تغيير التنقيح
تأليف الإمام
شمس الدين أحمد بن سليمان بن كمال باشا
المتوفى سنة (940هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
تغيير التنقيح
تأليف الإمام
شمس الدين أحمد بن سليمان بن كمال باشا
المتوفى سنة (940هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
الجزء الأول
من أول الكتاب إلى بداية ركن السنة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا بإفاضة أنوار التوفيق، إلى تحقيق حقائق الكتاب ودقائق الخبر، وأرشدنا بإنارة الطريق إلى كشف أسرار القياس، ووجه الاقتباس من مشكاة الأثر فاجتمع آراؤنا على تنقيح مناط الإباحة والكراهة والحرام وإحكام الأحكام، والتلويح بمأخذ الوجوب والندب للأنام، لتوضيح مناهج قواعد الإسلام.
والصلاة على رسوله المصطفى، وصفيه المصفى المستصفى، محمد الذي قوله تعديل ميزان الحجة والبرهان، وفعله تقويم تحصيل العدل والإحسان وعلى آله الأبرار وصحبه الأخيار الناقلين للآثار والأخبار.
) وبعد (فلا يخفى على ذوي البصائر السلمية، والأذهان المستقيمة، إن كتاب التنقيح -لبدر سماء العرفان صدر الشريعة، وهو للوصول إلى الأصول أقوى الذريعة، مع صغر حجمه- كتاب جليل الشأن جلي البرهان، بحر محيط بغرر درر الدقائق، كنز مغنٍ أودع فيه نقود الدقائق، ألفاظه معادن جواهر المطالب الشريفة، وحروفه أكمام أزاهير النكات اللطيفة:
ففي كلِّ لفظٍ منه روضٌ منَ المنى ... وفي كلِّ سطرٍ منه عِقدُ الدُّرر
فشَرحتُ -أثناءَ اشتغالي بمحاور الطُّلاب، وحلِّ كتابٍ آخر، غير هذا الكتاب- شَرحاً يحتوي على تقريرِ قواعدهِ، وتحريرِ معاقدهِ ويفصِّلُ أبوابَ كنوزه، ويُزيل صِعابَ رموزه، ويحلُّ ألفاظَه ومعانيه، ويلخِّصُ مقاصدَهُ ومبانيه، فصَدَعْتُ بصريح الحقِّ حيثُ مَجْمجَ فيه الشَّارح، فأصلحْتُ مواقعَ طعنٍ جرحَ فيه الجارح، وأشرتُ إلى ما وقعَ فيه للمصنف منَ السَّهوِ والتَّساهل، وما عرضَ له في شرحِه منَ الخطأ للغفْلة أو التَّغافل، وأودعتُه فرائدَ ملتقطةً منْ كتبِ العلماءِ الأقدمين، وفوائدَ مقتبَسةً من تصانيفِ الفضلاءِ المتأخرين، ولطائفَ أبحاثٍ سمحَ بها جواد نظري، وغرائبَ أسرارٍ أبدَعتْها قوةُ فكري، من مخدرات حقائقَ من بدائعِ الزَّمان، وأبكار أفكارٍ لمْ يمسّها قبلي إنسٌ ولا جانّ، مجتنباً عن التطويل المملِّ والإيجازِ المخلِّ، مراعياً لشرائطِ الاقتصارِ، متجافياًعن التعَسفِ والعنادِ، سائلاً منَ اللهِ الوهّاب إلهام الحق والصواب.
ثم جعلته تحفة لحضرة السُّلطان الأعظم، وخدمةً لسدَّةِ الخاقان الأَفخم، مالكِ رقابِ الأُمم، خليفة الرَّحمن، صاحب الزَّمان، مظهراً أسرار {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ}، مظهراً أنوار السُّلطان ظلّ اللهِ في الأرضِ المجاهد في سبيلِ اللهِ بإقامةِ السُّنة والفرض، حامي بلاد أهلِ الإيمانِ ماحي آثار الكفرِ والطُّغيان، الذي سقى روض الجهادِ منْ حوضِ حسامِه، فأخضرَّ بنانُ الغزو بعدما أصفر، فرأى جيل بني أصفر في مرآة سيفهِ الصَّقيل وجهَ الموتِ الأحمرِ وهو السُّلطان الغازي، أبو الفتوح والمغازي، سلطان سليمان شاه بن سلطان سليم خان بن سلطان بايزيد خان بن سلطان محمد خان بن سلطان مرادخان بن سلطان محمد خان بن سلطان بايزيد خان بن سلطان مراد خان بن سلطان أورخان بن سلطان عثمان، أيَّد الله تعالى لواءَ خلافتهِ معقوداً بالسّعود، وربط أطناب خيام دولته بأوتاد الخلود، وهذا دعاء أهل الإسلام قاطبةً في القيامِ والقعود، والرُّكوع والسُّجود.
والآن أوان الشُّروعِ في المقصود، والاستمداد منْ مفيدِ الخيرِ والجود.
فنقول ومن الله التوفيق، وبيده أزمة التحقيق:
[تعريف علم أصول الفقه]
(أصول الفقه) أي هذا أصول الفقه لمَّا أراد تعريفها باعتبار المعنى الإضافي احتاج إلى تعريف المضاف والمضاف إليه فقال:
[تعريف علم الأصول كمركب إضافي]
[أولاً: تعريف الأصل]
(الأَصلُ) يعني في اللغة (ما يُبتنى عليه غيرُه) حسِّياً كان كابتناءِ السَّقفِ على الجدارِ، أو عقلياً كابتناءالحكْمِ على الدَّليل.
(وتعْريفُه) كما وقعَ في المحصول (بالمحتاجِ إليه لا يطَّرد) والتَّعريف بالعام إذا كان لفظياً صحيحٌ إلا أنه قبيح، وكفى ذلك وجهاً للعدولِ والترجيح؛ (لِصدقهِ على الفاعلِ والصورة والغائية)، لم يقلْ والغاية؛ لأنَّ الحاجةَ إلى تصوِّرها لا إلى نفسِها، بخلاف الفاعلِ والصورة، " (والشَّرط) وجودياً كان أو عدمياً (دونَ المحدود)؛ لأنَّ واحداً منها لا يسمى أصلاً.
[ثانياً: تعريف علم الفقه]
(والفقه) يعني في الاصطلاح (معرفَةُ النَّفسِ) أرادَ بالمعرفةِ إدراكُ الجزئيات، والاكتساب عن دليلٍ غير معتبر في مفهومها، ولا يفْهم عند اطلاقها، واعتباره لا يناسب المقام لما ستقفُ عليه بإذنِ الله العلَّام.
(ما لها وما عليها) أرادَ بالأوَّل ما لا كُلفةَ فيه، فيشمل المباح، والمندوب، والمكروه كراهة تنزيه، وبالثَّاني ما فيه كُلفة، فيشملُ الواجب، والحرام، والمكروه كراهة تحريم، فينتظم التعريف جميعَ الأقسام، ولا يحتاج إلى اعتبارِ قيدٍ زائدٍ فيه.
بخلاف ما إذا فسرا بما ينتفع به النفس، ويتضرر به، فإنه -رحمه الله- () لا بد من تقدير قوله في الآخر، ومع ذلك لا ينتظم المباح، إذ ا المفهوم من النفع والضرر الآخر وبين الجزاء بالخير والجزاء بالشر.
وتأويل الضرر بعدم الثواب إدراجاً للمباح في الثاني لا يخلو عن تعسف وكذا تأويل النفع بعدم العقاب إدراجاً له في الأول لا يخلو عنه.
وكذا إذا فسرا بما يجوز لها وما يجب عليها، يبقى بعض الأقسام كالحرام والمكروه كراهة تحريم خارجاً عن التعريف.
وتأويل الجواز بالإمكان العام الشامل للواجب تعسف ظاهر.
(ويزاد عملاً) لإخراج الكلام الباحث عن الاعتقاديات، والتصوف الباحث عن الوجدانيات (وعن دليل) لإخراج معرفة المقلد، ومعرفة الضروريات في الدين لينطبق التعريف على الفقه المصطلح.
وأبو حنيفة رحمه الله لم يزدهما؛ لأنه أراد بالفقه ما يشمل الاعتقاديات والوجدانيات، وقسمي المعاملات.
(وقيل العلم بالأحكام الشرعية) سيأتي تعريف الحكم والشرعي.
وبالأوَّل: خرج التصورات إلا تصور الحكم، فإن خروجه بقوله: من أدلتها، وبالثاني: يخرج العلم بالأحكام العقلية والحسية والوضعية، كالعلم بأنَّ العالمَ حادث، والنَّار محرقة، والفاعلُ مرفوع.
(العملية) خرج به العلم بالأحكام الشرعية النَّظرية، كالعلم بأنَّ الإجماعَ حجة (من أدلتها) خرج به علم الشارع وعلم المقلد؛ لأنه قول [المفتي لا من أدلة الأحكام، والعلم بضروريات الدين] فإنه ليس من الفقه.
ولذلك زاد الإمام في المحصول: التي لا يعلم كونها من الدين ضرورة.
(التفصيلية) خرج به العلم بالوجوب وعدمه للمقتضي والنافي.
وزاد ابن الحاجب قوله: "بالاستدلال" ولا حاجة إليه؛ لأنه المتبادر من حصول العلم من الأدلة حصوله منها بطريق الاستدلال، والحمل على المتبادر واجب في التعريفات.
[تعريف الحكم لغة واصطلاحاً]
(الحكم إسناد أمر إلى آخر) وأما الحكم المصطلح الآتي تفسيره فلا يناسب المقام.
(والشرعي مالا يدرك لولا خطاب الشارع).
والأحكام القياسية ما لا يدرك لولا الخطاب في المقيس عليه (فيدخل في حده) أي في حد الحكم الشرعي (حسن كل عمل وقبحه عند نفاة كونهما عقليين لا في حد الفقه) لعدم صدق العملية عليهما.
[تعريف الحكم الشرعي]
(والحكم الشرعي) هذا القيد على وفق المتعارف بين الأصوليين، ومن وهم أن المعرَّف الحكم المذكور في تعريف الفقه فقد وهم.
(خطاب الله تعالى) خرج بالإضافة إليه تعالى خطاب غيره (المتعلق بأفعال المكلفين) بطل معنى الجمع في الموضعين بنوعي التعريف فدخل في الحدِّ الخواص وخرج ما لا تعلق له بذلك الجنس من الخطاب (بالاقتضاء) أي الطلب جازماً كان أو غير جازم فعلاً كان المطلوب أو تركاً فيشمل ما عدا الإباحة، وزيد لإدخالها (أوالتخيير).
واعلم أن الخطاب المتعلق بأفعال العباد على نحوين:
خطاب من جهة التكليف إثباتاً أو رفعاً.
وخطاب لا من جهته كالخطاب إرشاداً أو تعجيزاً أونحوهما.
والثاني: ليس من جنس الحكم الشرعي.
وللاحتراز عنه قالوا: المتعلق بأفعال المكلفين، ولم يقولوا: بأفعال العباد.
ثم إن الأول على نوعين: إنشائي وإخباري، كالتكاليف الماضية التي أخبر عنها في القرآن لا على وجه التقرير، وهذا الثاني أيضاً ليس بحكم شرعي لانتساخه، وللاحتراز عنه زيد اقتضاء أوتخييراً.
(وزاد البعض أو الوضع؛ إدخالاً للحكم بالسببية والشرطية والمانعية).
ومن لم يزده أنكر كون الخطاب الوضعي حكماً، أوأراد بالاقتضاء والتخيير ما يعمّ الضمني، وما من خطاب وضعي إلا وفيه نوع [ ... ] من الاقتضاء أو التخيير، وتغايرهما مفهوماً لا بدَّ منه في تحقق معنى التضمن.
(والصبي مكلف في الجملة) جواب عن النقض للحدِّ المذكور بعدم صدقه على ما يتعلق بأفعال الصبي من الأحكام الشرعية، كجواز بيعه، وصحة أمانه، وندب صلواته.
وحاصل الجواب: منع عدم صدق الحدِّ عليه، فإن الخطاب التكليفي على ما أشير إليه فيما تقدم على قسمين: إيجابي وغير إيجابي، والمرفوع من الصبي إنما هو القسم الأول، فأفعاله من جملة المكلفين.
(والمراد من الفعل ما يعم فعل القلب) فلا يخرج به الحكم المتعلق بالتصديق عن الحدِّ.
(ومن العملية) أي المراد من العملية المذكورة (في حد الفقه ما يختص بالجوارح) فلا يغني عنها اعتبار التعلق بالفعل العام في مفهوم الحكم الشرعي.
(ومن الأحكام) المذكورة فيه (ما يشمل الاجتهادية، قياسية كانت أو غيرها).
[تعريف الفقيه]
(والفقيه المجتهد) قيد به احترازاً عن الفقيه بمعنى العالم بالفقه، فإن ملكة الاستنباط ليس بشرط فيه، (من له معرفة الأحكام التي ظهرت بنزول الوحي بها) لم يقل التي () ظهر نزول الوحي بها؛ لأنه شامل للأحكام القياسية، ولا وجه له على ما ستقف عليه.
(ولم ينتسخ) لا بد منه؛ لأنَّ معرفة الأحكام المنسوخة ليست بلازمةٍ للفقيه.
(أو انعقاد الإجماع عليها) عطف على نزول الوحي بها.
وإنما لم يقل والتي انعقد الاجماع عليها؛ لأنَّ المفهوم حينئذٍ أن يكون نزول الوحي بها مظهراً لها دون انعقاد الإجماع عليها، ولا وجه لهذا الفرق.
(من أدلتها مع ملكة الاستنباط الصحيح منها) وبهذا التفصيل اندفع ما قيل: المراد من الأحكام المذكورة في تعريف الفقه إما الكلّ، وأما كلّ واحدٍ، إما بعض مطلق، وإما بعض معين بنفسه، وإما بعض معين بالنِّسبة إلى الكلِّ كالنِّصف والأكثر، والكل باطل.
أما الأوّل: فلأنَّ الحوادثَ لا تكاد تتناهى في وقت من أوقات الحاجة إلى الفقه، ولا ضابط لجميع أحكامها؛ فيلزم أن لا يوجد فقيه.
وأما الثاني: فلأن بعض من لا خلاف في فقاهته، قال: لا أدري في بعض المسائل.
وأما الثالث: فلأنه يلزم حينئذٍ أن يكون العالِم بمسألةأو مسألتين فقيهاً، وليس كذلك اصطلاحاً.
وأما الرابع: فلعدم الدلالة () عليه.
وأما الخامس: فلأن الكل مجهول الكمية تحقيقاً وتخميناً، وجهالتها تستلزم جهالة كمية () الكسور المضافة إليه؛ لأنَّ منشأه عدم الفرق بين الفقيه بمعنى العالم بالفقه، والفقيه بمعنى المجتهد.
واعلم أن الفقه المعتبر في المجتهد يختلف باختلاف الأوقات، فالمعتبر () في كل وقت معرفة جميع ما قد ظهر من الأحكام في ذلك الوقت بنزول الوحي به، أو انعقاد الإجماع عليه بشرط كونها مقرونة بملكة استنباط الأحكام الفروعية المحتاجة إلى الاجتهاد من أدلتها، فلا بدَّ فيه من علم المسائل الإجماعية، إلا في زمن الرسول عليه السلام؛ لعدم الإجماع حينئذٍ، لا المسائل الاجتهادية قياسية كانت أو غير قياسية.
وإنما شرط ملكة استنباطها دون علمها لأنه ثمرة الفقاهة.
والمراد من صحة الاستنباط هو أن يكون مقروناً بشرائطه.
وأما جواب ابن الحاجب عن السؤال المذكور: بأن المراد الأول، ولكن معنى العلم بالأحكام التهيؤ لذلك، فمردود بأن البعيد منه حاصل لغير الفقيه، والقريب غيرمحدود، [لا يقال بل محدود].
وحدُّه أن يكون بحيث يعلم بالاجتهاد كل حكم يحتاج إليه، وإرادته من لفظ العلم غير بعيد، لا لأن الخطأ يقع في الاجتهاد؛ لأنه لا ينافي العلم المعتبر في الفقه، ولا لأن في [ ... ] الأحكام ما لا مساغ للاجتهاد فيه؛ لأنَّ الحكم إذا لم يكن ثباتاً بالمفسَّر، أو بالإجماع القطعي يكون فيه مساغ للاجتهاد، دل على ذلك حديث معاذ رضي الله عنه.
بل لأنَّ أبا حنيفة مع كونه عالمَ الفقه وعالمَ الاجتهاد، لم يبلغ ذلك الحدّ، دل عليه قوله: لا أدري ما الدَّهر.
بقي ههنا شيء، وهو أن موجب التعريف المذكور أن لا يكون الغافل عن بعض ما ظهر بنزول الوحي من الأحكام فقيهاً، ولا وجه له؛ لما فيه من القدح في فقاهة كثيرٍ من الصحابة والتابعين.
[العلم بمعنى الإدراك]
(والعلم يطلق على الظن) جواب دخل تقريره أنَّ الفقه ظني () فلمَ أطلق لفظة العلم عليه؟!.
وأما الجواب عنه: بأنَّ الفقه مقطوع به فليس بصواب، لا لأنَّ معظمه ما يحصل بالقياس، لأنَّ مختار المعرّف أنَّه ليس من الفقه بل ثمرته، بل لأنَّ ما يعرفُ بالنَّص والإجماع أيضاً قد يكون ظنياً.
وقد يجاب: بأن ثبوت الحكم قطعي والظن في طريقه، لا يقال هذا، إنما يتمشى على أصل المصوبة، لأنَّ ذلك على تقدير أن يراد بالحكم ما عند الله تعالى.
وأما إذا أريد به الحكم الشرعي المفسر بما لا يُدرك إلا بالشّرع لا () المفسر بخطاب الله تعالى، فلا مانع عن تمشية () الجواب المذكور على أصل المخطئة أيضاً.
(والفقهاء أطلقوه) أي أطلقوا الحكم (على ما ثبت بالخطاب مجازاً) بطريق إطلاق اسم الشيء على الأثر الثابت به (ثم انقلب حقيقة) بغلبة الاستعمال.
(والقياس مظهر للخطاب) يعني أن ما يستند إلى القياس من الأحكام ثبوته بخطاب الله تعالى، والقياس مظْهر لذلك الخطاب، فلا ينتقض به تعريف الفقهاء () للحكم، وإنما قال مظهر للخطاب دون الحكم إذ لا يندفع به وهم الانتقاض.
[مصادر التشريع]
(وأصول الفقه الكتاب والسنة والإجماع) هذه الثلاثة أصول مطلقة، لأنَّ كلَّ واحد منها مثبتٌ للحكم بنفسه، وتوقف الأخير على السند () لا ينافي ذلك.
(والقياس المتفرع عليها) نبه بهذا التوصيف على أن تفرعه على واحد من الأصول السابقة لا ينافي أصالته بالنسبة إلى الفقه (إذ العلة فيه مستنبطة من مواردها) فالحكم الثابت به ثابت في الحقيقة بواحد منها فهو مظهر له لا مثبت.
أما المستنبط من الكتاب، [فكقياس انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين على انتقاضه بالخارج منهما الثابت] بقوله تعالى {أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ}.
وأما حرمة اللواطة فثابتة بالكتاب؛ لأنها من شرائع من قبلنا، وقد قصَّت من غير نكير.
وأما المستنبط من السنة، فكقياس حرمة الربا في الجِصِّ على حرمة الربا في الحنطة الثابتة بقوله عليه السلام الحنطة بالحنطة الحديث.
وأما المستنبط من الإجماع فكقياس حرمة وطء أم المزنية على حرمة وطئ أم أم أمته التي وطئها، الثابتة بالإجماع لا بالنص؛ لأنه ورد في أمهات النساء بلا شرط الوطئ.
[تعريف أصول الفقه بالمعنى اللَّقبي]
ولما فرغ عن تعريف أصول الفقه باعتبار معناه التركيبي، شرع في تعريفه باعتبار معناه اللقبي، فقال:
(وعلم أصول الفقه) إنما زاد لفظ العلم [إذ لم يعلم] () أن الملقب به علم بمعنى الإدراك.
(العلم بالقواعد) أي القضايا الكلية الإجمالية (التي يتوصل بها إليه) خرج بهذا القيد علم الخلاف؛ لأنَّ التوصل القريب بقواعده إلى محافظة الحكم () المستنبط أو مدافعته لا إلى استنباطه.
وأيضاً سببيتها بالذات إنما هي بالقياس إلى واحد منها، فلا حاجة للاحتراز عنه إلى قوله: على وجه التحقيق.
كما لا حاجة للاحتراز عن المتبادر للغوية والكلامية بقوله: توصلاً قريباً، لأنَّ المتبادر من التوصل عند الإطلاق ما هو القريب، ومن حرف الباء السببية بالذات ().
والمراد من القضايا () المذكورة ما يكون كبرى الدليل الاقتراني الذي يستدل بها على مسائل الفقه، كقولنا: في إثبات حكم لأنه حكم دل على ثبوته القياس الصحيح، وكل حكم دل على ثبوته القياس الصحيح فهو ثابت.
والملازمات الكلية في الدليل الاستثنائي، كقولنا: لأنه كلما دل القياس الصحيح على ثبوت هذا الحكم [يكون هذا الحكم ثابتاً، لكن القياس الصحيح دل على ثبوت هذا الحكم].
وقد لا تكون هذه الكلية بعينها مذكورة في أصول الفقه، بل تكون مندرجة في كلية هي مذكورة فيها، كقولنا: كما دل القياس على الوجوب في صورة يثبت الوجوب فيها، فإنَّ هذه الكلية مندرجة تحت الكلية القائلة كلّ ما دلّ القياس على ثبوت حكم هذا شأنه، يثبت ذلك الحكم، والوجوبُ من جزئيات ذلك، فكأنه قيل: كلّما دلّ القياس على الوجوب [ثبت الوجوب]، وكلما دل القياس على الجواز ثبت الجواز.
فالكلية () التي هي معظم مقدمتي الدَّليل يكون من مسائل أصول الفقهِ بطريق التَّضمن.
بقي ههنا شيء، وهو أنَّ للفقهاء قضايا كلية يستدلون بها على مسائل الفقه، وليست معدودة من أصول الفقه، كالتي ذكرها صاحب الهداية في باب السَّلَم بقوله: الأصل أنَّ من خرج كلامه تعنتاً، فالقول قول صاحبه بالاتفاق، وإن خرجَ خصومةً ووقع الاتفاق على عقدٍ واحدٍ فالقول لمدعي الصحة عنده، وعندهما للمنكر وإن أنكر الصحة، وليس في البيان السابق ما يخرج به مثل هذه الكلية.
واعلم أنَّ الحكم إنما يثبتُ بدليلٍ شرعي إذا كان مشتملاً على شرائط تذكر في موضعها بإذن الله تعالى، ولا يكون منسوخاً ولا معارَضاً براحجٍ أو مساوٍ، ولا مخالفاً للإجماع.
فالقضية التي تجعل كبرى أو ملازمة إنما تصدقُ كلية إذا اشتملت على هذه القيود، فالعلم بالمباحث المتعلقة بهذه القيود يتضمنه العلم بالقضية الكلية التي هي معظم مقدمتي الدليل على مسائل الفقه، فالمباحث المذكورة أيضاً من مسائل أصول الفقه.
ثمَّ اعلم أن التوصل المذكور يختص بالمجتهد؛ لأنَّ [المقلد لا] يتوصل إلى الفقه بقواعد الأصول، إنما توصلهإليه بالاستفتاء والتقليد، وهما ليسا من أدلة الأحكام الفقهية.
ولهذا لم يذكر مباحثهما في كتبنا، ومن أوردهما ما في كتب الأصول فقد صرح بأنه من جهة كونه في مقابلة الاجتهاد، و [لا من جهة] تعميم التوصل للمقلّد بصرفه عن الفقه إلى مسائلة، وتوسيع دائرة الأصول حتى تشمل كبرى دليل المقلد أيضاً.
هذا الذي ذكرنا إنما هو بالنّظر إلى الدَّليل.
أما بالنّظر إلى المدلول، فالقضية المذكورة إنما يمكن إثباتها كلِّية إذا عرف أنواع الحكم، وأنَّ أي نوعٍ من الأحكامِ يثبت بأي نوعٍ من الأدلةِ لخصوصية في الحكم، ككون هذا الشيء علّة لذلك، وأنَّ هذا الحكم لا يمكن إثباته بالقياس.
وأما المباحث المتعلقة بالمحكوم به - وهو فعل المكلَّف، ككونه عبادة أو عقوبة أو نحو ذلك، فمما يندرج في كلية تلك القضية؛ لأنَّ الأحكامَ تختلف باختلافِ أفعال المكلَّفين- فإنَّ العقوبات لا يمكن إثباتها بالقياس، وكذا المباحث المتعلقة بالمحكوم عليه، وهو المكلَّف.
ومعرفة الأهلية [والعوارض التي تعرض على الأهلية] ككونها سماوية ومكتسبة مندرجة تحت تلك القضية الكلِّية أيضاً؛ لاختلاف الأحكام باختلافِ المحكوم عليه، وبوجود العوارض وعدمها، فتركيب الدَّليل على إثبات مسائل الفقه بطريق الاقتراني هكذا:
هذا الحكمُ ثابت؛ لأنَّه حكم هذا شأنه متعلق بفعل هذا شأنه، وهذا الفعل صادر عن مكلَّف هذا شأنه، وليس فيه من العوارض ما يمنع ثبوت هذا الحكم، وقد دل على ثبوت هذا الحكم قياس هذا شأنه، هذا هو الصغرى.
وأما الكبرى فقولنا: وكل حكم موصوف بالصفات المذكورة يدلّ على ثبوت القياس الموصوف بالصفات المذكورة، فهو ثابت، وهذه القضية الكلية من مسائل أصول الفقه.
وبطريق الاستثنائي هكذا:
كلما وجد قياس موصوف بهذه الصفات دالّ على حكم موصوف بهذه الصفات يثبت ذلك الحكم، لكنه وجد لقياس الموصوف إلى آخره.
فعلم أنَّ جميع المباحث المتقدمة مندرجة تحت تلك القضية الكلِّية المذكورة التي هي معظم مقدمتي الدَّليل على مسائل الفقه، وهذا معنى التوصل القريب المذكور.
وإذا علم أن جميع مسائل الأصول راجعة إلى قولنا:
كلّ حكم كذا يدل على ثبوته دليل كذا، فهو ثابت.
أو كلما وجد دليل كذا دال على حكم كذا يثبت ذلك الحكم، على أنه يبحث في هذا العلم عن أحوال الأدلة الشرعية، والأحكام الكلة من حيث أنّ الأولى مثبتة للثانية، والثانية ثابتة بالأولى.
والمباحث التي ترجع إلى ذلك بعضها متعلقة بالأدلة، وبعضها بالأحكام.
فموضوع هذا العلم الأدلة من حيث إثباتها للأحكام.
والأحكام من حيث ثبوتها بها، وجميع محمولات مسائله، هو الإثبات والثبوت، وما له نفع ودخل في ذلك.
(فيبحث فيه عن أحوال الأدلة المذكورة وما يتعلق بها) تفريع على ما تقدَّم؛ أي إذا كان علم الفقه معرفة الأحكام عن الأدلة، وعلم الأصول العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى تلك المعرفة، يجب أن يبحث في علم الأصول عن أحوال تلك الأدلة والأحكام ومتعلقاتهما.
والمراد بالأحوال العوارض الذاتية، وما يتعلق بها، عطف على الأدلة، والمراد منه الأدلة المختلفة فيها كالاستحسان وأدلة المقلد والمستفتى، وما له مدخل في كون الأدلة الأربعة مثبتة للحكم، كالبحث عن الاجتهاد ونحوه.
واعلم أنَّ الأعراض الذاتية للأدلة ثلاثة أقسام:
الأول: ما يكون مبحوثاً عنه، وهو كونها مثبتة للأحكام، وهذا القسم يقع محمولات في القضايا التي هي مسائل هذا العلم.
والثاني: ما ليس مبحوثاً، عنه لكن له مدخل في عروض ما يبحث عنه ككونها عامة أو مشتركة أو خبر واحد وأمثال ذلك، وهذا القسم يقع أوصافاً وقيوداً لموضوع تلك القضايا، كقولنا الخبر الواحد يوجب غلبة الظن بالحكم، [وقد يقع موضوعاً لتلك القضايا كقولنا، العام يوجب الحكم قطعاً]، وقد يقع محمولاً فيها نحو، النكرة في موضع النفي عامة.
والثالث: ما ليس كذلك ولا يبحث عنه في هذا العلم.
(ويلحق به) أي بالبحث المذكور (البحث عن أحوال الأحكام) التعريف للعهد (وما يتعلق بها) وهو الحاكم، والمحكوم به، والمحكوم عليه.
وإنما قال: ويلحق به، مع أنَّ الأحكام أيضاً داخل في موضوع هذا العلم في المختار على ما نبهت عليه فيما تقدم تنبيهاً على أنَّ حق مباحثها لقلتها، وأصالة الأدلة أنْ يذكر بعد مباحث الأدلة التي هي معظم مسائل هذا العلم.
والأعراض الذاتية للحكم أيضاً ثلاثة أقسام:
الأول: ما يكون مبحوثاً عنه وهو كون الحكم ثابتاً بالأدلة المذكورة، وهذا القسم يقع محمولا في القضايا التي هي مسائل هذا العلم.
والثاني: ما ليس مبحوثاً عنه ولكن له مدخل في عروض ما يبحث عنه ككونه متعلقاً بفعل البالغ أو بفعل الصبي ونحوه، وهذا القسم يقع أوصافاً وقيوداً لموضوع القضايا.
وقد يقع موضوعاً، وقد يقع محمولاً، كقولنا الحكم المتعلق بالعبادة يثبت بخبر الواحد، ونحو العقوبة لا يثبت بالقياس، ونحو زكاة الصبي عبادة.
والثالث: ما لا يكون كذلك، فلا يبحث عنه في هذا العلم.
واعلم أنَّ معنى ثبوت الحكم بالدَّليل قطعياً كان أو ظنياً ثبوت العلم بالأوّل، بالعلم بالثاني، لا ثبوت نفس الأوّل بالثاني، وذلك المعنى لا يتفاوت بقِدم الحكمِ وحدوثه، وهذا ظاهر عند من له أدنى تمييز.
[في تقسيم الكتاب]
(فنضع) تفريع على قوله: فيبحث عن كذا وكذا (الكتاب) أي مقاصده (على قِسمين) وما تقدم من المباحث خارجٌ عنهما، مع دخوله في الكتاب لعدم كونه من المقاصد.
(القِسم الأوَّل في الأَدلةِ الشَّرعية)
(وهو على أربعةِ أركان:
الرُّكن الأوَّل في الكتاب
وهو المقروء)، لم يقل وهو القرآن؛ لأنَّ المتبادر منه هو مجموع المنقول، والمعرَّف إنما هو الكتاب الذي هو أحد الأدلة، وهو اسم للمشترك بين الكلّ، وكلّ بعض هو دليل حكم (المنقول إلينا) احترز به عن منسوخ التلاوة سواء نسخ حكمه أيضاً أم لا (بين دفتي المصاحف) أراد بالمصحف ما هو المعهود.
واحترز به عن سائر الكتبِ والأحاديث، إلهية كانت أو نبوية.
(تواتراً) احترز به عن القراءات الشاذة والمشهورة.
وقد ردَّ ابن الحاجب تعريف القرآن بما ذكر بلزوم الدَّور، غافلاً عن أنَّ التعريف في المصاحف للعهد دون الجنس، وعرفه بالكلام المنزل للإعجاز بسورة منه.
واعترضَ عليه: بأنَّ المحذور المذكور مشترك اللّزوم؛ لتوقفِ معرفةِ السُّورة على معرفة القرآن.
وأجيبَ: بمنع التوقف؛ لأنَّ السُّورة عبارةٌ عن البعض المترجمِ أوله وآخره، توقيفاً من الكلام المنزل، ولا اختصاص لها بالقرآن.
(ونورد أبحاثه) أي أبحاث الكتاب ويشاركه فيها السّنة، فالإضافة إليه ليست للتخصيص بل للتشريف (في بابين الأول: في إفادة المعنى) وهذا لأنَّ إفادته الحكم الشرعي موقوفة عليها.
(والثاني: في إفادته الحكم الشرعي) كالوجوب والحرمة المفادين بالأمر والنهي.
الباب الأول
في إفادة اللفظ المعنى
وفيه أربعة تقسيمات:
- التقسيم الأول: باعتبار وضع اللفظ للمعنى.
- التقسيم الثاني: باعتبار استعمال اللفظ في المعنى الموضوع له وغيره.
- التقسيم الثالث: باعتبار ظهور المعنى وخفائه ومراتبهما
- التقسيم الرابع: باعتبار دِلالة اللفظ على المعنى.
(الباب الأول)
[في إفادة اللفظ المعنى]
(لما كان دليلُ الحكمِ من القرآن والحديث نظْماً دالاً على المعنى، قسَّم الدَّال بالنسبة إلى المدلول أربعِ تقسيمات).
إنما قال نظماً دالاً، دون لفظاً دالاً؛ لأنَّ دائرةَ دلالة الأوّل أوسع؛ لاشتمالها على الدَّلالة بخصوصية في الكلام، لا به ولا بأجزائه دون دائرة دلالة الثاني.
والحكم الشرعي قد ينوط بها، ككون الأب عصبة مع الأم المستفاد من قوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ}، فإنَّ قصْرَ بيان الفرض على الأم، قد دلَّ على أنَّ قرينها عصبة، وذلك هيئة الكلام، وسنفرغ لتحقيق هذا بإذن الملك العلَّام.
ومشايخنا إنما قالوا: إنَّ القرآنَ هو النَّظمُ والمعنى دون اللفظ والمعنى؛ لأنَّ في النَّظم خصوصية زائدة على اللفظ معتبرة في القرآنية.
وقد أفصح عن هذا الإمام الرَّاغب حيث قال في أوّل تفسيره: "بالنَّظم المخصوص صار القرآن قرآناً، كما أنَّ بالنَّظم المخصوص صار الشِّعر شعراً، والخطبة خطبة، فالنَّظم صورة، واللفظ والمعنى عنصره، وباختلاف الصور يختلف حكمُ الشيءِ واسمه، لا بعنصره، كالخاتم والقرط والخلخال، اختلف أحكامها وأسماؤها باختلاف صورها، لا بعنصرِها الذي هو الذهب أو الفضة".
ما روي عن أبي حنيفة رحمه الله أنَّه رخَّص في ترك النَّظم رخصةَ ترفيه في حق جواز الصلاة، فليس مبناه على عدم اعتبار النَّظم في القرآن، وإلا لما خصَّ الرّخصة المذكورة بجواز الصلاة، على أنه قد صحَّ رجوعه عن القول المذكور.
[في تقسيم اللفظ بالنسبة للمعنى]
(باعتبار الوضع للمعنى) سواء كان شخصياً كوضعِ جوهر اللفظ، أو نوعياً كوضعِ صيغته، وهذا هو التقسيم الأوَّل.
(ثم باعتبار الاستعمال) في الموضوعِ له وغيره، سواء كان المستعملُ نفس اللَّفظ أوصيغته، وهذا هو التقسيم الثاني.
(ثم باعتبار ظهور المعنى) حقيقياً أو مجازياً (وخفائه ومراتبهما) وإنما جعله ثالثاً لأنَّ منشأ الظهور والخفاء قد يكون كثرة الاستعمال وقلته.
(ثم باعتبار الدِّلالة) سواء كان الدَّال نفس الكلمة، أو صيغتها، أو هيئة الكلام، وإنما أخر هذا التقسيم؛ لأنَّ علمنا بذلك الاعتبار بعد ظهورِ المعنى وخفائِه عندنا.
التقسيم الأول
في تقسيم اللفظ بالنسبة للمعنى
باعتبار الوضع
(التقسيم الأول: [باعتبار] الوضع)
سواء كان لنفس اللفظ أو صيغته (أن تعدَّدَ فمشتَرك) كالعين وضعَ للباصرة، وللشمس، وللذهب (وإلا فمختص) إلا أنَّه لم يجعل مبحثاً لعدم تعلق الغرض به.
(وأيَّا ما كان إن وضعَ للواحد) سواء كان باعتبار الشَّخص كزيدٍ، أو باعتبارِ النَّوع كرجل وفرس (أو للمحصور كالعدد والتثنية، فخاصّ، وإن وضعَ لغير المحصور فعامٌّ إن استغرقَ جميع ما يصلح له) هذا على وفق اختيار المحققين.
فالعامُّ: لفظٌ وضعَ لكثيرٍ غير محصور، مستغرق لجميع ما يصلح له بوضعٍ واحد.
فالمعتبر في حدِّه أن يكون موضوعاً للكثير المذكور بوضع واحد، لا أن يكون وضعه واحداً، وإلا لما اجتمع العمومُ مع الاشتراك.
فالمشترك من حيثُ إنَّه مشتركٌ خروجه من الحدِّ بقوله: لكثير غير محصور، لا بقوله: بوضع واحد، كما توهم، وبه يخرج أيضاً مثل زيد ورجل.
وبقيد عدم الحصر أسماء العدد.
وبقيد الاستغراق الجمع المنكر ونحوه.
(وإلا فجمعٌ مُنكّر ونحوه) كالجماعة في قولنا: رأيت جماعة من الرجال، وهذا على رأي من ينكر الاستغراق في المنكر ونحوه.
وإنما لم يذكر المؤول؛ لأنه في اصطلاحهم ينتظم أحد قسْميّ الخفي والمشكل والمشترك والمجمل، على ما أفصح عنه صاحب الميزان، فلا يصلح قسيماً للمشترك، وأيضاً لا وجه لأن يذكر بعضه ههنا، ويجعل قسماً على حدة، ويترك الباقي بالكلية، بل حقه أن يجعل بتمامه قسماً مستقلاً، ويذكر مع قسيمه، وهو المفسر في التقسيم الثالث.
وأيضا، ههنا تقسيم آخر أراد أن يذكره، إذ لا بدَّ من معرفة أقسامه أيضاً.
(الاسم الظاهر) أراد به ما يقابل المبهم المنتظم للمضمر، واسم الاشارة والموصول (إن كان معناه عين ما وضع له المشتق منه) يعني مادته (مع وزْن المشتق) إليه بتقديم الأوَّل، وجعل الثَّاني ضميمة على الأصالة في مدلول الأوَّل.
وبذلك يفارق الصفة اسم الآلة ونحوه (فصفة، وإلا فإن أشير إلى تعينه) أي تعين معناه (بجَوهرِ اللَّفظ) لم يقل: إن تشخص معناه؛ لأنَّ ذلك لا يكفي في العَلَمية بل لا بدَّ معه من الإشارة إليه، ومن كونها بجوهر اللَّفظ (فعَلَم) شخصيّ إن كان المشار إليه شخصاً، كزيد، وجنسيّ إن كان جنساً، كأسامة.
(وإلا فاسم جنسٍ وهما) أي العلَم واسم الجنس (إمَّا مشتقان) كحاتم ومقبل (أو لا) كزيد ورجل.
(ثمَّ كلٌّ من الصفةِ واسم الجنسِ إن أُريدَ به المسمَّى) وهو الماهية المقيدة بالوَحدة الشَّائعة (بلا قيد زائدٍ على المسمَّى فمطلق) فهو من أقسام الخاصّ؛ لأنَّ وضعه للواحد النوعيّ (أو معه فمقيَّد، أو أشخاصه كلّها فعامٌّ، أو بعضها معيناً فمعهود، أو منكراً فنكِرة).
لمّا كان الخارجُ من التقسيمِ أحد نوعيّ النكرة، وهو ما استعملَ في الفردِ دونَ نفسِ المسمَّى، وكذا الحال في المعرفة، أوردَ تعريفهما الشَّامل للنوعين (وهي ما وضعَ ليستعملَ في شيءٍ لا بعينه، والمعرفة ما وضعَ ليستعملَ في شيءٍ بعينه) فالمعتبر في التعيين وعدمه أن يكونَ ذلك بحسب دلالة اللَّفظ، ولا عبرة بحالة الاطلاق دون الوضع، ولا بما عند السَّامع دونَ المتكلم؛ لأنَّه إذا قال: جاءني رجلٌ، يمكن أن يكون الرَّجل معيناً عند السَّامع أيضاً، إلا أنَّه ليس بحسب دلالة اللَّفظ.
(فصل)
[في حكم الخاص]
(الخاصُّ من حيثُ هو خاصٌّ) أي مع قطع النَّظر عن العوارض المانعة إيَّاه أو المعينة له، كالقرينة الصَّارفة عن إرادة [الحقيقة، والقرينة المانعة عن إرادة] المجاز (يُوجب العلمَ بمدلوله) لم يقل يُوجب الحكم؛ لأنَّ الموجِبَ له هو نفس الكلام، لا جزؤه قطعاً، أراد القطع بالمعنى العام المعتبر فيه انقطاع الاحتمال الناشىء عن الدَّليل، لا القطع بالمعنى الخاص المعتبر فيه انقطاع الاحتمال مطلقاً.
1 - (ففي قوله تعالى: {ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ}، لا يُحمل القروء) المشترك بين الطُّهر والحيض (على الطُّهر) كما قاله الشافعيّ، بل يُحمل على الحيض، كما قاله أبو حنيفةَ رحمه الله.
(وإلا يكون الواجب) يعنى في العدَّة (طهرين وبعضاً إن احتسب الطهر الذي طلَّق فيه) فيبطل مُوجب الخاصّ، وهو أي الثلاثة بنقصانِ مدلوله.
ولمَّا استشعر أن يمنع الملازمة المذكورة، بناء على أنَّ الطهر اسمُ جنسٍ يطلق على القليل والكثير، تدارك بيانها بقوله:
(وبعضُ الطُّهر ليس بطهرٍ، ٍوإلا كان الثالث كذلك) يعني أنَّ المراد من الطُّهر ههنا مجموعُ ما بين الدَّمين، لا ما ذكر، وإلا يلزم تمام العدَّة بانقضاء جزء ساعة من الثالث، واللازم باطل بالإجماع (أو ثلاثة وبعضاً إن لم يحتسب) فيبطل موجب الخاص المذكور بالزيادة على مدلوله.
(وتلك الزيادةُ عند الحمْل على الحيض تثبتُ ضرورةً) جواب عن المعارضة من طَرف المخالف، تقريرها:
أنَّه لو حُمل القرءُ على الحيض يلزم أحد الأمرين المذكورين أيضاً لما ذكر بعينه.
وحاصل الجواب: أنَّ اللازم الثاني ليس بمحذور حينئذٍ؛ لأنَّ لزومَ الزيادة ثمة بطريق الضرورة، لا بطريق الإرادة من اللَّفظ حتى يلزم بطلان موجِبه.
بخلاف ما إذا كان اللَّازم ثلاثة أطهار والبعض، إذ لا ضرورة حينئذٍ، لأنَّ الطّهر يقبل التجزئة، بخلاف الحيض، فيتعين فيه الإرادة من اللَّفظ.
2 - (وقوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا}) أي بعد المرتين سواء كانتا على مالٍ، أو بدونه، فدَّل على مشروعية الطلاق بعد الخُلع، عملاً بموجب الفاء، على ما بينه المصنِّف بقوله:
(الفاء لفظٌ خاصٌّ للتعقيبِ فموجَبه) ههنا (تعقيب الطلاق الافتداء، فيقع الطلاق بعد الخُلع) كما هو مذهبنا.
(وإلا) أي وإن لم يقع الطلاقُ بعد الخلع، كما هو مذهب الشَّافعي، حيث لم يجعل الخلعَ طلاقاً، بل فسخاً (يُبطلُ موجَب الخاصّ).
وأمَّا أنَّ الخلعَ طلاقٌ، فليس من فروعِ العملِ بالخاصّ، بل من فروعِ أنَّ الزّيادةَ على النَّص نسخٌ، فالمصنف أصاب في عدم التعرض له ههنا.
3 - (وقوله تعالى: {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم}، الباء لفظٌ خاصٌّ يوجبُ الإلصاق) يعني أنَّه حقيقة فيه مجازٌ في غيره، ترجيحاً للمجاز على الاشتراك (فلا ينفك الابتغاء، وهو الطَّلب بالعقد) أي بالنكاح، أو بالبيع لا بالإجارة والمتعة، لقوله تعالى: {غَيْرَ مُسَافِحِينَ}.
(الصحيح) لا بدَّ من هذا القيد إذ لا يَجبُ المهرُ، ولا الثَّمن بنفسِ العقد الفاسد بالإجماع (عن المال أصلاً، فيجبُ المهر بنفسِ العقد، خلافاً للشَّافعي) خلافه في المفوِّضة التي نُكحتْ بلا مهر، أو على أنَّ لا مهر لها، فإنَّه لا يجب المهرُ لها عنده إذا مات أحدهما، وعندنا يجب مهرُ المثلِ إذا دخل بها أو مات أحدُهما.
4 - (وقوله تعالى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ}، خصَّ فَرضُ المهر، أي: تقديره بالشَّرع) والتقدير لمنعِ الزِّيادة، أو لمنع النقصان.
والأول: منتفٍ؛ [لأنَّ الأعلى غير مقدَّر في المهر بالإجماع] (فيكون أدناه مقدراً) وقد بينه النَّبي عليه السَّلام بقوله: ((لا مهرَ أقلّ من عشرةِ دراهم)).
(خلافاً له) قال الشافعي: كلّ ما يصلحُ ثمناً يصلحُ مهراً.
وفيه أنَّ مبنى الاحتجاج على أنَّ الفْرضَ بمعنى التقدير المخالف فيه وراء المنع، ويساعده تصريحُ الأئمةِ: بأنَّه حقيقةٌ في القطع لغةً، وفي الإيجاب شرعاً.
وقد أورد فخر الإسلام ههنا مسائل من باب الزيادة على النَّص، والمصنف ردَّ بعضها إلى موضعه، وترك المسألتين مخافة التطويل.
(فصل: حكم العام)
(التوقف عندَ البعض) وهم عامَّة الأشاعرة (حتى يقومَ الدَّليلُ للعموم أو الخصوص؛ لأنَّه مجملٌ؛ لاختلاف أعداد الجمعِ من غيرِ أولوية للبعض).
فإنَّ جمعَ القلةِ يصحُّ أن يرادَ به كلّ عددٍ من الثلاثة إلى العشرة.
وجمع الكثرة يصحُّ أن يرادَ به كلّ عدد فوق التسعة.
ولما استشعر أن يقال: إنه للاستغراق، فللكل أولوية، تدارك دَفعَه بقوله:
(وإنَّه يؤكَّد) أي يحتاج إلى التأكيد، وأراد به تقرير المعنى المراد، لا ما يقابل التأسيس؛ لأنَّه لا يناسب المقام، كيف وفيه دلالة على خِلاف المراد (بكل وأجمع، ولو كان مستغرقاً لما احتاج إلى ذلك).
ولقائل أن يقول: فحينئذٍ يترجح القدر المشترك- وهو البعض لا بعينه-، لتعينه على التقادير كلِّها.
وأيضاً الثابت صحة التأكيد بما ذكر.
وأما الحاجة إليه فغير مسلَّمة.
(ولأنَّه يُذكرُ الجمعُ) أراد به ما يعمّ اسم الجمع (ويرادُ به الواحد) لم يتعرض لتعيين أنَّه بطريق الاشتراك؛ لعدم الحاجةِ إليه في تمام التقريب؛ ولأنَّه حينئذٍ يكون بين وجهيِّ الاحتجاج تدافعٌ ظاهر (كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ}) المراد من "النَّاس" الأوّل نُعيم بن مسعود رضي الله عنه، أو أعرابي آخر.
وللمخالف أن يقول: إنه من قبيل نسبة ما صدر عن البعض إلى الكلّ، كما في {فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ}.
(وعند البعض ثبوت الأدنى، وهو الواحد في اسم الجنس) لم يقل: في غير الجمع؛ [لشموله التثنية (والثلاثة في الجمع)] لأنَّه المتيقن، فيتوقف فيما وراء ذلك، فإنَّه إذا قال لفلان: عليَّ دراهم، يجب ثلاثة باتفاق بيننا وبينهم.
لكنَّا نقول ذلك؛ لأنَّ العموم غير ممكن فيثبتُ أخصّ الخصوص، وللمخالف أن يمنعَ التيقن؛ لما مرَّ من صحة إطلاق الجمع على الواحد.
[الخلاف في نوع دلالة العام على أفراده]
(وعند مشايخ سمرقند) من أصحابنا (والشافعي ثبوت الحكم في الكلِّ ظناً).
لم يقل: يُوجب الحكْم في الكلِّ؛ لأنَّه يَحتمل الثبوتَ قطعاً، وهو مذهب مشايخ العراق، وعامَّة المتأخرين (إلا إذا استحال عادةً، فيتوقف عندهم خلافاً له).
ففي جاءني القوم، حُكْمهُ التوقف عند مشايخ سمرقند، إلى أن يتبينَ المرادُ ببيانٍ ظاهرٍ، بمنزلة المُجمَل.
وعند الشافعيِّ: العملُ بقدرِ الإمكان (لأنَّ العموم معنىً مقصود، فلا بدَّ من وضع لفظٍ له) لأنَّ المعاني المقصودة في التخاطب قد وضعَ الألفاظ لها.
وللمخالف أن يمنع الأطراد، فإنَّ كثيراً من المعاني اكتفي فيها بالمجاز، والاشتراك المعنوي، على أنَّ اللغةَ إنما تثبت توقيفاً ونقلاً لا عقلاً.
[أدلة الاحتجاج بالعام]
(وقد شاعَ الاحتجاجُ بالعمومات) من غير نكيرٍ، فكان إجماعاً سكوتياً.
(منها أنَّ علياً رضي الله عنه قال في الجمع بين الأختين وطئاً بملك يمين: أحلتهما) أي الأختين [ ... ] المجموعتين في الوطىء (آيةٌ: وهي قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ})، فإنه يدلُّ على حلِّ وطىء كلِّ أمة مملوكةٍ مجتمعة كانت مع أختها في الوطىء أو لا.
(وحرمتهما آية، وهي قوله تعالى: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ}) فإنَّه عطفٌ على المحرماتِ نكاحاً، فثبت به حرمةُ الجمع بينهما وطئاً بملك اليمين بطريقِ الدِّلالة.
وأمَّا بيان قيام التعارض بين النَّصين، ورُجحان المحرّم فخارجٌ عن مبحثنا هذا.
(ومنها أنَّ ابنَ مسعودٍ -رضي الله عنه- جعل قوله تعالى: {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} قاصراً) لم يقل ناسخاً؛ لاحتمال التخصيص (لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ}، حتى جعل عدّة حامل توفي عنها زوجها بوضع الحمل) وذلك أنَّ قوله تعالى: يَتَرَبَّصْنَ}، يدلُّ على أنَّ عدة [المتوفى عنها زوجها بالأشهر، سواء كانت حاملاً أو لا، وقوله تعالى وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ} يدل على أنَّ] عدةَ الحامل بوضع الحمل سواء توفي عنها زوجها، أو طلقها، فجعل قوله تعالى: {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ} قاصراً؛ لقوله تعالى: {(َتَرَبَّصْنَ}، في مقدارِ ما تناوله الآيتان، وهو ما إذا تُوفي عنها زوجُها وهي حامل.
(وذلك) أي النصوص الأربعة المذكورة في الاحتجاجين المذكورين (عام كلُّه).
(لكن عند الشَّافعي هو) أي جنس العام (دليلٌ فيه شبهة، فيجوز تخصيصهُ مطلقاً) يعني سواء أكان من الكتاب، أو من الحديث المشهور (بخبر الواحد، والقياس، لشيوع احتمال التخصيص في كلِّ عام).
(وعندنا هو قطعي مساوٍ للخاص)، أراد القطعي بالمعنى العام، وقد مرَّ بيانه (فلا يجوز تخصيصه بواحد منهما ما لم يُخصّ مرَّة بقطعي؛ لأنَّ اللَّفظ إذا وضع لمعنى كان ذلك المعنى لازماً ثابتاً بذلك اللَّفظ عند إطلاقه، إلا أن يوجد الدَّليلُ على خلافه) عقلياً كان أو نقلياً، والعموم مما وضع له اللَّفظ، فكان لازماً قطعياً، ما لم يوجد دليل الخصوص.
(إذ لو جاز إرادة البعض بلا دليل لارتفع الأمانُ عن اللّغة)، أيَّ لغةٍ كانت (والشرع) لم يقل: بالكلِّية، لعدم المساعدة له في التعليل؛ (لأنَّ أكثرَ خطاباته عامَّة، والاحتمال الغير الناشىء عن دليل) وإن كان غالباً (لا يعتبر) يعني في صَرفِ العامِّ عن مدلوله.
جواب عن تمسك المخالف القائل: بأنَّ العامَّ ظنيٌّ في مدلوله؛ لشيوع احتمال التخصيص فيه.
وتقريره: أنَّ احتمال التخصيص [مطلقاً لشيوعه لا ينافى كون العامِّ قطعياً بالمعنى المراد ههنا، واحتمالُ التخصيص] المورِث لشبهة شيوعه في العام بلا قرينة ممنوع، فإنَّ المخصِّص إذا كان هو العقل فهو لا يورث الشبهة؛ لأنَّه في حكم الاستثناء على ما يأتي.
وأن كان الكلام، فإن كان متراخياً فهو ناسخٌ لا مخصصٌ مورثٌ للشبهةِ، فبقي الكلام الموصول، وقليل ما هو.
(فاحتمالُ الخصوصِ ههنا، كاحتمالِ المجازِ في الخاصّ)، فكما أنَّ احتمال المجاز لا ينافي كون الخاصّ قطعياً في مدلوله، كذلك احتمال الخصوص لاينافي كون العام قطعياً في مدلوله، فثبت المساواة بينهما في الحكم المذكور.
(ولا عبرة للتعدُّد في احتمال المجاز) جواب دخل مقدر، تقريره:
احتمال المجاز مشترك، وفي العام احتمال آخر، وهو احتمال التخصيص، فالخاص راجح.
وتقرير الجواب:
لما كان العام موضوعاً للكلِّ، كان إرادة البعض خاصةً مجازاً، وكثرة احتمالات المجاز لا اعتبار لها، فإنَّ الخاصّ الذي له معنى مجازيّ واحد، يساويه الخاصُّ الذي له معنيان مجازيان أو أكثر في الدلالة على المعنى الحقيقي عند عدم قرينة المجاز (والتأكيد يسدّ () بابَ الاحتمالِ) أي لا يَبقى بعده احتمال الخصوصِ أصلاً، لا ناشئ عن دليل، ولا غيره.
جواب عن تمسك مخالف آخر، وهو القائل بالتوقف؛ ولذلك لم يصدّره بأداة التفريع، وتقريره ظاهر، ولا وجه لجعله جواباً عن تمسك المخالف الأوّل كما لا يخفى.
(وإذا ثبت هذا) أي كون العام قطعياً، كالخاص (فإذا تعارض الخاص والعام) سواء كانا من الكتاب أو من السُّنة، أو كان أحدُهما من الكتاب والآخر من السُّنة، بشرط أن لا يكون من أخبارِ الآحاد؛ لأنَّها بمعزلٍ عن معارضة الكتاب.
(فإن لم يُعلم التاريخ حُملَ على المقارنة) مع أنَّ في الواقع أحدهما منسوخ، أو مخصَّص بالآخر، لكن اشتباه الحال اقتضى ذلك، كيلا يلزم الترجيح بلا مرجّح (فيثبت حكم التعارض في قدر ما تناولاه).
وأمَّا القدر الذي تفرد العام بتناوله، فحكمه ثابتٌ بلا معارض.
(وإن عُلم، فإن كان العامُّ متأخراً يَنسخ الخاص).
(وإن كان الخاصُّ متأخراً، فإن كان موصولاً يَخصُّه، وإن كان مفصولاً) المراد من الوصل والفصل، ما بحسب الزمان (ينسخه في ذلك القدر) أي في القدر الذي تناولاه (حتى لا يكون العامُّ مما خُصَّ منه البعض) فيبقى قطعياً في الباقي هذا كلّه عندنا.
وأما الشافعيّ فلما لم يقل بالمساواة بين العام والخاص في القطعية لم يتيسر فرض التعارض بينهما على أصله، فكان قوله بمعزل عن هذا المقام.
(فَصْلٌ)
[تخصيصُ العامِّ]
(قَصْرُ العامِّ على بعضِ ما تناوله لا يخلو من أن يكون بغيرِ مستقل) أي بكلام غير تامٍّ.
[القصر بالمتصل]
(وهو الاستثناء) المتصل نحو: أكرم القومَ إلا الجهال.
(والشَّرطُ والصِّفة والغاية) بأن يقال بدل الاستثناء: إن كانوا علماء، أو العلماء، أو إلى أن يجهلوا.
ولولا الشرط لأفاد الكلام الحكم على جميع التقادير، فحين علق به لم يفد ذلك، فكأنَّه قصرَهُ على البعض، وكذا في الباقي.
وزادَ بعضُهم خامساً: وهو بدلُ البعض، نحو: أكرم الناسَ العربَ منهم، وليس فيه قصرٌ للنَّاس، بل إبدال له بأخصَّ منه، ولذلك لم يلتفت إليه المصنِّف.
[التخصيص بمستقل]
(أو بمستقل) أراد غير المتراخي، ولم يذكر القيد اعتماداً على ما تقدم، ولذلك قال (وهو التخصيص) فإنَّ النسخ عندنا مقابل للتخصيص المصطلح.
[أنواع المستقل المنفصل]
والقصر بالمتراخي نسخ (وهو إما الكلام أوغيره، وهو إما العقل، نحو: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم}) ضرورة أنَّ الله تعالى مخصوص منه.
وأما خالق كلِّ شيء، فهو على عمومه؛ لأنَّ الشيء بمعنى المشيء.
وتخصيص الصبي والمجنون ليس من هذا القبيل؛ لأنَّ تعيين مناط التكليف بالشَّرع، على ما يأتي في باب المحكوم عليه.
(وأما الحس) أراد بنسبة التخصيص إليه توقفه عليه، بقرينة ذكره في مقابلة العقل فلا مسامحة (نحو: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ}).
(وأمَّا العرف نحو: من بشرني فله كذا، يقع على المتعارف) وهو بالخبر السَّار.
(وأمَّا العادة، نحو: لا يأكل رأسا، يقع على المعتاد، فلا يحنث بأكل رأسِ العصفور، والجراد).
(وأمَّا كون بعض الأفراد ناقصاً، فيكون اللَّفظ أولى بالبعض الآخر، نحو: كلّ مملوك لي حرّ، لا يقع على المكاتب) لنقصان الملك فيه، حيث لا يملك يداً (ويسمى مشككاً).
وعدم وقوعِ الفاكهة على العنب عند أبي حنيفة-رحمه الله- لعلة النقصان أيضاً، لا للزيادة، كما توهم، وقد أفصح عنه تعليله: بأنه مما يتغذى به ويتداوى، فأوجب قصوراً في معنى التفكه للاستعمال في حاجة البقاء.
(وفي غيرالمستقل) أي من القاصر (هو) أي لفظ العام (حقيقة في الباقي إن كان المُخْرجُ معلوماً) لا لأنَّ الواضع وضعه للباقي، إنما هو من حيث إنَّه كلٌّ لا بعض، وإنما قيِّد بالمعلوم؛ لأنَّه إذا كان مجهولاً لا يكون في الباقي حقيقة.
(فهو) أي العامُّ المقصور (حجةٌ بلا شبهةٍ فيه) أي في الباقي.
(وفي المستقل، أي من القاصر كلاماً أو غيره مجاز) أي اللَّفظ العامُّ مجاز في الباقي (بطريق إطلاقِ اسم الكلِّ على البعض، من حيثُ القصر) أي من حيث إنَّه مقصورٌ على الباقي (حقيقة من حيثُ التناول) أي من حيث إنَّه يتناول الباقي (على ما يأتي في فصل المجاز إن شاء الله تعالى).
[الاحتجاج بأنواع التخصيص]
(وهو حجةٌ فيه شبهة ولم يفرقوا) أي عامَّة العلماء (بين كونه) أي كون التخصيص (بالكلام وغيره).
(لكن يجب الفرق بأن يقال: الخصوص بالعقل قطعيّ؛ لأنَّه في حكم الاستثناء) نبه بهذا على أنَّ المراد المخصوص المعلوم (لكنَّه حُذف) اعتماداً على العقل (حتى لا يتوهم أنَّ خطاباتِ الشَّرع التي خُصَّ منها البعض بالعقل دليل فيه شبهة) كالخطاب الوارد بوجوب غسل الرِّجل في الوضوء المخصوص منه مقطوع الرِّجل بالعقل.
وأمَّا تخصيصُ الصبيّ والمجنون، فقد عرفتَ أنَّه بالشَّرع لا بالعقل.
وأمَّا الاستدلالُ بإكفارِ جاحدِ الفرائضِ الواردة فيها الخطابات المخصصة بالعقل، على أنَّ التخصيصَ بالعقل لا يورثُ شبهة، ففيه أنَّ مبناهُ على أنَّ ذلك الإكفار ليس لانعقاد الإجماع القطع على فرضية تلك الفرائض، وذلك غيرُ مسلَّمٍ.
[حجية الباقي من العام بعد التخصيص]
(وأمَّا المخصوصُ بالكلام، فعند الكَرخيّ لا يَبقى حجة) لم يقل: أصلاً؛ لأنَّ الكَرْخي يقول: يجب أخصُّ الخصوص أذا كان المخصوص معلوماً، صرح بذلك الإمام السَّرخْسي في أصوله، فيمكن الاحتجاج به في الجملة (مجهولاً كان المخصوصُ، كالرِّبا) فإنَّه خصَّ من قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ} بقوله: {(وَحَرَّمَ الرِّبَا}.
(أومعلوماً كالمستَأْمن) فإنَّه خُصَّ من قوله تعالى: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ} بقوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} (لجهالة الباقي).
(أمَّا في الأوَّل: فظاهر، كما في الاستثناء) فإنَّ استثناءَ المجهولِ يورثُ الجهالةَ في الباقي، فلا يبقى صدرُ الكلام حجة، والعامُّ المذكور كذلك.
(وأمَّا في الثاني: فلظهور التعليل؛ لأنَّه كلامٌ مستقل) والأصل في النُّصوصِ التعليل (ولا يدرى كم يخرجُ بالتعليل؛ فيبقى الباقي مجهولاً) [وما تقدَّم من وجوبِ أخصِّ الخصوص حينئذٍ لا يُجدي؛ لأنَّه بعضٌ غير معيَّن].
(وعند البعضِ بقِيَ) أي العامُّ (فيما وراءَ المخصوص، كما كان، إن كان معلوماً؛ لأنَّه كالاستثناء) في بيان أنَّه لم يدخل (فلا يَقبل التعليل) كما أنَّ الاستثناءَ لا يقبله لعدم استقلاله بنفسه، والعامُّ فيه حجةٌ في الباقي، فكذا هنا (ولا يبقى حجَّة إن كان مجهولاً لما مرَّ) من أنَّه حينئذٍ يكون الباقي مجهولاً.
(وعند البعض) الآخر (كما ذكر آنفاً إن كان معلوماً، ويسقط المخصّصُ إن كان مجهولاً) لأنَّ المجهول لا يصلحُ دليلاً، فلا يعارض الدَّليل، فيبقى حكم العامِّ على ما كان، ولا يتعدى جهالة المخصص إليه (لأنَّه) أي الكلام المخصص (كلامٌ مستقل بخلاف الاستثناء) فإنَّه بمنزلةِ وصفٍ قائمٍ بصدر الكلام لا يفيد بدونه شيئاً، فجهالته تُوجب جهالةَ المستثنى منه.
(وعندنا حجة) لاحتجاجِ السَّلف به من غيرِ نكيرٍ (إلا أنَّه تمكن فيه شبهة، لما علم أنَّ الكلَّ غيرُ مراد) وما دونه أفراد متعددة متساوية في كون اللَّفظ العام مجازاً فيها من غير رُجحان، فلا يثبتُ بعضٌ منها؛ لاستحالة ترجيحٍ من غير مرجح.
(فيصير) تفريع على ما تقدَّم (كالعامِّ الذي لم يُخصّ عند الشافعي حتى يخصصه مطلقاًً) أي سواء كان من الكتاب أم من الحديث (خبر الواحد والقياس والفقه فيما ذكر) من أنَّ العام بعد التخصيص يبقى حجة فيه شبهة (هو أنَّ المخصصَّ يشبهُ الناسخَ بصيغته، والاستثناء بحُكْمه، لما قلنا).
(فإن كان مجهولاً يتردَّد بين سقوطه في نفسه للشَبهِ الأوَّل، وإيجابه الجهالة في العامِّ للشبهِ الثاني، فيدخل الشَّك في سقوطِ العامِّ) المعمول به قبل التخصيص بيقين (فلا يَسقط به) لأنَّ الثابتَ بيقينٍ لا يزول بالشَّك، بل يتمكنُ فيه شبهة تورثُ زوال اليقين.
(وإن كان معلوماً يتردَّد بين صحة التعليل) كما هو مذهبنا (لجهة استقلاله) فإنَّ الأصلَ في النُّصوص المستقلةِ التعليل، وإنما لم يقل: للشَبه الأوَّل؛ لأنَّ تمامه بأن يقال: والأصل فيما يتردد [ ... ] بين الشبهين أن يوفى حظَّاً من كلٍّ منهما، ولا تمشية له ههنا، لأنَّ حظَّ شبهه بالناسخ عدم التعليل، لا وجوده.
(ومُوجَبُه الجهالة فيما بَقيَ تحتَ العامِّ وعدمها) كما هو مذهب الجُبَّائي (لجهة عدم استقلاله) كالاستثناء (فيدخل الشَّك في سقوط العامِّ فلا يسقط به) بل يتمكنُ فيه ضَربُ شبهة.
فالحاصل: أنَّ المخصِص المجهول باعتبار الصيغة لا يبطل العام، وباعتبار الحكم يبطله، والمعلوم بالعكس، فيقع الشَّك في الصورتين في بطلانه، والشَّك لا يرفع أصلَ اليقين، بل وصفَه.
ولما استشعر أن يقال: صحة التعليل إذا كان المخصوص معلوماً ثابتة عندكم، وموجبها الجهالة على ما اعترفتم به فيما يبقى تحت العام، فكيف يكون العام المذكور حجة عندكم؟
تداركه بقوله: (واحتمال التعليل) وما يورثه من الجهالة قبل التعليل (لا يخرجه من أن يكون حجة لأنَّ ما اقتضى القياس تخصيصه) بأن يكون المخصص مما يدرك علته (يخص) فيزول الجهالة، ويبقى العام في الباقي حجة.
(ومالا) أي لا يقتضي القياس تخصيصه، وهذا ينتظم لا ما يدرك علته (فلا) فلا يبطل العام باحتمال التعليل.
(وبه) أي بما ذكر أنَّ تعليل المخصص صحيح (ظهرَ الفرقُ بين التخصيص والنسخِ، فإنَّ الناسخ لا يصحُّ تعليله).
فالعامُّ الذي نسخ الحكم في بعض أفراده لا يثبت النسخ في بعض آخر منها قياساً (لأنَّ القياس لا ينسخ النَّصَ لأنَّه دونه، فلا يعارضُه لكن يخصصه؛ لأنَّه يبين أنه لم يدخل، فلا يلزم المعارضة).
بقي ههنا قسمٌ آخر لم يتعرض له المصنِّف.
وهو العامُّ الذي خُصَّ منه البعض بغير العقل والكلام.
والظاهر أنَّه لا يبقى قطعياً لاختلاف العادات، وتبدلها بتبدل الأوقات، وخفاء الزيادة والنقصان، وقصور الحسِّ عن إحاطة تفاصيل الأشياء، اللَّهم إلا أن يُعلم القدر المخصوص قطعاً.
[مسائل في النسخ والاستثناء والتخصيص]
(وهنا مسائل من الفُروعِ يُناسبُ ما ذكرنا) من الاستثناء والنسخ والتخصيص.
(فما يناسب الاستثناء: ما إذا باع عبدين إلا هذا بحصة من الألف) هذا مثال للاستثناء (أو باع الحرّ والعبد بثمنٍ واحد) قيد الوحدة للاحتراز عن الخلافية المعروفة، وهذا نظير للاستثناء في منع دخول الحرِّ تحت الإيجاب مع أنَّ صدر الكلام تناوله (لا يصحُّ البيع) لم يقل يبطل البيع؛ لأنَّه في الصورة الأولى فاسد لا باطل.
(لأنَّ أحدهما لم يدخل في الإيجاب، فصار البيع في الآخر بالحصة) أي بحصَّته من الثَّمن المقابل بهما (ابتداء) والبيع بالحصة ابتداءً ليس بصحيح للجهالة.
وإنما قال: "ابتداء"؛ لأنَّ البيعَ [بالحصة بقاء صحيح، كما في المسألة التي هي نظيرُ النَّسخ؛ لأنَّ الجهالةَ الطارئة لا تفسد.
(ولأنَّ ما ليس بمبيع) وهو العبد المستثنى أو الحرّ (صار شرطاً لقبولِ المبيع) والشَّرط فاسد؛ لأنَّه مخالفٌ لمقتضى العقد] (فيفسُد) بيعهُ (بالشَّرط الفاسد).
(وما يناسب النَّسخَ، ما إذا باع عبدين بألف، فمات أحدهما قبل التسليم يبقى العقدُ في الآخر بحصته من الثَّمن)، وهذا إنما ناسب النَّسخَ من حيثُ أنَّ البيعَ انفسخَ في الذي مات بعدما انعقد فيه لدخوله تحت الإيجاب، وقد مرَّ وجه عدم فساد البيع في العبد الآخر.
(وما يناسب التخصيص: ما إذا باعَ عبدين بألفٍ على أنَّه بالخيار في أحدهما، صحَّ إن علِم محلّ الخيار وثمنه؛ لأنَّ المبيعَ بالخيار يدخل في الإيجاب لا الحكم)؛ لأنَّ شرطَ الخيار يمنع الملك عن الثبوت، لا السَّبب عن الانعقاد (فصار في السَّبب كالنَّسخ، وفي الحكم كالاستثناء، فإذا جهلَ أحدهما لا يصحّ لشبه الاستثناء، وإذا علم كلاهما يصح لشبه النَّسخ، ولم يعتبر هنا شبه الاستثناء حتى يفسدَ بالشَّرط الفاسدِ).
(بخلاف الحرِّ والعبد، إذا بين حصة كلَّ واحد منهما عند أبي حنيفة رحمه الله).
وهذا إنما ناسب التخصيص الذي يشابه النسخ بصيغته، والاستثناء بحكمه، من حيث إنَّ العبدَ الذي فيه الخيار لما كان داخلاً في الإيجاب دون الحكم، كان ردُّه بشرط الخيار باعتبار الأوَّل تبديلاً فشابه النَّسخ، وباعتبار الثاني بيان أنَّه لم يدخل فشابه الاستثناء، ولرعاية الشبهين قلنا: إن علِم محلُّ الخيار وثمنه يصحُّ البيع، وإلا فلا.
وهذه المسألة على أربعة أوجه لأنَّه:
1 - إمَّا أن يكون محلُّ الخيار والثَّمن كلاهما معلومين، كما إذا باع هذا وذلك بألفين كلاً منهما بألف، صفقة واحدة، على أنَّه بالخيار في ذلك.
2 - أو كلاهما مجهولين.
3 - أو محلّ الخيار معلوماً والثمن مجهولاً.
4 - أو بالعكس.
فرعاية شَبه النَّسخ أعنى كون محلِّ الخيار داخلاًَ في الإيجاب، يقتضي صحة البيعِ في الصُّور كلِّها، لأنَّ غايةَ ما لزم فيه البيع بالحصة، لكنَّه في البقاء لا في الابتداء، فلا يضر.
ورعايةُ شبهِ الاستثناء أعني كون محلِّ الخيار غير داخل في الحكم، يقتضي فساد البيع في الصُّور كلِّها؛ لوجود الشَّرط الفاسد، وهو قبول غير المبيع في الأولى.
وله مع جهالة الثَّمن والمبيع في الثانية.
وله مع جهالة الأولى في الثالثة، وله مع جهالة الثاني في الرابعة.
فلرعاية الشَّبهين صحَّ البيعُ في أحدهما دون البواقي، أعني صحَّ في الأولى رعاية لشبه النَّسخ، ولم يصحَّ في البواقي رعاية لشبه الاستثناء.
ووجه الاختصاصِ أنَّ معلومية محلِّ الخيار والثَّمن يرجِّح جانبَ الصحة، فيلائم شبه النَّسخ المقتضي للصحة.
وجهالة محلِّ الخيار والثَّمن يرجِّح جانبَ الفساد، فيلائم شبه الاستثناء.
(فصل في ألفاظه)
1 - (وهي إمَّا عامٌّ بصيغته ومعناه، كالرِّجال والنِّساء).
2 - (وأمَّا عامٌّ بمعناه) فقط ولا احتمال للعكس.
(وهذا) أي الثَّاني:
أ (إمَّا أن يتناولَ المجموع، كالرَّهط والقوم، وهو في معنى الجمع).
ب- (أو كلّ واحدٍ على سبيل الشُّمول نحو: من يأتني فله درهم).
ج- (أو على سبيل البدَل نحو: من يأتني أولاً فله درهم).
فالحكم في الأوَّل مشروط بالاجتماع، وفي الثالث بالانفراد، وفي الثاني غير مشروط بواحد منها.
(فالجمع وما في معناه يطلقُ على الثلاثة) أي يصحُّ إطلاق الجمع المعرف وأسماء الجموع على كلِّ عدد معين من الثلاثة (فصاعداً) إلى ما لا نهاية له، على معنى أنَّ مفهومه جميع آحاد ما أطلق عليه، ثلاثة كانت أو أربعة، أو ما فوق ذلك، لماعرفتَ أنَّ الدَّلالة على الاستغراق شرطٌ فيه.
فإذا كان له ثلاثة عبيد أو عشرة عبيد فقال: عبيدي أحرار يعتق الجميع (لأنَّ أقلَّ الجمع ثلاثة) تعليل لتحديد جانب القلة (وعند بعض اثنتان) ولا خلاف في أنَّ مثل الرَّهط لا يطلق على ما دون الثلاث، وذلك معلوم من اللغة (بقوله تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} والمراد مايعمُّ الاثنين).
(وقوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} والمراد قلبان، إذ ما جعل الله تعالى لرجلٍ من قلبين).
(ولنا إجماع أهلِ اللغة على اختلاف صيغِ الواحد والتثنية والجمع) أرادَ الاختلاف في الاسمِ الظَّاهر، ولذلك لم يقل في غيرِ ضميرِ المتكلم.
(وتَشْريك الاثنين للثلاثة في الإرث) وكذا في الوصية (بدلالة نصٍّ أو إشارته) لا بعبارة النَّص المذكور.
جواب: عن تمسك المخالف أولاً.
وأما الجواب عنه: بأنَّه لا نزاع في الإرث والوصية، فليس بصواب، لما فيه من تسليم إطلاق صيغة الجمع على الاثنين فيهما.
(وإطلاقُ القلوبِ على الاثنين مجاز) على طريق إطلاق اسم الكلِّ على البعض.
جواب: عن تمسُّكه ثانياً.
(ولا متمسَّك لهم بقوله عليه السلام ((الاثنان فما فوقهما جماعة)) إذ ليس النِّزاعُ في"ج م ع") وما يشتقُّ من ذلك؛ لأنَّه في اللغة: ضمُّ الشيءِ إلى شيء، وهو حاصلٌ في الاثنين بلا خلاف.
(ولا بنحو: فعلنا؛ لأنَّه صيغةٌ مشتركةٌ بين التثنيةِ والجمع) حيثُ وضِعَ للمتكلم مع الغيرِ واحداً كان الغيرُ أو أكثر.
والكلام في الصِّيغة المخصوصةِ بالجمع، فلا مجال للاحتجاج بأن يقال: فعلنا، صيغة مخصوصة بالجمع، ويقع على الاثنين، فعلم أنَّ أقلَّ الجمع اثنان.
(فيصحّ تخصيص الجمع) يعنى بالمستقل، تفريع على قوله: إنَّ أقلَّ الجمع ثلاثة (وما في معناه) كالرَّهط والقوم (إلى الثلاثة والمفرد) أي الحقيقي، عطف على الجمع (كالرجل وما في معناه) وهو الجمع الذي يراد به الواحد (كالنساء في لا أتزوج النساء إلى الواحد) أي يصحُّ تخصيص المفرد، وما في معناه إلى الواحد.
(والطَّائفة كالمفرد) أي بمنزلته فيصحُّ تخصيصها إلى الواحد.
دلَّ على ذلك حَملها ابن عباس رضي الله عنه على الواحد في قوله تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ}.
3 - (ومنها) أي من ألفاظِ العُموم، عطف على ما تقدم من جهة المعنى (الجمع المعرَّف باللام عند عدم العَهد في الخارج، وقرينة البعض) عطف على العهد، ولا بدَّ من انتفائها أيضاً في تمشية الاستدلال على ماستقف عليه.
[معاني لام المعرفة]
اعلم أنَّ اللام بالإجماع للتعريف، ومعناه الإشارة والتعيين.
وهي إمَّا إلى نفسِ المسمَّى، وهي لام الجنس، أو إلى حصَّة منه، وهو لام العَهد، ومثله علَمُ الشَّخص.
والأوَّل: إمَّا أن يقصدَ به الماهية من حيثُ هي هي، فيسمَّى لام الحقيقة، ومثله علَمُ الجنس.
وإمَّا أن يقصدَ به الماهية من حيثُ الوجود في ضمْن الأفراد، وحينئذٍ أمَّا:
أن توجدَ قرينةُ البعضية، فيسمَّى لام العهد الذهني، ومثله النَّكرة في الإثبات.
أو لا توجد، ففي المَقام الخطابي يُحمل على العموم والاستغراق، احتراز عن الترجيح بلا مرجِّح.
ومثله لفظ (كلّ) مضافاً إلى النَّكرة.
وفي المَقام الاستدلاليّ يُحمل على الأَقل لأنَّه المتيقن، فالعهد الذهني والاستغراق والحقيقة من فروع تعريف الجنس.
فاللام عند التحقيق لتعريف العهد والجنس لا غير، إلا أنَّ القومَ أخذوا بالحاصل وجعلوه أربعةَ أقسام، توضيحاً وتسهيلاً.
ومن ثلَّثَ الأقسامَ ضامَّاً أحد العهدين إلى الآخر، لم يكنْ على بصيرة (لأنَّ المعرَّف في الجمع ليس هو الماهية) لأنَّ وضعَ الجمع للأفراد لا للماهية، من حيثُ هي، لكن يُحمل عليها بطريق المجاز على ما سيأتي.
(ولا بعض الأفراد لعدمِ الأولوية، فتعيَّن الكلُّ).
(ولتمسُّكهم بقوله عليه السلام: ((الأئمَّة من قريش))) تمسَّك به أبو بكر رضي الله عنه حين وقعَ الاختلافُ بعد الرَّسول عليه السلام، وقال الأنصار منَّا أميرٌ ومنكم أمير، ولم ينكره أحد.
(ولصحةِ الاستثناء) يعني من أفراد مدلوله (قال مشايخنا: هذا الجمع) أي الجمع المعرَّف باللَّام (مجازٌ عن الجنس ويبطل معنى الجمعية، فلو حَلَفَ) أي قال (والله لا أتزوجُ النِّساء، يَحنثُ بالواحدة) إلا إذا نوى العُموم، فيحينئذٍ لا يَحنثُ أبداً.
(ويعمُّ الواحد قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء}) لأنَّ معناهُ: جنسُ الزَّكاة لجنسِ الفقير، فيجوزُ الصَّرفُ إلى الواحد.
(ولو أوصى بشيءٍ لزيد وللفقراء نُصِّفَ بينه وبينهم، لقوله تعالى: {لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ}) استدلال على أنَّ الجمع المعرّف مجازٌ عن الجنس.
(ولأنَّه لمَّا لم يكن هناك معهودٌ، وليس للاستغراق لعدم الإمكان) كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء}، إذ لا يمكن صرفُها إلى جميعِ فقراء الدُّنيا (أو لعدم الفائدة).
كما في قوله: لا أتزوج النِّساء، لأنَّ اليمينَ ههنا للمَنع، وهو إنَّما يكون عن الممكن، وتَزوجُ جميع النِّساء غيرُ ممكن (يجبُ حملهُ على تعريف الجنسِ، فيبقى الجمعية فيه من وجه) أي إذا كان المعرَّف باللام مجازاً عن الجنس لا يَبطل معنى الجمعية بالكلية؛ لأنَّ الجنسَ من حيثُ إنَّه كليٌّ يدلُّ على الكثرة تضمناً.
(ولو لم يُحمل) أي: لو لم يُحمل المعرَّف باللام على ما ذكر (يبطل اللام أصلاً) فحملُه عليه أولى، وهذا معنى قول فخر الإسلام: " لأنَّا إذا أبقيناه جمعاً لغا حرف العهد أصلاً إلخ".
وقد عرفتَ ممَّا تقدَّم أنَّ ذلك عند عدم العهد وتعذر الاستغراق، حتى لو أمكن يُحمل عليه، كما في قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}، فإنَّ علماءنا قالوا: إنَّه لِسلبِ العُمومِ، لا لعُمومِ السَّلب، فجعلوا اللام للاستغراق.
4 - (والجمع المعرَّف بالإضافة، نحو: عبيدي أحرار، عامٌّ أيضاً؛ لصحة الاستثناء).
(والجمع المنَّكر غيرُ عامٍّ عند الأكثر، خلافاً للبعض لما ذكر كقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا}).
(وأجيب: بأنَّه صفةٌ لا استثناء، وإلا لنُصب) ولذلك حملَه النحويون على "غير".
5 - (ومنها للفردِ المعرَّف باللام، إذا لم يكن عهد، كقوله تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا}، {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ، إلا أن تدلَّ القرينة على أنَّه لتعريفِ الماهيَّة نحو: الإنسان حيوان [ناطق]، أو للعَهد الذِّهني نحو: أكلَتُ الخبزَ، وشربتُ الماء) كذا ذكرهُ المحققون، ومبناهُ على أنَّ الأصل في اللام العهد الخارجي، ثم الاستغراق، ثم الأخيران.
6 - (ومنها النَّكرة في سياق النَّفي لقوله تعالى: {ُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى مُوسَى}، في ردِّ {مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ}) فلو لم يكن مثلُ هذا الكلامِ للسَّلب الكليّ، لما استقامَ ردُّه بالإيجاب الجزئي، إذا الإيجابُ الجزئيّ لا ينافي السَّلب الجزئي.
(ولكلمة التَّوحيد) اكتفى بما في عبارة التوحيد من الإشارة إلى وجهِ الاستدلال بها:
وهو أنَّه "لو لم يكن صدر الكلام نفياً لكلِّ معبود بحق، لما كان إثبات الواحد الحق تعالى وتقدس توحيداً"، وهذا استدلال بالإجماع.
7 - (والنَّكرة في سياقِ الشَّرط الاختياريّ) لا بدَّ من هذا القيد في تمام التعليل الآتي ذِكْره (المثبت عامٌّ في طَرفِ المُقابل) أي: النَّفي (فإن قال: إن ضربتَ رجلاً، فكذا معناه: لا أضربُ رجلاً، لأنَّ اليمينَ هنا للمَنع) بمنزلة قوله: والله لا أضربُ رجلاً.
وإنَّما قيّد الشرط بالمثبت؛ لأنَّه إذا كان منفياً، كما في قوله: إن لم أضربْ رجلاً، فكذا لا يكون عامَّاً في طرف المقابل؛ لأنَّه يمينٌ للحَمل، بمنزلة قوله: والله لأضربنَّ رجلاً، فشْرطُ البّر ضربُ واحدٍ من الرِّجال، فيكون للإيجاب الجزئيّ، فظهر أنَّ عمومَ النَّكرة في سياق الشَّرط ليس إلا عمومها في سياق النَّفي.
8 - (وكذا النَّكرة الموصوفة بصِفةٍ عامَّة) أرادَ عمومها لأفراد النَّكرة لا عمومها لها ولغيرها.
(عندنا نحو: لا أجالس إلا رجلاً عالماً، فله أن يجالسَ كلَّ رجلٍ عالمٍ لقوله تعالى: {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ}، و {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى}) فإنَّا نعلمُ قطعاً بأنَّ الحكم عامٌّ لكلِّ عبد مؤمن، ولكلِّ قول معروف، مع أنَّ الأوَّل وقع في مَعرِض التعليلِ للنَّهي عن نكاحِ المشركين، وهو عامٌّ، فالمناسب اعتبار العمومِ في جانبِ العلَّة ليلائم عموم الحكم.
(ولأنَّ النِّسبة إلى المشتق، وما في معناه، أو إلى الموصوف به، تدلُّ على علِّية المأخذ، فيعم الحكم لعموم علته).
فإنَّ قولنا: لا أجالس إلا عالماً، أو إلا رجلاً عالماً، عامٌّ لعموم العلَّة، والخصوص اللغوي الحاصل بتقييد النكرة لا ينافي عمومها الاصطلاحي.
والحقُّ أنَّ النَّكرة في غير سياقِ النَّفي قد تعمُّ بحسبِ اقتضاءِ المَقام، إلا أنَّه يكثر في النَّكرة الموصوفة بالوصفِ العام.
(والنَّكرة في غيرِ هذه المواضع خاص) لأنَّها موضوعةٌ للفرد، فلا تعمُّ إلا بما يُوجبُ العموم (إلا إذا اقتضى المقامُ العموم، كما في قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ}) وقولهم: تمرةٌ خيرٌ من جرادة.
وأمَّا النَّكرة المصَدَّرةُ "بكلّ" فالعموم في صدْرها لا في نفسها، كالمصدَّرة بأيّ.
(وخاصّها مطلقٌ في الإنشاء) تدلُّ على نفس الحقيقة من غير تَعرُّضٍ لأمرٍ زائد (نحو: {أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً}).
فإن قلتَ: أليس الأمرُ بذبح الواحد من جنس البقر؟.
قلتُ: نعم، إلا أنَّ التعرضَ للوَحدة من التاء، لا مِن لفظِ البقر، فلا ينافي إطلاقه.
(وواحدٌ مبهمٌ عندَ السَّامعِ في الأخبارِ نحو: رأيت رجلاً) فبتعرضه لقيد الوحدة يفارق قرينه.
(وإذا أعيدتْ نكرةً كانتْ غيرَ الأولى، وإذا أعيدتْ معرفةً أو باللامِ أو بالإضافةِ كانت عينَها؛ لأنَّ الأصلَ في التعريف) سواء كان باللام أو بالإضافة (العهد، وكذلك المعرفة) أي إذا أعيدت المعرفةُ معرفةً تكون الثانية عينَ الأولى، وإن أعيدت نكرةً كانت غيرها، فالمعتبر في جميع الصُّور حال المُعاد.
(قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنه) وابنُ مسعود رضي الله عنه (في قوله تعالى: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}، لن يَغلبَ عُسرٌ يسْرين) وهو مرفوعٌ إلى النَّبي عليه السَّلام، فلا وجهَ لما قيل: والأصح أنه تأكيد.
(فإن أقرَّ بألفٍ مقيد بصكٍ مرتين عندَ شاهدين) لا بدَّ من هذا القَيد؛ لأنَّه لو أقرَّ بألفٍ عند شاهدٍ وألف عند آخر، أو بألفٍ عندهما وألف عند القاضي، فاللازم واحدٌ اتفاقاً، ذكره في المحيط (يَجبُ ألف، وإن أقرَّ به منكر يَجب ألفان عند أبي حنيفة رحمه الله) خلافاً لهما.
وإنما لم يعتبر قيد اتحاد المجلس، لأنَّ مبناهُ على التَّخريج، وليس المقامُ مقام تفصيلِ ما في المسئلة من القيل والقال.
ثم إنَّ الأقسام المحتملة أربعة، وقد بقي منها صورتان:
إحداهما: أن يقر عند شاهدين بألف منكر، ثم بألف مقيد بالصك.
والأخرى: عكس ما ذكر.
ومُوجب القاعدة المارِّ ذكرها أن يكون الواجب في الأولى ألفاً، وفي الثانية ألفين، ولا رواية في واحدة منهما.
9 - (ومنها "أي" وهي نكرةٌ تعمُّ بالصفة) أرادَ الوصف المعنويَّ، لا النعت النحويّ.
(فإن قال: أيّ عبيدي ضربك، فهو حرٌّ، فضربوه معاً) أو على الترْتيب (عُتقوا) جميعاً.
(وإن قال: أيُّ عبيدي ضربتَه، لا يعتق إلا واحد) منهم، وهو الأوَّل، إن ضربهم على الترتيب، وإلا فالخيار إلى المولى.
ووجه الفرق: أنَّ الفعلَ في الأولى عامٌّ؛ لأنَّه مسندٌ إلى عام، وهو ضمير "أي"، وفي الثانية خاصٌّ؛ لأنَّه مسندٌ إلى خاص، وهو ضمير المخاطب، والراجع فيه إلى "أي" ضمير المفعول، ولا عبرة لأنه فضلة في جنس الفعل، وإن كان لا بدَّ منه في نوع منه.
[ولك أن تقول لا حاجة إلى الفرق من جهة النحو، لأنَّ مدار الأَيمان على العُرف، والفرق من جهتهِ واضح؛ لأنَّ الوصفَ في الُعرف هو الضَربُ لا الضاربية والمضروبية، بخلاف الفاعل فإنَّه لا بدَّ منه في كل فعل، فلا إشكال فيه من جهة النحو].
وقيل في الفرق: أنَّ "أيّاً" الواحد منَّكر.
ففي الأولى: إن لم يعتق واحد فيلزم بطلان الكلام [ ... ]، وإن عتق واحد دون آخر يلزم الترجيح بلا مرجِّح، فتعين عِتقُ الكلِّ، ومعنى الوَحدة باقٍ من جهةِ أنَّ عتقَ كلّ معلق بضربه مع قطع النَّظر عن الغير.
وفي الثانية: يتعين الواحد باختيار المخاطب ضربه؛ لأنَّ الكلامَ لتخيير المخاطب في تعيينه، فيحصل الرُّجحان، وثبتَ الواحد من غير عموم، ولا معنى لتخيير الفاعل في الأولى لعدم التعدد في المفعول، وفيه نظر.
10 - (ومنها مَنْ في العُقلاء) وقد يُستعار لغيرهم، كما في قوله تعالى: فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ}.
(استفهامية كانت نحو: مَن في الدَّار).
(أو شرطية نحو: مَن دخلَ دار أبي سفيان فهو آمن، وإن قال: من شاء من عبيدي عِتقهُ فهو حرَّ، فشاؤوا عُتقوا).
(وفي: مَن شئت من عبيدي عتقه فأعتقه، عدم العموم عند أبي حنيفة رحمه الله) حيث قال: له أن يعتقهم إلا واحداً، أو قال: له أن يعتق الكلّ عملاً بكلمة العموم، وحملاً لـ"مَنْ" على البيان.
(لشيوع استعمال من الداخلة على ذي أبعاض في التبعيض) كما في: كُلْ من هذا الخبز.
ولما اتجه النقض بالمسئلة السابقة تدارك جوابه بالإشارة إلى الفرق بينهما بقوله: (فيحمل عليه ما لم يوجد قرينة تؤكد العموم، وترجح البيان كما في المسئلة السابقة، فإن إضافة المشيئة إلى ما هو من ألفاظ العموم قرينة لإرادته).
وأما الفرق بأن التبعيض راجح لتيقنه [ ... ] فيحمل عليه إذا وجد أخذاً بالمتيقن، وقد وجد في الأوَّل؛ لأنَّ عتق كل واحد معلق بمشيئته مع قطع النَّظر عن الآخر، فكلّ واحد بهذا الاعتبار بعضٌ دون الثاني؛ لأنَّ المخاطب إذا شاء الكلّ فمشيئة الكلّ مجتمعة فيه، فليس بشيء.
أما أولاً: فلأنَّ المتيقن هو البعضية الشَّاملة لما في ضمن الكلية، وماهو مدلول من البعضية المجرَّدة المنافية للكلِّية على ما حققناه في بعض تعليقاتنا.
وأما ثانياً: فلأن المراد قد يكون الكل المجموعي، فلا يحتمل التبعيض، فأنى التيقن؟
وأما ثالثاً: فلعدم تمشية التعليل الذي ذكره بقوله: لأنَّ المخاطب ... إلخ فيما إذا شاء الكلّ على التفريق والترتيب.
وأما رابعاً: فلأنه تمسك بالانفراد في التعليق الأوَّل، وبالاجتماع في الوقوع في الثاني، فاتجه المطالبة بالوجه الفارق، وهو غير ظاهر.
(وإذا كانت موصولةً أو موصوفة قد يخصُّ، كما في قوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ}، {((وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ}) فإنَّ المراد بعضٌ مخصوصٌ من المنافقين.
11 - (ومنها: "ما") ولا اختصاصَ له للعقلاء عند الجمهور، [وله اختصاصٌ لغيرِ العقلاءِ عند البعض إلا أنَّه قد يستعار لـ"مَنْ"] (فإن قال: إن كان ما في بَطنك غُلاماً فأنت حرةٌ، فولدتْ غلاماً وجارية، لم تُعتق).
هذا إذا أنكر التعليق على وجود الغلام في بطنها.
وأمَّا إذا اعترف به فتعتق.
وإذا تعذَّر البيانُ من جهته، كما إذا مات قبلَ الولادةِ، لا تعتق (عملاً بالعموم).
(وإن قال: طلقي نفسك من ثلاث ما شئت تطلق ما دونها عنده) وعندهما ثلاثاً، وقد مرَّ وجههما.
12 - (ومنها: "كلّ وجميع"، وهما مُحْكمان في عمومِ ما دخلا عليه) أي لا يحتملان أن يقعا خاصَّين (بخلافِ سائرِ أدواتِ العموم) على ما سبق عبارةً ودلالةً.
(فإن أضيف "كل" إلى النَّكرة فلعموم أفرادها، وإن أضيف إلى المعرفة فلعموم أجزائها، إلا إذا وجد قرينة صارفة عنه) كما في حديث ذي اليدين، وقول الشاعر:
كله لم أصنع ...
فإنَّ كلمة "كلّ" فيهما لعموم الأفراد.
(قالوا: عمومه) يعني إذا أضيف إلى النَّكرة (على سبيل الإفراد فإن قال: كلُّ من دخل هذا الحصن أولاً فله كذا، فدخل عشرة معاً يستحق النَّفل كل واحد) إذ في كلِّ فرد قطع النَّظر عن غيره (فكلٌّ منها) أي من العشرة (أوَّل بالنِّسبة إلى المتخَلِّف) المقدر دخوله بعد الفتح (بخلاف: من دخل) فإنه حينئذٍ لا استحقاق لا في الكلّ، ولا في واحد منهم.
وأمَّا الفرقُ: بأنَّ من دخل أولاً، عامٌّ على سبيل البدَل، فإذا أضيف إليه (الكلّ) اقتضى عموماً آخر، لئلا يلغو فيقتضى العموم في الأوَّل، فيتعدد الأوَّل، فيتجه عليه منعُ لزوم اللَّغو حينئذٍ، لأنَّ في الكلِّ فائدة سدّ باب التخصيص، لما مرَّ أنه مُحكم في العموم دون (مَنْ).
(وجميعُ عمومِه على سبيل الاجتماع).
(فإن قال: جميع من دخل هذا الحصن أولاً فله كذا، فدخل عشرةٌ، فلهم نفْل واحد).
(وإن دخلوا فرادى يستحق الأوَّل بدلالة النَّص)؛ لأنَّ هذا التنفيل للتشجيع والحثِّ على الجَلادة، فلما استحقه الجماعة بالدخول أولاً، فالواحد أولى بالاستحقاق؛ لأنَّ الجلادة في ذلك أقوى.
وإنَّما لم يقل: فيصير مستعاراً لكل، إذ حينئذٍ يلزم الجمعُ بين الحقيقة والمجاز، لأنَّ في حال التكلم لا بدَّ من إرادتهما.
(مسألة)
(حكاية الفعلِ لا تعمُّ؛ لأنَّ الفعلَ المحكيَّ واقعٌ على صفة معيَّنة نحو: صلى النَّبي عليه السلام في الكعبة، فيكون) أي الفعل المحكيّ (في معنى المشتَرك فيُتأمَّل).
(فإن ترجَّح بعض المعاني فذاك، وإلا فالحكم في البعض يَثبتُ بفعله) عليه السَّلام.
(وفي الباقي بالدَّلالةِ أو بالقياس).
قال في شرح الوجيز في فقه الشَّافعي: الصلاةُ في جوف الكعبةِ صحيحةٌ فريضةً كانت أو نافلة، خلافاً لمالك وأحمد في الفريضة.
(ونحو: " ((قَضى بالشُّفعةِ للجار)) ليسَ من هذا القبيل؛ لأنَّه نقلَ الحديثَ بالمعنى) جوابُ سؤالٍ تقريره:
إذا لم تعمّ حكاية الفعل لا يصح الاستدلال بما روى أنه عليه السلام: ((قضى بالشفعة للجار))، على ثبوت الشفعة للجار الذي لا يكون شريكاً.
وتقرير الجواب ظاهر إلا أنه لا يخلو عن تعسف؛ لأنَّ عبارةَ قضى صريحةٌ في الحكاية (والجار عام) يعني أنَّه رواه على العموم، والظاهر من حال الصحابي العدل العارفِ باللغة أنَّه لا يروي العموم إلا بعد علمه بتحققه، فهو من تتمة الجواب المذكور، ولا يصلح أن يكون جواباً آخر، ولذلك لم يقل، ولأن الجار عام إذ لا يَعتبر العمومَ في الحكاية من لا يقول بعمومِ الفعلِ المَحكِي.
(مسألة)
(اللَّفظ الواردُ بعد سؤالٍ أو حادثةٍ المتعلِّق به أو بها).
1 - (إما أن لا يكون مستقلاً) أي لا يكون مفيداً بدون اعتبار السؤال أو الحادثة (نحو: ليس لي عليك كذا، فيقول: بلى).
2 - (أو كان لي عليك كذا، فيقول: نعم).
3 - (أو يكون مستقلاً يخرج مخرج الجواب قطعاً، نحو: سهى فسجد، وزنى ماعز فرجم).
4 - (أو ظاهراً مع احتمال الابتداء نحو تعال تغدَّ معي، فقال: إن تغدَّيت فكذا من غيرِ زيادةٍ، أوبالعكس، أي يكون الظَّاهر الابتداء، مع احتمال الجواب، نحو: إن تغدَّيت اليوم، مع زيادة على قدر الجواب، ففي الثلاثة الأُوَل يُحمل على الجواب) اتفاقاً.
(وفي الرَّابع يُحمل على الابتداء عندنا، حملاً للزِّيادة على الإفادة، ولو قال: عَنيتُ الجوابَ صدِّق ديانة) لا قضاء لما فيه من التخفيف.
(وعند بعض الشَّافعية) قال في الوجيز: خصوص السَّبب لا يخصِّصُ العام، وفي شرحه خلافاً للمُزَني وأبي ثور (يُحمل على الجواب، وهذا ما قيل أنَّ العبرة لعمومِ اللَّفظ لا لخصوصِ السَّبب عندنا؛ لأنَّ التمسُّك باللَّفظ) وهو عامٌّ، وخصوص السَّببِ لا ينافيه، ولا يقتضي الاقتصارَ عليه؛ (ولأنَّ الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم تمسَّكوا بالعُمومَات الواردة في سؤالٍ مخصوص، وحوادثَ خاصَّة).
قوله عليه السَّلام: ((خُلق الماءُ طَهوراً)) الحديث ورد جواباً للسؤال عن بئرِ بُضاعة. وآيتا الظِّهارِ واللِّعانِ نزلتا في امرأتين.
(فصل)
[المطلق والمقيَّد]
(حكمُ المطلقِ أن يجريَ على إطلاقه كما أنَّ المقيَّدَ يجري على تقييده).
(فإذا وردا) لبيان الحكم (فإن اختلفَ الحكمُ لا يُحمل المطلقُ على المقيدِ إلا إذا كان) أي المقيد موجباً (لتقييده) أي تقييدُ المطلق بإيجاب ذلك القيد إن كان موجَباً، وبنفيه إن كان منفياً.
(بالذات كما في أعتقْ رقبةً، ولا تعتق رقبة كافرةً).
(أو بالواسطة، كما في أعتقْ عني رقبةً، ولا تملكني رقبة كافرة) فإنَّ نفي تمليكه الكافرة يستلزم نفي إعتاقها عنه، وهذا يُوجب تقييد إيجاب الإعتاق عنه بالمؤمنة.
(وإن اتحد مثبتاً، فإن اختلف الحادثة، ككفارة اليمين وكفارة القتل، لا يُحمل عندنا، خلافاً للشافعي).
وإنما قال مثبتاً؛ لأنه إذا كان منفياً ينقلب المطلق عامَّاً فيخرج عن المبحث.
(وبعضهم) أي: الشَّافعية (شرطوا اقتضاءَ القياسِ إيَّاه) أي قالوا: إن اقتضى القياس الحملَ يُحمل، وإلا فلا.
[لهم (أنَّ القيدَ زيادةُ وصفٍ يجري مجرى الشَّرط، فيوجب النَّفي في المنصوص وفي نظيره، كالكفَّارات، فإنَّها جنسٌ واحد).
وتفصيله أنَّ التقييد بالوصف كالتخصيصِ بالشَّرط، وهو يُوجبُ نفيَ الحكم عمَّا عداه عند الشَّافعية، وذلك الحكمُ لما كان مدلول النَّص المقيد كان حكماً شرعياً، فيثبتُ الحكم في المنصوص وفي نظيره بطريق القياس].
(وإن اتَّحدَتْ) أي الحادثة [ ... ] (فإن كان الإطلاق والتقييد في السبب ونحوه، كما [ ... ] في: أدُّوا عن كلِّ حرٍّ وعبد، وأدُّوا عن كلِّ حرّ وعبد من المسلمين) فإنَّ الرَّأس سببٌ لوجوب صدقةِ الفطر، وقد ذكرتْ في أحد النَّصين مطلقة، وفي الآخر مقيدة (لا يُحمل عندنا، بل يجب العمل بكلٍّ منهما، إذ لا تنافي في الأسباب) فيجوز أن يكون كلٌّ منهما سبباً ويُحمل عنده.
(وإن كانا) أي الإطلاق والتقييد (في الحُكم، كما نفى حديث الأعرابي: ((صمْ شهرين))، وفي رواية أخرى: ((صُم شهرين متتابعين))، يُحمل بالاتفاق؛ لامتناع الجمع بينهما).
وأمَّا قراءةُ العامَّة {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ}، وقراءة ابن مسعود (ثلاثة أيام متتابعات)، فلا يصلحُ مثالاً للحَمْل بالاتفاق؛ لأنَّ الشَّافعي لا يقول بالعمل بالقراءة الغير المتواترة، ولو كانتْ مشهورة.
(له أنَّ المطلق ساكت عن ذكر القيد) لأنَّه غير مُتعرض للصِّفات (والمقيد ناطقٌ به، فكان أولى؛ لأنَّ السكوتَ عدم).
(قلنا: لا يصار إلى الترجيح إلا عند التعارض، ولا تعارض إلا في اتحاد السبب والحكم) وليس في هذا الجواب قولٌ بالموجبِ كما توهم.
(ولنا قوله تعالى: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}) فإنَّ فيه دلالةً على أنَّ المطلقَ يجري على إطلاقه، ولا يُحمل على المقيد ما دامَ عنه مندوحة؛ لأنَّ فيه تغليظاً ومُساءةً، وقد نهى بالنَّص المذكور عما يوجبه.
(وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أبهِموا ما أبهَم الله) أي اتركوه على إبهامه، والمطلق مبهم بالنسبة إلى المقيد فلا يُحمل عليه.
(وعامَّة الصحابة رضي الله عنهم لم يعتبروا قيدَ الدُّخول الوارد في الرَّبائب في أمهات النِّساء).
قال عمر رضي الله عنه: أمُّ المرأة مبهمةٌ في كتاب الله تعالى؛ أي خالٍ تحريمها عن قيد الدخول الثابت في الربائب، فأبهموها أي اتركوها على حالها، وعليه انعقد الإجماع.
وفي التفريع المذكور في قوله: "فأبهموها" دلالة على أنَّ العلةَ لما ذُكر إطلاقُ المطلق، فالحكم عامٌّ، وإن كان السَّببُ خاصاً.
(ولإنَّ إعمالَ الدَّليلين) واجبٌ ما أمكن؛ فيعمل بكلِّ واحدٍ في موردِه إلا إذا تعذَّر، وهو عند اتحادِ الحادثة والحكم، وكون الإطلاق والتقييد فيه.
لمَّا فَرغَ عن نفي مذهب من قال بالحمل مطلقاً، شرعَ في نفي مذهب من قال به بشرطِ اقتضاءه القياس بقوله:
(والنَّفي في المقيسِ عليه بناءً على العدم الأَصلي) فإنَّ قوله تعالى في كفارة القتل: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} مثلاً، يدلُ على إجزاء المؤمنة، ولا دلالةَ فيه على الكافرة أصلاً، والأصل عدم إجزاء التحرير عن الكفارة، وقد ثبت إجزاء المؤمنة بالنَّص، فبقي إجزاء الكافرة على العدم الأصلي، فلا يكون حُكماً شرعياً كما زعمه الخصم (فكيف يعدَّى) ولا بدَّ في القياس من كون المعدى حكماً شرعياً.
[ولما استشعر أن يقول الخصم: نحن نعدِّي القيد، وهو حُكم شرعيّ]؛ لأنَّه ثابت بالنَّص، فيثبت عدم إجزاء الكافرة ضمناً، لا أنَّا نعدِّي هذا العدم قصداً، ومثل هذا يجوز في القياس، تداركه بقوله:
(والقيد) كقيد الإيمان في المثال المذكور (إنما يدل على الإثبات) أي إثبات الحكم وهو الإجزاء في مثالنا (في المقيد) وهو تحرير رقبة مقيدة بالأيمان فيه (ولا دلالة فيه على النَّفي) أي على نفي الحكم (في غيره فتعديته عين تعدية العدم).
(وإن كانت غيرها) أي إن سلّم أن تعديته يغاير تعدية العدم مفهوماً (فهي قصداً) أي تعديةالعدم مقصودة من تعدية القيد، وليس بحكم شرعيٍّ فلا يصحُّ القياس.
(وأيضاً) أراد بيان فساد آخر فيما ذكر (فيه إبطال لحكم شرعيٍّ) وهو إجزاء غير المقيد كالرَّقبة الكافرة في كفارة اليمين (دل عليه المطلق، وهو قوله تعالى فيها: {أو تحرير رقبة}، فإنَّ المطلقَ حكمهُ أن يجريَ على إطلاقه، فيدل على وجوبه، سواء كان في ضمن المقيد المذكور أم غيره.
واعتبار وصف السَّلامة؛ لأنَّ المطلقَ لا يتناول ما كان ناقصاً فيه جنسه) لكونه فائتاً جنساً من المنفعة.
(فليس فيه تقييدُ المطلق) جواب عما ذكر في المحصول، وهو أنكم قيَّدتم المطلق في هذه المسئلةِ.
وتقرير الجواب:
أنَّ المطلق ينصرف إلى الكامل فيما يطلق عليه، كالماء فإنَّه ينصرفُ عن ماءِ الوردِ إلى المعهود.
(وقيد السائمة زيادة على قوله عليه السَّلام: ((في خمس من الإبل [ ... ] زكاة))، إنما ثبتَ بقوله عليه السَّلام: ((ليس في العوامل والحوامل والعلوفة صدقة))، لا بقوله عليه السَّلام: ((في خمس من الإبل السائمة زكاة))) حتى يلزم حملُ المطلقِ على المقيد مع كون الإطلاق والتقييد في السَّبب، فيكون مخالفاً لما تقدم.
(وقيدُ العدالةِ زيادة على قوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم}، إنما يثبتُ بقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ}، لا بقوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم) حتى يلزمَ حملُ المطلقِ على المقيد مع الاختلاف في الحادثة، فيكون مخالفاً لما تقدَّم.
(وأيضاً لا يقاسُ مع وجودِ النَّص) فإنَّ شرطَ القياسِ أن لا يكون في المقيس نصٌّ دالٌّ على الحكم المعدَّى، لا ثبوتاً ولا نفياً.
(والعامُّ لا يُخصُّ بالقياس ابتداءً حتى يقاسَ عليه) أي على تخصيصهِ بالقياس (تقييد المطلق بالقياس ابتداءً، على أنَّ التقييد) أي تقييد المطلق (نسخ) لحكم الإطلاق.
(والتخصيص) أي تخصيصُ العام (بيان لعدم دخول المخصوصِ تحت حكمِ العام، فأين هذا من ذلك) جواب عما ذكر في المحصول، وهو أنَّ العام يُخصُّ بالقياس باتفاق بيننا وبينكم، فيجب أن يقيدَ المطلقُ بالمقيد بالقياس عندكم أيضاً؛ لأنَّ دلالةَ العام على الأفراد؛ لكونها قصدية، فوقَ دلالةِ المطلق عليها؛ لكونها ضمنية.
وتقرير الجواب: أنَّ العام لا يخصُّ عندنا بالقياس مطلقاً، بل إنما يخصُّ إذا خُصَّ أولاً بدليل قطعي.
والخلاف في مسألتنا هذه في تقييد المطلق ابتداءً بالقياس (وقد قام الفرق بين الكفارتين) يعني فيما نحن فيه من تقييد كفارة اليمين بالقياس على كفارة القتل مانع آخر (فإن القتل من أعظم الكبائر) فيجوز أن يشترطَ فيه الإيمان، ولا يشترط فيهما دونه بناءً على أنَّ تغليظَ الكفارةِ يكون بقدر غلظ الجناية.
(فصل)
[المشترك]
(حُكم المشترك التأمُّل) أطلق التأمل؛ ليشمل التأمُّل في الخارج من الأَدلةِ والأمارات (حتى يترجح أحد معنييه أو معانيه).
ولما استشعر أن يقال: لم لا يجوزُ أن يُحمل على كلِّ واحد من المعنيين من غير تأمل فيما يحصل به ترجُّح أحدهما على الآخر، تداركه بإيراد مسئلة امتناع استعمال المشترك في معنييه فقال:
(ولا يحمل في استعمال واحد على أكثر من معنى واحد لا حقيقة، لأنه لم يوضع للمجموع) لا لأنه يلزم حينئذٍ أن لا يكون حقيقة في أحدهما منفرداً عن الآخر؛ لأنه يجوز أن يكون موضوعاً لكل واحد منهما منفرداً عن الآخر أيضاً، بل لأنه حينئذ يكون استعماله فيه على أنه معنى واحد من معاينه، فلا يوجد الحمل على أكثر من معنى واحد، والمفروض خلافه.
وفيه نظر؛ لأن المراد من حمله على أكثر من معنى واحد، هو أن يحمل على كل واحد من المعنيين على أنه المقصود أصالة، لا على أنه جزؤه، فلا تأثير للوضع للمجموع وعدمه فيما ذكر.
(ولا مجازاً لاستلزامه الجمع بين الحقيقة والمجاز) لا لأنه لو أرد به المجموع مجازاً وكل واحد من المعنيين مراد حقيقة فيلزم المحذور المذكور؛ لأن المقدمة الثانية في معرض المنع، بل لأن استعماله في المعنيين مجاز، وكل منهما مراد باللفظ ومناط للحكم، لا يتصور إلا بأن يكون بينهما علاقة، فيراد أحدهما على أنه نفس الموضوع له، والآخر على أنه يناسب الموضوع له بعلاقة، وهل هذا إلا جمع بين الحقيقة والمجاز!.
(ولا متمسك للمخالف في قوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون}) بناءً على أنَّ الصلاة من الله تعالى الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، لا لأنَّ الفعل متعدد لتعدد الضمائر، ولا لأنَّه أيضاً غير جائز عندنا؛ لأنَّ الكلام في رد الاحتجاج بما ذكر على محلِّ الخلاف المعهود، بل لأنَّ ذلك التعدد بحسب المعنى لا بحسب اللفظ فلا يخرجه عن المبحث.
(بل لجواز أن يكون المعنى واحداً حقيقياً كالدعاء) أنه تعالى يدعو ذاته، والملائكة بإيصال الخير، وذلك في حقه تعالى بالمغفرة، وفي حق الملائكة بالاستغفار.
(أو مجازياً كإرادة الخير) ولا بأس في اختلاف هذا المعنى باختلاف الموصوف، إذ لا يلزم به أن يكون من باب الاشتراك (وضعاً) وهذا القدر يكفي في الجواب.
ومن تعدى عنه وتصدى للاستدلال على عدم الاشتراك- قائلاً:
لأن سياق الآية لإيجاب اقتداء المؤمنين بالله تعالى وملائكته في الصلاة على النَّبي عليه السَّلام، ولا بد من اتحاد معنى الصلاة في الجميع؛ لأنه لو قيل: إنَّ الله تعالى يرحم النبي عليه السلام، والملائكة يستغفرون له، يا أيها الذين أمنوا ادعوا له؛ لكان هذا الكلام في غاية الركاكة، فلا بد من اتحاد معنى الصلاة حقيقياً كان أو مجازياً - فقد ارتكب شططاً، بل ركب غلطاً؛ لأنَّ ما توهمه من الركاكة "إنما يلزم إذا لم يكن هناك أمر مشترك هو المقصود بالإيجاب للقطع بعدم الركاكة في مثل قولنا: أنَّ السلطان قد التفت إلى زيد والأمير قد خلع عليه فعظموه أيها الرَّعايا".
ولا متمسك لهم أيضاً في قوله تعالى: {ألم ترى أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض}، بناء على أنَّ المراد من السجود المنسوب إلى غير العقلاء الانقياد؛ لتعذر السجود المعهود في حقه، ومن المنسوب إليهم ما هو المعهود دون الانقياد؛ لأنه شامل للكل غير مخصوص بالأكثر؛ لأن كلاً من التعليلين في معرض المنع:
أما الأول: فلأن حقيقة السجود على ما نصَّ عليه في المجمل وضع الرأس فلا تعذر في نسبته إلى غير العقلاء، ولا حاجة إلى إثبات حقيقة الرأس في الكل؛ لأن التغليب سائغ شائع.
وأما الثاني: فلأن الكفار ولا سيما المتكبرون منهم لاحظَّ لهم من الانقياد؛ لأنَّ المراد منه الإطاعة بما ورد في حقه من الأمر تكليفياً كان أو تكوينياً على وجه ورد به الأمر، وتقدير فعل آخر في مثل هذا المقام من ضيق العَطَن، كما لا يخفى على أرباب الفِطَن.
التقسيم الثاني
باعتبار استعمال اللفظ (التقسيم الثاني: باعتبار استعمال اللفظ)
مفرداً كان أو مركباً (في المعنى، فإن استعمل) استعمالاً صحيحاً (فيما وضع له) أراد بالوضع ما يشمل النوعي والشخصي اللغوي والشرعي والعرفي والاصطلاحي.
1 - (فحقيقة) أي نوع من الحقيقة منسوبة إلى ذلك الوضع، فإن كان لغوياً فلغوية وإن كان شرعياً فشرعية، وكذا الحال في المجاز، وقد يجتمعان و يكون الامتياز بالحيثية.
(وإن استعمل فيما لم يوضع له) لم يقل في غيره؛ لأن المشترك أيضاً مستعمل في غير ما وضع له.
2 - (فمجاز).
وشرطَ صحة الاستعمال في التقسيم احترازاً عن الغلط، اقتضى في المجاز وجود العلاقة بين معناه ومعنى الحقيقي، وفي المرتجل الوضع قبل الاستعمال.
3 - (والمنقول: وهو ما هجر فيه المعنى الحقيقي لغلبته في المعنى المجازي، بحيث يفهم بلا قرينة مع وجود العلاقة بينه وبين الحقيقي، وينسب إلى الناقل) فيقال منقول شرعي عرفي واصطلاحي (حقيقة في المعنى الثاني، ومجاز في الأول من جهة الوضع الثاني).
من هنا ظهر أنَّ المجاز ينقلب حقيقة بغلبة الاستعمال.
والحقيقة تنزل منزلة المجاز حتى لا يثبت معناها إلا بالنية أو دلالة القرينة بغلبته، وإن لم يكن مجازاً.
(وبالعكس من جهة الوضع الأول) كالصلاة حقيقة في الدعاء، ومجاز في الأركان المخصوصة لغةً وبالعكس شرعا. ً
(هذا إذا لم يكن الثَّاني من أفراد الأوَّل، وإن كان منها كالدَّابة) المنقولة (لذي الأربع خاصة) فإنَّها في الأصل لما يدبُّ على الأرض (فحقيقة من جهة الوضع الأوَّل مجازٌ من جهة الثَّاني إن كان إطلاقه عليه) أي على ما هو من أفراد الأوَّل (باعتبار أنه منها) أي من أفراده.
(وبالعكس إن كان باعتبار أنه من أفراد الثَّاني).
(فإطلاق لفظ الدابة في الفرس مثلاً بحسب اللغة حقيقة باعتبار، ومجاز باعتبار).
(وكذا بحسب العرف) لأنَّه إن كان من حيث إنَّه من أفراد ما يدب على الأرض فحقيقة لغةً، ومجاز عرفاً، وإن كان من حيث إنَّه من أفراد ذوات الأربع فبالعكس؛ لأنه لم يوضع في اللغة للمقيد بخصوصه، ولا في العرف للمطلق بإطلاقه.
(فليس اعتبار الأوَّل فيه لصحَّة الإطلاق) تفريع على ما تقدم.
يعني لما كان المنقول ما هجر فيه المعنى الحقيقي، لم يكن اعتبار المعنى الأوَّل فيه لصحة إطلاقه على المعنى الثَّاني (كما في المجاز) فإنَّ اعتبار الأوَّل أي المعنى الحقيقي فيه لصحة إطلاقه على الثَّاني أي المعنى المجازي (بل لترجيح اللفظ) المنقول (والمعنى) المنقول إليه (على سائر الألفاظ والمعاني).
(ولهذا) أي لعدم كون اعتبار المعنى الأول لصحة الإطلاق، لا يطلق المنقول على كل ما يوجد فيه المعنى الأوَّل.
وهذا معنى قوله: (فلا يطلق الدَّابة) في العرف (على كل ما يوجد فيه الدَّبيب).
(والصلاة) في الشرع (على كل دعاء، كما يطلق الأسدُ على كلِّ من يوجد فيه الشَّجاعة).
ثمَّ إنَّه ظهرَ من البيان السَّابق أنَّ الوضعَ قد لا يعتبر فيه المناسبة بين اللفظ والمعنى، كالجدار والحجر، وقد يعتبر، كالقارورة والخمر.
وإن رعاية المناسبة في وضع بعض الألفاظ لا تستلزم صحة إطلاقه حقيقة على كل ما يوجد في تلك المناسبة، ولهذا لا يجري القياس في المعاني اللغوية.
4 - (والمرتجل: وهو ما وضَعَه واضعٌ آخر لمعنى غير) المعنى (الأوَّل) إنما قال واضع آخر؛ ليخرج المشترك، فإنَّ الوضعين فيه لواضع واحد (ولا مناسبة بينهما).
فخرج المنقول (يكون حقيقة بعد الاستعمال) إنما قيد به؛ لأنه شرط في الحقيقة دون المرتجل، فمن جعله مقابلاً لها اعتباراً للوضع الأول في التقسيم لم يصب، إذ حينئذٍ يلزم خروج المشترك عن حدِّ الحقيقة، إذ لم يثبت أنَّ وضعه معاً.
(ثم إنَّ اللفظ المستعمل) قيد به إخراجاً لمرتجل لم يستعمل بعد (حقيقة كان أو مجازاً إن كان في نفسه بحيث لا يستتر منه المراد فصريح وإلا فكناية).
(فالحقيقة التي لم تغلب صريح، والتي غُلبت) سواء كانت مهجورة بالكلية أو لا (كناية، والمجاز إن غلب فصريح، وإلا فكناية) هذا عند علماء الأصول.
(وعند علماء البيان الكناية لفظ استعمل فيما وضع له، لا لأنه مقصود، بل للانتقال منه إلى ملزومه) فهو مناط الحكم، ومرجع الصدق والكذب (كطويل النجاد) فإن القصد به إلى طول القامة، لا إلى طول النجاد إلا أنه لا يصح كناية إلا إذا كان له نجاد طويل، لأن شرط الكناية وهو الاستعمال في الموضوع له لا يتحقق بدونه.
(فهي لا ينافي إرادة الموضوع له) ضرورة أنها مستعملة فيه وهو مقصود منها في الجملة (بخلاف المجاز) لأن المقصود [منه أولاً وبالذات] غير ما وضع له فينافي إرادة الموضوع له.
[أنواع الحقيقة والمجاز من حيث التركيب]
(ثمَّ كلٌّ من الحقيقة والمجاز إمَّا مفرد، وقد مرَّ مثالهما) لم يقل تعريفهما؛ لأنَّ ما مرَّ من التعريفين مشترك بين المفرد والجملة.
(أو جملة، والأول: من هذا القسم ظاهر).
(وأما الثاني: فكقوله: إني أراك تقدِّم رِجْلاً وتؤخِّر أخرى، ولا اختصاص له) بالاستعارة التمثيلية، فإن المجاز المتفرع على الكناية، كقوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان}.
وعامة الإخبارات المستعملة في الإنشاء، وكل ما استعمل من أقسام الطلب في الآخر من هذا القسم.
(ثم إنَّ الجملة حقيقة كانت أو مجازاً بحسب الوضع ينقسم إلى:
مجاز عقلي: وهي ما نسب فيه الفعل إلى غير فاعله لملابسة بينه وبين الفعل، كقول الموحِّد: أنبت الربيع البقل.
وحقيقة عقلية: إن لم يكن كذلك، فيدخل فيها قول الكاذب معتقداً كان به، كقول الدَّهري: أنبت الربيع البقل، أو غير معتقد، كقول من قال: جاء زيد، وهو عالم بأنه لم يجئ) بخلاف ما إذا قيل في الحقيقة العقلية ما نسب فيه الفعل إلى فاعله عند المتكلم فإنه حينئذٍ لا يدخل فيها ثاني قسمي قول الكاذب، لأن المتبادر من عبارة: عند فلان هو أن يكون معتقداً به، بل نقول إنها كالعلم فيه.
وزيادة بسط في الكلام لتحقيق هذا المقام موضعه فنٌ آخر، وقد استوفينا حقه في بعض تعليقاتنا.
(فصل)
[المجاز]
لمَّا كان مبنى المجاز على العلاقة؛ أورد هذا الفصل لبيانها.
(وإذا أردت بلفظ غير ما وضع له فالمعنى الحقيقي إن حصل له بالفعل قبل زمان اعتبار الحكم) وهو زمان وقوع النسبة في الخبر، وقس عليه حال الإنشاء (فمجاز باعتبار ما كان، أو بعده فمجاز باعتبار ما يؤول) لا بد من اعتبار الحصول بالفعل فيه أيضاً، فرقاً بينه وبين المجاز بالقوة والاكتفاء فيه بتوهم الحصول، بناء على عدم اعتبار المجاز بالقوة قسماً آخر (أو بالقوة فمجاز بالقوة، كالمسكر لخمر اريقت) وكالخمر لعصير أريق.
(وإن لم يحصل له أصلاً) أي لا بالفعل ولا بالقوة (فلا بد من علاقة) بين المعنى الحقيقي والمجازي، لم يقل لملازمة؛ لأنها غير لازمة بل المناسبة أيضاً غير لازمة؛ ولذلك يطلق أحد الضدين على الآخر مجازاً (ينتقل الذهن في الجملة من الوضعي إليه، وهي) أي تلك العلاقة.
[علاقات المجاز]
1 - (إما ذهنية محضة) بأن لا يكون بينهما تعلق ومناسبة إلا في اعتبار الذهن (كما في إطلاق البصير على الأعمى) هذا إذا لم يقصد به الاستعارة التمليحية أو التهكمية.
وأما قصد المشاكلة، فلا ينافيه؛ لأنها من قسم المجاز المرسل، وكذا التفائل، وهذا ظاهر.
2 - (أو خارجية، وحينئذ أما أن يكون أحدهما جزء الآخر، كما في إطلاق اسم الكل على الجزء كالجمع للواحد، أو بالعكس، كالرقبة للعبد، أو لا) أي لا يكون واحد منهما جزء الآخر، وحينئذ (إما أن لا يكون المجازي صفة للحقيقي، فالعلاقة إما المحلِّية كما في إطلاق اسم المحل على الحال، أو بالعكس).
(وإطلاق الغائط على قضاء الحاجة من القسم الأول) غايته أنَّ المحلِّية باعتبار العادة، فإنه لما كان المعهود المتعارف قضاء الحاجة في المكان المطمئن حصل بينهما علاقة عرفية فبناءعلى هذا ينتقل الذهن من الغائط إلى قضاء الحاجة.
3 - (وأما السببية، كما في إطلاق اسم السبب على المسبب، نحو: رعينا الغيث -أي النبت- وبالعكس، كقوله تعالى: {وينزل لكم من السماء رزقا} -أي مطراً-).
4 - وأمَّا الشَّرطية كما في إطلاق اسم الشَّرط على المشروط، كقوله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} - أي صلواتكم- وبالعكس، كإطلاق العلم على المعلوم).
(أو يكون صفته وهو الاستعارة، وشرطها أن يكون الوصف بيناً كأسد يراد به لازمه وهو الشجاع، فيطلق على زيد باعتبار أنه شجاع) ولما كان مبنى هذا الإطلاق على علاقة المشابهة بين زيد والأسد امتاز الاستعارة عن المجاز المرسل. فتأمل.
(وإذا عرفت هذا أن مبنى المجاز على إطلاق اسم الملزوم على اللازم، والملزوم أصل واللازم فرع، فإذا تحقق جهة الأصالة في الطرفين بالاعتبارين يجري المجاز من الطرفين، كالعلة مع المعلول الذي هو علة غائية لها) لم يقل هنا كالسبب مع المسبب؛ "لأن منه ما هو سبب محض ليس في معنى العلة، فلا يطلق المسبب عليه مجازاً كما سيجيء".
5 - (وكالجزء مع الكل فإنَّ الجزء تبع للكل) "في الحصول من اللفظ بمعنى أنه إنما يفهم من اسم الكل بواسطة أنَّ فهم الكلّ موقوف على فهمه" (والكل محتاج إليه) فتحقق جهة الأصالة في الجملة في كل منهما بالنسبة إلى الآخر، إلا أن اطلاق اسم الكل على الجزء مطرد، وعكسه غير مطرد، حيث لا يطلق الرِّجل والقَدم على الإنسان.
وأمَّا بيان الضابط بأنَّه يجوز في صورة يستتبع الجزء الكلّ، كالرَّقبة والرأس مثلاً، فإنَّ الإنسان لا يوجد بدون واحد منهما.
ولا يجوز في صورة لا يستتبع الجزء الكل فمنقوض باليد، فإنها من قبيل الثاني، مع أنه يجوز إطلاقها على الكلّ، كيف وقد وقع في قوله تعالى: {تبت يدا أبي لهب وتب}.
6 - (وكالمحلِّ) فإن فيه جهة أصالة لحاجة الحال إليه، والحال إذا كان مقصوداً منه- أي من المحل- إنَّما قيد به؛ لأنَّ صحة العكس موقوفة عليه (كالماء والكوز) والمراد من الحلول ما يعم أنواع الحصول فيه.
(ولا اختصاص لاعتبار العلاقات المجازية المذكورة باللغة، بل يوجد في الأسماء الشرعية أيضاً، كالاتصال في معنى المشروع كيف شرع) عبر به عن علاقة المشابهة؛ لأنَّها اتفاق في الكيفية والصورة (يصلح علاقة للاستعارة) أي ينظر في التصرفات المشروعة، كالبيع والإجارة وغيرهما، أنَّ هذه التصرفات على أي وجه شرع.
فالبيع عقد شرع لتمليك المال بالمال، والإجارة لتمليك المنفعة بالمال، فإذا حصل اشتراك التصرفين في هذا المعنى يصح استعارة أحدهما للآخر.
وكما يشترط الاستعارة في غير الشرعية اللزوم البين، فكذلك يشترط لها فيها.
واللازم البيِّن للتصرفات الشرعية هو المعنى الخارج عن مفهومها، الصادق عليها، الذي يلزم في الجملة من تصورها تصوره (كالوصية والإرث) فإنَّ كلاً منهما استخلاف بعد الموت، إذا حصل الفراغ من حوائج الميت، كالتجهيز والدَّين.
7 - (وكالسببية) عطف على قوله كالاتصال (كالنكاح ينعقد بلفظ الهبة في الحرة) لا بدّ من هذا القيد؛ لأنها إذا كانت أمة يثبت الهبة، فإنها وضعت لملك الرقبة، أي لعقد وضعه لأجل ملك الرقبة (والنكاح لملك المتعة) أي لعقد وضعه لملك المتعة (ولذلك) أي ملك الرقبة (سبب لهذا) أي لملك المتعة، فأطلق ما وضع لما يترتب عليه السبب وهو عقد الهبة على ما يترتب عليه المسبب وهو عقد النكاح، وهذا هو المراد من علاقة السببية ههنا.
(وهذا) أي انعقاد النكاح بلفظ الهبة (عند الشَّافعي من خواصِّ النبي عليه السَّلام، لقوله تعالى: {خالصة لك}).
وجه الاحتجاج: أن اللفظ تابع للمعنى، وقد خُصَّ النَّبي عليه السلام بالمعنى فيختصُّ باللفظ.
فالجواب: بأن الخلوص ليس في اللفظ، بل في الحكم، وهو عدم وجوب المهر، أو عدم حلِّ نكاحها للغير، خارج عن سنن الصَّواب.
(قلنا: دلالته على الانعقاد) أي انعقاد النكاح (بلا عوض بلفظ الهبة مخصوص به عليه السلام، ولا نزاع فيه) إنما الكلام في انعقاد النكاح بعوض باللفظ المذكور في حق الأمة، والنص ساكت عنه فبقي دليلنا سالماً عن المعارض.
(ثم إنه قال: لا ينعقد) أي النكاح (إلا بلفظ النكاح والتزويج؛ لأنَّه عقدٌ شرعَ لمصالحَ لا تُحصى) كالنَّسبِ، وعدم انقطاع النَّسل، والاجتناب عن السِّفاح، وتحصيل الإحصان، والائتلاف بينهما، واستمداد كلّ منهما في المعيشة بالآخر، إلى غير ذلك مما يطول تعداده (وغير هذين اللفظين قاصرٌ عن الدَّلالة عليها) أي على المصالح المذكورة.
(قلنا هي) أي تلك المصالح (ثمرات وفروع وإنَّما بني النِّكاح للمِلك له عليه) أي للزوج على الزوجة (ولذلك) أي لكون وضع النِّكاح لملكه عليها لا للمصالح المشتركة (بينهما لزمَ المهرُ عليها عِوضاً عن مِلك النِّكاح، وكان الطَّلاق بيدهِ خاصَّة) فإنَّه لو كان وضعَهُ لأمرٍ مشتركٍ بينهما لما وجبَ المهرُ عليه، ولما اختص الطلاق بجانبه.
(إذا صحَّ بلفظ لا يدلُّ على الملك لغةً) يعني لفظ النكاح والتزويج (فأولى أن يصحَّ بلفظ يدلُ عليه).
ولمَّا استشعرَ أن يقال: إذا لم يكن في لفظ النكاح والتزويج دلالة على الملك لغةً ينبغي أن لا يصح النكاح بهما.
تداركه بقوله: (وإنما يصحُّ بهما لأنَّ الشرع نقلهما إلى هذا العقد) فصارا بمنزلة العلمين له (والواجب في المنقول الشرعي رعاية المعنى اللغوي لا الاقتصار عليه) حتى لا يصح اعتبار الدَّلالة على الملك في معناه الشَّرعي.
(وكذا) أي كانعقاده بلفظ الهبة (ينعقد بلفظ البيع لما ذكر) من علاقة السَّببية على الوجه المشروح فيما تقدَّم.
(وإنما لم يصحَّ العكس) أي لم يثبت الهبة ولا البيع بلفظ النكاح (بطريق إطلاق اسم المسبب على السبب؛ لأن ذلك) أي صحة إطلاق اسم المسَّبب على السَّبب (عندما شرع السبب للمسبب) أي يكون الغاية من شرعيَّة السَّبب ذلك المسَّبب (كالبيع للملك) فإنَّ غايةَ شرعيَّة البيعِ الملك.
(فإن قال:) تفريع وتمثيل لما ذكر (إن ملكت عبداً فهو حر، أو قال: إن اشتريت، فشراه متفرقاً بحيث لم يجتمع الكلّ في ملكه بأن اشترى نصفه، ثم باعه، ثم اشترى النصف الآخر، يعتق في الثاني) لأنه يقال عرفاً أنه مشتري العبد (دون الأول) لأنه لا يوصف بملك العبد لغةً ولا عرفاً ههنا.
(إلا إذا عَنى بأحدهما الآخر، فيقبل ديانةً فيهما فينعكسُ الحكْم) أي يعتق في الأوَّل دون الثَّاني.
(وقضاء فيما لا تخفيف فيه) إن عَنى في الصُّورة الأولى الملك الشراء، بطريق إطلاق اسم المسَّبب على السَّبب الذي شُرع له، صُدِّق ديانةً وقضاء؛ لأنَّه عَنى ما فيه غِلظة.
وإن عَنى في الصُّورة الثَّانية بالشِّراء الملك بطريق إطلاق اسم السبب على المسبب صدِّق ديانةً لا قضاء؛ لأنَّه أراد تخفيفاً.
(أما إذا كان سبباً محضاً) أي لا يكون مشروعاً لمسَّببه كملك الرَّقبة، فإن شرعيَّته ليست لملك المتعة، ولذلك يتحقق الأول دون الثاني في العبد، والأخت من الرضاع.
(فلا ينعكس) أي لا يصح اطلاق اسم المسبب على السبب (على ما قلنا) أي على مُوجبِ ما قدَّمنا من أنَّه:
إذا حقق جهة الأصالة في الطرفين بالاعتبارين يجري المجاز منهما إلى آخره، فإنه قد ظهر منه أنه إذا لم يتحقق جهة الأصالة في الطرفين بالاعتبارين لا يجري المجاز منهما (فيقع الطلاق بلفظ العتق) أي بناء على الأصل المذكور (فإن العتق بمعنى الإعتاق وضع لإزالة الملك أو لإثبات القوة بها) نص على ذلك في الهداية (والطلاق لإزالة ملك المتعة، وتلك سبب لهذه) أي إزالة ملك الرقبة سبب لإزالة ملك المتعة (إذ تفضي إليها، وليست هذه) أي إزالة ملك المتعة (مقصودة منها) أي من إزالة ملك الرقبة (فلا يثبت العتق بلفظ الطلاق) بذلك الطريق (خلافاً للشافعي لما مرَّ) من الأصل الخلافي.
(ولا يثبت بطريق الاستعارة) أيضاً (إذ كل منهما إسقاط) أي إسقاط لحق التصرف:
إما إثبات كالبيع والإجارة والهبة ونحوها.
وإما إسقاط، كالطلاق والعتاق والعفو عن القصاص ونحوها.
(بُني على السِّراية واللزوم) أراد بالأوَّل: ثبوت الحكم في الكلّ بسبب ثبوته في البعض، والثَّاني: عدم قبول الفسخ (لعدم الإتصال بينهما في المعنى المشروع كيف شرع؛ لأنَّ الطَّلاق رفعُ قيدِ النِّكاح، والعتق) بمعنى الإعتاق (إثبات القوة الشرعية) بناءً على أنهما من المنقولات الشرعية فلا بدَّ من اعتبار المعنى اللغوي فيهما.
والطَّلاق في اللغة رفع القيد، يقال: أطلقت الأسير أي خلَّيته، وأطلقتُ النَّاقة من عقالها، والعتق بمعنى القوة، يقال: عتق الطائر إذا قوى وطار عن وكره، ومنه عتاق الطير، ويقال: عتقت البكر إذا أدركت وقويت، فالشرع نقله إلى القوة المخصوصة.
(وهذا لا ينافي قول أبي حنيفة رحمه الله) في مسئلة تجزئ الإعتاق (إنَّه إزالة الملك؛ لأنَّ مراده أنَّ التصرف الصادر عن المالك عند الإعتاق هي) أي إزالة الملك (لا أنها معناه الشرعي وإسناده) أي إسناد العتق (على معناه الشرعي إلى المالك مجازي لصدور سببه) وهو إزالة الملك (عنه) فيكون المجاز في الإسناد حيث أسند الفعل إلى السبب البعيد، كما في قوله تعالى: {ينزع عنهما لباسهما}.
(بقي ههنا إشكال، وهو أن الاستعارة إنما تكون للمعنى) إذ لا معنى لاستعارة اللفظ للفظ (ولا مانع عن استعارة لفظ الطلاق لمعنى إزالة ملك الرقبة، لمناسبة بينهما وبين معنى الطلاق، وهو إزالة القيد وهذا كافٍ في ثبوت المطلوب) أي في مطلوب الخصم، والتعرض للفظ الاعتاق، وبيان معناه خارج عن المبحث.
(فالوجه) في بيان عدم صحة استعارة الطلاق للعتق (أن يقال: إن إزالة الملك أقوى من إزالة القيد) ضرورة أن الملك أقوى منه، ومزيل القويّ أقوى من مزيل الضعيف (فلا يصح استعارة هذه) أي إزالة القيد (لتلك) أي لإزالة الملك (بل على العكس) إذ لا بد في الاستعارة من القوة في جانب المشبه به، وفيه نظر.
(وكذا الإجارة) عطف على قوله فيقع الطلاق (تنعقد بلفظ البيع) هذا إذا بين المدة، وعين جنس العمل، وحينئذ لا فرق بين إضافتها إلى الحر وإضافتها إلى العبد، على ما ذكر في الأسرار (دون العكس) لأنَّ ملك الرقبة سبب محض لملك المنفعة.
(وعدم انعقادها به) أي عدم انعقاد الإجارة بلفظ البيع (إذا أضيف إلى المنفعة ليس لعدم صحة المجاز، بل لعدم الصلاحية في المنفعة المعدومة للإضافة).
جواب سؤال تقريره:
أنه إذا صح انعقاد الإجارة بلفظ البيع مجازاً، ينبغي أن يصحَّ بقوله: بعت منافع هذه الدار في هذا الشهر بكذا، لكنه لا يصحّ، وتقرير الجواب ظاهر.
(ولذلك) أي ولكون العلة ما ذكر (لا تنعقد لو كان المذكور لفظها) أي لفظ الإجارة، فإنها إنما تصح إذا أضيفت إلى العين، إقامة للعين الموجودة مقام المنفعة المعدومة.
(واعلم أنه يكفي في المجاز باعتبار السببية أن يكون) المعنى (الحقيقي سبباً لجنس) المعنى (المجازي) ولا يجب أن يكون سبباً للمعنى المجازي بعينه، حتى يراد بالغيث جنس النبات، سواء نبت بالمطر أو بغيره.
واعلم أن ملك المتعة عبارة عن ملك الانتفاع والوطئ، وهو لا يختلف في ملك النكاح واليمين، وإنما يتغاير الأحكام لتغايرهما صفة لا ذاتاً، فإنه يثبت في باب النكاح مقصوداً، وفي ملك اليمين تبعاً، وإنَّما يعتبر اللفظ لإثبات ملك المتعة في المحلّ، فيثبت على حسب ما يحتمله اللفظ، فإذا جعل لفظ الهبة مجازاً عن النكاح يثبت به ملك النكاح قصداً لا تبعاً، فيثبت فيه أحكام ملك النكاح، لا أحكام ملك اليمين.
(ثمَّ اعلم أنَّ المعتبر في العلاقة المجازية سماع نوعها، لا سماع عينها، كيف واختراع المجازات البديعيَّة والاستعارات الغريبة من فنونِ البلاغة إجماعاً) ولهذا لم يدونوا المجازات تدوينهم الحقائق.
(والعلاقة مقتضية للصحة فالتخلف) أي تخلف الصحة عن المقتضى (لمانع) مخصوص (ليس بقادح) لأنَّ عدمَ المانعِ ليس جزءاً من المقتضى.
جواب عن تمسك المخالف القائل باشتراط سماع عينها.
تقريره:
أنَّه لو جازَ بمجرد وجودِ العلاقة، لجاز إطلاق نخلة لطويل غير إنسان للمشابهة، وشبكة للصيد للمجاورة، وأب للابن، وبالعكس للسببية، واللازم باطل اتفاقاً.
(مسألة)
(المجاز خَلَفٌ عن الحقيقة) أي فرعٌ لها (في حق التكلم عند أبي حنيفة، وعندهما في حق الحُكم) لا خلاف في أنَّ المجاز خلف عن الحقيقة، بمعنى أنها هي الأصل الراجح المقدم في الاعتبار، وأيضاً لا خلاف في أن من شرط صحة الخلف إمكان الأصل.
ولذلك يجب الكفارة في مسألة مسِّ السَّماء، وذلك أنه إذا حلف قائلاً: والله لأمسنَّ السماء يجب الكفارة؛ لأن الأصل وهو البر ممكن، فإنَّ مسَّ السَّماء ممكن للبشر، كيف وقد وقع في حق النَّبي عليه السلام، فينعقد اليمين، ويجب الكفارة.
ولا يجب في مسألة الكُوز، فإنه لو حلف قائلاً: والله لأشربنَّ الماءَ الذي في هذا الكوز، ولا ماء فيه، لا يجب الكفارة، لأنَّ الأصلَ وهو البِّر غير ممكن.
"وإنما الخلافُ في جهة الخَلَفِيَّة والفرعية، فعندهما هي الحكم، حتى يشترط في المجاز إمكان المعنى الحقيقي بهذا الكلام، وعنده التكلم، حتى يكفي صحة الكلام من حيث الإفادة سواء صح معناه الحقيقي أم لا (فقوله: هذا ابني لعبده الأكبر منه سناً) أراد به المقدَّم ولادة (يثبت العتق عنده) لصحة اللفظ (ويلغو عندهما) لاستحالة المعنى الحقيقي وهو ثبوت البنوة؛ لأنَّ الأكبر سناً بالمعنى المذكور لا يتصور أن يكون مخلوقاً من نطفة الأصغر".
(لهما أن مبنى المجاز على الانتقال من المعنى الحقيقي إلى المجازي، فلا بدَّ من إمكان الأول) ليتحقق الانتقال منه.
(قلنا: يكفي صحة فهمهِ من اللفظ) ومداره على صحةِ اللَّفظ من حيث الإفادة (ولا يلزم صحة إرادته منه) كيف والمجاز الذي لا إمكان لمعناه الحقيقي واقع في كلام الله تعالى، وهو في كلام البلغاء أكثر من أن يحصى، ومن قال: "لا على إرادته، إذ لا جمع بينهما"، لم يصب؛ لأنَّ مراد الخصم يتم بلزوم صحة الإرادة، ولا حاجة له إلى إرادته بالفعل، فإبطاله لا يجدي نفعاً في دفع ما ذكره.
(فإذا فُهم الأول وامتنع أرادته علم أنَّ المراد لازمه وهو عتقه من حين ملكه، وصار أهلاً للإعتاق) لأنَّ هذا المعنى لازم للبنوة وإنما زاد قوله: "وصار أهلاً"؛ لأنَّه يجوز أن يكون صبياً حين ملكه، فلا يكون أهلاً للإعتاق (فيجعل إقراراً، فيعتق قضاء من غير نية؛ لأنَّه متعين.
ولا يعتق بقوله: يا ابني؛ لأنَّ " وضع النِّداء لاستحضار المنادى) وطلب إقباله (بصورة الاسم من غير قصد إلى معناه) فلا يفتقر إلى تصحيح الكلام بإثبات موجبه الحقيقي أو المجازي.
بخلاف الخبر فإنَّه لتحقيق المخبر به فلا بدَّ من تصحيحه بما أمكن.
(ويعتق بياحر؛ لأنَّه) أي لأنَّ لفظ الحرِّ (موضوع للعتق) وعلم لإسقاط الرِّق (فيقوم عينه مقام معناه) حتى لو قصد التسبيح فجرى على لسانه عبدي حرّ يعتق".
(فإن قيل: إن هذا ابني من قبيل زيد أسد وهو ليس باستعارة) عند المحققين، لا لأنه دعوى أمر مستحيل قصداً؛ لأنه منقوض بمحل الوفاق الآتي ذكره، بل لأنَّ ذكر المشبه يفصح عن التشبيه، وحق الاستعارة أن لا يكون التشبيه ظاهراً (بل تشبيه بحذف الأداة) أي زيد مثل الأسد، وهذا مثل ابني (وهو لا يوجب العتق بالاتفاق).
(قلنا: أنه ليس من قبيل زيد أسد، بل من قبيل الحال ناطقة، لأن ابني معناه مولود لي) ومخلوق من مائي فيكون مشتقاً مثل ناطقة (وهو استعارة بالاتفاق).
(مسألة)
[عموم المجاز]
(قال بعض الشَّافعية: لا عُموم للمجاز، كالصَّاع في قوله عليه السَّلام: ((ولا الصَّاع بالصَّاعين))) قد أريد به الطعام إجماعاً، فلا يشمل غيره (لأنه ضروري) أراد ضرورة المتكلم لقصور في اللغة، حيث لم يوجد فيها حقيقة تفي المرام، أو تناسب المقام، فليس فيه مظنة عجزه وقصوره، كما سبق إلى بعض الأوهام (فيتقدر بقدر الضرورة).
(قلنا: لا نمنع أنَّه ضروري، بل يصار إليه توسعة للطريق) أي طريق أداء المعاني (على المتكلم، وإيفاء لحق المقام من جهة البلاغة) فإنَّه أحد نوعي الكلام، وفيه من لطائف البلاغة ما لا يتحمله الحقيقة.
(ولو سلم أنَّه ضروري لكن يجوز أن يكون الضرورة في أداء المعنى العام) فإنه كما يتصور الاضطرار إلى المجاز لأجل المعنى الخاص، فكذا يتصور لأجل المعنى العام، بأن لا يجد المتكلم لفظاً يدلّ على جميع أفراد مراده بالحقيقة (فتقدره) أي تقدر المصير إلى المجاز (بقدر الضرورة لنا لا علينا) وهذا جواب بطريق القول بالموجب.
(مسألة)
[إطلاق اللفظ على الحقيقة والمجاز]
(لا يراد من اللَّفظ الواحد) في إطلاق واحد (معناه الحقيقي والمجازي معاً) بأن يكون كلّ منهما متعلق الحكم، فلا يرد النقض بالكناية؛ لأنَّ مناط الحكم فيها المعنى الثاني فقط (لرجحان المتبوع على التابع).
وفيه نظر، والحق أنه من جهة اللغة إذ لم يثبت ذلك (فلا يستحق معتق المعتق مع وجود المعتق إذا أوصى لمواليه) لأنَّ مولى فلان حقيقة في الأسفل ومجاز في الأعلى، وكذا إذا أوصى لأولاد فلان أو لأبنائه وله بنون، وبنو بنين، فالوصية لبنيه دون بني بنيه.
أما دخول بنيّ البنين في قوله: آمنونا على أولادنا، على رواية الاستحسان، فليس من جهة تناول اللفظ، بل من جهة أنَّ الأمان لحقن الدَّم، فيبنى على الشبهات.
(ولا يراد غير الخمر بقوله عليه السلام: ((من شرب الخمر فاجلدوه))) لأنه أريد بها ما وضعت له.
(وغير الوطئ بقوله تعالى: {أو لامستم النساء}) لأنَّ الوطئ وهو المعنى المجازي أريد به (عندنا، وغير المسِّ باليد) لأنَّ المسَّ باليد -وهو المعنى الحقيقي- أريد به (عند الشافعي) وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه، وجواز التيمم للجنب حينئذٍ بدليل آخر.
(والحنث بالدُّخول حافياً أو منتعلاً) وراكباً (في: لا يضع قدَمَه في دار فلان، لا للجمع بين) المعنى (الحقيقي) وهو الدُّخول حافياً (والمجازي) وهو الدُّخول منتعلاً أو راكباً (بل؛ لأنَّه في العرف صار عبارة عن أنَّه لا يدخل) ومدار الأَيمان على العرف، ومن غفل عن هذا، زعمَ أنَّ مبنى الجواب ههنا على المصير إلى عموم المجاز.
(ويراد بالإضافة في: لا يدخل دار فلان، نسبة السكنى مجازاً) بدلالة العادة حقيقة كانت أو دلالة، بأن يكون الدار ملكاً له، فيتمكن من السكنى فيها، حتى يحنث بالدخول في دار بكونه ملكاً لفلان، ولا يكون هو ساكِناً فيها (وهي تعمم الملك والإجارة والعارية) فيحنث بعموم المجاز (لا نسبة الملك حقيقة وغيرها مجازاً) حتى يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز.
(وكذا الحنث إذا قدم نهاراً أو ليلاً، في: امرأته كذا يومَ يَقدُم زيد، ليس للجمع) بين المعنى الحقيقي لليوم وهو النهار، والمجازي وهو الليل، بل بعموم المجاز لأن الضمير لليوم (يذكر للنهار، وللوقت، كقوله تعالى: {ومن يولهم يومئذ ديره}).
ولما احتيج إلى ضابط يعرف به أنَّ المراد باليوم النَّهار أو مطلق الوقت، بينه بقوله: (فإذا تعلق بفعل ممتد) هو ما يصح تقديره بمدة، مثل: لبست الثوب يومين، وركبت الفرس يوماً، فللنهار.
وبغير ممتد هو ما لا يصح تقديره بمدة، كالقدوم والدخول، فإنَّه لا يصحُّ أن يقال: قدمت أو دخلت يوماً (فللوقت) المطلق (لأنَّ الفعل إذا نسب إلى ظرف الزمان بغير "في" يقتضي كونه) أي كون ظرف الزمان معياراً له أي للفعل، والمعيار ظرف، لا يفضل عن المظروف، كاليوم للصَّوم (فإن امتدَّ الفعل امتدَّ المعيار، فيراد باليوم النَّهار) لأنَّ الحقيقة لا يعدل عنها إلا عند التعذر، وذلك عند عدم امتداد الفعل.
(وإن لم يمتد، كوقوع الطلاق، لا يمتد المعيار، فيراد به الآن) سواء كان من النَّهار أم من اللَّيل، بدليل النص المذكور، ولعدم اختصاص العلاقة بالأول (وكذا الحنث بأكل الحنطة، وما يتخذ منها عندهما) أي عند أبي يوسف ومحمد (في لا يأكل من هذه الحنطة، ليس له) أي للجمع بين الحقيقة والمجاز، (بل؛ لأنه يراد بأكلها أكل باطنها عادة، فيحنث بعموم المجاز).
(وكذا قول أبي حنيفة ومحمد فيمن قال: لله علي صوم رجب، ونوى اليمين أنه نذر ويمين، حتى لو لم يصم يجب القضاء) لكونه نذراً (والكفارة) لكونه يميناً (ليس له) أي للجمع المذكور (بل؛ لأنه نذر بصيغته) لكونها موضوعة له (يمين بموجبه) لأنَّ النَّذر إيجاب للمباح، وإيجاب المباح يوجب تحريم ضده، وتحريم المباح يمين.
لقوله تعالى: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم}، أي شرع لكم تحليلها بالكفارة، سمّى تحرم النبي عليه السلام الحلال -وهو ماريَّة أو العسل على نفسه- يميناً، والمباح أخص من الحلال، فتحريمه يتضمن تحريم الحلال.
(كما أنَّ شراءَ القريب شراء بصيغته تحرير بموجبه) المراد بالموجب اللَّازم المتأخر، ودلالة اللَّفظ على لازم معناه لا يكون بطريق المجاز ما لم يكن مستعملاً فيه، كالأسد إذا أريد معناه الحقيقي يدلُّ على الشَّجاعة التي هي لازمه بطريق الالتزام، ولا يكون مجازاً لعدم استعماله فيه.
(وثبوت الموجب لا يتوقف على الإرادة، فلا جمع بين المعنى الحقيقي والمجازي) في الإرادة كما توهم.
(والتوقف على نية اليمين لكونه بمنزلة الحقيقة المهجورة بغلبة استعماله في النذر) جواب سؤال تقريره:
أن كان هذا موجبه يكون يميناً، وإن لم ينو اليمين، كما إذا اشترى القريب يعتق عليه، وإن لم ينو.
وأما الجواب: بأن اليمين ثبت بالإرادة والنذر بالصيغة من غير تأثير للإرادة فيه، فلا جمع بين المعنى الحقيقي والمجازي في الإرادة، فلا يتمشى فيما أذا نواهما جميعاً.
لا يقال في هذه الصورة: أيضا ثبوت النذر بالصيغة من غير تأثير للإرادة، فكأنه لم يَرد إلا المعنى المجازي.
لأنا نقول: فلا يمتنع الجمع في شيء من الصور لأن المعنى الحقيقي يثبت باللفظ إخباراً كان أم إنشاء، فلا عبرة بإرادته ولا تأثير له.
(مسألة)
[القرينة لا بدَّ منها في المجاز]
(لا بدَّ للمجاز من قرينة مانعة عن إرادة الحقيقة، عقلاً أو حساً أو عادةً أو عرفاً) [عاماً كان أو خاصاً، والفرق بين العادة والعرف، أنَّ العادةَ في الأفعالِ، والعرف في الأقوال]، (أو شرعاً).
1 - (وهي أما خارجة عن المتكلم والكلام) أي لا يكون معنى في المتكلم أي صفة له، ولا يكون من جنس الكلام.
(كدلالة الحال، نحو يمين الفور) إذا أرادت المرأة الخروج فقال: إن خرجت فأنت طالق، يحمل على الفور، فالقرينة الحالية مانعة عرفاً عن الحمل على الحقيقة، وهي الخروج مطلقاً.
2 - (أو معنى من المتكلم كقوله تعالى: {واستفزز من استطعت}، فإنه تعالى لا يأمر بالمعصية) فالمنع فيه عقلاً.
3 - (أو لفظاً) أريد بكون القرينة لفظاً أن يفهم منه بأي طريق كان أنَّ الحقيقة غير مرادة، فلذلك عدّ القرينة في: كل مملوك لي حرّ، لفظية، وهذا لا ينافي لما مرَّ من جعله من قسم المخصص غير الكلامي، لأنَّ المراد منه أن يكون المخصص [ ... ] صريح الكلام (خارج عن هذا الكلام) الذي يكون المجاز فيه (كقوله تعالى: {فمن شاء فلؤمن ومن شاء فليكفر}، فإنَّ ما في سياقه من قوله: {إنا أعتدنا للظظالمين نارا}) يمنع عقلاً (كونه للتخيير، ونحو: طلق امرأتي إن كنت رجلاً، لا يكون توكيلاً) والمنع فيه عرفاً.
4 - (أو غير خارج) بل عين هذا الكلام أو شيء منه يكون دالاً على عدم إرادة الحقيقة.
أ- (فإمَّا أن يكون بعض الأفراد أولى، كما ذكرنا في التخصيص) أنَّ المخصص قد يكون نقصان بعض الأفراد أو زيادته فيكون اللَّفظ أولى بالبعض الآخر.
فإذا قال: كلُّ مملوك لي حرّ، لا يقع على المكاتب مع أنَّه مملوك حقيقةً، لنقصان في ملكه، فكان قرينة المجاز أولوية البعض الآخر، والمنع هنا شرعاً.
ب- (أولم يكن نحو: الأعمال بالنيات، ورفع عن أمتي الخطأ والنسيان، لأنَّ عينَ الفعل لا يكون بالنِّية، وعين الخطأ والنِّسيان ليسا بمرفوعين، بل المراد الحكم) والمنع فيهما عقلاً.
(ونحو: لا يأكل من هذه النخلة، أو من هذا الدقيق، ولا يشرب من هذا البئر) المنع في هذه الثلاثة حساً وعرفاً، فإن المعنى الحقيقي لما امتنع حساً وعرفاً عُلم أنه ليس بمراد، وإلا لكان اليمين خالية عن الفائدة؛ لأنَّها في مثله تكون للمنع، والمنع إنَّما يكون عن الممكن (ولا يضع قدمه في دار فلان) المنع فيه عرفاً (حتى إذا أكل من عينها أو استفه أو كرع أو وضع قدمه فيها ولم يدخل لا يحنث).
هذا كله إذا لم ينو ما يحتمله الكلام، وإلا فعلى ما نواه.
5 - (وكالأسماء المنقولة) القرينة المانعة هنا كونه منقولاً عرفاً أو شرعاً، ومنعها عقلاً
(ونحو التوكيل بالخصومة يصرف عن حقيقته لكونها مهجورة شرعاً) وهو كالمهجور عادة (إلى مطلق الجواب إقراراً كان إم إنكاراً) بطريق استعمال المقيد في المطلق، أو الكلّ في الجزء، بناء على عموم الجواب.
(فإما إذا كانت الحقيقة مستعملة والمجاز متعارفاً) أي غالباً في التعامل أو التفاهم، على الاختلاف بين المشايخ، عطف على أول المسألة وهو أنه لا بدَّ للمجاز من من قرينة (فعند أبي حنيقة المعنى الحقيقي أولى؛ لأن الأصل لا يترك إلا ضرورة، وعندهما المجاز أولى).
إنما اعتبر قيد الاستعمال في الحقيقة، وقيد التعارف في المجاز، للاتفاق على أنَّ العمل بالمجاز عند عدم القيد الأول، وبالحقيقة عند عدم القيد الثاني (ففي لا يأكل هذه الحنطة يصرف إلى أكل عينها عنده) قال في المبسوط: لأنَّ عينها مأكول عادةً، فإنها تغلى وتؤكل، ويتخذ منها [الكشك والهريسة، وقد تؤكل نيَّاً أيضاً حباً حباً]، (وإلى أكل المتخذ منها عندهما) هذا على رواية الأصل.
(مسألة)
(قد يتعذر المعنى الحقيقي والمجازي معاً، كقوله لامرأته وهي ممن لا يولد مثلها لمثله) سواء كانت أكبر سناً منه أو لا (أو معروفة النسب:) هذا لأنَّ التي يولد مثلها لمثله، إذا كانت مجهولة النسب ينتفي ملكه عنها، فتحرم عليه إذا ثبت على إقراره، وإن لم يثبت نسبها منه صرح بذلك في المبسوط.
(هذه بنتي، تعذُّرُ الحقيقي في الأوَّل ظاهر، وأما في الثاني فلأنَّه إما أن يثبت مطلقاً، أي في حقه وفي حق من اشتهر نسبها منه) بأن يكون دعوته معتبرة في حقهما، فيثبت نسبها منه، وينتفي ممن اشتهر منه (ولا يمكن هذا لأنه ثابت ممن اشتهر منه) فلا يبطل بإقرار الغير.
(أو في حق نفسه فقط) بأن يثبت منه، ولا ينتفي ممن اشتهر منه (وذا متعذر؛ لأنَّ الشرع يكذبه) لاشتهاره من الغير (فلا يكون) أي تكذيب الشرع (أقل من تكذيبه نفسه، والنسب مما يحتمل التكذيب والرجوع، بخلاف العتق) فإنه لا يحتمل ذلك.
(وأما تعذُّر المجازي فلأنَّ التحريم اللازم له) أي لقوله: هذه بنتي، الثابت به (منافٍ لملك النِّكاح، فلا يكون من حقوقه، فلا يملك الزَّوج إثباته) إذ ليس له تبديل محل الحل.
(والذي يملكه) وهو التحريم القاطع للحلِّ بالنِّكاح (ليس من لوازمه) أي من لوازم القول المذكور بل منافياته (فلا يصح استعارته له).
والحاصل أنَّ التحريم الذي في وسعه لا يصلح اللَّفظ له، والذي يصلح اللَّفظ له ليس في وسعه، فلا يصحُّ منه إثباتُ التحريم بهذا اللَّفظ.
مسألة
(الدَّاعي إلى المجاز)
اعلم أنَّ المجاز لا بد في صحته من علاقة بين المعنى الحقيقي والمجازي وقرينة صارفة عن الحقيقي إلى المجازي.
وأما الداعي إلى العدول عن الحقيقة إليه فليس مما لا بدَّ منه في صحته، إنما الحاجة إليه في رجحانه على الحقيقة وفصاحته.
وذلك الداعي إما لفظي وإما معنوي.
فاللفظي (اختصاص لفظه) أي لفظ المجاز (بالعذوبة) فربما يكون في لفظ الحقيقة بشاعة، كالخَنْفَقِيق فيعدل إلى لفظ المجاز كالدَّاهية لكونه عذباً.
(أو صلاحيته للشعر وزناً أو قافية) أي يكون لفظ الحقيقة بحيث لا يكون الكلام معه موزوناً أو مقفى بخلاف المجاز.
(أو السجع)، كالأسد، فإنه يصلح سجعاً مع الأحد، والعدد، دون الشجاع.
(أو سائر المحسنات البديعية) "من المقابلة والمطابقة والتجنيس والتَّرصيع وغير ذلك، فإنَّه ربما يتأتي بالمجاز، ويفوت بالحقيقة"، نحو: البدعة شرك الشِّرك، فإنَّ الشِّرك هنا مجاز استعمل لتجانس الشِّرك.
(أو معناه) أي اختصاص معناه، من هنا شرع في الدَّاعي المعنوي.
1 - (بالتعظيم) كاستعارة أبي حنيفة، لرجل عالم.
2 - (أو التحقير) كاستعارة الهمج: وهو الذباب الصغير، للجاهل.
3 - (أو الترغيب) كاستعارة ماء الحياة، لبعض المشروب.
4 - (أو الترهيب) كاستعارة الموت، للسيف.
5 - (أو التنفير) كاستعارة السُّم، لبعض المطعوم.
6 - (أو المبالغة) كإطلاق الأصابع على الأنامل في قوله: {يجعلون أصابعهم في آذانهم}.
7 - (أو زيادة البيان) كاستعارة: الأسد للرَّجل الشُّجاع، فإنَّها أقوى في الدَّلالة على الشجاعة من الحقيقة، لأنَّه دعوى بالبينة، فإنَّ الأسد يلزمه الشجاعة، وهذا دعوى بلا بينة.
8 - (أو الاستطراف) كاستعارة: بحر من المِسْك موْجُه الذَّهب، لفَحْم فيه جَمر موْقد، فإنَّ فيه إخراج ما يستحيل وقوعه مخرج الواقع، ليستطرف.
9 - (أو تلطف الكلام) أي اختصاص معناه بنوعِ لطفٍ في الكلام، كاستعارة أحد الضِّدين للآخر، تمليحاً أو تهكماً أو تفاؤلاً.
10 - (أو مطابقة تمام المراد) بيان ذلك "أنَّ المراد وهو أداء المعنى بكلام مطابق لمقتضى الحال، وتمام المراد إيراده بتراكيب مختلفة الدلالة عليه في مراتب الوضوح.
ولا خفاء في أنه لا يمكن بالدلالة الوضعية والألفاظ الحقيقية؛ لتساويها في الدلالات عند العلم بوضع، وعدمها عند عدمه، وإنما يمكن بالدِّلالات العقلية والألفاظ المجازية؛ لاختلاف مراتب اللزوم في الوضوح.
فإذا قصد مطابقة تمام المراد وتأدية المعنى بالعبارات المختلفة في مراتب الوضوح لا بدَّ من العدول عن الحقيقة إلى المجاز ليتيسر ذلك".
ووهْمُ الإخْلالِ بالفهم في المجاز مِن إخلال الوهم؛ لأنَّ شرط المجاز قيام القرينة، وعند ذلك يندفع احتمال الإخلال (أو غير ذلك) من الفوائد التي تختص بمعنى المجاز أو لفظه.
(فصل)
[الاستعارة التبعية]
إنَّ الاستعارة في الأفعال والصفات المشتقة تسمى تبعية، لأنَّها تجري أولاً في المصدر، ثمَّ بتبعيته تجري في الفعل، وما يشتق منه مثلاً، يقدر في نطقت الحال، أو الحال ناطقة بكذا تشبيه دلالة الحال بنطق الناطق، فيستعار النطق للدلالة، ثم يؤخذ منه نطَقتْ بمعنى دلَّتْ، وناطقة بمعنى دالَّة وغير ذلك، فعقد هذا الفصل لبيان أنَّ الاستعارة التبعية لا تختص بالأفعال والصفات، بل تجري في الحروف أيضاً.
فقال (قد تجري الاستعارة التبعية في الحروف فإنها) أي الاستعارة (تقع أولاً في متعلق معنى الحرف، ثم فيه) أي يعتبر التشبيه الذي عليه مدار الاستعارة أولاً في متعلق معنى الحرف، ويجري فيه الاستعارة، ثم بتبعية ذلك تجري في الحرف نفسه، والمراد بمتعلق معنى الحرف ما يعبر به عنه عند تفسير معناه (كـ"اللام" يستعار أوَّلاً التعليلُ للتَّرتيب) سواء وجد التعقيب، كما في أتيته للزيارة، أو لم يوجد كما في أسلم ليدخل الجنة.
(ثم بواسطتها يستعار اللام له نحو: وُلِدوا للموت) فإنه شبه ترتب الموت على الولادة بتعليل الفعل بالعلة الغائية، ثم استعمل في المشبه اللام الموضوعة للمشبه به فجرت الاستعارة أولاً في التعليل، وبتبعيته في اللام، وهذا ظاهر، ومعنى التعليل هو بيان العلية لا بيان المعلولية، فاللام إنما تدل على أنَّ مجرورها علة سواء كان معلولاً باعتبار آخر، كما في ضربته للتأديب، أم لا كما في قعدعن الحرب للجبن.
فكونه علة غائية كافٍ في اعتبار الترتيب على الفعل من غير حاجة إلى اعتبار كونه معلولاً، وهذا أيضاً واضح.
[حُروفُ المَعاني]
(وهنا نذكر حروفاً يشتد الحاجة إليها وتسمى حروف المعاني) أراد بالحروف حقيقتها ولذا سماها حروف المعاني، وهذا لا ينافي انتظامها الظروف تغليباً أو تشبيهاًلها بالحروف، إذ اللازم منه التجوز في صيغة الجمع لا في معنى الحرف.
(منها حروف العطف)
1 - (الواو: لمطلق العطف) أي جمع الأمرين وتشريكهما في الثبوت (بالنقل عن أئمة اللغة) لم يقل بإجماع النحاة؛ لأنها للمعية عند الفرآء، وللترتيب عند جماعة منهم، ثعلب، وقُطْرُب، وهشام، وأبو جعفر الدينوري،
وأبو عمرو الزاهد.
(واستقراء موارد استعمالها) فإنا نجدها مستعملة فيما لا يصح فيه الترتيب أو المقارنة.
والأصل في الإطلاق الحقيقة (وهي لجمع الاسمين المختلفين، كالألف لجمع المتحدين) يعني أنها بدل عن ألف التثنية يقوم مقامها عند تعذرها، فلا يخالفها في المدلول.
ولا دلالة في الأصل على الترتيب، ولا على المعية، فكذا في البدل.
(وقولهم لا تأكل السَّمك وتشرب اللَّبن) أي لا تجمع بينهما، دليل رابع، وفيه نظر.
(ولهذا) أي لما تقرَّر أن الواو لمطلق الجمع من غير ترتيب، لا يجب الترتيب في الوضوء، كيلا يلزم الزيادة على الكتاب من غير دليل صالح لذلك.
(ووجوبه) أي وجوب الترتيب بالنسبة إلينا (بين الصفا والمروة بقوله عليه السلام: ((أبدوا بما بدأ الله به))، لا بالقرآن) لأنَّ قولهم وهم من أهل اللسان بأيهما نبدأ دلَّ على أنَّ الآية خلو عن الدلالة على الترتيب.
وإنما قلنا بالنسبة إلينا، لأنه بالنسبة إليه عليه السلام بما لاحَ له من وحي غير متلو كسائر الواجبات بالسنة.
(وزعم البعض أنها للترتيب عنده) أي عند أبي حنيفة رحمه الله (وللمقارنة عندهما استدلالاً بوقوع الواحدة عنده، والثلاث عندهما في: إن دخلت الدار فأنت طالق، وطالق وطالق لغير المدخول بها، وهذا) أي الزعم المذكور (باطل إذ لا يلزم من ثبوت المقارنة أو الترتيب) في مورد استعمال الواو (كونه مستفاداً منها).
أبطله أولاً بطريق المنع.
ثم أبطله بطريق النقض بقوله:
(ويقع الثلاث اتفاقاً إن أخر الشرط) أي إن قال لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق إن دخلت الدار؛ لتعلّق الأجزية المتوقفة دفعة.
ثم أبطله بطريق الحلّ بقوله:
(ومبنى الخلاف على أنَّ تعليق الأجزية بالشَّرط عنده على التعاقب فوقوعها كذلك؛ لأنَّ المعلق كالمنجز عند الشرط، فلا يصادف الثانية والثالثة المحل).
بخلاف ما إذا قدم الأجزية إذ حينئذ يتعلق الكلُّ بالشَّرط دفعة؛ لوجود المغير في آخر الكلام.
(وعندهما الترتيب في التكلم لا في صيرورة اللفظ تطليقاً، [لأنَّ ذلك عند وجود الشَّرط، ولا تفريق فيه]، كما إذا قال ثلاث مرات لغير المدخول بها: إن دخلت الدار فأنت طالق يقع الثلاث فعند وجود الشرط كذا ههنا) لأنَّ المقدّر كالملفوظ.
(فإن قيل: إذا تزوج أمتين بغير إذن مولاهما) إنما قيده إذ لو كان بإذنه نفذ نكاحهما، ولا يبطل بالإعتاق، ولم يقل: وبغير إذن الزوج، كما قال فخر الإسلام، لأنه مستدرك ههنا، بل مخل (ثم أعتقهما المولى معاً صح نكاحهما).
(وبحرف العطف) أي قال: أعتقت هذه وهذه (بطل نكاح الثانية، فجعلتموه للترتيب).
(وإن زوَّج الفضولي أختين بعقدين فأجازهما متفرقاً بطل نكاح الثانية، وإن أجاز هما معا) أي قال: أجزت نكاحهما، (أو بحرف العطف) أي قال: أجزت نكاح هذه وهذه (بطلا) أي بطل نكاحهما (فجعلتموه للقِرآن).
(وإن قال: أعتقَ أبي في مرض موته هذا وهذا وهذا، ولا وارث له غيره، ولا مال له سواهم، وقيمتهم سواء).
(فإن أقر متصلاً عتق من كلّ ثلثة، وإن سكت فيما بين كل عتقين، عتق كلّ الأول، ونصف الثاني، وثلث الثالث) لأنَّه لما أقرَّ بعتق الأوَّل وسكت، عُتقَ كلّه لخروجه من الثلث، لأنَّ المفروض أنَّ قيمتهم سواء.
ولما قال بعد زمان: وهذا، وسكت فقد عطفه على الأوَّل، وموجبه أنَّ يعتق النِّصف من كلٍّ منهما، لكن لا يمكن الرجوع عن الأوَّل.
ولما قال بعد زمان: وهذا، فموجبه أن يعتق الثلث من كل منهم، فيعتق ثلث الثالث، ولا رجوع عن الثاني أيضاً.
(فجعلتموه للقِرآن) أي جعلتم حرف العطف فيما إذا أقر متصلاً بمنزلة قوله: أعتقهم أبي لأنَّه لو لم يكن للقِرآن بل ثبت الترتيب كان كمسألة السكوت.
(قلنا: أمَّا الأوَّل: فلأنَّه كما عتقت الأولى لم تبق الثانية محلاً لتوقف النكاح)، بل بطل لأنَّ نكاح الأمة على الحرة لا يجوز.
(وأمَّا الثاني والثالث؛ فلأنَّ الكلام يتوقف على آخره إذا كان آخره مغيراً بمنزلة الشَّرط والاستثناء، وفيهما كذلك).
أما في الثاني: فلأنَّ إجازةَ نكاحِ الثانية يوجبُ بطلانَ نكاحِ الأولى.
وأمَّا في الثالث: فإنَّ الأوَّل قبل إعتاق الأخيرين عتق مجاناً، وبعد إعتاقهما يلزم السِّعاية في ثلثي قيمته، إلا أنَّ التغيير إنما يؤثر إذا كان متصلاً.
(بخلاف الأوَّل) فإنَّ إعتاقَ الثانية من الأمتين لا يغيِّر إعتاق الأولى، فلا يتوقف فيه أوَّل الكلام، وإعتاق الثانية من الأختين يغير إعتاق الأولى، [فيتوقف فيه أول] الكلام.
قيل: مرجع الخلاف إلى الاختلاف في الوضع، فإن وضع مسئلة الأمتين أفرد لكل واحد منهما تحريراً فلم يتوقف صدر الكلام على الآخر.
وفي مسألة الأختين لم يفرد لكل واحد منهما إجازة فتوقف، حتى لو عكس الوضع لا نعكس الحكم.
(وقد تدخل بين الجملتين فلا يوجب المشاركة، إن لم تقعا في موضع خبر لمبتدأ، أو جزاء لشرط، ونحو ذلك) إنما قيد به إذ حينئذ توجب المشاركة في ذلك التعلق.
(ففي قوله: هذه طالق ثلاثاً، وهذه طالق، تطلق الثانية واحدة، وإنما تجب هي) أي المشاركة (إذا افتقر الآخر إلى الأوَّل فيشاركه) أي يشارك آخر الكلام أوله (فيما تم به الأوَّل بعينه) أي بعين ما تم.
(لا بتقدير مثله) لأنَّه خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا عند الضرورة، إن لم يمتنع [الاتحاد، أي إن لم يمتنع] أن يكون ما تمَّ به الأوَّل متحداً في المعطوفين (نحو: أن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق، ليس كتكرار قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، فلا يقع الثلاث عند أبي حنيفة رحمه الله هنا، بخلاف التكرار) فإنَّه يمكن أن يتعلق الأجزية المتكثرة بشرط واحد، فيتعلق طالق وطالق وطالق بعين الشَّرط المذكور، وهو "إن دخلت
، لا بتقدير مثله، أي لا يقدر شرط آخر حتى يصير، كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، كما زعمه أبو يوسف ومحمد.
(أو بتقدير مثله) عطف الجمل على قوله: لا بتقدير مثله (وإن امتنع) أي الاتحاد (نحو: جائني زيد وعمرو) لا بد أن يكون مجيء زيد غير مجيء عمرو.
(وبعضهم أوجبوا الشّركة في عطف الجمل أيضاً، حتى قالوا: إنَّ القِرآن في النَّظم يوجب القِرآن في الحكم فقالوا في: {واقيموا الصلاة آتوا الزكاة}: لا تجب الزَّكاة على الصَّبي كما لا تجب الصلاة عليه).
لا يقال هذا بناء على أنَّه يجب أن يكون المخاطب بأحدهما عين المخاطب بالآخر، لأنَّه غيرُ لازمٍ على ما أفصح عنه صاحب الكشاف حيث قال في تفسير قوله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما}: يجوز "أن يكون أول الخطاب للأزواج، وآخره للأئمة".
وعدم وجوب الزكاة على الصبي عندنا، لأنه عبادة يتضمن الضرر المالي، والصبي ليس بأهل لها.
(وهو فاسد عندنا؛ لأن الشركة إنما تثبت إذا افتقرت الثانية).
(وفي: إن دخلت الدار فأنت طالق، وعبدي حر إنما تعلق العتق بالشرط؛ لأن هذه الجملة في قوة المفرد في حكم الافتقار، فعطفت على الجزاء ليكون الواو على أصلها وعطف الأسمية على مثلها) جواب سؤال مقدر تقريره:
إن موجب ما ذكر من أنَّ الشركةَ إنما تثبتُ إذا افتقرت الثانية أن لا يتعلق وعبدي حرّ في قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق وعبدي حر، بالشرط، بل يكون كلاماً مستأنفاً عطفاً على المجموع؛ لأنها جملة تامة غير مفتقر إلى ما قبلها.
وتقرير الجواب:
أنها في قوة المفرد وحكم الافتقار؛ لأنَّ مناسبتا الجزاء في كونها اسميتين، وكون الأصل في العطف بالواو التشريك ترجُّح عطفها على الجزاء وحده يجعلها في قوة المفرد، وحكم الافتقار.
قوله: ليكون الواو على أصلها يعني أنَّ الأصلَ في العطف بالواو التشريك، فيحْمَل عليه ما أمكن رعايةً للأصل، وهذا إذا كان المعطوف مفتقر إلى ما قبله حقيقة كما في المفرد، أو حُكْماً كما في الجملة التي لا صارفَ عن اعتبارها في قوة المفرد.
وأمَّا إذا لم يمكن الحملُ على التشريك فلا تحمَل، وهذا إذا كان المعطوف جملة لا تكون في قوة المفرد، وحكم المفتقر إلى ما قبلها كما في قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}، فالواو تكون لمجرد النسق والترتيب.
(بخلاف وضرتك طالق) يرجع إلى قوله: يتعلق العتق بالشرط يعني إن قوله: وضرتك طالق، في قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، وضرتك طالق.
وإن أمكن حمله على الوجهين لكنَّ فيه صارفاً عن اعتبارها في قوة المفرد (فإن إظهار الخبر) وهو قوله: طالق (دليل على عدم مشاركته في الجزاء) وصارف عن العطف عليه إذ حينئذٍ يكفي أن يقال: وضرتك.
(ولهذا) ولأجل ما ذكرنا فى قوله: وعبدي حرٌّ، فما يوجب كونه معطوفاً على الجزاء، وما ذكرنا في: وضرتك طالق، من قيام الدليل على عدم المشاركة في الجزاء (جعلنا قوله تعالى: {لا تقبلوا لهم شهادة أبدا}، معطوفاً على الجزاء) لأنه جملة إنشائية مثل قوله: (فاجلدوهم)، والمخاطب بها الأئمة، فدليل المشاركة في الجزاء هنا قائم فعطفنا عليه.
(لا قوله: {وأؤلائك هم الفاسقون}) لأنه جملة خبرية وليس الأئمة مخاطبين بها، فدليل عدم المشاركة في الجزاء قائم هنا، فلم نعطف عليه، وثمرة هذا تأتي بيانها في آخر فصل الاستثناء.
2 - (الفاء):
عاطفة كانت أو لا (للترتيب، وهي إذا كانت عاطفة تفيد التعقيب بلا تراخٍ) إنما قال إذا كانت عاطفة؛ لأنها إذا لم تكن عاطفة، وهي التي تسمى فاء السببية، ويختص بالجمل، وتدخل على ما هو جزاء لا تفيد التعقيب بلا تراخٍ للقطع بأنَّه لا دلالة في قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة}، على أنَّه يجب السَّعي عقيب النداء بلا تراخٍ.
(وإن قال: إن دخلت هذه الدار فهذه، فأنت طالق، فالشرط أن تدخل على الترتيب من غير تراخٍ) أي من غير أن يشتغل بينهما بعمل آخر.
(وقد تدخل على المعلول عاطفة كانت نحو: سقاه فأرواه) السقي إشراب الماء ولا يلزمه الإرواء.
(أوْ لا نحو: جاء الشتاء فتأهَّب، الفاء هنا جزائية).
وتعرفها بأن يصلح تقدير إذا الشرطية قبلها، وجعل مضمون الكلام السابق شرطها
(والمعلول لا بد أن يغاير علته في الوجود) إذا كانت العلية بحسب الوجود في الخارج، ضرورة أنها متقدمة عليه بحسبه.
(والشراء في قوله عليه السلام: "لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً، فيشتريه فيعتقه" سبب للملك وهو) أي الملك (شرط الإعتاق) فلا احتمال للاتحاد بين الشراء والإعتاق.
فإن قلت: فمعنى قوله فيعتقه وليس هنا فعل آخر سوى الشراء.
قلت: لما كان الملك في الصورة المذكورة حاصلاً للولد بسبب اختياري أثبت الشرع إعتاقاً حكمياً من جهته (فقوله:) تفريع على ماتقدم من كون الفاء للترتيب (فحرٌّ، في جواب من قال: بعت هذا العبد منك بكذا، يكون قبولاً) إذ الا عتاق لا يترتب على الإيجاب، إلا بعد ثبوت القبول فكأنه قال: قبلت فهو حر.
(بخلاف هو حرّ) لأنه يحتمل رد الإيجاب ببيان حريته قبله.
(ولو قال لخياط: أيكفي هذا الثوب قميصاً فقال: نعم، فاقطعه فقطعه، فإذا هو لا يكفيه يضمن) الخياط قيمة الثوب (كما لو قال: إن كفاني فاقطعه بخلاف قوله: اقطعه) وذلك لأن الإذن بالفاء مقيد بالشَّرط وبدونها مطلق.
(وقد تدخل على العلل) أي قد تجيء فاء السببية للتعليل، وذلك إذا كان ما بعدها سبباً لما قبلها (نحو: {فاخرج منها فإنك رجيم}) وأبشر فقد أتاك الغوث، {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى}، وذلك لأن ذكر المسبب يقتضي ذكر السبب، لا لأن المعلول يكون علة غائية للعلة، إذا كان مقصوداً منها؛ لأن أفعاله تعالى غير معللة بالأغراض، "والإبشار ليس علة غائية لإتيان الغوث، ولا الأمر بالتزود لكون خير زاد التقوى، على أن المقصود من العلة إنما يكون علة لعلية العلة، لا للعلة نفسها".
(فإن قال: أدِّ إليّ إلفاً فأنت حر، أو إنزل فأنت آمن، يعتق ويأمن في الحال) لأنَّ معنى الأول: لأنك حر، ومعنى الثاني: لأنك آمن، ولا يمكن أن يكون جواباً للأمر؛ لأن جوابه لا يكون إلا الفعل المضارع على ما بين في موضعه.
3 - (ثمَّ):
(للترتيب مع التراخي وهو) أي التراخي (عنده) أي عند أبي حنيفة رحمه الله (في التكلم والحكم) لأنها لمطلق التراخي، فينصرف إلى الكامل، وما فيهما جميعاً، ولأنها دخلت على اللفظ فيظهر أثرها فيه أيضاً.
(وعندهما في الحكم فقط، فإن قال: أنت طالق ثم طالق ثم طالق إن دخلت الدار، فعندهما يتعلقن جميعاً، وينزلن مرتباً).
(فإن كانت مدخولاً بها يقع الثلاث، وإلا يقع واحدة).
(وكذا إن قدَّم الشرط).
(وعنده في غير المدخول بها إن قدم الجزاء يقع الأول في الحال) لعدم تعلقه بالشرط فكأنه قال: أنت طالق وسكت، لما مرَّ أنَّ التراخي عند التكلم أيضاً (ويلغو الباقي) لعدم المحلِّ؛ لأنَّ المرأة غير مدخول بها.
(وإن أخر تعلق الأول ونزل الثاني) أي وقع في الحال لعدم تعلقه بالشرط كأنه قال: إن دخلت الدار فأنت طالق وسكت، ثم قال وأنت طالق، وذلك لأن "ثم" يتضمن معنى الجمع والتراخي.
وإذا قام السكوت مقام التراخي بقي الجمع، وهو معنى الواو.
والاتصالُ صورةً كافٍ في صحة العطف، وإثبات المشاركة في المبتدأ بخلاف التعليق بالشرط، فإنه يتوقف على الاتصالِ صورةً ومعنى.
(ولغا الثالث) لعدم المحل، وفائدة تعلق الأول أنَّه إن ملكها ثانياً ووجد الشرائط يقع الطلاق.
(وفي المدخول بها إن قدم الجزاء نزل الأول والثاني) أي يقعان في الحال لعدم تعلقهما بالشرط، كأنه سكت ثم قال: أنت طالق إن دخلت الدار، ولما كانت مدخولاً بها تكون محلاً، فيقع تطليقتان.
(وتعلق الثالث) لقربه بالشرط (وإن أخر تعلق الأول ونزل الباقي) وهذا ظاهر.
4 - (بل):
(للإعراض عما قبله) أي جعله في حكم المسكوت عنه من غير تعرض لإثباته أو نفيه، كما إذا انضم إليه "لا" فإنه حينئذ يصير نصاً في نفي الأول (وإثبات ما بعده على سبيل التدارك نحو: جائني زيد بل عمر).
(لهذا) أي لكونه للإعراض عما قبله (قال: زفر في قوله: عليَّ ألف بل ألفان، يجب ثلاثة آلاف؛ لأنه لا يملك الأعراض عن الأول) وإبطال موجبه بجعله في حكم المسكوت عنه (كقوله: أنت طالق واحدة بل ثنتين تطلق ثلاثاً).
(قلنا: الإخبار يحتمل التدارك، ويراد به) أي بالتدارك بكلمة بل (نفي الانفراد) عما ذكر قبله عدداً كان أو معدوداً (عرفاً نحو: سني ستون بل سبعون) وعندي رجل بل رجلان.
(بخلاف الإنشاء، فإنه لا يحتمل التدارك) لأن مدلوله لا يختلف عنه (فيقع واحدة إذا قال ذلك) أي قوله أنت طالق واحدة بل ثنتين (لغير المدخول بها) فإنه كما قال: أنت طالق واحدة وقعت الواحدة لكونه إنشاء فلم يبق المحل حتى يقع بقوله: بل ثنتين.
(بخلاف التعليق) بأن يقال لغير المدخول بها: إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة بل ثنتين (فإنه حينئذ يقع الثلاث) عند الشرط (لأنَّه قَصَد الإعراض) عن الكلام (الأول) وإبطال موجبه، وهو تعليق الواحدة بالشرط (وإيقاع) الكلام (الثاني مقامه فاقتضى ذلك اتصاله بالشرط) المذكور بلا واسطة.
(ولا يملك) أي ليس في وسعه (إبطال موجب الكلام الأول بالإعراض عنه فقدِّر شرط آخر) في الكلام الثاني عملاً (بموجب قصده) فإنه لو لم يقدَّر لاتصل بواسطة، وهو خلاف المقصود.
فاجتمع تعليقان أحدهما: أن دخلت الدار فأنت طالق واحدة، والآخر: إن دخلت الدار فأنت طالق ثنتين، فإذا وجد الشرط وقع الثلاث (فصار كما قال: لا بل أنت طالق ثنتين إن دخلت الدار) أي صار نظيراً لهذه المسئلة في وقوع الثلاث عند وجود الشرط.
(بخلاف الواو) أي بخلاف ما إذا أتى بالواو بدل بل (فإنه للعطف على تقدير الأول) لا مع الإعراض عنه، وإبطال موجبه (فيتعلق الثاني) بعين ما تعلق به الأول (بواسطة الأول) أي يقتضى الاتصال بالشرط المذكور بواسطته، فعند وجود الشرط يكون الوقوع على الترتيب في الذِّكر عند أبي حنيفة، ولما لم يبق المحل بوقوع الأول لعدم الدخول بها لا يقع المذكور ثانياً (كما قلنا) في حرف الواو.
-5 (لكن):
(للاستدارك) اعلم أنَّ "لكن" إن وليها كلام فهي حرف ابتداء لمجرد إفادة الاستدراك، وليست بعاطفة، وإن وليها مفرد فهي عاطفة إن تقدمها نفي أو نهي، نحو: لا يقم زيد لكن عمرو (إن دخل في المفرد يجب سبق نفي) نحو: ما رأيت زيداً لكن عمرواً، فإنه يتدارك دفع وهم عدم رؤية عمرو أيضاً بناء على مخالطة بينهما أونهي.
(وإن دخل في الجملة يجب اختلاف طرفيها) بالنفي والإثبات من جهة المعنى سواء كانا مختلفين لفظاً أيضاً، نحو: جاءني زيد لكن عمرو لم يجئ، أو لا نحو: سافر زيد لكن عمرو حاضر.
(وهي بخلاف "بل") حيث لا تدل على الإعراض عن الأول (فإن أقر لزيد بعبد، فقال زيد: ما كان لي قط لكن عمرو، فإن وصل فلعمرو، وإن فصل فللمقر؛ لأن النفي يحتمل أن يكون تكذيباً له في إفراده فيكون رد إلى المقر، ويحتمل أن لا يكون) تكذيباً له (بل يكون معناه العبد، وإن كان معروفاً بأنه لي لكنه كان في الحقيقة لعمرو، والأول هو الظاهر، فعلى الثاني يصير بيان تغيير فلا يصح إلا موصولاً) حتى يثبت الإثبات لعمرو مع النفي عن زيد، لا متراخياً عنه، لأن النفي حينئذ يصير رداً للاقرار، ولا يثبت مالكية عمرو لمجرد الإخبار.
(وعلى هذا قالوا: إن قال المقضي له بدار بالبينة: ما كانت لي قط لكنها لزيد، بكلام متصل وقال: زيد باع المقضي له مني أو وهبها لي بعد القضاء) أي صدقه في الإقرار، وكذبه في أنها لم تكن له قط (أن الدار لزيد؛ لأنَّه لما وصل الاستدراك بالنفي، فكأنَّه تكلم بهما معاً فيثبت موجبها) وهو نفي الملك عن نفسه وثبوته لزيد معاً.
(وعلى المقضي له القيمة) أي قيمة الدار (للمقضى عليه، لأنَّ تكذيب الشهود وإثبات ملك المقضى عليه لازم لذلك النفي، فيثبت بعد ثبوت موجبي الكلامين) وهما نفي الملك عن نفسه وثبوته لزيد (لأنَّ لازم الشيء الثابت به متأخر عنه وعما معه، فيكون أي النفي المذكور حجة عليه) أي على النافي حيث يبطل به شهادة الشهود لكونه إقراراً على نفسه (لا على زيد) لأنَّه الإقرار على الغير، فلا يبطل به الملك الثابت له (فيضمن القيمة) أي يضمن المقضي له قيمة الدار للمقضى عليه؛ لأنَّه أتلفها بالإثبات لزيد.
(ثم إن اتسقَ الكلام) عطف على أوَّل البحث، أي ينظر أنَّ الكلامَ مرتبطٌ أم لا، أي يصلح أن يكون ما بعد "لكن" تداركاً لما قبله أو لا، فإن صلح له (تعلق ما بعده بما قبله وإلا) أي وإن لم يصلح لذلك (فهو كلام مستأنف، نحو لك علي ألف قرض، فقال: المقر له لا لكن غصب، الكلام متسق، فصح الوصل على أنه نفي السبب لا الواجب) إذ حينئذ لا يستقيم: "لكن غصب"، ولا يكون الكلام مرتبطاً، وبالحمل على نفي السبب يرتبط فاخترناه فقلنا: إنَّه نفي للسبب لا ردٌّ للإقرار.
(بخلاف ما إذا تزوجت الأمة بغير إذن مولاها بمائة، فقال: لا أجيز النكاح لكن أجيز بمائتين ينفسخ أصله، ويجعل "لكن" مبتدأ؛ لأنه نفي إجازة النكاح عن أصل النكاح، فلا يمكن إثباته بمائتين) فعلم أنه غير متسق، فحملنا قوله: لكن أجيزه بمائتين، على أنه كلام مستأنف، فيكون إجازة نكاح مهره مئتان.
6 - (أو):
(لأحد الشيئين) "فإن كانا مفردين يفيد ثبوت الحكم لأحدهما أو بأحدهما.