الجزء 1 · صفحة 5
رسالة في منشأ الاختلاف بين الأئمة
للعلامة شيخ الإسلام أحمد بن سليمان بن كمال باشا الحنفي
توفي سنة (940هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لوليه، والصَّلاةُ على نبيه.
الأصل في الاختِلافِ أَنْ يَكونَ عَن حُجَّةٍ وبُرْهَانٍ، وَقَدْ يَكونُ عَنِ اخْتِلَافِ عصر وزَمان؛ كالاخْتِلافِ بَينَ أبي حنيفة وصَاحِبَيْهِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ:
وهي: مَن أخرَجَ زَكاةَ فِطرة مِنَ الزَّبيب، يُخرِجُ مَنَوَينِ كَالحِنْطَةِ عِنده؛ لأنَّ سِعرَهُما كانَ في زَمانِهِ مُوافقاً، وقالا: يُخرِجُ منَ الزَّبيب أربَعَةَ أمناء؛ كالتَّمْرِ والشعير؛ لأنَّ سِعْرَهُما كان في زمانهما موافقاً.
وفي هَذهِ المَسألة، وهي: مَن حَلَفَ أنْ لا يأكُلَ رَاساً؛ فأكل رأسَ البَقَرِ، يحنَثُ؛ كرأس الغنمِ عِندَهُ؛ لأَنَّهُ كانَ يُشْوَى فِي زَمَانِهِ الرَّأْسانِ جَميعاً، وقالا: لا يحنث ما لمْ ياكل رأس الغنم؛ لأنه كان لا يُشْوَى في زمانهما إلا رأسُ الغَنم.
وفي هَذهِ المَسألة، وهي: لبسُ السَّوادِ يُكرَهُ عِندَهُ؛ لأَنَّهُ كَانَ لا يَلْبَسُونَ ذلك في زمانِهِ، ويَعدُّونَهُ عَيْباً، فأجاب بما شَهِدَ في زمانه، وقالا: إنه يجوز؛ لأنَّ في زمانهما كانوا يلبسونَ السَّوادَ ويفتخرونَ بهِ.
وكانَ هَذا وَجة الخِلافِ في هَذهِ المَسألة: وهيمَن غَصَبَ ثَوباً، فَصَبعَهُ أسود، فهو نُقصان عِندَهُ، وعندهما زيادةٌ، هَذا عَلى تَخريج (بَعضِ المَشايخ على ما ذكر في الهداية» وشروحه.
وفي هذه المَسألة، وهي للقاضي أنْ يَقضِيَ بِظَاهِرِ العَدالةِ قبلَ أَنْ يَسأَلَ عَن حال الشهود إذا لم يطعن فيهم الخصم، والمشهودُ بِهِ حَقٌّ يَبتُ معَ الشَّبُهَاتِ، ليس له أن يقضي به، وهذا أيضاً على تخريج بعض المشايخ.
قالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ في كِتابِ التركية: واختلفَ المَشايِخُ فِيهِ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بأن هذا اختلافُ عَصر وزمان، لا اختلافُ حجّةٍ وبُرهان؛ لأنَّ أبا حنيفة إِنَّمَا قَالَ ذلك في أهل زمانه؛ لأنَّ تعديل أهلِ زَمانِهِ يَثتُ مِن جهةِ النَّبِيُّ عَليهِ السَّلامِ؛ لأنه كانَ في القَرنِ الثَّالث، وقد أثنى النَّبِيُّ عَليهِ السَّلامُ عَلَى القَرْنِ الثَّالِثِ بِالخَيرِيَّةِ: حيث قال: (خَيرُ القُرونِ الَّذِي أنا فيهم، ثمَّ الَّذِين يلونهم، ثمَّ الَّذِين يلونهم، ثمَّ
الجزء 1 · صفحة 7
يَفشُو الكذب».
ومتى ثبت تعديل أهلِ زَمَانِهِ مِن جهتهِ عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، استغنى القَاضِي عَن تَعديلِ المُزكِّي.
وهما إنما قالا ذلك في أهل زمانهما؛ لأن تعديل أهل زمانهما لَمْ يَثبت مِن جهته عليه السلام، فاحتاج القاضي إلى تعديل المُزكِّي، إِلَّا أَنَّ هَذَا غَيْرُ سَديد.
والاعتراض عَليهِ أنَّ في زمن أبي حنيفةً إنَّما كان للقاضي أنْ يَعْضِي بظاهر العدالة ما لم يطعن الخصم فيهم، فإذا طَعَنَ لم يكن لهُ أنْ يَقضِيَ، وكذا ما كانَ لَهُ أَنْ يَقضِيَ وإِنْ لمْ يطعن الخَصم فيهم فيما لا يثبت معَ الشُّبهاتِ، وهو الحُدودُ والقِصَاصُ، ولَو كانَ المَعنَى هَذا، فإذا عدَّلهمْ النَّبِيُّ عَليهِ السَّلامُ، كانَ لهُ أَنْ يَقضي: وإِنْ طَعَنَ الخَصم فيما لا يثبت مع الشبهات.
ومنهم من قالَ: َبلْ هَذا اختِلافُ حُجَّةٍ وبُرهان، وهو الصحيح، هما يقولان: إنَّ العدالة ثابتة باستصحاب الحال، والثابت باستصحاب الحالِ يَصلح حجة لإبقاء ما كان ثابتاً، ولا يصلح لإثبات ما لم يكن ثابتاً؛ كالمِلْكِ الثَّابِتِ بظاهر اليد؛ فإنَّه يصلح للدفع لإبقاء ما كانَ ثابتاً، ولا يصلح لإثباتِ ما لم يكن، وهو الأخذ بالشفعة، والحق لم يكن ثابتاً على المُشْهُودِ عَليهِ قبلَ الشَّهادَةِ، فلا يثبت بالعدالة الثابتة باستصحاب الحال.
وأبو حنيفة احتج بما روى محمد في أدب القاضي: عَن عُمر بن الخطابِ رضي الله عنه: أنه قال: (المسلمونَ عُدولٌ بَعضُهم على بعض إلا محدوداً في قذف)، فهَذا القَولُ تُقلَ عَنهُ، ولم يُنقل عن غيره خلاف ذلك، فحلّ محلّ الإجماع، إلى هنا كلامه.
وفيه أنَّ الاحتجاج بما روى مخصوص بما إذا كانَ الشُّهودُ مُسلِمينَ، والمسألة على إطلاقها تنتظمُ الشُّهود من أهل الأُمَّةِ.
قال الإتقاني في غاية البيان نقلاً عن «شرح الأقطع: ووجه قول أبي حنيفة أنَّ النبيَّ عَليهِ السَّلامُ قَبل شهادة الأعرابي عَلَى رُؤية الهلال، ولم يسأل عن عدالته في الباطن: حيثُ أظهر الإسلام، ولأنَّ الظَّاهِرَ هُو العدالة في المُسلمين.
قالَ عُمَرَ رَضِيَ الله عنه: (المُسلِمونَ عُدُولٌ بَعضُهُمْ عَلَى بَعض إِلَّا مَحدُوداً في قذف)، ويُكتفى بالظاهر؛ لتعذر الوصول إلى القطع؛ لأن قبول قولِ المُزكِّي أيضاً عمل بالظاهر، بخلاف ما إذا طعن
الجزء 1 · صفحة 8
المَشْهُودُ عَليهِ؛ حَيثُ يُسألُ عَنِ الشهود؛ لأنه يُقابلُ الظَّاهِرَ؛ لأنَّ الشَّاهِدَ المُسلم لا يكذبُ ظاهراً، فكذلكَ الخصم مسلم لا يكذب في طعنه ظاهراً، فوجب السؤال، طلباً الترجيح أحد الظَّاهِرين على الآخر، انتهى.
وفي تقريره اعتبار قيد آخر، وهُو أن يكونَ الخَصم مُسلِماً، فزادَ في الطنبور نَعْمةً أُخرى. وفي هذه المسألة: ولو شَرَطَ الكفيل تسليم المكْفُولِ عنه إلى مَن كَفِلَ له في مجلس القاضي وسَلَّمهُ في المِصْرِ أو في مِصْرِ آخَرَ؛ بَرِئَ عند أبي حنيفة، وعندهُما لا يبرأُ. قيل هذا اختلافُ عَصْرِ وزَمان، لا اختلافُ حُجَةٍ وبُرهانٍ، فَإِنَّ أَبا حنيفةَ كَانَ في القرن الثاني، وقد شَهِدَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لأَهلِهِ بالصدق، فكانَ الغَلبَةُ لأهلهِ الصَّلاحُ، والقُضاة لا يرغبون إلى الرشوة، وعامِلُ كلَّ مِصْرٍ مُنقاد لأمر الخليفة، فلا يقعُ التَّفاوتُ بالتسليم في ذلك المِصْرِ أو في مِصْرِ آخَرَ، ثم تغير الحال بعده في زمانهما، فظهر الفساد، والحيلُ مِنَ القُضاة إلى أَخذ الرَّسُوةِ، فَقيد التسليم بالمِصْرِ الذي كَفِلَ له فيه دفعاً للضّرر عن الطالب. كذا في «العناية».
وكالاختلاف بينَ الثَّلاثِةِ وزُفَرَ فِي هَذِهِ المَسأَلةِ: مَن رأى صَحِنَ الدَّارِ، فلا خِيارَ لهُ عِندَهُمْ وَإِنْ لم يُشاهِدْ بُيونَها.
وعِندَ زُفَرَ رحمه الله: لا بدَّ مِن دُخولِ داخلِ البُيوتِ، قال في «الحقائقِ»: والأصح أن جواب الكتاب على وفاقي عادتهم في الأبنية؛ فإنَّ دورهمْ لم تكن متفاوتة يومئذ، فأمَّا اليَومَ: فلا بدَّ مِن الدُّخولِ فِي الدَّارِ.
وكالاختلاف بيننا وبينَ الشَّافعي، وهي هذه المسألة: الاسْتِنجارُ على الأَذَانِ والحَج، وكذا الإمامَةِ وتعليمِ القُرآنِ والفِقْهِ؛ لا يجوز عندنا، وعنده يجوز. وكان الشيخ أبو محمد عبد الله الخير الري يقول: الجواب الذي في الأصول كانَ في الزَّمَنِ الأَوَّلِ حيثُ كانَ النَّاسُ.