طبقات الفقهاء لابن كمال باشا ...
............. دراسة وتحقيق
جارٍ تحميل الكتاب…
طبقات الفقهاء لابن كمال باشا ...
............. دراسة وتحقيق
الطبعة الأولى
1441 هـ ـ 2020 م
طبقات الفقهاء
لابن كمال باشا
دراسة وتحقيق
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة الكويت.
ملخص البحث:
هذه رسالةٌ مختصرةٌ في «طبقات الفقهاء» الحنفيّة لشيخ الإسلام ابن كمال باشا، وهي مشهورةٌ جداً، ويكثر تداول الباحثين ما تضمنته من معلومات، لكنها مع شهرتها لم تنل تحقيقاً علمياً بمفردها، ممّا تسبب في تصحيف فيها، ونسبة أمور أخرى لها، فرأيتُ أهمية العناية بها وتحقيقها لتتضح صورتها للباحثين، وقدّمت قبلها بدارسة موجزة عن المؤلّف، ودراسة عن الرّسالة، وتوسَّعت بالتَّعليقات عليها بإيراد ما ذكره كبار العلماء من المناقشات عليها مبالغةً في خدمتها، وتوضيحاً لما وَرَدَ فيها من أُمور لم تُسَلَّم لمؤلِّفها عند المحقِّقين.
* * *
Layers of scholars
Ibn Kamal Pasha (d. 940 AH(
Study and investigation
Research Summary:
This brief message in «layers of scholars» for hanafya written by Shaykh al-Islam Ibn Kemal Pasha, a very famous message , and researchers frequently used its information. But with fame it has not received an inquiry scientifically alone, which caused perversion in it, and accuse of other things to it. I saw the importance of taking care of it and studying it to clear its image for the researchers.I presented a brief a study of the author at the begining, and a study of the message. I expanded commentaries included by what the leading scientists said about it to exaggerate in the service, and an explanation of what it contained
therein things had not been accepted to the author by investigators.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على دربهم إلى يوم الدين.
وبعد:
فإنَّه وقع اختياري على «طبقات الفقهاء» لابن كمال باشا فاهتممت بتحقيقها؛ لكونها تعدُّ من أشهر ما كتب في الطَّبقات وأكثرها شيوعاً، ورغم كلّ ذلك لم تخرج لوحدها؛ ليتسنى النقل عنها مباشرة، وإنَّما ينقل عنها بالواسطة من خلال الكتب التي ذكرتها مثل: «حاشية ابن عابدين» و «شرح عقود رسم المفتي» لابن عابدين، و «كتائب أعلام الأخيار» للكفوي، و «مقدمة عمدة الرعاية» و «النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير» للكنوي، و «ناظورة الحق» للمرجاني، و «الطبقات السنية في طبقات الحنفية» للتميمي، و «طبقات الحنفية» لابن الحنائيّ، و «إرشاد الملة» للمطيعي.
وبعضُهم عندما يذكرها يختصر منها، وبعضهم نسب لها ما ليس فيها ـ كما سيأتي ـ، فأصبح الدارس في شكٍّ مما يُنسب إليها، فكان لزاماً عليَّ الاشتغال بجمع بعض نسخها المخطوطة وتحقيق نصّها ونشرها.
وإنَّ هذه الطبقات كانت محلٍّ مناقشة للعلماء في القبول والردّ، فكان من تمام خدمتها؛ ليكتمل الانتفاع بها، هو اتباع طريق التّحشية في تحقيقها، وذلك بالاستفاضة في التّعليق عليها بإيراد مناقشات الفقهاء عليها، حتى يكون الباحث على بيّنة ممَّا ورد فيها.
ومشكلة الدراسة: في بيان صحة نسبة المخطوط إلى مؤلفه، وصحة اسمه؟ وكيف يُمكن إخراج المخطوط على ما أراده وكتبه المؤلف؟ وفي كيفية خدمة نص الكتاب بشرح غوامضه وعزو معلوماته، وتخريج أحاديثه؟.
وأهمية الدراسة ومبرراتها: بإثراء المكتبة الإسلامية من خلال تحقيق هذا الرسالة، وإخراج رسالة مفيدة لعالم كبير من شيوخ الإسلام في الدولة العثمانية، وبيان فضل علماء الأمة المتقدمين وما قدَّموه لها من جهد يعظم الأمانة على اللاحقين وأدائها بما يتناسب مع ذلك الجهد.
والدّراسات السابقة: لم يسبق لهذا الرسالة في حدود علمي أن تناولها الباحثون بالتحقيق أو الدراسة، وذلك بعد البحث والتحري قدر الجهد والطاقة، وبالتالي ظهرت الحاجة جليةً لتحقيق هذا الرسالة.
ومنهجية البحث: هي المنهج الاستردادي التاريخي بكتابة حياة هذا المؤلف وجهوده العلمية وتحقيق نصّ الكتاب.
والمنهج المتبع في التحقيق:
1.نسخ الكتاب، وضبطه، ومُقابلته على عدد من النّسخ، وإثبات الفروق بينها.
2.اعتماد منهج النّسخة الصواب في المتن وليس النّسخة الأم، بإثبات ما هو الصواب في المتن عند المقارنة بين النّسخ، وأما الفروق ففي الهامش.
3.وضع الكلمة أو الجملة السَّاقطة إذا سقطت في بعض النُّسخ بين معكوفتين []، والإشارة إلى النُّسخ الّتي كان السَّقط فيها في الهامش.
4.الالتزام في كتابة الكلمات بالرسم الإملائي الحديث، وإن خالف رسم المخطوط، مع وضع علامات الترقيم المناسبة، وتفصيل عباراته إلى مقاطع صغيرة على حسب ما يقتضيه المعنى.
5.اعتماد طريق التحشية في خدمة الكتاب وذلك ببيان معاني المفردات والجمل التي تحتاج إلى توضيح، والترجمة لما ورد فيه من الأعلام، والتعليق على المسائل بقدر الحاجة.
6.توثيق النصوص المنقولة.
وتحقيقاً لهذا المقصود، قسمت البحث إلى ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في ترجمة المصنف، ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: اسمه ونسبه ونسبته ولقبه ومذهبه وولادته.
المطلب الثاني: عصره السياسي والاجتماعي.
المطلب الثالث: شيوخه وتلاميذه وطبقته ووظائفه.
المطلب الرابع: مؤلفاته وثناء العلماء عليه ووفاته.
المبحث الثاني: في دراسة عن الرسالة.
المبحث الثالث: في النصّ المحقّق.
سائلاً المولى - عز وجل - التوفيق والسداد.
* * *
المبحث الأول
ترجمة المصنف
وتشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: اسمه ونسبه ونسبته ولقبه ومذهبه وولادته:
أولاً: اسمه: اتفق من ترجم له (¬1) على أنَّ اسمه أحمد، إلا جرجي زيدان (¬2) فسمَّاه: محمّد بن أحمد.
ثانياً: نسبه: اتفق مَن ترجم له على ذكر اسم أبيه واسم جده، وهما: سليمان بن كمال باشا.
فجدُّه: كمال باشا كان من أمراء الدولة العثمانية (¬3).
¬
(¬1) ينظر اسمه ونسبه: «الشقائق النعمانية» (ص 226)، و «كتائب أعلام الأخيار» (ق 397/ب)، و «الطبقات السنية» (1: 335)، و «كشف الظنون» (1: 1: 54)، و «رد المحتار» (1: 27)، و «هدية العارفين» (1: 141)، و «الفوائد البهية» (ص 42)، و «الأعلام» (1: 130)، و «معجم المؤلفين» (1: 148)، وغيرها.
(¬2) في «تاريخ آداب اللغة العربية» (3: 327 - 328).
(¬3) ينظر: «الشقائق النعمانية» (ص 226)، و «كتائب أعلام الأخيار» (ق 397/ب).
ثالثاً: نسبته: ينسبه بعض من يترجم له بالرُّوميّ (¬1)؛ وذلك لأنَّه تركيّ الأصل (¬2).
رابعاً: لقبه: لقبه كما في الكتب التي تناولت ترجمته (¬3): شمس الدين، ثُمَّ أنَّه رحمه الله تعالى تولَّى منصبَ الإفتاء في الدولة العثمانية، وهو أعلى المناصب الدينية، ومن يتولاه يلقب: شيخ الإسلام (¬4)، فلقِّب به.
خامساً: مذهبه: كان مذهبه الفقهي هو المذهب الحنفي الذي كان المذهب الرسمي للدولة العثمانية، وأما مذهبه العقدي، فهو ماتريدي الاعتقاد، نسبة إلى إمام الهدى أبي منصور الماتريدي الحنفي، وعلى ذلك عامة الحنفية (¬5).
سادساً: ولادته: ولد في طوقات من نواحي سيواس من بلاد الروم «تركيا»، وعلى ذلك يكون هو وابن الهمام من بلدة واحدة، إذ يرجع
¬
(¬1) ينظر: «هدية العارفين» (1: 141)، و «معجم المؤلفين» (1: 148).
(¬2) ينظر: «الأعلام» (1: 130).
(¬3) ينظر: «الشقائق النعمانية» (ص226)، و «كتائب أعلام الأخيار» (ق397/ب)، و «كشف الظنون» (1: 1: 54)، و «هدية العارفين» (1: 141)، و «الأعلام» (1: 130)، و «معجم المؤلفين» (1: 148)، وغيرها.
(¬4) ينظر: «كتائب أعلام الأخيار» (ق397/ب)، و «هدية العارفين» (1: 141)، و «الفوائد البهية» (ص42).
(¬5) ينظر: «الشقائق» (ص226)، و «كتائب أعلام الأخيار» (ق397/ب)، و «الطبقات السنية» (1: 335). و «هدية العارفين» (1: 141)، و «الفوائد البهية» (ص42)، وغيرها.
أصل ابن الهمام إلى سيواس (¬1)، ولم أقف على سنة ولادته.
المطلب الثاني: عصره السياسي والاجتماعي:
أولاً: عصره السياسي:
عاش ابن كمال في العقد الأخير من القرن التاسع والنصف الأول من القرن العاشر الهجري، وكانت في هذه الفترة ثلاث دول كبيرة تتصارع على السيطرة والحكم في العالم الإسلامي، وهي: الدولة العثمانية، ودولة المماليك، والدولة الصفوية (¬2)، وقضى عمره في ظل الدولة العثمانية، فنشأ في سلطنة محمد محمد الفاتح (855 - 886 هـ) (1451 - 1481 م)، الذي نال شرف نبوءة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بفتح القسطنطينية التي تعسَّر على من سبقه منذ عهد معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه -، واتخذها عاصمة لبلاده، واستبدل اسمها باستنبول، ولم يكن فتح القسطنطينية النهاية بالنسبة للفاتح، وإنَّما كانت البداية، إذ سيّر جيوشه لفتح بلاد الصرب، واستطاع بسط نفوذه عليه ما عدا مدينة بلغراد، وفتح بلاد المروة والأفلاق والبغدان والبوسنة والهرسك وألبانيا وأماستريس وسينوب وطرابزون، وخاض عدة حروب مع البندقية كانت نتيجتها خضوعها
¬
(¬1) ينظر: «معجم المؤلفين» (1: 148)، و «الكمال بن الهمام» (ص 27).
(¬2) «ابن كمال باشا وآراؤه الاعتقادية» (ص 4).
لشروط الفاتح، ودفع الجزية له، واستطاع فتح بلاد القرم، الذي يعد من أهم فتوحاته بعد القسطنطينية واستطاع فتح جنوب إيطاليا وردوس، ولم يمنع العثمانيون من فتح إيطاليا إلا وفاة الفاتح (¬1).
وتولَّى بعده ابنه بايزيد الثاني (1481 - 1512)، فاستطاع أن يحافظ على حدود دولته، ووجه ضربات للبندقية، وسيطر عدّة قلاع وحصون في أوروبا، وحصلت مواجهات مع الشاه الصفوي بين الحين والآخر، واتسم بصورة عامة إلى ميله إلى السلم وترك الحروب.
وتولَّى بعده ابنه سليم الأول (1512 - 1520هـ)، وكان ينتظره عدّوه إسماعيل الصفوي الذي بسط نفوذه على بلاد فارس والعراق، وأخذ يبث المذهب الشيعي فيما جاوره من بلاد الدولة العثمانية، فأعد السلطان العدّة لمواجهة هذا الخطر والتقى مع خصمه على رأس جيش جرار في صحراء تشالديران (1415م)، وانتصر عليه، وفر الشاه مع من بقي من جيوشه إلى المناطق الداخلية من إيران، ودخل السلطان عاصمته تبريز، ونظم حملة مطاردة بعد ثمانية أيام من الاستراحة مقتفياً أثره حتى وصل إلى نهر الرس، إلا فعل الأحوال الجوية وتناقص المؤنة أجبره على العودة إلى بلاده.
¬
(¬1) ينظر: «العثمانيون» (ص98 - 116).
ثم عاد سليم الأول إلى بلاد فارس (1515م) من طريق الأناضول الشرقية ففتح أربيجان ودخل أريفان العاصمة الأرمينية وأطل على شمالي العراق، وندب الشيخ البدلليسي لإثارة أمراء الأكراد ورؤساء العشائر وحكام المقاطعات على حكم الشاه، ونجح في ذلك للاستياء من الحكم الصفوي، وتوغلت الجيوش العثمانية (1516م)، وسيطرت على ديار بكر والرها ومادرين وحصن كيفا والرقة والموصل، وبذلك أضحت مفاتيح العراق الشمالية في أيدي العثمانيين كما أضحى السلطان سليم الأول سلطان العراقين عند ما أعلن صاحب بغداد الولاء له (¬1).
وبعد هذه الانتصارات العظيمة التي حقَّقتها العثمانيون توجهت قلوب المسلمين نحوهم، وتصدروا العالم الإسلامي، وهذا الأمر كان يغيض قانصوه الغوري سلطان المماليك في مصر، الأمر الذي دفعه إلى القيام بعدّة أعمال استفزازية ضد العثمانيين منها رفضه لتسليم علاء الدين ابن أخيه لسليم الأول، ورفض المماليك التعاون مع العثمانيين في مقاتلة الصفويين.
ويعد السبب المباشر للمعركة مرج دابق (1516م) هو قتل سليم الأول لعلاء الدولة، وقد انتصر السلطان سليم الأول في المعركة، وانتحر قانصوه الغوري أثناء انهزام الجيش المملوكي، واستثمر السلطان
¬
(¬1) ينظر: «العثمانيون» (ص131 - 146).
سليم انتصاره هذا وضمن حلب وحماة وحمص ودمشق، وكان السكان يرحبون به، ويحتفون بمقدمه بصورة لم يألفها أي سلطان من قبل.
وأراد السلطان أن يوقف الحرب وزحفه على مصر فعرض على طومان باي ابن شقيقة الغوري أن يعلن خضوعه له مقابل أن يسند إليه حكم مصر، ولكنه لم يقبل فاستمر في زحفه نحو مصر وضم فلسطين إليه في طريقه، وانتصر سليم الأول (¬1).
ونتيجة لهذا المكانة والانتصارات لسليم الأول أعلن شريف مكة أبو البركات الهاشمي ولاءه للعثمانيين، ودفع ابنه أبا نمى لتقديم الطاعة ومعه مفاتيح مكة والمدينة (¬2).
وتولَّى بعده ابنه سليمان الأول (1520 - 1566م) الذي استطاع فتح بلغراد (1521م) التي طالما استعصت على من سبقه، وفتح جزيرة ردوس (1522م) وفتح بلاد المجر (1526م) وفتح سيجتوار، وغيرها من القلاع والحصون في أوروبا (¬3).
ونتيجة للانتصارات التي حققها العثمانيون توجه لهم أمير الجزائر خير الدين وسكانها برسائل (1519م) تتضمن الولاء والتبعية لهم،
¬
(¬1) ينظر: «العثمانيون» (ص156 - 159).
(¬2) ينظر: «العثمانيون» (ص162).
(¬3) ينظر: «العثمانيون» (165 - 196).
فوافق السلطان وبعث الحاميات إلى الجزائر، ثم بعد معارك دار بين الحاميات العثمانية وخير الدين ضد الحكم الحفصي في تونس بمساندة الأسبان استمر من 1534 - 1541م دخلت تونس ضمن بلاد الدولة العثمانية، وفي عام (1550م) استنجد زعماء المقاومة بطرابلس الغرب بالدولة العثمانية لطرد الأسبان منها، ونجدتهم بذلك، وأجلوا ما كان فيها من الفرسان، وأضحت من ولايات الدولة العثمانية (1551م)، وكذلك انضمت اليمن إلى الدولة العثمانية (¬1).
ثانياً: عصره الاجتماعي:
إنَّ الدولة العثمانية شملت تحت رايتها خليطاً من الأجناس، من أتراك وأكراد وأعاجم وعرب وأرمن وروم ويهود، كما جمعت تحتها أيضاً أصحاب ديانات ومذاهب مختلفة من مسلمين سُنيين وهم القوة الحاكمة العظمى، وشيعة ومسيحين ويهود، وكان المسيحيون في البلاد التي فتحها العثمانيون يقيمون شعائرهم الدينية بحرية كاملة دون أن يلقوا أي أذى من قبل المسلمين، وكذلك اليهود.
أما عن التنظيم الاقتصادي للدولة العثمانية، فيقول الجنرال النمسوي كونت فارسكلي ـ وهو القائد الذي أمضى حياته في محاربة العثمانيين ـ: «وصل التنظيم الاقتصادي العثماني إلى درجة عالية، بحيث
¬
(¬1) ينظر: «العثمانيون» (208 - 220).
لم يكن يعادلها نظير في الحكومات المسيحية، من الممكن إيجاد موانع شتى في القوانين العثمانية والنظم الاقتصادية التركية تمنع الاستغلال وتشجب كافة المساوئ».
وأما عن وفرة الخدمات بها، يكمل قائلاً: «من أسباب القدرة على الحركة العسكرية الموفقة للجيش العثماني هو جودة الأطعمة والعناية بالحيوانات، وهذه كلها أكثر دقة مما هي عليه عندنا، وأكثر جودة في التنظيم» (¬1).
وأما عن الخدمات الاجتماعية، فإنَّ الدولة لم تكن متكفلة بها، بل كانت هذه تدخل في اختصاص الوقف، وكان ركناً أساسياً في اقتصاد الدولة العثمانية، وعن طريقه نشطت الحركة العلمية في جوامع استنبول.
وكان رصف الطرق، والفنادق مقامة على الطريق البرية في كل أرجاء الدولة، وكان المأكل والمشرب والمبيت مجاناً، يصرف عليه من الأوقاف.
وقد اعتاد العثمانيون أن يرسلوا مساعدات مالية كبيرة إلى سكان الحرمين الشريفين (¬2).
¬
(¬1) «العثمانيون» (419 - 420).
(¬2) «ابن كمال باشا وآراؤه الاعتقادية» (ص16 - 17).
وكان ابن كمال من أسرّ الأمراء في الدولة العثمانية، ولذا تربى تربية الأمراء، فنشأ في صباه وهو في حجر العز والدلال، وتلقَّى العلوم التي كان يتلقاها مَن في مستواه، فقرأ مباني العلوم في أوائل شبابه (¬1)، وكان محبَّاً له، مشتغلاً به ليل نهار، لكن ما كان عليه أهل طبقته وأهل بيته من الإمارة كان يقتضي أن يلحق بزمرة العسكر.
لكن الله تعالى اختاره ليكون من حملة هذا العلم الشريف، والمنافحين عن علومه، فردّه إليه، وكان لذلك قصّة طريفة يحكيها هو عن نفسه، فيقول: كنت مع السلطان بايزيد خان في سفرٍ، وكان الوزيرُ وقتئذٍ إبراهيم باشا ابن خليل باشا، وكان وزيراً عظيمَ الشأن، وكان في ذلك الزمان أميرٌ يقال له: أحمد بك ابن أورنوس، وكان عظيم الشأن جداً لا يتصدَّرُ عليه أحد من الأمراء، وكنتُ واقفاً على قدمي قدَّام الوزير المزبور، والأمير المذكور عنده جالس، إذ جاء رجلٌ من العلماء رثَّ الهيئة، دنيء اللباس، فجلس فوقَ الأمير المذكور، ولم يمنعْه أحد عن ذلك.
فتحيَّرت في هذا، فقلت لبعض رفقائي: مَن هذا الذي جَلَسَ فوق هذا الأمير، فقال: هو رجل عالمٌ مدرسٌ بمدرسة «فلبه»، يقال له: المولى لطفي، قلت: كم وظيفتُه، قال: ثلاثون درهماً، قلت: فكيف يَتَصَدَّرُ هذا
¬
(¬1) ينظر: «الشقائق» (ص226).
الأمير، ومنصبه هذا المقدار، قال رفيقي: إنَّ العلماء معظَّمون؛ لعلمهم، ولو تأخَّر لم يرض بذلك الأمير، ولا الوزير، قال: فتفكَّرتُ في نفسي، فقلت: إنِّي لا أبلغ مرتبةَ الأمير المسفور في الإمارة، وإنِّي لو اشتغلتُ بالعلم يمكن أن أبلغ رتبةَ العالم المذكور، فنويتُ أن أشتغلَ بعد ذلك بالعلم الشريف (¬1).
ومن ثمَّ دأب، وحصَّل، وصرف سائر أوقاته في تحصيل العلم، ومذاكرته، وإفادته، واستفادته حتى فاق الأقران، وصار إنسان عين الأعيان (¬2).
المطلب الثالث: شيوخه وتلاميذه وطبقته ووظائفه:
أولاً: شيوخه:
1. المولى لطف الله التوقاتي الرومي، الشهير مولانا لطفي (¬3).
¬
(¬1) ينظر: «الشقائق» (ص 226). «الطبقات السنية» (1: 356).
(¬2) ينظر: «الطبقات السنية» (1: 355).
(¬3) قال طاشكبرى زاده: «كان رحمه الله فاضلاً لا يجارى، وعالماً لا يبارى، وكان يطيل لسانه على أقرانه وعلى السلف أيضاً، ولكثرة فضائله حسده أقرانه، ولإطالة لسانه أبغضه العلماء العظام؛ ولهذا نسبوه إلى الإلحاد والزندقة فأبيح دمه وقتل»، وله تصنيفات تنبئ عن مكانته، منها: «حواشي على شرح المفتاح للسيد الشريف»، و «حواشي على شرح المطالع»، و «السبع الشداد»، و «أقسام العلوم الشرعية والعربية». ينظر ترجمته في: «الشقائق النعمانية» (ص 169 - 171)، و «التعليقات السنية» (ص 42 - 43).
2. المولى مصلح الدين مصطفى القَسْطَلانيّ (¬1).
3.المولى خطيب زاده، من مؤلفاته: «حاشية التجريد» (¬2).
4.المولى معروف زاده (¬3).
ثانياً: تلاميذه:
1.الأستاذ السيد محيي الدين محمد بن عبدالقادر، المشتهر بالمعلول (¬4).
2. المولى محيي الدين محمد بن حسام الدين، الشهير بفزه جلبي (¬5).
¬
(¬1) كان لا يفتر من الاشتغال والدرس، وكان يدعي أنَّه لو أعطي المدارس الثمان كلها لقدر أن يدرس كل يوم في منها ثلاث دروس، ولم يتفرغ للتصنيف لكثرة اشتغاله بالدرس والقضاء، ومع ذلك له تأليفات، وهي: «حواشي على شرح العقائد»، و «رسالة ذكر فيها سبع إشكالات على المواقف وشرحه»، و «حواشي على المقدمات الأربع» لصدر الشريعة (ت: 901هـ). ينظر ترجمته في «الشقائق النعمانية» (ص87 - 89)، و «التعليقات السنية» (ص43).
(¬2) من مؤلفاته: «حاشية التجريد»، وقد قال للسلطان محمد مطلوب: إن أحسن مصنفات الفناري «فصول البدائع»، وأنا أزيفه بأدنى مطالعة. ينظر: «الشقائق النعمانية» (ص83).
(¬3) لم أجد له ترجمة. وذُكر أنَّه من شيوخ ابن كمال. ينظر: «الشقائق النعمانية» (ص227).
(¬4) قال طاشكبرى زاده: كان عالماً فاضلاً صالحاً، محققاً مدققاً، عالماً بالعلوم الشرعية والعقلية، وكان صاحب وقار وحشمة، وكان ذا ثروة بنى دار التعليم في قرية قمله، وبنى دار القراء بمدينة قسطنطينية، (ت963هـ)، ودفن بها. ينظر: ترجمته في: «الشقائق النعمانية» (ص289 - 290)، و «كتائب أعلام الأخيار» (ق398/ب).
(¬5) قال طاشكبرى زاده: كان رحمه الله عالماً فاضلاً، وكان له إطّلاع على علم الكلام، ومهارة في علم الفقه، وكانت له ممارسة في النظم، واطّلاع على علم التواريخ والمحاضرات. وتولى قضاء القسطنطينية وتوفي وهو قاضٍ بها في سنة (965هـ).ينظر: «الشقائق النعمانية» (ص297 - 298)، و «كتائب أعلام الأخيار» (ق398/ب).
3.المولى محمد بن عبد الوهاب بن المولى عبد الكريم (¬1).
4.محمود بن قانصوه المظفر المَكيّ (¬2).
5.المولى محيي الدين محمد بن بير محمد باشا الجمالي (¬3).
6.المولى محيي الدين محمد بن عبد الله الشهير بمحمد بك (¬4).
¬
(¬1) كان والده من العلماء المشهورين، إذ تولّى التدريس بالمدرسة القلندرية بمدينة قسطنطينية، وتولّى القضاء بعدة من البلاد، وصار حافظاً لدفتر الديوان العالي في أيام سلطنة سليم خان، وكذا جدّه تولى التدريس في أشهر المدارس، وتولّى قضاء العسكر، ثم الإفتاء. ينظر: «كتائب أعلام الأخيار» (ق398/ب).
(¬2) قال حاجي خليفة: وهو من تلامذة ابن كمال باشا، من مؤلفاته: «الزنبيل المدون» ألَّفَه في فوائد متنوعة. ينظر: «الكشف» (2: 955).
(¬3) تولَّى التدريس بمدرسة الوزير مصطفى باشا بمدينة قسطنطينية، ثم بإحدى المدارس الثمان، ثم تولَّى قضاء بمدينة أدرنه، مات وهو قاضٍ بها في سنة (941هـ)، قال طاشكبرى زاده: كان عالي الهمّة، رفيع القدر، عظيم النفس، صاحب وقار وأدب، وكان له حظّ من العلوم المتداولة، ومن العلوم الرياضية. ينظر ترجمته في: «الشقائق النعمانية» (273 - 274).
(¬4) تولَّ قضاء دمشق الشام، قال طاشكبرى زاده: كان أديباً لبيباً، وقوراً حليماً كريماً، محباً للعلم وأهله، ومحباً لطريقة الصوفية، وكانت له مشاركة في العلوم، وكان ماهراً في العلوم العقلية، عارفاً بالعلوم الرياضية، وله تعليقات على بعض الكتب، ومات في بلدة كوتاهيه في سنة (950هـ). ينظر ترجمته في: «الشقائق النعمانية» (ص294 - 295).
7.المولى هداية الله ابن مولانا بار علي العجمي (¬1).
8.المولى عبد الكريم الويزوي (¬2).
9.المولى درويش محمد (¬3).
10. المولى مصلح الدين مصطفى ابن المولى المنتشوي (¬4).
11. المولى محيي الدين الشهير بابن الإمام (¬5).
¬
(¬1) قال طاشكبرى زاده: كان عالماً مشاركاً في العلوم، وله معرفة بالأصولين والفقه، وكان أديبا لبيباً، وقوراً حليماً متواضعاً متخشعاً، كريم النفس، مرضي السيرة. تولّى قضاء مكة المشرفة، ثم اختلت عيناه، فترك القضاء، وجاء إلى مصر، وتوفي بها في سنة (8/ 949هـ). ينظر ترجمته في: «الشقائق النعمانية» (ص297).
(¬2) قال طاشكبرى زاده: كان عالماً فاضلاً، قوي الطبع، شديد الذكاء، لطيف المحاورة، حسن المحاضرة، لذيذ الصحبة، وكانت له مشاركة في العلوم. تولَّى التدريس ببعض المدارس، ثم بمدرسة جورلي، ثم تولى التدريس والإفتاء بسلطانية مغنيسا، وتوفي وهو مدرس بها في سنة (961هـ). ينظر ترجمته في: «الشقائق النعمانية» (ص302).
(¬3) قال طاشكبرى زاده: كان عالماً فاضلاً، سليم النفس، مستقيم الطبيعة، محباً للخير وأهله، ملازماً لمطالعة الكتب وتحصيل العلوم. تولَّى التدريس ببعض المدارس، ثم بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنه، ومات وهو مدرس بها في سنة (962هـ). ينظر ترجمته في: «الشقائق النعمانية» (ص307).
(¬4) قال طاشكبرى زاده: كان جيد القريحة، مستقيم الطبع، ملازماً لمطالعة الكتب والعلوم، وكانت له مشاركة في العلوم. تولَّى التدريس ببعض المدراس، ثم بإحدى المدرستين المتجاورتين بمدينة أدرنه، ومات وهو مدرسٌ بها في سنة (964هـ).
ترجمته في: «الشقائق النعمانية» (ص307 - 308).
(¬5) قال ابن بالي: كان من العلماء العاملين، والفضلاء الكاملين يحقِّقُ كلام القدماء، ويدقِّق النظر في مقالات الفضلاء، وقد عَلَّقَ على أكثر الكتب المتداولة حواشي، إلا أنه لم يتيسر له الجمع والترتيب والتبييض والتهذيب، وكان معتزلاً عن الناس، غير متكلِّف في اللباس. (ت973هـ). ينظر ترجمته في: «العقد المنظوم» (ص370).
13.الوزير الكبير رستم باشا (¬1).
14. المولى تاج الدين إبراهيم (¬2).
15. المولى مصلح الدين، المشتهر ببستان (¬3).
¬
(¬1) تزوج بنت السلطان سليمان، وكان من تلاميذه حسن بك، قرأ عليه دروساً من «الكشاف» من أول سورة الفتح، وقد بنى عدّة مدارس: مدرسة رستم باش بقسطنطينية، ومدرسة رستم باشا بكوتاهية، ومدرسة رستم باشا بقصبة خيرة بولي. ينظر: «العقد المنظوم» (ص371، 496).
(¬2) قال ابن بالي: وكان معروفاً بالعلوم الدينية والمسائل اليقينية، خصوصاً الفقه، فإنه كان معدوداً من أصحابه، ومذكوراً في عدد أربابه، وكان رحمه الله ليِّن الجانب، صحيح العقيدة، صاحب الاخلاق الحميدة. تولَّى التدريس بعدة من المدارس المبنيات في بعض النواحي والقصبات حتى قُلِّد مدرسة بري باشا بقصبة أطنه، ثم بمدرسة مناستر في مدينة بروسه، ثم بسلطانية بروسه، ثم بإحدى المدارس الثمان، ثم بمدرسة مغنيسا، ثم إلى المدرسة التي بناها السلطان سليمان بمدينة دمشق، وفوِّض إليه الفتوى بهذه الديار، واستمر بها حتى توفي سنة (994هـ). ينظر ترجمته في: «العقد المنظوم» (ص383).
(¬3) قال ابن بالي: كان من أكابر العلماء، والفحول الفضلاء، تنشرح النفوس بروائه، ويضرب المثل بذكائه، يغبطه الناس على نقاء قريحته، وسرعة بديهته، ألمعياً فطناً، لبيباً لوذعياً، فذاً أديباً، وكان إذا باحث أقام للإعجاز برهاناً، وأصمت الباب وأذهانا، وكانت المشاهير من كبار التفاسير مركوزةً في صحيفة خاطره، كأنها موضوعةً لدى ناظره، وأما العلوم العقلية، فهو ابن بجدتها، وآخذ بناصيتها. وله: «حاشية على تفسير البيضاوي» لسورة الأنعام، ولد سنة (904هـ) بقصبة ثيره، وتوفي في العشر الأخير من رمضان سنة (977هـ). ينظر ترجمته في: «العقد المنظوم» (ص395 - 397).
16.الشيخ حاجي أفندي المعروف بقره ميلان (¬1).
17.المولى بالي بن محمد (¬2).
ثالثاً: طبقته:
جعله الكفوي من أصحاب الترجيح من المقلدين القادرين على تفضيل بعض الروايات على بعض، صرَّحَ به في ترجمةِ عليّ الرّازيّ (¬3).
رابعاً: الوظائف التي تولاها:
1.التدريس: درَّس في كثير من المدارس ومنها: مدرسةِ عليّ بك بأدرنه، و مدرسة أسكوب، والمدرسة الحلبية بأدرنه، ودرَّس بإحدى
¬
(¬1) كان تلميذ لابن كمال ست عشرة سنة، وكان معيداً لدرسه، وأميناً لفتواه، توفي سنة (983هـ) وقد جاوز المئة. ينظر: «كشف الظنون» (2: 1802).
(¬2) قال ابنه علي: كان حديد الذهن، صاحب القريحة، صحيح العقيدة، بحّاثاً بالعلم، معروفاً به بين الأهالي، وقد كتب بخطه مؤلفات أستاذه ابن كمال باشا حيث كتب جميع كتبه ورسائله، وعلَّق حواشي على بعض المواضع من «شرحه للفرائض» وعلى بعض المواضع من «الإصلاح والإيضاح»، وكان له اليد الطولى في الكلام والهيئة والحساب، وكتب على بعض المواضع كلمات لطيفة، وكان محمود السيرة في قضائه. تولَّى مدرسة خاص كوي، ثم مدرسة أمير الأمراء بأدرنه، ثم منصب القضاء، ومن تلاميذه ابنه علي. توفي بقصبة جورلي في شهر رجب، وقد ولد سنة (901هـ). ينظر ترجمته في: «العقد المنظوم» (ص397 - 398).
(¬3) ينظر: «التعليقات السنية» (ص42).
المدرستين المتجاورتين بأدرنه، ودرَّس بإحدى المدارس الثمان، ومدرسة السلطان بايزيد خان بأدرنه، وتولى التدريس فيها مرتين، إذ رأى سليم خان أن يعطيه مدرسة جَده (¬1)، ومدرسة دار الحديث بأدرنه، ثُمَّ عاد إليه السلطان بالإحسان مبتدراً لمَا فطن أنَّ أمر الفتوى يكون متعذراً، فأعطاه دار الحديث بأدرنه، وعُيِّن له كلَّ يومٍ مئة درهمٍ، وعطايا سنية في السنة (¬2).
2. القضاء: فإنَّه ولي القضاء بأدرنه، ثُمَّ قضاء العسكر المنصور في ولاية أناضولي، وقد دخل مصر صحبةً للسلطان سليم خان لما أخذها من يد الجراكسة، وكان قاضياً بالعسكر، فلَمَّا دخل القاهرة، لقيه أكابر العلماء، وأعاظم الفضلاء، وناظروه وباحثوه، وتكلموا بما عندهم فامتحنوه، فاعجبوا بفصاحة لسانه وحسن كلامه وبلاغة بيانه وبسط مرامه، وأقرُّوا له بالفضل والكمال (¬3)، وكانوا يذكرونه بغاية التبجيل والإجلال، ويشهدون أنَّ ليس له في العرب عديل ولا في أفاضل العجم والروم عوض وبديل، ثُمَّ سعى الأحداث والأراذل من مديد أصحابه، وكتبوا على التفصيل والإجمال، وأوصلوا كتابهم إلى السلطان، وكشفوا الأحوال فعزله السلطان (¬4).
¬
(¬1) ينظر: «كتائب أعلام الأخيار» (ق398/ب).
(¬2) ينظر: «كتائب أعلام الأخيار» (ق398/ب).
(¬3) ينظر: «رد المحتار» (1: 27).
(¬4) ينظر: «كتائب أعلام الأخيار» (ق398/ب).
3. الإفتاء: فإنَّه صار مفتياً بمدينة القسطنطينية (اسطنبول) بعد وفاة المولى علاء الدين علي الجمالي سنة (932 هـ) (¬1)، فعاش فيها فيه معززاً مكرماً محترماً مقبولاً عند الخاص والعام، ونالت عقود الفضل في زمانه حسن النظام (¬2)، واستمر فيها إلى آخر عمره.
وقد كان مهيباً ذا مكانة رفيعة عالية، يعظمه السلطان، ويغضب لغضبه، ويأخذ بأمره، ويعاقب معارضه، ويحرض على إرضائه.
المطلب الرابع: مؤلفاته وثناء العلماء عليه ووفاته:
أولاً: مؤلفاته:
كان رحمه الله تعالى من العلماء الذين صَرَفوا جميعَ أوقاتهم إلى العلم، وكان يشتغلُ بالعلمِ ليلاً ونهاراً، ويكتبُ جميعَ ما لاحَ بباله الشريف، وقد فَتَرَ الليل والنهار ولم يَفْتَرْ قلمُه، وصنف رسائل كثيرة في المباحث المهمَّة الغامضة، وكان عدد رسائله قريباً من مئةِ رسالة.
¬
(¬1) هو علي بن أحمد بن محمد الجمالي، علاء الدين الرومي الحنفي، فقيه تركي، تفقه بالعربية، وصنف بها، وتنقل في مناصب التدريس والإفتاء، ولاه بايزيد خان الثاني منصب الإفتاء في القسطنطينية، استمر بعده مدة حكم السلطان سليم الأول، وله معه أخبار، ثم أقره السلطان سليمان القانوني. وتوفي الجمالي في أيامه، من مؤلفاته: «المختارات للفتوى»، و «مختصر الهداية»، (ت 932 هـ). ينظر: الأعلام 4: 258، ومعجم المؤلفين 7: 25.
(¬2) ينظر: «كتائب أعلام الأخيار» (ق 398/ب).
قال طاشكبرى زاده (¬1) بعدما ذكر قسطاً من كتبه: «هذا ما شاع بين الناس، وأما ما بقي في المسوَّدة فأكثر ممَّا ذُكِر، وكل تصانيفه مقبولة بين الناس، وكان له يد طولى في الإنشاء والنظم بالفارسية والتركية».
وقال التَّميمي (¬2): «له رسائل كثيرة في فنون عديدة، لعلَّها تزيد على ثلاثمئة رسالة، وفاق في الإنشاء بالعربية والفارسية والتركية، كان له منها حظّ جزيل، وفيها باع طويل، وكل مؤلفاته مقبولة، مرغوب فيها، متنافس في تحصيلها، متفاخر بتملك الأكثر منها، وهي لذلك مستحقة، وبه جديرة».
وقال الكَفوي (¬3): «وكل تصانيفه مشهورة مقبولة بين الأعيان متداولة بين أهالي الزمان، وكان عدد رسائله قريباً من مئة رسالة كل منها جامعة لفوائد عامة العوائد، وهذه المذكورات ما شاعت بين الناس، وأما ما بقي في المسوّدة فأكثر مما لا يحصى تفرقته الأيادي».
¬
(¬1) في «الشقائق النعمانية» (ص227).
(¬2) في «الطبقات السنية» (1: 356 - 357).
(¬3) في «كتائب أعلام الأخيار» (ق399/أ).
ومن التصانيف (¬1):
«تفسير القرآن العزيز» ولم يكمله، و «شرح العشر في معشر الحشر»، و «الأربعون في الحديث»، و «شرح حديث الأربعين»، و «أشكال الفرائض».
و «رسالة في حقِّ أبوي النبي - صلى الله عليه وسلم -»، و «رسالة في حقِّ الشهداء»، و «رسالة في الشخص الإنساني»، و «رسالة في شرح قوله - صلى الله عليه وسلم - سأخبركم ... »، و «رسالة في الماهية ومجعوليتها»، و «رسالة مختصرة في المسح على الخفين»، و «رسالة في تحقيق المشاكلة»، و «رسالة في الاستخلاف للخطبة والصلاة في الجمعة»، و «رسالة في تفضيل الأنبياء على الملائكة»، و «رسالة في بيان الحكمة لعدم نسبة الشرّ إليه تعالى»، و «رسالة في قدم القرآن كلام الله تعالى»، و «رسالة في دخول ولد البنت في الموقوف»، و «رسالة في حقيقة المعجزة ودلالتها على صدق من ادّعى النبوة»،
¬
(¬1) ينظر: مصادر مؤلفات ابن كمال: «الطبقات السنية» (1: 356)، و «الشقائق النعمانية» (ص227)، و «رد المحتار» (1: 27)، و «كشف الظنون» (1: 439)، و «هدية العارفين» (1: 141)، و «بريقة محمدية» (4: 153)، و «معجم المؤلفين» (1: 148)، و «مجموع رسائله المطبوعة» (1: 87)، وما بعدها «مجموع رسائله المخطوطة» (ق57)، وما بعدها: «حاشية العطار» (1: 415)، و «الشرنبلالية» (1: 139)، و «مجمع الأنهر» (1: 195 - 196)، و «الأعلام» (1: 130)، و «منحة الخالق» (3: 67)، و «كتائب أعلام الأخيار» (ق398/ب)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (2: 333)، و «الفوائد البهية» (ص43).
و «رسالة في بيان الوجود»، و «رسالة قول إيماني كإيمان جبريل»، وغيرها كثير.
و «حواش على الكشاف»، و «حاشية على شرح السيد للكشاف»، و «حاشية على شرح المواقف» في الكلام، و «حاشية على لوامع الأسرار شرح مطالع الأنوار» في المنطق، و «حواشي على أوائل تفسير البيضاوي»، و «حاشية على شرح الطوسي للإشارات» في المنطق والحكمة، و «حاشية على محاكمات القطب».
و «شرح الهداية» لم يكتمل، و «الفتاوى»، و «فريدة التحري»، و «الفلاح في شرح المراح»، و «قواعد الحمليات»، و «الكلام على البسملة والحمدلة»، و «اللواء المرفوع»، و «محيط اللغة في اللغات الفارسية والعربية»، و «مرآة الجنان»، و «مقال القائلين»، و «المنيرة في المواعظ»، و «مهمات المسائل» في الفروع، و «ترجمة النجوم الزاهرة في أحوال مصر والقاهرة إلى اللغة التركية»، و «نزاع الحكماء والمعتزلة بالأشاعرة»، و «نزهة الخاطر»، و «إظهار الأظهار في أشجار الأشعار» في الأدب.
و «الكلمات العربية»، و «ريحان الأرواح في شرح المراح»، و «شرح الجامع الصحيح» للبخاري، و «شرح فرائض السراجية»، و «شرح القصيدة الخمرية» لابن الفارض، و «شرح القنوت»، و «شرح مشارق الأنوار» للصَّغَانِيّ، و «شرح مصابيح السنة» للبغوي، وغيرها كثير.
ثانياً: ثناء العلماء عليه:
قال طاشكبرى زاده (¬1): وكان صاحبَ أخلاقٍ حميدةٍ حسنة، وأدبٍ تامّ، وعقلٍ وافر، وتقريرٍ حَسَن ملخص، وله تحرير مقبولٌ جداً لإيجازه مع وضوح دلالته على المراد، وبالجملة: أنسى رحمه الله تعالى ذكر السلف بين الناس، وأحيا رباع العلم بعد الإندراس، وكان في العلم جبلاً راسخاً، وطوداً شامخاً، وكان من مفردات الدنيا، ومنبعاً للمعارف العليا، روَّح الله تعالى روحه وزاد في غرف الجنان فتوحه.
وقال (¬2): المولى العالم الفاضل المشتهر في الآفاق.
وقال الكفوي (¬3): أستاذ الفضلاء المشاهير، أستاذ العلماء النحارير، إمام الفروع والأصول، علامة المعقول والمنقول، كشاف مشكلات الكلام القديم، حلال معضلات الكتاب الكريم، فارس ميدان البلاغة والأدب، ومؤسس طريقة الخلاف والمذهب، مفتي لسان الفريقين، السائر تصانيفه، مسير الخافقين، شيخ الإسلام والمسلمين، شمس الملة وضياء الدين، العلامة الفاضل، والفهامة الكامل، وقال (¬4): شهرته تغني
¬
(¬1) في «الشقائق النعمانية» (ص227).
(¬2) في «الشقائق النعمانية» (ص121).
(¬3) في «كتائب أعلام الأخيار» (ق397/ب).
(¬4) في «كتائب أعلام الأخيار» (ق399/أ).
عن التفصيل والإطناب، والحاصل: ما من فن إلا وله فيه حكمة وفصل خطاب.
وقال التّميميّ: الإمام، العالم، العلامة، الرُّحْلة، الفَهَّامة، أوحدُ أهل عصره، وجمالُ أهلِ مصره، مَن لم يُخْلِف بعده مثلَه، ولم تَرَ العُيُونُ مَن جمع كمالَه وفضلَه. كان رحمه الله تعالى، إماماً بارعاً، في التفسير، والفقه، والحديث، والنحو، والتصريف، والمعاني، والبيان، والكلام، والمنطق، والأصول، وغير ذلك، بحيث أنَّه تفرَّد في إتقان كلِّ علم من هذه العلوم، وقَلَمَّا يوجدُ فنٌّ من الفنون إلا وله مصنَّف أو مصنَّفات.
وقال ابن عابدين (¬1): الإمام العالم العلامة الرحالة الفهامة، كان بارعاً في العلوم، وقلَمَّا أن يوجد فنٌّ إلا وله فيه مصنَّفٌ أو مصنَّفاتٌ (¬2).
ثالثاً: وفاته:
مات رحمه الله سنة أربعين وتسعمئة (¬3)، وصلي عليه صلاة الغائب في جامع دمشق في يوم الجمعة ثاني ذي القعدة (¬4).
¬
(¬1) في «رد المحتار» (1: 27).
(¬2) ينظر: «الأعلام» (1: 130).
(¬3) ينظر: «الشقائق النعمانية» (ص227)، و «الطبقات السنية» (1: 355)، و «رد المحتار» (1: 27)، و «الفوائد» (ص43)، و «هدية العارفين» (1: 141)، و «الأعلام» (1: 130).
(¬4) ينظر: «الكواكب السائرة» (2: 57).
المبحث الثاني
دراسة عن الرسالة
أولاً: تحقيق اسم الرسالة:
ذكر في فهارس المخطوطات (¬1) أسماء عديدة لهذه الرسالة، ومنها: «رسالة في طبقات الحنفية»، أو «رسالة في طبقات الفقهاء»، أو «رسالة في طبقات المجتهدين»، أو «طبقات الفقهاء» أو «طبقات فقهاء الحنفية».
يرجع السبب لهذا الاختلاف: أنَّ ابن كمال باشا لم يذكر اسم الرسالة في بدايتها، فمَن قال: طبقات الفقهاء اعتمد على قول ابن كمال في بداية الرسالة: «اعلم أنَّ الفقهاءَ سبعةُ طبقات»، ومَن قال: طبقات المجتهدين، نظر إلى أنَّ ابن كمال باشا ذكر في الطبقة الأولى والثانية والثالثة: «طبقةُ المجتهدين»، ومَن قال: طبقات الحنفية نظر إلى أنَّ هذا التقسيم لطبقات الحنفية.
¬
(¬1) ينظر: في مركز الملك فيصل للبحوث، الرياض، رقم 04000 - 33، و 08444 - 4، 08990 - 23.
وبالتالي فهذه الأسماء كلُّها صادقةٌ عليها في بيان وصفها، والراجح إطلاق اسم «طبقات الفقهاء» عليها؛ للأمور الآتية:
1.إنَّه كان الأكثر شيوعاً وانتشاراً في الإطلاق عليها.
2.إنَّ ابنَ كمال أشار إليه في بداية الرِّسالة ـ كما سبق ـ.
3.إنَّ بعض الطبقات التي ذكرها ابن كمال باشا ليست من طبقات المجتهدين، وهي الطبقة الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة.
4.إنَّ طبقات الحنفية اشتهر إطلاقها على كتب التراجم التي تترجم لعامة علماء الحنفية.
وبسبب هذا الاختلاف في الاسم توهم بعضُ المترجمين (¬1) أنَّهما تأليفان مستقلان، فذكروا في ترجمة ابن كمال باشا: الأول: «طبقات المجتهدين»، والثاني: «طبقات الفقهاء».
ثانياً: صحّة نسبة الطّبقات لابن كمال:
لم أقف على اختلاف بين العلماء في صحّة نسبة الطبقات لابن كمال باشا، ولكن حصل خلاف في كونها تأليفاً مستقلاً لابن كمال أو هي جزء من بعض مؤلفاته، ووقفت عليها في ضمن رسالة «وقف البنات» (¬2)،
¬
(¬1) الزركلي في الأعلام1: 133، وصاحب الموسوعة الموجزة في التاريخ10: 583.
(¬2) رسالة في «وقف أولاد البيات» لابن كمال باشا.
وهذا ما أكّده ابن عابدين فقال (¬1): «وقد أوضحها المحقِّق ابن كمال باشا في بعض رسائله».
وبالتالي وجود الطبقات في بعض رسائل ابن كمال رحمه الله أمرٌ مسلَّم فيه، وبقي هل استقل بها في تأليف مستقل، فالظاهر نعم؛ لأنَّه وجدت لها العديد من المخطوطات كرسالة مستقلة ـ كما سيأتي ـ، فيمكن التعويل على هذا، بأنَّه أفردها بالتأليف لوحدها، وذكرها في بعض مؤلّفاته عند مناقشة فكرة متعلّقة بالطبقات؛ ليستدل بها، والله أعلم.
ثالثاً: خطأ ابن العماد في نسبة «طبقات الحنفية» لابن الحنائي إلى ابن كمال باشا:
نسب ابنُ العماد بعضَ التراجم المذكورة في «طبقات الحنفية» لابن الحنائي إلى «طبقات ابن كمال باشا»، وهي في الحقيقة موجودة بتمامها في «طبقات الحنفية» لابن الحنائي، والظَّاهر أنّه ظنّ أنّ «طبقات ابن الحنائي» هي «طبقات ابن كمال باشا»، ومن التراجم التي ذكرها ونسبها لطبقات ابن كمال باشا:
¬
(¬1) رد المحتار1: 77.
1.يوسف بن أبي بكر السّكّاكي .... قاله ابن كمال باشا في «طبقاته» (¬1).
2.محمد بن عبد الغفّار بن محمد العلماوي الكردري، قال ابن كمال باشا في «طبقاته»: كان أستاذ الأئمة على الإطلاق .... (¬2).
3.محمود بن عبد العزيز الأوزجندي الإمام الكبير، بقية السلف، مفتي الشرق، من طبقة المجتهدين في المسائل. ... قاله ابن كمال باشا في «طبقاته» (¬3).
4. محمّد بن محمود بن عبد الكريم الكردري، المعروف بخواهر زاده الحنفي ... قاله ابن كمال باشا (¬4).
رابعاً: طبقاتُ ابن كمال باشا بين القَبول والردّ:
لاقت طبقات ابن كمال انتشاراً وقبولاً كثيراً رغم رَدِّ المحقِّقين لها؛ لما اشتملت عليه من الأغاليط، سواء في التّقسيم أو في تصنيف الفقهاء فيها، وسبب هذا القبول ما اشتملت عليه من حسن الترتيب والاختصار وذكر الوظائف، لكنَّ هذه الأمور يغتر بها مَن لم يكن من
¬
(¬1) ينظر: شذرات الذهب7: 215، وطبقات الحنفية لابن الحنائي ص169.
(¬2) ينظر: شذارت الذهب 7: 376، وطبقات الحنفية لابن الحنائي ص383.
(¬3) ينظر: شذرات الذهب6: 505، وطبقات الحنفية لابن الحنائي ص369.
(¬4) ينظر: شذرات الذهب7: 442، وطبقات الحنفية لابن الحنائي ص388.
العلماء الضابطين، أو مَن لم يدقِّق النظر فيها وإن كان من المحقِّقين.
فممن ذكروها في كتبهم: ابنُ الحنائي، والقاريُّ، والأزهريّ، والكفويّ، والحَصْكفيّ، وابنُ عابدين، والتَّميميّ، وغيرهم.
أمّا ابنُ الحنائيّ: فقد ذكرها في كتابه: «طبقات الفقهاء»، وقال في نهايته (¬1): «كذا حققه بعض الفضلاء من المتأخرين».
وأما القاريُّ (¬2) والأزهريُّ (¬3): فاقتصروا على ذكرها لا غير.
وأما الكَفويُّ: فقد جعلهم خمس طبقات بدلاً من سبع طبقات (¬4).
وأمّا الحَصكَفيُّ: فلم يذكرها صريحاً بل أشار إليها بقوله (¬5): «وقد ذكروا أنَّ المجتهد المطلق قد فُقد، وأما المقيد فعلى سبع مراتب مشهورة».
وأمّا ابنُ عابدين: فقد ذكرها (¬6) باختصار في «ردّ المحتار» في توضيح عبارة الحصكفي: «سبع مراتب مشهورة»، وأعاد ذكرها في «شرح عقود رسم المفتي» (¬7).
¬
(¬1) في طبقات الحنفية لابن الحنائي ص43.
(¬2) في شم العوارض في ذم الروافض ص111.
(¬3) ينظر: عمدة الرعاية 1: 32.
(¬4) في كتائب أعلام الأخيار ق2\ب.
(¬5) في الدرالمختار1: 77.
(¬6) في رد المحتار1: 77.
(¬7) في شرح عقود رسم المفتي ص78.
وأما التَّميميّ: فقال بعد ذكرها (¬1): «هو تقسيمٌ حسنٌ جداً»، وتعقَّبه المرجانيُّ (¬2) بقوله: «بل هو بعيدٌ عن الصحّة بمراحل فضلاً عن حسنه جداً، فإنّه تحكُّمات باردة وخيالات فارغة، وكلماتٌ لا روح لها وألفاظٌ غير محصّلة المعنى، ولا سَلَف له في ذلك المدَّعى، ولا سبيل له في تلك الدَّعوى، وإن تابعَه مَن جاء من عَقِبِه من غيرِ دليلٍ يتمسَّك به، وحُجّة تلجئه إليه.
ومهما تسامحنا معهم في عَدّ الفقهاء والمتفقهة على هذه المراتب السَّبع، وهو غيرُ مُسَلَّم لهم، فلا يتخلصون من فحشِ الغلط والوقوع في الخطأ المفرط في تعيين رجال الطَّبقات وترتيبهم على هذه الدَّرجات» (¬3)، وكرَّر عامة هذا الكلام المطيعيّ (¬4) بدون نسبته للمرجانيّ.
فقد جعل المرجانيّ هذه الطَّبقات مجردُ خيال لا يؤيِّده الواقع، ولا يشهد عليه شاهدٌ، ولا يقوم عليها دليلٌ، ولم يفعله أحدٌ قبل ابن كمال باشا، وهي غيرُ مُسلّمةٍ من حيث مراتبها، ولا من حيث مَن وُضِع فيها من الرِّجال.
¬
(¬1) في الطبقات السنية 1: 12.
(¬2) في ناظورة الحق ص192.
(¬3) ينظر: حسن التقاضي ص192.
(¬4) في إرشاد الملة إلى إثبات الأهلة ص365.
وهذا ما أيّده الكوثري، فقال (¬1): «لم يُصِب في أحد الأمرين، لا في ترتيب الطبقات ولا في توزيع الفقهاء عليها، وإن لقي استحساناً من المقلّدة بعده، وكان في نفس الشيخ عبد الحيّ وقفة في صنيع ابن كمال باشا، وقد شفى ما في نفسه عمل الناقد العصامي المرجاني في كتابه ناظورة الحقّ من تعقّب يهدم الأمرين: الترتيب، والتوزيع معاً، فعاد الأمر إلى نصابه بتحقيقه، فجزاه الله عن العلم خيراً».
وقال اللكنوي (¬2): «وكذا ذَكَرَ ـ أي الطبقات ـ مَن جَاء بَعدَ ـ أي: ابن كمال باشا ـ مُقلِّداً لَهُ، إِلَّا أنَّ فيه أنظاراً شتى من جِهة إدخال من الطَّبقة الأَعْلَى في الأدنى، قد أبداها الفاضل هارون بهاء الدِّين شهاب الدِّين المرجانيّ الحنفيّ».
وهذا كلام نفيس من اللكنويّ والكوثريّ، حيث اعتبرا أنَّ هذا الاستحسان من بعض الفقهاء هو محضُ تقليد بدون تفكر أو تحقيق أو تحرير للمسألة، وبالتالي فلا قيمة لهذا الاستحسان، وأما العلماء المحققون: كاللكنوي والمرجاني فلم يقبلوه وردّوه.
وبذلك يتبيّن لنا أنَّ هذه الطَّبقات مردودةٌ بالكليّة من قبل هؤلاء الأفاضل: المرجانيّ واللكنويّ والكوثريّ.
¬
(¬1) في حسن التقاضي ص29.
(¬2) في النافع الكبير ص11.
خامساً: سببُ ردّ طبقات ابن كمال في نظر المرجاني:
لمّا كان المرجانيّ هو العمدةُ في نقدِ هذه الطبقات، رأيتُ أن أخص بالذكر الأسباب التي دفعته لردِّها، وهي على النحو الآتي:
1. عدم ظهور تفريق بين الطبقات، فقال (¬1): «لم يحصل من بيانه فرقٌ بين آخر طبقتين، وليت شعري بأي قياس قاسهم ووجد هذه التفاوت بينهم».
2.عدم وجود الدراية الكاملة عند ابن كمال بفقهاء المذهب، فقال (¬2): «وهو قليلُ الممارسة في الباب، كليلُ المؤانسة بمَن ذكره في الكتاب، ولا يعرف كثيراً منهم، وربَّما يجعل الواحد اثنين ويعكس الأمر، ويُقدِّمُ على ما هو عليه ويؤخِّر، ويَنسبُ كثيراً من الكتب إلى غير أصحابها، فكيف يعرف طبقاتهم ويميِّزُ في الفقه درجاتهم.
3.عدم تميّيز حال الفقهاء، فهم مشتركون بأكثر الأوصاف، فيصعب رفع أحدهم وإنزال آخر، قال (¬3): «والحالُ أنَّ العلم بهذه الكلية كالمتعذَّر بالنسبة إلى أجلّة الفقهاء وأئمة العلماء، فإنّهم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها على ما يشير إليه قوله: {وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ
¬
(¬1) في ناظورة الحق ص 211.
(¬2) في ناظورة الحق ص 211.
(¬3) في ناظورة الحق ص 211.
أُخْتِهَا} الزخرف: 48، يريدُ والله أعلم أنَّ كلّ آية إذا جرّدَ النظرَ إليها قال الناظر: هي أكبرُ الآيات، وإلاَّ فلا يتصوَّر أن يكون كلَّ آيةٍ أكبر من الأخرى من كلِّ جهةٍ؛ للتناقض».
4.توهمه بالنظر إلى الألقاب التي ترجع للعرف، وليست للمكانة العلمية، قال (¬1): «ولكن لَمَّا كان الغالبُ على فقهاء العراق السّذاجة في الألقاب، وعدم التلّون في العنوانات، والجدّ في الجري على منهاج السَّلف في التَّجافي عن الألقاب الهائلة والأوصاف الحافلة، والتحاشي عن الترفُّع وتنويه النفس وإعجاب الحال تديُّناً وتصلُّباً، وتورُّعاً وتأدُّباً، كما كان الغالبُ عليهم الخمول والاجتناب عن ولاية القضاء، وتناول الأعمال السلطانية؛ لأنّ منازعَ الاتباع ما كانت مفارقة عنهم، ولا شعارهم متحولاً إلى شعار غيرهم، فكانوا يذهبون مذهبهم في الاكتفاء بالتميّز عن غيرهم بأسماء ساذجة يبتذلها العامة، ويمتهنها السوقة من الانتساب إلى الصناعة أو القبيلة أو القرية أو المحلّة أو نحوه ذلك: كالخصَّاف (ت261هـ) والجصَّاص (ت370هـ) والقُدُوريّ (ت428ه) والثَّلجي (ت256هـ) والطَّحاوي (ت321هـ) والكَرْخي (ت340هـ) والصَّيْمَريّ (436هـ)، فجاء المتأخرون منهم على منهاجهم في الاكتفاء بها، وعدم الزيادة عليها في الحكاية عنهم.
¬
(¬1) في ناظورة الحق ص 212 - 213.
وأمّا الغالب على أهل خُراسان ولا سيما ما وراء النهر في القرون الوسطى والمتأخرة، فهو المغالاةُ في الترفُّع على غيرهم وإعجاب حالهم، والذهاب بأنفسهم عجباً وكبراً، والتصنّع بالتواضع سمعةً ورياءً، يستصغرون الأحاديث عمَّن سواهم ولا يسترمون في معمورة الأرض مثوىً غير مثواهم، قد تصوَّر كلٌّ منهم في خلده أن الوجودَ كلّه يصغرُ بالإضافةِ إلى بلده، فلا جرم جرى عرقٌ منهم في علمائهم، فلقِّبوا بالألقاب النبيلة، ووسموا بالأوصاف الجليلة، مثل: شمس الأئمة، وفخر الإسلام، وصدر الشريعة.
واستمرت الحال في أخلافهم على ذلك المنوال من الإتراف والغلوّ في تنويه أسلافهم، والغض من غيرهم، فإذا ذكروا واحداً من أنفسهم بالغوا في وصفه، وقالوا الشيخ الإمام الأجل الزاهد الفقيه ونحو ذلك، وإذا نقلوا كلاماً عن غيرهم فلا يزيدون على مثل قولهم: قال الكَرْخيّ والجَصَّاص.
وربَّما يقتدي بهم مَن عداهم ممَّن يتلقَّى منهم الكلام، فيظنُّ الجاهل بأحوال الرجال، ومراتبهم في الكمال وطبقات العلماء ودرجات الفقهاء ظنّ السوء، فيأخذ بالاستدلال بنباهة الأوصاف على نباهة الموصوف، فيحمله ذلك على الإنكار لمَن عداهم واستخفاف رجال الله سواهم.
وقد كان ابنُ الكمال على ولاية عمل الإفتاء من جهةِ الدَّولة، فأحوجه ذلك إلى مراجعة كتب الفتاوى، والإكثار من مطالعة ما فيها في تحصيل إربه، والتخلص عن كربه، ووقع في نظره فيما سار به أهل ما وراء النهر من رفع أنفسهم، والوضع من غيرهم، فنَزع إليهم، وصار ذلك طبيعة له وسبباً لاندفاعه إلى هذه التحكّمات الباردة والتعسّفات الشاردة».
وأَقرَّه على هذا اللَّكنويُّ (¬1) والكوثري (¬2) وغيرهما.
سادساً: وصف النسخ المخطوطة:
كثرت النسخ المخطوطة للكتاب في مكتبات العالم، ومنها:
في مركز الملك فيصل للبحوث، الرياض، رقم 04000 - 33، و08444 - 4، 08990 - 23، 09792 - 1، 6084 - 9 - فب، 6084 - 9 - فب. ومكتبة الحرم المكي رقم 10/ 125 مجاميع، والمكتبة المحمودية، المدينة المنورة، رقم 16/ 2650، 10/ 2673.
والمكتبة المركزيه - جامعه الملك سعود رقم 1660.
والمكتبة المركزيه لجدة 554/ 1 مجاميع.
¬
(¬1) في الفوائد البهية 1: 51.
(¬2) ينظر: حسن التقاضي ص92 - 94.
ومكتبه كليه الآداب والمخطوطات، الكويت، 358 مج 1.
ومعهد المخطوطات العربيه، مصر، 3658 ج (8)، ومكتبة الظاهريه، دمشق، 7831.
واقتصرتُ في تحقيق الرّسالة على أربعة نسخ مخطوطة لحصول الكفاية بها، وهي:
النسخة (أ):
وهي نسخة لطبقات ابن كمال ضمن معهد الثقافة والدراسات الشرقية في جامعة طوكيو اليابان، وتقع في ورقتين، تحتوي الصفحة الأولى على (21) سطر وهي بخط معتاد جيد.
النسخة (ب):
وهي نسخة لطبقات ابن كمال ضمن معهد الثقافة والدراسات الشرقية في جامعة طوكيو اليابان، وتقع في ورقة، تحتوي الصفحة الأولى على (22) سطر وهي بخط معتاد جيد.
النسخة (جـ):
وهي نسخة لطبقات ابن كمال ضمن جامعة الملك سعود، وتقع في ورقة، تحتوي كل صفحة (18) سطر وهي بخط معتاد جيد.
النسخة (د):
وهي نسخة لطبقات ابن كمال ضمن مخطوطات الأزهر الشريف، وتقع في ورقة، تحتوي كل صفحة على (20) سطر وهي بخط معتاد جيد.
خامساً: النسخ المخطوطة المعتمد عليها في تحقيق الرسالة:
_
الصفحة الأولى والأخيرة من النسخة (أ)
الصفحة الأولى من النسخة (ب)
_
الصفحة الأولى والأخيرة من النسخة (جـ)
الصفحة الأولى والأخيرة من النسخة (د)
__
المبحث الثالث
النصُّ المحقّق
بسم الله الرحمن الرحيم
[الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، خاتم النبيين، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين] (¬1).
اعلم [وفقني الله وإياك] (¬2) أنَّ الفقهاء سبعة طبقات:
الأولى:
طبقةُ المجتهدين في الشَّرع:
كالأئمةِ الأربعةِ.
ومَن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول، واستنباط أحكام الفروع عن الأدلة الأربعة الكتاب والسنة والإجماع والقياس، على حسب تلك القواعد، من غيرِ تقليدٍ لأحدٍ لا في الفروعِ ولا في الأصول (¬3)
¬
(¬1) ما بين المعكوفين زيادة من جـ، وفي د: «الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين».
(¬2) ما بين المعكوفين زيادة من جـ.
(¬3) هذا محلّ نظر؛ لأنَّ المجتهد المستقل له نوع تقليد؛ قال العثماني في أصول الإفتاء ص 18: «تقليد مجتهد مطلق، وهو إن كان مستقلاً في استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، ولكن لا محيص له من نوع من التقليد، وهو أنَّه ينظر في أقوالِ السلف من الصحابةِ والتابعين ويتمسّك بها في شرح أحكام القرآن والسنة، فربَّما لا يوجد نصٌّ صريحٌ من الكتابِ والسنةِ، ولكن يوجد قول من أحدِ الصحابة أو التابعين، فيقدّمه على رأيه الخاصّ، وهذا كما أنَّ الإمام أبا حنيفة - رضي الله عنه - أخذ كثيراً بقول إبراهيم النخعي - رضي الله عنه -، والإمام الشافعي - رضي الله عنه - بقول ابن جريج - رضي الله عنه -، والإمام مالك - رضي الله عنه - بقول أحد الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة»، وسيأتي بعد أسطر تقرير هذا أيضاً عن الكوثري، والأدق من هذا يقال: إنَّ أئمة المذاهب نشأووا في مدارس فقهية في أصولها وفروعها من الصحابة والتابعين، كلُّ يزيد في تأصيلها وتفريعها متمماً لعمل مَن سبقه، وهذا يقتضي أنَّ هؤلاء الأئمة هم نقلةُ ومنظموا ومرتبوا ومقعدوا ومفرّعوا لكيان مدرسةٍ هم أعظم من اشتهر فيها فنسبت إليهم بذلك، فالتقليد حاصل لهم في الأصول والفروع، ولكن بنظر وتأصيل منهم متأثر بمَن سبقه، وهذا ظاهر في المذهب الحنفي والمالكيّ، قال الدكتور مصطفى الخن في تقديمه لكتاب التمذهب ص 7: «ولكنَّ المشكلة: الظنّ بأنَّ أئمة المذاهب هم واضعوها!! والواقع أنَّ أبا حنيفة - رضي الله عنه - متبع لإمامه ابن مسعود، ومالك لإماميه ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم -، والشافعي لهؤلاء ... ، والصحابة - رضي الله عنهم - هم الذي اصطفاهم الله - جل جلاله - لتبليغ الرسالة وحمل الأمانة التي بلغها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... ، وما فعله الأئمة إنَّما هو تحرير لقواعدهم ولأصولهم الاجتهادية، والتي تخيروها وفق ما فهموه من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة واجتهاداتهم ... ».
والثانية (¬1):
طبقةُ المجتهدين في المذهب: كأبي يوسف ومحمّد (¬2).
¬
(¬1) في أ و جـ و د: «الثانية»، بدون الواو.
(¬2) ما قرَّره ابنُ كمال هنا لم يقبله كبار المحققين، قال اللَّكْنَوِيّ في النافع الكبيرص 15: «المصرَّحُ في كلام كثير أنَّ أبا يوسف ومُحمَّداً - رضي الله عنهم - مجتهدان مطلقان منتسبان؛ لأنَّ مخالفتهما للإمام في الأصول غير قليلة، وهو مخالفٌ لعدِّهما من المجتهدين في المذهب، والظاهرُ هو هذا». وقال في التَّعليقات السنية ص 163: «محمَّدُ بن الحسن الشَّيْبَانِيّ عدَّه ابنُ كمال من طبقةِ المجتهدينَ في المذهب الذي لا يُخالفونَ إمامهم في الأصولِ وإن خالفوه في بَعضِ المسائلِ، وكذا عدَّ أبا يوسف - رضي الله عنه - منهم، وهو متعقبٌ عليه، فإنَّ مخالفتَهما للإمامِ في الأصولِ كثيرة غير قليلة، فالحقُّ أنَّهما من المجتهدين المنتسبين».
وردَّ المرجانيُّ كلامَ ابنِ كمال باشا (ت 1306 هـ) في ناظورة الحق ص 58، فقال: «حالهم في الفقه وإن لم يكن أرفع من مالك والشافعيّ - رضي الله عنهم - فليسوا بدونهما، وقد اشتهر في أفواه الموافق والمخالف، وجرى مجرى الأمثال، قولهم: أبو حنيفة أبو يوسف، بمعنى أنَّ البالغ إلى الدرجة القصوى في الفقاهة أبو يوسف ...
ولكلِّ واحد منهم أُصول مختصّةٌ تفردوا بها عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وخالفوه فيها، بل قال الغزالي - رضي الله عنه -: إنَّهما خالفا أبا حنيفة في ثلثي مذهبه، وقال الجويني: إنَّ كلّ ما اختاره المزني أرى أنَّه تخريج ملحق بالمذهب لا كأبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -، فإنَّهما يخالفان أصول صاحبهما»، وأقرَّه الكوثريُّ في حسن التقاضي ص 85 - 86.
وإن انتسابَهما لأبي حنيفة - رضي الله عنه - لا يُنقصُ من اجتهادهما؛ لأنَّه عرفانٌ منهما بمكانته ووفاء لشيخهما في الانتساب إليه، من انتسابِ التلميذِ لشيخِهِ وعرفانِهِ بجميلِهِ، وقد كان لهم الفضل في نشرِ مذهبِ شيخِهم، قال الكوثري - رضي الله عنه - في حسن التقاضي ص 25 - 26: «والحقُّ أنَّ الاجتهاد له طرفان أعلى وأدنى، وفيما بين الطرفين درجات متفاوتة جد التفاوت، ومنازل متخالفة كلّ التُّخالف، فلا تظهر منزلة الفقيه بمجرد عدّه من طبقة أهل الاجتهاد المطلق المستقل، وكم بين الذين حافظوا على الانتساب مَن هو أعلى منزلة من الذي حاولوا الاستقلال، على أنَّ الاستقلال بالمعنى الصحيح لا يوجد بين الأئمة المتبوعين، فضلاً عمّن بعدهم؛ لأنَّ أبا حنيفة - رضي الله عنه - تابع في معظم اتجاهه طريقة فقهاء العراق من أصحاب عليّ وابن مسعود - رضي الله عنهم - وأصحاب أصحابهم ولا سيما إبراهيم النَّخعي، وأمّا مالك بن أنس - رضي الله عنه - فيجري على منحى ابن عمر وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - وأصحابهما وأصحاب أصحابهما إلى الفقهاء السبعة بالمدينة وأصحابهم ولا سيما ربيعة الرأي ... ».
وإنَّ الدّبوسي - رضي الله عنه - (ت 430 هـ) ألَّفَ كتابَ «تأسيس النظر»، وبيَّنَ فيه الأصول والقواعد التي خالف فيها الصاحبان أبا حنيفة - رضي الله عنه - أو خالف كلّ منهما الآخر فيها، مما ابتنى عليها مسائل فرعية عديدة مما يؤكد أنَّ لهم أصولهم المستقلة عن إمامهم.
وإنَّ مُحمّد - رضي الله عنه - قرن رأيه ورأي أبي يوسف - رضي الله عنه - مع رأي أبي حنيفة - رضي الله عنه - في مسائل كتب ظاهر الرواية التي خالفاه فيها، مما يوضح أنَّهما كانا يعتقدان أنَّ لهما أهلية في الاجتهاد مثل شيخهما، ولكنهما آثرا نشرَ مذهبهم جميعاً؛ لأنَّ مذهب الجماعة أقوى من مذهب الفرد، ولما فيه من التيسير على غيرهما فيما اختلفا فيه، واعترافاً منهما بمكانةِ أبي حنيفة - رضي الله عنه - ودرجتِهِ العالية في الفقه.
وقال الدّهلويّ: «وإنَّما عدّ مذهب أبي يوسف ومحمّد مع مذهب أبي حنيفة مذهباً واحداً مع أنَّهما مجتهدان مستقلان؛ لأنَّهما مع مخالتفهما له في الأصول والفروع لم يتجاوزا عن محجّة إبراهيم وغيره من علماء الكوفة»، كما في النافع الكبير ص 13.
وسائر أصحاب أبي حنيفة (¬1)، القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلّة المذكورة (¬2) على حَسَب مقتضى القواعد التي قرَّرها أُستاذُهم أبي حنيفة - رضي الله عنه - (¬3)، فإنِّهم وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع.
¬
(¬1) مثل: زفر والحسن بن زياد وغيرهم من تلاميذ أبي حنيفة، وهذا محلّ نظر؛ لأنَّ الزمان كان زمان اجتهاد مطلق، فهم مجتهدون مطلقون، وقال الكوثري في لمحات النظر ص 20 - 21: «كان لزفر مخالفات في الأصول والفروع مدونة في كتب القوم فلا يكون تأدب اتجاه أستاذه ومحافظته على الانتساب إليه وعرفانه لجميله عليه مما ينل مقامه في الاجتهاد المطلق على حدة ذهنه في قياس المسائل، وقوة ضبطه للدلائل وإتقانه للحديث ... ».
(¬2) أي الأدلة الأربعة المذكورة آنفاً في الكلام عن طبقة المجتهدين في الشرع. ينظر: حاشية العثماني ص 20.
(¬3) وتعقَّبَ هذا الكلام العلامة المرجاني في ناظورة الحقِّ ص 58 وما بعدها بكلام طويل، منه قوله: «ليت شعري ما معنى قوله: إنَّ أبا يوسف ومحمداً وزفر وإن خالفوا أبا حنيفة في الأحكام لكنَّهم يقلِّدونَه في قواعد الأصول، ما الذي يريد من الأصول؟ فإن أراد منه الأحكام الإجمالية التي يبحث عنها في كتب الفقه: فهي قواعد عقليَّة وضوابطَ برهانية يعرفها المرءُ من حيث إنَّه ذو عقل، وصاحب فكر ونظر، سواءٌ كان مجتهداً أو غير مجتهد، ولا تعلُّقَ لها بالاجتهاد قطّ، وشأن الأئمةِ الثلاثةِ أرفعُ وأجلُّ من أن لا يعرفوها كما هو اللازمُ من تقليدِ غيرهم فيها، فحاشاهم ثمَّ حاشاهم عن هذه النقيصة ....
فكيف يكون هو من المجتهدين في الشَّرع دون أبي يوسف ومحمّد وزفر ضراغم غابات الفقه وليوث غياض النظر، غير أنَّهم لحسن تعظيمهم للأستاذ، وفرط إجلالهم لمحلِّه، ورعايتِهم لحقِّه، تشمَّروا على تنويه شأنه، وتوغَّلوا في الانتصارِ والاحتجاجِ لأقواله، وروايتها للنَّاس، ونثلها لهم وردهم إليها، والإفتاء عند وقوع الحوادث بها، تجرَّودوا لتحقيقِ فروعها وأصولها، وتعيين أبوابها وفصولها، وتمهيد قواعد محكمة، ومقاييس متقنة يُستفاد بها الأحكام، واستنباط قوانين صحيحة، وطرائق قويمة يتعرَّفُ بها المعاني في تضاعيف الكلام، وأجّروا ذلك في تصحيح مذهبه، وبيانه لمَن يتمسّك به؛ لاعتقادهم أنَّه أعلم وأورع وأحقُّ للاقتداء به والأخذ بقوله، وأوثق للمفتي وأرفق للمستفتي على ما قال مسعر بن كدام: «مَن جعل أبا حنيفة بينه وبين الله تعالى رجوت أن لا يخاف عليه، ولم يكن فرط على نفسه في الاحتياط». انتهى.
ومقامُه في الفقه مقامٌ لا يُلْحَق، شهدَ له بذلك أهل جلدته وخصوصاً مالك والشافعيّ، ومن ذلك الوجه امتازوا عن المخالفين: كالأئمة الثلاثة، والأوزاعي، وسفيان، وأمثالهم، لا لأنَّهم لم يبلغوا رتبة الاجتهاد المطلق في الشَّرع، ولو أنَّهم أولعوا بنشر آرائهم بين الخلق وبثِّها في النّاس والاحتجاج لها بالنصّ والقياس، لكان كلُّ ذلك مذهباً منفرداً عن مذهب الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - مخالفاً له.
هذا وإن أراد منه الأدلة الأربعة وأصول الشريعة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس في الأخذ عنها والاستنباط منها، فلا سبيل إلى ذلك؛ لأنَّ أصولَ الشريعة مستند كلِّ الأئمة وملجؤهم في أخذ الأحكام فلا يتصوَّر مخالفة غيره له فيها.
فإن قيل: لعلَّ مرادَه أنَّهم يقلدون أبا حنيفة في كون قولِ الصحابيِّ والمراسيل حجّة دون الاستصحاب والمصالح المرسلة، وأمثال ذلك.
قلت: هذا ليس من التقليد في شيء، بل إنَّما وافق رأيهم في ذلك رأيه، وقامت الحجّةُ عندهم كما قامت عنده، ألا ترى أنَّ مالكاً لا يلزمه تقليدُ أبي حنيفة من قوله بحجية المراسيل، ولا الشافعيّ في القول بنفي الحجيّة عن المصالح المرسلة، ولا تقليد بعضهم لبعض من الاتفاق في كون الإجماع وخبر الواحد والقياس حجّة، فإنَّه إنَّما أنكرَ حجيّة الإجماع بعضُ المبتدعة، وحجيةَ القياس داودُ الظاهري وغيرُه من الشذوذ». وينظر: حسن التقاضي ص 85 - 89.
ويؤخذ على كلام المرجاني جعله أصول الدين عقلية يعرفها كل ذي عقل، وهذا عجيب غاية العجب، بل هي ما تميز بها المجتهدون، وتتفاوات درجاتهم في الاجتهاد بقدر قوة مبنى أصولهم، وهذا يفسر لنا التخبط الشديد الذي وقع فيه المرجاني في ناظورة الحقّ في كلامه ومباحثه، وعدّه التقليد ضرورة، والله أعلم.
لكنّهم يقلِّدونه (¬1) في قواعد الأصول (¬2)، وبه يمتازون عن المعارضين في المذهب ويفارقونهم كالشّافعيّ - رضي الله عنه - ونظائره المخالفين لأبي حنيفة - رضي الله عنه - في الأحكام [غير مقلدين] (¬3) له (¬4) في الأصول.
والثّالثة (¬5):
طبقةُ المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحبِ المذهب:
كالخصّاف (¬6).
¬
(¬1) في ب و جـ: «يقلدون».
(¬2) فيه نظر، فإنَّ مخالفتهما لإمامهما في الأصول ليست قليلة كما لا يخفى، حتى قال الغزالي في كتابه «المنخول»: أنَّهما خالفا أبا حنيفة في ثلثي مذهبه. ينظر: حاشية العثماني ص 21.
(¬3) في جـ: «المقلدين».
(¬4) «له»: ساقطة من ب.
(¬5) في أ و جـ و د: «الثالثة».
(¬6) هو أحمد بن عمرو الشَّيْبَانيّ الخَصَّاف، أبو بكر، والخَصَّاف يقال لمن يخصف النعل، وإنَّما اشتهر بالخَصَّاف؛ لأنَّه كان يأكل من صنعته، قال الحلواني: الخصَّاف رجل كبيرٌ في العلم، وهو ممَّن يصحُّ الاقتداء به، من مؤلفاته: «الحيل»، و «الوصايا»، و «المحاضر والسجلات»، و «أدب القاضي»، وغيرها كثير (ت 261 هـ). ينظر: الجواهر المضية 1: 230 - 232، والفوائد ص 56، وسير أعلام النبلاء 13: 123.
وأبي جعفر (¬1) الطحاويّ (¬2) (¬3).
¬
(¬1) هو أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الأَزْدِي الحَجْريّ الطَّحَاوِيّ المِصْريّ، أبو جعفر، نسبةً إلى طَحَا: وهي قرية بصعيد مصر، قال أبو إسحاق: انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، من مؤلَّفاته: «شرح معاني الآثار»، و «مختصر الطحاوي»، (229 - 321 هـ). ينظر: وفيات الأعيان 1: 71 - 72، والعبر 2: 186، وروضة المناظر ص 171.
(¬2) نقل عن أبي بكر القفال، وأبي علي بن خيران، والقاضي حسين من الشافعية أنَّهم قالوا: لسنا مقلِّدين للشافعي بل وافق رأينا رأيه، وهو الظاهر من حال الإمام أبي جعفر الطحاوي - رضي الله عنه - في أخذه بمذهب أبي حنيفة واحتجاجه له وانتصاره لأقواله على ما قال في أول كتاب شرح الآثار: أذكر في كلِّ كتاب ما فيه من الناسخ والمنسوخ، وتأويل العلماء، واحتجاج بعضهم على بعض، وإقامة الحجّة لمن صحّ عندي قوله منهم ريثما يصحّ فيه مثله من كتاب أو سنة أو إجماع أو تواتر من أقاويل الصحابة أو تابعيهم، كما في حسن التقاضي ص 85.
وهذا محلُّ نظر؛ لأنَّ الطحاوي من طبقة مجتهد منتسب، فهو يُقلِّدُ الإمام في عامّة أصوله وفروعه، إلا أنَّ لديه أصولاً خالفه فيها تفرَّع عنها مسائل مخالفة للإمام، وهذا لا يخرجه من أن يكون مقلداً لأبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأهلية في الاجتهاد بهذه الصورة، وهي صفة علماء زمانه، وبالتالي ما ذُكر من وصفٍ له يدل على أنَّه مجتهد مستقل منتسب مثل أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -، لهم أصولهم الكاملة وما وافقوا فيه الإمام من أصول وفروع كان لموافقته اجتهادهم، وهذه صفة طبقتهم وأهل زمانهم، والله أعلم.
(¬3) قال اللَّكْنَوِيّ في التَّعليقات السنية ص 31 - 32: «الطّحاويّ عدَّهُ ابن كمال باشا وغيره من طبقةِ مَن يقدرُ على الاجتهادِ في المسائل التي لا رِواية فيها، ولا يقدرُ على مخالفةِ صاحبِ المذهبِ لا في الفروعِ ولا في الأصولِ، وهو منظورٌ فيه؛ فإنَّ له درجةً عالية، ورتبةً شامخة، قد خالفَ بها صاحبَ المذهبِ في كثيرٍ من الأصولِ والفروعِ، ومَن طالعَ شرح معاني الآثار وغيره من مصنفاتِه، يجدُهُ يختار خلاف ما اختارَهُ صاحبُ المذهبِ كثيراً إذا كان ما يدلُّ عليه قويّاً.
فالحقُّ أنَّه من المجتهدينَ المنتسبينَ الذين ينتسبونَ إلى إمامٍ معيَّن من المجتهدين، لكن لا يقلِّدونَهُ لا في الفروع ولا في الأصول؛ لكونِهم متصفينَ بالاجتهادِ، وما انتسبوا إليه إِلا لسلوكِهم طريقَه في الاجتهادِ، وإن انحط عن ذلك فهو من المجتهدينَ في المذهبِ القادرينَ على استخراجِ الأحكامِ من القواعدِ التي قَرَّرها الإمام، ولا تنحطُّ مرتبتُهُ عن هذه المرتبةِ أبداً على رغمِ أنف مَن جعلهُ منحطاً، وما أَحسن كلام المولى عبد العزِيز المُحدّث الدِّهْلَوِيّ في بستان المحَدِّثِينَ، حيث قال ما معربه: إنَّ مختصرَ الطّحاويّ يدلُّ على أنَّه كان مجتهداً ولم يكن مُقلِّداً للمذهبِ الحنفيّ تقليداً محضاً، فإنَّه اختار فيه أَشياء تُخالف مذهبَ أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - لما لاح له من الأدلةِ القويَّة، انتهى. وفي الجملة فهو في طبقة أبي يوسف ومحمَّدٍ - رضي الله عنهم -، لا ينحطُّ عن مرتبتهما على القولِ المُسدَّدِ»، انتهى.
ولكنَّ سَير الطحاوي الظاهر في كتبه على أصول وفروع أبي حنيفة - رضي الله عنه - بخلاف محمّد بن الحسن - رضي الله عنه - الذين قَرَن قولَه وقولَ أبي يوسف مع قولِ أبي حنيفة - رضي الله عنهم - في عامّة المسائل، يظهر تفاوت المرتبة بين الطحاويّ المقلّد للإمام في الجملة وبينهم في استقلالهم عنهم في الجملة، والله أعلم.
وأبي الحسن الكرخيّ (¬1) (¬2).
¬
(¬1) قوله في الخصّاف والطحاويّ والكرخيّ: إنَّهم لا يقدرون على مخالفة أبي حنيفة - رضي الله عنه - لا في الأصول ولا في الفروع، ليس بشيء؛ فإنَّ ما خالفوه فيه من المسائل لا يُعدُّ ولا يُحصى، ولهم اختياراتٌ في الأصولِ والفروع، وأقولاً مستنبطةً بالقياسِ والمسموع، واحتجاجاتٌ بالمنقول والمعقول على ما لا يخفى على مَن تتبع كتب الفقه والخلافيات والأصول، وقد انفردَ الكَرْخيُّ عن أبي حنيفة وغيره في أنَّ العامَّ بعد التخصيص لا يبقى حجةً أصلاً، وأنَّ خبرَ الواحدِ الواردِ في حادثةٍ تعمُّ به البلوى، ومتروكَ المحاجّة عند الحاجةِ ليس بحجّة قط، وانفرد أبو بكر الرازي في أنَّ العامَّ المخصوصَ حقيقةٌ إن كان الباقي جمعاً وإلا فمجاز، أفليس هذا من مسائل الأصول، ينظر: ناظورة الحق ص202، وحسن التقاضي ص89.
(¬2) هو عبيد الله بن الحسين بن دلال بن دَلَهْم، أبو الحسن الكَرْخِي، نسبةً إلى كَرْخ قريةٌ بنواحي العراق، قال الكفوي: انتهت إليه رئاسة الحنفية، وعدَّه الإمام اللكنوي من أصحاب الوجوه، في حين عدَّه ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل، من مؤلفاته: «المختصر»، و «شرح الجامع الكبير»، و «شرح الجامع الصغير»، (260 - 340هـ). ينظر: تاج التراجم ص200، والفوائد البهية ص183، والجواهر المضية2: 493 - 494.
وشمس الأئمة الحلوانيّ (¬1).
وشمس الأئمة السَّرَخْسِيّ (¬2).
وفخر الإسلام البَزْدِويّ (¬3).
وفخر الدين قاضي خان (¬4)، وأمثالهم (¬5).
¬
(¬1) هو عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح الحَلْوَانِيّ: منسوب إلى عمل الحلوى، قال ابن ماكولا: إمام أهل الرأي في وقته ببخارى، من مؤلفاته: «المبسوط»، و «النوادر»، و «الفتاوي»، (ت456هـ). ينظر: مقدمة الهداية2: 13، ومقدمة السعاية1: 32، والجواهر المضية2: 429 - 430.
(¬2) هو محمد بن أحمد بن أبي سهل السَّرَخْسِيّ، أبو بكر، شمس الأئمة، والسَّرَخْسِيُّ نسبة إلى سَرَخْس: وهي بلدة قديمة من بلاد خُراسان، قال الكفوي: كان إماماً علامة حجَّة متكلماً مناظراً أصولياً مجتهداً، عدَّه ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل، من مؤلَّفاته: «شرح السير الكبير»، و «أصول السرخسي»، و «شرح مختصر الطحاوي»، توفي في حدود (500)، ينظر: تاج التراجم ص234، والجواهر المضية3: 78.
(¬3) هو عليُّ بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البَزْدَوِيّ، أبو الحسن، فخر الإسلام، نسبة إلى بَزْدَة: قلعة حصينة على ستة فراسخ من نَسَفَ، قال السمعاني: فقيه ما وراء النهر، وأستاذ الأئمة، وصاحب الطريقة على مذهب أبي حنيفة، من مؤلفاته: «المبسوط»، و «أصول البَزْدَويّ»، و «شرح الجامع الكبير»، و «شرح الجامع الصغير»، (400 - 482هـ). ينظر: الجواهر المضية2: 594 - 595، وتاج التراجم ص205، وكتائب أعلام الأخيار ق156/ب-157/ب.
(¬4) هو حسن بن منصور بن محمود الأُوزْجَنْدِي الفَرْغَانِي الحَنَفِي، أبو القاسم، فخر الدين، المشهور بـ (قاضي خان)، وأُوزْجَنْد مدينة بنواحي أصبهان بقرب فرغانة، قال الحصيري: هو القاضي الإمام، والأستاذ فخر الملَّة ركن الإسلام، بقيَّة السلف، مفتي الشرق، من مؤلفاته: «الخانية»، و «شرح الجامع الصغير»، و «شرح أدب القضاء»، (ت592هـ). ينظر: الجواهر المضية2: 94، وتاج التراجم ص151 - 152، والفوائد البهية ص111.
(¬5) وَعَدَّ منهم الكفويُّ: برهان الدين البخاري صاحب المحيط، وطاهر بن أحمد البخاري صاحب الخلاصة، كما في مقدمة عمدة الرعاية1: 31، وعدَّ أبو المحامد محمود بن محمد اللؤلؤي البخاري (ت671هـ) في حقائق المنظومة الإمام النسفي مجتهداً. ينظر: النافع الكبير ص58ـ59.
فإنَّهم لا يقدرون على المخالفةِ للشيخ لا في الأصول ولا في الفروع، لكنَّهم يستنبطون الأحكام من المسائل التي لا نصّ فيها عنه على حسب أصول قرَّرها ومقتضى قواعد بسطها.
والرابعةُ (¬1):
طبقةُ أَصحاب التخريج من المُقلِّدين:
كالرَّازيّ (¬2) وأضرابه (¬3).
¬
(¬1) في أ و جـ و د: «الرابعة».
(¬2) وهو أحمد بن عليّ الجَصَّاص الرَّازِيّ، أبو بكر، إمام أصحاب أبي حنيفة في وقته، نشأ ببغداد التي هي دار الخلافة ومدار العلم والرشاد ومدينة السلام ومعقل الإسلام، ورحل في الأقطار، ودخل الأمصار ولقي العلماء أولي الأيدي والأبصار، وأخذ الفقه والحديث عن المشايخ الكبار، من مؤلفاته: «أحكام القرآن»، و «شرح مختصر الكرخي»، و «شرح مختصر الطَّحاوي»، (305 - 370)، ينظر: الجواهر المضية 1: 220 - 224، والفوائد البهية ص 3 - 54، وطبقات المفسرين 1: 55، وكتائب أعلام الأخيار ق 118/أ.
قال المرجاني في ناظورة الحق ص 204 - 206: «عَدَّه ابنُ كمال باشا من المقلِّدين الذي لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، وهو ظلمٌ عظيمٌ في حقِّه، وتنزيل له عن رفيع محلِّه وغضٌ منه، وجهلٌ بيِّنٌ بجلالة شأنه في العلم، وباعه الممتدّ في الفقه، وكعبه العالي في الأصول، ورسوخ قدمه، وشدّة وطأته وقوّة بطشه في معارك النظر والاستدلال، ومَن تتبعَ تصانيفه والأقوال المنقولة عنه، عَلِمَ أنَّ الذين عدَّهم من المجتهدين من شمس الأئمة ومَن بعدهم كلُّهم عيالٌ على أبي بكر الرازي، ومصداقُ ذلك دلائلُه التي نصبَها لاختياراته، وبراهينه التي كشفَ فيها عن وجوه استدلالاته.
قال شمس الأئمة الحَلْوانيّ فيه: هو رجل كبير معروف في العلم، وإنَّا نقلده ونأخذ بقوله، انتهى. فكيف يصحُّ تقليدُ المجتهد للمقلِّد؟
وذكر في «الكشف الكبير»: ما يدلُّ على أنَّه أفقه من أبي منصور الماتُريديّ.
وقال قاضي خان في التوكيل بالخصومة: يجوز للمرأة المخدرة أن توكِّل - وهي التي لم تخالط الرجال بكراً كانت أو ثيباً - كذا ذكره أبو بكر الرازيّ.
وفي الهداية 3: 137: «ولو كانت المرأة مخدرة، قال الرازيُّ: يلزم التوكيل منها، ثم قال: وهذا شيء استحبَّه المتأخرون».
وقال ابنُ الهمام في فتح القدير 7: 509: «هو الإمام الكبير أبو بكر الجصاص أحمد بن علي الرازي، يعني أنَّه على ظاهر إطلاق الأصل وغيره عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، لا فرق بين البكر والثيب المخدرة والمبرزة، والفتوى على ما اختاروه من ذلك، وحينئذٍ فتخصيص الرازي ثمّ تعميم المتأخرين ليس إلا لفائدة أنَّه المبتدئ بتفريع ذلك وتبعوه»، انتهى كلامه.
وقد أكثر شمسُ الأئمة السَّرَخْسِيّ في كتبه النقل عن أبي بكر الرازيّ، والاستشهاد به، والمتابعة لآرائه، ثمّ الحَلْوانيُّ ومَن ذكره بعدهم، وعدَّهم من المجتهدين في المسائل كلُّهم، تنتهي سلسلةُ علومهم إلى أبي بكر الرازيّ، فقد تفقه عليه أبو جعفر الاستروشني، وهو أستاذُ القاضي أبي زيد الدَّبوسي، وأبو عليّ حسين بن خضر النَّسَفيّ، وهو أستاذُ شمسي الأئمة الحَلْوانِيّ، ومعلوم أنَّ السَّرَخْسِيّ من تلاميذه، وقاضي خان من أصحاب أصحابه.
فلعلَّه نظر إلى قوله: إنَّه كذلك في تخريج الرازيّ، فظنَّ أنَّ وظيفتَه في الصناعة هي التخريج فحسب، وأنَّ غايةَ شأوه هذا القدر، وقد خرَّجَ أبو حنيفة وأصحابه قول ابن عباس - رضي الله عنهم - في تكبيرات العيدين أنَّها ثلاث عشرة تكبيرة، بحمل أنَّها على هذا العدد بإضافة التكبيرات الأصلية، والشافعيّ وأتباعه بحملها على الزوائد، وخرَّجَ أبو يوسف - رضي الله عنه - قولَ الشعبي: إنَّ للخنثى المشكل من الميراث نصفَ النصيبين، بأنَّ ذلك ثلاث من سبعة، ومحمّد بأنَّه خمس من اثني عشر، وخرَّجَ أبو الحسن الكَرْخيّ قول أبي حنيفة ومحمّد - رضي الله عنهم - في تعديل الركوع والسجود وجعله واجباً، وأبو عبد الله الجُرْجاني خرَّجه وحمله على السنة، ونظائر ذلك كثيرة وقعت من كبار المجتهدين، فما ضرَّهم ذلك في اجتهادهم، ولا نزَّلهم من شأنهم، فكيف ينزل أبا بكر الرازي إلى الرتبة النازلة عن منزلته»، وينظر: حسن التقاضي ص 89 - 91.
(¬3) عُدَّ منهم صاحب «الهداية»: أبا عبد الله محمد بن يحيى الجُرْجَانيّ (ت 398 هـ) تلميذ أبي بكر الرازي، ينظر: مقدمة عمدة الرعاية 1: 32، وقال اللكنوي في النافع الكبير ص 12 - 13: «ومن أصحاب التَّخريج، الفقيه أَبُو عبد الله الجرجانيّ، ويدلّ عليه كلام صاحب الهداية في باب صفة الصَّلاة، ثمَّ القومة والجلسة سنَّةٌ عندهما، وكذا الطمأنينةُ في تخريج الجرجاني، وفي تخريج: واجبة، حتى تجب سجدتا السَّهو بتركها عنده».
فإنَّهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، لكنَّهم لإحاطتهم بالأَصول، وضبطهم للمأخذ، يقدرون على تفصيلِ قولٍ مجملٍ ذي وجهين، وحكمٍ محتملٍ لأمرين، منقولٍ عن صاحب المذهب، أو عن أحدٍ من أصحابه المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع.
وما وقع في بعضِ المواضع من «الهداية» (¬1) من قوله: «كذا في تخريج الكرخيّ - رضي الله عنه -»، و «تخريج الرازيّ» - رضي الله عنه - من هذا القبيل.
والخامسة (¬2):
طبقةُ أصحاب الترجيح من المُقَلِّدين:
¬
(¬1) الهداية 1: 50.
(¬2) في أ و جـ و د: «الخامسة»، بدون الواو.
كأبي الحَسَن القُدُوريِّ (¬1) - رضي الله عنه -.
وصاحبِ «الهداية» (¬2)، وأمثالهما (¬3).
¬
(¬1) هو أحمد بن محمد بن أحمد البَغْدَادِيّ القُدُورِيّ، أبو الحسين، والقُدُورِيّ: نسبة إلى بيع القدور، قال السَّمْعَانيُّ: انتهت إليه رئاسة اصحاب أبي حنيفة بالعراق، وعزَّ عندهم قدره وارتفع جاهه، وكان حسن العبارة في النظر، مديماً لتلاوة القرآن، من مؤلفاته: «مختصر القُدُورِيّ»، و «شرح مختصر الكَرْخي»، و «التجريد»، و «التقريب» (362 - 428 هـ). ينظر: النجوم الزاهرة 5: 24، ومرآة الجنان 3: 47، والفوائد البهية ص 57 - 58.
(¬2) قال المرجاني في ناظورة الحق ص 210 - 211: «جَعَلَ القُدُوريَّ وصاحبَ «الهداية» من أصحاب التَّرجيح، وقاضي خان من المجتهدين، مع تقدُّم القُدُوريّ على شمس الأئمة زماناً، وكونه أعلى منه كعباً وأطول باعاً، فكيف لا يكون أعلى من قاضي خان، وأما صاحبُ «الهداية» فهو المشارُ إليه في عصره، والمعقود عليه الخناصر في دهره وفريد وقته، ونسيجٌ وحده.
وقد ذكر في «الجواهر» 2: 627، وغيره: أنَّه أقرَّ له أهلُ عصره بالفضل والتَّقدُّم: كالإمامِ فخر الدين قاضي خان، والإمامِ زين الدين العتابي، وغيرِهما، وقالوا: إنَّه فاق على أقرانِه، حتى على شيوخِه في الفقه، وأَذعنوا له به، فكيف ينزلُ شأنه عن قاضي خان - رضي الله عنه - بمراتب، بل هو أحقُّ منه بالاجتهاد، وأثبتُ في أسبابهِ، وألزمه لأبوابه»، وينظر: حسن التقاضي ص 91 - 92.
(¬3) عدَّ منهم الكفويُّ: عليّاً الرَّازيّ تلميذ الحَسَن بنَ زياد، وابنَ كمال باشا الرُّومي، وأبا السَّعود العمادي المفسّر الرُّومي.
وعَدَّ منهم صاحبُ «البحر الرّائق» ابنَ الهُمام صاحبَ «فتح القدير»، وقيل: إنَّه بلغ رتبة الاجتهاد، وقال اللَّكْنَوِيّ في التعليقات السنية ص 180: «ابن الهُمام عدَّه ابنُ نجيم في «البحر الرائق» من أهلِ التَّرجيحِ، وعدَّهُ بعضُهم: من أهلِ الاجتهاد، وهو رأي نجيح، يشهد بذلك تصانيفُهُ وتآليفُه».
لكن قال في وصفه تلميذه السخاوي في الضوء اللامع 8: 131: «وكان إماماً علامةً عارفاً بأصول الديانات، والتفسير، والفقه وأصوله، والفرائض والحساب، والتصوف، والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع، والمنطق والجدل، والأدب والموسيقى، وجل علم النقل والعقل، متفاوت المرتبة في ذلك، مع قلّة علمه في الحديث»، فكيف يكون من طبقة المستنبطين من الكتاب والسنة علاوة أن يكون من المجتهدين المطلقين مع وصف تلميذه السَّخاوي له بقلة العلم بالحديث.
وقول تلميذه ابن قطلوبغا: «أنَّه لا يلتفت لأبحاث شيخنا المخالفة للمذهب»، كما في رد المحتار 3: 74، وبسبب انتهاء عصر الرواية في زمنه بخلاف أهل القرون الأربعة الأولى، وعدم تسليم الاجتهاد من الكتاب السنة في المذهب بعد القرن الرابع، فالأولى في حاله اعتباره من المجتهدين في المذهب كما هو طبقة أهل زمانه، وعدم مسايرته فيما يرجح فيه بالحديث، والله أعلم.
وشأنهم تفضيل بعض الرِّوايات على بعضٍ آخر، بقولهم: هذا أولى، وهذا أصحُّ رواية، وهذا أوضح، وهذا أوفق للقياس، وهذا أرفق للنَّاس.
والسَّادسةُ (¬1):
طبقةُ المُقلِّدين القادرين على التمييز بين القولين (¬2) الأقوى والقوي (¬3) والضَّعيف، وظاهر الرِّواية [وظاهر المذهب] (¬4) والرِّواية (¬5) النّادرة:
كأصحابِ المتون المعتبرة (¬6) من المتأخرين
¬
(¬1) في أ و جـ و د: «السادسة»، بدون الواو.
(¬2) «القولين»: زيادة من جـ.
(¬3) «القوي»: ساقطة من أ.
(¬4) ما بين المعكوفين ساقط من أ.
(¬5) في د: «الروايات».
(¬6) «المعتبرة»: ساقطة من أ.
مثل: صاحب «الكنز» (¬1).
وصاحب «المختار» (¬2).
وصاحب «الوقاية» (¬3).
وصاحب «المجمع» (¬4) (¬5).
¬
(¬1) وهو عبد الله بن أحمد بن محمود النّسفيّ، أبو البركات، حافظُ الدّين، قال اللَّكْنَويّ: وكلُّ تصانيفه نافعةٌ مُعتبرةٌ عند الفقهاءِ مطروحةٌ لأنظار العلماء، من مؤلّفاته: «الكافي شرح الوافي»، و «الكنز»، و «تفسير المدارك»، (ت 701 هـ). ينظر: الجواهر المضية 2: 294، والفوائد البهية ص 102، وتاج التراجم ص 174.
قال اللَّكْنَوِيّ في التعليقات السنية ص 101 - 102: «النسفي ... عَدَّهُ ابن كمال باشا من طبقة المقلدينَ، القادرين على التَّمييز بين القويّ والضَّعيف، الذين شَأنهم أن لا يَنقلوا في كُتُبِهم الأقوال المردودة والرِّوايات الضَّعيفة، وهي أَدنى طَبقات المتفقهينَ، منحطة عن درجة المجتهدين والمخرجينَ، وعدَّهُ غيره من المجتهدينَ في المذهب، قال: إنَّه اختتم به، ولم يوجد بعده مجتهد في المذهب».
(¬2) وهو عبد الله بن محمود بن مَوْدُود المَوْصِليّ الحنفي، أبو الفضل، مجد الدين، قال الكفوي: وكان من أفراد الدهر في الفروع والأصول، وكانت مشاهير الفتاوى على حفظه، من مؤلفاته: «المختار» وشرحه «الاختيار لتعليل المختار للفتوى»، «والمشتمل على مسائل المختصر»، (599 - 683 هـ). ينظر: الجواهر المضية 2: 349 - 350، وتاج التراجم ص 176 - 177، والفوائد البهية ص 180.
(¬3) وهو محمود بن أحمد بن عبيد الله بن إبراهيم المَحْبُوبيّ البُخَارِيّ، برهانُ الشَّريعة، قال الكفوي: عالمٌ فاضل، نحريرٌ كامل، بحرٌ زاخر، حبرٌ فاخر، صاحب التصانيف الجليلة، من مؤلفاته: «الواقعات»، و «الفتاوى»، (ت 673 هـ). ينظر: طبقات ابن الحنائي ق 25/أ، وكتائب أعلام الأخيار ق 265/أ، ودفع الغواية 1: 2 - 6.
(¬4) وهو أحمد بن علي بن ثعلب السَّاعَاتِيّ البعلبكي البغدادي، مظفر الدين، وأبوه هو الذي عمل الساعات المشهورة ببغداد، قال الكفوي: كان إمام العصر في العلوم الشرعيّة، كان ثقة حافظاً متقناً، أقرّ له شيوخ زمانه بأنه فارس جواد في ميدانه، من مؤلفاته: «مجمع البحرين»، و «بديع النظام»، (ت 694 هـ). ينظر: النافع الكبير ص 25، ومرآة الجنان 4: 227، وكشف الظنون 2: 1600.
(¬5) وأضاف إليهم في الطبقات التي نقلها اللكنوي في العمدة 1: 33 عن ابن كمال باشا: شمس الأئمّة محمّد الكَرْدَرِي، وجمالِ الدين الحَصيري.
والكردري: هو محمد بن عبد الستار تلميذ صاحب الهداية، انتهت إليه رئاسة الحنفية في زمانه، (ت 642 هـ)، كما في الجواهر المضية 3: 228 - 230، وتاج التراجم ص 267 - 268، والنجوم الزاهرة 6: 351.
والحصيريّ: هو محمّدُ بنُ أحمد بن عبد السيد البُخاري الحَصيري، نسبة إلى محلة كان يعمل فيها الحَصير، تلميذ حسن بن منصور قاضي خان، قال اللكنوي: كان إماماً فاضلاً انتهت إليه رئاسة الحنفية، ومن تصانيفه شرحان للجامع الكبير: أحدهما مختصر والآخر مطول سماه التحرير وشرح السير الكبير، وقدم الشام، ودرّس، وأفتى، (ت 636 هـ)، ينظر: النافع الكبير ص 56.
وشأنهم (¬1) أن لا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة والرِّوايات الضَّعيفة.
¬
(¬1) اعلم أنَّه قد اشتهر أنَّ المتون موضوعة لنقل أصل المذهب ومسائل ظاهر الرواية، وهذا حكم غالبي لا كلي، فإنَّه كثيراً ما يذكر أرباب المتون مسألة هي من تخريجات المشايخ المتقدمين مخالفة لمسلك الأئمة: كمسألة العشر في العشر في باب نجاسة الحوض وطهارته، فإنَّها من تحديدات المشايخ وأصل المذهب خال عن هذا، وكذا ما اشتهر أنَّ المتون موضوعة لنقل مذهب الإمام أبي حنيفة، فهو حكم غالبي لا أكثري، فكثيراً ما ذكروا فيها مذهب صاحبيه إذا كان راجحاً: كما في بحث السجدة بالجبهة والأنف وغيره، ملخصاً من عمدة الرعاية. ينظر: حاشية العثماني ص25.
والسَّابعة (¬1):
طبقةُ المُقلّدين الذين لا يقدرون على ما ذُكِر:
ولا يُفرِّقون بين الغثِّ (¬2) والسَّمين، ولا يُميزون الشِّمال من اليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب ليل، فالويلُ لمَن قلَّدهم كلّ الويل (¬3).
[والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً] (¬4).
* * *
¬
(¬1) في أ و جـ و د: «السابعة»، بدون الواو.
(¬2) في د: «العجاف». والغَثُّ: اللحم المهزول، وهو أيضاً الحديث الرديء الفاسد، ينظر: حاشية العثماني ص 25.
(¬3) وهذا محل نظر؛ لأنَّ الاجتهاد الذي هو روح الفقه، وبه حياته، لا يمكن قصره على هؤلاء الأكابر الذين ذكرتهم، بل هو مستمر إلى يوم القيامة، ولا بُدّ من وجود المجتهدين فيه في كل زمان ومكان لنتمكن من تطبيق الإسلام وعيشه.
وبالتّالي فالاجتهادُ ملازمٌ للتّفقه والفقهاء، وهم على درجاتٍ للقيام به، لا أنَّ سوى ما ذكرهم لا يميزون شيئاً، فهذا مجانب للصواب تماماً، وانعكس على مَن هم أهل الفقه انعكاساً سلبياً جداً، بالتسليم من كثيرين بأنَّ الاجتهاد توقف، وانتهى الابداع في الفقه، فلم تنهض هممهم للاشتغال به على كمال واكتفوا فيه بقراءة كتاب أو كتابين، مما أثر على فهم الإسلام وتطبيقه بصورة واضحة.
(¬4) المثبت من ب، وفي جـ: «والحمد لله رب العالمين»، وهو ساقط من أ و د.
الخاتمة:
بعد تحقيق هذه الطبقات توصلت إلى ما يلي:
1.صحة نسبة الطبقات لابن كمال باشا، وأنها تأليف مستقل؛ لأنَّه وجدت لها العديد من المخطوطات المفردة.
2.الراجح في اسم الطبقات: طبقات الفقهاء لابن كمال باشا.
1.إنَّ الفائدةَ الحقيقيّة لهذه الطبقات هي التَّنبيه على بعض وظائف المجتهدين، والإشارة إلى أبرز وظيفة لبعض الطبقات.
2.إنَّ بعضَ المؤلفين والعلماء والباحثين ممن لم يحقِّقوا في قضية الطَّبقات أخذوا بطبقات ابن كمال باشا، ولكنَّ كبار المحقِّقين: كالمرجانيّ، واللَّكنوي، والكوثريّ، والمطيعي، وأبو زهرة ردُّوها ورفضوا ما جاء فيها من التَّقسيم أو الرِّجال.
3. يرجع سبب خطأ ابن كما في الطبقات إلى عدم ظهور تفريق واضح بين الطبقات، وعدم وجود الدراية الكاملة عنده بفقهاء المذهب، وعدم تميّز حال الفقهاء له، فهم مشتركون بأكثر الأوصاف، فيصعب
رفع أحدهم وإنزال آخر، وتوهمه بالنظر إلى الألقاب التي ترجع للعرف، وليست للمكانة العلمية.
4.تبين للباحث بعد النقد التفصيلي لطبقات ابن كمال - رضي الله عنه - أنَّ ابن كمال ظهرت منه أخطاء في جميع الطبقات، وفي عامة الرجال المذكورين فيها، بحيث لم تعد علمياً صالحة للبناء عليها.
* * *
المراجع:
1. ابن كمال باشا وآراؤه الاعتقادية دراسة نقدية على ضوء عقيدة السلف: لسيد حسين سيد باغجوان، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتواره في العقيدة، جامعة أم القرى، 1992 - 1993 م.
2. إرشاد الملة إلى إثبات الأهلة لمحمد بخيت المطيعي، طبعة كردستان العلمية، مصر، 1329 هـ.
3. أصول الإفتاء وآدابه: لمحمد تقي الدين العثماني، مصورة عن نسخة بخط اليد من الهند، وطبعة مكتبة معارف القرآن، كراتشي، باكستان، 1432 هـ.
4. الأعلام: لخير الدين الزَّركلي، بدون دار طبع، وتاريخ طبع.
5. بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية: لأبي سعيد الخادمي، دار إحياء الكتب العربية.
6. تاريخ آداب اللغة العربية: لجرجي زيدان، ت: الدكتور شوقي ضيف، دار الهلال.
7. الجواهر المضية في طبقات الحنفية: لعبد القادر بن محمد بن أبي الوفاء القرشي (ت775هـ)، ت: عبد الفتاح الحلو، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1413هـ.
8. حاشية العثماني: لمحمد رفيع العثماني، مطبوعة مع شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين، مكتبة دار العلوم، كراتشي، باكستان.
9. حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع: لحسن بن محمد بن محمود العطار (ت569هـ)، دار الكتب العلمية.
10. حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي: لمحمد بن زاهد الكوثري (ت1378هـ)، دار الأنوار للطباعة والنشر، مصر، 1368هـ.
11. الدر المختار شرح تنوير الأبصار: لمحمد بن علي بن محمد الحصكفي الحنفي (ت1088هـ)، مطبوع في حاشية رَدّ المُحْتَار، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
12. دفع الغواية الملقبة بـ (مقدمة السعاية): لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، باكستان، 1976م.
13. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
14. رسائل ابن كمال: لشمس الدين أحمد بن سليمان، المعروف بابن كمال باشا، (ت940هـ)، الناشر: أحمد جودت، مطبعة إقدار بدار الخلافة العلية، 1316هـ.
15. روض المناظر في علم الأوائل والأَواخر: لمحمد بن محمد ابن الشحنة (815هـ)، ت: سيد محمد مهنى، دار الكتب العلمية، ط1، 1417هـ.
16. سير أعلام النبلاء: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهَبِي شمس الدين (673 - 748هـ)، ت: شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم العرقسوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط9، 1413هـ.
17. شذرات الذهب في أخبار من ذهب: لعبد الحي بن أحمد العكري (ت1089هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.
18. شرح عقود رسم المفتي: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ضمن مجموع رسائله.
19. الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية: لطاشكبرى زاده (ت968هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت، 1975م.
20. شَمُّ العَوارِضِ في ذمِّ الرُّوَافِضِ: لعلي بن سلطان القاري، أبو الحسن (ت: 1014هـ)، ت: د. مجيد الخليفة، مركز الفرقان للدراسات الإسلامية، ط1، 1425 هـ - 2004 م.
21. الضوء اللامع لأهل القرن التاسع: لمحمد بن عبد الرحمن السَّخَاوِيّ القاهريّ الشَّافِعِيّ شمس الدِّين (831 - 902هـ)، دار الكتب العلمية، بدون تاريخ طبع.
22. طبقات الحنفية: لعلي بن أمر الله قنالي زاده المشهور بـ (ابن الحنائي) (ت979هـ)، مطبعة الزهراء الحديثة، الموصل، ط2، 1380هـ.
23. الطبقات السنية في تراجم الحنفية: لتقي الدين بن عبد القادر التميمي، ت: الدكتور عبد الفتاح الحلو، دار الرفاعي، الرياض، 1403هـ.
24. طبقات المفسرين: لمحمد بن علي الداودي (ت945هـ)، ت: علي محمد، مكتبة وهبة، مصر، ط1، 1392هـ.
25. العبر في خبر من غبر: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهَبِي شمس الدين (673 - 748هـ)، ت: الدكتور صلاح الدين المنجد، مطبعة حكومة الكويت، 1963مـ.
26. العقد المنظوم في ذكر أفاضل الروم: لعلي بن بالي (ت992هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت، 1395هـ.
27. العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، المطبعة الميرية ببولاق، مصر، 1300هـ.
28. عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، ت: د. صلاح أبو الحاج، دار الكتب العلمية، لبنان، ط1، 2009م.
29. غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام (الشرنبلالية): لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ)، در سعادت، 1308هـ، وأيضاً: طبعة الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ.
30. فتح القدير: لمحمد بن عبد الواحد الشهير بـ (ابن الهمام) (790 - 861هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر.
31. الفوائد البهية في تراجم الحنفية: لعبد الحي الكنوي (1264 - 2304هـ)، ت: أحمد الزعبي، دار الأرقم، بيروت، ط1، 1998م، وأيضاً: طبعة السعادة، مصر، ط1، 1324هـ.
32. كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار: لمحمود بن سليمان الكفوي توفي نحو (990هـ)، من مخطوطات المكتبة القادرية، بغداد.
33. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: لمصطفى بن عبد الله القسطنطيني الحنفي (1017 - 1067)، دار الفكر.
34. الكمال بن الهمام وتحقيقه رسالته إعراب قوله - صلى الله عليه وسلم -: «كلمتان خفيفتان في اللسان» ت: أ. د. قحطان الدوري، كتاب ناشرون، لبنان، ط2، 1432هـ.
35. الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة: لنجم الدين الغزي، ت: الدكتور جبريل جبور، الناشر: محمد أمين وشركاه، 1945م.
36. لمحات النظر في سيرة الإمام زفر: لمحمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث، مصر.
37. مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر: لعبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد الرُّومي المعروف بـ (شيخِ زاده) (ت 1078هـ)، دار الطباعة العامرة، 1316هـ.
38. مرآة الجنان وعبر اليقظان في ما يعتبر من حوادث الزمان: لعبد الله بن أسعد اليافعي (ت768هـ)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط1، 1970م.
39. معجم المؤلفين: لعمر كحالة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1414هـ.
40. مقدمة الهداية: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، ديوبند سهارنيور، 1401هـ.
41. منحة الخالق على البحر الرائق: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، ط2، دار المعرفة.
42. الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي نقلاً عن: موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي.
43. ناظورة الحق في فرضية العشاء وإن لم يغب الشفق: لشهاب بن بهاء الدين المرجاني (ت1306هـ)، طبعة قازان، 1287هـ.
44. النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، عالم الكتب، ط1، 1406هـ.
45. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: ليوسف بن تغرة بردة الأتابكي (813 - 874)، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، المؤسسة المصرية العامة.
46. الهداية شرح بداية المبتدي: لأبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني (ت593هـ)، مطبعة مصطفى البابي، الطبعة الأخيرة، بدون تاريخ طبع.
47. هدية العارفين: لإسماعيل باشا البغدادي (ت1339هـ)، دار الفكر، 1402هـ.
48. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: لأبي العباس أحمد بن محمد ابن خَلكان (608 - 681هـ)، ت: الدكتور إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت.
49. وقف أولاد البنات: لأحمد بن سليمان بن كمال باشا (ت940هـ)، مخطوط في المكتبة القادرية ضمن مجموع (1500).
* * *