج22/ 296)، رقم (755). والبيهقي في السنن الكبرى، (ج1/ص41)، رقم (183)، و (ص43)، رقم (192)، و (193)، و (194)، و (195). وأبو يعلى في مسنده، (ج11/ص293)، رقم (6409). وأبو دَاوُد الطيالسي، (ص33)، رقم (243). والطحاوي في شرح معاني الآثار (ج1/ص26).
ورَواه الحاكمُ في «مستدركِهِ» (¬1)، فَقَالَ فِيْهِ: عن يَعْقُوبَ بنِ أبي سَلَمَةَ، عن أَبِيه .. الخ. ثُمَّ قَالَ حديثٌ صَحيحُ الإسنادِ، ولم يُخرجاهُ، وقَد احتج مُسلمٌ بيَعْقُوب ابن أبي سلمةَ الماجشون، واسم أَبِي سَلَمَةَ دينار. انتهى.
وَتَعقبه الإمامُ تقي الدِّين بنُ دقيقٍ العيد في «الإمام» بقوله: نُقلَ عن الحاكم أَنَّهُ أَخرج هذا الحديثَ في «المستدركِ» وَصححهُ باحتجاجِ مُسلمٍ بيَعْقُوبَ، وَهَذَا إن صحَّ عنه فَهُوَ انتقال ذِهنيُّ مِن يعقوبَ بنِ سَلَمَةَ إلى يعقوبَ بنِ أَبِي سَلَمَةَ، ويَعقوب بن أبي سَلَمَةَ الماجشون احتج به مُسلم، ويعقوب بن سَلَمَةَ الليثيُّ هذا لم يَحتج بِهِ مُسلمٌ.
وقد أَخرجَ له ابن ماجة (¬2)، والدَّارقطني (¬3) من رواية ابن أبي فَديك، فلم يقولا إلا ابن سَلَمَةَ. انتهى كَلامُهُ.
قال العلامة الزَّيلعيُّ في «تخريج أحاديث الهداية»: هذا الكلامُ مِن تقي الدِّين مُشعرٌ بأَنَّهُ لم يَر «المستدرك»، وقد صَرحَ هُوَ في بابِ مَواقيت
¬
(¬1) (ج1/ص245)، رقم (518)، و (ص246)، رقم (519)، و (520)، (ج4/ 66)، رقم (6899).
(¬2) في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، في (بَاب مَا جَاءَ في التَّسْمِيَةِ على الوُضُوءِ)، رقم (393)، و (394).
(¬3) في سننه، (ج1/ص72)، رقم (5)، و (ج1/ 73)، رقم (7)، و (8)، و (9).
الصَّلاةِ أَنَّهُ رآه، فَقَالَ بَعدما نَقل كَلاماً طَويلاً: هَكذا رَأيتَهُ في نُسخةٍ عَتيقةٍ من «المستدرك»، وَقَالَ في كتابِ الزّكاة بَعد أن نَقل مِنْهُ حَديثاً، هَكَذَا وَجدته في أَصلٍ من «المستدرك». انتهى (¬1).
وأنت تَعلم أنَّ هذا القولَ مِن الزَّيلعيِّ ليس بِشيء، لِجوازِ أن تَكون نُسخةُ «المستدركِ» عند التقيِّ ناقصةٌ، فرأى بَعض ما فيها ولم يَر باقيها كَمَا لا يَخفى، وتعقبَ الحاكمَ الحافظُ عبدُ العظيمِ المنذريّ أَيضاً، فَقَالَ في كِتابِ «التَّرغيب والتَّرهيب» (¬2): لَيس كَما قال الحاكم، فإنَّهم رَوَوهُ عن يَعْقُوبَ بنِ سَلَمَةَ، عن أَبِيه عن أبي هُريرةَ، وقد قال البُخَارِيّ وَغيرُهُ: لا يُعرف لِسلمةَ سَماعٌ مِن أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلا لِيعقوبَ سَماعٌ مِن أَبِيه، وَسَلَمَةُ أَيضاً لا يُعرفُ بِمن رَوى عنه إلا يَعْقُوب، فأين شُروطُ الصحةِ. انتهى.
وَرَوى الدَّارَقُطْنِيّ، والبيهقيّ مِن طَريق أَيوب النجار، عن يَحْيَى بْنِ أَبِي كثيرٍ، عن أَبي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ مَرفوعاً: «ما (¬3) تَوضأ من لم يَذكر اسم اللهِ عَلَيْهِ، وَمَا صَلَّى مَن لَمْ يَتَوضأ» (¬4).
¬
(¬1) من نصب الراية (ج1/ص41 - 42).
(¬2) في بَاب الترهيب من ترك البَسْمَلَة على الوضوء عامداً (ج1/ص193). رقم (2).
(¬3) غير موجودة في الأصل ومثبته من السنن.
(¬4) في سنن الدَّارَقُطْنِيّ (ج1/ص71)، رقم (2). والسنن الكبرى، (ج1/ص44)، رقم (197).
قال البيهقيُّ: فيه انقطاعٌ، فإنَّ أيوبَ كان يقولُ: لم أسمعْ مِن يَحْيَى إِلا حديثاً واحداً، وهو حديثُ: «التقى آدمُ وموسى»، ذَكَرَ ذَلك يَحيى ابن مَعين فيما رواه عنه بن أبي مَريم. انتهى.
وَرَوى التِّرمذيّ واللفظُ لهُ، وابنُ ماجهَ، والبيهقيّ، والطَّحاويّ في «شرح معاني الآثار» عن أَبي ثِفَال بِكسر الثَّاءِ المثلثةِ، واسمه ثُمَامَة، عن رَبَاحٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَدتَهُ بنت سَعِيد بن زيد، تُحدثُ أنَّها سَمعتْ أَباها يَقولُ: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» (¬1).
قال التِّرمذيّ: قَالَ أَحْمَدُ: لا أَعْلَمُ في هذا البَابِ حَدِيثًا لَهُ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: أَحْسَنُ شَيْءٍ في هذا البَابِ حَدِيثُ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. انتهى.
ورَواهُ الحاكمُ وصححه، وأَعله ابن القَطَّان في كتابِ «الوهم والإيهام»، وقال: فيه ثَلاثةُ مَجاهيلٍ: أبو ثِفالٍ، ورباحٌ، وجدتُهُ لا تُعرَفُ بغير هَذَا، وَلا يُعرفُ لها اسم. انتهى (¬2).
¬
(¬1) رواه الترمذي في كتاب الطهارة، في (بَاب مَا جَاءَ في التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الوُضُوءِ)، رقم (25). وابن ماجه في كتاب الطهارة، في (بَاب مَا جَاءَ في التَّسْمِيَةِ على الوُضُوءِ)، رقم (392).
(¬2) من البِنَاية باختصار.
وذَكَرَهُ ابنُ أَبِي حاتم في كتابِ «العلل»، وقال: هذا الحَدِيثُ لَيْسَ عندنا بذاك، أبو ثِفال: مَجهول، ورباح: مَجهول، كَذَا ذَكَرَهُ الزّيلعيّ في «تَخريجِ أحاديث الهداية» (¬1).
وفي «تَهذيبِ التَّهذيبِ» للحافظِ بنِ حَجَر: ثُمَامَة بنُ وائلٍ بنِ حصينٍ أبو ثِفال، رَوى عن أبي بَكر رَبَاح، وأبي هُرَيْرَة، وعنه: عبدُ الرحمنِ ابن حَرملةَ الأسلميّ، وعبدُ العزيزِ، ويزيدُ بنُ عياضٍ، وغيرُهم، قَالَ البُخَارِيّ: في حديثِهِ نَظرٌ.
وأخرجَ لَهُ التِّرمذيّ، وابنُ ماجه حديثاً واحداً في التَّسمية على الوضوءِ.
قُلتُ: قال التِّرمذيّ في «عِللِهِ الكبيرِ»، وفي «الجامع»: سألت مُحمداً عن هَذَا، فَقَالَ: لَيْسَ في هذا البَابِ أَحسَنَ عندي مِن هذا.
وقال البَزَّارُ: ثُمَامَة بن حصين، مَشهورٌ، وذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ في «الثّقاتِ» في الطَّبقة الرَّابعةِ.
وَوَقعَ في «جامع التِّرمذيّ»: ثُمَامَة بنُ حصين، وقرأتُ في أشعار بني مُرة وأَنسابِهم، أبو ثفال اسمه: وائل بن هاشم بن حصين. انتهى كَلامُهُ (¬2).
¬
(¬1) أي نصب الراية (ج1/ص42 - 43).
(¬2) في تهذيب التهذيب (ج2/ص27)، رقم (52). وفي تهذيب الكمال (ج4/ص410).
وفيه أيضاً (¬1): في (فَصلِ الراءِ): رَباحُ بن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي سُفْيَان ابن حويطب بن عَبْد العزى أبو بَكْر المَدَنيّ، رَوى عن جدتِهِ عن أَبيها، وهو سَعِيدُ بن زيدٍ بن عَمرو بن نفيل، وَعَن أَبي هُريرةَ، وعنه إِبْرَاهِيم بن سعدٍ، وأبو ثِفال المريُّ، وغَيرُهما، لَهُ في التِّرمذيّ، وابنِ ماجهَ، حديثٌ واحدٌ في التَّسميةُ على الوضوءِ.
قُلتُ: في حديثهِ عن أبي هُريرة عندي نَظرٌ، والظَّاهر أنَّهُ مَقطوع، وَذَكَرَهُ ابن حِبَّانَ في أتباعِ التَّابعينَ.
وَرَوى ابنُ ماجهَ: مِن حديثِ كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عن رُبَيْحِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي سَعِيد - رضي الله عنه -، مَرفوعاً: «لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عليه» (¬2).
ورَواه الحاكمُ أيضاً وصححهُ، وأسندَ إلى الأثرمِ، أَنَّهُ قَالَ: سَألتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ عن التَّسميةِ في الوضوءِ، فَقال: أَحسنَ ما فيها حَديثُ كثيرِ
¬
(¬1) أي في تهذيب التهذيب (ج2/ص27) رقم (52)، وفي تهذي الكمال (ج9/ص46).
(¬2) رواه ابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، في (بَاب مَا جَاءَ في التَّسْمِيَةِ على الوُضُوءِ)، رقم (391). ومن طريق كثير بْن زيد: رَواهُ أحمدُ في باقي مسند المكثرين، رقم (10943)، و (10943). والدّارمي في كتاب الطهارة، في (بَاب التَّسْمِيَةِ في الوُضُوءِ)، رقم (688).
ابنِ زيدٍ، وَلا أَعلمُ فيها حَديثاً ثابتاً، وَأَرجو أَن يُجزيه الوضوءُ، لأنَّهُ لَيس فيه حَديثٌ أَحكم. انتهى (¬1).
وقال التِّرمذيّ في «عللهِ الكبير» قَالَ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ: وربيح (¬2) ابن عَبْدِ الرَّحْمَن: مُنكرُ الحديثِ. انتهى.
وفي «البِنَايةِ» (¬3): قَالَ أحمد: كثيرٌ: لَيْسَ بِهِ بأسٌ، وَعَن ابنِ معينٍ: لَيس بالقويِّ، وَعَن أبي زُرعةَ: صَدوقٌ فيهِ لِينٌ، وَعَن أَبي حاتمٍ: صَالحُ الحديثِ لَيْسَ بالقويِّ. انتهى.
وَرَوى ابنُ ماجه أيضاً مِن حَديثِ عَبْدِ المُهَيْمِنِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، عَن أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ، مَرفُوعاً: «لا صلاةَ لِمَنْ لا وُضُوءَ لَهُ، وَلا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَلا صَلاةَ لِمَنْ لا يُصَلِّي على رَسُولِ اللهِ» (¬4).
قَالَ العَيْنيُّ في «البِنَاية» أَخرجَهُ الطبرانيّ أَيضاً، وَعبدُ المهيمن ضَعيفٌ لكن تابعهُ أَخوهُ، وهو مُختلفٌ فِيْهِ. انتهى (¬5).
¬
(¬1) في البِنَاية (ج1/ص135).
(¬2) وقع في الأصل ذبيح والتصويب من نصب الراية (ج1/ص43).
(¬3) (ج1/ص135 - 136).
(¬4) رواه ابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، في (بَاب مَا جَاءَ في التَّسْمِيَةِ على الوُضُوءِ)، رقم (394). وزيادة التفصيل في تخريجه في (ص56).
(¬5) من البِنَاية (ج1/ص136).
وفي «تَهذيبِ التَّهذيبِ» (¬1) عَبْدُ المهيمنِ بنُ عَبَّاسٍ، رَوَى عن أبيهِ، عن جَدهِ، وأبي حازمٍ بنِ دينارٍ، وامرأةٍ لم تُسم، وَعَنهُ (¬2): ابنهُ عبَّاسٍ، وعبدُاللهِ بنُ نافعِ، وابنُ أبي فديك، ويَعْقُوب بن مُحَمَّد الزّهريّ، قَالَ البُخَارِيّ: هُوَ مُنكرُ الحديثِ، وَقَالَ النَّسائيّ: لَيْسَ بِثقةٍ.
قُلتُ (¬3): وقال ابنُ حِبَّانَ لَمَا فَحشَ الوهمُ في رِوايتِهِ بَطُلَ الاحتجاجُ بِهِ، وَقَالَ عليُّ بن الجنيد: ضَعيفُ الحديثِ، وَقَالَ النَّسائيّ في مَوضعٍ آخر: مَتروكُ الحَدِيثِ، وَقَالَ أَبُو حاتمٍ: مُنكرُ الحديثِ، وقال السَّاجيّ: عِنده نُسخةٌ عن أبيهِ عن جدهِ فيها مَناكِير، وَعَن ابنِ معينٍ: أُبيٌّ وعبدُ المهيمنِ أَخوانِ، وأُبيُّ أَقوَمُهُما، وَقَالَ الدَّارقطنيّ: لَيْسَ بالقويّ، وَقال أبو نُعيم: رَوَى عن آبائهِ أَحاديثاً مُنكرةً، وَذَكَرَهُ البُخَارِيّ فيمن مَاتَ بينَ الثَّمانينَ والتَّسعينَ. انتهى.
وفيه (¬4) أُبيُّ بنُ العبَّاسِ بنِ سهلٍ أَخو عبدِ المهيمنِ، رَوَى عن أَبيهِ وأبي بَكرٍ بنِ مُحَمَّدٍ، وَعَنْهُ: زيدُ بنُ الحبابِ وعَتيقُ (¬5)، قَالَ أبو بِشرٍ: ليس بالقوي.
¬
(¬1) (ج3/ص493 - 494).
(¬2) أي رَوَى عنه.
(¬3) القائل ابْن حَجَر العَسْقَلانيّ.
(¬4) أي تهذيب التهذيب (ج1/ص181).
(¬5) هو ابْن يَعْقُوب الزُّبَيْدِيّ.
قُلتُ: وَقَالَ ابن مَعينٍ ضَعيفٍ، وَقَالَ أحمدُ: مُنكرُ الحديثِ، وقال النَّسائيُّ: لَيْسَ بالقويِّ، وَقَالَ البُخَارِيّ: ليس بالقويِّ، وإنَّما رَوَى لَهُ البخاريّ في مَوضعٍ واحدٍ في ذِكرِ خَيلِ رسولِ اللهِ. انتهى.
وَرَوَى الطبرانيّ في «الأوسط» عن أبي سَبْرَة - رضي الله عنه - (¬1)، قال: «صَعد رسولُ الله ذاتَ يوم المنبرَ، فَحمِدَ اللهَ وَأَثنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ أَيَّها النَّاسُ لا صَلاةَ إلا بوضوءٍ، وَلا وُضوءَ لَمن لا (¬2) يُذكر اسم الله عَلَيْهِ، وَلا يُؤمن بالله مَن لَمْ يؤمن بي، وَلا يُؤمن بي مَن لا يَعرفُ حقَّ الأَنصارِ» (¬3).
قال العيني (¬4): ورَواهُ الدُّولابيُّ أَيضاً في «الكنى وألقابِ الصَّحابةِ».
ورَوى أَبو مُوسى في كِتابِ «المعرفةِ»، نَحوهُ عن أمِّ سبرة، وَقَالَ الذَّهبي: أمُّ سبرةَ لها حَديثٌ لا يَصحُّ، انتهى كَلامُهُ.
¬
(¬1) يُقَالُ: اسمه عَبْد الله بن عابس النخعي، رَوَى عَن عُمَر بن الخَطَّاب، يُقَالُ: مرسل، وفروة بن مسيك، وَمُحَمَّد بن كَعْب القرظي، وروى عنه: الأَعْمَش وغيره، قال ابْن معين: لا أعرفه وذكره ابْن حِبَّان في الثِّقَات. كما في تهذيب التهذيب (صج6/ص345).
(¬2) موجودة في المعجم وساقطة من الأصل.
(¬3) في المعجم الأوسط (ج2/ص71) رقم (1119). مكتبة المعارف. الرياض.
(¬4) في البِنَاية (ج1/ص136).
وَمِمَّا يُستدَلُ على فَرضيةِ التَّسميةِ بِهِ: مَا رَوَى ابن خُزيمة، والنَّسائيّ
في (باب التَّسميةِ عند الوضوءِ)، والدَّارقطنيّ من حديثِ مَعْمَرٍ، عن ثَابِتٍ وَقَتَادَةُ عن أَنَسٍ - رضي الله عنه -، قَالَ: «طَلَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُول الله ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ وَضُوءًا، فَلَم يَجدْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ: هَل مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مَاءٌ (¬1) فَوَضَعَ (¬2) يَدَهُ في المَاءِ، وَقَالَ: تَوَضَّئُوا بِسْمِ اللَّهِ، قَالَ أَنَس: فَرَأَيْتُ المَاءَ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ أَصَابِعِهِ، حَتَّى تَوَضَّئُوا مِن عِنْدِ آخِرِهِمْ، قَالَ ثَابِتٌ (¬3): قُلتُ لِأَنَسٍ: كَمْ تُرَاهُمْ قَالَ نَحْوًا مِن سَبْعِينَ» (¬4).
¬
(¬1) في الأصل ما.
(¬2) في الأصل رفع.
(¬3) في النَّسَائيّ ثَابِتٌ، وَفِي الأصل غير موجودة.
(¬4) رواه النَّسَائيّ في كتاب الطهارة، رقم (78). وَرَوَاهُ أحمد في باقي مسند المكثرين، رقم (13601). وصَحِيح ابْن خزيمة (ج1/ص74)، رقم (144). وابْن حِبَّان في صحيحه بترتيب ابْن بلبان (ج14/ص682)، رقم (6544). وَفِي السُّنن الكبرى (ج1/ص81)، رقم (84). وسنن الدَّارَقُطْنِيّ، (ج1/ص71)، رقم (1). والمنتخب مِن مسند عَبْد بْن حُمَيْد (ص336)، رقم (1115).
قَالَ الزَّيلعيّ: رَوَاهُ البيهقيُّ (¬1) أيضاً، وَقَالَ: هذا أصحُّ مَا في التَّسميةِ، وأصلُ الحديثِ عن أَنسٍ مُتفقٌ عَلَيّه، وإنَّما المقصودُ بروايةِ مَعْمَر هَذِهِ اللفظةِ الَّتِي ذُكِرَ فيها التَّسميةُ. انتهى (¬2).
ورَوى البَزَّارُ في «مسندِهِ» عن عائشةَ رضي الله عنها، قَالتْ: «كَانَ رَسولُ اللهِ إذا بدأ (¬3) الوضوءَ سَمَّى».
ورَوى الدَّارقطنيّ عنها: «كان إِذَا مَسَّ طَهوراً، ذَكَرَ اسمَ اللهِ عَلَيْهِ» (¬4).
فَهَذَا كُلُّهُ يَدلُّ على أنَّ التَّسميةَ فَرضٌ.
وَأَجابَ أصحابُنا عن هَذِهِ الأحاديثِ، إجمالاً عن جَميعها: بأنَّ كلاً مِنها ضَعيفٌ لا تقوم بِهِ حجَّةٌ، فَكيفَ تُثبتُ بِهِ الفَرضيةُ الَّتِي هي مِن مَدلولاتِ القَطعياتِ.
¬
(¬1) في سنن الكبرى، (ج1/ص43)، رقم (191).
(¬2) من نصب الراية (ج1/ص47).
(¬3) في الأصل: ابدأ.
(¬4) في سنن الدَّارَقُطْنِيّ، (ج1/ص72)، رقم (4)، لفظه عنده عن عَائِشَة، قالت: كَانَ رَسُول الله ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ إِذَا مسَّ طهوره، يُسمِّي الله، وقال أَبُو بدر: كان يقوم إلى الوضوءِ، فَيسمِّي الله، ثُمَّ يُفرغ المَاء على يَديِهِ.
وَتَفصيلاً: أَمَّا عن حَديثِ أَنسٍ، فبأنَّهُ لَيس فيه مَا يَدلُّ على وجوبِ التَّسميةِ، فإنَّ قوله ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ: «تَوضؤا بِاسم الله» (¬1) لا يَدلُّ على أنَّهُ فُرضٌ في الوضوءِ، وَلِهذا قَالَ الزَّيلعيُّ: الحديثُ لَيسَ فيهِ دِلالةٌ فَتأمَلَهُ. انتهى (¬2).
وأمَّا عن حَديث عَائِشَةَ فبأنَّهُ لَيس فيه مَا يَدلُّ على المُدَعَى إلا لَفظةُ «كَانَ» (¬3)، وهو لا يَدلُّ على الدَّوامِ وَالاستمرارِ، ما لَم تنضمْ بِهِ قَرينةٌ خارجيةٌ، كَمَا حقَّقهُ النَّووي في «شرح صحيح مسلم»، فَهُوَ لا يَدلُّ على الوجوبِ أيضاً. فَضلاً عن الفرضيةِ، وَلَو سَلَّمنا إِن كانَ يَدلُّ على الدَّوامِ كَمَا صَرحَ بِهَ كَثيرٌ مِن مُحقِّقي المَذْهَبِ منهم: العينيّ، والزّيلعيّ، فَثبوتُ الافتراضِ غَير صَحيحٌ.
وأمَّا عن الأحاديثِ السَّابقةِ، فبأنَّهُ يُحتمل أن يكون معنى: «لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» (¬4)، ونَحوه، أَنَّهُ لا وضوءَ مُتكاملاً في الثَّوابِ، وَهَذَا كقوله ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ «لَيْسَ المِسْكِينُ
¬
(¬1) سبق تخريجه (ص64).
(¬2) من نصب الراية (ج1/ص47).
(¬3) سبق تخريجه (ص55).
(¬4) سبق تخريجه (ص59،61).
مَنْ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ» (¬1)، فَلَم يُرد بِذَلِكَ أنَّهُ خارج مِن حدِّ المسكنةِ، حتَّى تَحرمُ عليهِ الصَّدقةُ، بَل أَراد بِهَ أنَّهُ لَيس بِالمسكين الكاملِ.
وَكَقولُهُ «لَيْسَ المؤمنُ مَن يَبيتُ شَبعانَ وجارهُ جائعٌ» (¬2)، فلم يُردْ بِهِ أنَّهُ خارجٌ عن حَدِّ الإيمانِ، إنِّما أَراد بِهِ أَنَّهُ خارجٌ عن حدِّ الإيمانِ الكاملِ، فثبتَ من ذلكَ أنَّ الوضوءَ بلا تَسميةٍ، يَخرجُ بِهِ المتوضئُ مِن الحدَثِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطَّحاويّ في «شرح معاني الآثار».
ثُمَّ قَالَ: وأمَّا وَجهُ ذلك مِن حيثُ النَّظر، فإنا رَأينا أَشياء لا نَدخلُ فيها إلا بِكلامٍ، مِنها: العقودُ التي يَعقدها النَّاسُ من البياعات
¬
(¬1) رواه البُخَارِيّ في كتاب الزَّكَاة، في (بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:?لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلحَافاً?)، رقم (1385)، عن أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِي اللَّه عَنْه ـ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ ـ قَالَ: لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ على النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ المِسْكِينُ الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ، وَفِي كتاب تفسير القُرْآن، في (بَاب:?لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلحَافاً?)، رقم (4175). ومسلم في كتاب الزَّكَاة، في (بَاب المِسْكِينِ الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى وَلا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ)، رقم (1722)، و (1723). والنسائي في كتاب الزَّكَاة، في (تَفْسِيرُ المِسْكِينِ)، رقم (2524)، و (2525). وأحمد في مسند المكثرين مِن الصَّحَابَة،= =رقم (3454)، و (4039)، وَفِي باقي مسند المكثرين، رقم (7840)، و (8777)، و (9370)، و (9510). ومالك في كتاب الجامع، في (بَاب مَا جَاءَ في المَسَاكِينِ)، رقم (1440). والدارمي في كتاب الزَّكَاة، في (بَاب مَنِ المِسْكِينُ الَّذِي يُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ)، رقم (1564).
(¬2) رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (ج1/ص27).
والمُناكحاتِ وما أشبه ذلك، وكالصلاةِ والحجِ يُدخلُ فيها بالتَّكبيرِ والتَّلبيةِ، ثُمَّ رَجعنا إلى التَّسميةِ في الوضوءِ هَل يَشبَهُ شيئاً مِن ذَلِكَ، فَرأينا غَير مَذكورٍ فيها إيجاب شَيءٍ، كَمَا كان في النِّكاحِ والبيوعِ فَخَرجتْ بذلكَ مِنها.
ولم تكنْ رُكناً مِن أركانِ الوضوءِ، كَمَا كان التَّكبيرُ رُكنا مِن الصَّلاةِ، فإنْ قِيلَ قد رأينا الذّبيحةَ لا بُدَّ مِن التَّسميةِ عندها، ومَن تَركَ ذَلك مُتعمداً لم تُؤكل ذَبيحته، فالتَّسمية أَيضاً كَذلِكَ.
قُلنا: لَقَدْ تَنازع النَّاس في ذَلِكَ، فَقَالَ بَعضُهم: يُؤكل، وَقَالَ بَعضُهم، لا يؤكل، فَمن قَالَ: يُؤكل، فَقَدْ كُفينا البيان بقولِهِ، وأمَّا مَن قَالَ: لا يُؤكل، فإنَّهُ يَقولُ إن تَركها ناسياً يُؤكل، وَسَواءً عنده كان الذَّابح مُسلماً أو كافراً بعد أن كان كتابياً، فَجُعلتْ التَّسمية منها في قولِ مَن أَوجبها لبيانِ الملَّةِ، فإذا سمَّى الذَّابح صَارتْ ذَبيحتُهُ مِن ذَبائحِ المِلةِ المأكولةِ ذَبيحتها.
والتَّسميةُ على الوضوءِ ليست للملةِ، إنَّمَا هي مَجعولةٌ للذكرِ فِقِسنا ذلك على سَببٍ من أسبابِ الصَّلاةِ، فَرأينا مِن أسبابِ الصَّلاة سَتر العورةِ والوضوء، فكان سترُ عورتِهِ لا يَضرُهُ عدمُ التَّسميةِ فَكَذَلِكَ
الوضوءُ أَيضاً، وَهَذَا هُوَ قَولُ أبي حَنِيْفَةَ وأبي يوسفَ، ومُحَمَّد. انتهى كَلامُهُ مُلخصاً (¬1).
واستدلَ أصحابُنا على عَدمِ فَرضيةِ التَّسميةِ:
بِما رَواهُ أَصحابُ السُّننِ الأربعةِ من حديثِ عليِّ بنِ يحيى بنِ خلادٍ عن أَبيهِ عن عَمهِ رِفاعة بن رافع في حديثِ المسئِ صلاتهِ، قال له رسول الله: «إذا قُمتَ فَتَوضَأ كَمَا أَمركَ الله» (¬2)، وفي لفظ لهم: «لا تَتِمُّ صَلاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الوُضُوءَ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ، فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيديِهِ إلى المرفقينِ» (¬3) ... الحديث.
فَلم يَذكُر التَّسمية فيهِ، ولو كانت رُكناً من أركانِ الوضوءِ لَذكَرَها فيه.
¬
(¬1) أي أحمد بن مُحَمَّد بن سلامة الطحاوي (ت321هـ) في شرح معاني الآثار (ج1/ص27 - 28). دار الكتب العلمية. 1979هـ.
(¬2) سيأتي تخريجه (ص83 - 84).
(¬3) رواه النَّسَائيّ في كتاب التطبيق، في (بَاب الرُّخْصَةِ في تَرْكِ الذِّكْرِ في السُّجُودِ)، رقم (1124). وأبو دَاوُد في كتاب الصَّلاة، في (بَاب صَلاةِ مَنْ لا يُقِيمُ صُلبَهُ في الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)، رقم (730)، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، في (بَاب مَا جَاءَ في الوُضُوءِ على مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى)، رقم (453). والدارمي في كتاب الصَّلاة، في (بَاب في الَّذِي لا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ)، رقم (1295).
وأصرحَ منهُ ما رَواهُ الدَّارَقُطْنِيّ، والبيهقيّ عن ابن عمر، مَرفوعاً: «مَن تَوضأ وَذَكَرَ اسم اللهِ عليهِ، كان طَهوراً لِجسدهِ، ومَن تَوضأ ولَم يَذكُر اسم الله عَلَيْهِ، كان طَهوراً لأعضائهِ» (¬1).
ورويا أَيضاً (¬2): عن ابنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - مَرفوعاً: «إذا طَهرَ أَحدكم، فَليذكر اسم الله عَلَيْهِ، فإنَّه يُطَهِرُ جَسدَهُ كُلَّهُ، وإن لم يَذكُر اسم الله عَلَيْهِ، لَم يَطهُر مِنْهُ إِلا مَا مرَّ عليه الماءُ، فإذا فَرغَ مِن طُهورِه، فَليشهد أَنَّ لا إله إِلا الله، وأنَّ مُحمداً عبدُهُ ورسوله ثُمَّ لِيصِّلِ عليّ، فإذا قَالَ ذَلِكَ، فُتحت لَهُ أَبوابُ الجنةِ».
لا يُقالُ هاتانِ الروايتانِ ضعيفتانِ.
أمَّا الأولى: فَلأنَّهُ رَواهُ الدَّارَقُطْنِيّ: عن أحمدَ بْنِ مُحَمَّدٍ بن زِيَادِ، عن مُحَمَّدِ بن غالب، عن هِشَامِ، عن عَبْدِ اللهِ بنِ حَكِيمٍ، عن عاصم بنِ مُحَمَّدِ، عن ابنِ عُمَرَ.
وقالَ البَيْهَقيّ: هذا ضَعيفٌ، وأبو بَكْرٍ الزَّاهديّ غَير ثقةٍ عندَ أهلِ العلمِ بالحديثِ. انتهى.
¬
(¬1) رواه الدَّارَقُطْنِيّ في سننه، (ج1/ص74)، رقم (13)، وعن أَبِي هُرَيْرَة، رقم (12). والبيهقي في السنن الكبرى، (ج1/ص44)، رقم (200).
(¬2) أي البيقهي في السنن الكبرى"، (ج1ص44)، رقم (199). وعن أَبِي هُرَيْرَة (ج1/ص45)، رقم (201). والدَّارَقُطْنِيّ في سننه (ج1/ص73)، رقم (11).
قال العَيْنيُّ (¬1): قُلتُ: أَرادَ بأبي بَكْرٍ عَبْدِ اللهِ بن حَكِيم، وذَكَرَهُ المزِّيُّ بِفتح الحاءِ، وَقَالَ يَحْيَى بنُ معينٍ: عَبْدُ اللهِ بنُ حَكِيمٍ أبو بَكْرٍ: لَيْسَ بشيء، وَقَالَ ابنُ حِبَّانَ: يَضعُ الحديثَ على الثِّقاتِ. انتهى.
وأمَّا الثَّانيةُ: فلأنَّه رَواهُ الدَّارَقُطْنِيّ عن عُثْمَانَ بْنِ أحمدَ، عن إِسْحَاقِ ابن إِبْرَاهِيمَ بنِ سَلمةَ، عن يَحْيَى بْن هاشم، عن الأَعْمَش، عن شقيق، عن ابنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه -.
وَقَالَ البيهقيّ: هذا ضَعيفٌ، لا أعلمُ رَواهُ عن الأَعْمَش غَير يَحْيَى ابن هاشم، وهو مَتروكُ الحديثِ. انتهى.
فمع ضَعفهما كَيف يَثبتُ منهما المطلوبُ، لأنَّا نَقول: عدم كون التَّسميةُ فَرضاً في الوضوءِ هو الأصلُ، لا يَحتاجُ لإثباتِهِ إلى دليل، فَضلاً عن دليلٍ قويٍّ، وإنَّما احتجنا إليه لِحصولِ (¬2) الاطمئنانِ، وهو حاصلٌ بهذينِ الحديثينِ، وَلو كَانَا ضَعيفينِ، كَيفَ لا، وقد تأيد ذلك بحديثِ المسيءِ صلاتِهِ.
¬
(¬1) في البِنَاية (ج1/ص137).
(¬2) في الأصل الحصول.
وأمَّا كَونها فَرضاً كَمَا هُوَ مَذهبُ الخصمِ، فَهُوَ مُحتاج البتةَ (¬1) إلى دَليلٍ قويٍِّ صَريحٍ، ولم يُوجد إلى الآن، كَمَا أشرنا إِلَيْه. فافهم.
وَبعدَ اللتيا واللتي، نَقول الكلامُ في هذا المقامِ عِندنا مِن وُجوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ أَصحابنا بَعدما اتفقوا على أنَّ التَّسميةَ ليست بفرضٍ عند الوضوءِ حتَّى لو تَركَها أجزأهُ، اختلفوا على ثلاثةِ أقوالٍ:
أَحدُها: أنَّها سنَّةٌ مُؤكدةٌُ عند ابتداءِ الوضوءِ، أمَّا كَونها سنَّة فَلورودِ الأحاديثِ السَّابقةِ بمقتضى التَّأويلِ المذكورِ، ولولاهُ لكانت واجبةً، وأمَّا كَونُها عند ابتداءِ الوضوءِ فَلدلالة حديثِ عائشةِ المذكور سابقاً عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ مُختارُ كَثيرٍ مِن أصحابنا، والمَنْصوصُ في عباراتِ فقهائِنا.
منهم: القُدُوْرِيّ نَصّ على السُّنِّيَّة في «مختصرِهِ» (¬2)، و «شَرْحِ مُختصرِ الكَرْخي والطحاويِّ»، والعينيُّ صَرحَ بِهِ في «شَرْحَ الهدايةِ» (¬3)، و
¬
(¬1) هل هي بهمزة وصل؟ أَوْ قطع؟ تكلَّم علهيا الحَافِظ ابْن حَجَر في الفتح، وحكى الوجهين واختار الوصل، كما حكاهما الأزهري في التصريح، واختار القطع. ا. هـ. كما في بدع التفاسير (ص169) لعبد الله صديق الغماري. ط2. 1986هـ.
(¬2) وهو المشهورد بمتن القُدُوْرِيّ (ص2) للعلامة أَبِي الحُسَيْن أحمد بن مُحَمَّد القُدُوْرِيّ البَغْدَادِيّ (ت428هـ). مطبعة مصطفى البابي. ط3. 1957هـ.
(¬3) أي البِنَاية شرح الهداية (ج1/ص133).
يمنحة السّلوك (¬1) شَرْحِ تُحفةِ الملوك»، وصاحبُ ((التَّحفةِ» (¬2)، وصاحبُ «الهدايةِ» في «مختارات النّوازل»، وصاحبُ الكافيّ في «الكافي» (¬3)، وفي «المستصفى (¬4) شرح الفقه النافع»، و «الكنْزُ»، وصاحبُ «الظّهيريةِ»، وقال: السُّنِّيَّة هو الصَّحيحُ، وصاحبُ «الوقايةِ» وشراحها، وصدرُ الشَّريعةِ في «مختصر الوقاية» (¬5)، وقَرَّرَهُ عليه شُرَّاحُهُ:
¬
(¬1) لقاضي القضاة مَحْمُود بن أحمد بن موسى بدر الدِّين الحَنَفِي، ولد في رَمَضَان سنة (762هـ) بحلب، وكان أبوه قاضياً بعين تاب، فنسب إِلَيْه، وقدم القاهرة سنة (787هـ)، وأخذ عَن زين الدِّين العراقي وغيره، ومات سنة (855هـ). كما في النخبة تحشية النُزهة.
(¬2) تُحْفَة الملوك (ص26) وهو لزين الدِّين مُحَمَّد بن أَبِي بَكْر بن عَبْد القادر الرَّازِيّ (ت666هـ) ومن مؤلفاته: آي التنْزيل بهامش إملاء ما منّ به الرحملابي البقاء العكبري، ونموذج جليل في أسئلة وأجوبة من غرائب التنْزيل، ومختار الصحاح كما فيتُحْفَة الملوك. تحقيق د. عَبْد الله نذير أحمد. دار البشائر الاسلامية. ط1. 1997هـ.
(¬3) وهو من الشروح النهمة على الوافي، ويتألف من مجلدين، ولم يطبع بعد، وله مخطوط في مكتبة الأوقاف العامة في بغداد رقم (13593)، ومؤلفه أَبُو البركات النَّسَفيّ. كما في مقدِّمة المصفَّى (ص44).
(¬4) وهو في فروع الفقه الحَنَفِي لم يطبع بعد، له مخطوط في المتحف العراقي، تحت رقم (9029) وهو لأبي البركات النَّسَفيّ (ت701هـ) كذا ضبط وفاته محقق المصفى (ص42 - 45) خَالِد نهاد الأعظمي، وهو مخالف لما سيأتي في الفوائد أن وفاته (710هـ).
(¬5) اسمه النُّقَاية للإمام صدر الشَّرِيعَة عُبَيْد الله بن مَسْعُود المحبوبي (ت747هـ).